← Фикх общий

Фикх общий · id 8356

مجلة مجمع الفقه الإسلامي

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (22 276 стр.). Показаны 13266–13305 · переход к 13271.

стр. 13266

وذهب الماوردي في الأحكام السلطانية إلى أن بعض العيوب الخلقية تمنع من انعقاد الإمامة، قالوا: إنه يمنع من انعقاد الإمامة (ما شان وقبح ولم يؤثر في عمل ولا نهضة؛ كجدع الأنف وسمل إحدى العينين ... فالسلامة منه تكون شرطاً معتبراً في عقدها؛ ليسلم ولاة الملة من شين يعاب ونقص يزري فتقل به الهيبة، وفي قلتها نفور عن الطاعة، وما أدى إلى هذا فهو نقص في حقوق الأمة) (١) كما ذكرت فإن الشريعة الإسلامية لا تمانع في مثل هذه العمليات، ولكن لابد من تقدير العيب المطلوب علاجه، ومدى تضرر صاحبه به، وهل فيه معرة أو قلة أو زلة.... ويؤخذ في الاعتبار أيضاً خطورة الجراحة، فإن كان الاحتمال قوياً أن تؤدي إلى الوفاة أو إلى مشاكل أعقد فلا تصح عندئذ، ونقترح أن تنص اللوائح الطبية على إذن هيئة خاصة من نقابة الأطباء ومن المختصين في مثل هذه العمليات حتى لا يقع الناس في مهالك أكبر، ولا يخفى أن إذن المريض في مثل هذه الحالات لابد منه صراحة. استدراك في شرط الإذن للخلو من المسؤولية: استثنت كثير من اللوائح الحديثة وكذلك مجمع الفقه الإسلامي في دورته الماضية ضرورة الحصول على إذن المريض أو وليه في الحالات التي تستوجب الإسعاف العاجل والتي لا يمكن فيها الانتظار لحصول هذا الرضا؛ لما في ذلك من هلاك مؤكد للمريض إذا لم يسرع في علاجه بما يراه الأطباء المختصون، والشريعة الإسلامية لا تعارض في هذا الاستثناء الحكيم خاصة في مثل هذه الأيام التي تكثر فيها حوادث الحركة وغيرها، وقد لا يفيق المريض أبداً إلا بعد أن يبدأ في علاج سبب الإغماء وقد يتعثر العثور على أهله وقرابته بالسرعة المطلوبة لإنقاذ المصاب، والأطباء في مثل هذه الحالات إنما يدفعون خطراً محققاً عن شخص عاجز عن تعرف مصلحته، والضرورات تبيح المحظورات كما هو معلوم، وهو من باب التعاون على البر والتقوى. وقد عرض ابن القيم ﵀ لهذه المسألة في مبحث (جريان العرف مجرى النطق) حيث قال: (ومنها لو رأى شاة غيره تموت فذبحها حفظاً لماليتها عليه، كان ذلك أولى من تركها تذهب ضياعاً، وإن كان من جامدي الفقهاء من يمنع ذلك ويقول: هذا تصرف في ملك الغير، ولم يعلم هذا اليابس أن التصرف في ملك الغير إنما حرمه الله لما فيه من الإضرار به، وترك التصرف هاهنا من الإضرار....) (٢)

стр. 13267

وقال ابن حزم في كتاب المحلى ما نصه: (من قطع يداً فيها أكلة بغير إذن صاحبها، قال أبو محمد: قال الله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: ٢] ، وقال تعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٤] ، فالواجب استعمال هذين النصين من كلام الله تعالى، فينظر: فإن قامت بينة أو علم الحاكم أن تلك اليد لا يرجى لها برء ولا توقف وأنها مهلكة ولابد، ولا دواء لها إلا القطع، فلا شيء على القاطع، وقد أحسن؛ لأنه دواء، وقد أمر رسول الله ﷺ بالمداواة، وهكذا القول في الضرس إذا كان شديد الألم، قاطعاً به عن صلاته ومصالح أموره فهذا تعاون على البر والتقوى، عن يحيى بن أسامة بن شريك، قال: قال رسول الله ﷺ : ((تداووا؛ فإن الله لم يضع داء إلا وضع له شفاء، غير داء واحد، قالوا: وما هو يا رسول الله؟ قال: الهرم)) (١) ، وجاء في المحلى أيضاً: قال علي فيمن داوى أخاه المسلم كما أمره الله تعالى على لسان نبيه ﵊ فقد أحسن، قال الله تعالى: ﴿مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ﴾ [التوبة: ٩١] . وأما إذا كان يرجى للآكلة برء أو توقف، وكان الضرس يتوقف أحياناً ولا يقطع شغله عن صلاته ومصالح أموره، فعلى القاطع والقالع القود؛ لأنه حينئذ متعد، وقد أمر الله تعالى بالقصاص في القود (٢) وأبلغ من ذلك ما جاء في شرح مختصر خليل عند قوله: (وترك مواساة وجبت بخيط ونحوه لجائفة) ، وجب على من كانت معه فتلة خيط أو حرير أو إبرة وهو مستغن عنهما حالاً أو مآلاً أن يواسيه بالخياطة لجرحه، فإن لم يفعل فإنه يضمن. وما ذكر في هذه المواضع يقاس عليه كل ما يستدعي الحال عمله لإنقاذ حياة مريض يشك في حياته لو لم تعمل له هذه العملية الجراحية المستعجلة، على نحو ما يراه الأطباء وأهل الخبرة.

стр. 13268

هل يمكن أن تقوم نقابة الأطباء أو شركة التأمين بدور العاقلة؟ القاعدة العامة للمسؤولية في التشريع الإسلامي أن كل إنسان يتحمل تبعة جنايته، ولا يسأل أحد عن جرم الآخر؛ لقول الله تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: ١٦٤] ، وللأحاديث الواردة في تعضيد هذا المبدأ القرآني، منها: روى أبو داود عن أبي رمثة قال: ((انطلقت مع أبي نحو النبي ﷺ ، ثم إن رسول الله ﷺ قال لأبي: ابنك هذا؟ قال: إي ورب الكعبة، قال: حقاً؟ قال: شهد به، قال: فتبسم رسول الله ﷺ ضاحكاً من ثبت شبهي في أبي ومن حلف أبي علي، ثم قال رسول الله ﷺ : أما إنه لا يجني عليك ولا تجني عليه. وقرأ رسول الله ﷺ : ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ )) ، وكذلك قول النبي ﷺ الذي رواه ابن ماجه: ((لا يجن جان إلا على نفسه. لا يجني والد على ولده، ولا مولود على والده)) (١) ولكن ورد استثناء في إلزام العاقلة بدفع دية الخطأ، وقد كان المبدأ سائداً قبل الإسلام فأمضاه رسول الله ﷺ لما فيه من نصرة وتخفيف وتعاون وبر وصلة رحم، وأصل وجوب الدية على العاقلة الحديث الصحيح الذي رواه أبو هريرة ﵁ قال: ((اقتتلت امرأتان من هذيل فرمت إحداهما الأخرى بحجر فقتلتها وما في بطنها، فاختصموا إلى النبي ﷺ فقضى أن دية جنينها غرة أو وليدة، وقضى بدية عاقلتها)) هذا لفظ البخاري، وروى الحديث مسلم، وأبو داود وابن ماجه وغيرهم، وتتحمل العاقلة الدية إذا كان الحادث خطأ ثابت بالبينة على الجاني، وأن تكون عن ضرر بدني لحر، وقال بعضهم: إن العاقلة تتحمل الدية التي لا تقل عن حد أدنى اختلفوا في تفصيله، وأجمع فقهاء المذاهب الإسلامية على أن دية الخطأ تجب على العاقلة مؤجلة في ثلاث سنين (٢) والعاقلة هم أهل ديوان الجاني كما قال الحنفية والمالكية إذا كان الجاني من أهل الديوان، وهم فرقته وحزبه في الجيش، وقال الإمام الشافعي: إن العاقلة هي عشيرة الجاني (٣) وقال فقهاء الحنابلة والشيعة الزيدية والإمامية: إن العاقلة هم عصبة الجاني نسباً وولاء (٤)

стр. 13269

ولكن يبدو أن كل هذه التفسيرات تتعلق بأوضاع كانت سائدة في الماضي نسبة لقوة الروابط القبلية والعصبية وتعاطف العشيرة، وهذا غير موجود اليوم على ما كان عليه آنذاك، ولذلك تطور الفقهاء المعاصرون بهذا المفهوم إلى وجه حديث من أوجه الخير وهو التعاون والإحسان الذي يراد به وجه الله وحده، وهو التأمين الإسلامي، والتأمين في هذا النظام الإسلامي لا يدخل إلا في قسم الخير الذي فيه معنى الإحسان، وتطمئن إليه النفوس، وإن مما يشرح الصدر في الإجابة على السؤال الموجه وهو: هل يمكن أن تقوم نقابة الأطباء وشركات التأمين بدور العاقلة؟ إن الأمر تعرض له سلفنا الصالح حيث قال بعضهم: إن عاقلة الجاني هم أهل حرفته ومهنته إذا لم يكن له عاقلة من الديوان أو العشيرة؛ لأنهم أهل نصرته وأهل صناعته (١) ، وعرفوا العاقلة تعريفاً عاماً قيماً فقالوا: إن عاقلة كل إنسان من يتناصر هو به إن كان من الديوان فعاقلته أهل ديوانه والصناع بعضهم لبعض (٢) وعليه نرى أن من أعظم أوجه التعاون أن يكون الأطباء لجنة خاصة لحرفتهم، يختارون أعضاءها من أهل الأمانة والديانة والأخلاق النبيلة، ويسندون إليها إدارة صندوق يجمعون فيه رسوماً سنوية، وينوون به أن يكون إعانة منهم لمن يجب عليه الضمان نتيجة خطئه، وأن يتخذوا جميع أسباب الرقابة الشرعية والحيطة المالية، حتى إذا أصيب أحدهم بضمان يدفعه –لا قدر الله- عوضوه من مال هذا الصندوق ويكون في ذلك مثوبة لكل من ساهم في هذا العمل الذي يحول التأمين من مقامرة يحرمها الدين إلى تعاون على البر ينال به صاحبه رضا الرحمن الرحيم.

стр. 13270

ملخص البحث ناقشت في هذا البحث حاجة الناس إلى الطب واللوائح الحديثة التي تنظم ممارسة المهنة، فتقصرها على الأطباء المؤهلين، وإذا مارس الطب أحد غير هؤلاء فهو مسؤول مسؤولية جنائية ومدنية عن جميع تصرفاته، وتكلمت عن وضع الطب في زمان النبي ﷺ وقبله وعدم الفصل رسمياً بين المؤهلين وغيرهم، إلى أن بين النبي ﷺ في حديثه الأساسي: ((من تطبب ولم يعرف الطب فهو ضامن)) ، مسؤولية الأطباء والفرق بين الحاذق وغيره، وهذا المبدأ هو الذي دفع كثيراً من الفقهاء بالحجر على المتطبب الجاهل ومنعه وتحميله المسؤولية كاملة جنائياً ومدنياً، ذكرت كذلك جملة من آراء الفقهاء في هذا الشأن، وكيف أن الخليفة العباسي المقتدر أمر طبيبه سنان بن ثابت بامتحان الأطباء والإذن لمن يراه صالحاً لهذا الغرض، وخلصت إلى أنه لا خلاف أن الشريعة الإسلامية تؤيد إصدار مثل هذه اللوائح وتنفيذها ومراقبة المهنة مراقبة دقيقة. تكلمت بعد ذلك عن مسؤولية الطبيب المأذون له بالطب، فبينت خلو طرفه من المسؤولية إذ أدى واجبه على الوجه المطلوب مهما كانت النتيجة، وبينت الأسباب الشرعية والقانونية في انعدام المسؤولية هنا، وتتلخص في إذن المريض أو إذن ولي أمره، ثم انعدام القصد الجنائي، وبينت أهمية التفرقة بين القصد الجنائي والباعث. ناقشت بعد ذلك نوع مسؤولية الطبيب المأذون له بالطب إذا أخطأ جسمياً بأن تجاوز الموضع المعتاد أو الرسم المعهود، وأيدت مذهب الحنفية في إعطاء الطبيب قدراً كبيراً من الاجتهاد والحرية في الإقدام على ما يراه مناسباً إذا لم يخرج عن القواعد المعروفة للمهنة، ولاشك أن في هذه الحرية والحق في الاجتهاد بما يلهمه الطبيب من محاولة جديدة تقدم الطب واتساع علومه ... ولا شيء على الطبيب ولو خالف رأيه رأي زملائه. وناقشت الاتجاهات الحديثة في الطب لمعالجة العيوب الخلقية بإجراء ما يسمونه بعمليات التجميل، وموقف الإسلام من ذلك ومسؤولية الطبيب فيها. وأخيراً بينت رأي الشرع في موضوع العاقلة وتفسير الفقهاء للعاقلة، وكيف أن هذا التفسير يبيح لنقابة الأطباء وشركات التأمين الإسلامية أن تقوم بدور العاقلة، والسبب في ذلك. الدكتور محمد عطا السيد سيد أحمد

стр. 13271

مداواة الرجل للمرأة والمرأة للرجل إعداد الدكتور محمد علي البار مستشار الطب الإسلامي بمركز الملك فهد للبحوث الطبية بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ مداواة الرجل للمرأة والمرأة للرجل مداواة المرأة للرجل: وردت عدة أحاديث صحيحة تفيد في مداواة المرأة للرجل الأجنبي عنها، فقد جاء: ١- في صحيح البخاري عن الربيع بنت معوذ ﵂، قالت: ((كنا مع النبي ﷺ نسقي، ونداوي الجرحى، ونرد القتلى إلى المدينة)) . ٢- وأخرج مسلم في صحيحه وأحمد في مسنده وابن ماجه في سننه أن أم عطية ﵂ قالت: ((غزوت مع رسول الله ﷺ سبع غزوات، أخلفهم في رحالهم، وأصنع لهم الطعام، وأجيز على الجرحى، وأداوي المرضي)) . ٣- وأخرج مسلم أيضاً عن أنس بن مالك ﵁ أنه قال: ((إن رسول الله ﷺ كان يغزو ومعه أم سليم (هي أيضاً أم أنس بن مالك) ، ومعها نسوة من الأنصار يستقين الماء، ويداوين الجرحى)) . ٤- وأخرج مسلم في صحيحه أن نجدة الخارجي كتب إلى ابن عباس ﵄، يسأله عن غزو النساء مع النبي ﷺ فكتب إليه أنه كان يغزو بهن فيداوين الجرحى، ويحذين من الغنيمة، وأما بسهم فلم يضرب لهن. ٥- وأخرج الحاكم في المستدرك وقال: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، عن أبي بكر بن سليمان بن أبي حثمة أن رجلاً من الأنصار خرجت به نملة، فدل أن الشفاء بنت عبد الله ترقي من النملة (١) ، فجاءها فسألها أن ترقيه، فقالت: والله ما رقيت منذ أسلمت، فذهب الأنصاري إلى رسول الله ﷺ فأخبره بالذي قالت الشفاء، فدعاها رسول الله ﷺ فقال لها، فعرضتها عليه فقال: ((ارقيه وعلميها حفصة كما علمتها الكتابة)) .

стр. 13272

٦- وعندما أصيب سعد بن معاذ ﵁ بسهم غرب في موقعة الأحزاب في أكحله (١) ((جعل له الرسول خيمة في المسجد وأوكل تمريضه إلى رفيدة الأسلمية، ثم جعل معه بعض الجرحى وأوكل تمريضهم جميعاً إليها)) . وذكر الإمام الذهبي في كتابه الطب النبوي (٢) : (ونص أحمد أن الطبيب يجوز له أن ينظر المرأة الأجنبية إلى ما تدعو إليه الحاجة إلى العورة، نص عليه في رواية المروزي والأشرم وإسماعيل، وكذلك يجوز للمرأة أن تنظر إلى عورة الرجل عند الحاجة.. قال المروزي: أصاب أبا عبد الله (أي الإمام أحمد) لوي فدعا بامرأة فأخرجته) ، ثم قال الذهبي: (وكذلك يجوز خدمته الأجنبية، ويشاهد منها عورة في حال المرض، وكذلك المرأة يجوز لها أن تخدم الرجل وتشاهد منه عورة في حال المرض إذا لم يوجد رجل أو محرم) . مداواة الرجل للمرأة: ومما استدل به على جواز مداواة الرجل للمرأة الأجنبية ما يلي: ١- روي عن جابر أن أم سلمة ﵂ استأذنت رسول الله ﷺ في الحجامة فأذن لها، فأمر أبا طيبة أن يحجمها (٣) ٢- لا خلاف بين الفقهاء على جواز مداواة الرجل للمرأة، ونظر ومس ما تدعو الحاجة إلى نظره أو مسه، وإن كان عورتها المغلظة إذا اقتضت الضرورة أو الحاجة، ومن هذه الشروط عدم وجود امرأة يمكنها القيام بمداواتها، وقال بعض الحنفية: ينبغي أن يعلم الطبيب امرأة كيفية مداواة المريضة، وخص بعضهم ذلك بالعورة المغلظة، فإذا كان المرض في فرجها وخيف عليها الهلاك أو الإصابة بألم لا تطيقه، ولم توجد امرأة يمكن تعليمها كيفية المداواة فللرجل أن يداويها. وتقدم الطبيبة الكافرة على الطبيب المسلم عند الشافعي، بحيث تداويها المرأة وإن كانت كافرة إلا إذا كان الرجل محرماً لها فيقدم على الكافرة، ويقدم الأمهر من الأطباء ولو كان رجلاً على المرأة.. ولو وجدت امرأة طبيبة لا ترضى إلا بأكثر من أجرة مثلها، ورضي الطبيب الرجل بأقل منها جاز للرجل مداواتها. بل لو وجد كافر يرضى بأجرة أقل من أجرة الطبيب المسلم جاز التداوي عنده، ويجوز التداوي عند الأمهر من الأطباء ولو كان كافراً مع وجود مسلم أقل خبرة ومهارة منه (٤)

стр. 13273

ولابد أن يكون مع الطبيب عند فحصه للمرأة مانع خلوة كوجود محرم من محارمها أو نساء أخريات، بل ذهب بعض الحنفية إلى أن الخلوة المحرمة بينهما تنتفي بوجود رجل آخر أجنبي عن المرأة، والراجح عند الشافعية أن الخلوة تنتفي بوجود امرأة ثقة أخرى، وذهب آخرون من الحنفية إلى عدم انتفاء الخلوة بوجود رجل أجنبي آخر، وكذلك القول المشهور عند الشافعية إذ يحرم خلوة رجل أو أكثر بالمرأة الأجنبية عنهم، وقال القفال الشاشي: يحرم خلوة رجل بامرأتين أو أكثر إلا إذا كانت إحداهن من محارمه فيجوز، وتنتفي الخلوة، وكذلك يحرم خلوة امرأة برجلين أو أكثر إلا إذا كان أحدهما من محارمها، وعند الحنابلة أن الخلوة لا تنتفي بوجود امرأة أو أكثر مع الطبيب والمريضة، كما لا تنتفي بوجود رجل أو أكثر أجنبي عن المرأة معها، ولابد لانتفاء الخلوة من وجود رجل من محارمها. وذهب بعض الحنفية والمالكية إلى جواز خلوة الشيخ الهرم المرأة الشابة وخلوة المرأة العجوز غير المشتهاة بالرجل الأجنبي (١) . وتحريم الخلوة ثابت في الصحيحين من حديث ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : ((لا يخلون رجل بامرأة إلا ومعهما ذو محرم)) ، وحديث عامر بن ربيعة أن رسول الله ﷺ قال: ((لا يخلون رجل بامرأة لا تحل له فإن ثالثهما الشيطان إلا محرم)) (٢) ويسمح للطبيب أن ينظر أو يمس موضع المرض، هكذا قال الفقهاء، وفي الطب الحديث يحتاج الطبيب لمعرفة العلة وسببها أن يفحص أماكن أخرى عديدة قد لا تبدو للعامة (وهم هنا غير الأطباء) أي علاقة ظاهرية لها بموضع الألم.. ومثاله امرأة تشكو من وجع في بطنها، وقد يكون المرض متعلقاً بالقلب، أو تشكو من صداع، ويكون المرض متعلقاً بضغط الدم، وحينئذ لابد من فحص القلب وغيره من الأعضاء وفحص قاع العين، أو تشكو من كثرة التبول الناتجة عن البول السكري، وذلك يستدعي فحص العديد من أعضاء جسمها، وهكذا، ولهذا فإن اشتراط موضع الألم فقط أمر لا معنى له؛ لأن موضع الألم قد يكون بعيداً عن سبب العلة، ولابد للطبيب أن يفحص ما يحتاج إلى فحصه من جسم المريضة لمعرفة المرض ومضاعفاته، وللوصول إلى التشخيص السليم، وبالتالي إعطاء الدواء الصحيح.

стр. 13274

طبيبات في الإسلام: لقد اشتهرت في الإسلام مجموعة من النساء بالطب وبالتمريض، وعرفن باسم الآسيات، وكانت القبالة مهنة مختصة بالنساء، ومن هؤلاء القابلات من الصحابيات الشفاء بنت عبد الله ﵂، وفيما يلي ذكر موجز لبعض من قام بالتطبيب والقبالة والتمريض من النساء: ١- فاطمة بنت محمد ﷺ وسيدة نساء العالمين: حينما قامت بحرق قطعة من حصير عندما رأت الدم لا يستمسك من رسول الله ﷺ عندما أصابته الجراح في أحد، فألزقت الحصير المحروق بموضع النزف فاستمسك الدم، وهو حديث صحيح رواه البخاري ومسلم وابن ماجه (١) والحصير الذي أحرقته السيدة فاطمة من البردي. قال ابن سينا في القانون: (البردي ينفع من النزف ويمنعه، ويذر على الجراحات الطرية فيدملها، والقرطاس المصري كان قديماً يعمل منه ... ويحبس نفث الدم ويمنع القروح الخبيثة أن تسعى) . ٢- عائشة بنت أبي بكر الصديق ﵄: حيث روي أن عروة بن الزبير قال لخالته عائشة (لأنها أخت أمه أسماء بنت أبي بكر) : ((يا أمتاه، لا أعجب من فقهك أقول: زوجة رسول الله ﷺ ، ولا أعجب من علمك بالشعر وأيام الناس، أقول ابنة أبي بكر، ولكني أعجب من علمك بالطب، قالت: إن رسول الله ﷺ كان يسقم عند آخر عمره فكانت تقدم عليه وفود العرب من كل وجه فتنعت له الأنعات، فكنت أعالجه، فمن ثم)) (٢) ٣- حفصة بنت عمر ﵄: أمر رسول الله ﷺ الشفاء بنت عبد الله أن تعلم حفصة رقية النملة (القوباء المنطقية = هربس زوستر) فقد روى أبو داود عن الشفاء قالت: دخل علي رسول الله ﷺ وأنا عند حفصة فقال: ((ألا تعلمين حفصة رقية النملة كما علمتها الكتابة)) (٣) وفي رقية النملة دعاء وطلاء للقروح بطلاء متخذ من الكركم والخل. ٤- أسماء بنت أبي بكر: وفي الصحيحين أن أسماء كانت إذا أتيت بالمرأة قد حمت تدعو لها، أخذت الماء فصبت بينها وبين جيبها وقالت: كان رسول الله ﷺ يأمرنا أن نبردها بالماء (٤)

стр. 13275

٥- رفيدة الأسلمية: أخرج البخاري ومسلم (١) أن رسول الله ﷺ جعل خيمة في المسجد لمداواة الجرحى في غزوة الخندق ومنهم سعد بن معاذ، وجعل الإشراف على تمريضهم لرفيدة الأسلمية. ٦- الشفاء بنت عبد الله بن عبد شمس القرشية: كانت تقوم بالقبالة وترقي رقية النملة، وقد تقدم رقيتها للأنصاري وتعليمها لأم المؤمنين حفصة رقية النملة بأمر النبي ﷺ . ٧- الربيع بنت معوذ: تقدم حديثها في البخاري حيث قالت: ((كنا مع النبي ﷺ نسقي ونداوي الجرحى، ونرد القتلى إلى المدينة)) . ٨- أم عطية: تقدم قولها: ((غزوت مع رسول الله ﷺ سبع غزوات أخلفهم في رحالهم، وأصنع لهم الطعام، وأداوي الجرحى، وأقوم على المرضى)) (٢) وأم عطية هي نسيبة بنت كعب بن عمرو بن عوف، وتكنى أم عمارة وكانت تختن البنات. ٩- أم سليم: (وهي أم أنس بن مالك وزوج أبي طلحة الأنصاري) ، وقد تقدم حديث أنس حيث قال: ((كان رسول الله ﷺ يغزو بأم سليم ونسوة من الأنصار ليسقين الماء ويداوين الجرحى)) (٣) وهكذا نرى أمهات المؤمنين والصحابيات الجليلات يداوين الجرحى ويسقينهم في ميادين القتال، وقد أخرج البخاري عن أنس ﵁: ((لقد رأيت عائشة بنت أبي بكر وأم سليم وإنهما لمشمرتان، أرى خدم سوقهما تنقلان القرب على متونهما، ثم تفرغانه في أفواه القوم ثم ترجعان)) . وروى عمر بن الخطاب قول النبي ﷺ : ((ما التفت يميناً ولا شمالاً يوم أحد إلا رأيت أم سليط تقاتل دوني)) .. وفي ذلك اليوم العصيب تقاعس عدد غير قليل من الصحابة عن القتال بعد وقع الهزيمة وسماعهم أن النبي ﷺ قد قتل ففت ذلك في عضدهم. وروى البخاري أن عمر بن الخطاب قسم مروطاً بين نساء المدينة، فبقي مرط جيد، فقال له بعض من عنده: يا أمير المؤمنين، أعط هذا ابنة رسول الله ﷺ التي عندك: (يريد أم كلثوم بنت علي وفاطمة الزهراء) فقال عمر: ((أم سليط أحق؛ فإنها كانت تزفر لنا القرب يوم أحد)) ، وتزفر أي تحمل الحمل الثقيل.. وهكذا كانت أم سليط تداوي الجرحى وتسقي العطشى وتقاتل دون النبي ﷺ عند اشتداد البأس.

стр. 13276

وأم سليط هي أم قيس بنت عبد من بني مازن، تزوجها أبو سليط بن أبي حارثة من بني النجار من الأنصار، فولدت له سليطاً وفاطمة، وكانت من أوائل من بايع النبي ﷺ بالمدينة، وشهدت أحداً وخيبر وحنيناً. ولم تكتف أيضاً أم عمارة الأنصارية بإسعاف الجرحى وسقاية العطشى، بل حملت السيف وقاتلت، وقتلت أم حكيم يوم اليرموك سبعة من الروم بعمود الفسطاط لما هجم الروم على مواقع المسلمين الخلفية. واشتهر بالطب من غير الصحابيات عدد من النساء منهن: ١- زينب طبيبة بني أود، واشتهرت بطب العيون (الكحالة) ، حتى تمثل بها الشاعر (١) حيث قال: أمخترمي ريب المنون ولم أزر طبيب بني أود على النأي زينبا ٢- أخت أبي بكر بن زهر الحفيد وبنتها: وقد اشتهرتا بالطب في الأندلس.. وهي عائلة طبية تخرج منها العديد من الأطباء.. وقد كان المنصور لا يسمح لأحد بمعالجة نسائه وأهله إلا أخت الحفيد أو ابنتها. ٣- ابنة شهاب الدين بن الصائغ: كان أبوها رئيس البيمارستان المنصوري بالقاهرة. ودرست الطب على يد والدها وعلى الأطباء المشهورين على عهده. واشتغلت بالطب، وتولت رئاسة البيمارستان المنصوري بعد وفاة والدها، وكانت تعتبر في المكانة السامقة في الطب في عهدها، وتولت مشيخة الأطباء!! (٢) . ٤- أم الحسن بنت القاضي أبي جعفر الطنجالي: من أهل برشلونة، كانت واسعة الاطلاع كثيرة المعارف، ولكنها اشتهرت بالطب (٣) ٥- بنت دهن اللوز الدمشقية: عرفت بالطب ومارسته، رغم أن بعض المؤرخين تشكك في ذلك (٤)

стр. 13277

ما هو الواقع اليوم؟ إن المستشفيات اليوم تعاني من اختلاط شديد بين الرجال والنساء، ولا يكاد يوجد في أقسام المرضى من الرجال ممرضين من الرجال إلا نادراً جداً، والأمر قائم كله على تمريض النساء للرجال. وقد ذكر فضيلة الشيخ علي الطنطاوي أمد الله في عمره، في أحد أحاديثه التي يجمع فيها بين العلم والمتعة والأدب، أن شخصاً كتب إليه يشكو أن ممرضة في أحد المستشفيات الخاصة قد قامت بحلق شعر عانته للتحضير لعملية كان سيجريها في ذلك المستشفى، وأنه لا توجد في أقسام الرجال من ذلك المستشفى سوى الممرضات. وهو أمر يحدث في كل المستشفيات تقريباً، مع عدم الحاجة إلى أن تقوم ممرضة بمثل هذا العمل للمريض، إذ يستطيع ذلك المريض نفسه في أغلب الحالات، كما يمكن إيجاد ممرضين من الرجال في أقسام الرجال. والعكس يحدث في أقسام النساء، حيث نجد أن معظم الأطباء في أقسام أمراض النساء هم من الذكور، ونادراً ما توجد طبيبة في أقسام النساء، وبالتالي تنكشف العورات المغلظة للنساء المسلمات العفيفات للرجال. وسنحاول هاهنا أن نورد الحجج التي يقدمها من يدافعون عما يجري حالياً في المستشفيات في البلاد الإسلامية، وموقفهم يتلخص فيما يلي: ١- عدم وجود عدد كاف من الممرضين الذكور. ٢- أثبتت المرأة قدرتها في مجال التمريض، ولعل التمريض أليق بوظيفتها الأنثوية. ٣- الآسيات في التاريخ الإسلامي شهادة ناصعة على سماحة هذا الدين. ٤- سماح الرسول ﷺ للصحابيات الجليلات وأمهات المؤمنين أن يداوين الجرحى ويسقين العطشى في المعارك والغزوات، وتمريض رفيدة الأسلمية لسعد بن معاذ، ورقية الشفاء للصحابي الأنصاري من النملة.. إلخ كما تقدم معنا.

стр. 13278

والرد على هذه النقاط يتلخص في الآتي: ١- إن عدم وجود عدد كاف من الممرضين الذكور راجع إلى أننا أهملنا فتح مدارس التمريض للذكور، وهو أمر ميسور، وإذا وفرنا ذلك فإننا لن نحتاج للممرضات في أقسام الرجال. وقد عملت شخصياً طبيباً في مستشفيات بريطانيا وكان في بعض المستشفيات عدد كاف من الممرضين الذكور.. وكان الممرضون الذكور منتشرين في أقسام الرجال إلى الخمسينات من القرن العشرين. ثم بدأ عددهم في التناقص، وأوكل الأمر إلى الممرضات الإناث. ٢- إن إثبات كفاءة الممرضات لا يعني أن الرجل لا يستطيع أن يقوم بمهمة التمريض، فقد أثبت الواقع أن الرجال كانوا أقدر على أداء مهماتهم في أقسام الرجال عندما كان يتاح لهم ذلك. ٣- وجود الآسيات في التاريخ الإسلامي دلالة على عظمة هذا الدين وسماحته.. ومع هذا لم يذكر أحد أن المستشفيات (البيماراستانات) التي انتشرت في العالم الإسلامي بأكمله، كانت تقوم على النساء الممرضات فقط، بل كانت أقسام النساء للنساء فقط، وأقسام الرجال للرجال فقط. ٤- الأحاديث الشريفة الواردة في إباحة مداواة النساء للرجال والرجال للنساء عند فقد الطبيب أو الطبيبة.. وما جاء في الأحاديث كان في وقت المعارك وانشغال الرجال بالقتال، فكان لابد من استنفار طاقة الأمة بأكملها وإعطاء المرأة دورها لعدم وجود الرجال.. وكذلك التداوي في وقت السلم، فإن كشف العورة وخاصة المغلظة مشروط بالضرورة أو الحاجة عند عدم وجود من يطبه من جنسه. والغريب حقاً أن إحدى الزميلات من الطبيبات لديها شهادة الدكتوراه في الأمراض الجنسية وقد حاولت أن تعمل في ميدان تخصصها في معالجة النساء فقط، فلم تستطع؛ لأن كل المستشفيات التي حاولت الالتحاق بها طلبن منها أن تداوي الرجال والنساء، وأن تكشف على عوراتهم جميعاً!! وقد رفضت ذلك ومكثت سنين وهي ترفض، واتصلت بي هاتفياً، فطلبت منها أن تتصل بسماحة الشيخ عبد العزيز بن باز الرئيس العام لدائرة الإفتاء والدعوة والإرشاد ليفتيها ويوجهها إلى ما يجب عمله في هذه الظروف. وكان نظام القابلات نظاماً جيداً معمولاً به في كل أنحاء العالم، ولا يزال. ولكننا للأسف الشديد بدأنا نهمله، مع أن القابلات يستطعن القيام بتوليد ٩٥ بالمئة من النساء. ويمكن أن يتم ذلك في البيوت. والحالات المتعسرة تحولها القابلة إلى المستشفى.

стр. 13279

ولكننا نصر للأسف، على أن تذهب نساؤنا إلى المستشفيات للولادة الطبيعية، وحيث يشرف عليها في الغالب طبيب رجل (مسلم أو غير مسلم) ، وبتكاليف كبيرة؛ سواء كان ذلك في المستشفيات الخاصة، أو المستشفيات الحكومية، حيث تتحمل الدولة النفقات. والواقع الذي تدعو إليه منظمات الصحة العالمية، هو إيجاد قابلات مؤهلات تأهيلاً عالياً، وأن يتم توليد الأغلبية الساحقة من النساء في بيوتهن، بكلفة أقل، وفي ستر دون الحاجة إلى أن يتكشفن للرجال. ولا بد من إيجاد كليات للقابلات والاهتمام بهن وبمستواهن حتى يستطعن أن يقمن بهذه المهمة النبيلة. كذلك لا بد من إيجاد كلية طب لأمراض النساء والولادة، بحيث تدخل الطالبة بعد الثانوية مباشرة إليها، وتتخرج بعد ست أو سبع سنوات طبيبة أخصائية في أمراض النساء والولادة. وذلك ييسر تخريج دفعات متكاملة من طبيبات أمراض النساء والتوليد. أما النظام الحالي فيقتضي الطالبة أن تدرس الطب بفروعه المختلفة ثم تتخرج بعد ست سنوات طبيبة عامة، ثم عليها بعد ذلك أن تدرس مرة أخرى لثلاث أو أربع سنوات لتتخصص في أمراض النساء والتوليد. ومعنى ذلك باختصار أن يفوتها قطار الزواج؛ لأنها ستتخرج طبيبة عامة وهي في الرابعة أو الخامسة والعشرين، وعليها أن تعمل فترة، ثم تتخصص. وهذا الفرع من الطب يحتاج إلى تضحيات كبيرة، وإلى ترك المنزل في الليل والنهار، مما يجعل الطبيبات يعزفن عن التخصص فيه إلا ما ندر. أما إذا وفرنا للطالبات، خريجات الثانوية، كلية لطب النساء والولادة فإنهن سيتخرجن متخصصات في هذا الفرع مباشرة، دون الحاجة لقضاء عشر سنوات أو أكثر، كما هو في النظام الحالي. وإذا كانت الأسنان تستحق منا أن نفرد لها كلية خاصة بها، فإن أمراض النساء والتوليد تستحق كلية بذاتها تدرس فيها الطالبة كل ما تحتاج إليه في هذا التخصص بالإضافة إلى دراسة عامة عن فروع الطب الأخرى، وهو ما يحدث حتى في كليات طب الأسنان اليوم.. بهذه الطريقة نستطيع أن نوفر الطبيبات المسلمات المتخصصات بهذا الفرع المهم. ونجنب بالتالي زوجاتنا وأخواتنا وبناتنا من انكشاف عوراتهن لدى أطباء النساء والولادة.. وهو أمر ميسور إن صدقت النيات وتقدمت التوصيات إلى الحكومات والجامعات ووزارات التعليم العالي بذلك.. والله ولي التوفيق، لا رب غيره، ولا معبود سواه. الدكتور محمد علي البار

стр. 13280

نقص المناعة المكتسبة (الإيدز) الأحكام المتعلقة بالمرضى والمصابين إعداد أ. د. مصطفى عبد الرؤوف أبو لسان مستشار علوم المختبرات الطبية – لندن نائب رئيس الاتحاد العربي للبيولوجيا السريرية أمين عام الاتحاد العربي للكيمياء السريرية – سابقاً بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ خلق الله تعالى الغرائز وشرع الطرق الحلال لإشباعها، لكن إنسان القرن العشرين تمرد على شرع الله ومارس الفحشاء دون حياء، بل وجاهر بها علناً معتبراً إياها حقوقاً شخصية لا مجال للمساس بها، فأقام مؤسسات للشواذ تدافع عما يسمونه حقوقا إنسانية، وهي في الواقع مجون وفساد. وما ظهور مرض نقص المناعة المكتسب (الإيدز) في هذه الظروف وفي هذا العصر بالذات إلا مصداق لحديث رسول الله ﷺ ، الذي رواه الحاكم وابن ماجه حين قال: ((لم تظهر الفاحشة في قوم قط يعمل بها فيهم علانية إلا فشا فيهم الطاعون والأوجاع التي لم تكن في أسلافهم)) . ومرض الإيدز لم يكن في أسلافنا من قبل، كما أنه باعتراف منظمة الصحة العالمية، طاعون فتاك ووباء قاتل، لا يوجد علاج له حتى الآن. وهو مرض يؤلم البدن ويعذب النفس ويشوه المنظر ويلحق بصاحبه وصمة عار اجتماعية وأخلاقية بالغة ترافقه حتى وفاته. وجدير بنا في بيئتنا الإسلامية أن نلزم حدود الله ونلتزم شرعه، وأن نبتعد عما يغضبه؛ حفاظاً على سلامتنا وسلامة أطفالنا وأجيالنا الحاضرة واللاحقة في الدنيا ونجاتنا في الآخرة. وصدق الخليفة عمر بن الخطاب ﵁ حين قال: (رب شهوة ساعة أورثت حزناً طويلاً) .

стр. 13281

حقائق عن مرض الإيدز: أعلن مسؤولون في منظمة الصحة العالمية خلال انعقاد المؤتمر الدولي التاسع للإيدز في برلين في الفترة ما بين ١٧ و٢١ ذي القعدة ١٤١٣ هـ، أن عدد حاملي فيروس الإيدز الذين تم تشخيصهم والإبلاغ عنهم حتى الآن قد وصل إلى ١٤ مليون شخص، بينهم أكثر من مليونين ممن ظهرت عليهم أعراض المرض. وتتوقع منظمة الصحة العالمية أن يرتفع هذا العدد إلى ثلاثة أضعافه بنهاية القرن العشرين. واليوم وبعد مرور ١٢ سنة على ظهور هذا المرض وفشل كافة المحاولات العلمية في إيجاد لقاح أو علاج شاف له لا بد لنا من التساؤل عما إذا كان الحل لهذه المشكلة الصحية الخطيرة تقتصر على العلم والطب فحسب. فالواضح أن لله حكمة في كل هذا، وأن الحل أو قسم كبير منه يكمن في اتباع صراط الله المستقيم والخلود إلى العفة والطهارة والتزام الحشمة والأدب ومحاسن الأخلاق التي تعتبر أفضل وسائل الوقاية ضد هذا الوباء القاتل. وصدق من قال (الوقاية خير من العلاج) . كلمة الإيدز أو السيدا هي تعبير أجنبي مختصر لمصطلح طبي معناه: (متلازمة العوز المناعي المكتسب) ، أي أنه عبارة عن مجموعة من الأعراض المرضية التي تصيب أجهزة الجسم المختلفة نتيجة للنقص الشديد في المناعة الناجم عن عوامل مكتسبة في البيئة وليس نتيجة لمرض موروث أو عارض تلقائي. تعود أسباب الإصابة بمرض الإيدز للعدوى بفيروس عوز المناعة البشرية (إتش. آي. في) ، المختص بمهاجمة خلايا الإنسان اللمفاوية المسؤولة عن نظام المناعة. ويتكون هذا الفيروس من مادة من الحمض النووي يحيط بها غلاف من البروتين. وباستطاعة هذا الفيروس تغيير غلافه البروتيني بطريقة تساعده على الهروب من مقاومة الجسم له. كما يوجد فيه إنزيم خاص يمكنه من السيطرة على محتويات نواة الخلية البشرية وتحويل مادتها الوراثية إلى كتلة من الفيروسات المعدية التي تتكاثر وتتوالد فتفجر غلاف الخلية اللمفاوية المصابة وتخرج منه على شكل فيروسات جديدة للإيدز تهاجم الخلايا اللمفاوية أو الخلايا المساعدة الأخرى، وتحولها إلى مزارع للفيروس تتزايد بسرعة خارقة، تحرم الجسم من خلاياه المناعية وتحطم نظامه الدفاعي وجهازه المناعي. ولما كانت الخلايا المناعية تقوم بدور الرقيب على بروز الخلايا السرطانية في الجسم، حيث تباشر في قتلها بالمهد، فإن تدميرها أو اختفاءها يتيح المجال لنمو الأورام السرطانية في أنسجة الجسم المختلفة كالجلد والدم والغشاء المخاطي للجهاز الهضمي. ومع انهيار جهاز المناعة يصبح الجسم فريسة للأمراض الانتهازية التي تنقلها الطفيليات والفطريات وبعض أنواع الجراثيم والفيروسات الأخرى، كالسل والتهاب الأمعاء والتهاب الدماغ والأمراض الجلدية والتناسلية. كما يعجز الجسم عن توليد أجسام مضادة قادرة على مقاومة الفيروس ووقف انتشاره، إلا أنه يولد بعض الأجسام المضادة الكافية للكشف عن الفيروس.

стр. 13282

كيفية انتقال العدوى: تنتقل عدوى الإيدز الأولى عن طريق الاتصال الجنسي مع شخص مصاب، سواء كانت العلاقة بين رجلين، أو بين رجل وامرأة. كما تؤدي عملية نقل الدم المخموج بفيروس الإيدز، أو حقن أحد مكونات الدم المصاب كالبلازما والعامل المساعد لتجلط الدم رقم ٨، إلى نقل العدوى أيضاً. وكذلك الحال بالنسبة لاستخدام الحقن الغير معقمة التي سبق استخدامها من قبل شخص مصاب بفيروس الإيدز، ووخز الإبر الملوثة بدم مخموج بمرض الإيدز، وملامسة دم المريض وإفرازاته لأي خدش أو جرح في جلد شخص سليم، واستعمال فرشاة الأسنان التي سبق أن استخدمها شخص مصاب نظراً لاحتمال خدش اللثة أثناء الاستعمال. كما أن هنالك خطورة في أن ينقل لعاب المريض العدوى أثناء التقبيل الحار في الفم، إذا كانت لثة حامل الفيروس مريضة ينزف منها الدم. الفئات المهددة: فيروس الإيدز والمرض الناجم عنه لا يعرفان حدوداً جغرافية أو عرقية أو جنسية، فكل إنسان ينجرف وراء شهواته وملذاته وشذوذه ويمارس الفحشاء واللواط، ويرتكب الزنا ولا يلزم حدود الله وقواعد الصحة والسلامة مهدد بالإصابة بالمرض. ويمكن تصنيف الفئات الأكثر تعرضاً للإصابة على النحو الآتي: أولاً- الشواذ الذين يمارسون اللواط والذين تدفعهم شراهتهم الجنسية للاختلاط بأعداد كبيرة من الرجال، مما يضاعف احتمال التقائهم بشخص مصاب بالإيدز. ثانياً- العاهرات ومن يخالطونهن والفئات التي تمارس الجنس بشراهة وتسيب، مما يزيد من فرصة التقائهم بشخص مصاب. ثالثاً- مرضى الهيموفيليا أو الناعور وغيرهم ممن ينقل إليهم دم مخموج بالفيروس أو أحد مشتقاته المستخدمة لوقف النزيف. رابعاً- متعاطو المخدرات عن طريق الحقن الوريدي، وخاصة أولئك الذين يستعملون حقناً مشتركة قابلة للتلوث بدم أحد المصابين. خامساً- مرضى البلدان الفقيرة التي تفتقد للحقن المعقمة، والتي تستخدم حقناً زجاجية لعدة أشخاص دون تعقيم كاف.

стр. 13283

مراحل الإصابة بالمرض: يمر مريض الإيدز بثلاث مراحل أساسية يمكن اختصارها بالآتي: أولاً- مرحلة التقاط العدوى: وهي المرحلة التي يدخل فيها فيروس الإيدز الجسم دون ظهور أية أعراض مباشرة، ولكن تحدث في الجسم عمليتان هامتان: يبدأ الجسم بتكوين الأجسام المضادة بعد فترة تمتد من أسبوعين إلى ستة أشهر، ولا تكفي هذه الأجسام المضادة لوقف نشاط الفيروس، لكنها تساعد في عملية تشخيص الإصابة بالعدوى. وتتجلى خطورة هذه المرحلة في الفترة الممتدة ما بين التقاط الإنسان للعدوى وظهور الأجسام المضادة في دمه تتفاوت بين شخص وآخر بحيث يكون المصاب معدياً لغيره رغم كون نتائج التحليل المبكر لدمه سلبية، وفي بعض الحالات تكون بداية العدوى مصحوبة بالحمى وبأعراض عصبية تظهر خلال أسبوعين أو خمسة أسابيع من تاريخ التقاط الفيروس. وتشمل هذه الأعراض نوبات صرع أو شلل مؤقت، نظراً لأن الجهاز العصبي للإنسان يتأثر بالفيروس في مرحلة مبكرة جداً. ثانياً- مرحلة الحضانة وحمل المرض: وهي المرحلة التي لا تظهر فيها أية أعراض مرضية، والتي يمارس خلالها الفيروس غزوه للغدد اللمفاوية المساعدة ويستقر فيها. وقد تمتد هذه المرحلة من عام ونصف إلى خمسة أعوام أو أكثر، يكون الشخص خلالها معديا وتحليل دمه إيجابي. ويرى الأخصائيون أن هذه المرحلة قد تستمر عند بعض المرضى دون تطورها لأعراض مرضية كما هو الحال في بعض الدول الإفريقية. وحتى الآن لم تكتشف العوامل أو الأسباب التي تنقل المصاب من مرحلة الحضانة إلى مرحلة ظهور الأعراض. ثالثاً- مرحلة الأعراض الجسدية: وتعرف بمرحلة التضخم الشامل والمستمر للغدد الليمفاوية، والتي تصحبها أعراض أخرى مثل الحمى والتعرق الليلي والإسهال المزمن ونقصان الوزن والإعياء العام والإصابة بالأمراض الانتهازية كالسلاق أو القلاع الذي تسببه فطريات الكانديدا والحلأ المنطقي الذي تسببه الفيروسات وغيرها من الأعراض. وتستمر هذه المرحلة من شهور إلى سنوات قبل أن تتطور إلى مرحلة الإيدز النهائية المميتة في معظم الأحيان.

стр. 13284

أعراض المرض: من الأعراض الصحية البارزة لمرضى الإيدز مجموعة من الأمراض الانتهازية التي تسببها كائنات ضعيفة تعجز عن إصابة الإنسان عادة، إلا أنها تستغل فرصة انهيار جهاز المناعة فتسبب السعال المزمن الناتج عن الإصابة بأحد أنواع السل الرئوي الذي يصيب الطيور عادة، والإسهال المزمن الناتج عن الإصابة بنوع من الطفيليات التي تصيب البقر، والتهاب المخ الذي يسببه نوع من الطفيليات يصيب القطط عادة، وفطريات تصيب سحايا المخ وتسبب العفن في الجلد والجهاز الهضمي. هذا بالإضافة إلى الإصابة بفيروس الهربس والالتهاب الرئوي الناتج عن البروتوزوا والذي يؤدي إلى الاختناق والوفاة أحياناً. وقد يصاب مرضى الإيدز بسرطان كابوسي، وهو سرطان جلد يصيب كبار السن عادة، إلا أنه يظهر على شكل بقع بنفسجية فوق جلد الشباب وينتشر بسرعة داخل الأحشاء مؤدياً للوفاة. كما يتعرض أولئك المرضى لاحتمال الإصابة بأنواع من السرطان تهاجم الغدد الليمفاوية وأغشية الجهاز الهضمي كالفم والمريء والمستقيم. ويهدد فيروس الإيدز الجهاز العصبي نظراً لإمكانية وصوله إلى المخ مباشرة مما يؤدي إلى أعراض نفسية مختلفة وإلى فقدان الذاكرة والبله والتهاب الدماغ والصرع والشلل. وسائل الوقاية من المرض: بما أن مرض الإيدز ينتقل أساساً عن طريق الاتصال الجنسي، فإن أهم وسيلة للوقاية هي العفة وتجنب الفاحشة والالتزام بما أحله الله تعالى. قال : ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ [الإسراء: ٣٢] ، وعن رسول الله ﷺ : ((يا معشر الشباب، من استطاع منكم الباءة فليتزوج؛ فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم؛ فإنه له وجاء)) . أما وسائل الوقاية الأخرى فهي التأكد من خلو وحدات الدم المحفوظة في بنوك الدم من فيروس الإيدز، والامتناع عن استيراد الدم من الخارج، والاعتماد على الحقن البلاستيكية والإبر التي تستخدم لمرة واحدة فقط، وإضافة فحص الإيدز إلى لائحة الفحوصات التي تجرى للراغبين في الزواج. مع فحص الوافدين للعمل للتأكد من خلوهم من مرض الإيدز وفيروسه، والتركيز على القيام بحملات إعلامية واسعة النطاق وبمختلف الوسائل لتوعية المواطنين وللتعريف بالمرض وطرق انتقاله ووسائل الوقاية منه، ومتابعة الأبحاث والتجارب العلمية لإيجاد لقاح أو عقار يوفر الحماية والحصانة من هذا المرض القاتل.

стр. 13285

وما أحوجنا نحن العلماء المسلمين لأن نكون من السباقين في اكتشاف الدواء الشافي والعلاج الفعال لهذا الوباء الخطير. وهذا لن يتحقق إلا بتضافر الجهود ومتابعة الدراسات والأبحاث ودعم البرامج القائمة في بعض بلداننا الإسلامية، وإقامة مراكز جديدة متطورة تضم كبار الأخصائيين والفنيين المسلمين، مع بذل المال بسخاء وبحكمة لتسهيل هذه المهمة ومكافأة القائمين عليها. ولنهتدي بقول رسول الله ﷺ : ((تداووا أيها الناس؛ فإن الله لم يخلق داء إلا خلق له دواء)) . إن فشل دول الغرب في إيجاد دواء أو لقاح لمرض الإيدز يجب ألا يثبط عزائمنا، بل علينا أن نجعله دافعاً ومهمازاً لرفع شأن الإسلام وعلمائه في مجال الأبحاث الطبية التي كان أسلافنا رواداً لها في الماضي. إن خطر فيروس الإيدز لم يعد مقصوراً على تسببه في الإصابة بمرض نقص المناعة المكتسب، بل تعداه ليصبح خطراً يهدد بعودة أمراض وبائية خطيرة كنا نعتقد أنها انقرضت وتم احتواؤها، مثل وباء السل ووباء الملاريا، فأجساد مرضى الإيدز المنهارة مناعياً تصبح حقلاً خصبا لهذه الأمراض التي يمكن أن تنتقل وتنتشر كالنار في الهشيم عن طريق المعايشة العادية دون حاجة للاتصال الجنسي.

стр. 13286

الأحكام المتعلقة بمرض نقص المناعة المكتسبة (الإيدز) ١- حقوق المريض ذي الأعراض الظاهرة وواجباته نحو المجتمع: مرض الإيدز طاعون فتاك ووباء قاتل، لا يمكن مقارنته بالأمراض المستعصية الأخرى، فهو ينتقل بالدرجة الأولى من مريض لآخر عن طريق الاتصال الجنسي القائم على الممارسات الشاذة كاللواط أو الممارسات الفاحشة كالزنا والدعارة، أو الممارسات العادية بين الأزواج إذا كان أحدهما مصابا بالمرض، كما ينتقل مرض الإيدز عن طريق الحقن الوريدي بين مدمني المخدرات وبين مرضى الهيموفيليا الذين يقعون ضحية نقل دم ملوث إليهم، ويمكن انتقاله أيضاً إلى المواليد والأطفال عن طريق أم تحمل فيروس المرض أثناء الحمل أو الولادة أو الرضاعة. كما يمكن انتقاله عن طريق الإبر الملوثة وشفرات الحلاقة إذا سبق أن استخدمها شخص مصاب بالإيدز. من هنا لا بد لنا من التمييز بين المريض الذي يكتسب العدوى عن طريق الممارسات المخالفة لشرع الله، والمريض الذي يكتسبها عن طريق الخطأ دون ذنب له أو إثم. إن توفير الرعاية الصحية للمرضى حق أساسي من حقوق المواطن، بغض النظر عن الأسباب المؤدية للإصابة بالمرض. وبما أن مرض الإيدز هو من الأمراض التي لا يمكن علاجها أو الشفاء منها حتى الآن، وهو من الأمراض الخطيرة القاتلة والمعدية، فإنه لا بد من عزل المريض مع تقديم الرعاية الصحية اللازمة له في منتجعات أو مراكز متخصصة تتوفر فيها وسائل الراحة وعناصر الحياة الطبيعية التي تسمح للمريض بالمساهمة بأعمال يتقنها أو حرفة يتعلمها تمكنه من كسب قوته وتغطية نفقات علاجه وإعانة أسرته وخدمة مجتمعه، ويستحسن بقاء المريض في تلك المراكز حتى وفاته أو لحين ظهور دواء أو لقاح يشفيه بإذن الله تعالى.

стр. 13287

إن إقامة مراكز متخصصة ومجهزة للاهتمام بالمصابين بمرض الإيدز وتوفير الرعاية الصحية والاجتماعية والمادية لهم أمر في غاية الأهمية، تتحمل مسؤوليته الدول المعنية؛ لأنه يوفر حاجزاً منيعاً يحمي مجتمعاتها من أخطار المصابين وحاملي الفيروس الذين يتم كشفهم والتعرف عليهم. كما أن فصل هذه المراكز وتقسيمها إلى شطرين يتيح المجال أمام المسؤولين للتعامل مع المصابين الذين التقطوا العدوى بطريق الخطأ بأسلوب إنساني وحضاري يختلف عن الأسلوب الواجب اتباعه مع المصابين من مرتكبي الفاحشة وممارسي الدعارة والشذوذ والزنا. وعلى المجتمع أن يراعي سرية أسماء المصابين بعد عزلهم؛ حرصاً على مشاعر أفراد عائلاتهم وحماية لمصالحهم، وتفادياً لإحراجهم أمام الآخرين ووصمهم بعار لا ذنب لهم فيه. فالإشاعات والافتراضات الخاطئة قد تؤذي أفراد هذه الأسر وتحرمهم نعمة العيش الكريم، وتهدد مستقبلهم المهني ومركزهم الاجتماعي. ويستحسن السماح لعائلات المرضى وأقاربهم وأصدقائهم بزيارتهم في تلك المراكز وبالاختلاط معهم إذا كان المرضى من الفئة التي اكتسبت المرض عن طريق الخطأ، أما عائلات المرضى الذين اكتسبوا المرض عن طريق الممارسات الشاذة أو غير المشروعة فإن لقاءهم بمرضاهم يجب أن يتم من وراء حاجز عازل. من واجبات المرضى والمصابين نحو المجتمع أن يعلموا أزواجهم وزوجاتهم وأرباب أعمالهم بالمرض، وأن يزودوا السلطات الصحية بأسماء كافة الأشخاص الذين كان لهم اتصال جسدي معهم قبل الإصابة وبعدها، مع الامتناع عن ممارسة العلاقات الزوجية لتفادي نقل العدوى إلى الزوجة وإلى جنينها إن حملت. ٢- واجبات حامل المرض الذي لم تظهر عليه الأعراض والذي يكتشف أمره بعد تحليل الدم، نحو أسرته ونحو المجتمع: نظراً لكون مرض الإيدز من الأمراض القاتلة التي لا يوجد لها علاج حتى الآن، والتي تمتد مرحلة حضانة المرض فيها لعشر سنوات أو أكثر يكون خلالها حامل الفيروس إنساناً معدياً، فإنه يتوجب على حامل الفيروس الذي يتم اكتشافه دون ظهور الأعراض المرضية أن يقوم بإبلاغ زوجته وأفراد أسرته وأرباب عمله والمسؤولين الصحيين عن طريقة التقاطه لفيروس المرض، وأن يكشف لهؤلاء المسؤولين عن أسماء الأشخاص المتورطين معه جنسياً، حرصاً على السلامة العامة ومنعاً لانتشار العدوى. كما يفترض منه الامتناع عن ممارسة الجنس مع زوجته مع إعطائها الحرية في طلب فسخ النكاح إذا كان في ذلك فائدة لها ولأطفالها. ويتوجب على الأطباء والمسؤولين الصحيين وبحكم القانون إبلاغ زوجة الشخص المصاب أو زوج المرأة المصابة عن حقيقة مرضهم؛ حتى يتسنى لهم اتخاذ الاحتياطات اللازمة والكفيلة بحمايتهم وحماية أطفالهم. وكما تتحمل السلطات الصحية والجهات الرسمية المختصة مسؤولية عزل الشخص المصاب لحماية المجتمع منه ومن فيروس المرض الذي يحمله. ولقد أصدرت دولة الكويت قانوناً يلزم وزارة الصحة بإبلاغ الزوج أو الزوجة إذا ثبت إصابة أحدهما بالمرض.

стр. 13288

٣ - هل تقع على مريض الإيدز عقوبة إذا تسبب في إصابة شخص آخر؟ سبق وذكرت أن مرض الإيدز وباء قاتل ولا يوجد له علاج، ولا يمكن الشفاء منه حتى الآن، وهذا يعني أن أي إنسان يتسبب في نقل هذا المرض إلى غيره من الناس يستحق العقاب والمحاسبة؛ نظراً لارتكابه جريمة خطيرة أشبه ما تكون بجريمة القتل العمد، وقد تختلف الآراء في حجم وكيفية العقاب، إلا أنه إجراء ضروري جداً؛ لأنه يلقن المذنب وكل من تراوده نفسه القيام بمثل تلك الأفعال الإجرامية المشينة درساً في الحفاظ على سلامة الآخرين. قال تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [البقرة: ١٧٩] . وتجدر الإشارة إلى أن مرسوماً أميرياً قد صدر في دولة الكويت منذ عشرة أشهر يجعل النقل المتعمد لفيروس مرض نقص المناعة المكتسب (الإيدز) جريمة يعاقب عليها القانون بالسجن لمدة تصل إلى سبعة أعوام، مع دفع غرامة مالية تصل قيمتها إلى سبعة آلاف دينار كويتي (حوالي ٢٤ ألف دولار أمريكي) . وإذا كان عقاب تجار المخدرات ومروجيها يصل أحياناً إلى السجن لسنين عديدة أو يؤدي إلى الإعدام في بعض الدول، فإن ناقل مرض الإيدز وهو الأخطر بين الأمراض، يستحق عقاباً صارماً ورادعاً يتناسب وخطورته. ٤- هل يجوز للمرأة طلب فسخ النكاح عندما تتبين إصابة زوجها بمرض الإيدز؟ على الرغم من أن فيروس الإيدز لا ينتقل عن طريق اللمس والتنفس والطعام والشراب، أو عن طريق استخدام المناشف والأغطية والمراحيض وحمامات السباحة، إلا أنه ينتقل مباشرة عن طريق المعاشرة الجنسية، وهذا يهدد سلامة الزوجة وسلامة الجنين إذا تحقق الحمل. وإذا ما التزمنا بقول الرسول ﷺ : ((لا ضرر ولا ضرار)) فإننا نؤيد حماية الزوجة من الضرر الكبير الذي يمكن أن يلحقه زوجها بها وبأطفالها، ونؤيد حقها في طلب فسخ النكاح، خاصة وأن مرض الإيدز يعتبر من الأمراض المعدية والمنفرة الأشد خطراً من أمراض الجذام والبرص التي تمنع الجماع شرعاً، والتي يمكن انتقالها إلى الجنين. كما نؤيد حقها في طلب التعويض المالي الذي يقره الشرع والقانون، مع معاقبة الزوج إذا كانت إصابته بمرض الإيدز ناتجة عن ارتكابه الزنا أو عن طريق تعاطيه المخدرات بالحقن الوريدي. ويمكن الاستعانة بقول الله : ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: ٢٢٩] ، وذلك لتبرير تسريح الزوجة المهددة بواحدة من أشنع الأمراض المعدية التي لا علاج لها حالياً والتي تهدد الحياة والنسل أيضاً.

стр. 13289

٥- ما حكم إجهاض المرأة المصابة إذا حملت؟ إن احتمال انتقال عدوى الإيدز من المرأة الحامل المصابة بفيروس المرض إلى جنينها عبر المشيمة أمر وارد وموثق علمياً. كما أن احتمال انتقال العدوى إلى الطفل أثناء عملية الولادة من خلال الإفرازات المهبلية للأم، أو أثناء الرضاعة بسبب تلوث حليبها أمور ممكنة أيضاً، وهذا يعني أن الطفل المولود من امرأة مصابة بالمرض قد يبلى بهذا الوباء القاتل منذ نعومة أظفاره، وأنه سيشوه بأعراضه ويعاني منها حتى مماته. وخلال تلك الفترة ستكون السلطات الصحية مسؤولة عن رعايته وإعاشته وتربيته وتعليمه وعزله عن المجتمع عند بلوغه. وبما أن إجهاض المرأة المحتمل أن تنقل أمراضاً وراثية خطيرة إلى جنينها كان موضع بحث مستفيض في السابق من قبل السلطات الصحية والسلطات الشرعية والدينية في جمهورية مصر العربية، فإن إجهاض المرأة المصابة بمرض الإيدز إذا حملت ولم يمض على حملها سوى أسابيع معدودة، أي قبل نفخ الروح في الجنين، أمر قابل للبحث والاعتبار. ومن المفيد معرفة القرار النهائي الذي توصلت إليه السلطات المعنية في مصر بخصوص إجهاض المرأة الحامل التي يتبين احتمال إصابة جنينها بالتشوه الوراثي. ٦- هل يمنع الطفل المصاب بفيروس الإيدز من الالتحاق بالمدرسة إذا كانت صحته جيدة؟ أثارت حادثة منع بعض الأطفال المصابين بفيروس الإيدز من الالتحاق بالمدارس في الولايات المتحدة الأمريكية عاصفة من الاحتجاج؛ لأن هذا المرض لا ينتقل عن طريق المصافحة والملامسة أو عن طريق التنفس والاختلاط الاجتماعي البريء بين الأطفال في المدارس أو المنازل أو أماكن اللعب والتسلية. وبما أن إصابة الطفل بفيروس الإيدز تكون عادة ناجمة عن عدوى لا ذنب له فيها، فإنني لا أرى مبرراً يمنعه من الالتحاق بالمدرسة، شريطة إبلاغ المسؤولين والمعلمين عن هذه الإصابة حتى يتسنى لهم اتخاذ الإجراءات والاحتياطات الضرورية التي تكفل عدم انتقال دم الطفل إلى زملائه في المدرسة في حالة تعرضه إلى حادث معين أو إصابته بجروح دامية أو أمراض خطيرة معدية كالسل. كما يستحسن توعية الأطفال في المدارس على طرق انتقال العدوى وأهمية تفادي لمس دم زميلهم المصاب أو التسبب في جرحه وإيذائه، وعلى مسؤولي وزارة الصحة أن يقوموا بعزل الطفل عن المجتمع عند بلوغه حرصاً على سلامة الغير.

стр. 13290

٧- ما هي حقوق الجنين المولود الحامل للمرض تجاه أسرته ومجتمعه؟ حقوق الجنين المولود الحامل لمرض الإيدز تجاه أسرته ومجتمعه لا تختلف عن حقوق أي طفل آخر. فهو يستحق الرعاية والاهتمام والعيش بأمان واطمئنان مع متابعة تحصيله العلمي حتى سن البلوغ. بعدها يجب عزله في مراكز تتوفر فيها وسائل الراحة والثقافة والعلاج. كما يحق له رؤية أسرته والاختلاط معها بين الحين والآخر ضمن حدود المركز الذي يتم عزله فيه. هذا بالإضافة إلى حقه في العمل وكسب رزقه الحلال من خلال أعمال ومهام يقوم بها داخل ذلك المركز. ٨- هل يطلب إجراء فحص الدم على الحجيج القادمين من المناطق الموبوءة للتأكد من عدم إصابتهم بمرض الإيدز؟ الحج ركن من أركان الإسلام الخمس وفريضة أساسية واجبة على كل مسلم قادر صحياً ومادياً وعقلياً وجسدياً. ولا أجد مانعاً يحول دون طلب إجراء فحص للدم على الحجيج القادمين من المناطق الموبوءة للتأكد من عدم إصابتهم بمرض الإيدز. أما قرار منع المصابين وحاملي فيروس المرض من أداء شعائر الحج فإنه يحتاج إلى دراسة فقهية عميقة تطرح الأسباب الموجبة للمنع. وإذا كانت دول عظمى كالولايات المتحدة الأمريكية، التي تتغنى بالحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان، تمنع حاملي المرض من دخول أراضيها لمجرد حضورهم مؤتمراً لا تتعدى مدته الأسبوع الواحد؛ خوفاً على زيادة انتشار المرض في أراضيها وبين مواطنيها، فإن للمملكة العربية السعودية الحق أيضاً في حماية بيت الله وكافة الحجيج الذين يزورون أراضيها وذلك بمنع دخول من يثبت أنه حامل للمرض أو مصاب به. وإذا كان الإسلام قد نهانا عن دخول الأراضي التي يتفشى فيها الطاعون وعدم مغادرتها إذا كنا فيها، فإنه بلا شك سينهانا عن السماح للطاعون وحامليه بدخول أراضينا إذا كانت لدينا القدرة والوسيلة على تحقيق ذلك. قال رسول الله ﷺ : ((إذا سمعتم بالطاعون في أرض فلا تدخلوها، وإذا وقع بأرض وأنتم فيها فلا تخرجوا منها)) .

стр. 13291

٩- ما هي الوقاية التي ينبغي الأخذ بها عند الحلق بالجمرات لاتقاء الإصابة بنقل فيروس الإيدز أو فيروس التهاب الكبد؟ إن عملية الحلق بالجمرات تحتاج إلى تنظيم وإشراف وحزم ومراقبة مستمرة نظراً لما تشكله من خطر كبير على الحجيج الذين يسلمون أنفسهم للباري غير آبهين بالأخطار التي تتهددهم لاعتقادهم أن هذه العملية مجرد مسألة روتينية بسيطة، لا مجال للشك بها أو الخوف منها. وبما أن مرض الإيدز ومرض التهاب الكبد ينتقلان عن طريق التلوث بدم أحد المصابين، فإن هنالك احتمالاً كبيراً في أن يكون بين الحجيج من يقوم برحلته الأخيرة متضرعاً لله طالباً الصفح والغفران لأنه يعلم أن نهايته قريبة نظراً لإصابته بمرض الإيدز وحمله لفيروسه القاتل. وهذا يعني أن أية جروح تظهر نتيجة الحلق بالجمرات عند مريض مصاب ستنقل فيروس المرض إلى الشخص الذي يليه في عملية الحلق. خاصة وأن معظم الحلاقين لا يعقمون أدواتهم تعقيماً صحيحاً ولا يستخدمون الشفرات التي يمكن تغييرها واستبدالها مباشرة بعد كل حلاقة. أضف إلى ذلك وجود عدد كبير من الحلاقين الغير مرخصين والغير مؤهلين الذين لا هم لهم سوى الكسب المادي الرخيص الذي يمكن أن يكلف عدداً كبيراً من الحجيج أرواحهم. لذا فإنه من الضروري جداً أن تقوم السلطات المختصة بتنظيم هذه العملية وتوفير أدوات الحلاقة التي يمكن استخدامها أو استخدام شفراتها لمرة واحدة فقط، وعدم السماح لغير الحلاقين المؤهلين والمرخصين بالقيام بمثل هذا العمل؛ حرصاً على سلامة الحجيج، والله من وراء القصد. أ. د. مصطفى عبد الرؤوف أبو لسان

стр. 13292

بعض المشاكل الأخلاقية والاجتماعية الناتجة عن مرض الإيدز (نقص المناعة المكتسبة) إعداد الدكتور محمد علي البار مستشار الطب الإسلامي بمركز الملك فهد للبحوث الطبية بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله الذي حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن، والقائل في محكم التنزيل: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ﴾ [الأنعام: ١٥١] . والقائل عز من قائل: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ [الإسراء: ٣٢] . والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين وآله وصحبه أجمعين، والقائل: ((لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن)) . (١) والقائل: ((لم تظهر الفاحشة في قوم قط حتى يعلنوا بها، إلا فشا فيهم الطاعون والأوجاع التي لم تكن مضت في أسلافهم الذين مضوا)) . (٢) وصدق رسول الله ﷺ ، فما أن شاعت الفاحشة في بلاد الغرب ومنه إلى مختلف بلاد العالم إلا أصابهم الله بآفة الأمراض الجنسية، وأخطرها متلازمة نقص المناعة المكتسب المعروف باسم الإيدز (أو سيدا في الجهات الناطقة بالفرنسية) . تعريف الإيدز: هو مرض سببه فيروس من الفصيلة المنعكسة (Retrovirus) ينتقل أساساً عبر الاتصال الجنسي، سواء كان بين ذكر وذكر، أو ذكر وأنثى، كما ينتقل أيضاً عبر الدم ومحتويات الدم. ويؤدي إلى فقدان المناعة؛ لأن الفيروس يهاجم الخلايا اللمفاوية المسؤولة عن المناعة،، وبالذات الخلايا اللمفاوية T٤، فإذا ضعف جهاز المناعة تناوشت الجسم الميكروبات الانتهازية (Opportunistic infections) ، وهي ميكروبات وطفيليات لا صولة لها ولا جولة عند وجود جهاز المناعة السوي، ولكنها تستغل ضعف جهاز المناعة فتهجم على الجسم الضعيف المقاومة فتصرعه وتقضي عليه. وأهم هذه الميكروبات والطفيليات:

стр. 13293

١- الطفيلي المتموصل في الرئتين (Rneumo cystis carini) ويؤدي إلى وفاة نصف حالات الإيدز في أوروبا والولايات المتحدة ٢- ميكروب الدرن (بأنواع غير معتادة) وأكثر انتشاره في إفريقية. ٣- طفيليات البوغيات المختفية (Cryptospordium) ويسبب الإسهال الشديد، وأكثر انتشاره في إفريقية، ويؤدي إلى وفاة نسبة غير قليلة من مرضى الإيدز. ويؤدي إضعاف جهاز المناعة أيضا إلى انتشار الأورام الخبيثة، وأهمها دون ريب ورم (غرنه) كابوسي الذي يؤدي إلى وفاة ما لا يقل عن ٢٥ % من حالات الإيدز. كيفية انتشار الإيدز: رغم أن المصاب بالإيدز تخرج فيروسات الإيدز في إفرازاته كلها، بما فيها الدموع والبول واللبن من المرضع، إلا أن وسائل العدوى تتركز في العوامل الآتية فقط. ١- الشذوذ الجنسي (اللواط) ٢- الزنا ويشكل هذان العاملان اليوم ما يوازي ٩٠ % من حالات انتشار الإيدز، ويعتبر الشذوذ الجنسي (اللواط) العامل الأساسي في حدوث الإيدز وانتشاره في الولايات المتحدة وكندا ودول أوروبا الغربية بصورة خاصة، حيث الشاذون جنسيا ما بين ٧٠ و٨٠ % من جميع حالات الإيدز في هذه البلاد. ويعتبر الزنا العامل الأساسي في إفريقية الاستوائية، وفي الوباء الذي انتشر مؤخرا في الهند وبانجوك (تايلند) ، حيث بلغت نسبة المصابات بفيروس الإيدز من البغايا في بومباي (الهند) وبانجوك أكثر من ٧٠ %. وبلغت نسبة البغايا الحاملات لفيروس الإيدز في نيروبي (كينيا) وبيوتار (رواندا) وزائير وزامبيا وأوغندا وأنجولا ما بين ٨٠ و٩٠ %. ٣- الدم ومحتويات الدم: وهذا العامل كان مهما في الماضي حتى عام ١٩٨٦ عندما ظهر فحص إليزا (Elisa) الذي يمكن بواسطته معرفة الدم الملوث. وبالتالي لم يعد هذا العامل مهما في تسبيب الإيدز اليوم. وإن كان قد أصاب آلاف الأشخاص في مختلف أنحاء العالم بالإيدز، وجعل عشرات الآلاف يحملون الفيروس. وبما أن المملكة العربية السعودية ودول الخليج الأخرى كانت تستورد الدم الملوث بفيروس الإيدز من بريطانيا والولايات المتحدة حتى عام ١٩٨٦، فإن كثيرين ممن تلقوا هذا الدم الملوث أصيبوا بالإيدز أو يحملون فيروس الإيدز في المملكة ودول الخليج.

стр. 13294

وبما أن هؤلاء المصابين بالإيدز أو الحاملين لفيروس الإيدز يطلبون تعويضا في الولايات المتحدة وأوربا، وتقوم المحاكم هناك بإعطاء المصاب بالإيدز نتيجة نقل الدم تعويضا يبلغ مليون دولار أو أكثر، فإن من حق من أصيبوا بالإيدز في المملكة ودول الخليج نتيجة الدم الملوث أن يطالبوا المستشفيات بهذه المبالغ. كمما أن من حق المستشفيات أن تطلب هذه المبالغ من المصادر التي مولتها بهذا الدم الملوث!! وهي مبالغ تصل إلى آلاف الملايين من الدولارات والتي ينبغي أن نطالب بها الولايات المتحدة وبريطانيا. ونحن نعرف يقيناً أنه لو أصيب بريطاني أو أمريكي بالإيدز نتيجة دم ملوث من البلاد العربية لحجزوا الأموال العربية الموجودة لديهم حتى يتم دفع التعويض المطلوب الذي قد يبلغ عشرات الملايين من الدولارات!! ٤- انتقال فيروس الإيدز عن طريق الحقن والإبر الملوثة. وأكثر ما يكون ذلك لدى مدمني المخدرات الذين يتعاطونها بواسطة الحقن بالوريد. ولذا فإن الدول الغربية ومنظمة الصحة العالمية تقدم نصائحها لهؤلاء على الوجه التالي: ينبغي أن تتحول من الحقن إلى الشم أو البلع!! إذا لم تستطع ذلك فعليك باستخدام حقن معقمة ولا تشارك أحداً في حقنتك!! ويعتبر استخدام المخدرات بطريق الحقن الملوثة مسؤولاً عن ٢٠ – ٢٥ % من حالات الإيدز في أوربا والولايات المتحدة. ٥- انتقال فيروس الإيدز من الأم المصابة إلى جنينها. وتقول منظمة الصحة العالمية: إن هناك ما يقارب مليون طفل حاملين فيروس الإيدز بهذه الطريقة حتى نهاية عام ١٩٩٢، ٧٥ % منهم في إفريقية. وتقرر منظمة الصحة العالمية أن ٢٥ – ٣٠ % من الحوامل المصابات بفيروس الإيدز سينقلن هذا الفيروس إلى أجنتهن. ثم إن نسبة أخرى ستصاب بالفيروس بعد الولادة نتيجة الرضاعة والاتصال الحميم بين الأم ووليدها. ٦- ينتقل فيروس الإيدز أيضاً بواسطة التلقيح الاصطناعي وزرع الأعضاء، وهي حالات محدودة، وفي منطقة الخليج والمملكة هناك ١٤ شخصاً يحملون فيروس الإيدز نتيجة زرع الكلى. ٧- ينتقل فيروس الإيدز أيضاً عن طريق العمليات الجراحية أو الإصابة بإبرة أثناء سحب الدم من المريض أو أثناء استخدام الآلات مثل أدوات طبيب الأسنان عندما تستخدم لأكثر من مريض. وهذه الحالات جميعاً نادرة الحدوث جداً.

стр. 13295

ومثلها الحالات التي يمكن أن تحدث نتيجة الحجامة أو الحلاقة بموس واحد لأكثر من شخص، أو عمليات الوشم التي تمارس في بعض المناطق الريفية وعند غير المسلمين، وهذه كلها تعتبر من المخاطر المحتملة، وإن كانت نادرة الحدوث إلى وقتنا هذا. وبما أن بعض القادمين للحج يأتون من مناطق ينتشر فيها فيروس الإيدز فإن عملية الحلق التي تتم عند الجمرات ينبغي أن يتم الإشراف عليها حتى لا يستخدم الموس لأكثر من شخص واحد. معلومات هامة عن الإيدز: في نهاية عام ١٩٩٢ وإطلالة ١٩٩٣ كانت تقديرات منظمة الصحة العالمية عن الإيدز كالتالي: ١- عدد الذين يحملون الفيروس يقدرون بعشرة إلى اثني عشر مليوناً من البالغين ومليوناً من الأطفال. ويقدر أن نصف البالغين وثلاثة أرباع الأطفال من إفريقية الاستوائية. ٢- عدد الحالات الجديدة التي تصاب بفيروس الإيدز سنوياً (حاملة للمرض) تقدر بنصف مليون حالة، ٣٠٠٠٠٠ للذكور و٢٠٠٠٠٠ للإناث. ٣- عدد الوفيات المتوقعة بسبب مرض الإيدز منذ ظهوره عام ١٩٨١ حتى نهاية عام ١٩٩٢ هي ١.٧ مليون. ٤- عدد حالات الإصابة بفيروس الإيدز في العالم العربي حتى نهاية عام ١٩٩٢ يقدرون بـ ٧٥٠٠٠. ٥- العدد الفعلي المسجل لحالات الإيدز في العام نصف مليون بينما تقدره منظمة الصحة العالمية بمليونين. ٦- العدد الفعلي المسجل للوفيات من الإيدز في العالم حتى عام ١٩٩٢ هو ربع مليون فقط. ٧- العدد الفعلي المسجل لحالات الإيدز في البلاد العربية والمبلغ عنها إلى منظمة الصحة العالمية حتى نهاية عام ١٩٩٢ هو ١٢٩٦ شخصاً فقط. ولا شك، كما تقول منظمة الصحة العالمية، أن هناك فرقاً كبيراً بين تقديرات منظمة الصحة العالمية وما هو مسجل بالفعل. وتعتقد المنظمة أنه لا يتم التبليغ في كثير من بلاد العالم عن حالات الإيدز.

стр. 13296

٨- ليس كل من دخل فيروس الإيدز إلى جسمه سيصاب حتماً بمرض الإيدز. ٩- حامل فيروس الإيدز قد يكون صحيح الجسم ولا يشكو من أي مرض، ومع هذا ينقل الفيروس إلى غيره. ١٠- مدة الحضانة في فيروس الإيدز قد تصل إلى عشر سنوات، أي أن الشخص قد يحمل فيروس الإيدز لمدة عشر سنوات قبل أن يظهر عليه المرض. ١١- مرض الإيدز حتى الآن لا علاج له يقضي عليه، ولكن هناك عقاقير كثيرة تخفف من المرض وتداوي الأمراض الناتجة عن الميكروبات الانتهازية والأورام الناتجة عن نقص المناعة. ولذا فإن بعض مرضى الإيدز يعيشون لفترات طويلة، وقد شاهدت أحد مرضى الإيدز الذين لا يزالون على قيد الحياة رغم ظهور الإيدز لديه منذ عشر سنوات، ولكن من المعلوم أن معدل الحياة بعد ظهور الأعراض هو ما بين عامين إلى ثلاثة فقط. بعض المشاكل الناتجة عن الإيدز: مريض الإيدز حقوقه وواجباته نحو المجتمع وهل يتم عزله؟ إن الشخص المصاب بالإيدز يسبب الهلع للمجتمع نتيجة لما اعتور هذا المرض من حملات تخويف مرعبة، ولذا فإن المصاب بالإيدز، في كثير من الأحيان، ينبذ ويعامل بقسوة. والمشكلة تختلف من بلد لآخر، وهي أشد ما تكون في إفريقية الاستوائية حيث نسبة الإصابة بفيروس الإيدز عالية. ولا بد من إفراد مستشفيات أو أجزاء من مستشفيات لمداواة مرضى الإيدز، واتخاذ الاحتياطات اللازمة، وخاصة عند أخذ التحاليل الطبية، وإزالة إفرازات المريض، وكذلك عند غسل الميت المصاب بالإيدز للتوقي من إفرازاته التي تحمل فيروس الإيدز والتي يمكن أن تدخل إلى جسم الإنسان عبر شقوق صغيرة غير مرئية في جلده.

стр. 13297

وبما أن مريض الإيدز قد تطول به حياة لعدة سنوات، فإنه من المتعذر إبقاؤه طوال هذه المدة في المستشفى. ولذا ينبغي أن يعود إلى بيته في الحالات والأوقات التي لا تستدعي حالته دخول المستشفى. وأن يقدم لأهله وذويه المعلومات الكافية في كيفية رعايته دون أن يتعرضوا للعدوى. وبما أن العدوى لا تحدث (في الغالب الأعم) إلا عن طريق الممارسة الجنسية (الجماع) أو الدم، فإن تجنب الوقاع والدم أمر متيسر. وغالباً ما يكون المريض بالإيدز في حالة صحية لا تسمح له بطلب الوقاع. ينبغي أن يعامل المجتمع مريض الإيدز بما يجب نحوه من الشفقة والرحمة، وخاصة أن كثيراً ممن أصيبوا بهذا المرض الخبيث في بلادنا كان ناتجاً عن نقل الدم في الأساس، وهو بالتالي ضحية من الضحايا دون ذنب اقترفه. وقد يكون اتصل بزوجته قبل أن يعلم بإصابته ونقل إليها المرض، وكذا الأطفال، وهؤلاء كلهم أبرياء. ثم على فرض أن الشخص قد ألم بخطيئة، ثم تاب، فإن في المرض كفارة له، وواجب المجتمع معاملته بالشفقة والرحمة، والله يتولانا جميعاً برحمته، والراحمون يرحمهم الرحمن. وواجب من أصيب بفيروس الإيدز عند معرفته ذلك أن يستسلم أولاً لقضاء الله وقدره، ويبادر بالتوبة، ويستعد لما لا بد له منه وهو ملاقاة ربه. ولا يفعل مثلما يفعل الكفرة الذين يبادرون إلى الانتحار والعياذ بالله، فينهي بذلك حياته أسوأ نهاية، وينتقل من عذاب الدنيا إلى عذاب الآخرة. ثم إن واجبه بعد ذلك أن يعرف كيفية انتقال المرض إلى الآخرين، وأن يحرص كل الحرص على عدم إصابتهم، وعلى النصح لهم، وأن لا يغش إخوانه المسلمين. ومن فضل الله أن طرق العدوى محصورة أساساً في الاتصال الجنسي (الوقاع) والدم. وعليه أن يمتنع عن الوقاع مع زوجته. وفي الغالب سيكون المريض عازفاً عن ذلك بسبب مرضه وحالته النفسية، ولزوجته الحق في الامتناع عن ذلك إذا طلبها حتى مع استخدام الرفال (الكبوت الواقي) ، فإنه وإن كان يقي إلى حد كبير إلا أنه غير مضمون، وبالتالي لا تزال الخطورة من العدوى موجودة حتى مع استعماله. أما إذا كانت الزوجة قد أصيبت بالفيروس بسبب اتصالها بزوجها قبل أن يعلم بمرضه، فإنه في هذه الحال تستطيع معاشرته جنسياً إذا رغب في ذلك.

стр. 13298

وفي كثير من الدول تقوم الحكومة ممثلة بهيئاتها الطبية بتوفير رعاية صحية دورية للمصاب بالإيدز في منزله، أو في مستوصفات خاصة أعدت لذلك، حتى يتم خفض كلفة المستشفيات العالية، ولا يدخل المريض المستشفى إلا عند الحاجة أو الضرورة. كما أن كثيراً من المجتمعات تقدم خدمات اجتماعية لمرضى الإيدز بواسطة جمعيات ترعى شؤونهم، وخاصة أن مريض الإيدز قد يفقد أهله أو زوجته أو أن يترك الزوج زوجته المصابة بالإيدز ويتزوج غيرها، وقد لا تجد رعاية من أهلها خوفاً من المرض. ونشر الوعي ووسائل انتقال الإيدز كفيلة بتخفيف هذه المشاكل والمعاناة. حامل فيروس الإيدز.. حقوقه وواجباته: يجب على حامل المرض أن يعرف زوجته (والعكس كذلك) بأنه حامل لهذا الفيروس، وبالتالي يتم إجراء فحص لها، فإذا كانت لم تصب بعد بالفيروس، فينبغي إعادة الفحص بعد شهرين أو ثلاثة لاحتمال كونها في الفترة الأولى من الحضانة التي يكون التحليل فيها سلبياً، فإذا ما تكرر وتأكد أنها لا تحمل الفيروس فإن عليها أن تتخذ كافة الإجراءات الوقائية لعدم حصول العدوى من زوجها منذ اللحظة التي تعلم فيها بأنه حامل للفيروس. يمكن للرجل أن يعاشر زوجته دون حدوث وقاع؛ إذ إن العدوى متعلقة أساساً بالوقاع. كما يمكن استخدام الرفال (الكبوت. الواقي. الكوندم) . ولكن ينبغي معرفة أن الرفال قد ينخرم أو يسقط أثناء الجماع، وبالتالي قد تحدث العدوى.

стр. 13299

هل يجوز للمرأة فسخ النكاح عندما تتبين أن زوجها يحمل فيروس هذا المرض؟ أو أنه بالفعل مصاب بهذا المرض؟ لا بد أولاً من إجراء فحوصات لها؛ لأنها قد تكون بالفعل قد أصيبت بالفيروس قبل أن يعرف زوجها بالحقيقة، وبالتالي لا لوم عليه ولا تتريب؛ حيث إنه لم يتعمد إخفاء الحقيقة عنها؛ إذ إنه بمجرد معرفته أخبرها بذلك، فإذا كانت الزوجة أيضاً تحمل الفيروس فأي فائدة ترجى من فسخ النكاح؟ أما إذا كانت الزوجة سليمة فإنها يمكن أن تعاشر زوجها دون حدوث جماع فعلي إذا رغبا في ذلك. وليس من حق الزوج أن يجبرها على أن تواقعه؛ لأن في ذلك خطراً عليها حتى مع استعمال الرفال الواقي، فإذا رضي الزوج بذلك فلماذا تطلب فسخ عقد النكاح؟ وليس من حق الزوج، إذا كان مصاباً بفيروس الإيدز (حاملاً أو مريضاً) أن يجبر زوجته على الجماع؛ بل ينبغي أن يتجنب ذلك حتى مع استعمال الرفال الواقي. هل يتم عزل المريض عن المجتمع؟ أجمعت الهيئات الطبية ومنظمات الصحة العالمية على عدم الحاجة لعزل المريض بالإيدز أو حامل فيروس الإيدز عن المجتمع؛ لأن العدوى لا تتم إلا بطريقين أساسيين هما الاتصال الجنسي (الجماع) والدم.. وكلاهما لا يمنع الاتصال العادي بمريض الإيدز أو حامله. ويمكن لحامل المرض بل والمصاب بالإيدز إذا سمحت صحته بذلك، أن يمارس عمله العادي؛ لأنه غير معدٍ لغيره من الأشخاص بطريق التنفس أو المصافحة، ومع هذا ينبغي الحذر من استخدام أدوات المريض –أو حامل الإيدز- الشخصية مثل فرشاة الأسنان أو موس الحلاقة. وينبغي الحذر الشديد عند فحص دمه أو إفرازاته. كما ينبغي أن يتجنب حامل الفيروس الرياضة العنيفة؛ لاحتمال إصابته وخروج دم منه، فإذا جاء المسعفون له تعرضوا بسبب دمه للعدوى. ويمنع حامل الفيروس أيضاً من التبرع بالدم أو أي من أعضائه حياً أو ميتاً. ويجب على المريض بالإيدز أو حامل الفيروس أن يخبر الطبيب وطبيب الأسنان والمختبر بالحقيقة إذا كانوا لا يعلمونها عند إجراء فحوص له؛ ليأخذوا حذرهم، وإن كان المفترض في الهيئة الطبية أن يأخذوا حذرهم في جميع الأحوال وعند فحص كل مريض.

стр. 13300

هل يتم إبلاغ جهة العمل؟ بالنسبة لحامل الفيروس الصحيح الجسم لا يبدو هناك أي داع لإبلاغ جهة العمل، وخاصة أن جهات العمل عادة ما تقوم بفصل حامل الفيروس وطرده من عمله.. وللأسف فإن هذا الإجراء شائع جداً في كثير من بلاد العالم بما فيها منطقة الخليج. أما في حالة المرض فإن المصاب بالإيدز سيتكرر تغيبه ثم سيطول غيابه بعد ذلك، وبالتالي ستقوم جهة العمل بفصله، وهو أمر منطقي سواء عرفت جهة العمل بمرضه الحقيقي أم لا!! ولهذا فلا أرى أي مبرر لمعرفة جهة العمل بمرضه الحقيقي، وخاصة أن مرضه غير معد لغيره من الناس سوى بالاتصال الجنسي والدم كما أسلفنا، وكلاهما مستبعد جداً جداً في مجال العمل. من المسؤول عن رعاية وإعاشة مريض الإيدز؟ لا شك أن الدولة مسؤولة عن توفير الرعاية الصحية لمواطنيها، وبالتالي تقوم الدولة برعاية مريض الإيدز. ولا يعني ذلك إبقاء المصاب بالإيدز فترات طويلة في المستشفى؛ إذ لا توجد الحاجة الحقيقية للمستشفى إلا في أوقات اشتداد المرض، وما عدا ذك يمكن أن يبقى المريض في بيته مع أهله مع توجيههم لكيفية رعايته وتوقي العدوى.. ولا بد من مرور ممرض كفء (أو ممرضة) بانتظام عليه.. وكذلك لا بد من زيارة الطبيب له من حين لآخر، أو يقوم المريض بصفة دورية بزيارة طبيبه المعالج، سواء كان ذلك في مستشفى أو في مستوصف أو عيادة. وهناك تأمين صحي في كثير من البلدان، وذلك يخفف العبء إلى حد كبير على الدولة؛ حيث يشترك الشخص في أثناء صحته في هذا التأمين حيث يضمن العلاج والتداوي عند مرضه، أما إعاشة المريض بالإيدز فينبغي أن تتم حسب الإجراءات المتبعة في سائر الأمراض؛ حيث يصرف المعاش للمتقاعد والمريض. وإذا لم يكن ذلك كافياً تدخلت الدولة في شغل الضمان الاجتماعي للإنفاق عليه. أما إذا كان المصاب بالإيدز مقتدراً وله دخل أو ثروة فلا حاجة آنذاك للدولة أو الضمان الاجتماعي أو غيره. وللأسرة دور هام في رعاية مريض الإيدز.. وإذا تم توضيح الحقائق للأسرة فإن الأسرة لن تتخلى عن فرد منها بسبب مرضه وحين حاجته لرعايتها.. ولا خوف على الأسرة من عدوى المرض إذا اتخذت الاحتياطات، وهي يسيرة معروفة وسهلة التطبيق.

стр. 13301

هل على المصاب بالإيدز عقوبة إذا تسبب في إصابة شخص آخر؟ إذا قام حامل الفيروس أو مريض الإيدز بنقل المرض إلى غيره عامداً، سواء كان بالاتصال الجنسي (ولو كان بين الزوجين) أو بواسطة إبرة ملوثة بالدم، فلا شك أن هذا الشخص ينبغي أن يعاقب. وفي الوقت الحاضر تتم محاكمة مسؤولين كبار في وزارة الصحة الفرنسية لأنهم أهملوا إجراءات فحص الدم (بعد ظهور فحص إليزا) ، وسمحوا بإعطاء دماء ملوثة بفيروس الإيدز إلى مجموعة كبيرة من الأطفال في فرنسا مصابين بمرض الهيموفيليا (الناعور) ، وأدى ذلك إلى إصابة المئات من هؤلاء الأطفال بمرض الإيدز. وقد حكمت المحكمة على المسؤولين بالسجن، وتم تعويض أهالي المصابين بآلاف الملايين من الدولارات. وقد حكمت المحاكم أيضاً في الولايات المتحدة لكل طفل مصاب بالإيدز نتيجة نقل الدم الملوث أو محتويات الدم بمليون دولار؛ رغم أن هذه الحالات قد أصيبت قبل ظهور فحص الدم الخاص بمعرفة فيروس الإيدز (فحص إليزا) الذي لم يعرف ويعمم إلا في عام ١٩٨٦م. والموقف في دول الخليج والسعودية مشابه لذلك، فهناك مئات الأشخاص الذين أصيبوا بمرض الإيدز نتيجة نقل دم ملوث تم استيراده من نيويورك ولندن، وعليه فينبغي المطالبة بالتعويض من هذه الجهات التي باعت هذا الدم الملوث.. وللأسف رغم أنني قد طالبت بذلك مراراً وكتبته في الصحف إلا أن أحداً لم يلتفت بعد لهذا الأمر. وهناك إجراء آخر هام، وهو أن تقوم الدولة بمراجعة الملفات في المستشفيات الحكومية والخاصة لمعرفة الأشخاص الذين تلقوا دماء مستوردة من الخارج حتى عام ١٩٨٦م. وتقوم بالتالي بفحص دمائهم ومعرفة من منهم يحمل فيروس الإيدز حتى يتم أخذ الاحتياطات اللازمة.. وإذا ثبت أن الشخص يحمل فيروس الإيدز فينبغي آنذاك فحص زوجته (أو زوجه) وأطفاله؛ إذ ربما نقل لهم فيروس هذا المرض.

стр. 13302

وبهذه الطريقة يمكن معرفة حالات الحاملين للفيروس.. وكان المفروض أن يتم ذلك الأمر منذ اكتشاف وسيلة فحص الدم وتعميمها في أكتوبر ١٩٨٦م في المملكة ودول الخليج. وللأسف الشديد فإن الدول العربية وكثير من الدول الأخرى اتخذت سياسة الإنكار (وليس لدينا حالات إيدز) .. ثم و (الحالات التي لدينا قليلة جداً) ، وما يتم إبلاغه لمنظمة الصحة العالمية هو جزء يسير من واقع الحال. وعملية الإنكار والكذب والمغالطة لا تفيد، بل على العكس تجعل المشكلة تتفاقم، وهو نفس الموقف الذي كنا نقفه قبل عشر سنوات من مشكلة المخدرات، حيث كان الاتجاه هو نفي وجود المشكلة من أساسها، حتى فاحت الرائحة الكريهة واستعلنت وعمت الأرجاء، وآنذاك فقط بدأت الحملة ضد المخدرات والاعتراف بوجود المشكلة، والبحث عن حلول لها. ما حكم إجهاض المرأة المصابة بالمرض إذا حملت؟ وحقوق هذا الجنين؟ يقول الخبراء في منظمة الصحة العالمية وغيرهم من خبراء الإيدز في العالم: إن احتمال إصابة الجنين بفيروس الإيدز من أمه المصابة بهذا الفيروس هو ٢٥ – ٣٠ %. وبالتالي فإن ما لا يقل عن ٧٠ % ممن ولدوا لأمهات يحملن فيروس الإيدز لن يصابوا به.. وهناك احتمال ضئيل بإصابة المولود أثناء عملية الولادة واحتمال ضئيل آخر بإصابته أثناء الرضاع أو الرعاية والالتصاق الشديد بالطفل. لهذا كله يبدو أن إجراء الإجهاض من أجل هذا السبب يصعب تبريره طبياً. وأما إذا جاوز الحمل مئة وعشرين يوماً فإن إسقاطه يعتبر جريمة قتل إذا ما تم التأكد من حياة الجنين، والشريعة الغراء تحرم قتل مثل هذا الجنين. والخلاصة: أن إسقاط مثل هذا الجنين في الأشهر الأولى من الحمل ليس له ما يبرره طبياً إذا كانت الحامل لا تعاني من أمراض أخرى ستزداد بالحمل. وأما إذا كان المرض متقدماً وسيزداد شراسة بالحمل فإن إجهاضه قبل نفخ الروح أمر قد أباحه كثير من الفقهاء الأجلاء والمجامع الفقهية.

стр. 13303

ولا يجوز الإجهاض بعد نفخ الروح إلا إذا كان استمرار الحمل سيؤدي إلى قتل المرأة الحامل، وآنذاك تقدم حياتها على حياته. وهو ما قررته الفتاوى المجمعية والفردية لكثير من أجلة الفقهاء في العصر الحديث.. وهذا الأمر مستبعد كل البعد في حالة الإصابة بالإيدز. وما هو أكثر احتمالاً هو إصابة الجنين بالتشوهات عند تعاطي العقاقير لمعالجة الأمراض الانتهازية الشديدة أو ورم كابوسي التي تصيب مرضى الإيدز.. وإذا حدث مثل ذلك وتأكد فإنه يجوز إسقاط الجنين متى ما كان ذلك قبل نفخ الروح كما قرره المجمع الفقهي لرابطة العالم الإسلامي في دورته الثانية عشرة (١٥ –٢٢ رجب ١٤١٠ هـ / ١٠ – ١٧ فبراير ١٩٩٠م) بمكة المكرمة. وللأسف فإن الأطباء حتى الآن لا يستطيعون أن يقرروا هل الجنين مصاب بفيروس الإيدز أم لا، وخاصة في الأشهر الأولى من الحمل، ويمكنهم معرفة ذلك في أواخر الحمل بأخذ دم الجنين وتحليله، ولكن الجنين يكون قد جاوز ١٢٠ يوماً بيقين، فلا فائدة من إجراء مثل ذلك الفحص؛ لأن الإجهاض بعد نفخ الروح يحرم قولاً واحداً عند الفقهاء (ما عدا حالة تعرض الحامل لخطر الموت بسبب استمرار الحمل) . لهذا كله أرى المحافظة على هذا الجنين، وأن تجتنب أمه رضاعه إذا ثبت بالتحليل أنه لا يحمل فيروس الإيدز.. والألبان المجففة متوفرة بكثرة، وكثير من الأمهات يلقمن أولادهن القارورة بدلاً من الثدي حتى في الحالات العادية، فما بالك في هذه الحالة. وعلى المجتمع أن يرعى هذا الطفل بتوفير احتياجاته إذا كانت الأسرة فقيرة، أو إذا ماتت الأم بسبب المرض.. وهو أمر عام غير خاص بالإيدز، بل يتجاوزه إلى كل أسرة فقيرة وإلى كل طفل يتيم. هل يمنع الطفل المصاب بفيروس الإيدز من الالتحاق بالمدرسة؟ لقد قرر المختصون بالإيدز في منظمة الصحة العالمية وغيرهم أن الطفل الحامل لفيروس الإيدز والذي يتمتع بصحة جيدة ينبغي أن لا يمنع من الدراسة والالتحاق بالمدرسة. ومع هذا فينبغي الاعتراف بأن هناك خطراً محتملاً بعيداً، وهو أن يصاب مثل هذا الطفل أثناء اللعب مع أقرانه وزملائه، فإذا حاول زملاؤه إسعافه فإن دمه الملوث قد يقع على أيديهم وأجسامهم.. وذلك قد يسبب العدوى إذا كانت هناك شقوق أو سحجات ولو غير مرئية لدى الشخص المنقذ. لذا ينبغي الاحتراز حول هذه النقطة، وينبغي أن تعرف إدارة المدرسة أن هذا الطفل مصاب بفيروس الإيدز وبالتالي قد يكون مصدر خطر عند إصابته فيمنع من الرياضات العنيفة، وينبه الطلبة على عدم معاركته ومشاكسته بطريقة لا تثير الرعب.

стр. 13304

كذلك ينبغي التنبيه بالنسبة للأطفال الذين يضعون الأقلام في أفواههم، ويستعيرون الأقلام من بعضهم، ذلك أن اللعاب فيه فيروسات الإيدز ولو بكمية ضئيلة، وبالتالي يمكن أن يكون مصدر خطر، وإن كان بعيد الاحتمال، ولم يتأكد حتى الآن حدوث المرض وانتقاله بهذه الوسيلة. وقد أوردت هذه النقاط في اجتماع في لاهاي ضم نخبة من المختصين بشؤون الإيدز، وقد رد على هذه النقاط الرئيس السابق لمنظمة الصحة العالمية الدكتور مان (الذي يعمل حالياً في جامعة هارفارد الشهيرة) بأن هذه الأخطار بعيدة الاحتمال، وأنه لم يسجل حتى الآن أي حالة من حالات الإيدز أو العدوى به نتيجة اختلاط الطلبة بحامل فيروس الإيدز أو مريض الإيدز. على أية حال إذا أمكن أن يتم تدريس هذا الطفل في بيئة شبه منعزلة فذلك أدعى للاطمئنان، وإذا لم يمكن ذلك فيسمح له بالدراسة مع وجوب معرفة إدارة المدرسة والمدرسين والهيئة الطبية فيها لحقيقة وضعه حتى تتخذ الإجراءات الاحتياطية المناسبة لمنع أي عدوى محتملة. ما هي الإجراءات التي ينبغي أن تتخذ للوقاية من الإيدز عند قدوم أشخاص من مناطق موبوءة للحج أو السياحة أو العمل؟ تتخذ الحكومات في كثير من بلدان العالم ومنها المملكة العربية السعودية ودول الخليج احتياطات جيدة لمنع دخول الأشخاص الذين يحملون فيروس الإيدز. ولذا تشترط هذه الدول لمن يريد الإقامة للعمل أن يثبت خلوه من فيروس الإيدز، ولا تعطى له تأشيرة إلا بوجود فحص من بلده يؤكد ذلك، ثم يعاد الفحص مرة أخرى بعد قدومه لاستصدار أمر الإقامة. لم يتم حتى الآن اتخاذ إجراء بالنسبة للحجاج أو المعتمرين.. ولا يبدو أن هناك حاجة ماسة لمثل ذلك الإجراء، وخاصة أن فترة بقاء الحجاج والمعتمرين قصيرة، ولكن لا بد من اتخاذ احتياطات وقائية عند إسعاف هؤلاء الحجاج أو إدخالهم إلى المستشفيات واعتبار أن الاحتمال بإصابتهم بفيروس الإيدز وارد. ولذا لا بد من فحص تلك الحالات الخاصة.

стр. 13305

وتعتبر السياحة من أهم المصادر لانتقال فيروس الإيدز، فبعض البلاد العربية مثل مصر والمغرب وتونس وبعض البلاد الإسلامية مثل تركيا تعتبر بلاداً سياحية، وتعتمد إلى حد كبير في مدخولاتها من العملات الصعبة عليها، ولهذا فهي تشجع السياحة، وتوفر للسياح ما يبتغون!! وبالتالي ينقلون لهم الإيدز. وقد حدثت حوادث متعددة من نقل متعمد من يهود بجنسيات أمريكية وإسرائيلية للإيدز في مصر.. وعندما اكتشف أمرهم لم تقم الدولة بأمر سوى تسفيرهم. ولا شك أن السياح مصدر هام جداً لنشر الإيدز في البلاد الإسلامية، بل هو أخطر هذه المصادر على الإطلاق اليوم، ويذهب شباب من دول الخليج إلى شرق آسيا وغيرها من البلاد السياحية، وبالتالي يأتون بأمراض خطيرة، أهمها الإيدز والمخدرات. إن خطر السياحة في نقل الأمراض الجنسية والإيدز والمخدرات خطر عظيم، وإن ما تكسبه الدولة من دخل بسبب السياحة ستفقده، وأكثر منه نتيجة الأمراض المرعبة الناتجة من السياحة، ومن قدوم أشخاص مجرمين يتعمدون نشر الإيدز، وخاصة في مصر، مع علمهم وتأكدهم بأنهم لن يعاقبوا إذا ما تم اكتشاف أمرهم؛ إذ أقصى ما يمكن أن يفعل بشأنهم هو طردهم من البلد!! مع أن الواجب يقتضي محاكمتهم وإنزال أقسى العقوبات بهم.. ولكن من يستطيع ذلك؟!!. وسائل الوقاية عند حلق الحجاج في منى: بما أن الإيدز يمكن أن ينتقل بواسطة الدم، وبما أن الحلاقة يمكن أن تسبب خدشاً بسيطاً يكفي لخروج عشر مليلتر من الدم، فإن تلك الكمية تعتبر كافية لنقل فيروس الإيدز إذا استخدم الموس مرة أخرى لشخص آخر. ولهذا فإن الوقاية تتركز في عدم استخدام الموس لأكثر من شخص.. ولا بد من استخدام موس جديد لكل حاج، وهو أمر ميسر، ويمكن التأكد منه بوضع مجموعة من المراقبين عند الحلاقين عند الجمرات وغيرها في منى، وعليهم أن يراقبوا ذلك بدقة ويمنعوا أي حلاق من استخدام الموس لأكثر من حاج. وهو أمر يسير ولا حرج في تنفيذه. الدكتور محمد علي البار
следующие страницы →