← Фикх общий

Фикх общий · id 8356

مجلة مجمع الفقه الإسلامي

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (22 276 стр.). Показаны 13371–13410 · переход к 13376.

стр. 13371

أما الإمام ابن تيمية وتابعة في ذلك الذهبي فقد اعتبر الحشيشة خمراً من ناحية الحد والنجاسة واعتبار القليل والكثير منها سواء، وكذلك اعتبرها ابن القيم والأمير الصنعاني ومن تابعهم من الفقهاء.) قال ابن تيمية في الفتاوى: (هذه الحشيشة الصلبة حرام، سواء سكر منها أم لم يسكر، والسكر منها حرام باتفاق المسلمين، ومن استحل ذلك وزعم أنه حلال فإنه يستتاب، فإن تاب وإلا قتل مرتداً، لا يصلى عليه ولا يدفن في مقابر المسلمين) . وقال في موضع آخر من الفتاوى: (فهذه الحشيشة الملعونة هي وآكلوها ومستحلوها مما تورثه هذه الملعونة من قلة الغيرة وزوال الحمية، حتى يصير آكلها إما ديوثاً، وإما مأبوناً، وإما كلاهما) .. وقال عنها في كتابه (السياسة الشرعية) : (إن الحشيشة حرام، يحد متناولها كما يحد شارب الخمر.. وهي داخلة فيما حرمه الله ورسوله في الخمر المسكر لفظاً ومعنى) . وهكذا يتضح الموقف بالنسبة للحشيشة فمن الفقهاء من أدخلها في المسكرات في جميع الأحكام (كالحد والنجاسة وحرمة قليلها وكثيرها) ، ومنهم من جعلها كالمفسد والمرقد والمفتر والمخدر وليس فيها الحد، بل التعزير، وهي طاهرة العين كالأفيون وغيره من المواد الصلبة غير المائعة. الأفيون: يستخرج الأفيون من ثمرة شجرة الخشخاش، وقد استخدم منذ أقدم العصور في الصين والهند ومصر القديمة واليونان.. واستخدمه الأطباء العرب والمسلمون، وقد أباح أغلب الفقهاء المسلمين استخدام الأفيون في الأغراض الطبية، ومنعوا استعماله لمجرد اللهو، واعتبروا ذلك حراماً موجباً للتعزير في الدنيا ويأثم متناوله عند الله. وكانت بذور الخشخاش تستخدم في أرجاء العالم الإسلامي لترقيد الأطفال ولإزالة المغص، كما كان يستخدم مع الحبة السوداء في العيش (الخبز) إلى عهد قريب جداً في كثير من البلدان، ومنها مكة المكرمة، كما استخدم في أنواع المعجنات وغيرها من الكعك، ورغم ذلك فقد صنف بعض الفقهاء الأفيون وجعلوه ضمن المسكرات، ومنهم الحطاب كما قد مر معنا حيث قال في كتابه مواهب الجليل بشرح الحطاب على متن خليل: (المسكرات أربعة: الخمر والبنج والأفيون والجوزة (يقصد جوزة الطيب) ولا يقصدون بلفظ المسكر هاهنا الذي له اللذة المطربة كالخمر، بل المقصود غياب العقل.

стр. 13372

وقد تحدث ابن عابدين في الحاشية عن الأفيون ونقل ما ذكره داود الأنطاكي في تذكرته فقال: (١) (الأفيون: هو عصارة الخشخاش يكرب ويسقط الشهوتين (أي شهوة الجماع وشهوة الطعام وهو حق) إذا تمودي عليه، ويقتل إلى درهمين (الدرهم وحدة وزن تساوي ٣.٢ جم) ، ومتى زاد أكله على أربعة أيام ولاءً (أي متتالية) اعتاده (أي صار مدمناً له) ، بحيث يفضي تركه إلى موته (قد يؤدي سحب الأفيون فجأة إلى الوفاة، وهو أمر نادر بالنسبة للأفيون ولكنه غير نادر بالنسبة للهيروين والمورفين المشتقة منه والأقوى منه بعشرات المرات) ؛ لأنه يخرق الأغشية خروقاً لا يسدها غيره (هكذا توهم الأقدمون بسبب ما يحدثه تركه من قيء وإسهال شديدين) وقد سئل ابن حجر المكي الهيتمي عمن ابتلي بأكل نحو الأفيون وصار إن لم يأكل منه هلك، فأجاب بالإباحة بل بالوجوب كما تقدم معنا، ولكن لابد له من تنقيصه شيئاً فشيئاً، وهي نظرة عميقة صحيحة حيث إن مداواة المدمن تكون بتقليل الجرعة واستخدام دواء أقل تسبيباً في الإدمان. وقد أباح أغلب الفقهاء استعمال الأفيون في التداوي بالقدر الذي لا يذهب العقل، وحرموا استخدامه للهو وجعلوا فيه التعزير. وعدد ابن حجر الهيتمي المكي في كتابه الزواجر مضار الأفيون بعد أن ذكر مضار الحشيشة، وقد أصاب عندما قال: إن الأفيون أشد ضرراً منها. (٢)

стр. 13373

استخدام الأفيون ومشتقاته في الطب الحديث: يحتوي الأفيون المستخرج من ثمرة نبات الخشخاش على مجموعة كبيرة من القلويدات Alkaloids وتشكل ٢٥ بالمئة من وزن الأفيون، ويبلغ عددها ٢٥ قلويداً ويستخدم بعضها في الطب، ويمكن تقسيمها إلى مجموعتين: أ- مجموعة الفينانثرين Phenanthrene: وتحتوي على المواد التالية: ١- المورفين: ويشكل ١٠ بالمئة تقريباً من وزن الأفيون الخام.. ويعتبر المورفين المادة الأساسية الفعالة في الأفيون.. ويعتبر أقوى مسكن للألم عرفه الإنسان في تاريخه الطويل مع العقاقير، ورغم اكتشاف عدة مواد كيماوية قد يكون لبعضها أضعاف آثار المورفين إلا أن المورفين لا يزال يشكل حجر الزاوية في علاج الآلام الشديدة، وتقاس فاعلية المواد الأخرى المصنعة عادة من مشتقات المورفين، بفاعلية المورفين. ٢- الكودايين: ويشكل ما بين نصف وواحد بالمئة من وزن الأفيون.. ويستخدم هذا العقار على نطاق واسع في الأدوية المسكنة المنتشرة، والتي تستخدم بدون وصفة طبية، فعلى سبيل المثال تحتوي أقراص الفيجانين على ٨ مليجرامات من الكودايين في كل قرص، ويحتوي قرص الريفاكود على ١٠ مليجرامات وتحتوي أدوية السعال والكحة على ٧ إلى ١٠ مليجرامات في كل ملعقة شاي من الدواء. وكذلك يحتوي قرص ABC المسكن على ٨ مليجرامات من الكودايين، ومثلها أقراص كوديس.. إلخ. ٣- الثيبايين: ويشكل نسبة ضئيلة من وزن الأفيون، ويستخرج من مواد أخرى تستخدم منه في الطب. ب- مجموعة ايزوبنزيل كونيولين Isobenzyl Quinoline: وهذه المجموعة لا تسبب إدماناً ولا تسكيناً للألم، وتستخرج منها بعض المواد المستخدمة في الطب وأهمها مادتان: البابافرين Papaverine الذي يستخدم لمنع تقلصات العضلات ولتوسيع الأوعية الدموية، والثاني: النوسكابين Nuscapine الذي يستخدم في أدوية السعال، وهو يعتبر أفضل من الكودايين لأنه لا يسبب الاعتماد عليه.

стр. 13374

وقد كاد الأفيون والمورفين يستخدمان على نطاق واسع جداً في المجال الطبي فعلى سبيل المثال نجد القانون المصري رقم ١٨٢ لعام ١٩٦٠ يسمح باستخدام قائمة طويلة جداً من العقاقير المحتوية على الأفيون والمورفين، والتي لم يعد الطب اليوم يستعملها فيها لعدم الحاجة الحقيقية لها ولاستبدالها بعقاقير بعيدة عن تسبيب الاعتماد (الإدمان) وعلى سبيل المثال نذكر منها لبوس يودفورم مع المورفين، لصقة الأفيون، مروخ الأفيون، عجائن كاوية تحتوي على أملاح المورفين والكوكايين والزرنيخ، حبوب مضادة للإسهال تحتوي على مسحوق الأفيون وخلات الرصاص والبزموت، حبوب لأمراض القلب مكونة من مسحوق الأفيون ومسحوق أوراق الديجيتالا، حبوب الزئبق مع الأفيون، حبوب عرق الذهب مع بصل العنصل والأفيون، حبوب الرصاص مع الأفيون.. أقراص مضادة للزكام مكونة من مسحوق الأفيون وكبريتات الكينين والكافور والنشادر، أقراص مضادة للإسهال؛ مسحوق الأفيون، مسحوق عرق الذهب، كافور وخلات الرصاص.. إلخ، وتمضي القائمة الطويلة لتذكر ٣٥ عقاراً مركباً يحتوي كل واحد منها على الأفيون أو المورفين. وقامت الصناعة الدوائية بتصنيع الهروين (ثنائي خلات المورفين) من المورفين الذي تبلغ قوته ٣٠- ٤٠ ضعف قوة الأفيون الخام.. واكتشف الأطباء بعد فترة، خطورة هذه المادة في تسبيب الإدمان، وأخيراً ألغتها منظمة الصحة العالمية وكتب علم الأدوية والعقاقير من الاستخدام لخطورتها.. ولم تعد الصناعة الدوائية تصنعها وإنما تحولت صناعتها وترويجها إلى عصابات المخدرات. ولا يزال المورفين يستخدم في الطب لمعالجة الآلام الشديدة الناتجة عن الكسور والجروح والحروق في الحوادث والحروب ولآلام جلطات القلب ولمداواة الآلام الناتجة عن السرطان، ويتحدث الكتاب المرجع في المعالجة الطبية لألستيد (١) عن استخدام المورفين في الطب الحديث فيقول: (إذا لم يكن هناك مانع طبي مثل وجود فشل في الرئتين، أو فشل في وظائف الكبد، فإن على الطبيب أن لا يخاف من إعطاء المريض الذي يعاني من آلام مبرحة الكمية الكافية والمطلوبة لتسكين الألم من المورفين، إن التردد وعدم إعطاء الجرعات الكافية من المورفين لمريض يعاني من آلام مبرحة هو خطأ فادح يرتكبه الطبيب المعالج)

стр. 13375

ويعتبر المورفين من أفضل، بل أفضل العقاقير المستخدمة لإسكات الألم، ومما يمتاز به المورفين عن غيره أنه يسكت الإحساس بالألم دون أن يؤثر على الوعي والأحاسيس الأخرى الجلدية، ولا على السمع والبصر والشم والذوق، بشرط أن يكون ذلك في حدود الجرعة الطبية، أما إذا زادت الجرعة فإن التأثير يمتد ليشمل هذه الأحاسيس المختلفة كما يشمل أيضاً درجة الوعي. وهناك مجموعة من العقاقير المخدرة (المسكنة للألم) Narcotic مصنعة من المورفين أو الكودايين بالإضافة إلى بعض المواد الأخرى ومثالها الجدول الآتي: (١) اسم المادة قوة تسكين الألم مدة التأثير بالساعات المورفين ١٠٠ ٣-٤ ساعات ليثورفان ٣٣٠-٥٠٠ ٤-٥ ساعات بنتازوسين ٥٠٠ ٤-٥ ساعات الميثادون ١٠٠-١٣٠ ٣-٤ ساعات ميبريدين (بيثوين) ١٠ ١-٢ ساعة فينوبيريدين ٧٠٠-١٥٠٠ ١-٢ ساعة فينتانيل Fentanyl ٥٠٠٠-١٠٠٠٠ ١-٥ ساعات ايتورفين Etorphine ٤٠٠٠٠ سريع المفعول جداً وتعمل هذه المواد المصنعة مثل المورفين من حيث إسكات الألم ولها نفس الأعراض الجانبية، وتسبب الإدمان إذا تعاطاها الإنسان بجرعات متتالية. وهناك عقاقير عدة من مشتقات الكودايين وتستخدم أساساً في المسكنات الخفيفة وفي أدوية الكحة، وتختلف خصائصها الأقرباذينية التفصيلية لتلائم الحاجات المرضية والدوائية (٢)

стр. 13376

البرش: قال ابن عابدين في الحاشية: (١) (البرش هو شيء مركب من البنج (الشيكران) والأفيون وغيرهما، وفي تذكرة داود أنه يفسد البدن والعقل، ويسقط الشهوتين (أي الطعام والجماع) ، ويفسد اللون، وينقص القوى، وينهك البدن) . ولذا يحرم تناوله لمجرد اللهو وفيه التعزير، ويجوز استخدامه بقدر لا يسكر في الطب لتسكين الألم أو لإجراء العملية الجراحية. جوزة الطيب: تنبه الفقهاء الأجلاء الأقدمون إلى الخصائص الأقرباذينية لجوزة الطيب (الجوزة، الجوزاء، جوزة بابل) Nutmeg واسمها العلمي Myristica Fragrans وتتبع الفصيلة البسباسة Fam. Myristicacae وتعتبر من نباتات المناطق الحارة، وموطنها الأصلي ماليزيا وإندونيسيا وسيلان. وقد عرف العرب هذا النبات واستعملوا بذوره في إصلاح الطعام، وفي الأغراض الطبية، ولزيادة الرغبة والنشاط الجنسي، وهم الذين أدخلوه إلى أوربا في القرن الثاني عشر الميلادي. ويحتوي الزيت الطيار الموجود في البذرة على مادة الميريستسين Myristicin وهي مادة مفترة وتزيد من النشاط الجنسي، أما إذا زادت الجرعة فقد تكون سماً قاتلاً بسبب تأثيرها على الكبد، وتسبب الاعتماد عليها (الإدمان) إذا تكرر استخدامها، وذكر سيدني سميث (٢) عام ١٩٦٥ أن جوزة الطيب بكميات كبيرة نسبياً تؤدي إلى أعراض مماثلة لتأثير الحشيش! ويقول المرجع الطبي جودمان وجلمان في علم العقاقير: (٣) (إنه إذا تم استخدام جوزتي طيب دفعة واحدة فإن ذلك يؤدي إلى خدر الأطراف ونوع من الهلوسة أو عدم الشعور بحقيقة الأشياء، وكثيراً ما تحدث نوبات هياج وخوف يصحبها خفقان في القلب، مع جفاف الجلد وهي أعراض مشابهة لأعراض التسمم بالبلادونا) .

стр. 13377

وقد جعلها بعض الفقهاء في المسكرات كما تقدم معنا من كلام الحطاب في كتابه مواهب الجليل بشرح الحطاب على متن خليل حيث قال: (المسكرات أربعة: الخمر والبنج والأفيون والجوزة) (١) وقال عنها: إنها مال غير متقوم. ونص ابن عابدين في الحاشية على تحريم أكل الكثير من جوزة الطيب والعنبر والزعفران؛ لأن هذه الأشياء مسكرة، والمراد بالإسكار تغطية العقل لا مع الشدة المطربة. وقال ابن حجر المكي الهيتمي في كتابه فتح الجواد بشرح الإرشاد: (خرج بالمسكر مزيل العقل من غير الأشربة، كالبنج (الشيكران) ، والحشيشة، والأفيون، وجوزة الطيب، فإنه وإن حرم لكن فيه التعزير فقط إذ ليس فيه شدة مطربة) . وقال ابن حجر في كتابه الزواجر: (إن ما ذكرته في الجوزة من حرمة تعاطيها هو ما أفتيت به قديماً، وأفتى ابن دقيق العيد بأن الجوزة مسكرة) . ورغم اتفاق الفقهاء على حرمة تناول الكثير منها المسبب للإسكار أو التخدير إلا أنهم لم يتفقوا على حرمة القليل منها الذي يستخدم لإصلاح الطعام.. وقد كانت تستخدم في معظم البيوت في العالم الإسلامي لهذا الغرض، وأباح ذلك بعض الفقهاء ومنع آخرون.

стр. 13378

الزعفران: الزعفران Saffron مادة ذهبية اللون تستخرج من ميسم زهرة نبات الزعفران الحمراء المعروفة علمياً باسم Cyrocws Sativus وهي تستخدم في إصلاح الطعام، وفي الطب الشعبي، (الطب القديم) وكمادة ملونة، كما تستخدم كمخدر كما تذكره دائرة المعارف البريطانية (١) وقد ذكر الملك المظفر يوسف بن عمر الرسولي (ملك اليمن) في كتابه (المعتمد في الأدوية المفردة) خصائص الزعفران وأنه: (يهيج الباءة، ويساعد على الهضم، ويذهب بالغازات، ويساعد على الولادة وتعسر نزول المشيمة. والزائد على الدرهم (٢.٣ جم) سم قاتل، وثلاثة مثاقيل تقتل بالتفريح (تسبب ما يعرف في الطب حالة جذل مرضي Euphoria) ، وهو يسكر سكراً شديداً إذا جعل في الشراب، ويفرح حتى إنه يأخذ منه مثل الجنون) . وقد صدق في وصفه ذلك، وتؤكده المصادر الطبية الحديثة، مثل مرجع جلمان وجولدمان، ودائرة المعارف البريطانية، ودائرة المعارف المخدرات (الأمريكية) . والعجيب أن ابن حجر المكي الهيتمي أدرك خصائصه في كتابه (الزواجر) وجعله ضمن الكبائر (الكبيرة السبعون بعد المئة) ، بعد أن ذكر الحشيشة والبنج والجوزة، ومثله العنبر، واعتبر استعمالها للهو حرام. والغريب حقاً أن بحث رئاسة إدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد بالمملكة العربية السعودية في بحثهم المقدم إلى المؤتمر السادس للمخدرات بالرياض (٢) أنكر على ابن حجر إيراده الزعفران والعنبر ضمن المخدرات. قال: (ولكنه (أي ابن حجر) لم يوفق كل التوفيق في إيراد الزعفران بينها (أي بين المخدرات) لأن الزعفران لا يخدر) والواقع أن ابن حجر كان مصيباً ومدركاً لخصائص هذه العقاقير.

стр. 13379

العنبر Ambergris: وهو من أفخر أنواع الطيب كما يقول ابن القيم في الطب النبوي.. وذكر اختلاف الناس في أصله فقال طائفة: إنه نبات ينبت في قعر البحر فيبتلعه بعض دوابه، فإذا ثملت منه قذفته، وقيل: روث دابة بحرية، وقيل: ينبع من عين في البحر، وهو ما مال إليه ابن سينا في القانون. والصحيح أنه مادة تفرزها أمعاء الحوت Whale (وهو المعروف بالعنبر، والذي وجده أبو عبيدة وأصحابه في غزاة كما ذكر البخاري في صحيحه) .. وتذكر دائرة المعارف البريطانية ودائرة معارف المخدرات العنبر Ambergris، وأنه مادة يفرزها الحوت من أمعائه فتوجد طافية على البحر في المناطق الاستوائية.. ويوجد منه في سواحل سقطرى من حين لآخر (سقطرى جزيرة جنوب المهرة وحضرموت وتتبع محافظة عدن من اليمن) . وقد ذكر الملك المظفر الرسولي ملك اليمن العنبر في كتابه (المعتمد في الأدوية المفردة) وعرف خصائصه الأقرباذينية، وفوائده الطبية العديدة، وأنه نافع من أوجاع المعدة ومن الرياح الغليظة، ومن السدد، ومن الشقيقة والصداع والفالج (الشلل) واللقوة (شلل العصب الوجهي Facial palsy) والكزاز (التتانوس) ، فينتفعون بشمه.. (و) إن طرح منه شيء في قدح وشربه إنسان سكر سريعاً (. وتؤكد دائرة المعارف البريطانية أن العنبر بكميات كبيرة نسبياً يسبب نوعاً من السكر وفقدان القدرات العقلية الدقيقة، ويحدث نشوة وتفريحاً (١) Euphoria. الخلاصة: وخلاصة القول أن أكثر الفقهاء الأقدمين قد اتفقوا على الآتي: ١- حرمة استخدام المواد الصلبة والنباتات المؤدية إلى اختلاط العقل وتشوش الذهن، وقد أباحها كثير من الفقهاء في الدواء بالقدر الذي لا يسكر، وأن يصف ذلك طبيب مسلم، عدل، وأن لا يوجد بديل لها من العقاقير الأخرى.

стр. 13380

٢- أن المواد الصلبة والنباتات طاهرة العين، على خلاف السائلة فهي نجسة العين وإن اشتركا جميعاً في صفة الإسكار، ولا تبطل الصلاة بحملها. ٣- أن تناول القليل من هذه المواد المسببة لاختلاط العقل من أجل اللهو حرام وإن لم يسكر ذلك القليل. ٤- يجوز استعمال الزعفران والعنبر وجوزة الطيب بكميات ضئيلة لإصلاح الطعام. ٥- يجوز استخدام هذه المواد كلها في التداوي إذا كان القدر المستخدم غير مسكر ووصف ذلك طبيب مسلم ثقة عدل ولم يكن ثمة دواء آخر يقوم مقامها. ٦- لا يجب الحد في تناول هذه المواد للهو وإنما يجب التعزير. ٧- تعتبر مالاً متقوماً. ٨- يجوز تناول ما يزيل العقل من غير الأشربة لقطع عضو. أما الأشربة فلا يجوز إلا إن لم يجد غيرها فيجوز. وقد مال ابن تيمية ﵀ وتبعه آخرون إلى إفراد الحشيشة بأحكام الخمر كلها من حيث النجاسة، والحد، وحرمة القليل الذي لا يسكر، ولا يجوز استخدامها للدواء، بينما قال آخرون: إن الحشيشة طاهرة العين وفيها التعزير ولا الحد، واتفقوا على حرمة تعاطيها. موقف الفقهاء المحدثين: تتابعت فتاوى الفقهاء الأجلاء في العصر الحديث في تحريم المخدرات وزراعتها وتسويقها وتعاطيها. وقد جاء في فتوى مفتي الديار المصرية الشيخ جاد الحق علي جاد الحق (شيخ الأزهر حالياً) أنه لا يحل التداوي بالمحرمات إلا عند تعينها دواء وعدم وجود مباح سواها، وتستخدم بقدر الضرورة.. وهو موقف سليم. وقد مال فضيلة المفتي إلى اعتبار جميع المخدرات الجامدة وغيرها مسكرة وأعطاها حكم الخمر.. (١) وهو حكم مختلف فيه كما سبق الإشارة إليه.. والغريب أن القوانين في البلاد الإسلامية عربية وأعجمية تبيح الخمر وتعاقب على المخدرات عقوبات تصل إلى الإعدام. وهو موقف غريب وشاذ ومصادم للعلم والطب والدين والعقل.

стр. 13381

وفي مسألة التداوي بالمخدرات قال فضيلة المفتي: (وقد اختلف الفقهاء في جواز التداوي بالمحرم، والصحيح من آرائهم هو ما يلتقي مع قول الله تعالى في الآيات البينات، بملاحظة أن إباحة المحرم للضرورة مقصورة على القدر الذي يزول به الضرر، وتعود به الصحة ويتم به العلاج. وللتثبت من توافر هذه الضوابط اشترط الفقهاء الذين أباحوا التداوي بالمحرم شرطين: أحدهما: أن يتعين التداوي بالمحرم بمعرفة طبيب مسلم خبير بمهنة الطب، معروف بالصدق والأمانة والتدين. والآخر أن لا يوجد دواء من غير المحرم ليكون التداوي بالمحرم متعيناً، ولا يكون القصد من تناوله التحايل لتعاطي المحرم، وألا يتجاوز به قدر الضرورة..) . وفي موضع آخر من كتاب الفتاوى المسألة ١٣٠٧، (١) يقول فضيلته: ١- كل شراب من شأنه الإسكار بتعاطيه يكون خمراً محرماً بالقرآن الكريم والسنة الشريفة، ولو كان تعاطيه عن طريق الحقن. ٢- يجوز للضرورة التداوي بالمحرم إذا تعين دواء بقول طبيب حاذق مسلم أمين. وانتهى إلى القول: (فإذا كان الدواء المخدر الذي تتعاطاه السيدة المسؤول عنها لا بديل له من الأدوية التي تخلو من المخدرات أو المحرمات عموماً، جاز لها أن تتناوله ما دام قد نصح الطبيب المسلم الموثوق بدينه وعلمه بنفعه لها وانعدام بديله، فقد قال سبحانه في ختام آية المحرمات: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: ١٧٣] والله أعلم) . وقد جاء في بحث رئاسة إدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد بالمملكة العربية السعودية بعنوان (نظرة الشريعة الإسلامية إلى المخدرات) : (٢) إن المخدرات حكمها حكم الخمر من حيث حرمة التعاطي قليلاً أو كثيراً، ومن وجوب الحد، والنجاسة، وعدم جواز تعاطيها للدواء!!.

стр. 13382

والغريب حقاً أن كثيراً من الفقهاء يستعمل أدوية المغص وأوجاع البطن مع أنها مستخرجة من الشيكران (البنج) ، ويستخدمون الأدوية المسكنة حتى بدون وصفة طبية مثل الريفوكود والـ APC والفيجانين وغيرها، وكلها تحتوي على الكودايين وهو من مشتقات الأفيون، ويستخدمون الأدوية المهدئة وغيرها وهي تدخل في قوائم المخدرات الرسمية.. ويستخدمون في طعامهم الزعفران، وبعضهم يستخدم جوزة الطيب أو العنبر وهو من أفخر الطيب ويدخل في تركيبها مع المسك. والزعفران والعنبر وجوزة الطيب كلها تدخل ضمن المواد المخدرة والمغيرة للحالة العقلية.. وتحريمها على الإطلاق أمر ينافي العقل وأغراض الطب والشرع. ولا شك أنها تحرم عندما تستخدم بالقدر المسكر ولأغراض اللهو. أما إذا استخدمت للتداوي أو لإصلاح الطعام أو في الطيب فإنها لا تحرم، وهي ليست نجسة العين، بل هي من الجامدات الطاهرة.. وهل يتصور إنسان أن يقول: إن العنبر والزعفران وجوزة الطيب، ومئات الأنواع من العقاقير المستخرجة من الشيكران والبلادونا والداتورة ومن الأفيون وغيره من المواد المصنعة أنها جميعاً نجسة العين!! ولا شك أنها جميعاً طاهرة العين، وإن استخدامها في الأغراض الطبية أو في الطيب أو في إصلاح الطعام لا حرمة فيه.. وإنما يحرم منها ما يسكر، وإذا استخدمت لأغراض اللهو. وهذه المواد ليست سواء؛ فمنها ما هو مسبب للاعتماد (الإدمان) بسرعة، مثل الهيروين والمورفين والكوكايين.. واستخدامها في المجال الطبي محدود بالمورفين في حالات خاصة، ولهذا توجد رقابة شديدة في استخدامه، وما عدا ذلك فيمنع استعمالها في المجال الطبي أو غيره. وهناك مواد لا تسبب الاعتماد إلا نادراً، ولا تسبب الإسكار إلا بجرعات كبيرة تفوق بكثير المقدار الطبي، وهي تستخدم يومياً في العقاقير الطبية، وهذه لا شك في حرمة القدر المسكر منها.. أما غير المسكر والمأمون العاقبة فلا يبدو ما يبرر تحريمه ولا الحكم عليه بالنجاسة، وهو من المواد الصلبة غير السائلة.

стр. 13383

حكم التداوي بالدم وما شابهه من النجاسات لا جدال في نجاسة الدم المسفوح وحرمة استخدامه، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النحل: ١١٥] . وقال تعالى: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الأنعام: ١٤٥] . وقد أمر النبي ﷺ بإزالة الدم من الثوب قبل أن يصلى فيه، وهو دليل على نجاسته. وقد ذهب جمهور الفقهاء إلى أن المحرم هو الدم المسفوح، ويستثنى من ذلك دم رسول الله ﷺ فهو طاهر لخصوصيته ﷺ . وقد شرب عبد الله بن الزبير ﵄ دمه عندما أعطاه إياه بعد أن احتجم ليدفنه، وقد فعل ذلك تبركاً وتيمناً، وقد أخبر النبي أنه لا يمسه النار لدخول دم النبي ﷺ جوفه. وذهب ابن حزم إلى أن الدم نجس ومحرم مطلقاً، سواء كان مسفوحاً أو غير مسفوح. (١) وقال القرطبي: (اتفق العلماء على أن الدم حرام نجس لا يؤكل ولا ينتفع به) . (٢) وقد أباح الفقهاء المعاصرون نقل الدم في فتاواهم العديدة، الفردية والجماعية، وهي عشرات بل مئات الفتاوى منذ الخمسينات من القرن العشرين باعتبار ذلك ضرورة وإنقاذاً للأنفس من الهلاك. وقد أباح الله للمضطر أكل الميتة في المخمصة. وتنزل الحاجة منزلة الضرورة لشفاء مرض لا يؤدي حتماً إلى الهلاك والموت، فيباح من أجل ذلك.

стр. 13384

دواعي نقل الدم: يعتبر الدم بكل المقاييس عضواً من أعضاء الجسم، وإن كان عضواً سائلاً دائم الدوران في الجسم الحي. وقد جعله بعض الفقهاء القدماء موازياً للروح والنفس، حيث قالوا عن الحشرات: إنها لا تنجس الماء أو غيره، وعبروا عن ذلك بقولهم: (ما لا نفس له سائلة) أي ما ليس له دم. والأغراض التي يتم من أجلها نقل الدم هي: ١- حالات النزف الداخلي أو الخارجي أو كليهما معاً. ٢- حالات الحروق حيث يفقد الجسم البلازما من الجلد المحروق. ٣- العمليات الجراحية. ٤- أنواع فقر الدم المختلفة وبالأخص الأنيمياء الانحلالية. ٥- نقص صفائح الدم وعناصر التجلط الأخرى: وفي هذه الحالات يتم نقل الصفائح فقط أو العناصر المفقودة من الدم مثل عامل ٨ (مرض الناعور أو الهيموفيليا) . ٦- حالات الفشل الكلوي التي تستدعي الديلزة (الغسيل الكلوي) حيث يتم وضع كمية من الدم في الآلة أولاً. وهناك شروط طبية عديدة لنقل الدم، أهمها خلو الدم المنقول من الفيروسات والبكتريا والطفيليات الممرضة، وأن يكون مطابقاً لفصيلة دم الشخص المتلقي الدم. كما أن هناك شروطاً طبية عديدة للمتبرع وللمتلقي لا مجال لسردها هاهنا. ويمكن نقل الدم كاملاً، أو جزء منه مثل البلازما، أو خلايا الدم الحمراء، أو خلايا الدم البيضاء، أو الصفائح، أو بعض عناصر الدم مثل عامل ثمانية، أو نقل الدم المتبادل، ويستخدم هذا الأخير في المواليد أو الأجنة أو حالات التسمم. كما يمكن استخدام الأمصال المستخرجة من الدم لمداواة بعض الأمراض الفيروسية أو البكتيرية المعدية، مثل الدفتريا والكزاز (التتانوس) والحصبة ... إلخ. وقد أباح الفقهاء الأجلاء منذ زمن قديم شرب البول والدم للتداوي من مرض مخوف، ولا إشكال في إباحة شرب البول، فقد أمر رسول الله ﷺ القوم من عكل وعرينة بشرب أبوال الإبل وألبانها عندما اجتووا المدينة وكبرت بطونهم وامتلأت بالاستسقاء، فصحوا، ثم قتلوا الراعي واستاقوا الإبل، فعاقبهم الرسول ﷺ عندما قبض عليهم أشد عقوبة، فقطع أيديهم وأرجلهم وتركهم يموتون صبراً.

стр. 13385

جاء في الكفاية شرح الهداية: (يجوز للعليل شرب البول والدم والميتة للتداوي إذا أخبره طبيب مسلم أن فيه شفاء، ولم يجد من المباح ما يقوم مقامه، وإن قال الطبيب: يتعجل شفاؤك؛ فيه وجهان (١) أي الإباحة وعدمها. وقد جاء في حاشية ابن عابدين مثله. (٢) وقد جاء في فتاوى الشيخ محمد بن إبراهيم (مفتي المملكة العربية السعودية السابق) ما يلي: (وجه الدلالة من هذه الآيات (آيات الضرورة) أنها أفادت إذا توقف شفاء المريض أو الجريح وإنقاذ حياته على نقل الدم إليه من آخر بأن لا يوجد من المباح ما يقوم مقامه في شفائه وإنقاذ حياته، جاز نقل هذا الدم إليه) . (٣) وعملية نقل الدم تدخل من باب الضرورة وإغاثة الملهوف وشفاء المريض. ثم إن الدم لا يعتبر مسفوحاً؛ لأنه يحفظ ويعاد إلى الجسم ليجول في العروق كما يجول الدم الطبيعي.. وعلى هذا فلا يعتبر مسفوحاً ولا نجساً؛ وحتى لو قيل بنجاسته، فإن الفقهاء قد أباحوا استخدام النجاسات في التداوي متى تعين ذلك. (ولا فرق بين دم المسلم ودم الكافر في أصل مشروعية الانتفاع وإباحة النقل عند الحاجة؛ لأنه إذا أبيح زواج المسلم بالكتابية وتكون الأولاد من هذا الزواج بدمائها، فإباحة نقل الدم من باب الأولى حيث إنه مجرد إسعاف لا يتكون منه أصل الجسد) (٤) وقد أباح كل من تعرض للفتوى في هذه القضية نقل الدم حتى أولئك المعارضين لنقل الأعضاء، ومن هؤلاء السيد أبو الأعلى المودودي الذي قال: (يجوز –عندي- نقل الدم للمريض إنقاذاً لحياته ولا وجه لتحريمه ومنعه) (٥) .. وكذلك أفتى مجلس البحث العلمي والإفتاء للقضايا المعاصرة بباكستان بجواز نقل الدم مع معارضتهم لنقل الأعضاء. وكذلك فعل الشيخ محمد متولي الشعراوي الذي أباح نقل الدم ومنع نقل الأعضاء.!!

стр. 13386

ومن الفتاوى العديدة التي صدرت بإباحة نقل الدم فتوى الشيخ حسنين مخلوف مفتي الديار المصرية، وهي من أوائل الفتاوى في هذا الباب حيث صدرت سنة ١٩٥٠م. وفتوى الشيخ حسن مأمون (مفتي الديار المصرية) برقم ١٠٦٥ وتاريخ ٢/١٢/١٣٧٨ هـ الموافق ٩ يوليه ١٩٥٩، وفتوى هيئة كبار العلماء بالمملكة العربية السعودية برقم ٦٥ وتاريخ ٧/٢/١٣٩٩هـ، وفتوى لجنة الإفتاء بالمملكة الأردنية الهاشمية بتاريخ ٢٠/٥/١٣٩٧هـ وفتوى لجنة الإفتاء الجزائرية بتاريخ ٦/٣/١٣٩٢هـ وفتوى المجمع الفقهي لرابطة العالم الإسلامي. وقد جاء في الفتوى الصادرة في ١٣/٧/١٤٠٩ تحريم بيع الدم، وأن نقل الدم من امرأة إلى طفل دون الحولين لا يأخذه حكم الرضاع المحرم.. وهو أمر اتفقت عليه الفتاوى الصادرة في هذا الشأن.. وصدرت عشرات، بل مئات الفتاوى الجماعية والفردية والكتب والمقالات التي تبيح نقل الدم إذا تعين ذلك لإنقاذ حياة أو لشفاء مرض. وأن ذلك يجب أن يكون من قبيل التبرع لا المعاوضة والبيع.. وأن المضطر للشراء لا لوم عليه ولا تثريب إن لم يجد وسيلة أخرى لذلك. وأن تتبع الشروط الطبية لنقل الدم للتوقي من نقل الأمراض، ومن حدوث تفاعلات خطيرة. وقد جاء في فتوى المجمع الفقهي لرابطة العالم الإسلامي في دورته الحادية عشرة المنعقدة بمكة المكرمة (١٣ – ٢٠ رجب ١٤٠٩هـ) ما يلي: (أما حكم أخذ العوض عن الدم، وبعبارة أخرى: بيع الدم؛ فقد رأى المجلس أنه لا يجوز لأنه من المحرمات المنصوص عليها في القرآن الكريم مع الميتة ولحم الخنزير، فلا يجوز بيعه وأخذ عوض عنه. وقد صح في الحديث: ((إن الله تعالى إذا حرم شيئاً حرم ثمنه)) ، كما صح أنه نهى عن بيع الدم. ويستثنى من ذلك حالات الضرورة إليه للأغراض الطبية، ولا يوجد من يتبرع إلا بعوض، فإن الضرورات تبيح المحظورات، بقدر ما ترفع الضرورة. وعندئذ يحل للمشتري دفع العوض، ويكون الإثم على الآخذ. ولا مانع من إعطاء المال على سبيل الهبة أو المكافأة تشجيعاً على القيام بهذا العمل الإنساني الخيري لأنه يكون من باب التبرعات، لا من باب المعاوضات) .

стр. 13387

زرع الأعضاء: إن زرع (غرس) الأعضاء قد أثار اهتمام الجمهور والفقهاء في العصر الحديث ودرسوه دراسة واسعة، وأصدروا فيه الفتاوى العديدة، الفردية والجماعية، واستقر رأي الغالبية منهم على إباحته بشروط. وقد أصدر مجمع الفقه الإسلامي الموقر فيه عدة قرارات. وبدأها بموضوع أجهزة الإنعاش وموت الدماغ (القرار رقم ٥د/٣/٠٧/٨٦) في دورته الثالثة المنعقدة بعمان – الأردن (٨ – ١٣ صفر ١٤٠٧ هـ / - ١٦ أكتوبر ١٩٨٦) حيث اعتبر موت الدماغ موازياً لموت القلب وتوقف الدورة الدموية، وفتح بذلك الباب لنقل الأعضاء من المتوفين دماغياً، وذلك ما يَسَّرَ أخذ الأعضاء مثل الكلى والقلب والرئتين والبنكرياس والكبد من المتوفين دماغياً، بعد أخذ موافقة أوليائهم أو موافقتهم أثناء حياتهم على ذلك.. وبما أن هذه الأعضاء والأحشاء الداخلية لا تبقى حية إلا دقائق معدودة بعد توقف القلب والدورة الدموية، فإنه لا يمكن الاستفادة منها بعد توقف القلب وزرعها في إنسان آخر محتاج إليها.. ولذا كان لا بد من أن تؤخذ من شخص توفي دماغياً. وأما الأعضاء الأخرى مثل العظام والجلد والقرنية فإنها يمكن أن تبقى حية بعد توقف القلب والدورة الدموية لمدة ١٢ – ٢٤ ساعة، وبالتالي يمكن أن تؤخذ من شخص توفي بسبب توقف قلبه ودورته الدموية. ثم بحث المجمع الفقهي الموقر موضوع زرع الأعضاء في دورته الرابعة وأصدر فيه القرار رقم (١) د٤/٠٨/٨٨ (١٨ – ٢٣ جمادى الآخرة ١٤٠٨هـ / ٦ – ١١ فبراير ١٩٨٨ بجدة) ، وأباح فيه نقل الأعضاء الذاتي أي من الشخص ذاته من مكان إلى موضع آخر في جسده، ونقل الأعضاء من الأحياء المتبرعين وشروطه، ونقل الأعضاء من الموتى وشروطه.. وأجل بحث النقل من الأجنة.. ومنع بيع الأعضاء بأي شكل من الأشكال.

стр. 13388

وفي الدورة السادسة للمجمع الفقهي الموقر بحث مواضيع أخرى متعلقة بزرع الأعضاء والتي لم تبحث في الدورات السابقة؛ مثل زراعة خلايا بالمخ والجهاز العصبي والبيضات الملقحة الزائدة عن الحاجة واستخدام الأجنة مصدراً لزراعة الأعضاء وزراعة الأعضاء التناسلية وزراعة عضو استؤصل في حد أو قصاص، وأصدر فيه قراراته رقم ٥٦/٥/٦ و٥٧/٥/٦ و٥٨/٥/٦ و٥٩/٥/٦ و٦٠/٥/٦ الصادرة في الدورة السادسة المنعقدة في جدة (١٧ – ٢٣ شعبان ١٤١٠ هـ / ١٤ – ٢٠ مارس ١٩٩٠م) ، وكذلك قام المجمع الفقهي لرابطة العالم الإسلامي بدراسة موضوع زراعة الأعضاء في دورته الثامنة المنعقدة في مكة المكرمة (٢٨ ربيع الآخر – ٧ جمادى الأولى ١٤٠٥هـ / ١٩ – ٢٨ يناير ١٩٨٥م) وأصدر فيه قراره الذي أباح فيه زرع الأعضاء بفروعه المختلفة بشروطه المعتبرة، كما أباح بطريق الأولوية أن يؤخذ العضو من حيوان مأكول ومذكى مطلقاً، أو غيره عند الضرورة لزرعه في إنسان مضطر إليه. وقد أصدرت هيئة كبار العلماء بالمملكة العربية السعودية أيضاً فتوى بإباحة زرع الأعضاء بشروطها في القرار رقم ٩٩ بتاريخ ١٦/١١/١٤٠٢هـ. وقد أصدر عدد كبير من الذين تولوا منصب مفتي الديار المصرية فتاوى متعددة في زرع القرنية، وزرع الجلد وزرع الأعضاء ابتداء من الشيخ حسنين مخلوف (١٩٥٠) إلى فضيلة الشيخ جاد الحق علي جاد الحق (٥ ديسمبر ١٩٧٩) الفتوى رقم س١٣/م٢٧٤ في ١٥ محرم ١٤٠٠هـ مروراً بفتوى الشيخ حسن مأمون (زرع قرنية العين ونقل الدم) الفتوى رقم ٨٨/ م ٢٤٩ في ٣/١٢/١٣٧٨هـ الموافق ٩/٦/١٩٥٩ وفتوى الشيخ محمد خاطر رقم س ١٠٥/م١٧٣ في ٣/١٢/١٣٩٢هـ الموافق ٣/٢/١٩٧٣. وأصدرت لجنة الإفتاء التابعة للمجلس الإسلامي الأعلى في الجزائر فتوى بإباحة نقل الدم وزرع الأعضاء بتاريخ ٦ ربيع الأول ١٣٩٢ الموافق ٢٠ أبريل ١٩٧٢. وكذلك أباحها المؤتمر الإسلامي الدولي المنعقد بماليزيا في أبريل ١٩٦٩. ومثلها لجنة الإفتاء بالمملكة الأردنية الهاشمية بتاريخ ٢٠/٥/١٣٩٧هـ الموافق ١٨/٥/١٩٧٧. والفتاوى في هذا الباب كثيرة جداً.

стр. 13389

وقد أباح الفقهاء الأجلاء منذ أزمنة متطاولة أن يصل الإنسان العظم المكسور الذي لا ينجبر إلا بنجس لفقد طاهر. قال الإمام النووي في منهاج الطالبين: (ولو وصل عظمه بنجس لفقد طاهر فمعذور، وإلا وجب نزعه إن لم يخف ضرراً ظاهراً، قيل: وإن خاف، فإن مات لم ينزع على الصحيح) (١) وقال الخطيب الشربيني في شرحه لكلام النووي: (وظاهر هذا أنه لا فرق بين الآدمي المحترم وغيره، وهو كذلك. (ولو وصل عظمه) لانكساره مثلاً واحتياجه إلى الوصل (بنجس لفقد طاهر) الصالح للوصل، أو وجده وقال أهل الخبرة: إنه لا ينفع، ووصله بنجس (فمعذور) في ذلك تصح صلاته معه للضرورة. وقال عبد الحميد الشرواني في حاشيته على تحفة المحتاج شرح المنهاج: (يجوز للذكر الوصل بعظم الأنثى وعكسه ... وينبغي أن لا ينقض وضوءه ووضوء غيره به، وإن كان طاهراً ولم تحله الحياة؛ لأن العضو المبان لا ينقض الوضوء بمسه إلا إذا كان من الفرج أو أطلق عليه اسمه) . (٢) وقد أورد كلاماً قريباً منه الإمام النووي في المجموع (٣) وكذلك في الفتاوى الهندية. (٤) ولا شك أن الفقهاء لم يبيحوا أخذ العظام من أجسام الأحياء لوصلها فيمن كسر عظمه ولم ينجبر إلا بوصله بعظم آخر؛ لأن الضرر لا يزال بمثله، ولا بما هو أشد منه، فتبين من ذلك أنهم أباحوا الوصل بعظام الحيوانات المذكاة، فإن لم يجد فبعظام الميتة من الحيوان والإنسان. وإن تعين عظم الخنزير لقول خبير جاز ذلك. قال القاضي القزويني في عجائب المخلوقات: (إن من خواص عظم الخنزير أنه يوصل بعظم الإنسان، ويلتئم سريعاً من غير اعوجاج) (٥)

стр. 13390

وهكذا أباح الفقهاء الأجلاء منذ قرون متطاولة بعض أنواع زرع الأعضاء من الموتى أو من الحيوانات المذكاة أو من غيرها إذا تعين ولو كان من خنزير. ولن ندخل هاهنا في مناقشة تفصيلية لموضوع زرع الأعضاء فقد تكفلت به المجامع الفقهية.. ولا شك أنه من المحرمات التي أبيحت للضرورة، وقد تنزل الحاجة بمنزلة الضرورة.. ولا داعي للخوض في ميتة الإنسان وهل هي نجسة أم طاهرة والخلاف بين الفقهاء فيها معروف.. ولا شك في حرمة الإنسان حياً وميتاً.. واستخدام أعضائه لا يجوز إلا بشروط كثيرة أوضحتها الفتاوى العديدة الصادرة من المجامع الفقهية ومن دور الإفتاء ولا حاجة لإعادتها هاهنا.. كما أن الفقهاء الأجلاء أباحوا الأخذ من الحيوانات مذكاة أو غير مذكاة إن تعين، من باب الأولى، ولو كانت من نجس نجاسة مغلظة مثل الخنزير.. وهذا كله يوضح مدى اتساع الفقه الإسلامي وشموله ليحل مشكلات كل زمان ومكان. وهو فضل من الله كبير بهذه الشريعة الغراء التي لا مندوحة للمسلم إلا بالالتزام بها في الصغير والكبير، والأخذ بما يفتي به أهل العلم والفتوى وأجرهم على الله. التداوي بالخنزير: لقد نزلت أربع آيات كريمات في كتاب الله تحرم الخنزير وأنواعاً من المطاعم الأخرى، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: ١٧٣] . وقال : ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ﴾ [المائدة: ٣] . وقال تعالى: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الأنعام: ١٤٥] . وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النحل: ١١٥] .

стр. 13391

قال الإمام القرطبي: (١) (قوله تعالى: ﴿وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ﴾ خص الله تعالى ذكر اللحم من الخنزير ليدل على تحريم عينه ذكي أم لم يذك، وليعم الشحم وما هنالك من الغضاريف وغيرها. وقد أجمعت الأمة على تحريم شحم الخنزير لأن اللحم مع الشحم يقع عليه اسم اللحم.. وقد حرم الله تعالى لحم الخنزير فناب ذكر لحمه عن شحمه لأنه دخل تحت اسم اللحم) . (ولا خلاف أن جملة الخنزير محرمة إلا الشعر فإنه يجوز الخرازة به، وقد روي أن رجلاً سأل رسول الله ﷺ عن الخرازة بشعر الخنزير فقال: لا بأس بذلك، ذكره ابن خويز منداد ... وما أجازه الرسول ﷺ فهو كابتداء الشرع) . وجاء في تفسير الخازن: (٢) (وأما الخنزير فإنه أراد بلحمه جميع أجزائه، وإنما خص اللحم بالذكر؛ لأنه المقصود لذاته بالأكل، وقد أجمعت الأمة على أن الخنزير بجميع أجزائه محرم، وإنما ذكر الله تعالى لحمه لأن معظم الانتفاع متعلق به، ثم اختلفوا في نجاسته فقال جمهور العلماء: إنه نجس، وقال مالك: إنه طاهر، وكذا كل حيوان عنده لأن علة الطهارة هي الحياة فإذا مات صار نجساً) . (وللشافعي قولان في ولوغ الخنزير: الجديد أنه كالكلب (أي يغسل سبع مرات إحداهن بالتراب) والقديم يكفي في ولوغه غسلة واحدة) . وقد أباح الإمام مالك وأبو حنيفة ومحمد والأوزاعي أن يخاط بشعر الخنزير، ومنعه الإمام الشافعي وابن حزم (٣) واختلف الفقهاء في جلد الخنزير، وذهب الشافعي إلى أن الدباغ يطهر جميع أنواع الجلود ما يؤكل منه وما لا يؤكل ما عدا الكلب والخنزير، ومذهب أبي حنيفة استثناء الخنزير فقط، ويرى الإمام أحمد أن جلود الميتة كلها لا تطهر بالدباغ وكذا الخنزير.. ومذهب داود الظاهري وابن حزم طهارة جميع الجلود بالدباغ بما في ذلك الكلب والخنزير.

стр. 13392

قال ابن حزم في المحلى: (١) (وأما الخنزير فإن الله تعالى قال: ﴿أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ﴾ والضمير في لغة العرب التي نزل بها القرآن راجع إلى أقرب مذكور (أي الخنزير) ، فصح بالقرآن أن الخنزير بعينه رجس، فهو كله رجس، وبعض الرجس رجس، والرجس حرام واجب اجتنابه، كله حرام لا يخرج من ذلك شعره ولا غيره حاشا ما أخرجه النص من الجلد إذا دبغ فحل استعماله) وقال في موضع آخر: (لا يحل أكل شيء من الخنزير لا لحمه ولا شحمه ولا جلده ولا عصبه ولا غضروفه ولا حشوته ولا مخه ولا عظامه ولا رأسه ولا أطرافه ولا لبنه ولا شعره. الذكر والأنثى، والكبير والصغير سواء، ولا يحل الانتفاع بشعره لا في خرز ولا في غيره) (٢) وقد وهم من قال: إن الظاهرية لا يحرمون شحم الخنزير ومنه الألوسي في تفسيره، والدكتور عبد الله العبادي في كتابه الذبائح في الشريعة الإسلامية. وها هو ابن حزم ينفي ذلك بقوة وحزم. أحكام المضطر: قد أباح الله تعالى في الآيات الأربع السالفة أكل لحم الخنزير والميتة والدم لمن اضطر لذلك، قال تعالى: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: ١٧٣] . واختلف العلماء في وجوب الأكل؟ وهل يجوز له أن يشبع؟ وحد الضرورة والتزود من الميتة أو الخنزير.. إلخ، وليس هذا موضع تحرير هذا الخلاف.. ونكتفي هاهنا باختصار ما جاء في المجموع للإمام النووي (٣) حيث قال: ١- أجمعت الأمة على أن المضطر إذا لم يجد طاهراً يجوز له أكل النجاسات كالميتة والدم ولحم الخنزير، وفي وجوب هذا الأكل وجهان ذكرهما المصنف (أي الشيرازي في المهذب) بدليلهما، في أصحهما يجب.

стр. 13393

٢- في حد الضرورة: لا خلاف أن الجوع القوي لا يكفي لتناول الميتة ونحوها، قالوا: ولا خلاف أنه لا يجب الامتناع إلى الإشراف على الهلاك.. واتفقوا على جواز الأكل إذا خاف على نفسه لو لم يأكل من جوع أو ضعف عن المشي أو عن الركوب، وينقطع عن رفقته ويضيع، ونحو ذلك ... فلو خاف من حدوث مرض مخوف في جسمه فهو كخوف الموت. وإن خاف طول المرض فكذلك في أصح الوجهين (أي يجوز) . وهذه النقطة هامة في موضوعنا؛ لأنها تبيح استخدام الخنزير في التداوي إذا تعين ذلك بوصف طبيب ثقة عدل. كما يجوز لتعجيل الشفاء. ٣- يباح للمضطر أن يأكل من الميتة ما يسد الرمق بلا خلاف، ولا يباح له الزيادة على الشبع بلا خلاف.. وفي حل الشبع قولان مشهوران ذكرهما المصنف بدليلهما. ٤- يجوز له التزود من الميتة إن لم يرج الوصول إلى طاهر، فإن رجاه فوجهان: أحدهما يجوز وبه قطع البغوي وغيره، والثاني لا يجوز، وأصحهما يجوز وبه قطع القفال وغيره. وزاد القفال: يجوز حمل الميتة من غير ضرورة ما لم يتلوث بها. ٥- المحرم الذي يحتاج المضطر إلى تناوله ضربان: مسكر وغيره.. (قد تقدم ذكر المسكر) . وأما غير المسكر فيباح جميعه ما لم يكن فيه إتلاف معصوم، فيجوز للمضطر أكل الميتة والدم ولحم الخنزير وشرب البول وغير ذلك من النجاسات. التداوي بالنجاسات: قال الإمام النووي في المجموع: (١) (مذهبنا جواز التداوي بجميع النجاسات سوى المسكر. وقال أحمد: لا يجوز لحديث: ((إن الله لم يجعل شفاءكم فيما حرم عليكم)) وحديث أبي الدرداء أن النبي ﷺ قال: ((إن الله أنزل الداء وأنزل الدواء. وجعل لكل داء دواء فتداووا ولا تداووا بحرام)) رواه أبو داود. وحديث أبي هريرة قال: ((نهى رسول الله ﷺ عن الدواء الخبيث)) رواه أبو داود.

стр. 13394

(ودليلنا (أي الشافعية) حديث العرنيين (الذين أمرهم الرسول بشرب ألبان الإبل وأبوالها وقد أصابهم الجوى وهو نوع من استسقاء البطن) وهو في الصحيحين، وهو محمول على شربهم الأبوال للتداوي كما هو ظاهر الحديث) . (١) وحديث: ((لم يجعل شفاءكم فيما حرم عليكم)) محمول على عدم الحاجة بأن يكون هناك ما يغني عنه ويقوم مقامه من الأدوية الطاهرة. وكذا الجواب عن الحديثين الآخرين. وقال البيهقي: هذان الحديثان إن صحا حملا على النهي من التداوي بالمسكر، وعلى التداوي بالحرام من غير ضرورة للجمع بينهما وبين حديث العرنيين والله تعالى أعلم. وقال البيهقي: قال الشافعي: لا يجوز أكل الترياق (وهو الدواء المعجون به مادة أخرى سامة) المعمول بلحم الحيات إلا أن يكون في حال الضرورة حيث تجوز الميتة) . هذا لفظه. (واحتج البيهقي بحديث ابن عمرو بن العاص ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول ((: ما أبالي ما أتيت إن أنا شربت ترياقاً أو تعلقت تميمة أو قلت الشعر من قبل نفسي)) رواه أبو داود بإسناد فيه ضعف. ومعناه أن هذه الثلاثة سواء في كونها مذمومة. وقال النووي في موضع آخر من المجموع: (٢) (وأما التداوي بالنجاسات غير الخمر فهو جائز في جميع النجاسات غير المسكر. هذا هو المذهب، والمنصوص به، وقطع به الجمهور. قال أصحابنا: إنما يجوز التداوي بالنجاسة إذا لم يجد طاهراً يقوم مقامها، فإن وجد حرمت النجاسات بلا خلاف وعليه يحمل حديث: ((إن الله لم يجعل شفاءكم فيما حرم عليكم)) ، فهو حرام عند وجود غيره، وليس حراماً إذا لم يجد غيره. قال أصحابنا: وإنما يجوز ذلك إذا كان المتداوي عارفاً بالطب يعرف أنه لا يقوم غير هذا مقامه، أو أخبره بذلك طبيب مسلم عدل، ويكفي طبيب واحد، صرح به البغوي وغيره. فلو قال الطبيب: يتعجل لك به الشفاء، وإن تركته تأخر، ففي إباحته وجهان: حكاهما البغوي، ولم يرجح واحداً منهما) .

стр. 13395

وواضح أنه لا بد لإباحة التداوي بالنجاسات (ما عدا الخمر) من توفر الشروط التالية: ١- أن لا يوجد دواء آخر بديل يقوم مقامه. ٢- أن يصفه طبيب مسلم عدل. ٣- أن يتعين ذلك دواء. فإن كان يعجل الشفاء ففيه وجهان: أحدهما جواز ذلك والآخر منعه. التداوي بالخنزير في الطب القديم: من الغريب حقاً أن نجد أن القدماء من الأطباء أسرفوا في استخدام الخنزير في التداوي، وقد جاء في عجائب المخلوقات للقزويني (١) (وهو رجل قد تولى القضاء في واسط والحلة أيام المستعصم بالله العباسي، وينتسب إلى الصحابي الجليل أنس بن مالك الأنصاري ﵁ استخدامات غريبة وكثيرة باطلة للخنزير ولا يصح منها إلا أقل القليل. ومما جاء فيه: (إن استصحاب ناب الخنزير يبقي الإنسان مكرماً عند الناس ويأمن العين.. ويترك الناب في الدهن أسبوعاً، ثم يدهن به الرأس فإنه يطول الشعر ويؤخر الشيب) !! (مرارة الخنزير: تجفف وتجعل على البواسير. ويسقى منها صاحب الصرع مع شيء من البول العتيق فيزول صرعه) !! (لحم الخنزير: أطيب لحم الحيوان نافع من لسع الهوام) !! (شحم الخنزير: ينضج الدماميل الصلبة ويخرج وسخها، ويطلى بشحمه الطري البواسير فينفعها نفعاً بيناً!! وأما عظمه فيوصل بعظم الإنسان في الكسور فيلتئم ويستقيم من غير اعوجاج وليس لشيء من عظام الحيوان هذه الخاصية. ويسحق العظم ويحشى به الناصور فيبرأ. وأما جلد الخنزير فيترك في البيت فتهرب منه البق. وأما كعب الخنزير فيحرق ويسحق رماده ويسقى للقولنج والمغص المزمن فيزيلهما. ونقل ذلك عن ابن سينا وقال نقلاً عنه: إذا طلي به البرص نفعه) !!

стр. 13396

(وأما بول الخنزير فيخلط بالنبيذ ويفتت حجر المثانة!! وأما زبله فيسمد به شجر التفاح، وإذا حملت المرأة زبالة الخنزير وروثه فإن ذلك يدفع عنها أذى النفاس!!) وهو كلام مليء بالأوهام والخرافات التي نقلها عن الأطباء السريان وغيرهم. استخدام الخنزير في الطب الحديث: يستخدم الأوربيون وغيرهم الخنزير في أغراض التداوي لرخص الخنزير وتوفر شحمه ولحمه. وتذكر دائرة المعارف البريطانية (١) أن زيت اللارد (دهن الخنزير) يستخدم في تغذية المضادات الحيوية Antibiotics التي تستخرج من أنواع من الفطور fungi وفي الكبسولات التي تحتوي على المضادات حيث يستخدم الجيلاتين من جلد وعظام وغضاريف الخنزير. وكان الأنسولين يستخرج من الخنزير ومن الأبقار ولا يزال. وهناك بعض الأشخاص الذين لا يتحملون الأنسولين البقري ويحدث لهم حساسية.. وفي هذه الحالة كانوا يحولون إلى الأنسولين الخنزيري. أما الآن فقد تم تصنيع أنسولين إنساني كيميائيا، وبواسطة هندسة الجينات، وبالتالي لم تعد هناك حاجة للأنسولين الخنزيري، واختفى نتيجة ذلك من الأسواق. وإن كان الأنسولين الإنساني أغلى ثمناً من مثيله الحيواني. وكان الأطباء يستبدلون الصمامات التالفة بصمامات معدنية أو حيوانية.. والحيوانية كانت تعتبر أفضل من المعدنية. ولذا استخدمت صمامات القلب من الأبقار والخنازير، ولكن مع التقدم السريع في جراحة القلب أمكن إصلاح العطب لهذه الصمامات بدون الحاجة إلى الاستبدال إلا فيما ندر. وما ندر يمكن استبداله بالصمامات المصنوعة من المواد الصناعية دون الحاجة للحيوانات.

стр. 13397

ولا تزال شركات الأدوية تستخدم الخنزير في تصنيع المواد الهاضمة وفي استخراج بعض الهرمونات، وفي تنمية المضادات الحيوية، وفي تصنيع الكبسولات.. وهي أمور يمكن تفاديها إذا قامت صناعة دوائية في البلاد الإسلامية لإمكان استخدام البديل من الأبقار أو غيرها من المباحات. ويستخدم الأطباء جلد الخنزير في بعض الأحيان لمعالجة الحروق المتسعة، وعندما لا يتم توفر جلد إنساني (من ميت أو حي متبرع) .. ولكن التقدم الطبي السريع سيجعل الحاجة لذلك نادرة جداً حيث أمكن تصنيع جلود بحيث تؤخذ كمية قليلة من جلد المصاب ذاته، ثم تنمى وتوسع بحيث تكفي للمريض دون الحاجة لأخذ الجلد من إنسان أو حيوان. وخلاصة الأمر أن الحاجة الحقيقية لاستخدام الخنزير في التداوي نادرة جداً، ولكن بما أن الدواء يأتينا في كثير من الأحيان مصنعاً، فإنه في أحيان كثيرة يحتوي على مشتقات خنزيرية مثل الكبسولات التي تصنع من جيلاتين مختلط نباتي وحيواني.. والحيواني يحتوي على جيلاتين من الخنزير (من الغضاريف والجلد) .. وكما أسلفنا تتم تنمية بعض المضادات الحيوية في مشتقات خنزيرية.. وتستخدم بعض المواد الهاضمة من بنكرياس الخنزير وكذلك بعض الهرمونات الأخرى. والحل الحقيقي هو إقامة صناعة دوائية في بلاد المسلمين تتجنب استخدام الخنزير ومشتقاته. وهو نفس الحل لقضية الغول في الدواء.. وقضية الأطعمة التي تأتي من الخارج حيث إن بعض الأطعمة تحتوي على دهن خنزير كما تذكر ذلك دائرة المعارف البريطانية (١) حيث جاء فيها أن أنواعاً من البسكويت والشيكولاته والآيس كريم والأجبان تحتوي على دهون الخنزير، وكذلك يتم استخدام دهن الخنزير في بعض أنواع الصابون وفي مستحضرات التجميل وفي معجون الأسنان. ويستخدم اللارد (دهن الخنزير) في الطبخ كما يستخدم زيت اللارد Lard oil, Lard Stearine في تركيب السمن والزيوت الحيوانية Animal Shortening وأما الذين يعيشون في الغرب فيواجهون مشاكل عديدة؛ إذ إن دهن الخنزير يستخدم في العديد من الأطعمة والأشربة.. وقد ذكر الدكتور أحمد حسين صقر في مقاله (الدهون في الأطعمة) (٢) أسماء لبعض الشركات التي تستخدم الخنزير، فمثلاً شركة أطعمة المطبخ العامة General Foods Kitchen تحتوي منتوجاتها الجيلاتينية على الجيلاتين المستخرج من جلود وغضاريف الخنزير والبقر والغنم، ومعظم الشركات التي تنتج الهامبرجر والفرانكفورتر يحتوي لحمها على نسبة من لحم الخنزير إلا إذا ذكر أنه مصنوع من لحم البقر فقط مثل Au beef hambergur أو Au beef Frank furter وهكذا الشركات التي تنتج أغذية بها زيوت حيوانية أو حتى نباتية ولكنها مخلوطة بشيء من الزيت الحيواني فإنها تحتوي على مشتقات دهون الخنزير ما لم يكتب صراحة أنها مصنوعة من الزيت النباتي النقي الصافي Pure Vegetable Oil.

стр. 13398

ولا شك أن هذه مشكلة عويصة وخاصة لمن يعيشون في الغرب.. وللعالم الإسلامي الذي يستورد الأطعمة والصابون وأدوات الزينة والأدوية من الغرب حيث تدخل منتجات الخنزير بشكل أو آخر في كثير من هذه القوائم. وكذلك الجلود الفاخرة، فكثير منها مصنوع من جلد الخنزير، وجلد الخنزير لا يطهر بالدباغ عند الشافعية والأحناف والحنابلة. وعلى الحكومات الإسلامية أن تراقب هذه الأطعمة وأدوات الزينة والأدوية التي تحتوي على مواد خنزيرية وتمنعها. أما بالنسبة للفرد المسلم فإن علم أن هذه المادة تحتوي مواد خنزيرية فعليه أن يتوقاها ويمتنع عن تناولها واستعمالها. وليس عليه أن يبحث، بل ليس في مقدوره، في أغلب الأحيان، أن يعرف ذلك؛ لأنه مما يحتاج إلى مختبرات متخصصة. ولا يكتب أهل الغرب في بضائعهم أنها مصنعة من الخنزير ومشتقاته، فتكون الجهالة في ذلك عذراً. وقد ذكر الإمام النووي في المجموع (١) أحاديث كثيرة في ((أن النبي ﷺ أكل جبناً أحضرت له في تبوك)) . وعن ابن عباس ﵄ ((أن رسول الله ﷺ لما فتح مكة رأى جبنة، فقال: ما هذا؟ فقالوا: طعام يصنع بأرض العجم. فقال رسول الله ﷺ : ضعوا فيه السكين واذكروا اسم الله وكلوا)) رواه أحمد والبيهقي بإسناد فيه ضعف. وعن علي ﵁ قال: (إذا أردت أن تأكل الجبن فضع الشفرة فيه واذكر اسم الله عليه وكل) .

стр. 13399

ومعلوم أن الجبن الذي صنع بأرض العجم كانت فيه إنفحه، والمجوس يأكلون الميتة، وذبائحهم لا تحل والإنفحة على ذلك نجسة. وقد اختلف العلماء في أكل الجبن من بلاد المجوس فقال بعضهم: كل ولا تسأل وسم الله. لقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ [المائدة: ١٠١] ولما روي عن بعض الصحابة مثل أنس بن مالك ﵁ حيث قال: ((كنا نأكل الجبن على عهد رسول الله ﷺ ، وبعد ذلك لا نسأل عنه)) رواه البيهقي وقال عنه الإمام النووي في المجموع: ضعيف. وعن ابن عمر ﵄ أنه سئل عن السمن والجبن فقال: (سم وكل. فقيل له: إن فيه ميتة. فقال: إن علمت فيه ميتة فلا تأكله) . وقد روي عن ابن عمر ((أن رسول الله ﷺ أتي بجبن في تبوك فدعا بسكين فسمى وقطع)) رواه أبو داود ورزين بإسناد ضعيف. (١) وذكر ابن حجر الهيتمي المكي في التحفة على المنهاج (٢) (وجبن شامي اشتهر عمله بإنفحة خنزير. ((وقد جاء رسول الله ﷺ جبن من عندهم فأكل منها ولم يسأل عن ذلك)) . وقد جاء في مغني المحتاج للخطيب الشربيني (٣) والإنفحة بكسر الهمزة وفتح الفاء وتخفيف الحاء لبن في جوف نحو سخلة في جلده تسمى إنفخة أيضاً. إن أخذت من حيوان مأكول بعد ذبحه لم يطعم غير اللبن طاهرة للحاجة إليها في عمل الجبن، بخلاف ما إذا أخذت من ميت أو مذبوح أكل غير اللبن (.

стр. 13400

ومعلوم أن الإنفحة تؤخذ من العجول الصغيرة وغيرها التي لا تزال تعيش على اللبن؛ لأن فيها خميرة (أنزيما) يحول البروتين الموجود في اللبن إلى جبن: أنزيم كازينوجين كازين الرنين فإذا تحول إلى كازين فقد تجبن وصار جبناً. وقد اختلف العلماء فيما سبق ذكره. فمنهم من أكل وسمى الله، ومنهم من احتاط وقال: اتق الشبهات ولم يأكل الجبن إلا من أرض المسلمين وأهل الكتاب فقد روي ذلك عن ابن مسعود وعمر بن الخطاب وابنه عبد الله ﵃ أجمعين. (١) الخلاصة: إن على المسلمين أن يوفروا الغذاء والدواء ولا يعتمدوا على الكفرة في غذائهم ودوائهم، وذلك ممكن لاتساع رقعة بلاد المسلمين وكثرة خيراتها.. ولا بد لهم من التعاون والتعاضد وتنمية التجارة بين بلاد المسلمين بدل الاعتماد على الكفار اعتماداً كاملاً في كل شؤونهم.. وذلك يحقق مكاسب عظيمة من الأمن الغذائي والدوائي ويبتعد بالمسلمين عن المحرمات والشبهات، ويحقق مبادئ التكافل بين أقطار المسلمين، ويرفع عن كاهلهم الأوزار التي أثقلتهم وجعلتهم في الحضيض وفي أسفل سافلين.. والله المستعان وعليه التكلان ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، والحمد لله رب العالمين. التداوي بالذهب: قال رسول الله ﷺ : ((حرم لباس الحرير والذهب على ذكور أمتي وأحل لإناثهم)) (٢) وروى أنس ﵁ ((أن رسول الله ﷺ اتخذ خاتماً من ورق (فضة) ونقش فيه: محمد رسول الله، وقال: إني اتخذت خاتماً من ورق ونقشت فيه محمد رسول الله، فلا ينقش أحد على نقشه)) . (٣) ويكاد الإجماع أن ينعقد على حرمة لبس الرجال للذهب وحله للنساء. (٤)

стр. 13401

وقد أصيب أنف عرفجة بن أسعد يوم كلاب، وهو يوم معروف من أيام الجاهلية كانت لهم، فهي وقعة مشهورة، وكلاب اسم لماء من مياه العرب كانت عنده الوقعة. ويقال: إنهما وقعتان مشهورتان باسم الكلاب، ولذا يقال: كلاب الأول وكلاب الثاني.. وقام عرفجة باتخاذ أنف له من الورق فأنتن عليه ((فأمره النبي ﷺ أن يتخذ أنفاً من ذهب فلم ينتن)) . قال النووي في المجموع: (١) (وأما حديث عرفجة فحديث حسن رواه أبو داود والترمذي والنسائي وغيرهم بإسناد جيد، وقال الترمذي: هو حديث حسن) . ولا خلاف بين الفقهاء في حل اتخاذ الرجل الأنف من الذهب أو الفضة إذا احتاج لذلك. ولا خلاف بين الفقهاء أيضاً في اتخاذ السن أو الأنملة أو الأذن من الفضة ولكنهم اختلفوا في الذهب على قولين: الإباحة وبه قال محمد بن الحسن، ورواية عن أبي يوسف، وإليه ذهب المالكية والشافعية والحنابلة والظاهرية. والثاني: لا يحل شد الأسنان بالذهب أو اتخاذها أو الأنملة أو الأذن منه. وهو قول لأبي حنيفة ورواية أخرى عن أبي يوسف (٢) ويستعمل الذهب اليوم في طب الأسنان، وإن كان الاستعمال قد ندر لاستخدام البدائل، ولكلفة الذهب العالية. كما يستخدم مركب كيماوي معقد في علاج المرض شبيه الرثياني المفصلي Rheumatoid artheritis.. ولا يستخدم هذا المركب إلا عند فشل العقاقير الأخرى مثل الأسبرين ومشتقات الكورتيزون والأدوية المسكنة الأخرى مثل الفولتارين والبروفين.. إلخ.

стр. 13402

ومما يؤيد استخدام الذهب في الطب ما روي عن ابن عمر أن أباه سقطت ثنيته فأمره أن يشدها بالذهب (أخرجه الطبراني في الأوسط من حديث هشام بن عروة عن ابن عمر، وفي سنده أبو الربيع بن السمان وهو متروك) . كما روي عن عبد الله بن عبد الله بن أبي ابن سلول قال: ((اندقت ثنيتي يوم أحد، فأمرني النبي ﷺ أن أتخذ ثنية من ذهب)) (أخرجه الهيتمي في مجمع الوائد وقال: رواه البزار ورجاله رجال الصحيح) . وقد روي أن جماعة من الصحابة شدوا أسنانهم بالذهب منهم عثمان بن عفان وموسى بن طلحة وأنس بن مالك ﵃. (١) حكم التداوي بالحرير: ((قال أنس ﵁: إن عبد الرحمن بن عوف والزبير بن العوام شكوا إلى النبي ﷺ القمل فرخص لهما في قمص الحرير في غزاة لهما)) . وفي رواية أخرى: ((رخص رسول الله ﷺ لعبد الرحمن بن عوف والزبير بن العوام في القمص الحرير في السفر من حكة كانت بهما أو وجع)) (٢) وقد اختلف الفقهاء في إباحة لبس الحرير للتداوي فقال بالإباحة أبو يوسف والشافعية، وهو رواية عن مالك وأصح الروايتين عن أحمد وإليه ذهب الظاهرية. (٣) والقول الثاني بعدم الإباحة، وهو مروي عن أبي حنيفة ورواية أخرى عن مالك، ورواية أخرى عن أحمد (٤) . ولا أعرف في الطب الحديث استخدام الحرير سوى في خيوط الحرير وتستخدم في الجراحة لربط الأوعية الدموية. الدكتور محمد علي البار

стр. 13403

المناقشة بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ أخلاقيات الطبيب الرئيس: بسم الله الرحمن الرحيم، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. في موضوع هذه الجلسة (أخلاقيات الطبيب) بوحداته الموضوعية الجامعة وهي: سر المهنة، الإيدز، مسؤولية الطبيب، مبادئ العلاج والتطبيب، وسيعرض الطبيب أحمد رجائي الجندي ما يتعلق بسر المهنة، والطبيب أبو لسان ما يتعلق بالإيدز، والعرض العام للشيخ علي الجفال، تفضل يا شيخ علي. الشيخ علي الجفال: بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين وأصحابه الهداة الراشدين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، أما بعد: فإن البحث في المسائل الطبية المعاصرة وموقف الفقه الإسلامي منها، هو من قضايا الوقت الحاضر التي تحتاج إلى دراسة فقهية دقيقة تكشف عن موقف الشريعة الإسلامية من هذه المسائل التي جدت وشاعت وذاعت وتسرعت وتنوعت، وإني من أجل هذا رأيت أن أدلي في هذا الموضوع الذي يحتاج إلى دراسة تفصيلية تقوم على حقائق من الواقع وهدى من نصوص الشريعة السمحة وقواعدها، وموقف الفقه الإسلامي منها، وأسأل الله تعالى الهداية والتوفيق، إنه نعم المولى ونعم النصير. مسؤولية الطبيب: هذا وقد ورد بحثان قيمان لكل من فضيلة الدكتور محمد عطا السيد، وفضيلة الدكتور عبد الستار أبو غدة في موضوع مسؤولية الطبيب، ولقد اتفقت معهما في النتائج، واختلفت في التفاصيل معنى المسؤولية، لعل كلمة مأخوذية الواردة في كلام الإمام الشافعي في كتاب الأم H قرب ما تؤدي إلى المعنى المراد من كلمة مسؤولية في التعبير القانوني الحديث؛ ذلك أن سؤال المرء قد يكون فيما لا تبعة فيه، فأما المأخوذية فإنما تكون فيه مؤاخذة، على أن الناظر في كتب الفقه الإسلامي لا يجد لكلمة مسؤولية مكاناً فيها؛ لأنها لفظة محدثة، يجد أن الفقهاء قد عبروا عنها بلفظ الضمان ومع ذلك فإننا مضطرون إلى استعمال كلمة مسؤولية مجاراة لأهل العصر، هذا ولعل من الواضح أن تضمين الإنسان هو الحكم عليه بتعويض الضرر الذي أصاب غيره من جهته، والضرر نوعان:

стр. 13404

أولاً: ما يصيب الإنسان في نفسه. ثانياً: ما يصيبه في ماله. كما أن المسؤولية لابد في تحققها من ضرر ترتب على إخلال بحق ثابت للغير، فلا مسؤولية حيث لا إخلال بحق الغير ولا مسؤولية حيث لا ضرر، هذا وقد أوجبت السنة النبوية المطهرة مبدأ المسؤولية على الطبيب الذي يعالج الناس وهو ليس أهلاً للعلاج، وذلك ما رواه عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله ﷺ : ((من تطبب ولم يعلم منه طب قبل ذلك فهو ضامن)) قال الإمام الخطابي في معالم السنن: لا أعلم خلافاً في المعالِج إذا تعدى فتلف المريض كان ضامناً، والمتعاطي علماً أو عملاً لا يعرفه متعد، فإذا تولد من فعله تلف ضمن الدية وسقط عنه القود؛ لأنه لا يستبد بذلك دون إذن المريض وجناية الطبيب في قول عامة الفقهاء على عاقلته، كما أن في قوله ﷺ : ((لا ضرر ولا ضرار)) فإنه قاعدة كلية يرجع إليها في تطبيق جزئيات المسؤولية والمؤاخذة بها. أسباب الإباحة: الأصل في الشريعة الإسلامية أن الأفعال المحرمة محظورة على الكافة بصفة عامة، لكن الشرع رأى استثناء من هذا الأصل أن يبيح بعض الأفعال المحرمة لمن توفرت فيهم صفات خاصة؛ لأن ظروف الأفراد أو ظروف الجماعة تقتضي هذه الإباحة، ولأن هؤلاء الذين تباح لهم الأفعال المحرمة يأتونها في الواقع لتحقيق غرض أو أكثر من أغراض الشارع، فالجرح محرم على الكافة، ولكن لما كانت حياة الإنسان أو راحته قد تتوقف على عملية جراحية لإنقاذه من آلامه لإنقاذ حياته؛ لأن الضرورات تبيح المحظورات ولأن الشريعة تحض على التداوي من الأمراض، وتوجب على المرء أن لا يلقي بنفسه إلى التهلكة، وإذا كان الفعل المحرم قد أبيح لتحقيق مصلحة معينة، فقد وجب منطقياً ألا يؤتى الفعل المحرم إلا بتحقيق المصلحة التي أبيح من أجلها، فإذا ارتكب الفعل بغرض آخر فهو جريمة، فالطبيب الذي يجرح مريضاً بقصد علاجه يؤدي واجباً كلف به فعمله مباح، ولكنه إذا جرح المريض بقصد قتله فهو قاتل وعمله جريمة.

стр. 13405

تنوع أسباب المسؤولية: معلوم في الاصطلاح الفقهي أن الأضرار قد تكون مباشرة أو تسبباً، ومن القواعد المقررة في هذه المسألة أيضاً أنه إذا اجتمع المباشر والمتسبب يضاف الحكم إلى المباشر، والمهم هنا هو أن الفقهاء قد اتفقوا على أن من أتلف مالاً أو نفساً أو عضواً من نفس بغير حق شرعي، فعليه مسؤولية ما أتلف، وأن من فروع مسؤولية الإتلاف، مسؤولية الطبيب إذا أخطأ وجاوز الحد المعتاد، أو أهمل في العلاج، أو لم يكن من أهل الطب، وفي تقرير هذه المسؤولية حفظ للأرواح البشرية من تلاعب بعض الأطباء بها، وحفز لهم على التنبه إلى واجبهم واتخاذ الحيطة اللازمة في صناعتهم المتعلقة بحياة الناس. طريق رفع المسؤولية: قد يحصل الضرر بفعل أو تسبب، ولكن ترتفع المسؤولية عن الفاعل أو المتسبب فلا يحكم عليه بضمان التلف، فإذا لم يحكم عليه بالضمان فذلك هو المقصود من رفع المسؤولية، ونستطيع أخذاً من الفروع الفقهية أن نعد من طريق رفع المسؤولية التلف الحاصل بسريان العملية الجراحية التي وقعت معتادة ولم يهمل الطبيب علاجها، كذلك نستطيع أن نعد من طرق رفع المسؤولية، رضاء المجني عليه أو وليه إن كان قاصراً، ذلك أن الصلة بين الطبيب والمريض تحكمها أحكام عقد الإيجار، ومعلوم أن قيام العقد يستلزم توافق إرادتين؛ إرادة الطبيب وإرادة المريض أو وليه. هذا مع التنبيه إلى أن الفقهاء لم يقصروا عدم المسؤولية على الرضا فحسب بأن نصوا على أن عدم المسؤولية منوط بالإذن إذ كان العمل معتاداً ولم يجاوز الطبيب الرسم المتبع في أعماله، أي أن تكون أعماله موافقة للقواعد الطبية التي تتبع في كل حادثة على حدتها. مسؤولية الطبيب: إن الطب ذلك العمل الإنساني الخطير قد ينتحله بعض من لا يحسنه، وقد يقوم به من لا يرقب في الله خشية ولا ذمة، من لا خلاق له من دين أو خلق، ومن أجل ذلك بين الفقه الإسلامي الأحكام الصارمة الرادعة لمن يزاوله ولا يتقنه، ومن لا يرعى فيه الحقوق الإنسانية حق رعايتها. تضمين الطبيب الجاهل بالطب: روى أبو داود والنسائي وابن ماجه، أن رسول الله ﷺ قال: ((من تطبب ولم يعلم منه طب قبل ذلك فهو ضامن)) ، وهذا محل اتفاق بين العلماء، وجناية المتطبب على عاقلته في قول عامة الفقهاء.

стр. 13406

مسؤولية الطبيب الحاذق: هناك ضوابط وضعها الفقهاء فيمن يباح لهم مباشرة الطب، ونوجزها فيما يلي: ١- أن يكون المعالج من ذوي الحذق في صناعتهم ولهم بها بصارة أو معرفة. ٢- أن يكون الباعث على عمله، علاج المريض وشفاءه. ٣- يحب أن تكون أعماله على وفق الرسم المعتاد، أي موافقة للقواعد الطبية التي تتبع في كل حادثة على حدتها. ٤- إذن المريض، فإنه يشترط أن تكون المعالجة بناء على إذن المريض أو وليه. هذا وقد أوردت في البحث الحالات العاجلة التي لا يمكن فيها انتظار الحصول على إذن المريض، ولا يتسع المقام لذكرها، وفضلاً عن أن من حق المريض أن يختار الطبيب الذي يعالجه لأن الثقة بين المريض والطبيب لها تأثيرها في الشفاء، ذلك إذا كان المريض في حالة صحية تسمح له بذلك. تقييد الإذن بالسلامة: من القواعد الفقهية المقررة في الفقه الإسلامي أن المتولد من فعل مأذون فيه لا يكون مضموناً، ويستثنى من ذلك ما كان مشروطاً بسلامة العاقبة، وقد قسم السادة الحنفية الحقوق التي تثبت للمأذون إلى قسمين: أ- حقوق واجبة: ولا فرق بين أن تكون بإيجاب الشارع كحق الإمام في إقامة الحدود وفي القصاص والتعزير وبين أن تكون واجبة بإيجاب العقد لعمل الفصاد، الحجام، والختان وغيرها، وهذه الحقوق جميعها لا يشترط فيها سلامة العاقبة؛ لأنه لا ضمان فيها إلا بالتجاوز عن الموضع المعتاد. ب- حقوق مباحة: كحق الولي في التأديب، عند أبي حنيفة، وحق الزوج في التعزير فيما يباح له، وهذه الحقوق تتقيد بوصف السلامة، وبالنظر في ذلك عند بقية المذاهب يتبين أنها كالحنفية في هذا المعنى، مع شيء من الخلاف الطفيف في تحديد الحقوق التي تتقيد لوصف السلامة. والخلاصة أن الطبيب إذا راعى حقه في عمله ثم نتج عن فعله ضرر لحق المريض، ولا يمكن الاحتراز عنه، فلا ضمان عليه؛ لأن الطبيب إذا كان يستعمل حقه في حدوده المشروعة، فهو يقوم بواجبه في الوقت نفسه، والأصل أن الواجب لا يتقيد بوصف السلامة أو عدمه، وعلله بعض الفقهاء بما عرف في الفقه أن شرط الضمان على الأمين باطل. هذا وقد جمعت في خاتمة بحثي بعض ما ورد في تعاليم الإسلام وآدابه المتعلقة بالطب، كما أوردت نفس قسَم الطبيب المسلم الذي يعكس فلسفته المتمثلين في الدستور الإسلامي لآداب مهنة الطب، راجياً أن تكون تلك الخاتمة مسكاً مسلسلاً لكل من يتوفر فيها، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

стр. 13407

الدكتور أحمد رجائي الجندي: شكراً سعادة الرئيس، بما أني لأول مرة سأتحدث، اسمحوا لي أن أتقدم بخالص وجزيل الامتنان لتفضلكم بتغيير ميعاد الجزء الخاص بالطب حتى نعطي فرصة للأخذ بالتوصيات. ثانياً: أتقدم أيضا بخالص الشكر للأمانة العامة متمثلة في الأخ الفاضل الدكتور محمد الحبيب ابن الخوجة على العلاقات الوطيدة بين المنظمة الإسلامية للعلوم الطبية وبين المجمع، وكانت إحدى ثمراته هي الندوة التي نوقشت فيها الرؤية الإسلامية لبعض المؤسسات الطبية، ومنها موضوع سر المهنة الطبية، الموضوع الذي سوف نناقشه، شارك في الإعداد له حوالي اثنين وعشرين من الفقهاء وعدد كبير من الأطباء تخيرنا فيهم الوظائف المختلفة، ابتداء من وكيل الوزارة إلى الطبيب العادي إلى مدير الإدارة إلى الأستاذ الباحث إلى عميد الكلية وإلى طبيب التأمينات وإلى طبيب العمل، وذلك بهدفين أساسيين: الهدف الأول: تعليمي وتثقيفي لهم حتى يعلموا تماماً ما هو موضوع سر المهنة، رغم بساطته إلا أنه من أخطر المواضيع التي تقابل الجسم الطبي، والتي سببت الكثير من المشاكل داخل العمل اليومي لكثير من الأطباء والهيئة الطبية. الهدف الثاني: حتى نرى جميعاً كيف أن موضوعاً كهذا رغم بساطته إلا أن الجميع يجهلون أبعاده تماماً، رغم أن القانون واضح، ورغم أن النصوص واضحة بأن السر أمانة، وهنالك موضوع استثناءات لهذا الموضوع ومنصوص عليها في القانون، إلا أن الجميع نسوها تماماً أو تناسوها ووقعوا في المحظور. أهمية موضوع سر المهنة: أولاً: ثقة المريض بالطبيب للوصول إلى تشخيص صحيح، فإن الطبيب من وسائل رحمة الله بالعباد، ولن يكون هناك تشخيص صحيح بدون ثقة كاملة، وقد عرفه الإسلام بقول رسول الله ﷺ : ((السر أمانة، ومن أساء الأمانة فقد خان)) وقوله ﷺ : ((من ستر عورة أخيه ستره الله في الدنيا والآخرة)) . و ((آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا عاهد أخلف، وإذا اؤتمن خان)) . ثانياً: أن كثيراً من الأحداث تحدث أثناء الممارسات اليومية نتيجة الجهل الكامل بمفهوم معنى سر المهنة، سواء على المستوى الطبي والإداري، وأدى ذلك إلى وقوف الكثير من الأعضاء في الجسم الطبي أمام الهيئات الطبية القضائية بسبب عدم إلمامهم بهذا الموضوع.

стр. 13408

ثالثاً: في أهمية هذه الندوة، يرجع ذلك إلى عدم اهتمام كليات الطب أثناء إعداد الطبيب لممارسة الحياة اليومية، وكذلك النقابات المهنية ووزارات الصحة بهذا الموضوع، ولا تصحو إلا بعد أن يقع الطبيب أو المسؤول في المحظور. رابعاً: بسبب عدم فهم أبعاد هذا الموضوع لدى الهيئات الطبية فإن الطبيب أو المسؤول يقع في حيرة من أمره إذا ما رأى أمراً ما يخالف ضميره، فهل يفشي السر أم لا؟ ظناً منه أن في الأمر اجتهاداً أو بواعث. خامساً: جهل الإدارة الطبية أيضاً بأبعاد الموضوع مما يسبب حرجاً كبيراً للأطباء والهيئة الطبية بسبب هذا الموضوع. تنوع مهنة الطب: طبيب ممارس، طبيب استشاري، وطبيب عمل أو قمسيون طبي، وطبيب شركة تأمين، طبيب يعمل في البحث العلمي، أيضاً دخل موضوع حديث وهو موضوع الهندسة الوراثية التي تقوم المنظمة فيه بمؤتمر حول أخلاقيات هذا الموضوع، الأبحاث التي في هذا الموضوع تقدم بها كل من: فضيلة الشيخ مختار السلامي، وكذلك الدكتور حسن الشاذلي، والشيخ توفيق الراعي، فالشيخ مختار السلامي ذكر بأن الطبيب بطبيعة عمله يمكنه من الاطلاع على ما لا يطلع عليه غيره فتنكشف له عورات من يتولى فحصهم بدنياً ونفسياً ما لا ينكشف لغيره، ويطلع على أسرار مدفونة في خبايا النفوس أو تحت الثياب الساترة، وهذا يشمل مجالات عديدة وصوراً مختلفة، ثم تطرق إلى غريزة حب الاطلاع، وفي الطب تتاح للإنسان فرص كثيرة يكتشف فيها المجهول؛ إما بواسطة الحس أو بواسطة الفكر، وتقوم التربية المدنية والتبصير الديني على تنظيم هذه الغريزة إلى ما يعود على الإنسان بالخير، وذكر فضيلته بأن المعيار الديني يختلف تماماً عن المعيار المدني؛ لأن المعيار المدني لا يرجع الأسرار إلا لرضا صاحب السر، فإذا هو تنازل عن حقه كانت جوارح الطرف المطلع في حل من اكتشاف ما يراه في معرفته سواء أكان من ذخائر النفس أم من عورات البدن، أما حسب المعيار الإسلامي فإن صاحب السر حقوقه في التنازل محصورة داخل إطار ما أباحه له الشرع، ومن هنا فإن الطبيب المسلم لا يحل له أن يتجاوز محل الحاجة إلى ما وراءها إشباعاً لرغبة خاصة لا يبررها حقاً لوازم الكشف لتشخيص المرض ووقف العلاج.

стр. 13409

ثم انتقل بعد ذلك إلى أهمية ووضع القواعد الكلية التي هي عبارة عن موازين دقيقة بين الحاجة العلمية لتشخيص الداء وبين المواطن أو الدوائر التي يطلع عليها أو الأسرار الذاتية، وكل ما زاد على ذلك لا يجوز للطبيب أن يكشفه، واعتبر ذلك تجسساً كما جاء في الآية الكريمة: ﴿وَلَا تَجَسَّسُوا﴾ ، وعرف التجسس المنهي عنه بأنه هو البحث عما يكتم عنه، ثم استشهد بقصة الخليفة الثاني عمر بن الخطاب التي رواها عبد الرحمن بن عوف عن ربيعة بن أمية بن خلف في شربه للخمر، ثم تطرق إلى العلاقة بين المريض والطبيب وضرورة أن يبذل الأخير قصارى جهده ليتقي الشبهات ويستبرئ لدينه وعرضه، ثم ناقش القضايا المعروضة على الندوة واحدة تلو الأخرى والتي سوف أذكرها فيما بعد. القانون الفرنسي عرف سر المهنة بأنه الالتزام المفروض على جميع أعضاء الهيئة الطبية بألا يفشوا ما اطلعوا عليه وما علموه أثناء ممارسة مهنتهم. إلا أن الشراح اختلفوا في تحديد نطاق السر، إلا أن ابن أبي أصيبعة حدد نطاقه بأنه كل ما يسمع أو يرى ولا ينطق به خارجه، وبهذا فقد قلع كل قول في تحديد نطاق السر. أما القانون المصري ومعظم الدول العربية وفيها الكويتي حدد نطاق السرية أنه كل ما وصل إلى علم الطبيب عن طريق مهنته، سواء أكان هذا العمل مما عهد به إليه المريض وائتمنه عليه، شاهده الطبيب بنفسه أو سمع به، الأشخاص الملتزمون بحفظ السر هم جميع الأشخاص الملتزمون بالنسبة للمريض ابتداء من العلاقات العامة إلى السكرتارية إلى الممرضة إلى الطبيب في جميع تخصصاتهم إلى الصيدلة.

стр. 13410

القانون الكويتي مثلاً نص على أنه لا يجوز للطبيب أن يفشي سراً خاصاً وصل إلى علمه عن طريق مهنته، سواء أكان هذا السر مما عهد به إليه المريض وائتمنه عليه أم كشفه الطبيب بنفسه أم سمع به إلا بأمر من المحكمة لتحقيق سير العدالة، وقد حرص القانون على أن يذكر الحالات التي يجوز فيها الإبلاغ على سبيل الحصر لا المثال، والحالات التي يجوز فيها الإبلاغ هي أربع حالات: إفشاء السر بطلب من المريض، إفشاء السر لأحد الزوجين أو لكليهما معاً بناء على طلبهما، إفشاء السر منعاً لوقوع جريمة، إفشاء السر في حالة التأمين على الحياة. وفي الطبيب في التأمين، إفشاء السر في حالة التأمين من الطبيب إلى الإدارة لا يعتبر إفشاء؛ لأن العميل جاء بمحض إرادته وهو يعلم أن الكشف يجري بطلب من إدارة التأمين لإطلاعها على كل ما يتعلق بصحة العميل لتحديد شروط العقد، أما من يتلقى تقرير الطبيب فعليه الكتمان وعدم البوح به، أما الحالات الإجبارية التي يجب على الطبيب الإبلاغ فيها هي التبليغ عن الأمراض السارية، وقد عددها الشارع في القانون ولم تترك لتقدير أي من السلطات الإدارية ولا الطبيب. البند الثاني من الحالات الإجبارية: التبليغ عن المواليد والوفيات، والقانون يجبر الطبيب أن يبلغ إذا قام بالكشف على متوف أو قيامه بإسعاف مصاب أن يخبر السلطات المختصة إذا وجد علامات تشعر باحتمال أن تكون وفاة المتوفى أو إصابة المصاب من جريمة، ومما يؤيد وجوب كتمان السر ولا يجوز إفشاؤه إلا بنص قانوني أن الإجهاض ممنوع في فرنسا بموجب القانون الصادر سنة ١٩٢٠، ومع ذلك كان على الطبيب أن يمتنع عن الإبلاغ عنه أو الشهادة عليه إذا اطلع عليه أثناء ممارسة عمله، ولكن كثرة حالات الإجهاض دعت المشرِّع الفرنسي أن يعدل المادة ٣٧٨ من قانون العقوبات والقانون الصادر في سنة ١٩٣٩ م، والقانون الصادر سنة ١٩٧٥ م، بموجب هذين القانونين أعفى الطبيب من العقوبة المنصوص عليها بالمادة ٦٧٨ إذا هو أبلغ أو شهد على إجهاض اطلع عليه أثناء ممارسة المهنة، وأيضاً أجاز له أن يبلغ السلطات ويشهد أمام القضاء إذا شاهد أثناء ممارسته لمهنته من عنف وقع على قاصر، ومن هذا يتبين أنه استثنى من الكتمان حالتين وجعل التبليغ عنهما والشهادة عليهما جوازياً يعود لتقدير الطبيب. مثال آخر على عدم الدراية بالقانون من جهة الإدارة أتت حالة حاملة السفاح واضطرت المريضة إلى الاعتراف للطبيب بأن حالتها كانت تحتاج إلى الإجهاض وعند عرض المسألة على الإدارة طلبت الإدارة بإبلاغ مكتب التحقيق عن الحمل السفاح بخطاب رسمي وسري إلى المكتب المذكور مع نسخة منه إلى مدير إدارة الخدمات الوقائي، وقد رفض الأطباء الانصياع لهذا القرار واستفتت الوزارة إدارة الفتوى التي قالت: إن التبليغ عن حالات الحمل غير المشروع التي يتم إجهاضها بشأن الدواعي الطبية يجب أن يدور أساساً في ضوء القوانين التي تحكم هذا الموضوع والمسائل المتعلقة به؛ أي: يجب عدم الإفشاء ويجب السرية الكاملة.
следующие страницы →