← Фикх общий

Фикх общий · id 8356

مجلة مجمع الفقه الإسلامي

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (22 276 стр.). Показаны 13336–13375 · переход к 13341.

стр. 13336

المبحث الثالث عزل مريض الإيدز عن أماكن التجمع كالمدارس وميادين العمل يمكن تقسيم هذا المبحث إلى تمهيد ومطلبين: المطلب الأول: الحكم إذا كان المرض ينتقل بالمعايشة العامة والمصافحة والأكل والشرب واستعمال الأدوات والمراحيض. المطلب الثاني: الحكم إذا كان المرض لا ينتقل بالمعايشة العامة والمصافحة والأكل والشرب واستعمال الأدوات والمراحيض. المبحث الثالث عزل مريض الإيدز عن أماكن التجمع كالمدارس وميادين العمل التمهيد: الأمراض المعدية التي تنتقل من المريض إلى آخر تختلف طرق ووسائل انتقالها من مرض إلى آخر، فمنها ما ينتقل بواسطة التنفس كأمراض الجهاز التنفسي كالأنفلونزا والسل الرئوي، ومنها ما ينتقل بواسطة الفم كأمراض الجهاز الهضمي مثل الدوسنتاريا والتيفود، ومنها ما ينتقل عن طريق المعاشرة الجنسية مثل الزهري والسيلان، ومنها ما ينتقل بطريق الملامسة كالجدري والجذام، وبعضها ينتقل بواسطة الحقن أو نقل الدم كالالتهاب الكبدي الفيروسي، أو بواسطة وخز الحشرات كالملاريا التي تنقلها البعوضة أو الطاعون الذي تنقله الفئران والبراغيث، وقد يكون للمرض الواحد أكثر من وسيلة لانتقاله (١) كالإيدز إذ تحقق أنه ينتقل بالاتصال الجنسي وعن طريق الدم ومشتقاته كزراعة الأعضاء والمخدرات التي تؤخذ عن طريق الحقن وحيث إن الأمر كما ذكر في وسائل انتقال الأمراض، وبعض الأسئلة التي طرحت وطلبت الإجابة عليها يتوقف الجواب عليها على تحديد الرأي الطبي ووضوحه في وسائل انتقال المرض، والسؤال الذي تجب الإجابة عليه حتى يعطى الحكم الصحيح على هذه الأسئلة هو: هل مرض الإيدز ينتقل عن طريق الملامسة والمجالسة والمعايشة واستعمال الأدوات والمراحيض والإفرازات التي يفرزها الجسم كاللعاب والدمع أو لا ينتقل بواسطة هذه الوسائل؟

стр. 13337

استفاض بين الناس في مراحل المرض الأولى أن مرض الإيدز ينتقل بالمعايشة، والأطباء عند ظهور أعراض المرض الأولى كانوا يحذرون من مصافحة مرضى الإيدز ومجالستهم، ولقد نقلت الصحف أن بعض المجرمين الهاربين الذين يحيط بهم رجال الأمن يدعي أنه مصاب بالإيدز حتى يتمكن من الهرب، بل إن رجال الأمن إذا أرادوا التعامل مع الشاذين جنسياً أو مدمني المخدرات يلبسون القفازات والأقنعة الواقية خوفاً من الإيدز –حيث تعتبر هذه الفئات مرتعاً للمرض- كما تم إمداد رجال الإسعاف بأجهزة بلاستيكية تمنع وصول وتلاصق فم المسعف بفم المصاب، وعندما حاول التليفزيون في الولايات المتحدة تقديم أحد مرضى الإيدز رفض العاملون في الاستديو دخول المبنى واضطرت الإدارة لإلغاء البرنامج، ونشرت الصحف قصة اللص الذي دخل بنكاً في نيويورك وناول الموظفة قصاصة مكتوب عليها أنا مصاب بالإيدز فناوليني ما معك من النقود وإلا بصقت في وجهك فناولته مسرعة كل النقود وتكررت الحادثة في أماكن مختلفة في أوربا (١) بل لقد ذكرت قصة الطبيب الذي امتنع عن استعمال الهاتف العام خوفاً من خطر الإيدز (٢) غير أن هذا الخوف وهذا الهلع بدأ يخف ويزول شيئاً فشيئاً بسبب كثرة المؤتمرات والندوات والنشرات التي ذكرت فيها الوسائل المتفق على أنها ناقلة للمرض باتفاق وهي: الاتصال الجنسي، ونقل الدم، والمخدرات خصوصاً التي تعطى عن طريق الحقن، والجروح، والحمل؛ أما غيرها فما يزال مجال نظر بين الأطباء، ولذا فالحكم الشرعي يفرع على أحد احتمالين: المطلب الأول: في الإجابة على احتمال انتقاله بالمعايشة والملامسة والتنفس والاشتراك في المراحيض والأكل والشرب واستعمال الأدوات والمراحيض: وبناء على هذا نورد عدة أدلة موجبة لعزله ومنعه من التعليم مع غيره وفصله من العمل أو إيجاد فرصة عمل له بعيدة عن الاختلاط، وكذا تعليم المرضى منفردين عن غيرهم، ومما يمكن أن يستدل به على ذلك: ١- قوله ﷺ : ((إذا سمعتم بالطاعون في أرض فلا تدخلوها، وإذا وقع بأرض وأنتم فيها فلا تخرجوا منها)) (٣)

стр. 13338

وفي هذا الحديث عدة معجزات اكتشفت بعد قرون طويلة، منها أن هذا المرض ينتقل عن طريق الاستنشاق، حيث يصل إلى الرئتين ومنها إلى البدن فيفسد البدن. وفي الطب أن الشخص السليم في منطقة الوباء قد يكون حاملاً للميكروب ولم يظهر عليه أثر من آثار المرض فترة الحضانة –الفترة الزمنية التي تسبق ظهور الأعراض منذ دخول الميكروب الجسم- ولذلك أمر السليم بعدم الخروج من مكان الوباء؛ لأنه قد يكون حاملاً للمرض فيعرض الآخرين للخطر دون أن يشعر هو أو يشعر الآخرون، ولذا جاء المنع شديداً والوعيد مرعباً مخيفاً (١) في حديث: ((الفار من الطاعون كالفار من الزحف)) ، وحديث: ((فما الطاعن؟ قال: غدة كغدة البعير المقيم بها كالشهيد، والفار منها كالفار من الزحف)) (٢) وشبيه بالطاعون كل وباء أو مرض ينتقل عن طريق الاستنشاق والمجالسة والمعايشة، فيمنع السليم من الدخول إلى بلد الوباء كما يمنع المريض والسليم أيضاً من الخروج منها؛ خشية أن يكون حاملاً للمرض ولم تظهر عليه أعراضه ويعدي غيره. ٢- قال ﷺ : ((لا يورد ممرض عل مصح)) (٣) وفي هذا الحديث منع صاحب الماشية المراض من الورود على صاحب الماشية الصحيحة؛ خشية انتقال العدوى. ٣- ثبت أنه كان في وفد ثقيف رجل مجذوم، فأرسل إليه النبي ﷺ : ((إنا قد بايعناك فارجع)) (٤) فهذا المجذوم قد أرسل إليه النبي ﷺ بالبيعة ولم يأذن بدخوله على الناس، وعمر أخرج المجذومة من المطاف؛ وهذا هو الحجر الصحي بأجلى معانيه وأوضح صوره يتضح من أقواله وأفعاله ﷺ ، وسنة الخلفاء الراشدين من بعده، فكل مرض يشابه الطاعون والجرب في وسائل انتقاله يأخذ حكمه، وحيث إن مرض الإيدز معد ينتقل من المرضى إلى الأصحاء ولم يتم بعد الحسم في انتقاله عن طريق المعايشة، فأرى أنه يجب عزل المريض وإبعاده عن الأصحاء، ولو بإقامة محاجر صحية خاصة كمحاجر المجذومين ومرضى السل والأوبئة الأخرى كسائر الأمراض المحجرية.

стр. 13339

المطلب الثاني: الحكم إذا كان المرض لا ينتقل بالمعايشة والمصافحة والأكل والشرب واستعمال الأدوات والمراحيض: هذا الأمر لم يحسم بعد عند الأطباء، وإن كان توجه كثير منهم إلى عدم انتقاله، جاء في كتاب قصة الإيدز: (لا ينتقل فيروس الإيدز عن طريق اللعاب والعرق والدموع أو البول أو رذاذ التنفس أو المصافحة أو ماء حمام السباحة أو الحمامات العامة أو المراحيض أو الغذاء أو ماء الشرب) (١) هذا القول مع ما كان سائداً يجعل من يريد تفريع الأحكام الشرعية متردداً بين احتمالين سبق الكلام وإعطاء الحكم على الاحتمال الأول، والحكم على الاحتمال الثاني هو عدم جواز عزله وحرمانه من التعليم والعمل، لاسيما إذا كان المريض يتصرف في حياته تصرفاً مسؤولاً لا يخشى منه الإضرار بغيره، فحقوقه العامة والخاصة لا يجوز المساس بها فلا ضرر ولا ضرار، والتدابير الوقائية التي تتخذ للحماية من كل مرض حسب طرق انتقاله من مريض إلى آخر. فالضرورة تقدر بقدرها ولا يعطى الأمر أكثر مما يستحق، فمريض الإيدز يعاني من الآلام النفسية والصحية والاجتماعية الشيء الكثير، ولذلك صرح بعض المصابين عندما طرد من عمله قائلاً: (إنك لا تعيش آلام الإيدز فقط ولكنك تعيش منبوذاً من المجتمع، وحتى إذا مت فإنهم يرفضون تجهيز جثتك) (٢) فالضرورات تقدر بقدرها، ولذلك يذكر الأطباء الذين يرون عدم انتقاله بغير الوسائل الأربع المتفق عليها احتياطات تؤيدها الأدلة العامة والقواعد الكلية ومقاصد الشريعة العامة؛ منها منع الطفل المصاب من اللعب مع غيره في المدرسة واجب شرعي؛ حيث إن اللعب يعد مصدراً للجرح وعند حصول الجرح في مصاب وسليم ينتقل المرض عن طريق الدم، وكذا يؤكدون على وجوب أخذ الاحتياطات في المدرسة حين استعمال الأطفال للآلات الحادة وتبادلها بين سليم ومصاب، فثقب الجلد بأي طريقة، واستعمال أدوات ملوثة: وسيلة من وسائل انتقال المرض؛ فيجب أخذ التدابير والاحتياطات اللازمة والكفيلة بمنع انتشار الأمراض حسب طبيعة انتقالها، وذلك من ضمن الواجبات الشرعية على ولاة الأمور التي لا يجوز التهاون فيها أو الإخلال بها، ومن لم يراع ذلك حكم بفسقه، والله أعلم.

стр. 13340

المبحث الرابع الاحتياطات الواجب اتخاذها عند الحلق في الحج للوقاية من مرض الإيدز والالتهاب الكبدي المبحث الرابع الاحتياطات الواجب اتخاذها عند الحلق في الحج للوقاية من مرض الإيدز والالتهاب الكبدي يوجد كثير من المهن التي يتم من خلالها انتقال العدوى، سواء من العاملين أنفسهم أو من زبون إلى آخر، فينتقل المرض من شخص إلى آخر، حتى ينتشر المرض إلى عدد كبير من أفراد المجتمع، والخبر الذي نقل عام ١٩٨٩م أن مرض الإيدز انتشر في الاتحاد السوفيتي بسبب نقص أمواس الحلاقة وإبر الحقن التي يتكرر استخدامها، مؤشر قوي يحتم أخذ الحيطة، ولقد بلغ الاحتياط ببعض الأطباء والصيادلة أن يحلقوا لبعضهم أو يذهبوا بأدواتهم من موسى حلاقة وغيرها إلى الحلاقين، حيث تأكد لديهم أن استخدام آلة حادة ملوثة بالفيروس إذا استخدمت فجرحت مريضاً وسليماً انتقل المرض إلى السليم كالإيدز والوباء الكبدي (١) ولذلك يجب اتخاذ كافة الاحتياطات اللازمة حتى تتم الوقاية من هذه الأمراض ومنها ما يلي: ١- توزيع ماكينات حلاقة مجانية أو بثمن رمزي على جميع الحجاج عند دخولهم إلى البلاد، وتنبيه الحجاج إذا لجؤوا إلى الحلاقين عند الجمرات أو غيرها إلى وجوب استعمال هذه الأدوات دون غيرها، أو استخدام أدوات أخرى لم تستخدم من قبل (٢) فالدولة أيدها الله والمواطنون في هذا البلد الطيب يعملون كثيراً في سبيل راحة الحجاج وحمايتهم، بل لقد وصل الأمر إلى تقديم وجبات غذائية ومياه صحية مجانية للحجاج، فكيف إذا تعلق الأمر بحماية الحجيج من وباء خطير، بل من عدة أمراض الوسيلة الناقلة لها أدوات الحلاقة من أمواس وغيرها؟ ٢- توعية الحجاج في وسائل الإعلام المختلفة وتثقيفهم بكتابة ملصقات ونشرات بلغات الحجاج المختلفة، توزع عند المطوفين وفي أماكن تجمع الحجاج؛ حتى يعرف كل حاج خطورة ذلك ليجتنبه.

стр. 13341

٣- تثقيف وتوعية الحلاقين (١) وتعريفهم بالأمراض التي يمكن أن تنتقل بسببهم وطرق انتقالها ووسائل الوقاية منها. ٤- التطعيم الإجباري لجميع العاملين من الحلاقين بلقاح التهاب الكبد الوبائي، والكشف الدوري عليهم للتأكد من سلامتهم ومنع الذين لم يطعموا أو يلتزموا بالاحتياطات من مزاولة المهنة. ٥- تعقيم الأدوات التي تستخدم تعقيماً جيداً إن لم يكن استخدام الأدوات مرة واحدة (٢) ٦- التنسيق الكامل بين وزارة الصحة –الطب الوقائي- والبلديات ومركز أبحاث الحج، بحيث يتم أخذ عينات من القادمين من المناطق التي ينتشر فيها المرض، فإن كانت نسبة المصابين عالية لزم أخذ الحذر في الأعوام القادمة قبل مغادرة الحجاج بلادهم عن طريق السفارات والقنصليات السعودية في الخارج، وهذا يتوقف على حسم الرأي الطبي في انتقال المرض بالمعايشة، فإن كان ينتقل بها وجب منعهم من الدخول، فالنبي ﷺ منع المجذوم من الدخول على الصحابة وأرسل إليه: ((إنا قد بايعناك فارجع)) ، وعمر منع المجذومة من الطواف، ولكن هذا الأمر ينبغي طرحه على مستوى منظمة المؤتمر الإسلامي ومنظمة الصحة العالمية حتى لا يكون سبباً في مشاكل سياسية قبل اتضاح خطورته، وإن كان لا ينتقل بالمعايشة وجب اتخاذ الاحتياطات الكفيلة بمنع انتشاره عند الحلق. ٧- الاهتمام بالتثقيف والتوعية العامة في وسائل الإعلام المختلفة بخطورة المرض ووسائل انتقاله حتى يمكن تجنبها والحماية منها. ٨- وجوب تأكد الزبون من نظافة المحل والأدوات، وطلبه استعمال أدوات معقمة ونظيفة. ٩- ضرورة الزيارات الفجائية من قبل المسؤولين لهذه المحلات للتأكد من تطبيق أسس السلامة الوقائية.

стр. 13342

الخاتمة الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، أحمده حمداً يليق بجلال وجهه وعظيم سلطانه، وأصلي وأسلم على خير خلقه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.. وبعد: فهذا آخر البحث الذي قمت به عن مرض الإيدز –نقص المناعة المكتسبة- وقد اتضح لي عدة نتائج أذكر أهمها ملخصاً فيما يلي: ١- إن الله ما خلق من داء إلا وله دواء، ولكن قد تحجب معرفته عن الناس عقوبة أو ابتلاء. ٢- إن مرض الإيدز لم يكتشف له علاج ولا مصل واق حتى أنهيت كتابة هذا البحث. ٣- إن العالم قد وصل إلى منتصف الطريق بمعرفة أكثر وسائل انتقاله وطرق الحماية منها. ٤- إن هذا المرض عقوبة معجلة بسبب البعد عن منهج الله القويم وطريقه المستقيم، فهو ينتشر في الشاذين جنسياً والزناة ومدمني المخدرات، ومن له علاقة بهم. ٥- ظهور بعض المعجزات التي أخبر عنها الصادق المصدوق ﷺ بقوله: ((لم تظهر الفاحشة في قوم قط حتى يعلنوا بها إلا فشى فيهم الطاعون والأوجاع التي لم تكن مضت في أسلافهم الذين مضوا)) (١) وقوله: ((لا تزال أمتي بخير ما لم يفش فيهم ولد الزنى، فإذا فشى فيهم ولد الزنى فيوشك أن يعمهم الله بعقاب)) (٢) وهذا المرض الخطير والوباء العظيم الذي ظهر في فئات المجرمين وغيرهم عقوبة من عقوباته على ارتكاب معاصيه.

стр. 13343

٦- حيث إن المرض ينتقل بالمعاشرة الجنسية، فإذا أصاب أحد الزوجين كان للآخر حق المفارقة ووجوب الاحتياط ومتابعة حالته إن حصلت معاشرة جنسية بينهما. ٧- إيقاف الرضاعة من الأم المصابة إذا توفر البديل المناسب. ٨- منع المرأة المصابة من الحمل محافظة على صحتها من التدهور وحماية للطفل من العدوى. ٩- عدم جواز إجهاض الجنين المصابة أمه بعد نفخ الروح فيه. ١٠- وجوب الاحتياط والحذر في حضانة المصاب لطفل سليم حتى يقطع بعدم انتقال المرض بالملاصقة بين المصاب والسليم. ١١- جناية المرض وتسببه في إصابة غيره قد تكون من باب الفساد في الأرض، وقد تكون من صور القتل العمد بالأسباب الخفية، وقد تكون قتل خطأ موجب للدية والكفارة وقد تكون بسبب تفريط الأطباء والفنيين في المستشفيات أثناء نقل الدم ومشتقاته أو استعمال الإبر. ١٢- لزوم تكثيف التوعية للحجاج بخطورة الحلاقة المتكررة بآلة واحدة لعدة مرات، ومنع المرضى والذين لا يتخذون الاحتياطات اللازمة من مزاولة المهنة. ١٣- حينما يؤدي كل دوره، بداية من الأسرة حماية وتوعية، ومضياً إلى دور التعليم والتربية، وانتقالاً إلى مجالات الحياة المختلفة في المسجد، ومواقع العمل وسائر الأنشطة اليومية، وذلك برسم أهداف متكاملة تنفذ بوسائل مختلفة، تتم السيطرة على المرض والحماية منه بإذن الله. وصدق الله إذ يقول: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ [الإسراء: ٣٢] . وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم ... الدكتور سعود بن مسعد الثبيتي

стр. 13344

فهرس المصادر والمراجع - البابرتي، العناية على هامش فتح القدير. - البخاري، الجامع الصحيح مع فتح الباري، مطابع الشعب: ١٣٧٨. - البسام، نيل المآرب، الطبعة الأولى، مكتبة ومطبعة النهضة الحديثة. - البهوتي، شرح منتهى الإرادات، مطبعة أنصار السنة المحمدية: ١٣١٦. - البهوتي، كشاف القناع، مكتبة النصر الحديثة – الرياض. - البيهقي، السنن الكبرى، الطبعة الأولى: ١٣٥٣هـ، دار المعارف العثمانية الهند. - ابن تيمية، القواعد النورانية، الطبعة الأولى: ١٣٩٢هـ، مكتبة الكليات الأزهرية. - الثبيتي، التفريق بين الزوجين، الطبعة الأولى، دار إحياء التراث. - ابن حزم، المحلى، تحقيق محمد منير الدمشقي، مكتبة الجمهورية العربية: ١٣٨٧هـ. - الحلي، شرائع الإسلام، الطبعة الأولى: ١٣٨٩. - ابن حنبل، المسند، الطبعة الثانية: ١٣٩٨هـ المكتب الإسلامي للطباعة والنشر. - بيروت دار الفكر. - الخرشي، شرح مختصر خليل، دار صادر. - ابن خطيب الدهشة، مختصر قواعد العلائي. - أبو داود، السنن، تحقيق: محمد محيي الدين، دار إحياء السنة النبوية. - الدردير، الشرح الصغير، دار المعارف. - الدردير، الشرح الكبير، على هامش حاشية الدسوقي. - الدسوقي، حاشية على الشرح الكبير – المكتبة التجارية الكبرى- دار الفكر. - رفعت كمال، قصة الإيدز، مطابع دار أخبار اليوم. - الرملي، نهاية المحتاج، المكتبة الإسلامية، رياض الشيخ.

стр. 13345

- الزيلعي، تبيين الحقائق، الطبعة الأولى: ١٣١٣هـ، المطبعة الكبرى الأميرية ببولاق- مصر. - السرخسي، المبسوط، الطبعة الأولى، مطبعة السعادة. - السيوطي، الأشباه والنظائر، دار إحياء الكتب العربية. - ابن الشحنة، لسان الحكام مع معين الحكام. - الشربيني، مغني المحتاج، المكتبة الإسلامية. - الشوكاني، نيل الأوطار، ومصطفى البابي الحلبي. - ابن أبي شيبة، المصنف، الطبعة الأولى: ١٣٩٠، مطبعة العلوم الشرقية. - الصاوي، حاشية على الشرح الصغير، على هامش الشرح الصغير. - الصنعاني، سبل السلام، الطبعة الرابعة: ١٣٧٩هـ، مصطفى البابي الحلبي وأولاده. - الصنعاني، المصنف، الطبعة الأولى. - الطرابلسي، معين الحكام، الطبعة الثانية: ١٣٩٣هـ، مصطفى الحلبي. - ابن عابدين، حاشية رد المحتار، الطبعة الثانية: ١٣٨٦هـ، مصطفى البابي الحلبي. - عبد الرحمن بن حسن، فتح المجيد، الطبعة الأخيرة: ١٣٨٦هـ، مطبعة المشهد الحسيني. - العلائي، المجموع المذهب في قواعد المذهب – مخطوط. - الفتوحي، منتهى الإرادات، تحقيق: عبد الغني عبد الخالق، مكتبة دار العروبة. - الفيروزآبادي، القاموس المحيط، المؤسسة العربية للطباعة والنشر. - الفيومي، المصباح المنير، مطبعة مصطفى البابي الحلبي وأولاده. - ابن قاسم، حاشية على تحفة المحتاج، دار صادر. - ابن قدامة، المغني، مكتبة الجمهورية. - قليوبي، حاشية على شرح المحلى على المنهاج، الطبعة الثالثة: ١٣٧٥هـ، مصطفى البابي الحلبي. - قيس مبارك، التداوي والمسؤولية الطبية، الطبعة الأولى: ١٤١٢هـ، مكتبة الفاراني.

стр. 13346

- ابن القيم، تحفة المودود في أحكام المولود، الطبعة الأولى: ١٣١٩هـ، مكتبة البيان. - ابن القيم، زاد المعاد، الطبعة الثالثة: ١٣٩٢هـ، دار الفكر. - ابن القيم، الطب النبوي. - ابن القيم، مفتاح دار السعادة، دار الكتب العلمية – بيروت. - الكاساني، بدائع الصنائع، مطبعة العاصمة – القاهرة. - ابن ماجه، السنن، الطبعة الأولى، المطبعة التازية. - المحلى، شرح المنهاج على هامش حاشيتي قليوبي وعميرة، ط ٣: ١٣٨٥هـ، مصطفى البابي. - محمد علي البار، العدوى بين الطب وحديث المصطفى، دار الشروق. - محمد علي البار، ومحمد صافي، الإيدز، الطبعة الأولى: ١٤٠٧هـ، دار المنارة. - محمد فيض الله، نظرية الضمان، الطبعة الأولى: ١٤٠٣هـ، مكتبة دار التراث – الكويت. - المرتضى، البحر الزخار، الطبعة الأولى: ١٣٦٧هـ. - المرداوي، الإنصاف، الطبعة الأولى: ١٣٦٧هـ. - مسلم، الجامع الصحيح مع شرح النووي. - ابن القيم، الطب النبوي. - الموصلي، الدرر المختار مع حاشية ابن عابدين. - ابن نجيم، الأشباه والنظائر، مؤسسة الحلبي وشركاه: ١٣٨٧هـ. - النووي، روضة الطالبين، المكتب الإسلامي للطباعة والنشر. - النووي، شرح صحيح مسلم، الطبعة الثانية: ١٣٩٣هـ. - ابن الهمام، فتح القدير، الطبعة الأولى: ١٣١٥هـ، المطبعة الأميرية ببولاق – مصر. - الصحف: صحيفة عكاظ – صحيفة المدينة- صحيفة الهدف.

стр. 13347

التداوي بالمحرمات إعداد الدكتور محمد علي البار مستشار الطب الإسلامي بمركز الملك فهد للبحوث الطبية التداوي بالمحرمات ١- التداوي بالخمر: الحمد لله الذي أحل الطيبات وحرم الخبائث، والقائل في محكم كتابه العزيز الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه: ﴿مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾ [آل عمران: ١٧٩] ، والقائل: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ﴾ [المائدة: ٤] ، والصلاة والسلام على نبي الهدى والرحمة، الذي وصفه المولى بقوله: ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ [الأعراف: ١٥٧] ، وقد أوضح ﷺ هذه الخبائث فكان من أخبثها الخمر التي حرمها الله على عباده تحريماً أبدياً في هذه الدنيا، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٩٠) إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ (٩١) ﴾ [المائدة: ٩٠- ٩١] ، وقد وصف لنا رسول الله ﷺ الخمر وعرفها لنا تعريفاً واضحاً جلياً، فقال ﷺ : ((كل مسكر خمر، وكل خمر حرام)) (١) و ((ما أسكر كثيره فقليله حرام)) (٢) و ((كل مسكر حرام، وما أسكر منه الفرق فملئ الكف منه حرام)) (٣)

стр. 13348

وقد خطب عمر ﵁ الناس فقال: ((أما بعد، أيها الناس، إنه نزل تحريم الخمر، وهي من خمسة أنواع: من العنب والتمر والعسل والحنطة والشعير، والخمر ما خامر العقل)) (١) ولهذا فإن أي مادة تسبب الإسكار لها حكم الخمر، كما نصت على ذلك الأحاديث النبوية الكثيرة والصحيحة، وإن لم تسبب الإسكار وسببت التفتير والخدر فلها حكم مشابه من ناحية التحريم، وفيها التعزير لا الحد، قالت أم سلمة ﵂: ((نهى رسول الله ﷺ عن كل مسكر ومفتر)) (٢) وقد وردت أحاديث كثيرة عن المصطفى ﵌ تنهى عن التداوي بالخمر؛ وذلك لأن العرب في جاهليتهم بل وإلى عقود كثيرة بعد الإسلام ظلوا يعتقدون أن في الخمر منافع طبية عديدة، حيث نرى الإمام ابن كثير وهو يفسر قوله تعالى: ﴿قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾ [البقرة: ٢١٩] يذكر أنه من هذه المنافع منافع عديدة للبدن فيقول: ((أما إثمهما فهو في الدين)) ، وأما المنافع فدنيوية من حيث إن فيها نفع البدن، وتهضيم الطعام، وإخراج الفضلات، وتشحيذ بعض الأذهان، ولذة الشدة المطربة التي فيها كما قال حسان بن ثابت في الجاهلية: ونشربها فتتركنا ملوكاً وأسداً لا ينهنهنا اللقاء ونرى شيخ أطباء المسلمين أبا بكر الرازي يتمدح بالمنافع الوهمية للخمر فيقول في كتابه منافع الأغذية: (إن الشراب المسكر يسخن البدن ويعين على الهضم للطعام في المعدة وسرعة تنفيذه إلى الكبد وجودة هضمه هناك ... وتنفيذه من ثمة إلى العروق وسائر البدن، ويسكن العطش إذا مزج بالماء، ويخصب البدن متى شرب على أغذية كثيرة الاغتذاء، ويحسن اللون، ويدفع الفضول جميعاً، ويسهل خروجها من البدن، ولذلك هو عون عظيم على حفظ الصحة) (٣) وكذلك فعل ابن سينا في القانون، وسار على نهجهما كثير من قدامى الأطباء، وهو منهج خاطئ بعد أن أوضح لهم رسول الله ﵌ أن الخمر داء.. وقد جاءت أحاديثه معجزة في هذا الباب؛ فقد كشف الطب الحديث زيف ما كانوا يعتقدون، وأبان أن ما جاءت به الأحاديث الصحيحة هو الحق الذي لا مرية فيه، وأن كلام الأطباء على مدى الأزمنة المتطاولة هو الهراء والغثاء.

стр. 13349

وفيما يلي جملة صالحة من الأحاديث النبوية الشريفة التي تنهى عن التداوي بالخمر والمحرمات: ١- أخرج مسلم في صحيحه (كتاب الأشربة) ، وأبو داود في السنن (كتاب الطب) ، والترمذي في الجامع الصحيح (باب كراهية التداوي بالمسكر) وابن ماجه في سننه وأبو نعيم في الطب النبوي عن وائل بن حجر أن طارق بن سويد الحضرمي ﵁ سأل رسول الله ﷺ عن الخمر يجعل في الدواء، فقال: ((إنها داء وليست دواء)) . وفي صحيح مسلم عن طارق بن سويد الحضرمي قال: قلت: يا رسول الله، إن بأرضنا أعناباً نعصرها فنشرب منها، قال: لا، فراجعته، قلت: إنا نستشفي للمريض، قال: ((إن ذلك ليس بشفاء ولكنه داء)) ، وهو أيضاً بلفظ مقارب عند ابن حبان. ٢- أخرج أبو داود في سننه (١) وابن السني وأبو نعيم كلاهما في الطب النبوي عن أبي الدرداء ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: ((إن الله أنزل الداء وجعل لكل داء دواء، فتداووا، ولا تتداووا بحرام)) . ٣- أخرج أبو نعيم في الطب النبوي عن أبي هريرة ﵁ يرفعه إلى النبي ﷺ قال: ((من تداوى بحرام لم يجعل الله فيه شفاء)) . ٤- أخرج أبو نعيم عن عائشة ﵂ قالت: ((من تداوى بالخمر فلا شفاه الله)) . ٥- أخرج البخاري في صحيحه (كتاب الأشربة) عن عبد الله بن مسعود ﵁ يرفعه قال: ((إن الله لم يجعل شفاءً فيما حرم عليكم)) . ٦- أخرج ابن حبان في صحيحه عن أم سلمة ﵂ قالت: اشتكت ابنة لي فنبذت لها في كوز، فدخل رسول الله ﷺ وهو يغلي (أي يفور بالحبب وهو ثاني أوكسيد الكربون الناتج عن عملية تخمر السكريات وتحولها إلى كحول إتيلي) ، فقال: ((ما هذا؟ فقلت: إن ابنتي اشتكت فنبذت لها هذا، فقال رسول الله ﷺ : إن الله لم يجعل شفاءكم فيما حرم عليكم)) .

стр. 13350

٧- وأخرج أبو داود في سننه (كتاب الطب) ، والترمذي في الجامع الصحيح (كتاب الطب) ، وابن ماجه في سننه والحاكم في المستدرك، وأحمد في مسنده، عن أبي هريرة ﵁ قال: ((نهى رسول الله ﷺ عن الدواء الخبيث)) . قال الحاكم: صحيح الإسناد، ووافقه الذهبي، وقال أحمد شاكر محقق المسند: إسناده صحيح، وقال السيوطي في (المنهج السوي والمنهل الروي في الطب النبوي) : الدواء الخبيث هو السم. وذكر عبد الملك بن حبيب الأندلسي المالكي الألبيري المتوفى سنة ٢٣٨هـ في كتاب الطب النبوي أثراً لمالك بن أنس ﵀ قال: (لا يحل لأحد أن يداوي دبر الدواب بالخمر، فكيف بمداواة المريض بها، وكان ابن عمر إذا دعا طبيباً يداوي أهله اشترط عليه ألا يداوي بشيء مما حرم الله) . وروي أن عمر بن الخطاب سأل الحارث بن كلدة الثقفي عن دواء الخاصرة، قال: الحلبة تطبخ ويجعل فيها سمن البقر، قال الحارث: وأما إذا كنا على غير الإسلام فالخمر وسمن البقر، قال عمر: لا نسمع منك ذكر الخمر، فإني لا آمن إن طالت مدة من لا ورع له أن يتداوى بالخمر. التداوي بالخمر: رغم أن الرسول ﷺ قد أوضح في أحاديثه الكثيرة الصحيحة أن الخمر داء وليست دواء، إلا أن البشرية ظلت سادرة في غيها وضلالها تتداوى بالخمر، وقد كان الأطباء يزعمون في الأزمنة الغابرة وعلى زمن رسول الله ﷺ وبعده وحتى عهد قريب أن للخمر بعض المنافع الطبية، ثم تقدمت الاكتشافات العلمية وبطلت تلك المزاعم والأوهام، ومن تلك المنافع المزعومة ما قاله بولس محرف دين المسيح: إن قليلاً من الخمر يصلح المعدة، وبناء على هذا الوهم، فإن الخمر تشرب منذ أقدم الأزمنة كفاتح للشهية (أبرتيف APeretif) وقد ثبت أن استخدام هذا القليل بانتظام يؤدي إلى التهاب المعدة الضموري، والتهاب المريء، كما يؤدي إلى إصابة الكبد والبنكرياس، وقد شرحت مضار الخمر في كتابي (الخمر بين الطب والفقه) ، وهو في طبعته السابعة (أكثر من ٤٠٠ صفحة) ، وأضفت ما جد من أضرارها في كتابي (الأضرار الصحية للمسكرات والمخدرات والمنبهات) . وخلاصة الأمر هو كما قال الأستاذ الدكتور أوبري لويس في أكبر وأشهر مرجع طبي بريطاني (مرجع برايس الطبي) Price Textbook of Medicine (إن الكحول هو السم الوحيد المرخص بتناوله على نطاق واسع في العالم كله، ويجده تحت يده كل من يريد أن يهرب من مشاكله، ولذا يتناوله بكثرة كل مضطربي الشخصية، ويؤدي هو إلى اضطراب الشخصية ومرضها، إن جرعة واحدة من الكحول قد تسبب التسمم وتؤدي إما إلى الهيجان أو الخمود، وقد تؤدي إلى الغيبوبة، أما شاربو الخمر المدمنون فيتعرضون للتحلل الأخلاقي الكامل مع الجنون) .

стр. 13351

ومن المنافع الموهومة في الخمر أنها تدفئ الجسم في الجو البارد القارس، فقد روى أبو داود في سننه أن ديلم الحميري جاء في وفد اليمن، فقال: ((يا رسول الله، إنا بأرض باردة نعالج فيها عملاً شديداً، وإنا نتخذ شراباً من هذا القمح فنتقوى به على أعمالنا وبرد بلادنا، قال رسول الله ﵌: هل يسكر؟ قال: نعم، قال: فاجتنبوه، قال: إن الناس غير تاركيه، قال: فإن لم يتركوه فقاتلوهم)) . وجاء الطب بعد هذه الحادثة بألف وأربعمائة عام ليقول لنا: إن ذلك الدفء ليس إلا من قبيل الوهم، فالخمر توسع الأوعية الدموية، وخاصة تلك التي تحت الجلد، فيشعر المرء بالدفء ويفقد حرارة جسمه في الجو القارس، وما يزيد الطين بلة أن الإنسان المخمور يفقد قدرته على توليد الطاقة من الارتعاش الذي يحدث عند الشعور بالبرد، فالإنسان السليم عندما يشعر بالبرد تنقبض أوعيته الدموية السطحية على الجلد حتى لا يفقد الحرارة، ثم يرتجف من البرد، وهذا الارتجاف يطلق الأدرينالين والكوريتزول ويحول سكر العضلات إلى جلوكوز ينطلق ليعطي الطاقة والدفء، وذلك كله مفقود لدى شارب الخمر، ولذا يتوفى كل عام بضع مئات في الحدائق العامة والمتنزهات في أعياد رأس السنة وأعياد الميلاد في الغرب بسبب شرب الخمر وفقدان الحرارة، ويموتون وهم ينعمون بالدفء الكاذب.. ويتعرض الأطفال بصورة خاصة عند شربهم للخمر لهذه الظاهرة، ويتوفون بسبب انخفاض درجة حرارة الجسم وانخفاض السكر، وذلك بسبب تأثير الخمر على منطقة في الدماغ تعرف باسم تحت المهاد (Hy pothclamus) ، وهي التي تتحكم في درجة حرارة الجسم وفي السكر، مع ما تقدم من اضطراب هرمونات الجسم وتوسع الأوعية الدموية تحت الجلد. ومن الأوهام المنتشرة حول الخمر أنها دواء للقلب وأنها توسع الشرايين التاجية، وقد كانت تستخدم إلى الستينات من القرن العشرين لمداواة الذبحة الصدرية وجلطات القلب، ثم تبين زيف ذلك الوهم، وأن الخمر لا توسع شرايين القلب على الإطلاق، وأنها أخطر السموم على القلب العضلي وتؤدي إلى إصابة عضلة القلب واعتلالها (Cardiomyopathy) ، ولاشك أن الكحول الميتيلي أشد سمية في هذا الصدد من الكحول الإيتيلي، فالأول يقتل على الفور، والثاني سم بطيء يقتل على مدى الأزمنة المتطاولة. ومن أوهام الخمر أنها تثير الرغبة الجنسية وتقوي الباءة، وقد شربت ولا تزال تشرب لهذا السبب.. وبما أن الخمر تزيل العقل فإنها تدفع الإنسان إلى الجرائم الجنسية، فمعظم جرائم الاغتصاب والاعتداء الجنسي على المحرمات من الأخوات والبنات ناتجة عن شرب الخمر، وفي الولايات المتحدة كما تقول التايم الأمريكية (١٩٩٠) فإن ٢٠ بالمائة من العائلات الأمريكية تمارس ما يسمى نكاح المحارم (Incest) ، وذلك نتيجة لانتشار الخمور على نطاق واسع ونتيجة لتحطم القيم وانحلال الأسرة.

стр. 13352

ولكن ما أن يستمر الإنسان في شرب الخمور حتى يفقد القدرة على التنفيذ، وهي كما قال الشاعر الإنجليزي الملهم شكسبير في رواية (ماكبث) : إنها تحفز على الرغبة ولكنها تفقد القدرة على التنفيذ. It provokes The desire, but takes away the per Frmance وهي تفعل ذلك بسبب تأثيرها على المنطقة الدماغية (تحت المهاد) (Hy Pothclamus) والغدة النخامية (Pituitary glana) والخصية (Testes) بالإضافة إلى أنها تحطم الكبد، وبما أن الكبد السليمة تقوم بتحطيم ما تفرزه الغدة الكظرية (فوق الكلية) من هرمونات الأنوثة القليلة في الرجل، فإن هذه الهرمونات الأنثوية تزداد لدى شارب الخمر فتتضخم أثداؤه ويسقط شعر لحيته وشاربه ويصاب بالعنة. ليس ذلك فحسب، وإنما قد يضاف إليه إصابة للجهاز العصبي غير الإرادي الذي يتحكم في عملية الانتشار والإنعاط والإنزال، فإذا أصيب هذا الجهاز العصبي بسبب الخمر، فكيف يستطيع المرء أن يجامع؟! وتصاب المرأة بمثل ما يصاب به الرجل بالإضافة إلى إصابة الأجنة إذا حملت وهي تشرب الخمر. والباب بعد هذا واسع واسع، ومن أراد المزيد فليرجع إلى الكتب الطبية في هذا الباب أو إلى كتاب (الخمر بين الطب والفقه) لكاتب هذه السطور. حكم التداوي بالخمر: اتفق جمهور الفقهاء على حرمة التداوي بالخمر الصرفة، ودليلهم ما تقدم من الأحاديث الصحيحة التي تنهى عن التداوي بالخمر، وقد شذ عن هؤلاء الظاهرية، قال أبو محمد علي بن حزم في كتاب المحلى: (١) (الخمر مباحة لمن اضطر إليها، فمن اضطر لشرب الخمر لعطش أو علاج أو لدفع خنق فشربها، فلا حد عليه ... ) ويقول: (إن التداوي بمنزلة الضرورة وقد قال تعالى: ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١١٩] ، فما اضطر المرء إليه فهو غير محرم عليه من المآكل والمشارب) . وذكر الإمام النووي في المجموع (٢) أربعة أقوال في شربها للتداوي والعطش المهلك: الأول: وهو الصحيح عند الجمهور وهو لا يجوز فيهما. والثاني: يجوز فيهما معاً. والثالث: يجوز للتداوي ولا يجوز للعطش. والرابع: يجوز للعطش المهلك دون التداوي، وهذا الرأي الأخير قال به إمام الحرمين والإمام الغزالي.

стр. 13353

وإن اضطر إلى شرب الخمر أو البول؛ شرب البول؛ لأن شرب الخمر أغلظ، وإن اضطر إلى شرب الخمر ففيه ثلاثة أوجه: الأول: أنه لا يجوز، والثاني: يجوز لأنه يدفع به الضرر عن نفسه، والثالث: أنه إن اضطر لشربها للعطش لم يجز؛ لأنها تزيد في الإلهاب والعطش، وقد رد هذا الوجه الأخير الإمام الجويني والإمام الغزالي لأنها تزيل العطش، والصحيح ما قالاه لأنه قد يبلغ الماء فيها ٩٠ أو ٩٥ بالمئة كما في البيرة والأنبذة الخفيفة، وفي الوجه الثالث أنه يجوز استعمالها للدواء. قال النووي: (وأما التداوي بالنجاسات غير الخمر فهو جائز في جميع النجاسات غير المسكر، ومنهم من قال: يجوز بأبوال الإبل خاصة لورود النص بحديث عرينة الذين اجتووا المدينة وسقموا، فأمرهم الرسول بشرب ألبان الإبل وأبوالها فصحوا، ثم قاموا بقتل الراعي وسرقة الإبل) (سيأتي الحديث عن التداوي بالنجاسات غير الخمر) . ولم يسمح جمهور الفقهاء باستخدام الخمر كدواء إلا عند الضرورة القصوى، مثل أن يغص امرؤ بلقمة ولا يجد أمامه إلا الخمر، فعندئذ يجوز شربها، يقول صاحب كتاب فقه السنة: (١) (ومثل الفقهاء لذلك بمن غص بلقمة فكاد يختنق ولم يجد ما يسيغها به سوى الخمر) ، وقد أخطأ غفر الله لنا وله حين قال: (أو من أشرف على الهلاك من البرد ولم يجد ما يدفع به هذا الهلاك غير كوب أو جرعة خمر أو من أصابته أزمة قلبية وكاد يموت فعلم أو أخبره الطبيب بأنه لا يجد ما يدفع به الخطر سوى شرب مقدار معين من الخمر) ، وذلك من الأوهام التي كانت سائدة عن الخمر ثم أبان الطب الحديث زيف ذلك، وأن الخمر لا توسع الشرايين التاجية، ولا تقي من جلطة القلب، بل ربما زادتها سوءاً.. وهي كما أوضحنا ليست دواء للبرد، بل تؤدي إلى الوفاة من هذا البرد القارس والمرء ينعم بالدفء الكاذب. حكم الخمر غير الصرف المعجونة بالدواء: بطل في الطب الحديث استخدام الخمر الصرفة في الدواء واعتبرت داء لا دواء، ولكنها لا تزال تستخدم في الدواء معجونة به كترياق، حيث تستخدم لإذابة المواد الطبية التي لا يذوب بعضها في الماء، وقد بحث الفقهاء الأجلاء هذه النقطة، يقول الخطيب الشربيني في مغني المحتاج (٢) :

стр. 13354

(إن التداوي بالخمر حرام إذا كانت صرفاً غير ممزوجة بشيء آخر تستهلك فيه، أما الترياق المعجون بها ونحوه مما تستهلك فيه فيجوز التداوي به عند فقد ما يقوم به التداوي من الطاهرات، فعندئذ يتبع حكم التداوي بنجس كلحم حية وبول، وكذا يجوز التداوي بذلك لتعجيل الشفاء بشرط إخبار طبيب مسلم عدل بذلك، أو معرفته للتداوي به، وبشرط أن يكون القدر المستعمل قليلاً لا يسكر) . وهكذا شرط الشربيني ثلاثة شروط لإباحة استخدام الخمر (الغول، الكحول) في الدواء كترياق معجونة به: ١- أن لا يكون هناك دواء آخر خال من الكحول (الغول) ينفع لتلك الحالة. ٢- أن يدل على ذلك طبيب مسلم عدل. ٣- أن يكون القدر المستعمل قليلاً لا يسكر. وإذا نظرنا إلى الأدوية الموجودة بها شيء من الكحول نجدها على ضربين: الأول: مواد قلوية أو دهنية تستعمل كأدوية، وتحتاج لإذابتها إلى استعمال الغول. الثاني: مواد يضاف إليها شيء يسير من الكحول (الغول) لا لضرورة وإنما لإعطاء الشراب نكهة خاصة ومذاقاً خاصاً تعود عليه أهل أوربا وأمريكا من حيث يأتينا الدواء جاهزاً، وهذا الصنف الثاني لا شك في حرمته ويجب منعه، وقد استطاعت الصناعة الدوائية أن تستبدل النوع الأول بمذيبات أخرى غير الكحول، وقد قدمت أبحاث كثيرة في مؤتمرات الطب الإسلامي توضح إمكانية ذلك.. وقد نادى وزراء الصحة العرب أيضاً باستبعاد الكحول من الأدوية جميعها. ويحتاج الأمر إلى وقفة حازمة من الحكومات لكي تقوم الصناعة الدوائية باستبدال الكحول بمذيبات أخرى، وعلى سبيل المثال كان (ماء غريب) الذي يعطى للأطفال يحتوي على نسبة من الكحول (٤- ٥ بالمئة) ، كما كان دواء للربو يدعى (كويبرون) Quibron يحتوي على الكحول، فلما طلبت الحكومة الأمريكية من شركات الأدوية استبعاد الكحول استبعدته واستبدلته بمذيب آخر، وذلك أن الأطفال المصابين بالربو يستخدمونه لفترة طويلة تبلغ سنين طوالاً، وقد أدى ذلك إلى إصابة الكبد لدى بعضهم من جراء استخدام الكحول ولو بكمية قليلة، ولذا أمرت الدولة الأمريكية باستبعاد الكحول من جميع أدوية الأطفال، وقد فعلوا ذلك بيسر.. ولكنهم أبقوها للكبار لأن الخمر بذاتها مباحة عندهم.

стр. 13355

وهكذا يتضح أن الحكومات الإسلامية تستطيع أن تفرض الدواء الخالي من الكحول بسهولة، خاصة وأن الأدوية التي تحتاج إلى إذابتها للكحول قليلة، ويمكن استبدالها بغيرها، بالإضافة إلى أن المذيبات الأخرى قد توافرت، وأمكن للصناعة الدوائية تقديم الدواء الخالي من الكحول، ويستطيع المجمع الفقهي الموقر أن يوصي الحكومات الإسلامية بذلك. الخمر المستهلكة: يستخدم الكحول لإذابة الكولا المستخدمة في المشروبات الغازية مثل البيبسي كولا والكوكاكولا.. إلخ، وتوضع هذه الكمية القليلة من المواد المذابة في الكحول في كميات كبيرة جداً من المياه، بحيث إن الشخص لو شرب الكثير لما سكر، وبهذا انتفت علة التحريم وهي الإسكار؛ إذ إن كثر هذه المادة لم يعد مسكراً، والرسول صلوات الله وسلامه عليه يقول: ((ما أسكر كثيره فقليله حرام)) ، ((وما أسكر الفرق منه فملء الكف منه حرام)) ، وهذا الشراب لا يسكر حتى لو شرب المرء منه فرقاً، فما دام كذلك فإن علة التحريم قد انتفت، وقد شبه الفقهاء ذلك بالنجاسة القليلة المستهلكة في الماء الكثير، ومن المعلوم أن الماء أكثر من القلتين لا يحمل الخبث؛ وهذا مثله، وقد أشار إلى هذا الحكم كتاب الأطعمة من الموسوعة الفقهية، إصدار الكويت، وقد ذكر ابن حجر الهيثمي في التحفة على المنهاج ((: وجبن شامي اشتهر عمله بإنفحة الخنزير، وقد جاء رسول الله ﷺ جبن من عندهم فأكل ولم يسأل عن ذلك)) . وعن ابن عمر ﵄ قال: ((أتي النبي ﷺ بجبنة في تبوك من عمل النصارى، فدعا بسكين فسمى وقطع وأكل)) (أخرجه أبو داود ورزين) . وأخرج الإمام أحمد والبزار عن ابن عباس ﵄ قال: ((أتي النبي ﷺ بجبنة في غزاة، فقال: أين صنعت هذه؟ فقالوا: بفارس، ونحن نرى أنه تجعل فيها ميتة، فقال: اصنعوا فيها بالسكين واذكروا اسم الله وكلوا)) . وقد جاء في كتاب الأطعمة من الموسوعة الفقهية تحت عنوان الغازوزة ما يلي: (الغازوزة شراب حلو فيه قليل من الزيوت العطرية مشبع بغاز ثاني أوكسيد الكربون تحت ضغط أعلى من الضغط الجوي، وقد تضاف إليه مواد أخرى تكسبه لوناً أو طعماً خاصاً..) . (. والزيوت العطرية الداخلة في صناعتها لا تمتزج بباقي موادها إلا إذا حلت بإضافة جزء من الغول إليها.. والغول مسكر، بل هو روح المسكرات كلها، فهو نجس عند الجمهور، وبه يتنجس الزيت والغازوزة فيحرم شربها) . (هذا ما يبدو، ولأول وهلة، ولكن إذا أمعنا النظر أمكننا أن نقول: إن إضافة الغول إنما هي للإصلاح، فشأنها شأن إضافة الإنفحة النجسة إلى اللبن ليصير جبناً، وقد قالوا: إن الإنفحة لا تنجس اللبن، بل يعفى عنها، هذا إذا قلنا: إن الغول نجس، فإن قلنا: إنه طاهر كما قال الشوكاني وكما اختارته لجنة الفتوى في الأزهر فلا إشكال، والله أعلم) .

стр. 13356

الاستعمال الظاهري للغول: تستخدم الغول (الكحول) كمطهر خارجي، كما تستعمل في بعض الحالات النادرة لإماتة عصب من الأعصاب المسبب للألم المبرح، وتستخدم أيضاً بكثافة في العطور وما يسمى البارفان والكولونيا.. وتصل نسبة الكحول في الكولونيا إلى ٩٠ بالمئة.. وبما أن هذه الكولونيا قد تشرب، وخاصة في الأماكن التي يمنع فيها تعاطي الخمور فإن الشركات المصنعة تضيف إليها مادة أخرى شديدة السمية من أنواع الغول (الكحول) وهي الكحول المتيلي.. وقد حدثت حوادث كثيرة في قطر والسعودية ودول الخليج الأخرى وفي الهند أدت إلى وفاة العشرات، وأحياناً المئات من الأفراد نتيجة شرب هذه المواد السامة، فالكحول المتيلي مادة سامة، بل شديدة السمية، وتؤدي إلى هبوط (احتشاء أو فشل) عضلة القلب نتيجة الاعتلال السمي لعضلة القلب Toxic Cardiomyo pathy، كما أنها تؤدي إلى إصابة عصب الإبصار مسببة العمى للأشخاص الذي أمكن إنقاذهم من براثن الموت.. والغريب حقاً أن مداواة حالات التسمم بالكحول المتيلي تستدعي الديلزة (الغسيل الكلوي) ، ويستخدم الأطباء في هذه الحالة الكحول الإتيلي (وهو الخمر بعينها) الأقل سمية ليحل محل الكحول المتيلي في الكبد، وبالتالي يتم طرده بواسطة الغسيل الكلوي.. وهي الحالة الوحيدة التي يتم فيها استخدام الكحول الإتيلي فيحقن ضمن السوائل ويسرب إلى الدم. أما الاستعمال الشائع فهو الاستعمال الظاهري كمطهر للجلد أو مع العطور والكولونيا. والاستعمال الظاهري يمكن الاستغناء عنه فالمطهرات الجلدية كثيرة وتعتبر أفضل من الكحول الإتيلي.. والعطور والروائح يمكن أن تركب بالطريقة القديمة وهي استخدام الزيوت بدلاً من الكحول. ومع هذا فقد أفتت لجنة الفتوى بالأزهر والسيد مظهر الغرباني والإمام الشوكاني من قبل بأن الخمر ليست نجسة العين.. وبالتالي فإن الكحول وهو مادة مطهرة، لا يمكن أن تكون نجسة؛ لأن ذلك مناقض لاسم المطهر، وأما قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ﴾ [المائدة: ٩٠] ، فمعلوم أن الميسر والأنصاب والأزلام ليست نجسة العين.. وأن المشرك الذي قال الله عنه: إنه نجس ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ [التوبة: ٢٨] ، ليس نجساً نجاسة حسية، بل نجاسة معنوية، ولا يمكن جعل الخمر نجسة العين وإفرادها عن الميسر والأنصاب والأزلام؛ لأن الآية قد سردت هذه الأربعة في سياق واحد، وبما أنها جميعاً ليست نجسة، فكذلك الخمر، وقد أجمع الفقهاء على عدم نجاسة المسكر الجامد مثل جوزة الطيب والحشيش والأفيون. إلخ.. ولا فرق بين مائع وجامد عند من يقول بعدم النجاسة.

стр. 13357

ولذا يجوز الاستعمال الظاهري للكحول عند من يقول بعدم نجاستها. وقد أحسنت المملكة العربية السعودية بمنع استيراد الكولونيا إلا تلك التي تستخدم بواسطة البخاخ حتى لا تشرب. الخلاصة في موضوع التداوي بالخمر: يرى جمهور الفقهاء أنه لا يجوز التداوي بالخمر (والمسكر خمر) متى كانت صرفة، فإن كانت مستهلكة في الدواء أو غيره بحيث لا يسكر الكثير منها فإنها تخرج من دائرة المسكرات والمحرمات إلى دائرة المباحات. وأما الترياق المعجون بقليل من الخمر (الغول) فلا يجوز استخدامه إلا بشروط، وهي أن لا يكون هناك دواء آخر خال من الغول يقوم مقامه، وأن يدل على ذلك طبيب مسلم عدل، وأن يكون القدر المستعمل غير مسكر. وأما استخدام الكحول ظاهرياً على الجلد فأمر قد أجازه أغلب الفقهاء المعاصرين، ومنه العطور والكولونيا التي تستخدم بكثرة في كافة أرجاء العالم. وهل يجوز استعمال الكحول لإماتة عصب كما يحدث نادراً في عالم الطب؟ وهل يجوز استعمال الكحول الإتيلي في حالات التسمم بالكحول المتيلي الأشد سمية؟ فأمران لم أجد فيهما فتوى جاهزة. وهي مطروحة بين يدي سادتي العلماء الأجلاء للإفتاء فيها. ٢- التداوي بالمخدرات: تعريف المخدر: المسكر هو ما غطى العقل، والمفتر (المخدر) كما يقول الخطابي هو: (كل شراب يورث الفتور والخدر، وهو مقدمة السكر) ، وقال ابن رجب الحنبلي: (المفتر هو كل مخدر للجسد وإن لم ينته إلى حد الإسكار) . وقد جاء في بحث إدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوى والإرشاد بالمملكة العربية السعودية إلى المؤتمر الإقليمي السادس للمخدرات (الرياض ٢٥- ٣٠ شوال ١٣٩٤) تعريف المخدر بما يلي: (المفتر مأخوذ من التفتير والإفتار، وهو ما يورث ضعفاً بعد قوة، وسكوناً بعد حركة، واسترخاء بعد صلابة، وقصوراً بعد نشاط، يقال: فتره الأفيون إذا أصابه بما ذكر من الضعف والقصور والاسترخاء) ، وهو تعريف دقيق كل الدقة حتى من الناحية الأقرباذينية؛ إذ إن الأفيون ومشتقاته مثل البورفين والهروين هي الوحيدة التي يطلق عليها اسم المخدر Narcotic من الناحية الدوائية (الأقرباذينية) .

стр. 13358

وقد جاء في المصباح المنير: خدر العضو إذا استرخى فلا يطيق الحركة، وفي القاموس المحيط: (الخدر: امذلال يغشى الأعضاء، وفتور العين أو ثقل فيهما) .. وكل ما يغطي الأشياء يعتبر مخدراً، ومنها خدر المرأة وهو سترها، قال امرؤ القيس: وبيضة خدر لا يرام خباؤها تمتعت من لهوها غير معجل ويوم دخلت الخدر خدر عنيزة فقالت: لك الويلات إنك مرجلي وكل ما يختفي في الأجمة والغابة يعتبر خادراً، قال كعب بن زهير في قصيدته التي يمدح فيها رسول الله ﷺ ويعتذر فيها عما فعل: من خادر من ليوث الأسد مسكنه في بطن عثر غيل دونه غيل وهكذا تدور معاني كلمة الخدر حول الستر، والخدر: ستر يمد للجارية في ناحية البيت، والجمع خدور، والخدر (بالفتح) الكسل وظلمة الليل والمكان المظلم، واشتداد الحر، واشتداد البرد، وفي لسان العرب: الخدر من الشراب والدواء: فتور يعتري الشارب وضعف، والخدر: الكسل والفتور. وتدور معاني لفظ Narcotic في اللغات الأوربية، على نفس معاني كلمة المخدر والخدر في اللغة العربية تقريباً، وهي تطلق بصورة خاصة على الأفيون ومشتقاته، وما يحدثه من خدر وفتور في الأعضاء وستر للألم، وتغطية على بعض أنشطة الجهاز العصبي، وشعور بالنوم، وثقل في الأعضاء (قاموس دبستر وقاموس اكسفورد) . وإذا قررنا هذا التعريف اللغوي والطبي والفقهي للمخدرات فإننا نجد أن التعريف القانوني والإعلامي يختلف تماماً عن هذا التعريف.

стр. 13359

تعريف المخدرات في القوانين الوضعية: لا يوجد أي تعريف للمخدرات في القوانين الوضعية، ولهذا اتجهت القوانين الوضعية لإصدار قوائم بالمواد المحرم استعمالها وحيازتها وتداولها وجلبها وبيعها وزرعها.. إلخ، وعادة ما ينص القانون الوضعي على هذه العبارة: (تعتبر جواهر مخدرة في تطبيق أحكام هذا القانون، المواد المبينة بالجدول رقم ١، ويستثنى منها المواد الموجودة بالجدول رقم ٢) . ولا تختلف هذه القوائم بأسماء المواد المخدرة التي يحرمها القانون من بلد إلى آخر فحسب، بل تختلف في نفس البلد من زمن إلى آخر. وعلى سبيل المثال كان الأفيون ومشتقاته مثل المورفين، ومادة الكوكايين وهما من أشد المواد المسببة للاعتماد من المواد المباح تعاطيها في أوربا والولايات المتحدة، وقد استخدم المورفين على نطاق واسع أثناء الحرب الأهلية الأمريكية (١٨١٦- ١٨٦٥) ، وأثناء الحرب الفرنسية الألمانية عام ١٨٧٠. وكان الكوكايين يباح في أوربا والولايات المتحدة كمادة مقوية ومشهية وباعثة للسعادة والصحة.. واشتهر في أوربا إكسير مارياني وشاي مارياني وحبوب مارياني، وكلها كانت تحتوي على الكوكايين، وقد نال مارياني بسببها شهرة واسعة وثروة طائلة مع أرفع الأوسمة من ملوك ورؤساء أوربا والولايات المتحدة، بالإضافة إلى بركات الباباوات الذين كانوا يستخدمون منتجاته المحتوية على الكوكايين. بل إن مشروب الكوكاكولا كان يحتوي على كمية من الكوكايين عندما بدأ تسويقه في الولايات المتحدة في بداية هذا القرن، ولم يمنع ذلك إلا في العشرينات من القرن العشرين، واستمر بيع الأفيون والمورفين والهروين والكوكايين علناً في الأسواق، وبدون أي وصفة طبية، ولم يمنع ذلك إلا عام ١٩٢٠. ورغم أن الجامعة العربية وضعت القات ضمن قائمة المخدرات، إلا أن الأمم المتحدة واليمن والصومال والحبشة تعتبره من المواد المباحة. والموقف بالنسبة لنبات الكوكا مشابه لنبات القات في دول أمريكا اللاتينية التي تسمح بزراعته رغم الضغوط الشديدة المكثفة التي تواجهها من الولايات المتحدة.

стр. 13360

وقد قام المشرع المصري بتغيير قوائم المخدرات الموجودة في القانون رقم ١٦٢ لعام ١٩٦٠ واستبدلها بمواد جديدة وألغى أخرى قديمة في القانون رقم ٢٩٥ لعام ١٩٧٦ ثم حدثت تغييرات أخر في القانون رقم ٧٦٠ لعام ١٩٨٤. وقد أباحت هولندا الاستعمال الشخصي للحشيش (الماريوانا، القنب) ، كما أباحت أربع ولايات من الولايات المتحدة الأمريكية استخدام وحيازة الحشيش في النطاق الشخصي.. وهناك حملة قوية لإباحة الحشيش في الولايات المتحدة رسمياً؛ لأنه أقل ضرراً من الخمور المباحة (١) والموقف المضحك للقوانين الوضعية هي أنها تبيح بدون استثناء صناعة وحيازة وتجارة الخمور، بينما هي تعاقب عقوبات شديدة تصل إلى حد الإعدام على الحيازة وتهريب القات والحشيش والحبوب المنبهة.. وهي مواد أقل ضرراً بكثير من الخمر.. ولا يوجد هناك منطق لإباحة الخمر ومنع الحشيش مثلاً.. فالخمر دون جدال أشد ضرراً وفتكاً من الحشيش، بل إن الخمر أشد ضرراً وفتكاً من جميع المخدرات مجتمعة كما تقرر ذلك منظمة الصحة العالمية في قرارها رقم ٦٥٠ لعام ١٩٨٠ (٢) الذي جاء فيه: (إن شرب الخمور يؤثر على الصحة، ويؤدي إلى مشاكل تفوق المشاكل الناتجة عن الأفيون ومشتقاته، والحشيش، والكوكايين والأمفيتامين والباربتورات، وجميع ما يسمى مخدرات مجتمعة، وأن الأضرار الصحية والاجتماعية لتعاطي الكحول تفوق الحصر) .

стр. 13361

ويكفي لمعرفة الفروق في مخاطر الخمور والمخدرات ما جاء في مجلة التايم الأمريكية نقلاً عن تقرير كبير الأطباء الأمريكيين (وزير الصحة) (١) أن الذين يتوفون سنوياً في الولايات المتحدة نتيجة الخمور هم ١٢٥٠٠٠ (مائة وخمسة وعشرون ألفاً) بينما عدد الذين يلاقون حتفهم بسبب المخدرات وما يتبعها من جرائم ومطاردات مع البوليس وبين العصابات المختلفة هم ستة آلاف فقط. أما في بريطانيا فتقرر الكلية الملكية للأطباء العموميين في تقريرها الصادر عن الكحول لعام ١٩٨٦ أن الذين يتوفون نتيجة الخمور في بريطانيا هم ٤٠٠٠٠ شخص (٢) بينما تقرر الكلية الملكية للأطباء النفسيين أن عدد الذين يتوفون سنوياً نتيجة المخدرات هم ٨٨ شخصاً، بالإضافة إلى ٧٧ طفلاً توفوا نتيجة شم الغراء والتولوين والمستنشقات الأخرى (٣) وهكذا يبدو بوضوح أن وفيات الخمور لا يمكن مقارنتها بما تفعله المخدرات الأخرى مجتمعة، ونحن نعلم أن ثلث نزلاء المستشفيات العقلية هم من مدمني الخمور، وأن ما بين ربع وثلث جميع المرضى الذين يدخلون عن طريق الطوارئ يدخلونها بسبب شرب الخمور في الولايات المتحدة واسكوتلنده وروسيا وفرنسا وإيطاليا وألمانيا.. إلخ، وأن ربع الحالات الموجودة في أقسام الأمراض الباطنية في جميع مستشفيات أوربا والولايات المتحدة.. إلخ، إنما دخلوا بسبب أمراض ناتجة عن الخمور. وتقع القوانين الوضعية في مأزق عندما تسمي المواد المنبهة مخدرات، وهي بدون ريب أو شك ليست من المواد المخدرة، بل هي مواد منبهة شديدة التنبيه، ومن أهم أمثلتها حبوب الأمفيتامين والفنتلين ومشتقاتها والقات والكوكايين.. وكلها تندرج في قائمة المواد المسببة للاعتماد النفسي والمحطمة للصحة على اختلاف بينها في الدرجة، ولكنها جميعاً ليست مخدرة، بل منبهة. ونجد جميع القوانين لا تدرج المستنشقات ضمن ما تسميه مخدرات، رغم أنها مخدرة فعلاً أو مسكرة، كما أنها لا تضع في قوائمها جوزة الطيب ولا الشيكران ولا العنبر ولا الزعفران، ولا فطر البيوت المخدر ولا نبات ست الحسن (البلادونا) وفطر البسيلوسيبي وفطر أمانيتا وهي مواد مهلوسة ومخدرة فعلاً.

стр. 13362

ولا يوجد أي ضابط في هذه القوانين الوضعية لتعريف المخدر، فهي تسمح بكثير من المخدرات وكل المسكرات وتمنع مواد منبهة شديدة التنبيه وتسميها مخدرات، وما هي بمخدرات.. ونحن لا نختلف حول ضررها وأنها تسبب الإدمان، فهي مواد ضارة بالصحة، وتسبب الإدمان، وكذلك النيكوتين في التبغ فهو مادة مسببة للإدمان، وضارة بالصحة، بل إن إدمان النيكوتين أشد من إدمان القات، وفي أحيان كثيرة أشد من إدمان الحشيش، وعندي مجموعة من المرضى استطاعوا أن يتركوا الحشيش ولم يستطيعوا أن يتركوا النيكوتين وآخرين استطاعوا أن يتركوا الأمفيتامين ولم يستطيعوا أن يتركوا النيكوتين.. وأما القات فآلاف اليمنيين يتركونه بسهولة عند سفرهم ومغادرتهم بلادهم، ويعودون إليه عند عودتهم لبلادهم. والخلاصة أن القوانين لا ضابط لها من عقل ولا شرع ولا طب ولا منطق.. وهي تقرر ما تشاء حسبما تشاء بدون مناقشة واعية.. وأما من يناقشها في بلاد المسلمين فمصيره في كثير من الأحيان السجن والتعذيب!! تعريف المخدرات في علم العقاقير (الأقرباذين) : يستخدم لفظ المخدرات Narcotics في العلوم الطبية ليدل على مادة الأفيون ومشتقاتها مثل الهروين والكودايين. وتستخدم منظمة الصحة العالمية لفظ الاعتماد على العقاقير Drug Dependence أو تعبير سوء استعمال العقاقير Drug Abuse والمقصود من ذلك: الاستعمال خارج النطاق الطبي والذي يؤدي إلى الاعتماد النفسي أو كليهما معاً. وبما أن هناك عقاقير كثيرة يعتمد عليها كثير من المرضى مثل الأنسولين لمرضى السكر والثيروكسين للمرضى الذين يعانون من قصور وظيفة الغدة الدرقية (قصور الدرق Hypothyruidism) ، أو المرضى الذين يعانون من أمراض القلب أو الضغط أو الربو والذين يحتاجون لاستخدام عقاقير معينة باستمرار. والمقصود هاهنا بالاعتماد على العقاقير المغيرة للحالة المزاجية للإنسان، والتي تؤثر على الجهاز العصبي، والتي يؤدي تناولها إلى اعتماد الشخص عليها بسبب خاصية العقار ذاته، لا بسبب خاصية المرض الذي يوجب تكرار الجرعة الدوائية.

стр. 13363

وتقسم العقاقير المسببة للاعتماد النفسي أو الاعتماد الجسدي أو كليهما معاً إلى عدة تقسيمات: ١- العقاقير ذات الأصول الطبيعية (النباتية) : مثل الأفيون الذي يستخرج من نبات الخشخاش، والحشيشة المستخرجة من نبات القنب الهندي، وشجرة القات التي تمضغ أوراقها ثم يمص مستحلبها، وشجرة الكوكا التي تستخدم بطريقة مشابهة للقات، وشجرة التبغ (التنباك) التي تستخدم مضغاً وسعوطاً وتدخيناً.. وهي أكثر المواد المسببة للاعتماد انتشاراً في العالم حيث تصنع شركات التبغ ما يوازي سيجارتين لكل إنسان على وجه الأرض يومياً؛ أي عشرة آلاف مليون سيجارة يومياً. ويؤدي ذلك كما تقول منظمة الصحة العالمية إلى قتل مليونين وخمسمائة ألف من سكان الأرض سنوياً.. وهو عشرة أضعاف العدد الذي قتلته القنابل الذرية التي ألقيت على نجازاكي وهيروشيما في اليابان في نهاية الحرب العالمية الثانية ١٩٤٦، وعشرة أضعاف العدد الرسمي المسجل لضحايا الإيدز في خلال سنوات (١٩٨١- ١٩٩١) .. ويدخل في ذلك الكافيين الموجود في الشاي والقهوة.. وهو مادة منبهة تسبب اعتماداً نفسياً خفيفاً لدى بعض الناس.. والكافيين موجود أيضاً في الكاكاو والكولا.. ويدخل في هذه القائمة النباتات المهلوسة، التي بها قلويدات Alkaloids مهلوسة مثل نبات السكران (الشيكران) والداتورة والبلادونا والفطور المهلوسة مثل فطر أمانيتا وفطر البسيلوسيبي، كما يدخل فيها نبات جوزة الطيب والزعفران بالإضافة إلى العنبر وهو إفراز من أمعاء الحوت Whale. ٢- العقاقير نصف الطبيعية أو نصف المخلقة: وهذه مواد تستخرج من النباتات ولها تأثير قوي جداً على الحالة المزاجية، وعادة ما يكون تأثيرها أضعاف تأثير المواد الخام المستخرجة من النبات مباشرة، فالمورفين المستخرج من الأفيون أقوى بعشرة أضعاف في تأثيره على الجهاز العصبي من الأفيون، وأما الهروين فهو أقوى بثلاثين ضعف الأفيون الخام. وكذلك تأثير الكوكايين والكراك المستخرج منه فإنه يبلغ أربعين إلى خمسين ضعف قوة تأثير نبات الكوكا.

стр. 13364

٣- العقاقير المخلقة: وهذه عقاقير مصنعة بالكامل من مواد كيماوية وليس لها أصل نباتي وأمكن تصنيع عقاقير لها قوة تبلغ ألف ضعف قوة الأفيون الخام، ولكنها بفضل الله لم تستخدم في تجارة المخدرات.. وأهم العقاقير في هذه المجموعة هي العقاقير المنومة مثل الباربيتورات والعقاقير المهدئة مثل الدايزيبام (الفاليوم) ومشتقاته، والعقاقير المنبهة مثل الأمفيتامين والفنتلين ومشتقاتهما العديدة. وعادة ما يستخدم هذا التقسيم رجال مكافحة المخدرات ورجال القانون. أما الأطباء والصيادلة فيستخدمون تقسيماً آخر يختلف من مرجع إلى مرجع في التفاصيل، ولكنه يحتفظ بالإطار العام، والتقسيم التالي هو من الكتاب المرجع في علم العقاقير (الأقرباذين) جودمان وجلمان الطبعة السادسة لعام ١٩٨٥ وهو كالتالي: ١- مجموعة الأفيون ومشتقاته: وهي الوحيدة التي يطلق عليها لفظ مخدرات Narcotics. ٢- مثبطات الجهاز العصبي وتشمل الكحول والباربيتورات والبينزودايزبين ... إلخ. ٣- منبهات الجهاز العصبي وتشمل الكوكايين والقات والأمفيتامين والفنتلين ... إلخ. ٤- التبغ وما يحويه من مادة النيكوتين. ٥- المهلوسات: ويمثلها عقار L.S.D المستخرج من فطر الأرجوت ومادة الميسكالين والزايلوسايبين الموجودة في بعض الفطور في أمريكا اللاتينية ونبات الشيكران وجوزة الطيب والحشيش (بعض التقسيمات لا تدخل الحشيش في المهلوسات بل تجعله في قائمة مستقلة) . ٦- الغازات والمواد المستنشقة مثل غاز أول أوكسيد النتروز (الغاز المضحك) ، والغراء، ومذيب البويه، والتولوين، والأسيتون، والبنزين.

стр. 13365

التخدير في العمليات: ويطلق اليوم لفظ التخدير في اللغة العربية والعامية على إجراء العمليات الجراحية ويسمى أحياناً البنج (بفتح الباء) ، وهو ما يعرف في الطب بفقد الإحساس aansthesia، وهو أنواع؛ حيث يقسم إلى تخدير كلي: يفقد فيه المريض وعيه وإحساسه بالألم، أو تخدير نصفي، أو تخدير موضعي بحيث لا يفقد المريض وعيه وإدراكه، بل يفقد الإحساس بالألم في المنطقة المخدرة، سواء كانت النصف السفلي من الجسم، أو موضعاً معيناً منه. وأما اسم البنج فيرجع إلى لفظة هندية (بانجو) تعني الحشيش (نبات القنب) ، وقد أطلق هذا الاسم أيضاً على نبات الشيكران (السكران) (Hyoscyamous) ، وما فيه من مادة السكوبالامين التي تحدث نوعاً من الهلوسة، وقد استخدمها الأطباء المسلمون لإجراء العمليات الجراحية وكانوا يخلطون نبات الشيكران والحشيش والأفيون، ثم تطوروا إلى إيجاد مواد للشم تسبب نوعاً من فقدان الوعي مع عدم الإحساس بالألم. وفي العمليات الجراحية الكبرى تستخدم مجموعة من الغازات مثل الهالوثين التي تؤدي إلى إفقاد الوعي بصورة كاملة مع إفقاد الإحساس وتوقف التنفس الطبيعي مما يستدعي إجراء التنفس بواسطة المنفسة. وتستخدم الباربيتورات السريعة المفعول جداً في العمليات الجراحية القصيرة أو كمادة بادئة ومساعدة لإفقاد الوعي، ومن أمثلتها أثلايوبنتال (Thiopental) وميثوهيكسيتال (methohexital) . ويستخدم التخدير الموضعي بحقن العصب أو الأعصاب المعينة بمادة من مشتقات الكوكايين مثل الليدوكايين والنوناكايين والبيرولوكايين والتتراكايين.. إلخ، ويمكن أن تستخدم أيضاً قطرات في العين، أو مرهم، أو حقنة موضعية في الجلد، أو النخاع الشوكي، أو مجموعة معينة من الأعصاب لإحداث الخدر ثم فقدان الإحساس بالكلية لمدة مؤقتة من الزمان، يعود بعدها الإحساس إلى سابق عهده. ولا يدخل موضوع التخدير من أجل العمليات الجراحية الموضعية والعامة في موضوع الاعتماد على العقاقير إلا نادراً عندما يصبح الطبيب أو الممرضة مدمنين لشم هذه الغازات.. أما متعاطيها من المرضى فيكاد يكون من المستحيل أن يصبح مدمناً لها.

стр. 13366

ولابد قبل إنهاء التعريف الأقرباذيني من توضيح الاعتماد على العقاقير وهو نوعان: الاعتماد النفسي: يسبب العقار لدى المتعاطي رغبة قوية في تكرار الجرعة وتعاطي العقار المعين، وقد تصل هذه الرغبة إلى درجة القهر بحيث تفرض على المتعاطي البحث عن العقار قبل البحث عن الطعام أو أي مطلب آخر. وهذا الاعتماد النفسي قد لا يكون مصحوباً بأي اعتماد جسدي، بحيث إن الشخص لو ترك هذا العقار لا تظهر عليه أي أعراض بدنية حادة مثل الإسهال والقيء، كما يحدث لدى سحب الأفيون ومشتقاته، أو الصرع والهذيان كما يحدث في سحب الغول (الخمور) والباربيتورات والتي تسبب اعتماداً نفسياً وجسدياً. وأشد أنواع العقاقير المسببة للاعتماد النفسي هو الكوكايين والكراك المشتق منه يليه النيكوتين الموجود في التبغ وحبوب الأمفيتامين المنبهة وجوزة الطيب والحشيش (الماريوانا، القنب الهندي، الكيف) .. يليهم القات، وفي آخر القائمة الكافيين الموجود في الشاي، والقهوة والكولا والكاكاو الموجود في الشيكولاتة. الاعتماد الجسدي: يعتبر الاعتماد الجسدي على العقاقير ظاهرة خطيرة جداً.. وعندما يتوقف الشخص فجأة عن تعاطي العقار المسبب للاعتماد الجسدي قد يؤدي ذلك إلى أضرار صحية خطيرة، وإن لم يتم معالجتها بدقة قد يلاقي الشخص حتفه بسببها.

стр. 13367

وأهم العقاقير التي تسبب الاعتماد الجسدي بالإضافة إلى الاعتماد النفسي هي مجموعتان: ١- الأفيون ومشتقاته: مثل الهروين والمورفين؛ وتأتي خطورة الهروين في سرعة تسبيبه للاعتماد (الإدمان) إذ تكفي ثلاث جرعات لتسبب الإدمان، على عكس المواد الأخرى التي تحتاج لتكرار الجرعة في وقت متقارب لإحداث الإدمان.. وإذا توقف شخص ما فجأة عن تعاطي الهروين أو المورفين لأي سبب كان فإن علامات سحب العقار Withdrawl Symptoms أو الامتناع Abstinence تظهر عليه.. حيث تبدأ الأعراض بالتثاؤب الشديد وانصباب اللعاب من الفم وانسكاب الدموع من المآقي، وزيادة إفرازات الأنف يصحبها عرق غزير بارد، ولا يلبث المصاب أن يدخل في مرحلة من النوم القلق المتوتر، ويصحو بشعور مرعب، ويتملكه الخوف من نوبات من الإحساس بالبرد يتناوبها إحساس بالحرارة.. وتتسع حدقة العين، وتحدث آلام شديدة في الساقين والقدمين.. ويتبع ذلك نوبات شديدة من الإسهال والقيء المتواصل حتى يفقد كثيراً من سوائل جسمه، فلا يستطيع الحراك، ويتبول ويتغوط ويقيء وهو في مكانه لا يستطيع الحركة ولا الذهاب إلى دورة المياه، فإذا لم تتم معالجته فإن نسبة من هؤلاء تلاقي حتفها في هذه الحالة الكريهة، إلا إذا حصل على حقنة أو جرعة من الهروين أو المورفين. ٢- الغول (الخمور) والباربيتورات: وتحتاج إلى فترة طويلة لإحداث الاعتماد (الإدمان) ، ولكن متى حدث الاعتماد فإن التوقف الفجائي عن العقار يؤدي إلى نوبات صرع وارتفاع في درجة الحرارة وهلوسات سمعية وبصرية وعنف، وقد يقتل المصاب من يجده بجانبه؛ لأنه يتوهم أنه يهاجمه فيدافع عن نفسه، وقد يقتل أطفاله وزوجته.. وتشتد الحالة حتى يزداد الصرع والتشنجات فيفقد وعيه وترتفع درجة حرارته جداً، ويتوفى في مثل هذه الحالة ما لم يتم علاجه أو يتناول العقار المسبب للإدمان. ابن حجر الهيتمي يوضح مشكلة الاعتماد على العقاقير وكيفية حلها: قال ابن عابدين في الحاشية (١) : (وقد سئل ابن حجر المكي الهيتمي عمن ابتلي بأكل نحو الأفيون وصار إن لم يأكل منه هلك؟ فأجاب: إن علم ذلك قطعاً حل له، بل وجب لاضطراره إلى بقاء روحه كالميتة للمضطر، ويجب عليه التدريج في تنقيصه شيئاً فشيئاً حتى يزول تولع المعدة به من غير أن تشعر (نتيجة لما يتركه التوقف المفاجئ للأفيون من أعراض خطيرة كالقيء والإسهال) ، فإن ترك ذلك فهو آثم فاسق، وقد وافقه على ذلك الرملي) .

стр. 13368

موقف الفقهاء القدماء من المخدرات والمفترات: إن المرء ليعجب أشد العجب من قدرة الفقهاء القدماء على فهم خصائص العقاقير المختلفة المسببة للاعتماد والتخدير والتفتير، وبالتالي إصدار الأحكام الدقيقة، وهم في ذلك قد فاقوا الفقهاء المعاصرين، رغم أن العلوم الطبية قد توسعت وتيسرت في العصر الحاضر بما لا يقاس عليه في العصور الخوالي. وقد جاء في فتح القدير أن عبد العزيز الترمذي قال: (سألت أبا حنيفة (النعمان) وسفيان الثوري) عن رجل شرب البنج فارتفع إلى رأسه فطلق امرأته، هل يقع؟) وقد أفتى الإمامان الجليلان بوقوع الطلاق إذا شربه عامداً. وقال الإمام السرخسي في كتابه المبسوط (وهو من أوسع كتب الفقه الحنفي) : (البنج لا بأس أن يتداوى به الإنسان، فإذا كان يذهب عقله منه فلا ينبغي أن يفعل ذلك) (١) وجاء في المغني لابن قدامة الحنبلي: (٢) (فأما إن شرب البنج ونحوه مما يزيل عقله عالماً به متلاعباً فحكمه حكم السكران في طلاقه) وقد نص ابن عابدين وغيره من الفقهاء على جواز استخدام نحو البنج والأفيون للأغراض الطبية، ويحرم السكر منها لأي غرض حتى ولو كان في الطبابة، كما يحرم تناولها للهو، ولو بكميات قليلة لا تغيب العقل، قال ابن عابدين: (وأما القليل فإن كان للهو فهو حرام) (٣)

стр. 13369

والبنح (بالفتح) نبات يسمى بالعربية الشيكران (السكران) يصدع ويسبت ويخلط العقل، وقد جاء في كتاب النباتات الطبية للدكتور فوزي طه قطب ما يلي: (السكران المصري: نبات السكران المصري الذي يطلق عليه أسماء محلية مختلفة، منها البنج المصري أو البنج الأبيض أو السكران، أو سم الفراخ، ويطلق عليه في ليبيا اسم القنقيط، والاسم العلمي لهذا النبات هو: هايوسايمس Hyoscyamous، ويتبع الفصيلة الباذنجانية Fam. Solanacae، ويستخرج منه القلويدات (Alkaloids) التالية: هيوسيامين Hyoscyamine وسكوبالامين Scopalamine وكلاهما يستخدم في الطب.. ويستخدم الهايوسيامين بصورة خاصة في أدوية المغص وأوجاع البطن وتعسر الطمث.. إلخ، ومنه الدواء المشهور بسكوبان، كما أن مادة السكوبالامين كانت تستخدم لإحداث ما يسمى نوم الشفق Twilight Sleer قبل إجراء العمليات ولإنقاص جرعة التخدير. وهناك نباتات مشابهة جداً لنبات السكران ومن فصيلته ومنها الداتورلا Datura (يطلق عليها أحياناً اسم الطاطورة) ، والبلادونا (ست الحسن) Belladona وكلاهما يستخدم في الطب على نطاق واسع جداً. وقد ذكر الفقهاء هذه النباتات ووصفوها وسموها بأسماء مختلفة مثل الداتورة والقبيسي (نسبة إلى جبل أبي قبيس في مكة المكرمة) ، والعريط، والجليجلة، حسب ما تعرف به في المنطقة التي تنبت فيها. ومما يزيد الأمور تعقيداً أن لفظ البنج يطلق (كما أشرنا من قبل) أيضاً على الحشيش ولفظة البنج bhang أو bhanga لفظة هندية قديمة، وهي تعني الغبار أو حبوب اللقاح، ولا يزال اسم بانجو يطلق على الحشيشة في السودان حتى اليوم، والحشيشة هي القنب الهندي ولها عشرات الأسماء مثل الكيف والماريوانا والبانجو والجانجا، والتكروري والحشيش والجنزفوري والحقبك والدقة والجريفا والجومبا واليامبا ... إلخ. وبصورة عامة فقد أباح الفقهاء استخدام البنج (السكران، الشيكران وأمثاله) في التداوي ومنعوا استخدامه للهو، وهو موقف حكيم ومتوازن وعليم بآثار هذه العقاقير.)

стр. 13370

وقد حرم الفقهاء الأجلاء استخدام هذه العقاقير والنباتات لغير الأغراض الطبية قال الخطابي: (المفتر: كل شراب يورث الفتور والخدر، وهو مقدمة السكر، وقد ((نهى رسول الله ﷺ عن شربه لئلا يكون ذريعة إلى السكر)) ، وذكر الحشيشة في المفتر، وقد قالت أم سلمة ﵂: ((نهى رسول الله ﷺ عن كل مسكر ومفتر)) ، أخرجه أبو داود في سننه وأحمد في مسنده.) وقال ابن رجب الحنبلي: (المفتر: هو كل مخدر للجسد، وإن لم ينته إلى حد الإسكار كالبنج ونحوه) . وقد حاول الإمام القرافي في كتابه الفروق وكتابه أنوار البروق (١) أن يفرق بين المواد المختلفة التي تؤثر على العقل فقسمها إلى ثلاثة أنواع: المسكرات والمفسدات والمرقدات. فالمسكر: ما غيب العقل دون الحواس مع نشوة وفرح، وأهم أمثلتها الخمر. والمفسد: ما غيب العقل دون الحواس؛ لا مع نشوة، كعسل البلاذر. والمرقد: ما غيب العقل والحواس كالشيكران. ثم قال: (وتنفرد المسكرات عن المرقدات والمفسدات بثلاثة أحكام: الحد والتنجيس، وتحريم اليسير، والمرقدات والمفسدات لا حد فيها ولا نجاسة، وإنما فيها التعزير) . وقد تابع الحطاب في كتابه مواهب الجليل (شرح الحطاب على متن خليل) تقسيمات الإمام القرافي إلا أنه اعتبر المسكرات أربعة: (الخمر والبنج والأفيون والجوزة (أي جوزة الطيب) بينما اعتبر القرافي الحشيشة من المفسدات.

стр. 13371

أما الإمام ابن تيمية وتابعة في ذلك الذهبي فقد اعتبر الحشيشة خمراً من ناحية الحد والنجاسة واعتبار القليل والكثير منها سواء، وكذلك اعتبرها ابن القيم والأمير الصنعاني ومن تابعهم من الفقهاء.) قال ابن تيمية في الفتاوى: (هذه الحشيشة الصلبة حرام، سواء سكر منها أم لم يسكر، والسكر منها حرام باتفاق المسلمين، ومن استحل ذلك وزعم أنه حلال فإنه يستتاب، فإن تاب وإلا قتل مرتداً، لا يصلى عليه ولا يدفن في مقابر المسلمين) . وقال في موضع آخر من الفتاوى: (فهذه الحشيشة الملعونة هي وآكلوها ومستحلوها مما تورثه هذه الملعونة من قلة الغيرة وزوال الحمية، حتى يصير آكلها إما ديوثاً، وإما مأبوناً، وإما كلاهما) .. وقال عنها في كتابه (السياسة الشرعية) : (إن الحشيشة حرام، يحد متناولها كما يحد شارب الخمر.. وهي داخلة فيما حرمه الله ورسوله في الخمر المسكر لفظاً ومعنى) . وهكذا يتضح الموقف بالنسبة للحشيشة فمن الفقهاء من أدخلها في المسكرات في جميع الأحكام (كالحد والنجاسة وحرمة قليلها وكثيرها) ، ومنهم من جعلها كالمفسد والمرقد والمفتر والمخدر وليس فيها الحد، بل التعزير، وهي طاهرة العين كالأفيون وغيره من المواد الصلبة غير المائعة. الأفيون: يستخرج الأفيون من ثمرة شجرة الخشخاش، وقد استخدم منذ أقدم العصور في الصين والهند ومصر القديمة واليونان.. واستخدمه الأطباء العرب والمسلمون، وقد أباح أغلب الفقهاء المسلمين استخدام الأفيون في الأغراض الطبية، ومنعوا استعماله لمجرد اللهو، واعتبروا ذلك حراماً موجباً للتعزير في الدنيا ويأثم متناوله عند الله. وكانت بذور الخشخاش تستخدم في أرجاء العالم الإسلامي لترقيد الأطفال ولإزالة المغص، كما كان يستخدم مع الحبة السوداء في العيش (الخبز) إلى عهد قريب جداً في كثير من البلدان، ومنها مكة المكرمة، كما استخدم في أنواع المعجنات وغيرها من الكعك، ورغم ذلك فقد صنف بعض الفقهاء الأفيون وجعلوه ضمن المسكرات، ومنهم الحطاب كما قد مر معنا حيث قال في كتابه مواهب الجليل بشرح الحطاب على متن خليل: (المسكرات أربعة: الخمر والبنج والأفيون والجوزة (يقصد جوزة الطيب) ولا يقصدون بلفظ المسكر هاهنا الذي له اللذة المطربة كالخمر، بل المقصود غياب العقل.

стр. 13372

وقد تحدث ابن عابدين في الحاشية عن الأفيون ونقل ما ذكره داود الأنطاكي في تذكرته فقال: (١) (الأفيون: هو عصارة الخشخاش يكرب ويسقط الشهوتين (أي شهوة الجماع وشهوة الطعام وهو حق) إذا تمودي عليه، ويقتل إلى درهمين (الدرهم وحدة وزن تساوي ٣.٢ جم) ، ومتى زاد أكله على أربعة أيام ولاءً (أي متتالية) اعتاده (أي صار مدمناً له) ، بحيث يفضي تركه إلى موته (قد يؤدي سحب الأفيون فجأة إلى الوفاة، وهو أمر نادر بالنسبة للأفيون ولكنه غير نادر بالنسبة للهيروين والمورفين المشتقة منه والأقوى منه بعشرات المرات) ؛ لأنه يخرق الأغشية خروقاً لا يسدها غيره (هكذا توهم الأقدمون بسبب ما يحدثه تركه من قيء وإسهال شديدين) وقد سئل ابن حجر المكي الهيتمي عمن ابتلي بأكل نحو الأفيون وصار إن لم يأكل منه هلك، فأجاب بالإباحة بل بالوجوب كما تقدم معنا، ولكن لابد له من تنقيصه شيئاً فشيئاً، وهي نظرة عميقة صحيحة حيث إن مداواة المدمن تكون بتقليل الجرعة واستخدام دواء أقل تسبيباً في الإدمان. وقد أباح أغلب الفقهاء استعمال الأفيون في التداوي بالقدر الذي لا يذهب العقل، وحرموا استخدامه للهو وجعلوا فيه التعزير. وعدد ابن حجر الهيتمي المكي في كتابه الزواجر مضار الأفيون بعد أن ذكر مضار الحشيشة، وقد أصاب عندما قال: إن الأفيون أشد ضرراً منها. (٢)

стр. 13373

استخدام الأفيون ومشتقاته في الطب الحديث: يحتوي الأفيون المستخرج من ثمرة نبات الخشخاش على مجموعة كبيرة من القلويدات Alkaloids وتشكل ٢٥ بالمئة من وزن الأفيون، ويبلغ عددها ٢٥ قلويداً ويستخدم بعضها في الطب، ويمكن تقسيمها إلى مجموعتين: أ- مجموعة الفينانثرين Phenanthrene: وتحتوي على المواد التالية: ١- المورفين: ويشكل ١٠ بالمئة تقريباً من وزن الأفيون الخام.. ويعتبر المورفين المادة الأساسية الفعالة في الأفيون.. ويعتبر أقوى مسكن للألم عرفه الإنسان في تاريخه الطويل مع العقاقير، ورغم اكتشاف عدة مواد كيماوية قد يكون لبعضها أضعاف آثار المورفين إلا أن المورفين لا يزال يشكل حجر الزاوية في علاج الآلام الشديدة، وتقاس فاعلية المواد الأخرى المصنعة عادة من مشتقات المورفين، بفاعلية المورفين. ٢- الكودايين: ويشكل ما بين نصف وواحد بالمئة من وزن الأفيون.. ويستخدم هذا العقار على نطاق واسع في الأدوية المسكنة المنتشرة، والتي تستخدم بدون وصفة طبية، فعلى سبيل المثال تحتوي أقراص الفيجانين على ٨ مليجرامات من الكودايين في كل قرص، ويحتوي قرص الريفاكود على ١٠ مليجرامات وتحتوي أدوية السعال والكحة على ٧ إلى ١٠ مليجرامات في كل ملعقة شاي من الدواء. وكذلك يحتوي قرص ABC المسكن على ٨ مليجرامات من الكودايين، ومثلها أقراص كوديس.. إلخ. ٣- الثيبايين: ويشكل نسبة ضئيلة من وزن الأفيون، ويستخرج من مواد أخرى تستخدم منه في الطب. ب- مجموعة ايزوبنزيل كونيولين Isobenzyl Quinoline: وهذه المجموعة لا تسبب إدماناً ولا تسكيناً للألم، وتستخرج منها بعض المواد المستخدمة في الطب وأهمها مادتان: البابافرين Papaverine الذي يستخدم لمنع تقلصات العضلات ولتوسيع الأوعية الدموية، والثاني: النوسكابين Nuscapine الذي يستخدم في أدوية السعال، وهو يعتبر أفضل من الكودايين لأنه لا يسبب الاعتماد عليه.

стр. 13374

وقد كاد الأفيون والمورفين يستخدمان على نطاق واسع جداً في المجال الطبي فعلى سبيل المثال نجد القانون المصري رقم ١٨٢ لعام ١٩٦٠ يسمح باستخدام قائمة طويلة جداً من العقاقير المحتوية على الأفيون والمورفين، والتي لم يعد الطب اليوم يستعملها فيها لعدم الحاجة الحقيقية لها ولاستبدالها بعقاقير بعيدة عن تسبيب الاعتماد (الإدمان) وعلى سبيل المثال نذكر منها لبوس يودفورم مع المورفين، لصقة الأفيون، مروخ الأفيون، عجائن كاوية تحتوي على أملاح المورفين والكوكايين والزرنيخ، حبوب مضادة للإسهال تحتوي على مسحوق الأفيون وخلات الرصاص والبزموت، حبوب لأمراض القلب مكونة من مسحوق الأفيون ومسحوق أوراق الديجيتالا، حبوب الزئبق مع الأفيون، حبوب عرق الذهب مع بصل العنصل والأفيون، حبوب الرصاص مع الأفيون.. أقراص مضادة للزكام مكونة من مسحوق الأفيون وكبريتات الكينين والكافور والنشادر، أقراص مضادة للإسهال؛ مسحوق الأفيون، مسحوق عرق الذهب، كافور وخلات الرصاص.. إلخ، وتمضي القائمة الطويلة لتذكر ٣٥ عقاراً مركباً يحتوي كل واحد منها على الأفيون أو المورفين. وقامت الصناعة الدوائية بتصنيع الهروين (ثنائي خلات المورفين) من المورفين الذي تبلغ قوته ٣٠- ٤٠ ضعف قوة الأفيون الخام.. واكتشف الأطباء بعد فترة، خطورة هذه المادة في تسبيب الإدمان، وأخيراً ألغتها منظمة الصحة العالمية وكتب علم الأدوية والعقاقير من الاستخدام لخطورتها.. ولم تعد الصناعة الدوائية تصنعها وإنما تحولت صناعتها وترويجها إلى عصابات المخدرات. ولا يزال المورفين يستخدم في الطب لمعالجة الآلام الشديدة الناتجة عن الكسور والجروح والحروق في الحوادث والحروب ولآلام جلطات القلب ولمداواة الآلام الناتجة عن السرطان، ويتحدث الكتاب المرجع في المعالجة الطبية لألستيد (١) عن استخدام المورفين في الطب الحديث فيقول: (إذا لم يكن هناك مانع طبي مثل وجود فشل في الرئتين، أو فشل في وظائف الكبد، فإن على الطبيب أن لا يخاف من إعطاء المريض الذي يعاني من آلام مبرحة الكمية الكافية والمطلوبة لتسكين الألم من المورفين، إن التردد وعدم إعطاء الجرعات الكافية من المورفين لمريض يعاني من آلام مبرحة هو خطأ فادح يرتكبه الطبيب المعالج)

стр. 13375

ويعتبر المورفين من أفضل، بل أفضل العقاقير المستخدمة لإسكات الألم، ومما يمتاز به المورفين عن غيره أنه يسكت الإحساس بالألم دون أن يؤثر على الوعي والأحاسيس الأخرى الجلدية، ولا على السمع والبصر والشم والذوق، بشرط أن يكون ذلك في حدود الجرعة الطبية، أما إذا زادت الجرعة فإن التأثير يمتد ليشمل هذه الأحاسيس المختلفة كما يشمل أيضاً درجة الوعي. وهناك مجموعة من العقاقير المخدرة (المسكنة للألم) Narcotic مصنعة من المورفين أو الكودايين بالإضافة إلى بعض المواد الأخرى ومثالها الجدول الآتي: (١) اسم المادة قوة تسكين الألم مدة التأثير بالساعات المورفين ١٠٠ ٣-٤ ساعات ليثورفان ٣٣٠-٥٠٠ ٤-٥ ساعات بنتازوسين ٥٠٠ ٤-٥ ساعات الميثادون ١٠٠-١٣٠ ٣-٤ ساعات ميبريدين (بيثوين) ١٠ ١-٢ ساعة فينوبيريدين ٧٠٠-١٥٠٠ ١-٢ ساعة فينتانيل Fentanyl ٥٠٠٠-١٠٠٠٠ ١-٥ ساعات ايتورفين Etorphine ٤٠٠٠٠ سريع المفعول جداً وتعمل هذه المواد المصنعة مثل المورفين من حيث إسكات الألم ولها نفس الأعراض الجانبية، وتسبب الإدمان إذا تعاطاها الإنسان بجرعات متتالية. وهناك عقاقير عدة من مشتقات الكودايين وتستخدم أساساً في المسكنات الخفيفة وفي أدوية الكحة، وتختلف خصائصها الأقرباذينية التفصيلية لتلائم الحاجات المرضية والدوائية (٢)
следующие страницы →