← Фикх общий

Фикх общий · id 8356

مجلة مجمع الفقه الإسلامي

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (22 276 стр.). Показаны 13231–13270 · переход к 13236.

стр. 13231

وغيرها مما تلاحق بعدها.. تمهيداً لوصل حاضرنا العتيد بالماضي المجيد وانطلاقاً لرسم المستقبل المنشود. والمجال الثاني: الربط والتوفيق بين النظريات الطبية الحديثة، وما ورد من نصوص فيها إشارات ذات صلة بها في القرآن والحديث. وهذا المجال أيضاً مما عني به القدامى والجدد بكتابات شاملة للنظريات العلمية مطلقاً أو خاصة بالطبي منها. ومع ما يتطلب هذا المجال من ازدواجية لا بد منها للباحث فيه فقد كان حظ الأطباء للإسهام في بيانه أكثر من حظ غيرهم؛ لأنه يتطلب تمرساً في الطب وتعمقاً في علومه في حين يكفي له الإلمام بالدراسات الدينية والعربية. وبعد.. فإن وراء ما أشرت إليه مجالاً رحباً لدراسة ما يمكن اعتباره أيضاً من مسمى (الطب الإسلامي) بدءاً من (الطب النبوي) المتضمن هدي النبي ﷺ في الطب الطبيعي، والعلاج الروحي والطب النفسي، والقواعد التي أرساها الإسلام لحفظ الصحة، ثم ما وراء ذلك من منارات منثورة في علوم الشريعة الغراء تفصل فقه الطبيب (الأحكام الخاصة به) وآدابه (أخلاقيات الطبيب) ، ومعظم ذلك مذكور في غير مظانه، وقليل منه قد حظي بباب مفرد لدراسته في الكتب الشاملة أو بكتاب مستقل فيه. وفيما يلي إشارات لأهم الجوانب التي كان لها حيز في الدراسات الإسلامية بعيداً عن الاسترسال في الصعيدين التاريخي والتأويلي - المشار إليهما - لتكون هذه الدراسة تقريراً لأصالة الطب الإسلامي، ومدخلاً لوضع مرتكزات للدراسات المفصلة فيه، وذلك يسهم في فتح المجال أمام من ينشط لتسليط أضواء البحث الكاشفة لما خفي منها، ولا يتسع المقام لتلمس دور الطب في الدراسات الإسلامية - تأثراً وتأثيراً - في جميع الزمر المستقرة لتلك الدراسات، بدءاً بالقرآن، ومروراً بالسنة والسيرة، وانتهاء إلى الفقه وعلومه المساعدة لا سيما الحسبة والآداب الشرعية، لذا اقتصرت على لمحات في فقه الطبيب (الأحكام التي تتصل بمزاولته عمله من حل وحرمة) مع نبذ في الآداب التي ينبغي مراعاتها.

стр. 13232

النظرة الشرعية للطب: لا بد من إلقاء هذه النظرة قبل الحديث عن فقه الطبيب وآدابه، ثم أنتقل لبيان الخصال التي أوجبت الشريعة الإسلامية على ممارس الطب المعرفة بها؛ لأنها من الأمور المتصلة بصميم عمله. وهي مما يختص بالقيام به غالباً، كما يشمل آثار تصرفاته في الأحوال العادية أو الطارئة؛ إذ من المقرر أنه يجب على المسلم – بالإضافة إلى معرفة الأحكام العامة في حق الجميع كالعبادة- اكتساب المعرفة بما يخصه في عمله لتكون تصرفاته موافقة للشرع، وليكون كسبه حلالاً. ولعل أول ما يتعرض له الفقهاء في هذا المجال حكم (التداوي) ، ويستتبع ذلك تعرضهم لحكم (التطبيب) .. ولا يخفى أن الحديث عن هذين كان لهما قديماً ما يبرره إزاء مواقف بعض المتصوفة أو الزهاد الذين توهموا أن الإقدام على التداوي يخالف التوكل.. وقد اعتبرت هذه المواقف من باب التنطع بعدما ثبت تداوي النبي ﷺ شخصياً، والأمر لغيره بالتداوي والمداواة. ويستوقف النظر في المراجع التي تناولت هذه القضية حرص الفقهاء على اعتبار (مهنة التطبيب) إحدى فروض الكفاية (١) بمعنى أنه إذا لم يوجد من ينهض بها أثم المسلمون كلهم، وإن القيام بها من البعض يسقط الإثم عن البقية، ويكون الأجر خاصاً بمن يقوم بذلك ... ويظهر أثر هذا الاتجاه حين الموازنة بمحاربة الطب من خلال شن الحملة عليه من قبل محتكري الوصاية على الأديان والعقول قبل الإسلام، بل بعده أيضاً في حقبة القرون الوسطى عند الغربيين.

стр. 13233

الفقه والخبرة الطبية تثور الحاجة إلى خبرة الطبيب في أكثر من موضوع في الفقه الإسلامي، وتلك المواطن إما أن تتصل بالمرض أو الأعذار المبيحة لبعض الرخص والتيسير في العبادة.. وإما أن تتصل بالفصل في المنازعات التي تنشأ من دعاوى محلها جسم الإنسان، سواء أكان النزاع في شأن السلامة والبقاء على الفطرة وعدمها أم من قبيل ادعاء العيوب والنشاز.. ونظراً إلى أن الشريعة الإسلامية من منهجها العام في التشريع بناؤه على الأعم الأغلب، فقد ندر - في غير مجال الطب - ربط الأمور بالخبرة الفنية وحدها، بل أقيمت أكثر الأمور على حصول الأمارات الظاهرة الميسورة كما هو الحال في أوقات الصلاة ومطالع الأشهر وغيرها. أما في مجال الطب فلم يعدل عنه إلى غيره إلا في الأمور الميسور إدراكها بالتأمل أو بطول الأمد الكافي لظهور الأعراض واجتماع القرائن كما هو الحال في البلوغ وعلاماته الطبيعية. وفي هذه الأحوال كان البديل ليس هو الشخص العادي، بل أصنافاً من ذوي الخبرة الآخذة من الطب بنصيب كالقابلة.. أو مجموعة من النساء الثقات. ومن أهم أمثلة الحاجة إلى خبرة الطبيب في تحقيق شروط العبادة لوجود مزاولتها: أ- التطهر لها بالوضوء والغسل - بحسب الحاجة - حيث ينتقل الواجب بحصول المرض من استعمال الماء، وهي الطهارة الحقيقية الأصلية، إلى طهارة بدلية اعتبارية هي التيمم، وقد يكون الانتقال في جزء من البدن لا في جميعه، ومثاله الإعفاء من مساس الماء للبدن، بسبب وضع جبائر حيث يستعاض عن ذلك بالمسح على الجبيرة. ب- وصلاة المريض أحد الأبواب المعروفة في الفقه، حيث يصلي كما يطيق من قعود أو على جنب بحسب مقتضى مرضه. جـ- والمرض أحد الأعذار التي يسقط بها وجوب الجمعة والجماعة، فيستعاض عن حضور المسجد بالصلاة في البيت. ومناط ذلك المرض تعذر الوصول إلى مكان المسجد، لما في الجسم من وهن أو في القدم من ألم.

стр. 13234

د- والمرض يبيح الفطر في رمضان ليكون الصوم في أيام أخر هي أيام الشفاء والعافية.. إلا إذا كان المرض مما لا يرجى شفاؤه فينتقل الواجب من الصوم إلى (الفدية) التصدق بطعام مسكين.. ولا يخفى أن الحكم بالمرض أصلاً أو بكونه مزمناً هو مهمة الطبيب دون غيره. هـ- ومرض الموت له شأن آخر ليس ذاك المرض الميؤوس من شفائه فقط، بل هو الذي يزداد أثره حتى ينتهي بالوفاة، وله أحكام فقهية مفصلة بشأن التصرفات، ولا سيما الهبة والإقرار والطلاق.. والذي يقرر أن المرض من هذا القبيل هو الطبيب.. على أنه ليس من إعطاء الخبرة حقها في الدقة أن يطلق العنان للمرض مهما كان نوعه ومقداره لتستباح به الرخص ويعفى به عن الشروط؛ ولذا كان المرض عند الفقهاء أنواعاً لكل منها اعتباره. وأكتفي بالإشارة إلى اختلاف الرأي في اكتفاء بعضهم بخوف زيادة المرض أو امتداد زمنه، واشتراط بعضهم خوف الهلاك أو فوات العضو، (١) على أن بعض الفقهاء اكتفى للاستفادة من الرخصة الشرعية بأن يكون في استعمالها (كالفطر في الصوم مثلاً) الظن بحصول الصحة وبعضهم اشترط اليقين. وفي هذه المعايير المختلفة دلالة واضحة على الدقة في تقدير الأمور والحاجة الماسة إلى الخبرة الفنية.. ويتأكد هذا المبدأ من استعراض نماذج من أشهر مجالات الرجوع للخبرة الطبية فيما يلي: أ- ففي موضوع الزواج وثبوت المهر كاملاً بالدخول أو الخلوة لا يعتد بالخلوة؛ ما لم تكن الموانع زائلة، فالمرض أحد تلك الموانع لكنه (المرض الذي يمنع المعاشرة أو يلحقه به ضرر..) . (٢) ب- والأمراض الجنسية التي تمنح بها المرأة حق الفرقة عن الزوج هي العنة والجب والخصاء، لكن المجبوب لا يتريث في اعتباره، أما العنين والخصي فيؤجل معهما الزوج سنة لتمر به الفصول الأربعة ويتبين هل ما به علة معترضة أم آفة أصلية. جـ- وكذلك المرجع للخبرة الطبية في عيوب الزواج المستوجبة للخيار (وهي بالنسبة لما يوجد في الزوج مغتفرة عند بعض الفقهاء لوجود الطلاق الذي يتمكن به الزوج من مفارقة الزوجة المصابة.. ويمنحه بعضهم حق الخيار) وتنحصر تلك العيوب في ثلاثة عامة (الجذام، والبرص، والجنون) وقد عمم بعضهم أثرها ليشمل حالة إصابة الزوج بها.. وعيبين نسائيين هما الرتق: التصاق يمنع من المعاشرة الجنسية. والقرن: حائل عظمي أو لحمي يمنع من المعاشرة.

стр. 13235

ومن الواضح أن معرفة ذلك لا بد فيه من خبرة الطبيب، وإن كان يستعان في بعض الأحيان بالقابلة.. وهي صورة من صور الطب.. والأمثلة للتعويل على الخبرة الطبية كثيرة في شتى أبواب الفقه. ولهذا وضع الفقهاء أساساً لاعتبار المرض مرخصاً في التيمم –وأمثاله من المواطن التي يتغير بها الحكم من حال إلى حال أخف أو أشد- وهو أن يعتمد على معرفة نفسه إن كان عارفاً، أي المعرفة الفنية، وإلا فله الاعتماد على قول طبيب واحد حاذق مسلم بالغ عدل. فإن لم يكن بهذه الصفة لم يجز اعتماده. ومفاد هذا أنه لا يعتمد على من لم تتوافر فيه الصفات والقيود المشار إليها، على أن بعض الفقهاء رأى أنه يجوز اعتماد قول من كان فاسقاً، لعدم التهمة هنا؛ لذا اقتصر هؤلاء في وصف الطبيب بأنه (مسلم ثقة) مع تقييده بالحذق والفطنة. كما صرحوا بقبول المرأة وحدها؛ لأنه من باب الإخبار وليس من قبيل الشهادة التي جاء تنظيمها في الآية الكريمة: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ [البقرة: ٢٨٢] . ومما يدل على إحالة الأمر إلى خبرة الطبيب منع بعض الفقهاء من التيمم إن لم يجد طبيباً على الصفة المشروطة. (١)

стр. 13236

مسؤولية الطبيب (الضمان) إن المسؤولية بالنسبة للطبيب وغيره نوعان: تعاقدية، وجنائية. أ- المسؤولية التعاقدية: تنطبق على التعامل بين المرضى والأطباء القواعد العامة للإجارة على الأعمال وهي السائدة في كل المهن التي يلتزم فيها صاحب المهنة بأداء منفعة للمتعاقد محدودة بإنجاز معين مع تمكنه من تلقي مهام أخرى.. وقد يكون التعامل على أساس الإجارة الخاصة التي يسمى مقدم المنفعة فيها (الأجير الخاص) ، وذلك حين يرتبط خلال مدة معينة بأن لا يعمل لغير من تعاقد معه.. وهاتان الحالتان لا خصوصية فيهما للطبيب عن غيره. على أن هناك حالتين لا تتصوران إلا في ممارسة الطب: تسمى إحداهما المشارطة على البرء وتسمى الأخرى: اشتراط السلامة، وقد عني بمعالجتهما الفقهاء على النحو التالي: الحالة الأولى – المشارطة على البرء: الأصل في تقدير التعامل مع الطبيب أن يكون على مدة معينة، أو يكون على القيام بأعمال معينة، ويستحق الأجر بإنجاز ذلك ولو لم يبرأ. وهذا ما يدعى في الاصطلاح القانوني (بذل العناية) . وفي هذه الحالة احتمالات لها حلولها التي تختلف فيها أنظار الفقهاء، مثل حصول البرء أثناء المدة، أو حصول الوفاء.. أو امتناع المريض من مواصلة العلاج.. على أنه قد يشترط في هذا التعاقد بالإضافة إلى بذل العناية (تحقيق غاية) وهي الشفاء من المرض (البرء) والفقهاء مختلفون في الحكم على هذا التعاقد: فبعضهم منعه؛ لما فيه من الجهالة، لأن البرء غير معلوم متى يحصل.. حتى لو أحاط الطبيب علماً بأحوال مريضه ومرضه، لتدخل أسباب خارجية. وجمهور الفقهاء على جوازه، والدليل هو ما ورد من أن أبا سعيد الخدري عالج رجلاً وشارطه على البرء، وعلم بذلك رسول الله ﷺ فأقر تصرفه. ويرى ابن قدامة أن هذه المعاملة ليست من باب الإجارة التي يشترط فيها معلومية محل التعاقد بالمدة أو العمل. وإنما هي من قبيل (الجعالة) ، وهي تجوز على عمل مجهول، كما هو الحال في رد اللقطة، ويكفي للجعالة تحديد مقدار الجعل وبيان الغاية المطلوب تحقيقها بقطع النظر عن مقدار العمل. ومن أحكام هذه المشارطة أنه لو ترك قبل البرء فلا شيء له إلا أن يتمم غيره، فله حساب نسبة من الاتفاق. (١) وقد تناول الفقهاء هنا مسائل أخرى ثانوية مثل اشتراط الدواء على المريض أو الطبيب، وهي القضايا الملحوظ فيها أثر الأعراف والأوضاع الزمنية، والتي لا يوجد ما يلزم بمتابعتها مع تطور أصول التعامل في هذا المجال.

стр. 13237

الحالة الثانية – اشتراط السلامة: تناول الفقهاء ما لو تعاقد الطبيب مع مريضه واشترط أن يكون عمله مقترناً بالسلامة من السراية (المضاعفات..) فالشرط باطل؛ إذ ليس في وسعه ذلك، وما دام ما ينتج عن الفعل المعهود المستوفي للشروط معفى من المسؤولية فلا تترتب بمجرد الاتفاق.. للقاعدة القائلة: ضمان الآدمي يجب بالجناية لا بالعقد (١) ويلحظ هنا أن الشارع قد تدخل لينقذ الطبيب الذي تورط بقبول هذه المغامرة، إما مدفوعاً بإقدامه على أكثر مما يطيق، وإما بدافع الحاجة لقطف ثمار عمله ولو كانت محاطة بمحاذير، والشريعة جاءت لإقرار العدل أو لتحقيقه حين يزهقه جموح أو طغيان الأطراف. ب- المسؤولية الجنائية: الكلام عن المسؤولية الجنائية المترتبة على الطبيب إنما هو في مجال ممارسته المهنة (لأن تصرفاته العمدية العدوانية خارج المهنة، لا تختلف عن غيره) ، ولكن نظراً إلى أن طبيعة مهنته قد يلتبس فيها التصرف المعتاد المقصود به العلاج، بالتصرف الجنائي الناشئ عن جهل أو تجاوز أو خطأ، فقد تناول الفقهاء بالدراسة هذه التصرفات بإسهاب وتفصيل يمكن إيجازه على النحو التالي: إن اعتبار التطبيب واجباً كفائياً يقتضي أن لا يكون مسؤولاً عما يؤدي إليه عمله قياماً بواجب التطبيب؛ لأن القاعدة أن الواجب لا يتقيد بشرط السلامة، لكن لما كانت طريقة أداء هذا الواجب متروكة لاختيار الطبيب وحده؛ لما له من السلطان الواسع في الطريقة وكيفية الأداء تبعاً لاجتهاده العلمي والعملي كان ذلك داعياً للبحث عن مسؤوليته جنائياً عن نتائج عمله إذا أدى إلى نتائج ضارة بالمريض، باعتباره أنه حين يؤدي واجب التطبيب أشبه بصاحب الحق فيه بمؤدي الواجب، ولا يخفى أن صاحب الحق يسأل في حال تجاوزه حقه. وبمناسبة الموازنة بين اعتبار الطبيب قائماً بواجب أو اعتباره صاحب حق، يهتم الفقهاء بالتأكيد على ضرورة الاستعانة بخبرة الطبيب في تنفيذ القصاص الشرعي في حالة وجوبه بالجناية على النفس (القتل) ، أو الجناية على ما دون النفس (الجراح وإتلاف الأطراف أو الحواس) ، فلا شك عندهم أن قيامه بذلك هو من قبيل أداء الواجب.. وقد اتفق الفقهاء على أن مقتضى الإحسان في التنفيذ أن يعهد به إلى ذوي الخبرة بعد أن يوكلهم الأولياء المتمسكون بحق القصاص إذا لم تطب نفوسهم بالعفو، لما يتطلبه ذلك من دقة وحذر لعدم مجاوزة الواجب، قصاصاً كان أو حداً، ولتحقيق البعد عن الظلم والتعذيب.. وقد تضمنت المراجع الفقهية القديمة بعض الأصول التي كانت تراعى قبل التنفيذ، والوسائل التي كانت تستخدم في القياس وتحديد محل الاستيفاء؛ ليتم على أعدل وجه وأرفقه وأسهله. (٢)

стр. 13238

وهناك إجماع على عدم مسؤولية الطبيب إذا أدى عمله لنتائج ضارة فيما إذا توافرت الشروط الآتية: (١) ١- أن يكون طبيباً عن معرفة ودراية، لا عن زعم وادعاء، ولا يفيد أن تكون له شهرة لا تستند إلى خبرة حقيقية. ٢- أن يأتي الفعل بقصد العلاج وبحسن نية (أو بقصد تنفيذ الواجب الشرعي) . ٣- أن يعمل طبقاً للأصول الفنية التي يقررها فن الطب وأهل العلم به، فما لم يكن كذلك فهو خطأ جسيم يستوجب المسؤولية. ٤- أن يأذن له المريض أو من يقوم مقامه كالوالي. والطريف في هذه القضية أن الفقهاء حين أجمعوا على رفع المسؤولية عن نتائج فعل الطبيب حين توافر الشروط المشار إليها اختلفت وجهات نظرهم في تعليل نفي المسؤولية على نحو يدل على التقدير لشأن هذه المهنة وخطورتها في آن واحد، فبعضهم يرى أن العلة هي الحاجة إلى ممارسة المهنة في جو يشجع على أدائها.. لا سيما حين يقترن ذلك بالإذن.. وبعضهم يرى أن العلة بالإضافة للإذن أن الغرض من الفعل قصد العلاج لا الضرر، والقرينة على هذا لقصد وقوعه موافقاً للأصول الفنية.. ويرى البعض أن العلة هي الإذن في صورته المزدوجة المركبة من إذن الحاكم بممارسة المهنة وإذن المريض بأداء ما تقضي به من أعمال.

стр. 13239

أحكام بعض الإجراءات الطبية العلاج بالفعل المخوف: لعله لا يخرج من دائرة ارتكاب أهون الضررين ما ذهب إليه بعض الفقهاء في قضية العلاج بالأفعال التي يخاف منها التلف أو السراية (المضاعفات) ، بدلالة ما أردفوا به هذه المسألة من تفصيلات بأنه إذا خيف التلف من ترك الفعل كان القيام به جائزاً، بل واجباً.. كما صرحوا بحل قطع عضو استقر فيه الداء وخشي انتشاره في سائر الجسم. ولا يخفى أن المعيار المشار إليه هو المحكم، وما جاء على غير ذلك ربما من التأثر بالأوضاع الزمنية ... وكان مما ثار الجدل فيه في غيبة مراعاة القاعدة: الكي. (١) تشريح بدن الإنسان: كان لهذا الموضوع صداه قديماً باقتصار البعض على التمسك بمبدأ تكريم بني آدم وتحريم المثلة (وتحريم كسر عظم الميت في بعض الأحاديث) دون مراعاة المقاصد الأخرى من حفظ النفس بشتى الوسائل المؤدية لحفظها.. ومن تلك المقاصد التي تسعف نصوص التشريع وعبارات الفقهاء بمراعاتها: شق بطن الأم الميتة لحفظ حياة الجنين، والتشريح لتعلم الطب، ولكشف جريمة.. ومما جاء في ترجمة ابن النفيس (وهو فقيه مشهور، فضلاً عن أنه طبيب) وغيره أنهم كانوا يذهبون إلى المقابر فيلاحظون بعض العظام التي تنكشف عنها القبور القديمة ويراقبون مفاصلها، فضلاً عن تشريحهم بعض الحيوانات، ولا يخفى أن حرمة بدن الإنسان الميت موفورة إذا كان تشريحه لمصلحة أكبر. ومما يتبع هذا قضية الاستفادة من أعضاء الموتى لتعويض نقص أو تلف في الأحياء، وهي مسألة مركبة من نواح متعددة، ولا تخرج عن نصوص الأمر بالتعاون وقاعدة ارتكاب أهون الضررين المشار إليها. العلاج بالمحرم أو النجس: الأصل المنع من ذلك لنفس المقاصد والغايات التي يرمي إليها الشارع في المنع من بعض الأشياء (غذاء كانت أو دواء) واعتبارها محرمة بالنص على تحريمها أو الحكم بنجاستها. وقد اتجه جمهور الفقهاء هذا الاتجاه المنسجم مع علل المنع ما ظهر منها وما بطن.. على أن بعضهم رأى فسحة في استعمال المحرم أو النجس فيما إذا تعين ذلك دواء للمريض، وأجرى هنا أحكام الضرورة التي يباح معها ارتكاب المحظور.. في حين أبدى الجمهور فرقاً بين الدواء الذي هو مظنون وله بدائل وبين الغذاء الذي به قوام البدن والغنى عنه مطلقاً، فإذا اضطر إليه الإنسان غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه.

стр. 13240

وقد استوفى ابن القيم وجوه الحكمة في المنع من التداوي بالمحرمات بعد أن أورد الأدلة الصحيحة على هذا الاتجاه المشهور لدى الفقهاء، وهو يشير إلى أن المعالجة بالمحرمات قبيحة عقلاً وشرعاً.. لأن تحريمها على الأمة ليس عقوبة، بل هو لخبثها، فحرمت صيانة عن تناولها وحفظها من أخطارها، فلا يناسب العودة إليها للاستشفاء. وفي اتخاذها دواء ترغيب بها ينافي داعي التحريم إلى تجنبها.. والأخذ بها يكسب النفس من خبثها بالانفعال البين الحاصل بالدواء.. وإباحة التداوي بها يكون ذريعة لتناولها للشهوة واللذة، والشارع يسد ذرائع الفساد.. ولا يخلو الدواء المحرم من أضرار تزيد على ما يظن فيه من الشفاء. ثم أشار إلى سر لطيف في كون المحرمات لا يستشفى بها هو افتقارها إلى عنصر التلقي بالقبول واعتقاد المنفعة والبركة المجعولة للشفاء.. واعتقاد تحريمها يحول بين المسلم وبين تلك العوامل. ومما يذكر عن ابن النفيس أنه في مرضه الأخير وصف له بعض الأطباء تناول شيء من الخمر، إذ كانت علته تناسب أن يتداوى بها على ما زعموا، فأبى أن يتناول شيئاً من ذلك وقال: لا ألقى الله تعالى وفي باطني شيء من الخمر. ولعل في هذه العجالة غنى عن تفصيل الكلام في هذا الموضوع. (١) النظر للعورة للعلاج: في ظل القاعدة الشرعية المعروفة: الضرورات تبيح المحظورات والقاعدة الأخرى التي تقضي بارتكاب أهون الضررين اتقاء لأشدهما، اعتبر تحريم النظر إلى العورة قاعدة لها مستثنيات لا تختص بطبيب دون غيره.. لكن التطبيق العملي كشف أن العلاج أشهر التطبيقات التي خرجت عن القاعدة.. وليست كلها، فهناك النظر لأداء الشهادة مثلاً، وأمور أخرى قد آلت بالتطور إلى الطب نفسه كما سنرى. ولا يخفى أن العورة من الرجل ما بين السرة إلى الركبة، ومن المرأة البدن كله عدا الوجه والكفين، والعورة المغلظة هي الفرج وما حوله. وعلى هذا فإن ما فوق السرة وما تحت الركبة هو القدر المباح للنظر إليه من الرجل بالنسبة للرجل، ومن الرجل لمحارمه، ومن المرأة للمرأة، ومن المرأة للرجل، أما نظر الرجل إلى المرأة فالقدر المباح منه هو الوجه والكفان.

стр. 13241

هذه هي القاعدة في الجملة، أما الاستثناءات التي نوهت بها فهي: إباحة النظر إلى محل المعالجة، أو لمسه – وهو في الأصل أشد حرمة من النظر- وذلك بالقدر الذي تدعو إليه الحاجة، حتى لو كان ذلك المحل هو السوأتين. ودواعي النظر التي مثلوا بها متعددة، وهي قد آلت كما أشرت إلى الطبيب أو مساعديه والملحقين به في الحكم: القابلة، الخاتن، الممرض، ولمن يعهد إليه بتعرف البلوغ (التسنين) ، ولمن يرجع إليه في معرفة العيوب الجنسية أو البكارة. ومما حض عليه الفقهاء ستر ما لا يحتاج لنظره من العورة بثوب، والاقتصار على النظر للمحل المعالج. (١) علاج المرأة للمرأة وعكسه: من القواعد الشرعية أن نظر الجنس –ذكراً أو أنثى- إلى الجنس نفسه أخف. ولهذا كان الأصل أن تعالج امرأة مثلها.. ومع هذا فقد نص الفقهاء على جواز الاستثناء، وهو معالجة الرجل للمرأة، وذلك حيث لم يوجد أحد من بني جنسها.. ولهم تفصيلات في تقدير الضرورة بين أن يكون (تعذر تأتي المقصود من المرأة) وهذا يتيح المجال لاعتبار الحال الحاضرة، فإذا لم يكن ساعة العلاج العاجل إلا رجل، أو كان الاختصاص المطلوب أو مقدار المهارة فيه لم يتوافر في امرأة، فذلك كله من الدواعي المشروعة.. وصرح بعضهم بأن الرجل يستعين بامرأة فيطلب إليها فعل ما يريد فعله. الخلوة بالمرأة: أحكام الخلوة عامة لا إعفاء من مراعاتها إلا في الحالات الطارئة النادرة، كما لو كانت المرأة مسافرة مع زوج أو محرم، ثم فارقها بالوفاة مثلاً. والخلوة الممنوعة هي الانفراد بالمرأة من قبل رجل ليس زوجاً ولا محرماً. أما انفراد الرجلين بالمرأة، أو انفراد الرجل بالمرأتين، فليس خلوة عند بعض الفقهاء؛ وهذا طبعاً إذا كان الغرض ليس سيئاً.

стр. 13242

على أن في انفراد الرجلين بالمرأة، وعكسه، خلافاً لبعض الفقهاء ويتعين تفسيره وفقاً لما تدل عليه الوقائع الكثيرة من السنة وعمل السلف، بأنه نوع من الاحتياط الواجب إذا لم تؤمن الفتنة، وأما المتفق عليه فهو ما جاء به الحديث الصحيح: ((ما خلا رجل بامرأة إلا كان الشيطان ثالثهما)) . ولا شك أن الخلوة –على ما صرح به الإمام أحمد وغيره- لا تتحقق إلا في بيت أو نحوه مما يؤمن معه دخول ثالث إلا بإذنهما. أما ما كان من الأماكن متاحاً دخوله لعامة الناس أو لصنف كالأطباء والممرضين مثلاً فلا تتحقق فيه الخلوة. استطباب غير المسلم: التطبيب مهمة خطيرة، فإذا لم تجر في جو من الأمان والاطمئنان كانت ذريعة لإلحاق الأذى بالخصوم، كما أن لذلك أثره نفسياً في شعور المريض نفسه. (١) من هذا المنطلق، ومما كان يقع من بعض غير المسلمين من مكايد أو غش، ذهب بعض الفقهاء إلى كراهة استطباب غير المسلم، إلا لضرورة. ويدل على مستندهم في الرأي ما أشاروا إليه بقولهم: لعدم الثقة وافتقاد النصيحة، فإذا لم تبق هذه العلة زال الحكم المنوط بها. ولذا يعارض ابن تيمية في القول بالكراهية قائلاً: (إذا كان اليهودي أو النصراني خبيراً بالطب ثقة عند الإنسان جاز له أن يستطبه، كما يجوز أن يودعه المال وأن يعامله. وقد روي أن النبي ﷺ أمر أن يستطب الحارث بن كلدة - وكان كافراً - وإذا أمكن أن يستطب مسلماً فهو كما لو أمكنه أن يودعه أو يعامله فلا ينبغي أن يعدل عنه. وأما إذا احتاج إلى ائتمان الكتابي واستطبابه فله ذلك، ولم يكن من ولاية اليهود والنصارى المنهي عنها) . كما نبهوا على التثبت مما يصفه من الأدوية المركبة لئلا يكون فيها محرم، كما صرحوا بأنه لو أشار عليه الطبيب غير المسلم بالفطر في الصوم، والصلاة جالساً لا يرجع إلى قوله وحده؛ لأنه خبر متعلق بالدين فلا يقبل منه.

стр. 13243

من آداب الطبيب يشير السبكي في بيان ما ينبغي أن يتحلى به الطبيب من آداب بعبارة مستوعبة بالنسبة لقلة ما جاء عن هذا في غيره من كتب الحسبة التي توغلت في بيان ما يكتشف به أهلية الطبيب وما يزاح به الغطاء عن الجهل أو الغش إن وجد، كما أشارت إلى ما يجب علمهم به، وما يقسمون عليه، ولزوم مراعاة الإذن من ولي الأمر ومن المريض أو وليه (١) . يقول السبكي عن آداب الطبيب: (٢) - من حقه: بذل النصح، والرفق بالمريض. - وإذا رأى علامات الموت لم يكره أن ينبه على الوصية بلطيف من القول. - وله النظر إلى العورة عند الحاجة بقدر الحاجة. - وأكثر ما يؤتى الطبيب من عدم فهمه حقيقة المرض، واستعجاله في ذكر ما يصفه، وعدم فهمه مزاج المريض، وجلوسه لطب الناس قبل استكماله الأهلية. - وعليه أن يعتقد أن طلبه لا يرد قضاء ولا قدراً، وأنه إنما يفعل امتثالاً لأمر الشرع، وأن الله تعالى أنزل الداء والدواء، وما أحسن قول ابن الرومي: غلط الطبيب علي غلطة مورد عجزت موارده عن الإصدار والناس يلحون الطبيب وإنما غلط الطبيب إصابة الأقدار وهناك آداب أخرى ليست الشريعة مصدرها الوحيد، بل هي من آداب هذه المهنة، مثل كتمان أسرار المرضى والالتزام بمقتضى القسم مما هو معروف. (٣) على أن من الآداب أمراً يخاطب به الجميع ويخص به الطبيب لاتصاله المباشر بالمريض، وهو آداب (عيادة المريض) ، ولا يقلل من شأن هذه المطالبة الخاصة أن يكون بذلك مقتضى مهنته. فإنه إذا نوى –بالإضافة إلى باعث الواجب الوظيفي- الأخذ بهذه الآداب التي هي من تمام حق المسلم على المسلم، كان أداؤه أكمل، لصدور ذلك عن قناعة والتزام ديني ينمو معه الوازع الداخلي بعد رقابة الله .

стр. 13244

وقد جاء من التفصيلات لآداب عيادة المريض ما يجعل منها علاجاً نفسياً للمريض، فضلاً عن تحقيق المؤانسة والرعاية له في حال ضعفه وقعوده. وأشير إلى أهم العناصر البارزة في عيادة المريض مما مصدره الشريعة قبل غيرها: أ- عيادة المريض أدب ديني، للأمر بها والأجر والفضل عليها فيما يلي من الأحاديث: - ((أمرنا ﷺ بعيادة المريض..)) أخرجه البخاري ومسلم. ((حق المسلم على المسلم خمس: رد السلام، وعيادة المريض، واتباع الجنائز وإجابة الدعوة وتشميت العاطس)) أخرجه البخاري ومسلم. - ((إن الله يقول يوم القيامة: يا ابن آدم، مرضت فلم تعدني، قال: يا رب، كيف أعودك وأنت رب العالمين؟ قال: أما علمت أن فلاناً مرض فلم تعده؟ أما علمت أنك لو عدته لوجدتني عنده؟)) أخرجه مسلم. - ((إن المسلم إذا عاد أخاه المسلم لم يزل في خرفة الجنة حتى يرجع (أي في جناها)) ) أخرجه مسلم. ب- الدعاء للمريض، بمثل الأدعية المأثورة التالية: - ((باسم الله، تربة أرضنا، بريقة بعضنا، يشفى سقيمنا بإذن ربنا)) أخرجه البخاري ومسلم. - ((اللهم رب الناس، أذهب البأس، اشف أنت الشافي، لا شفاء إلا شفاؤك، شفاء لا يغادر سقماً)) أخرجه البخاري ومسلم. - ((باسم الله (ثلاثاً) أعوذ بعزة الله وقدرته من شر ما أجد وأحاذر (سبع مرات)) ) أخرجه مسلم.

стр. 13245

- ((أسأل الله العظيم رب العرش العظيم أن يشفيك)) . - ((لا بأس، طهور إن شاء الله)) . - ((باسم الله أرقيك من كل شر يؤذيك، من شر كل نفس أو عين حاسد؛ الله يشفيك، باسم الله أرقيك)) أخرجه مسلم. - قراءة المعوذتين والإخلاص والفاتحة. - ((اللهم اشف عبدك ينكأ لك عدواً، أو يمشي لك إلى الصلاة)) . جـ- السؤال عن حال المريض: ويكون الجواب في جميع الأحوال: (أصبح بحمد الله بارئاً) إلا إن كان السائل معنيا بعلاج المريض وهو يسأل عن تطور حاله لمتابعة علاجه بما يناسب تلك الحال. د- الإحسان للمريض واحتماله والصبر على ما يشق من أمره، وذلك من باب الامتثال لقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ﴾ [النحل: ٩٠] . وقوله ﷺ : ((إن الله كتب الإحسان على كل شيء..)) . هـ- كراهية تمني المريض الموت: لقوله ﷺ : ((لا يتمنين أحدكم الموت من ضر أصابه، فإن كان لا بد فاعلاً فليقل: اللهم أحيني ما كانت الحياة خيراً لي، وتوفني إذا كانت الوفاة خيراً لي..)) والمراد إيصاء الطبيب المريض بعدم الوقوع في هذا المحذور. و تطبيب نفس المريض: لقوله ﷺ : ((إذا دخلتم على مريض فنفسوا له في أجله، فإن ذلك لا يرد شيئاً ويطيب نفسه)) . ويؤيده قوله ﷺ لأحد من عادهم: ((لا بأس)) مع أنه فيه بأس؛ أي: مرض. ز- الثناء على المريض بمحاسن أعماله إذا رأى منه خوفاً ليذهب خوفه ويحسن ظنه بربه، وفيه أخبار عن ابن عباس مع عمر، وعبد الله بن عمرو مع أبيه عمرو بن العاص، وابن عباس مع عائشة.. لا محل لسردها. حـ- تشهية المريض: ((دخل ﷺ على رجل يعوده فقال: هل تشتهي كعكاً؟ قال: نعم. فطلبه له..)) ابن ماجه. ط - طلب العواد الدعاء من المريض: ((إذا دخلت على مريض فمره فليدع لك، فإن دعاءه كدعاء الملائكة)) . ولا شك أن طلب الدعاء منه يشعره بالراحة النفسية من حسن نظرة الناس إليه، وأن مرضه كفر عنه كثيراً من ذنوبه، ويجعله يعيد النظر فيما سلف من أمره.

стр. 13246

ى- تذكير المريض بعد عافيته بالوفاء بما عاهد الله عليه: ومما روي في ذلك حوار جرى بينه ﷺ وبين الصحابي (خوات) بعد أن عوفي من مرضه، حيث قال له النبي ﷺ : صح الجسم يا خوات، فأجابه: وجسمك يا رسول الله، فقال له النبي: فَفِ اللهَ بما وعدته، فقال خوات: وما وعدت الله شيئاً. قال: بلى، ما من عبد يمرض إلا وعد الله خيراً، فف الله بما وعدته. هذه لمحات في فقه الطبيب وأدبه، وهي للتنويه والتمثيل، لا للاستيعاب، فله مجال آخر. ومن ذلك يتبين ما للطب من منزلة في الشريعة، وما له من موقع في فقهها وآدابها. ولا أجد للختام أروع من كلمة مأثورة عن: الإمام الشافعي عن التواؤم بين علاج الأبدان، وعلاج النفوس ومشكلات الحياة، حيث يقول: لا تسكن في بلد ليس في فقيه وطبيب.

стр. 13247

(٣) مدى شرعية التحكم في معطيات الوراثة تمهيد – الوراثة في الطب والتراث الفقهي: بالرغم من قلة الكتابات في الوراثة، فإن هذا العلم لم يغفله القدامى من الأطباء والفقهاء وغيرهم من العلماء ممن كتب في موضوعات ذات صلة بهذه الحقيقة. ولا سيما بعد أن أشار إليها الحديث الذي رواه البخاري ومسلم وفيه قوله ﷺ : ((لعل ابنك نزعه عرق)) في شأن من استغرب أن يولد له من لم يشبهه تماماً، بل أشبه أحد أجداده. على أن جهودهم اقتصرت على (التعرف) إلى خصائص الوراثة، ولم تبلغ آمالهم إمكانية (التصرف) والتحكم فيها، وهو مجال مضى الطب المعاصر فيه أشواطاً أمكن فيها الانتخاب والاستنجاب، والتعديل والتبديل. بعض ذلك آتى كل ثماره المرجوة، وبعض آخر شارف على تحصيل نتائجه أو اعتبرت في حيز الإمكان، على ما وصف المختصون. ولا تخفى الحاجة إلى بيان الحكم الشرعي لما وقع من قضايا التحكم في الوراثة أو كاد يقع، بعدما قام الأطباء (أهل الذكر في هذا المجال) بالمهمة الضرورية التي لا بد أن تسبق إصدار الحكم، وهي تقديم التصور والبيانات الكاشفة لحقيقة كل قضية، ليسهل إدراكها وتكييف الإجراءات الواقعة فيها، فضلاً عن الأهداف، والفوائد والمحاذير. وإذا كان لا بد من تقديم تعريف للوراثة قبل الخوض في التصرفات المتصلة بها والمعالجة أو الإلمام بشرعيتها، فإن الوراثة هي: (انتقال الصفات من الأصول إلى الفروع، أو من السلف إلى الخلف، وهي تشمل –إلى جانب الخصائص- الأمراض القابلة للتوريث) . (١)

стр. 13248

وقبل الانتهاء من هذه التوطئة إلى صميم الموضوع، لا بد من الإشارة إلى أن (التعرف) إلى هذا العلم في بعض معطياته، وسبر أغوار الإنسان في كنه تكوينه، وملاحظة انطواء العالم الأكبر في جرمه الصغير، لهو مما يدخل في تلبية دعوة الله الخالدة إلى التأمل في النفس وإبصار ما استكن فيها من عجيب الخلقة، ويستتبع ذلك الاعتبار والعظة ﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾ [الذاريات: ٢١] ويتلوه الانتقال من التدبر في الخلق إلى الإيمان بالخالق وازدياد اليقين بقدرته وحكمته واطمئنان القلب إلى وحدانيته في الألوهية والربوبية. وإذا كان في بعض الدراسات المتصلة بالعلم من حيث هو التفرقة بين النافع وغيره، فإنها لم يقصد بها إلا إطراح فئة من العلوم قامت على الاستخفاف بعقل الإنسان أو تحدي عقدية الفطرة.. أما العلم الذي يصلح أن يكون –فضلاً عن نفعه المادي- مدرجة للنظر في الكون والتفكر في مالك الملك فإنه في دائرة التكليف والطلب. حفظ النسل من مقاصد الشريعة: تستمد قضايا الوراثة أهميتها من اتصالها الوثيق بمقصد من مقاصد التشريع، وهو حفظ النسل وصيانة النسب، باعتباره أحد الكليات الخمس التي جاءت الشريعة لصيانتها، وهي: الدين والنفس والعقل والنسل والمال.. ولتوفير ما يناسبها من صون وكلاءة جاءت أنواع شتى من الأحكام الشرعية، بعضها لا مناص من مراعاته، لأنه يمثل (الضروريات) . وبعض آخر يتلوه في سلم الأهمية وهو (الحاجيات) . وإلى جانبهما يقوم خط آخر للدفاع يمثل (الكماليات أو التحسينيات) ، وهذه الأحكام تحيط الكليات الخمس –وإحداها النسل- بسور منيع يتحقق به الإنذار المبكر، ودفع الأذى أو رفعه. ولا يتسع المقام لأكثر من هذا التنويه الدال على عناية الشريعة بما يصون ذات الإنسان ومقوماته، ويعزز تكريم آدميته، وأنه مفضل على كثير من الخلق تفضيلاً. والغرض من هذا تأكيد واجب الحفاظ على صحة الأنساب وتمايزها، والتبصر عند الإقدام على أي تصرف من شأنه المساس بهذه القضية الأساسية، وملازمة الطرق الطبيعية المرسومة بالفطرة لابتغاء ما كتب الله للإنسان من نسل صحيح صالح ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا فَلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا فَمَرَّتْ بِهِ فَلَمَّا أَثْقَلَتْ دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُمَا لَئِنْ آَتَيْتَنَا صَالِحًا لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ [الأعراف: ١٨٩] .

стр. 13249

ومن هذه الآية وأمثالها يتبين أن الزواج هو السبيل الآمنة التي ألهمها الله خلقه لبقاء النوع الإنساني، وأن فيها وحدها يتحقق السكن والمودة والرحمة، وأن العزوف عن هذه الطريق والتنكب عن هذه الجادة يعرض الكلية الأساسية التي هي (بقاء النسل وحفظ النسب) إلى هزات عنيفة تجتثها من جذورها، فتزهق معها حقائق ذات شأن؛ لأنها يرتكز عليها بقاء المجتمع الإنساني وسعادته؛ كعلاقة الأبوة والأمومة وما يتصل بهما، وقواعد النفقة والميراث، وأصول التكافل الأسري، وهو ما تنظمه أحكام الأحوال الشخصية للإنسان (حقوق العائلة) . أنواع التحكم في معطيات الوراثة: إن الصور المطروحة على بساط البحث لا تعدو ثلاثة أنواع هي: ١- النسخ – (أو الاستنساخ) وهو الحصول على نسخ من الكائن بغير التزاوج. ٢- المزج بين صفات وخصائص معينة في المخلوق بالتصرف في مورثاته. ٣- استصفاء جنس معين باستبقاء عنصره في الطور الأول للجنين. ولكن هذه الأنواع ليست آخر ما يمكن الوصول إليه من معطيات، لذا كان المفضل تناولها ضمن تقسيم آخر يلحظ فيه الغاية، هل هي وقائية أو علاجية أو سواهما من الأغراض؟.. وهذا كله بعد أن أخذت هذه المعطيات في الظهور مع تقدم علم الوراثة واكتشاف الراموز (الشفرة التي تحكمه) .

стр. 13250

الأسباب الوقائية والوراثة سبقت الإشارة إلى أن من بين ما شرعه الله قواعد خاصة لصيانة النسل من أن يلحق به ما يخل بسلامته أصلاً أو يحدث به ضرراً بليغاً أو أذى مهيناً، وقد ظهرت هذه التشريعات في صنفين من الرعاية: أحدهما: وقائي يسبق وقوع الخطر فيوجد ما يدرؤه ويبعده أو يجعل أثره ضعيفاً مستهلكاً. والآخر: علاجي تدعو إليه حاجة طروء السقم ودواعي التلف الذي يلحق به، وهو متناول بعموم النصوص في التداوي والعلاج لإصلاح ما يطرأ على الطبيعة وإزالة الأدواء والعلل بالوسائل التي لا يلابسها محرم. فأما التصرفات الجارية مجرى الوقاية فهي باب مفتوح على مصراعيه، فللإنسان أن يسعى جهده لاتقاء ما يصيبه من سوء.. سواء كان الضرر المخوف لحوقه خلقياً مصاحباً لوجود الإنسان، أو طارئاً عليه مبدلاً ما هو عليه من فطرة سوية. فالوقاية والاحتراس مأمور بهما بأي وسيلة صحيحة نقية من الشوائب، والنصوص الشرعية في هذا كثيرة، نقتصر منها على ثلاثة أمثلة شديدة الصلة بموضوع الإنجاب، ويتبين منها الدعوة الصريحة للأخذ بما يقي النشء منذ أول مظهر من مظاهر التأثير الوراثي وهو (الزواج) حيث يلتقي شطرا النشأة لوجود السلالة: الأول- قيام كل من الزوجين بتخير الآخر، والأمر موجه للزوج؛ لأنه هو المتولي عادة للخطبة وإبداء الرغبة، ففي الحديث الذي روي من طرق عديدة لكنها ضعيفة: ((تخيروا لنطفكم فانكحوا الأكفاء، وأنكحوا إليهم)) رواه الحاكم والبيهقي وابن ماجه. وفي رواية ابن عدي وابن عساكر: (( ... فإن النساء يلدن أشباه إخوانهن وأخواتهن)) رواه البيهقي بلفظ ((الناس معادن، والعرق دساس، وأدب السوء كعرق السوء)) ، ورواه الديلمي بلفظ: ((تزوجوا في الحجر الصالح؛ فإن العرق دساس)) ، وفي لفظ رواه أبو موسى المديني: ((انظر في أي نصاب تضع ولدك؛ فإن العرق جساس)) (١)

стр. 13251

الثاني- تحاشي الزواج بالقريبات،؛ تفادياً لضعف السلالة، وفي ذلك أثر عن عمر بن الخطاب –﵁ قال لآل السائب: قد أضويتم فانكحوا في النزائع. أي الغرائب، رواه إبراهيم الحربي في غريب الحديث، وأبو نعيم في فضل النفقة، وفي حديث مختلف في صحته: ((الناكح في قومه كالمعشب في داره)) ، وفي أثر آخر: ((اغتربوا لا تضووا)) (١) وهذا المعنى مما عرفته العرب وكررته في أشعارها كقول أحدهم: إن بلالاً لم تشنه أمه لم يتناسب خاله وعمه وقول الآخر: تنجبتها للنسل وهي غريبة فجاءت به كالبدر خرقاً معمماً (٢) وفي محاذيره يقول أحدهم: ذاك (عبيد) قد أصاب (ميا) يا ليته ألحقها صبيا فحملت فولدت ضاويا الثالث- تحاشي العدوى ونقل الأمراض المعدية أو الوراثية للأصحاء، ولاسيما عند الإقدام على الزواج، قبل الاستشفاء من تلك الأمراض التي يسهل انتقالها للسلالة، وفي ذلك ورد الحديث الصحيح: ((ولا يوردن ممرض على مصح)) أخرجه البخاري ومسلم، وكذلك حديث: ((لا عدوى ولا طيرة ولا هامة ولا صفر، وفر من المجذوم كما تفر من الأسد)) أخرجه البخاري وأحمد في المسند.

стр. 13252

أثر الهدف في الأسباب العلاجية الوراثية يختلف الحكم الشرعي على الإجراءات أو التصرفات الواقعة في مجال الوراثة تبعاً للهدف المبتغى من الفعل، وإن مراعاة الغاية هنا مبعثها الموازنة بين المفاسد والمصالح، أو المضار والمنافع، وهي موازنة مطلوبة شرعاً، انطلاقاً مما قرره علماء أصول الشريعة من أنه لا يوجد –إلا نادراً- ما يتمحض للنفع والصلاح دون أن تشوبه شائبة من الضرر في الدين أو البدن أو المال، وإنما تكون العبرة بالأغلب، أي حيث تتحقق المصلحة الراجحة على ما يقع من ضرر بفعلها، ويعتبر هذا من ارتكاب أخف الضررين تفادياً لأشدهما. مراعاة سلامة الوسيلة: فضلاً عن مشروعية الهدف لابد من مراعاة مشروعية الوسيلة أيضاً بأن تكون أمراً حلالاً يمكن به تجنب الإنسان شيئاً من المخاطر الناتجة عن الوراثة من أبيه وأمه، وهذا السعي لتحصيل النفع مأمور به في نصوص شرعية كثيرة، منها الحديث الشريف: ((احرص على ما ينفعك، واستعن بالله، ولا تعجز ... )) . ومن الواضح أن حرص الإسلام على الجمع بين نبل الهدف والوسيلة معاً نابع من اعتبار التكليف مستمراً وشاملاً لأي تصرف معنوي أو مادي، وأن للوسائل والإجراءات حكم المقاصد والغايات، فليس في الإسلام فكرة الغاية الصالحة تبرر الوسيلة الفاسدة، فإن التعبد والامتثال شامل للنية والفعل.. ولا يعني هذا أن يخلو الإجراء من محاذير، بل المراد أن تكون المصلحة أساسية وأن يربو ما فيها من نفع على ما يستتبع حصولها من محاذير، وأن تكون الوسيلة لتحصيلها هي في ذاتها فعل مشروع بقطع النظر عن اقترانها بالهدف والغاية. ومن هنا يتبين أنه لا يصلح بحال من الأحوال أن يكون هدفاً مشروعاً الرغبة في التكاثر أو التشهي أو العبث أو الإفساد، وهو ما يلحظ استحواذه على معظم التجارب والتصرفات في هذا المجال بسبب الحضانة في بيئات لا تقيم لمعيار الحلال والحرام أي اعتبار. ونخلص مما سبق إلى أن هناك ضوابط ومنارات تحوط وتنظم أي تحكم يتطلع إليه في معطيات الوراثة، ولعل أهمها: البعد عما ينشأ عنه تغيير الخلقة كالتصرفات التي تزيد أو تنقص في الطبيعة الأصلية التي فطر عليها الإنسان بداعي التجميل أو الرغبة في الحسن، أو غير ذلك من أغراض غير مشروعة؛ ذلك أن هذا التغيير قد وسمته النصوص الشرعية بأنه استجابة لأوامر الشيطان ﴿وَلَآَمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾ [النساء: ١١٩] . ولا يدخل في هذا ما يقع لتلافي الضرر والأذى اللاحق بالإنسان، أو الناشئ معه بصورة مغايرة للمعتادة في جنسه، أي: لا يدخل فيه ما يستهدف به العلاج أو الوقاية. كذلك يجب الحذر من تبديل الفطرة والسجية التي طبع الله الناس عليها من حيث الميول التي تخلق مع الإنسان قابلة للخير والشر، ومستعدة للتأثير الصالح أو التغيير المفسد، والمراد إدانة تلك التصرفات في السجايا بغير وسائل التقويم المشروعة، مما يخرج الإنسان عن إنسانيته المتكافئة في النوازع؛ ليتحول إلى الاستحذاء والطاعة العمياء، أو التمرد والجموح الشرس.

стр. 13253

الاستنساخ بالرغم من أن التصور الوافي لهذه القضية تكفل به المختصون فيما قدم من بحوث علمية، فإنه لابد من إعادة التعريف بصورة موجزة ليمكن الربط بين الواقعة وحكمها. فالاستنساخ أو النسخ يريد به المختصون محاولة تقديم كائن أو خلية أو جزيء يمكنه التكاثر عن غير التلقيح ومن غير نقص أو إضافة للمحتوى الوراثي. هذا التصرف إن كان في مجال الحيوان، وبالأولى في النبات، فإنه لون من ألوان التنمية والتثمير لما سخره الله للإنسان وفسح له فيه سبل التصرف مما ليس فيه تعذيب ولا تبديل عابث للخلقة، ومن وجوه التحكم هذه صورة كانت في عهد التشريع الأول وشملها حكم التقرير والمشروعية؛ لأن التصرف في الحيوان والنبات هو تصرف في المال بما يزيده ويجوده، فقد امتن الله على الناس بوجود الخيل والبغال، مع أن هذه الأخيرة نتيجة تلاقح مستجلب فيه مخالفة النوع، كما ورد الحث على التمكين من عسب الفحل واستنجاب الأعراق، وليس هذا من الخلق أو الإبداع في شيء، فهو سلوك لأسباب مادية يحدث عنها من النتائج ما قدره الله، والكون كله مسخر للإنسان، وقد هداه الله لتدبير وجوه الانتفاع به وتوفير خيراته. أما بالنسبة للإنسان فإن قضية النسب المعدودة إحدى الكليات الخمس الموصى بصيانتها فهي إحدى الضوابط الجوهرية التي تعصم من اقتحام المخاطر غير المحصورة والعصية عن السيطرة. كما تخفى خطورة النظر إلى الإنسان كأنه مما يتخذ للتكاثر فيه بما يشبه التمول، كأنه من السلع الخاضعة للتنمية، وكذلك خطورة المساس بالعلاقة المتينة التي أوجدها الله في الزواج ليكون من آثاره حصول الأولاد وانتسابهم. فالإقدام على تطبيق الاستنساخ في الإنسان لا ينفك عن الوقوع في تجهيل الأنساب وانقطاع التناسل الذي ناط الله به القرابة بأنواعها، وقد تناول الحظر صوراً عديدة تؤدي لجهالة النسب أو لإدخال التنازع فيه، فمما حرمه الله: - نفي الأنساب الثابتة، سواء كان النفي من نفس المحمول عليه النسب إذا كان لا يعلم قادحاً في النسب، لكنه نفاه باطلاً وزوراً، وهو ما كان معروفاً في الجاهلية باسم (الخلع) بفتح الخاء. وكذلك إذا كان النفي من غيره، وما هو يستوجب عقوبة القذف من الحدود الشرعية المنصوص عليها ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [النور: ٤] .

стр. 13254

- تضييع العائل من هم في عياله –ففي الحديث الذي رواه مسلم في صحيحه: ((كفى إثماً أن تحبس عمن تملك قوته)) ، وفي رواية لأحمد: ((كفى بالمرء إثماً أن يضيع من يقوت)) . - تحريم التبني، وهو إخراج النسب من الربط بالحقائق الشرعية إلى محض الادعاء والهوى ﴿وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ ذَلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهِكُمْ﴾ [الأحزاب: ٤] . - اختلاط الأنساب: سواء حصل بالزنى ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ [الإسراء: ٣٢] أو حصل بالزواج بمن لا تزال في عدة الغير، وفيه الحديث الذي رواه أبو داود والترمذي أن النبي ﷺ قال: ((لا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسقي ماءه زرع غيره)) أي: إتيان الحبلى من غيره. - كما تناول التحريم كل ما يؤدي إلى قطع التناسل أو إضعافه أو تغيير طرقه التي وقعت موقع الفطرة، كالاختصاء أو الرهبانية أو شتى أنواع الشذوذ عن التمتع الحلال. أضف إلى ذلك ما تقتضيه مراعاة مبادئ تكريم البشر الذين سخر الله لهم الكون من أن يكونوا محلاً للتصرفات المهينة. ومن هذا يظهر بوضوح أن الاستنساخ في مجال الإنسان هو من مواطن الحظر، وأن ما يبذل في سبيل ذلك من جهود هي كذلك إلا بالقدر الذي تتطلبه أغراض العلاج والتداوي.

стр. 13255

الاستبدال لعل هذه الكلمة تصلح للتعبير عما تتطلع إليه المحاولات في مجال الوراثة بإيجاد ما يعتبر بدائل عن الوضع الأصلي من خصائص وخصال في الإنسان كانت ستظل معه لولا التدخل باستبدال الذي هو أدنى بالذي هو خير في الواقع، وإن كان الغرض متجهاً إلى عكس ذلك. والاستبدال هو كما عرفه المختصون: التعويل على ما للحامض النووي من خصائص، لاسيما خاصة الالتحام عند قصه بحيث يمكن التحكم في إبدال المورثات من خلال عمليات معقدة يعود تحقق نتائجها إلى الخصائص في الحامض المذكور. وبناء على ما سبق من تفصيل في اعتبار الهدف يختلف الحكم على هذه التصرفات تبعاً للقصد، فإن اتجه إلى العلاج من علة، سواء كانت مرضاً وراثياً قائماً بالجسم أو انحرافاً في الطبيعة الأصلية أو تقاصراً عن القدر المألوف فيها فإنه مما يندرج في التصرفات المشروعة، إن لم يكن على سبيل الوجوب فعلى وجه الندب أو الإباحة، لأنه من جنس المأمور به في نصوص الشريعة الداعية إلى التداوي وإزالة الضرر ودرء المفسدة وتحصيل النفع والحرص عليه. ولكن ما الحكم إن اتجه القصد أو أدت الوسيلة إلى تغيير الخلقة أو تبديل الفطرة على سبيل العبث والإفساد للانحطاط من الخلق السوي إلى أحد طرفي قصد الأمور من المبالغة في الطباع الحليمة الهادئة المغرقة في الجانب الخير كالملائكة، أو الانحراف بالسجايا عن الوضع الطبيعي المحايد المحقق للتوازن إلى صفة العجز والاستخذاء والانقياد اللاإرادي، أو التوغل في الميول الشريرة التي تنحدر بالإنسان إلى حضيض الشياطين والمردة، وهذا كله خلاف ما خلق الله عليه الإنسان في فطرته من القابلية للخير والشر على حد سواء، إلى أن يطرأ مؤثر ما ﴿فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ [الروم: ٣٠] . مما لا يساور معه الشك أن في ذلك تبديلاً للفطرة المنهي عن تبديلها، وقد حرم الله كل ما يؤثر على الطبيعة الأصلية للإنسان سواء كان بأسباب مادية منضبطة كالإسكار والتخدير والإكراه الملجئ، أو بأسباب أخرى خاصة كالذي يتعاطاه السحرة النافثون في العقد، أو الحسدة هواة الإصابة بالعين، أو المرجفون وأهل التحريض على الشر أو التثبيط عن الخير باستغلال الهوى الجامح، أو الطيش البين، أو الغفلة والسذاجة، وما إلى ذلك من المؤثرات المعنوية أو النفسية السلبية أو المفسدة فلا يقل عن هذه التصرفات في الخطورة ما يصل إليه الإنسان من نتائج بالوسائل المادية المختبرية والإجراءات الطبية، فكل من هذا وذاك استجابة لأمر الشيطان ومطاوعة لنزغاته بالقيام بالتصرف المعتبر سبباً ينشأ عنه مسببات منسجمة مع ذلك التغيير، فإن الله ربط الأسباب بالمسببات، والحكم كما يتعلق بالفعل المباشر يتعلق بالتسبب إذا ما توافرت صلة السببية.

стр. 13256

القواعد الشرعية في تغيير الخلقة: جاء في ذلك آية وحديثان صرحا بأن تغيير خلق الله هو من استجابة الناس لما يأمرهم به الشيطان على سبيل الغواية لهم والإضلال: أما الآية فهي قوله تعالى: ﴿وَإِنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطَانًا مَرِيدًا (١١٧) لَعَنَهُ اللَّهُ وَقَالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا (١١٨) وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآَمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آَذَانَ الْأَنْعَامِ وَلَآَمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُبِينًا (١١٩) ﴾ [النساء: ١١٧- ١١٩] . حيث أشارت الآيات الكريمة إلى أن تبتيك الأنعام أي تقطيعها وتغيير خلق الله بمثل قطع الآذان وفقء الأعين هو من المحرمات، ومن فعل الشيطان وأثره. أما الحديثان فهما ما رواه عياض المجاشعي ﵁، أن النبي ﷺ قال في الحديث القدسي فيما يرويه عن ربه: ((إني خلقت عبادي حنفاء كلهم، وإن الشياطين أتتهم فاجتالتهم عن دينهم، فحرمت عليهم ما أحللت لهم، وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطاناً، وأمرتهم أن يغيروا خلقي)) أخرجه مسلم. وما رواه ابن مسعود أن النبي ﷺ قال: ((لعن الله الواشمات والمستوشمات والنامصات والمتنمصات والمتفلجات للحسن المغيرات خلق الله)) أخرجه مسلم. أيضاً وقد حمل جماعة من المفسرين هذا التغيير على أنه إشارة إلى الوشم وما جرى مجراه من التصنع للحسن وهو قول ابن مسعود والحسن البصري: والوشم غرز ظاهر الجسم بإبرة ثم حشوه بالكحل أو النئور (دخان الشحم) فيخضر، ومما يجري مجرى الوشم التنمص وهو قلع الشعر من الوجه، والتفلج وهو صنع تحزيزات في الأسنان تفعله المرأة الكبيرة للتشبه بالشابة. والمعنى الذي حرمت لأجله هذه الأمور هو تغيير خلق الله تعالى كما قال ابن مسعود، وهو أصح الآراء كما قال القرطبي (١) ، ورجحه على قول من تكلف تعليلاً لا يشير إليه النص، وجعل المعنى في النهي للتدليس وكذلك تظل هذه التصرفات مما تشمله الآية عند من حمل (التغيير) على ما حصل لبعض المخلوقات التي هي للاعتبار والانتفاع، حيث جعلوها معبودة لأمر الشيطان، وهذا النهي إنما هو فيما يكون باقياً؛ لأنه هو الذي يتحقق فيه تغيير خلق الله، فأما ما لا يكون باقياً كالكحل والزينة فلا شيء فيه ولا يدخل في هذا المنع.

стр. 13257

ومع أنه استثنى من النهي الوسم، وهو إحداث علامة في الحيوان بالكي، وهو جائز في غير الوجه، فقد اختلف في خصاء الحيوانات، أما الخصاء في الآدمي فلم يختلفوا في أنه لا يحل ولا يجوز؛ لأنه مثلة وتغيير لخلق الله تعالى، وكذلك قطع سائر أعضائهم في غير حد ولا قصاص؛ قاله أبو عمر بن عبد البر. وقد بين الإمام الطبري أن في هذا الحديث دليلاً على أنه: (لا يجوز للمرأة تغيير شيء من خلقها الذي خلقها الله عليه بزيادة أو نقصان التماس الحسن لزوج أو غيره، سواء فلجت أسنانها أو وشرتها أو كان لها سن زائدة فأزالتها أو أسنان طوال فقطعت أطرافها ﴿فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾ [النساء: ١١٩] وذلك يخرج الناس عن فطرة الله، فيشمل هذه المعاصي أيضاً لأن الشيطان يدعو إلى جميع المعاصي لأن كل ذلك تغيير خلق الله، قال عياض: ويأتي على ما ذكره (الطبري) أن من خلق بأصبع زائدة أو عضو زائد لا يجوز له قطعه ولا نزعه؛ لأنه من تغيير خلق الله، إلا أن تكون هذه الزوائد تؤلمه فلا بأس بنزعها عند (الطبري) وغيره (١) * * * الاستصفاء لعل هذه التسمية تؤدي المراد من عبارة التحكم في جنس الجنين بعد تشخصيه.. فهو من باب الاصطفاء لأحد الجنسين على الآخر. وإن هذا التحكم إذا ما تم بوسائل صحيحة فهو سائغ كما يسوغ الدعاء بطلب جنس معين، ومن المقرر أن ما يحرم فعله يحرم طلبه، وأن من شروط الدعاء ألا يسأل أمراً محرماً. وقد سأل نبي الله زكريا ﵇ أن يرزقه الله ذكراً ليصبح ولياً يرث من ميراث النبوة، وفضلاً عن ذلك فما كان يجري على مرأى ومسمع المفسرين والفقهاء وضمنوه بعض كتبهم ما كان يسلكه الناس من وسائل أخرى يظنون تأثيرها في الحصول على هذا المقصود بقطع النظر عن مدى صلتها بالحقيقة. ومثل هذا المسعى إذا جاء على نطاق فردي شخصي لا غبار عليه، وهو بمنأى عن توهم منافاته لحصر العلم بالأرحام في جملة الأمور الخمسة التي استأثر الله بعلمها، فإن ذلك العلم ليس حاصلاً بوسيلة ولا هو مسبوق بجهل ولا هو محفوف بظن وتردد كعلم الناس، فضلاً عن أن الآية جاءت في مورد التحذير مما كان مادة خصبة للكهان والمنجمين، ورتب عليها خطورة الجزم بذلك على أنه علم موهوب، أما إن كان الإخبار ناشئاً عن عادة أو وسائل فإنه ليس في حيز النفي. وكما يقول القرطبي المفسر: قد تختلف التجربة وتنكسر العادة ويبقى العلم لله تعالى وحده (٢)

стр. 13258

وهنا يثور اشتباه آخر هو المنافاة لإرادة الله وإيجاد الموانع من نفاذ المشيئة كما قيل، وهو ادعاء عجيب؛ لأن مراد الله لا يعرف للإنسان إلا بعد وقوعه، وإرادته تمضي طبقاً لما يشاء سبحانه، ولا راد لأمره، وهذا مقتضى العقيدة الإيمانية الصحيحة في مسألة القضاء والقدر، فالعلم بالمقدور علماً سابقاً لوقوعه هو مما اختص الله به ولا يتخلف عنه القضاء الواقع، وإن الذي يقع فعلاً مهما تخللت من أسباب شتى أو قامت من موانع وصوارف هو المقدور المغيب، سواء كان ظهوره إلى عالم الشهادة مباشرةً للأسباب الظاهرة أو عقب تدخل أسباب غريبة عن مجرى الأمور المعتادة، مما يستدفع به المكروه أو يستجلب به المرغوب، وما قواعد الوراثة إلا نظم وأسباب كونية أودعها الله في مخلوقاته يرفعها متى تعلقت بذلك إرادته، سواء كان ارتفاعها حلالاً أو حراماً؛ ذلك أن الحرام وازعه هو ما في نفوس المؤمنين من منزلة الخطاب والقوى الرادعة عن عصيانه وليس هو الموانع القهرية في صورة المعجزة أو العقوبة المعجلة. والإرادة الإلهية نوعان: إرادة كونية نافذة دون الحاجة إلى فعل يقدم عليه المخلوق، أو كف يصدر منه، بل يسخر الله من الأسباب ما يكفل نفاذ تلك الإرادة، وإرادة أخرى شرعية تقتضيها النصوص الآمرة أو الناهية، وهي نافذة بالالتزام والمراعاة، أو معطلة بالتمرد والعصيان أو الإهمال؛ لأنها مناط التكليف وموضوع الخطاب. وابن تيمية ممن أشار إلى الفرق بين نوعي الإرادة، وأوضح اللبس الناشئ عن عدم التمييز بينهما، وكمثال شرعي متشابه؛ قضية التحكم في أصل الإنجاب نفسه بالعزل فقد جاء فيه الحديث عن جابر: ((أن رجلاً أتى إلى رسول الله ﷺ فقال: إن لي جارية هي خادمنا وسانيتنا في النخل وأنا أطوف عليها وأكره أن تحمل، فقال: اعزل عنها إن شئت فإنه سيأتيها ما قدر لها)) أخرجه مسلم في صحيحه. والملحوظ أن أكثر هذه القضايا المطروحة في ظروف المسلمين الحاضرة ليس في الوسع سد ذرائعها بمعالجتها عن طريق الحكم التكليفي القاضي بالطلب أو الكف؛ بل إنها تمثل أمامهم من خلال الواقع بخيرة وشره، ولابد حينئذ من بحث ما يترتب على ذلك من آثار (وهو ما يسمى بالحكم الوضعي) بقطع النظر عن كون الفعل حلالاً أو حراماً، ولا يخفى أنه لا تزال أحكام الشريعة هي المطبقة في هذه القضايا في العالم الإسلامي كله لأنها من قطاع الأحوال الشخصية.

стр. 13259

وإن التبعية للغرب الذي لا يقيم وزناً للحل والحرمة هي العائق عن تناول هذه القضايا في بداياتها قبل أن تتفاقم للتعرف إلى الحلال البين والترحيب به، والتنبيه إلى الحرام البين واجتنابه، وتبقى بعض المشتبهات التي تتقى ويحتاط في البعد عنها استبراء للدين والعرض كما أشار إلى ذلك الحديث المعروف. هذا وإن الذي يمدنا بالحلول والمعالجات للآثار والنتائج هو ما في الشريعة من غنى مصدره ما بنيت عليه من قواعد ومراعاة معاني النصوص وعللها، وهي لا تتناهى ولا تضيق بكل ما يجد من حوادث وقضايا؛ على سبيل التنويه؛ فإن من الصيغ الشرعية التي تتصل بهذه الموضوعات أحكام النسب إثباتاً ونفياً وأحكام اللعان وأثر الولادة التي ينشأ عنها النسب بصورة طبيعية، مهما كانت ملابسات الحمل، حتى باستدخال النطفة بتعبير الفقهاء، وقاعدة ((الولد للفراش وللعاهر الحجر)) ، وهو نص حديث صحيح يعتبر على رأس النصوص المنظمة لهذه الزمرة الهامة من أحكام الشريعة. الدكتور عبد الستار أبو غدة

стр. 13260

مسؤولية الطبيب إعداد الدكتور محمد عطا السيد سيد أحمد مسؤولية الطبيب أصبح الناس أكثر من أي وقت مضى في حاجة ماسة إلى الاستعانة بالأطباء مما يصيبهم من أمراض أو إصابات حادثة مما جعل المؤسسات الطبية اليوم من أهم المرافق التي تعنى بها الدول وتعمل على ترقيتها بأحدث الآلات وتزويدها بأمهر الأطباء، وكذلك أصدرت معظم دول العالم لوائح تنظم المهنة فتقصرها على الأطباء المؤهلين الذين أمضوا فترات طويلة منظمة في دراسة علمية وعملية لأصول هذه المهنة وقواعدها حتى يستطيع الناس أن يأمنوهم على أبدانهم وأرواحهم. ومما لا خلاف فيه أن أي شخص لا تنطبق عليه مواصفات اللوائح لا يحق له ممارسة الطب، وإذا فعل فهو مسؤول مسؤولية جنائية مدنية عن جميع تصرفاته وما ينتج عنها من أضرار. وفي زمان النبي محمد ﷺ وقبله لم تكن هنالك دراسات علمية وعملية لأصول هذه المهنة وقواعدها كما هو معروف اليوم، بل كان الطب عندهم وفي معظم بلدان العالم صنعة موروثة لدى طبقة معينة من الناس، فيهم من ادعى أنه إلهام إلهي خصهم به الرب كابراً عن كابر، أو أسرار موروثة في أسر معينة تناقلها الأبناء من الآباء والأجداد، وأصبحوا معروفين بتلك المهنة واستفاضت إصابتهم في التطبيب حتى صاروا معروفين، ويلجأ إليهم خاصة للعلاج. وعلى العموم، لم تكن ممارسة أعمال الطب مقصورة رسمياً على أشخاص معينين كما هو الحال في التنظيمات الحديثة المعاصرة.

стр. 13261

واستمر الحال كذلك إلى أن أبان النبي محمد ﷺ تحديد مسؤولية الأطباء وإيضاح الفرق بين العالم بالطب والجاهل به. جاء في حديث هام جدا، ويعتبر أساساً قيماً في تحديد مسؤولية الأطباء، حيث روى عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده قال: قال رسول الله ﷺ : ((من تطبب ولم يعرف الطب فهو ضامن)) (١) وبناء على هذا الحديث أجمع أهل العلم أن من تطبب وهو جاهل فهو مسؤول مسؤولية كاملة جنائياً ومدنياً عن فعله. وهذا المبدأ الإسلامي المنبثق من الحديث الشريف هو الذي دفع كثيراً من الفقهاء بالحجر على المتطبب الجاهل ومنعه من مزاولة الطب؛ لما في ذلك من خطورة على الناس، واعتبروا هذا المنع من باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر (٢) كما جاء في مذهب الحنابلة أن مزاولة الطب من غير حاذق في فنه يعتبر فعلاً محرماً (٣) وما أجمل قول القاضي برهان الدين إبراهيم بن فرحون المالكي في كتابه (تبصرة الحكام في أصول الأقضية ومناهج الأحكام) عند كلامه على ضمان الصناع والأطباء، قال: وإن كان الخاتن غير معروف بالختن والإصابة فيه وعرض نفسه، فهو ضامن لجميع ما وضعنا في ماله، ولا تحمل العاقلة من ذلك شيئاً. وعليه من الإمام العدل العقوبة الموجعة بضرب ظهره وإطالة سجنه. وهذا المبدأ نفسه هو الذي دفع الخليفة العباسي المقتدر بأن يأمر طبيبه سنان بن ثابت بن قرة الحراني أن يمتحن أطباء بغداد في وقته، وأن يمنح من يرضاه في علمه وعمله إجازة لما يصلح أن يتصرف فيه من الطب، وأمر الخليفة محتسبه أن يراعي ذلك، فلا يأذن في العلاج إلا لمن يحمل إجازة من سنان الذي توفي سنة ٣٣١ هـ. (٤) وفيما ذكر دلالة واضحة إلى إرساء قواعد التخصص والمسؤولية في مهنة الطب في الدول الإسلامية منذ ذلك الزمان السالف، وعليه لا يكون محل خلاف من أحد أن التسرع لا يؤيد فقط بل يوجب إصدار مثل هذه اللوائح التي تنظم كيفية ممارسة الطب وقصرها على المؤهلين المقتدرين ممن درسوا وتمرنوا حتى يسلم أفراد الأمة من الوقوع في الهلكة.

стр. 13262

مسؤولية الطبيب المأذون له بالطب: إذا أذن المريض وأدى الطبيب المأذون له بالطب واجبه بما ينبغي عليه من حيطة ومراعاة لأصول المهنة ثم مات الشخص المريض أو تلف له عضو فلا شيء على الطبيب، وهذا مما لا خلاف فيه؛ لأن الخطأ إنما هو في الآراء أو الوسائل الفنية المختلف عليها بين الأطباء، أو فيما تتفاوت فيه قدراتهم وتجاربهم، فلا يسأل عنه مهما كانت النتيجة ... والسبب هو ضرورة إعطاء الطبيب المعالج الحرية اللازمة للإقدام. ولكن قد يخطئ الطبيب أو يهمل فيصف دواء خاطئاً، أو يبتر عضواً سليماً، أو يجري عملية جراحية خاطئة وخارجة عن المألوف، فيموت من جرائها المريض أو يشفى بعاهة مستديمة، والمبدأ العام هو عدم مسؤولية الطبيب جنائياً في هذه الحالة، وذلك للأسباب الآتية: ١- انعدام المسؤولية الجنائية يرجع إلى رضا المجني عليه وإذنه للطبيب المخطئ بالتدخل، وهذا الإذن من المريض أو من ولي أمره في الحالات التي تبرر اللجوء إلى ولي الأمر كاف للقول بعدم مسؤولية الطبيب جنائياً واعتبار عمله مشروعاً؛ وهو ما ذهب إليه جمهور الفقهاء، حتى إن بعضهم بالغ فقال: إنه لو قال شخص لآخر: اقتلني أو اجرحني ففعل فلا يقتص منه؛ لرضا المجني عليه بالفعل. والخلاصة هنا أن الذي يفهم من آراء الفقهاء أنه يشترط أن يكون تدخل الطبيب بناء على رضا المريض أو إذن وليه إن كان قاصراً أو غير مدرك، ولا يحق لطبيب أن يتولى علاج إنسان بغير رضاه، فإذا اختار إنسان أن يبقى مريضاً دون علاج فله ذلك ولا يمكن إرغامه. إلا أننا نقول: إن واجب اتباع السنة يملي على كل مسلم مريض يمكن علاجه أن يتعالج؛ لحديث النبي ﷺ : ((تداووا فإن الله لم يضع داء إلا وضع له شفاء غير داء واحد. قالوا: وما هو يا رسول الله؟ قال: الهرم)) . وكما جاء في طبقات ابن سعد عن عائشة: ((كان رسول الله ﷺ رجلاً مسقاماً، وكان العرب تنعت له فيتداوى بما تنعت به العرب، وكانت العجم تنعت له فيتداوى)) . (١) ونرى كذلك أن لولي الأمر إذا رأى إنساناً يهلك نفسه بعدم تعاطي العلاج أن يرغمه على ذلك. وإذا كان مرضه معدياً فللحاكم أن يجبره على العلاج كما له أن يحجر عليه مخالطة الناس كما في نظام الكورنتينات، وكما جاء في الصحيحين عن النبي ﷺ : ((إذا كان الوباء بأرض وأنتم بها، فلا تخرجوا منها فراراً منه، وإذا سمعتم به في أرض فلا تقدموا عليها)) . وللمريض الحق كاملاً في اختيار الطبيب الذي يعالجه إذا كان مختصاً بذلك المرض؛ لأن الثقة بين المريض والطبيب عنصر هام من عناصر العلاج. وفقهاء الشريعة يشترطون الإذن صراحة لنفي مسؤولية الطبيب. (٢) وتشدد كثير من الفقهاء في مسؤولية الطبيب الذي يجري عملية جراحية بغير إذن أو رضا المريض، واتفقوا على مسؤوليته عن فعله، ولكن اختلفوا فقال بعضهم: إنه يسأل عن فعله مسؤولية عمدية فيعاقب بعقوبة الجرح العمد، وذهب آخرون إلى أن المسؤولية في هذه الحالة تعتبر عمدية وعليه الضمان.

стр. 13263

٢- وأيضاً فإن انعدام المسؤولية الجنائية يرجع إلى انعدام القصد الجنائي الذي ترتكز عليه كل الجرائم العمدية.. ومتى انعدم القصد الجنائي انعدمت المسؤولية الجنائية خاصة في مثل هذه الحالات التي يقصد فيها الشخص المعالج وهو الطبيب شفاء المريض ونصحه ... فالنية طيبة وليست آثمة، ولكن أخطأ في الإقدام دون إذن المريض. ومع ذلك نقول: إنه يجب التفريق بين القصد الجنائي الذي تكلمنا عنه وبين الباعث الذي يجب أن يكون موافقاً للشرع. فالطبيب الذي يقدم على تطبيب أو عملية جراحية بباعث يخالف مبادئ الشرع يعتبر مسؤولاً جنائياً ومدنياً، فالطبيب الذي يستأصل مبيض امرأة بناء على طلبها ولم تكن حالتها الصحية تستدعي ذلك، أو قتل مريضاً لا علاج له ليريحه من معاناة الآلام يقع تحت هذه الطائلة. ٣- وإذا تجاوز الطبيب حدوده متعمداً فمسؤوليته عمدية. أما إذا تجاوز حدوده مخطئاً فمسؤوليته غير عمدية. جاء في كتاب متن الأمير وحاشية حجازي العدوي عليه: أنه إذا جهل الطبيب ضمن، وظاهره أن الضمان عليه في ماله وهذا ظاهر سماع أشهب. ويضمن أيضاً إذا قصر كأن أراد قلع سن فقلع غيرها خطأ أو تجاوز بغير اختياره الحد المعلوم في الطب عند أهل المعرفة، كأن زلت أو ترامت يد فاتن، أو سقى عليلاً دواء غير مناسب للداء معتقداً أنه يناسبه وقد أخطأ في اعتقاده. (١) وإذا خلع الطبيب سناً غير المتفق عليها، فإن كان ذلك عمداً فعليه القصاص وإن كان خطأ فالعقل. (٢) وجاء في مذهب الحنابلة أنه لا ضمان على ختان ولا حجام ولا متطبب إذا عرفوا بطبهم ولم تجن أيديهم. وإذا لم يعرف عنه طب فالضمان عليه، وكذلك إذا عرف منه الطب ولكن أخطأ خطأ فاحشاً، كأن يزيل جميع الحشفة في الختان، (٣) وذهب الحنفية إلى أن القاعدة هي أن الطبيب لا يسأل متى لم يتجاوز الموضع المعتاد ويعللون ذلك بأن الهلاك ليس بمقارن للعمل، وإنما هو بالسراية بعد تسلم العمد، والتحرز عنها غير ممكن، لأن السراية تبنى على قوة الطباع وضعفها في تحمل الألم، وما هو كذلك مجهول والاحتراز من المجهول غير متصور، فلم يمكن التقييد بالمصلح من العمد؛ لئلا يتقاعد الناس عنه مع مساس الحاجة. (٤) وما أجمل هذا القول من الحنفية إذ إنه يدعو إلى تقدم الطب وازدهاره، وذلك بارتياد مجالات يلهمها الأطباء فيقدمون عليها من غير خوف أو مسؤولية معطلة. وجاء في الدر المختار من كتب الحنفية: ولا ضمان على حجام وبزاغ أو فصاد لم يجاوز الموضع المعتاد، فإن جاوز ضمن الزيادة كلها إذا لم يهلك وإن هلك ضمن نصف دية النفس، فلو قطع الختان الحشفة وبرئ المقطوع تجب عليه دية كاملة، وإن مات فالواجب عليه نصفها. وقد علق صاحب رد المحتار على هذه العبارة بقوله: لم يجاوز الحد المعتاد أي وكان بالإذن. وقال الإمام الشافعي ﵁: (وإذا أمر الرجل أن يحجمه أو يختن غلامه أو يبطر دابته، فتلفوا من فعله، فإن كان فعل ما يفعل مثله مما فيه الصلاح للمعقول به عند أهل العلم بتلك الصناعة فلا ضمان عليه،، وإن كان فعل ما لا يفعل مثله من أراد الصلاح وكان عالما به فهو ضامن) . وقال الشافعي ﵁ أيضاً في هذا المضمار: (والوجه الثاني الذي يسقط فيه العقد – يريد الدية - أن يأمر الرجل به الداء الطبيب أن يبط جرحه، أو الأكلة أن يقطع عضواً يخاف مشيها إليه، أو يفجر له عرقاً، أو الحجام أن يحجمه، أو الكاوي أن يكويه، أو يأمر أبو الصبي وسيد المملوك الحجام أن يختنه فيموت شيء من هذا فلا عقد ولا مأخوذية إن حسنت نيته إن شاء الله تعالى. وذلك أن الطبيب والحجام إنما فعلاه للصلاح بأمر المفعول به. (٥)

стр. 13264

والخلاصة في هذا الأمر أن الراجح من رأي الفقهاء هو أن الطبيب الحاذق لا يسأل عن نتيجة طبه طالما قام بواجبه على الوجه الأكمل، ويستوي في الحكم إذا شفي المريض أو مات أو قام معلولاً بعلة، وكذلك لا يسأل عن الخطأ الفاحش مسؤولية غير عمدية، وتعتبر هذه الجناية جناية خطأ، فإن الأرش أو الدية يقضى بها، وتكون مخففة على العاقلة، وفيما يتضح لنا أن الشريعة الغراء تبيح الاجتهاد للأطباء في علاج الأمراض ولا يسأل الطبيب إذا خالف زملاءه متى كان رأيه يقوم على أساس سليم، سئل نجم الأئمة الحليمي عن صبية سقطت من السطح فانفتح رأسها فقال كثير من الجراحين: إن شققتم رأسها تموت وقال واحد منهم: إن لم تشقوه اليوم أنا أشقه وأبرئها، فشقه ثم ماتت بعد يوم أو يومين، هل يضمن؟ فتأمل ملياً، ثم قال: لا، إذا كان الشق بإذن وكان معتاداً ولم يكن فاحشاً خارج الرسم. وكتب محمد بن جزي الغرناطي المالكي في موجبات الضمان فقال في البند السابع: تضمين الصناع فيضمنون ما غابوا عليه سواء عملوه بأجرة أو بغير أجرة، ولا يضمنون ما لم يغيبوا عليه، ولا يضمن الصانع الخاص الذي لم ينصب نفسه للناس، وقال أبو حنيفة: لا يضمن من عمل بغير أجرة، وللشافعي في ضمان الصناع قولان، فإن قامت بينة على التلف سقط عنهم الضمان، واختلف هل يجب لهم أجرة إذ كان هلاكه بعد تمام العمل، وكذلك يضمنون كل ما جاء على أيديهم من حرق أو كسر أو قطع إذا عمله في حانوته إلا في الأعمال التي فيها تضرير كاحتراق الثوب في قدر الصباغ، واحتراق الخبز في الفرن، وتقويم السيوف، فلا ضمان عليهم فيها إلا أن يعلم أنهم تعدوا، ومثل ذلك الطبيب يسقي المريض أو يكويه فيموت، والبيطار يطرح الدابة فتموت، والحجام يختن الصبي أو يقلع الضرس فيموت صاحبه، فلا ضمان على هؤلاء؛ لأنه مما فيه التغرير، وهذا إذا لم يخطئ في فعله، فإن أخطأ فالدية على عاقلته، وينظر، فإن كان عارفاً فلا يعاقب على خطئه، وإن كان غير عارف وعرض نفسه فيؤدب بالضرب والسجن، ولا ضمان على صاحب السفينة خلافاً لأبي حنيفة، ولا على صاحب الحمام إذا ضاعت الثياب بغير تقصير (١)

стр. 13265

وفي تحديد أدق لمسؤولية الطبيب العالم فقد ذكر في شرح الأزهار في فقه الزيدية عند قول المتن: ولا أرش للسراية عن المعتاد من بصير ((١) ، قال:) فإذا استؤجر الخاتن أو نحوه فحصل مضرة من عمله لم يضمن بشروط: الأول: أن يكون عن سراية، فلو كان عن سراية مباشرة، نحو أن يقطع حشفة الصبي ضمن عمداً كان أم خطأ. الثاني: أن يفعل المعتاد، فلو فعل غير المعتاد ضمن. الثالث: أن يكون بصيراً فلو كان متعاطياً ضمن. (والمراد بالبصير من يعرف العلة ودواءها وكيفية علاجها ويثق بذلك من نفسه، وأن يكون قد أجاز له مشايخه وفعل مرتين فأصاب، فإن أخطأ في الثالثة فليس بمتعاط، لا الأخذ من الكتب كما في سائر العلوم، ولا يجوز لهم الإيهام بأن الدواء أكثر مما هو عليه، ولو فعل المتعاطي المعتاد مأموراً به ولم تحصل جناية فلا ضمان وبغير أمر يضمن ولو لم يفعل إلا المعتاد، فإن قطع البصير المعتاد فخبث فهلك الصبي بمباشرة ذلك المعتاد، ففي البيان لا ضمان، وقد وقعت في رجل قطع له طبيب فهلك بالمباشرة بالسبب المعتاد، فأخذ كثير من العلماء بظاهر الأزهار يضمن، وأفتى القاضي محمد بعدم الضمان) ، وهذا كله يدل على أن الأمر أو الإذن وحده لا يكفي، بل يشترط أن يكون العمل من بصير غير متعاط وأن يكون على وفق المعتاد. عمليات التجميل: ظهرت في العصر الحديث اتجاهات لمعالجة بعض العيوب الخلقية بإجراء عمليات جراحية لإزالتها؛ لتفادي الغم والهم والألم الذي يحس به المشوه من نقص عمن سواه من البشر، وكذلك تفادي سخرية الناس أو اشمئزازهم في بعض الحالات، ولا أرى أن الشريعة الإسلامية تمانع في مثل هذه العمليات، ومما يدعو إلى الإعجاب بشمول دين الإسلام أن أهل الحديث رووا: ((أن عرفجة بن سعد أصيب أنفه يوم الكلاب فأنتن فأمره رسول الله ﷺ أن يتخذ أنفاً من ذهب)) (٢) وفي رواية النسائي في باب الزينة أخرج عن أبي الأشهب عن عبد الرحمن بن طرفة: ((أن جده عرفجة بن سعد أصيب أنفه يوم الكلاب فاتخذ أنفاً من ورق فأنتن، فأمره رسول الله ﷺ فاتخذ أنفاً من ذهب)) ، ومثل اتخاذ الأنف من الذهب اتخاذ الأسنان منه، وقد روى الطبراني في معجمه عن عبد الله بن عمر ((أن أباه سقطت ثنيته، فأمره النبي ﷺ أن يشدها بذهب)) ، ونوع آخر من عمليات التجميل تعرض له الفقهاء، ففي الظهيرية: (إذا أراد الرجل أن يقطع إصبعاً زائداً أو شيئاً آخر، قال نصير ﵀: إن كان الغالب على من قطع مثل ذلك الهلاك فإنه لا يفعل، وإن كان الغالب هو النجاة فهو في سعة من ذلك) ، وجاء في خزانة المفتين: (من له سلعة زائدة يريد قطعها إن كان الغالب الهلاك فلا يفعل، وإلا فلا بأس به) (٣)

стр. 13266

وذهب الماوردي في الأحكام السلطانية إلى أن بعض العيوب الخلقية تمنع من انعقاد الإمامة، قالوا: إنه يمنع من انعقاد الإمامة (ما شان وقبح ولم يؤثر في عمل ولا نهضة؛ كجدع الأنف وسمل إحدى العينين ... فالسلامة منه تكون شرطاً معتبراً في عقدها؛ ليسلم ولاة الملة من شين يعاب ونقص يزري فتقل به الهيبة، وفي قلتها نفور عن الطاعة، وما أدى إلى هذا فهو نقص في حقوق الأمة) (١) كما ذكرت فإن الشريعة الإسلامية لا تمانع في مثل هذه العمليات، ولكن لابد من تقدير العيب المطلوب علاجه، ومدى تضرر صاحبه به، وهل فيه معرة أو قلة أو زلة.... ويؤخذ في الاعتبار أيضاً خطورة الجراحة، فإن كان الاحتمال قوياً أن تؤدي إلى الوفاة أو إلى مشاكل أعقد فلا تصح عندئذ، ونقترح أن تنص اللوائح الطبية على إذن هيئة خاصة من نقابة الأطباء ومن المختصين في مثل هذه العمليات حتى لا يقع الناس في مهالك أكبر، ولا يخفى أن إذن المريض في مثل هذه الحالات لابد منه صراحة. استدراك في شرط الإذن للخلو من المسؤولية: استثنت كثير من اللوائح الحديثة وكذلك مجمع الفقه الإسلامي في دورته الماضية ضرورة الحصول على إذن المريض أو وليه في الحالات التي تستوجب الإسعاف العاجل والتي لا يمكن فيها الانتظار لحصول هذا الرضا؛ لما في ذلك من هلاك مؤكد للمريض إذا لم يسرع في علاجه بما يراه الأطباء المختصون، والشريعة الإسلامية لا تعارض في هذا الاستثناء الحكيم خاصة في مثل هذه الأيام التي تكثر فيها حوادث الحركة وغيرها، وقد لا يفيق المريض أبداً إلا بعد أن يبدأ في علاج سبب الإغماء وقد يتعثر العثور على أهله وقرابته بالسرعة المطلوبة لإنقاذ المصاب، والأطباء في مثل هذه الحالات إنما يدفعون خطراً محققاً عن شخص عاجز عن تعرف مصلحته، والضرورات تبيح المحظورات كما هو معلوم، وهو من باب التعاون على البر والتقوى. وقد عرض ابن القيم ﵀ لهذه المسألة في مبحث (جريان العرف مجرى النطق) حيث قال: (ومنها لو رأى شاة غيره تموت فذبحها حفظاً لماليتها عليه، كان ذلك أولى من تركها تذهب ضياعاً، وإن كان من جامدي الفقهاء من يمنع ذلك ويقول: هذا تصرف في ملك الغير، ولم يعلم هذا اليابس أن التصرف في ملك الغير إنما حرمه الله لما فيه من الإضرار به، وترك التصرف هاهنا من الإضرار....) (٢)

стр. 13267

وقال ابن حزم في كتاب المحلى ما نصه: (من قطع يداً فيها أكلة بغير إذن صاحبها، قال أبو محمد: قال الله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: ٢] ، وقال تعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٤] ، فالواجب استعمال هذين النصين من كلام الله تعالى، فينظر: فإن قامت بينة أو علم الحاكم أن تلك اليد لا يرجى لها برء ولا توقف وأنها مهلكة ولابد، ولا دواء لها إلا القطع، فلا شيء على القاطع، وقد أحسن؛ لأنه دواء، وقد أمر رسول الله ﷺ بالمداواة، وهكذا القول في الضرس إذا كان شديد الألم، قاطعاً به عن صلاته ومصالح أموره فهذا تعاون على البر والتقوى، عن يحيى بن أسامة بن شريك، قال: قال رسول الله ﷺ : ((تداووا؛ فإن الله لم يضع داء إلا وضع له شفاء، غير داء واحد، قالوا: وما هو يا رسول الله؟ قال: الهرم)) (١) ، وجاء في المحلى أيضاً: قال علي فيمن داوى أخاه المسلم كما أمره الله تعالى على لسان نبيه ﵊ فقد أحسن، قال الله تعالى: ﴿مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ﴾ [التوبة: ٩١] . وأما إذا كان يرجى للآكلة برء أو توقف، وكان الضرس يتوقف أحياناً ولا يقطع شغله عن صلاته ومصالح أموره، فعلى القاطع والقالع القود؛ لأنه حينئذ متعد، وقد أمر الله تعالى بالقصاص في القود (٢) وأبلغ من ذلك ما جاء في شرح مختصر خليل عند قوله: (وترك مواساة وجبت بخيط ونحوه لجائفة) ، وجب على من كانت معه فتلة خيط أو حرير أو إبرة وهو مستغن عنهما حالاً أو مآلاً أن يواسيه بالخياطة لجرحه، فإن لم يفعل فإنه يضمن. وما ذكر في هذه المواضع يقاس عليه كل ما يستدعي الحال عمله لإنقاذ حياة مريض يشك في حياته لو لم تعمل له هذه العملية الجراحية المستعجلة، على نحو ما يراه الأطباء وأهل الخبرة.

стр. 13268

هل يمكن أن تقوم نقابة الأطباء أو شركة التأمين بدور العاقلة؟ القاعدة العامة للمسؤولية في التشريع الإسلامي أن كل إنسان يتحمل تبعة جنايته، ولا يسأل أحد عن جرم الآخر؛ لقول الله تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: ١٦٤] ، وللأحاديث الواردة في تعضيد هذا المبدأ القرآني، منها: روى أبو داود عن أبي رمثة قال: ((انطلقت مع أبي نحو النبي ﷺ ، ثم إن رسول الله ﷺ قال لأبي: ابنك هذا؟ قال: إي ورب الكعبة، قال: حقاً؟ قال: شهد به، قال: فتبسم رسول الله ﷺ ضاحكاً من ثبت شبهي في أبي ومن حلف أبي علي، ثم قال رسول الله ﷺ : أما إنه لا يجني عليك ولا تجني عليه. وقرأ رسول الله ﷺ : ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ )) ، وكذلك قول النبي ﷺ الذي رواه ابن ماجه: ((لا يجن جان إلا على نفسه. لا يجني والد على ولده، ولا مولود على والده)) (١) ولكن ورد استثناء في إلزام العاقلة بدفع دية الخطأ، وقد كان المبدأ سائداً قبل الإسلام فأمضاه رسول الله ﷺ لما فيه من نصرة وتخفيف وتعاون وبر وصلة رحم، وأصل وجوب الدية على العاقلة الحديث الصحيح الذي رواه أبو هريرة ﵁ قال: ((اقتتلت امرأتان من هذيل فرمت إحداهما الأخرى بحجر فقتلتها وما في بطنها، فاختصموا إلى النبي ﷺ فقضى أن دية جنينها غرة أو وليدة، وقضى بدية عاقلتها)) هذا لفظ البخاري، وروى الحديث مسلم، وأبو داود وابن ماجه وغيرهم، وتتحمل العاقلة الدية إذا كان الحادث خطأ ثابت بالبينة على الجاني، وأن تكون عن ضرر بدني لحر، وقال بعضهم: إن العاقلة تتحمل الدية التي لا تقل عن حد أدنى اختلفوا في تفصيله، وأجمع فقهاء المذاهب الإسلامية على أن دية الخطأ تجب على العاقلة مؤجلة في ثلاث سنين (٢) والعاقلة هم أهل ديوان الجاني كما قال الحنفية والمالكية إذا كان الجاني من أهل الديوان، وهم فرقته وحزبه في الجيش، وقال الإمام الشافعي: إن العاقلة هي عشيرة الجاني (٣) وقال فقهاء الحنابلة والشيعة الزيدية والإمامية: إن العاقلة هم عصبة الجاني نسباً وولاء (٤)

стр. 13269

ولكن يبدو أن كل هذه التفسيرات تتعلق بأوضاع كانت سائدة في الماضي نسبة لقوة الروابط القبلية والعصبية وتعاطف العشيرة، وهذا غير موجود اليوم على ما كان عليه آنذاك، ولذلك تطور الفقهاء المعاصرون بهذا المفهوم إلى وجه حديث من أوجه الخير وهو التعاون والإحسان الذي يراد به وجه الله وحده، وهو التأمين الإسلامي، والتأمين في هذا النظام الإسلامي لا يدخل إلا في قسم الخير الذي فيه معنى الإحسان، وتطمئن إليه النفوس، وإن مما يشرح الصدر في الإجابة على السؤال الموجه وهو: هل يمكن أن تقوم نقابة الأطباء وشركات التأمين بدور العاقلة؟ إن الأمر تعرض له سلفنا الصالح حيث قال بعضهم: إن عاقلة الجاني هم أهل حرفته ومهنته إذا لم يكن له عاقلة من الديوان أو العشيرة؛ لأنهم أهل نصرته وأهل صناعته (١) ، وعرفوا العاقلة تعريفاً عاماً قيماً فقالوا: إن عاقلة كل إنسان من يتناصر هو به إن كان من الديوان فعاقلته أهل ديوانه والصناع بعضهم لبعض (٢) وعليه نرى أن من أعظم أوجه التعاون أن يكون الأطباء لجنة خاصة لحرفتهم، يختارون أعضاءها من أهل الأمانة والديانة والأخلاق النبيلة، ويسندون إليها إدارة صندوق يجمعون فيه رسوماً سنوية، وينوون به أن يكون إعانة منهم لمن يجب عليه الضمان نتيجة خطئه، وأن يتخذوا جميع أسباب الرقابة الشرعية والحيطة المالية، حتى إذا أصيب أحدهم بضمان يدفعه –لا قدر الله- عوضوه من مال هذا الصندوق ويكون في ذلك مثوبة لكل من ساهم في هذا العمل الذي يحول التأمين من مقامرة يحرمها الدين إلى تعاون على البر ينال به صاحبه رضا الرحمن الرحيم.

стр. 13270

ملخص البحث ناقشت في هذا البحث حاجة الناس إلى الطب واللوائح الحديثة التي تنظم ممارسة المهنة، فتقصرها على الأطباء المؤهلين، وإذا مارس الطب أحد غير هؤلاء فهو مسؤول مسؤولية جنائية ومدنية عن جميع تصرفاته، وتكلمت عن وضع الطب في زمان النبي ﷺ وقبله وعدم الفصل رسمياً بين المؤهلين وغيرهم، إلى أن بين النبي ﷺ في حديثه الأساسي: ((من تطبب ولم يعرف الطب فهو ضامن)) ، مسؤولية الأطباء والفرق بين الحاذق وغيره، وهذا المبدأ هو الذي دفع كثيراً من الفقهاء بالحجر على المتطبب الجاهل ومنعه وتحميله المسؤولية كاملة جنائياً ومدنياً، ذكرت كذلك جملة من آراء الفقهاء في هذا الشأن، وكيف أن الخليفة العباسي المقتدر أمر طبيبه سنان بن ثابت بامتحان الأطباء والإذن لمن يراه صالحاً لهذا الغرض، وخلصت إلى أنه لا خلاف أن الشريعة الإسلامية تؤيد إصدار مثل هذه اللوائح وتنفيذها ومراقبة المهنة مراقبة دقيقة. تكلمت بعد ذلك عن مسؤولية الطبيب المأذون له بالطب، فبينت خلو طرفه من المسؤولية إذ أدى واجبه على الوجه المطلوب مهما كانت النتيجة، وبينت الأسباب الشرعية والقانونية في انعدام المسؤولية هنا، وتتلخص في إذن المريض أو إذن ولي أمره، ثم انعدام القصد الجنائي، وبينت أهمية التفرقة بين القصد الجنائي والباعث. ناقشت بعد ذلك نوع مسؤولية الطبيب المأذون له بالطب إذا أخطأ جسمياً بأن تجاوز الموضع المعتاد أو الرسم المعهود، وأيدت مذهب الحنفية في إعطاء الطبيب قدراً كبيراً من الاجتهاد والحرية في الإقدام على ما يراه مناسباً إذا لم يخرج عن القواعد المعروفة للمهنة، ولاشك أن في هذه الحرية والحق في الاجتهاد بما يلهمه الطبيب من محاولة جديدة تقدم الطب واتساع علومه ... ولا شيء على الطبيب ولو خالف رأيه رأي زملائه. وناقشت الاتجاهات الحديثة في الطب لمعالجة العيوب الخلقية بإجراء ما يسمونه بعمليات التجميل، وموقف الإسلام من ذلك ومسؤولية الطبيب فيها. وأخيراً بينت رأي الشرع في موضوع العاقلة وتفسير الفقهاء للعاقلة، وكيف أن هذا التفسير يبيح لنقابة الأطباء وشركات التأمين الإسلامية أن تقوم بدور العاقلة، والسبب في ذلك. الدكتور محمد عطا السيد سيد أحمد
следующие страницы →