هذه (القواعد العامة) (١) مثل رضا المتعاقدين ومعرفة المنفعة المعقود عليها معرفة تامة تمنع من المنازعة، وأن يكون المعقود عليه مقدور الاستيفاء حقيقة، وأن تكون المنفعة مباحة لا محرمة، لها أهميتها عند الشروع في التحليل الاقتصادي في مجال العمل البشري أو غيره، أما الوجه السلبي فهو أن هذه المعالجة الإجمالية لم تعط الفرصة لمعالجة إجارة العمل بالشكل المناسب أو الكافي، ولا شك أن ظروف الطلب على العمل وعرض العمل في السوق تختلف تماماً عن ظروف الطلب والعرض للمساكن أو للأراضي، وعلى أية حال فإنه يقع على الباحث المعاصر مهمة استخلاص القواعد العامة والخاصة التي تحكم إجارة العمل من التراث الفقهي الإسلامي: وأن يرى كيف يمكن الاستفادة منها، وربما اقتراح كيفية تطويرها حتى تتحقق مقاصد الشريعة في ظروف العصر.
جاء في العدة –شرح العمدة في فقه الإمام أحمد بن حنبل ﵁ - أن الحاجة تدعو إلى المنافع (الخدمات) كالحاجة إلى الأعيان (السلع في التعبير الحديث) ، وأن الإجارة عقد على المنافع (٢) وقال: (ولا تصح (الإجارة) إلا على نفع معلوم؛ إما بالعرف كسكنى دار، أو بالوصف كخياطة ثوب معين أو بناء حائط أو حمل شيء إلى موضع معين، وضبط ذلك بصفاته أو معرفة أجرته، وقال: يشترط معرفة الأجرة كما يشترط معرفة الثمن في المبيع) (٣)
وفي الفتاوى فرق ابن تيمية ﵁ بين أنواع من الإجارة، قال: (لفظ الإجارة فيه عموم وخصوص، فإنها على ثلاث مراتب: إحداها أن يقال لكل من بدل نفعاً لعوض فيدخل في ذلك المهر.. والمرتبة الثانية الإجارة التي هي جعالة، وهو أن يكون النفع غير معلوم لكن العوض مضمون، فيكون عقداً جائزاً غير لازم (٤) ... والثالثة الإجارة الخاصة، وهي أن يستأجر عيناً أو يستأجره على عمل في الذمة، بحيث تكون المنفعة معلومة، فيكون الأجر معلوماً والإجارة لازمة، وهذه الإجارة التي تشبه البيع في عامة أحكامه، والفقهاء المتأخرون إذ أطلقوا الإجارة أو قالوا: باب الإجارة، أرادوا هذا المعنى، وأضاف: (إن الإجارة الخاصة (وهي موضع اهتمامنا في هذا البحث) يشترط فيها ألا يكون العوض غرراً قياساً على الثمن، فأما الإجارة العامة التي لا يشترط فيها العلم بالمنفعة فلا تشبه هذه الإجارة كما تقدم فلا يجوز إلحاقها به) (٥)
стр. 13547
وتتأكد ضرورة انتفاء الغرر بالنسبة للإجارة عند ابن حزم الظاهري فلا تجوز الإجارة عنده (إلا بمضمون مسمى محدود في الذمة أو بعين متميزة معروفة الحد والمقدار) (١) وفي شرح القدير لابن الهمام (ولا تصح الإجارة حتى تكون المنافع معلومة والأجرة معلومة.. لأن الجهالة في المعقود عليه وبدله تفضي إلى المنازعة كجهالة الثمن والمثمن في البيع) (٢) وفي رد المحتار على الدر المختار لابن عابدين (ركن الإجارة الإيجاب والقبول وشرطها كون الأجرة والمنفعة معلومتين.. وكل ما صلح ثمناً –أي بدلاً في البيع- صلح أجرة؛ لأنها ثمن المنفعة، ولا ينعكس كلياً، فلا يقال: ما لا يجوز ثمناً لا يجوز أجرة؛ لجواز إجارة المنفعة بالمنفعة) (٣) .. وذهب ابن عابدين إلى تفصيل الأجرة فقال: (كقوله: بكذا دراهم أو دنانير وينصرف إلى غالب نقد البلد، فلو الغلبة مختلفة فسدت الإجارة ما لم يبين نقداً منها، فلو كانت كيلياً أو وزنياً أو عددياً متقارباً فالشرط بيان القدر والصفة، وكذا مكان الإيفاء لو له حمل ومؤنة عنده، وإلا فلا يحتاج إليه كبيان الأجل، ولو كانت ثياباً أو عروضاً فالشرط بيان الأجل والقدر والصفة لو غير مشار إليها، ولو كانت حيواناً فلا يجوز إلا أن يكون معيناً) (٤) وما هذا التفصيل إلا (لأن الجهالة) كما يقول: (تفضي إلى المنازعة) .
وفي المصادر الفقهية المختلفة نجد التفرقة بين: أ- التعاقد مع شخص لأداء عمل مسمى، أو معين، فيستحق الأجر بأداء هذا العمل.
ب- التعاقد مع شخص على مدة معينة يعمل فيها دون تسمية أو تعيين أو إشارة لعمل محدد، في هذه الحالة يستحق الأجر عن المدة؛ لأن التعاقد تم عليها سواء تم فيها عمل أم لم يتم.
стр. 13548
ملاحظات وتعقيب:
في نهاية عرض ما سبق من اجتهادات فقهية لدينا ملاحظات ثلاث نرفق بكل منها تعقيباً مناسباً في سبيل بلورة قاعدة ننطلق منها إلى مواجهة علاجية للمشكلة المطروحة في هذا البحث.
أولاً: هناك اتفاق على أن الأجر يستحق مقابل أداء عمل معين أو مسمى أو مشار إليه، وذلك من الشخص الذي يطلبه بالاتفاق مع الأجير، ويجوز للأجير في هذه الحالة قبول أداء أعمال مماثلة لأشخاص آخرين في نفس الوقت وفقاً لما يتفق عليه، وهذه الحالة التي أسماها الفقهاء (الأجير المشترك) لا تقع ضمن حالات العمال الأجراء الذين نهتم ببحث مشكلة أجورهم الحقيقية في ظل الارتفاع المستمر في الأسعار، فالذي جرى الاصطلاح على تسميتهم أجراء مشتركون هم الذين يصنفون في الفكر الحديث كعمال حرفيين أو مهنيين مستقلين، حيث إنهم يملكون أدواتهم ومعداتهم الخاصة وكثيراً ما يكون لديهم أماكنهم أو محلاتهم الخاصة التي يمارسون، وقد يكون لديهم أيضاً عمال أجراء يعملون من خلالهم بأجور مضمونة بغض النظر عن مخاطر الأعمال التي يتعهدون بها، ومن ثم فإن قضية الأجير المشترك تختلف عن قضية غالبية العمال الأجراء الذين يعملون من خلال الغير في مؤسسات أو شركات أو هيئات.. إلخ، والواقع أن الأجير المشترك صاحب عمل أو سيد نفسه، بمعنى أنه يقوم بالاتفاق بصفة مباشرة مع أصحاب الحاجات لخدماته على مسؤوليته الخاصة (لهذا تكلم الفقهاء عن مسألة تضمين الأجير المشترك، يضمن أو لا يضمن) ، وهو لا ينتج سلعة مثل الصانع أو المزارع ولا يشتري سلعة ليبيعها كالتاجر، وإنما يبيع الخدمات Services، وهي التي أطلق عليها الفقهاء لفظة (المنافع) وفي مجال بيع خدماته يتفق الأجير المشترك (أو صاحب المهنة أو الحرفة كما هو المصطلح الحديث) على ثمن محدد لهذه الخدمات مع من يطلبها منه، وذلك بصفة مباشرة، وقد أطلق الفقهاء على ثمن الخدمة التي يقوم بها الأجير المشترك مصطلح الأجر، وهذا لا يعترض عليه لغوياً أو منطقياً حيث هو من قبيل الأجر فعلاً، ولكن وجه الاعتراض يأتي من حيث اختلاف المفهوم الاقتصادي العام للأجر مع هذا المفهوم الخاص، فالأجر وفقاً للمفهوم العام الحديث مبلغ من النقود (أو ما يحل محلها) يستحقه العامل بالتعاقد مع صاحب عمل مقابل وقت محدد يقضيه للعمل لديه أو عمل محدد يؤديه من خلاله ولا يتحمل العامل بأية حال مسؤولية ما يقوم به من عمل، بل يتحمل ذلك صاحب العمل، فالأجر ثمن مضمون لخدمة يؤديها العامل بعقد قائم على التراضي بينه وبين صاحب العمل، فلا علاقة للعامل بالسوق أو بأصحاب الحاجات مباشرة مثل الأجير المشترك والذي من خلال وضعه المميز يستطيع أن يساوم على أجره كلما تغيرت ظروف الطلب على العمل أو ظروف الأسعار، ومقابل هذه الميزة فإن الأجير المشترك وهو حرفي أو مهني مستقل يتحمل مسؤولية مباشرة عن أي عمل يتعهد به تجاه من يطلبه، ومن ثم فإن أجره ليس مضموناً مثل العامل الأجير الذي يعمل من خلال الغير.
لكل ما سبق فإن حالة الأجر بالنسبة للأجير المشترك لا تثير نفس المشكلة التي نهتم ببحثها في هذا المقال.
стр. 13549
ثانياً: يستحق الأجر في الحالة التي يطلق عليها الفقهاء (الأجير الخاص) عن مدة مؤقتة معلومة للطرفين، ذلك لأن صاحب العمل يتسلط وحده على منافع أو خدمات الأجير خلال المدة التي يتفقان عليها من غير بيان مسبق للعمل أو مع بيان طبيعة هذا العمل وأوصافه، ولكن دون تحديد لكمية أو مقدار العمل المطلوب في المدة (وإلا فسدت الإجارة) .
وحالة الأجير الخاص أقرب ما يكون إلى الحالة الشائعة التي نجدها في مجتمعاتنا الحديثة للعمال الأجراء، سواء كانوا ممن يعملون بأيديهم أو بأذهانهم، ففي معظم الحالات نجد أن الاتفاق يتم بين صاحب عمل وبين عامل يعمل لديه على أساس معدل أجر بالساعة أو باليوم أو بالأسبوع أو بالشهر، والعامل عادة يتعاقد على القيام بعمل معين ذي طبيعة معينة أو أوصاف محددة، لكن دون تحديد لمقدار العمل أو كميته أو نوعيته التي تلزم، وفي الممارسة العملية (خارج نطاق العقد) ، قد يحدد صاحب العمل كماً معيناً من الإنتاج كمتوسط لإنتاجية العامل في الساعة أو في اليوم.. إلخ فإذا زادت إنتاجية العامل فوق المتوسط المتوقع استحق مكافأة أو ترقية، أما إذا حدث العكس تعرض العامل للفت نظره، وربما زادت رقابة صاحب العمل عليه أو ربما فكر في الاستغناء عنه بمجرد انتهاء فترة التعاقد معه، وكل هذا من حقه، ولا أعتقد أن هذا يثير خلافاً من الناحية الشرعية.
لكن الأمر الذي يدعو إلى البحث هو مدة التعاقد في حالة الأجير الخاص التي كما ذكرنا تعتبر الحالة الأكثر شيوعاً في العصر الحديث، ففي حالات قد يتم الاتفاق مع الأجير الخاص على يوم أو أسبوع أو شهر أو عام، ولكن في معظم الحالات أصبحت مدة الإجارة الخاصة ممتدة لأعوام ومتجددة تلقائياً، ففي مجالات النشاط الحديث: صناعي أو تجاري أو خدمي أو أولي أصبحت المؤسسة القائمة تعمر أكثر مما يعمر الرجال بسبب انفصال هيكلها المالي أو التنظيمي عن الأعمار الطبيعية لملاكها، كما أصبح سوق العمل منظماً عما كان عليه الأمر قديماً، واتخذت عقود العمل في الحالة التي يسميها الفقهاء الإجارة الخاصة، في ظل الظروف المذكورة، أبعاداً زمنية لم تكن معروفة فيما مضى، حتى إن العقد قد يجدد تلقائياً حتى سن التقاعد (في الستين مثلاً) أو حتى الوفاة أيهما أقرب، وهذه الظاهرة متكررة بعينها في حالات جميع العمال أو الموظفين الذين يشتغلون في الأجهزة والإدارات الحكومية.
стр. 13550
هذه الظاهرة –أي عقود العمل الطويلة الأجل جداً أو المجددة تلقائياً إلى سن التقاعد أو لنهاية العمر لم تعرف في العصور الوسطى، بل ولم تعرف إلى قرن مضى، وكان الأمر الغالب في هذه المجتمعات بطبيعة ظروفها الاقتصادية هي عقود الإجارة الخاصة قصيرة الأجل ليوم أو لأيام أو لشهور أو عام.. ومن أطول عقود الإجارة الخاصة زمناً في العهد القديم ما جاء ذكره في قصة النبي موسى ﵇ ﴿قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ﴾ [القصص: ٢٧] .
ولم أجد في المصادر الفقهية التي اطلعت عليها ما يدل على اهتمام بمناقشة طول المدة أو قصرها في حالة الأجير الخاص، وربما هذا لظروف العصر كما ذكرنا، ولكن حيث تدخل إجارة العمل في باب الإجارة بصفة عامة يمكن لنا الاستفادة من المناقشة الخاصة بالمدة وطولها في حالة الدور والأراضي، لقد ورد في شرح القدير لابن الهمام- باب الإجارة قوله: (قد تقدم أن المنفعة لا بد أن تكون معلومة في الإجارة، فلا بد من بيان ما تكون به تكون معلومة، فتارة تصير معلومة بالمدة، كاستئجار الدور للسكن والأراضي للزراعة مدة معلومة وكائنة ما كانت؛ لأن المدة إذا كانت معلومة كان مقدار المنفعة فيها معلوماً) ثم يضيف: (ولا فرق بين طويل المدة وقصيرها عندنا إذا كانت بحيث يعيش إليها العاقدان؛ لأن الحاجة جوزت الإجارة لها قد تمس إلى ذلك، وهي مدة معلومة يعلم بها مقدار المنفعة، فكانت صحيحة كالأجل في البيع، وأما إذا كانت بحيث لا يعيش إليها أحد المتعاقدين فمنعه بعضهم؛ لأن الظن في ذلك عدم البقاء إلى تلك المدة، والظن مثل التيقن في حق الأحكام، فصارت الإجارة مؤبدة معنى، والتأبيد يبطلها وجوزه آخرون) (١)
стр. 13551
السؤال إذاً: هل امتداد عقود الإجارة الخاصة للعمال إلى سن التقاعد أو إلى الوفاة أيهما أقرب، والذي نشهده في غالبية المؤسسات الحديثة أمر غير جائز؟ بصفة مبدئية لا أعتقد هذا؛ لأن الامتداد في العقود ليس ملزماً أو إجبارياً، بمعنى أن العامل يستطيع الاستقالة من عمله أو يطلب عدم تجديد العقد، كذلك فإن صاحب العمل يستطيع اتخاذ قرار عدم تجديد العقد أو فصل العامل، صحيح أن بعض الشروط قد توضع في إجراءات الاستقالة أو إجراءات الفصل حماية لمصلحة هذا الطرف أو ذاك، ولكن هذه الإجراءات لا تعني أبداً أن عقد العمل للأجير الخاص ملزم بصفة مؤبدة، ويلاحظ أنه إذا أصبح عقد إجارة الأجير الخاص ملزماً بصفة مؤبدة أو مجدداً تلقائياً بصفة إجبارية إلى سن التقاعد أو إلى نهاية العمر تحت أي نظام من النظم السياسية أو التشريعية، فإنه يكون باطلاً، فالأجير الخاص يصبح في مثل هذه الظروف أقرب إلى العبد منه إلى الحر.
ولكن تبقى مسألة خطيرة مترتبة على طول مدة العقد ألا وهي الخاصة بالأجر خلال المدة الطويلة جداً، كيف يكون؟ هل يبقى ثابتاً عند المستوى المحدد عند التعاقد؟ أم يتغير؟ وكيف يتغير؟ هذه المسألة الخطيرة هي التي تحتاج إلى الاجتهاد حقاً، وهي التي نواجهها بطريقة أو بأخرى في هذا البحث.. إن المدة الطويلة تعني عادة زيادة الكفاءة الإنتاجية للعامل بسبب اكتسابه مهارات إضافية أو مزيداً من التعليم والتدريب، وهذا يعني زيادة قيمة المنفعة أو الخدمة التي يقدمها العامل خلال الوقت، والتي يحصل عليها صاحب العمل وفقاً للعقد، فكيف يبقى الأجر ثابتاً عند مستواه الأول عند التعاقد؟ (مثلاً منذ عامين أو منذ عشرة أعوام أو أكثر..) ، كذلك فإن المدة الطويلة تعني احتمال نقص الأجر الحقيقي للعامل كلما ارتفعت الأسعار –أي كلما انخفضت القيمة الحقيقية للنقد، فكيف لا يتم تعديل الأجر النقدي حتى نحافظ- على الأقل- على الأجر الحقيقي؟ كذلك فإن المدة الطويلة تعني تزايد الفجوة بين الأجر المتعاقد عليه في سنة ما مع متوسط أجر المثل الجاري في السوق.
كل هذه الاحتمالات تثير بقوة قضية عدالة الأجر في عقود العمل الخاصة الممتدة لآجال طويلة جداً.
стр. 13552
ثالثاً: هناك اتفاق تام على أن الأجر المستحق يجب أن يحدد تحديداً واضحاً بنقد رائج معلوم بكذا دراهم أو دنانير من نقد البلد غالباً، ولو اتفق على دفع الأجر من مكيلات أو موزونات أو معدودات متقاربة فإن الشرط بيان القدر والصفة في أي حالة على وجه التحديد، ويلاحظ أن مثل هذه السلع المتجانسة أو المتماثلة الوحدات استخدمت قديماً كنقود سلعية في المبادلات، ويلاحظ أن مثل هذه النقود السلعية تشترك مع النقود الذهبية والفضية في أن لها قيمة أو مالية ذاتية، على عكس النقود الاصطلاحية أياً كان شكل هذه الأخيرة، وفي المصادر الفقهية ما يؤكد جواز تحديد الأجر أيضاً بأي سلع أخرى (وربما منافع) لها مواصفات مميزة ومعروفة وفي حد ذاتها مقبولة بصفة عامة بين الناس، أما إذا لم يكن الأجر محدداً تحديداً واضحاً فغير جائز لاحتمال الجهالة أو الغرر، وكل ما سبق يعني أن أئمة الفقه الإسلامي كانوا حريصين أشد الحرص على تحديد ما نسميه في الفكر الحديث بالأجر الحقيقي عند التعاقد على العمل.
ويترتب على هذا أمر هام في بحثنا الحالي، حيث إن الأجور تستحق بالنقد الرائج المتداول الذي هو نقد ورقي اصطلاحي، ليس له بالضرورة صفة الاستقرار أو الثبات، فالنقد الرائج المتداول في عصرنا قد يستقر في قيمته الحقيقية (قوته الشرائية) حيناً، وقد يتدهور حيناً آخر، وبذلك فهو لا يضمن استقرار الأجر الحقيقي الذي هو عبارة عن كم معين سلعي.
ولدينا احتمالات ثلاثة: أولها أن الأجر المستحق بالنقد الورقي المتداول يتقلب في قيمته الحقيقية حول مستوى معين، تارة لأعلى إذا انكمشت الأسعار أو غلت النقود، وتارة لأسفل إذا ارتفعت الأسعار ورخصت النقود، وثانيها أن القيمة الحقيقية للأجر المستحق بالنقد الورقي المتداول تتجه بصفة مستمرة لأعلى بسبب استمرار انكماش الأسعار –أي غلاء النقود- على المدى الطويل من الزمن، وثالثها أن القيمة الحقيقية للأجر المستحق بالنقد الورقي المتداول تتجه بصفة مستمرة لأسفل بسبب استمرار ارتفاع الأسعار – أي رخص النقود- على المدى الطويل من الزمن.
والاحتمال الأول لا يستدعي معالجة خاصة؛ حيث إنه إذا سارت الأمور على مثل هذا المنوال فإن الضرر أو النفع الواقع على أحد طرفي العقد لن يستديم، بل إن الضرر والنفع قد يتساويان في المتوسط على مدى الزمن بشكل لا يتضمن إخلالاً بالعدالة، أما في الحالتين الأخريين فإن الأمر يختلف بداهة؛ ذلك لأنه إذا انكمشت الأسعار بصفة مستمرة فغلت النقود بصفة مستمرة فإن في هذا إضراراً بالمستأجر للعمل على مدى الأجل الطويل، ويزداد الضرر طالما بقي مستوى الأجر النقدي ثابتاً، وكلما طالت مدة العقد واشتدت حدة غلاء النقود، والعكس صحيح، بمعنى أنه إذا ارتفعت الأسعار بصفة مستمرة فرخصت النقود بصفة مستمرة فإن في هذا ضرراً مؤكداً واقعاً على الأجير، وتشتد حدة الضرر طالما بقي مستوى الأجر النقدي ثابتاً وكلما طالت مدة العقد واشتدت حدة رخص النقود.
стр. 13553
ولقد استبعدت المناقشات الفقهية فيما مضى حالات الرخص المستمر أو الغلاء المستمر للنقود، بناء على المشاهدات الواقعية، فلقد كان التقلب بين ارتفاع الأسعار وانكماشها أو رخص النقود وغلائها هو الأمر الشائع، أما الآن في عصرنا الحديث فلدينا حالة واضحة تماماً تتمثل في الارتفاع المستمر في المستوى العام للأسعار أو التضخم الممتد لآجال طويلة، ومن ثم فلدينا حالة رخص مستمر ومتزايد في القيمة الحقيقية للنقود الورقية المتداولة، والتي هي نقود اصطلاحية، فإذا أضفنا إلى هذا ما توصلنا إليه من قبل بشأن عقود العمل التي أصبح معظمها ينطوي غالباً تحت مضمون الإجارة الخاصة، وأصبحت معظم هذه العقود ممتدة لآجال طويلة جداً، فإننا سنجد أمامنا حالة خطيرة تتمثل في ضرر مؤكد يقع على العمال الذين تبقى أجورهم المسماة عند التعاقد لأول مرة ثابتة، أو الذين تتغير معدلات أجورهم بشكل لا يعوضهم عن الفقد الحادث بسبب الرخص المستمر في قيمة النقود، هذه هي المشكلة التي يتعين علينا بحثها لنجد لها حلا.
علاج مقترح: الربط القياسي للأجور بالمستوى العام للأسعار:
من الممكن اقتراح مواجهة المشكلة المذكورة للأجور العمالية في إطار التدهور المستمر لقيمة النقد، والذي يحدث من خلال التضخم، بربط الأجور بالرقم القياسي للأسعار، وهذا العلاج له مزاياه وله مثالبه، وعلينا أن نناقش هذه وتلك قبل أن نقره أو لا نقره. وهذا العلاج يصنف ضمن أنواع العلاج النقدي حيث يعمل من خلال تغير الأجور النقدية تبعاً لتغيرات الأسعار، وجميع أنواع العلاج النقدي تعتبر قصيرة الأجل في عرف رجال الاقتصاد، ولا بد من التنويه بالملاحظات الآتية قبل الدخول في مزيد من التفاصيل عن العلاج المذكور:
أ- إنه لا يوجد في الغالب علاج وحيد ناجع لأي مشكلة اقتصادية قائمة على المستوى الكلي Macro Level، وقد يكون العلاج المقترح رئيسياً ومن ثم علينا أن نتبين أنواع العلاج الأخرى التي تصاحبه حتى يؤتي ثمرته المرجوة.
ب- إن العلاج النقدي الذي يعمل في الأجل القصير يختلف في طبيعته عن العلاج الهيكلي الذي يعمل في الأجل الطويل، والعلاج الهيكلي مطلوب وهو هدف حتمي للدول الإسلامية؛ حيث إنه يعمل من خلال الشريعة الإسلامية والالتزام بها نصاً وتطبيقاً في جميع الأمور وليس في جزء من الأجزاء أو أمر واحد دون الأمور الأخرى، وحيث هذا هو الوضع المنشود في الأجل الطويل يلزم علينا وضع تصور عن العلاقة بين العلاج المقترح في الأجل القصير والعلاج الهيكلي.
ج- إن أي علاج مقترح لا يمكن أن ينفصل عن العلاج الاجتماعي طالما أننا نتكلم في إطار الاقتصاد الإسلامي، ومن ثم علينا أن نضع نصب أعيننا تحقيق الهدفين الاقتصادي والاجتماعي معاً، أو على الأقل تحقيق الهدف الاقتصادي دون إضرار بالهدف الاجتماعي.
стр. 13554
وصف العلاج:
يتمثل العلاج المقترح في ربط معدلات الأجور بالرقم القياسي لأسعار التجزئة، وهذا الرقم يستخدم في عدد كبير من البلدان لكي يدل على نسبة التضخم التي تهم أصحاب الدخول بصفتهم مستهلكين، فالتغيرات في الرقم القياسي لأسعار التجزئة في أي بلد تعتبر مؤشرات جدية للتغيرات في نفقة المعيشة (١)
وسوف نفترض بصفة مبدئية أن ربط الأجور بالرقم القياسي لأسعار التجزئة سيتم تلقائياً، بمعنى أنه إذا كان التغير في الرقم القياسي خلال سنة ما بنسبة ١٠ %، فإن الارتفاع في نفقة المعيشة يساوي ١٠ %، والتدهور في القيمة الحقيقية للنقود بنفس النسبة، ومن ثم يتم تعديل الأجور بصفة عامة بزيادة قدرها ١٠ %، فإذا تم التعديل تلقائياً بالطريقة المذكورة تظل الأجور الحقيقية على ما هي عليه عندما تم التعاقد على إجارة العمل.
الإطار الشرعي للعلاج:
هل هناك أساس شرعي يستند إليه العلاج المقترح؟
إن معظم مناقشات رجال الاقتصاد الإسلامي في هذا المجال تنطلق من اجتهادات فقهية سابقة بخصوص النقود والتغير في قيمتها بالغلاء أو بالرخص، ولقد أجمع الفقهاء في المذاهب المختلفة على أن المناقشات الخاصة برخص أو غلاء النقود لا تنطبق على النقود الذهبية أو الفضية الخالصة من الغش، ولكن الأمر يختلف بالنسبة للنقود المسكوكة من معادن رخيصة والتي كان يطلق عليها (الفلوس) ، وكذلك بالنسبة للدراهم والدنانير (وهي في الأصل فضية أو ذهبية) التي غلب عليها الغش.
فالفلوس لها ثمنية اصطلاحية تختلف عن قيمتها الذاتية الزهيدة، فإذا رخصت الفلوس بسبب الغلاء تعرض مالكها –وكذلك الدائن وصاحب الحق المؤجل الذي قدر ماله أو حقه بالفلوس- للغبن؛ لأنه لم يعد يستطيع أن يشتري بها سلعاً أو منافع مساوية في قيمتها الحقيقية لما كان يشتريه بها قبل رخصها، وهذه النقود الاصطلاحية لا تصلح في ظل التدهور المستمر في قيمتها الحقيقية أن تؤدي وظيفتها كمستودع للثروة، كما أنها تبخس حقوق الغير إذ استخدمت لسداد ما في الذمة من قروض أو ديون أو أثمان مؤجلة، وكلما اشتدت حدة الغلاء في الأسعار اشتدت حدة التدهور في القيمة الحقيقية للنقود الاصطلاحية، وهي في الأصل ليس لها قيمة أو مالية ذاتية، فتصبح بلا معنى، وكلما طالت مدة الغلاء كلما اشتدت حدة المشكلة على الناس.
стр. 13555
وكان أبو يوسف ﵁ من أكثر فقهاء المسلمين فهماً لمشكلة غلاء ورخص النقود الاصطلاحية –الفلوس- في عصره، وقوله فيها صار أساساً لاجتهاد الفقهاء من المذهب الحنفي فيما بعده، فهو يرى أنه يجب على المدين أن يؤدي (قيمة النقد) الذي طرأ عليه الغلاء أو الرخص يوم ثبوته في الذمة من نقد رائج.. ففي البيع تجب القيمة يوم العقد، وفي القرض يوم القبض (١) والقول الثاني في المشكلة عند بعض المالكية وهو أن التغير في قيمة النقد (الغلاء أو الرخص) إذا كان فاحشاً فيجب أداء (قيمة النقد) الذي طرأ عليه الغلاء أو الرخص (٢) (ولكن يلاحظ أن التغير الفاحش يجب أن يعرف تعريفاً موضوعياً دقيقاً وإلا أصبح مبهماً يحتمل التأويل) ، أما إذا لم يكن التغير في قيمة النقد فاحشاً فالمثل، وهذا القول يعني أن المشكلة توجد فقط في حالة التضخم الجامح الذي يصاحب أحوالاً غير عادية، تماماً مثل الحروب وهلاك المحاصيل أو انتشار أوبئة مهلكة تؤدي إلى نقص شديد في الناتج الكلي.. إلخ، والتعقيب الوحيد على هذا الرأي هو ذكر حديث الرسول ﵊ الذي يحض على استثمار أموال اليتامى حتى لا تأكلها الصدقة وهي ٢.٥ %، فهل نعتبر أن معدل تضخم سنوي ٢٥ % حالة تستدعي النظر، حيث يأكل أموال اليتامى في سنة واحدة ما تأكله الصدقة في عشر سنوات، أم ماذا يكون التضخم الفاحش لدى أصحاب هذا القول من المالكية؟
والقول الثالث لأبي حنيفة والمالكية في المشهور عندهم والشافعية والحنابلة وهو (أن الواجب على المدين أداؤه هو نفس النقد المحدد في العقد والثابت ديناً في الذمة دون زيادة أو نقص وليس للدائن سواه) (٣) ، ويلاحظ أن هذا الرأي يتعرض للنقد الشديد إذا افترضنا أن حالة الغلاء أو الرخص كانت حادة ومستمرة، كما يحدث في عصرنا الحالي، أما قديماً حينما كان الغلاء يحدث حيناً والرخص يحدث حيناً آخر فالأمر قد يحتمل رأياً أو آخر.
وفي العصر الحديث نجد النقود الورقية المتداولة (أو ما ينوب عنها من نقود ائتمانية) تتماثل في الواقع العملي مع الفلوس في خصائص، وتتماثل مع النقود الذهبية أو الفضية في خصائص أخرى، فهي تتماثل مع الفلوس –ومع جميع أنواع النقود العرفية أو الاصطلاحية التي تفتقر إلى مالية ذاتية- في عدم قدرتها على حفظ الثروة وقياس وتسوية القيم الآجلة، خاصة كلما طال الأجل وتغيرت الأسعار، وتتماثل مع النقود الذهبية والفضية- ومع جميع أنواع النقود السلعية التي كانت متداولة قديماً- التي لها مالية ذاتية في مقدرتها على قياس القيم الحاضرة وأداء وظيفة الوساطة في التبادل (٤)
стр. 13556
وإنه مما يثير عجب رجل الاقتصاد المعاصر أن يقرأ آراء فقهية معاصرة، فيجد أن بعضها يصر على إلحاق النقود الورقية بالفلوس وأحكامها الشرعية في كل شيء، والبعض الآخر يصر على القول بأن النقود الورقية قد حلت محل النقدين الذهب والفضة حلولاً كاملاً (١) فهي بدل كما يقال، وللبدل حكم المبدل عنه مطلقاً، والمطلوب رأي اجتهادي تجديدي يأخذ في الاعتبار الوضع الصحيح للنقود الورقية، وهو أنها صالحة تماماً مثل الذهب والفضة في أداء وظائفها في الوساطة في التبادل وقياس القيم الحاضرة في الأجل القصير، خلال العام الواحد، ولكنها لا تصلح لأداء وظيفة النقدين النفيسين في حفظ الثروة، والوفاء بالالتزامات والحقوق الآجلة، أو قياس القيم الآجلة إلا إذا كان مستوى الأسعار مستقراً.
نحن إذاً بصدد حالة جديدة لم تكن معروفة؛ فلنواجهها كما هي دون أن تطغى علينا آراء مسبقة أو آراء فرضناها على أنفسنا عن طريق استدلال قمنا به أو قياس اعتقدنا بصحته، ولكن نتائجه لا تستقيم مع مصالح عامة الناس ولا تؤكد أولوية العدالة التي حرص عليها الإسلام دائماً.
أياً كان الأمر فإن رجل الاقتصاد الإسلامي لا يملك إلا أن يأخذ من بين الآراء الفقهية الموجودة إلا ذلك الرأي الذي يحرص على تحقيق مصلحة عامة المسلمين، ويتفق مع قضية التحليل العلمي للأمور الاقتصادية.
إن الأجر للعامل كالثمن للمبيع، وهناك اتفاق تام على هذه المسألة، فإذا كان الثمن حاضراً لمبيع حاضر، فإنه لا مشكلة بالنسبة للنقود الورقية حتى في ظل تغير الأسعار كما سبق الشرح، ذلك لأنه طالما اتفق المشتري والبائع فإننا نفترض أنهما قد استطاعا أن يقوما بتقدير مصلحتيهما في إطار السوق الحر ومتغيرات الأسعار والقيمة الحقيقية للنقود، أما إذا كان الثمن مؤجلاً لمبيع حاضر، فإن المناقشة الخاصة برخص النقود تصبح ذات أهمية.
والتفرقة هنا ضرورية بين التضخم المفاجئ وغير المفاجئ، وكذلك بين الحاد والمعتدل، فبافتراض تضخم مفاجئ وحاد يلزم النظر في الثمن المؤجل؛ حتى لا يقع ظلم بيِّن على البائع ولم تكن لديه قدرة بأي شكل على توقع أو تفادي ما حدث، وهذه الحالة ليست شائعة أو متكررة، وإلا لأثارت مشكلة حتى في خلال العام الواحد، وقد يكون التضخم مفاجئاً ولكن معتدلاً، وليس في هذا نفس المشكلة.
стр. 13557
أما إذا كان التضخم متوقعاً –أي غير مفاجئ- فيفترض أن يكون البائع بالأجل قد أخذ في حسبانه ظروف التغيرات في الأسعار، ومن ثم في القيمة الحقيقية للمعاملة عند البيع، ويمكن تشبيه الأجر بالثمن المؤجل حيث يستحق بعد أداء عمل معين وتسليمه أو بعد انقضاء وقت معين متفق عليه، ولن تكون هناك مشكلة بالنسبة للأجر الحقيقي واحتمال التغير فيه في غضون الفترة القصيرة (الأسبوع أو الشهر أو السنة) في معظم الحالات التي نجد فيها التضخم معروفاً ومعدله متوقعاً، إنما المشكلة كما سبق الإيضاح في المدة الطويلة حيث تمتد عقود الإجارة الخاصة للأفراد إلى سن التقاعد أو إلى نهاية العمر (أيهما أقرب) فتنشأ المشكلة حقاً كلما طال الأجل بعد التعاقد الأصلي الذي تم فيه تحديد معدل الأجر لأول مرة.
وبسبب ظروف العلاقات العمالية في العصر الحديث وطبيعة عقود العمل الممتدة لآجال طويلة جداً من الزمن، فإن مشكلة الأجر تبدو أكثر من مشكلة الثمن المؤجل، سواء كان التضخم حاداً أو معتدلاً تدريجياً، ومتوقعاً أو مفاجئاً ذو معدلات متغيرة، وزيادة معدل الأجر تبعاً للنقص في القيمة الحقيقية للنقود لا يعني هنا أكثر من المحافظة على الحق العيني للعامل والذي حصل عليه بموجب تعاقده مع مستخدمه لأول مرة، أما إذا لم يتم هذا فإنه يعني استيفاء صاحب العمل لحقه من العامل مقابل أجر حقيقي أقل مما اتفق عليه أصلاً، وهذا يتعارض مع مبدأ العدالة الذي تحافظ عليه الشريعة في جميع الأمور، فثبات الأجر النقدي ليس إلا مظهراً خادعاً، ولقد تحدث الاقتصاديون كثيراً عن خداع النقود (الورقية) ، كذلك فإن زيادة الأجر النقدي بنسبة لا تعوض الفقد في القيمة الحقيقية للنقود ليس فيه وفاء بحق العامل، ويتضمن على سبيل التأكيد نسبة خداع أو غش. وعلى سبيل التأكيد ينبغي أيضاً أن نفرق هنا بين الزيادة المطلوبة في معدل الأجر النقدي بسبب التدهور في القيمة الحقيقية للنقود والزيادة التي يمكن أن يطالب بها العامل بسبب ارتفاع إنتاجيته الحقيقية على مدى الزمن أو لأي سبب آخر.
شروط العلاج وضرورة الحذر من الآثار السلبية أو الجانبية:
تختلف الشروط الأولية أو الضرورية للعلاج المقترح عن الشروط الكافية لتطبيقه، وسنبدأ بذكر الأولى.
إن الشروط الأولية أو الضرورية لتطبيق سياسة ربط الأجور بالمستوى العام للأسعار تتمثل أولاً في توافر إحصائيات دقيقة وصادقة عن أسعار السلع والخدمات المختلفة التي تدخل في تركيب الرقم القياسي لأسعار التجزئة، وذلك حتى يتم تقدير هذا الرقم تقديراً دقيقاً؛ ذلك لأن هدف العدالة الذي هو القصد من وراء عملية ربط الأجور بالرقم القياسي للأسعار قد يختل بدرجة أو بأخرى، أو ربما لا يتحقق إذا اعتمدنا على إحصائيات غير سليمة أو حسبنا الرقم خطأ.
стр. 13558
وبالإضافة إلى عدم تحقيق هدف العدالة عند الاعتماد على إحصائيات غير صادقة، فإن هناك آثاراً اقتصادية سيئة سوف تترتب على ربط الأجور برقم قياسي غير دقيق أو غير معبر عن تغيرات الأسعار، ويلاحظ أن الكثير من الدول النامية ومن بينها الدول الإسلامية المعاصرة تفتقر إلى الإحصائيات الدقيقة الخاصة بالأسعار، وتفتقر إلى المؤسسات الكفء في مجال الإحصاء، هذا الأمر يثير المخاوف بالطبع حيث يبين أحد أوجه النقص التي سوف نواجهها عند تطبيق العلاج المقترح، ومع ذلك فإن من الممكن تفادي هذا النقص أو القصور بإعادة النظر في تنظيم وعمل الأجهزة المسؤولة عن جمع الإحصائيات واستخدامها، وذلك بالاستعانة بأهل الخبرة المشهود لهم بالأمانة والحيدة العلمية، وكذلك بالاجتهاد قدر الاستطاعة في جمع البيانات الواقعية بدقة، وحث مختلف الأفراد على التعاون في هذا المجال.
أما ثاني الشروط الضرورية لتطبيق العلاج المقترح، فيتمثل في وجود هيئة رسمية عليا على المستوى الوطني تصبح مسؤولة بصفة دائمة عن ربط الأجور بالتغيرات في المستوى العام للأسعار، وذلك بالتنسيق مع السلطات الاقتصادية للدولة (وزارة الاقتصاد والبنك المركزي) من جهة، ومع أصحاب الأعمال والعمال من جهة ثانية، وهذه الهيئة العليا، ولنطلق عليها هيئة الأجور والأسعار سوف تضم إذاً ممثلين من وزارة الاقتصاد ومن البنك المركزي ومن الهيئات الممثلة لأصحاب الأعمال والنقابات العمالية، بالإضافة إلى بعض أهل الخبرة من رجال الاقتصاد والشريعة، ودور الهيئة العليا للأجور والأسعار كبير الأهمية، ولا غنى عنه، حيث يتمثل في إعلان النسبة المئوية أو المدى الذي سوف تتحرك فيه الأجور تبعاً لتغيرات الأسعار، ومتى يبدأ التنفيذ؟ وفي أي الأنشطة أولاً، ثم أي الأنشطة بعد ذلك؟ وهل يسمح بتحرك الأجور لأعلى تدريجياً أم دفعة واحدة؟ وكذلك يتعين على الهيئة العليا للأجور والأسعار الاتصال بممثلي أصحاب الأعمال والعمال للتأكد من سير الأمور بدقة وفقاً للخطة الموضوعة أو البرنامج المقترح، وتفادي أوجه النقص أو القصور التي تظهر خلال التنفيذ حتى لا تقود هذه إلى مشاكل قد يكون لها انعكاسات خطيرة على الأسعار والنشاط الإنتاجي.
стр. 13559
وثالث الشروط الضرورية في رأينا أن يكون هناك التزام عام بعقود عمل مكتوبة ومسجلة رسمياً لدى هيئات مختصة أو لدى بعض الهيئات المعروفة، مثل هيئة التأمينات الاجتماعية أو النقابات العمالية؛ ذلك لأن بعض أصحاب الأعمال قد يحاولون التهرب من الالتزام بتعديل الأجور النقدية على مدى السنوات المتتالية إذا لم تكن عقود العمل مدونة ومسجلة وموضحاً فيها شروط العمل ومعدل الأجر.
أما الشروط الكافية للعلاج المقترح فتتعلق بمواجهة الآثار السلبية أو الجانبية غير المرغوبة المترتبة على التطبيق، وأهم هذه الآثار على الإطلاق ينبعث من العلاقة الدائرية بين الأجور والأسعار، فكما أن الارتفاع التضخمي في الأسعار يستدعي زيادة الأجور النقدية، فإن هذه بدورها يمكن أن تؤدي إلى زيادة حدة التضخم، فالتضخم كما هو معروف له أسباب عديدة، وأحدها زيادة الأجور النقدية التي لا تقابلها زيادة في الإنتاجية الحقيقية للعمال على المستوى الكلي للاقتصاد، فالزيادة في الأجور النقدية تؤدي إلى زيادة الإنفاق الاستهلاكي الكلي، بينما أن ثبات الإنتاجية الحقيقية للعمال –أو عدم زيادتها بمعدل متقارب مع الزيادة في الأجور النقدية- يعني أن الناتج الحقيقي الكلي من السلع والخدمات لم يتغير –أو تغير بمعدل غير متناسب مع التغير في الإنفاق الاستهلاكي- وهذا مما يؤدي إلى ارتفاع الأسعار في الأسواق، لذلك فإن ثمة اختلال قد ينشأ بسبب زيادة الأجور النقدية التي تتقرر بناء على الارتفاع في الأسعار، وهذا الاختلال يؤدي إلى ارتفاع الأسعار بشكل عام، فإذا رفعنا الأجور مرة أخرى دخلنا في دائرة مفرغة، أو ما يسمى بلولب الأسعار / الأجور.
ومن جهة أخرى فإن الاختلال الناشئ بين الأجور النقدية التي سوف نربطها بالرقم القياسي للأسعار من جهة، والإنتاجية التي تتحدد بعدد من العوامل الأخرى من جهة ثانية لن يكون عاما أو بنفس الدرجة في جميع الأنشطة داخل الاقتصاد، فالواقع أن بعض الأنشطة سوف تتميز بارتفاع الإنتاجية بمعدل يفوق الارتفاع في المستوى العام للأسعار، بينما تشهد أنشطة أخرى عكس هذا الوضع أو ربما تظل الإنتاجية فيها ثابتة، وفقط في الأنشطة التي ترتفع فيها الإنتاجية بمعدل يفوق أو يساوي معدل الزيادة النقدية في الأجور (التي ترتبط بالمستوى العام للأسعار) فإن أثر الربط القياسي للأجور لن يكون تضخمياً.
стр. 13560
ولهذه المسألة نفسها أبعاد أخرى، فالمتوقع أن أصحاب الأعمال الذين نلزمهم برفع معدلات الأجور لعمالهم بما يتناسب مع الزيادة العامة التي يسجلها الرقم القياسي للأسعار لن يعانوا من هذه السياسة إذا كانت الإنتاجية قد ارتفعت لديهم بما يفوق التغير في الأجور، أما بالنسبة لأصحاب الأعمال في الأنشطة التي لم تتغير فيها الإنتاجية أو ربما انخفضت، فإنهم سوف يواجهون نقصاً في أرباحهم بسبب سياسة ربط الأجور بالمستوى العام للأسعار، وفي ظل اقتصاد يعتمد على السوق وحرية التعاقد واتخاذ القرارات المحققة للمصلحة الخاصة سوف يقوم رجال الأعمال الذين تتأثر أرباحهم بسبب السياسة المذكورة بالنظر في احتياجاتهم الفعلية من العمال، ولن يكون أمراً غريباً إذا قام بعض هؤلاء بإنهاء عقود بعض العمال بدلاً من زيادة أجورهم، بل ربما أدت السياسة نفسها إلى إغلاق بعض المشروعات التي كانت أصلاً تعاني من خسارة سابقة، ومن ثم تسريح عمالها، وهكذا يمكن أن يتسبب الربط التلقائي للأجور بالرقم القياسي للأسعار إلى بطالة عمالية غير مرغوبة اقتصادياً واجتماعياً.
وبناء على ما سبق فإن أول الشروط الكافية لسياسة ربط الأجور بالرقم القياسي للأسعار أن يتم تنفيذها من خلال السياسة الاقتصادية الكلية التي تعالج التضخم والتي ترسمها وتشرف على تنفيذها السلطات الاقتصادية للدولة، ومن خلال هذه السياسة الكلية قد يتقرر السماح بزيادة الأجور على المستوى بمعدل لا يزيد عن ٥ % بينما أن الرقم القياسي للأسعار قد سجل ارتفاعاً قدره ١٠ % مثلاً، والسلطات الاقتصادية قبل اتخاذها لمثل هذا القرار ستعمل على تقدير الأثر العام للزيادة في الأجور على المستوى العام للأسعار والانعكاسات المتتالية لهذه العملية على النشاط الاقتصادي، وقد يظن لأول وهلة أن في هذا ظلما واقعا على العمال حيث تتدهور الأجور الحقيقية، ولكن ليس الأمر كذلك بالضرورة؛ لأن علاج التضخم بتخفيف حدته أو بالتخلص منه هو الحل الأساسي للمشكلة، ومن ثم فإن له أولوية على علاج المشاكل المترتبة عليه، بعبارة أخرى قد تتحقق مصلحة الجميع حينما نرجئ الزيادة النقدية في الأجور بالرغم من الارتفاع العام في الأسعار، أو نسمح بهذه الزيادة ولكن بمعدل يقل عن معدل الارتفاع العام في الأسعار.
стр. 13561
أما الشرط الثاني الكافي لنجاح السياسة فهو قيام الهيئة العليا للأجور والأسعار (التي سبق اقتراحها) بوضع برنامج زمني لتنفيذ هذه السياسة في إطار السياسة الاقتصادية الكلية للدولة، والتي يفترض أن من أهدافها الرئيسية تحقيق النمو أو التنمية الاقتصادية في ظل أقل معدل ممكن للتضخم وأعلى مستوى ممكن للتوظف، والتقيد بالسياسة الاقتصادية الكلية للبلد قد يستدعي العمل على ارتفاع الأجور بمعدلات تقل عن معدل الارتفاع في الأسعار، والتمييز بين الانشطة المختلفة داخل الاقتصاد بالنسبة للمعدلات التي ترتفع بها الأجور وفقاً للتغيرات في الإنتاجية، وتحديد الآلية التي يتم بها تنفيذ سياسة ربط الأجور، الأنشطة التي تبدأ قبل غيرها في رفع الأجور والتدرج المطلوب في التنفيذ، ويتطلب تنفيذ سياسة ربط الأجور بالأسعار في هذا الإطار الكلي تنظيم لقاءات بين أصحاب الأعمال والعمال في الأنشطة المختلفة والترتيب للمفاوضات بينهم في حالة الاختلاف والتدخل للتحكيم كلما لزم الأمر، وكلما كانت الهيئات الممثلة لأصحاب الأعمال والعمال أكثر وعياً بالصلة الوثيقة بين سياسة (الأجور / الأسعار) والسياسة الاقتصادية الكلية للبلد كلما قلت الآثار السلبية أو الجانبية المترتبة على هذا العلاج المقترح.
السياسات المكملة للعلاج المقترح:
يندر أن يؤدي نوع واحد من السياسات الاقتصادية دور العلاج الناجع الكامل لمشكلة ما على المستوى الكلي كما سبق وذكرنا، وقد لاحظنا من قبل ضرورة تنفيذ السياسة المقترحة لربط الأجور بتغيرات الأسعار من خلال السياسة الاقتصادية الكلية، لذلك سوف ترتبط سياسة (الأجور / الأسعار) بالسياسات النقدية والمالية وسياسة التنمية والتوظف.
من الصعب مثلاً أن نتصور جدية سياسة ربط الأجور بالأسعار ما لم تكن هناك سياسة نقدية تعمل على تنظيم عرض وتدفقات كمية النقود داخل الاقتصاد، فالزيادة في عرض وتدفقات النقود بمعدلات تفوق زيادة الناتج الحقيقي على المستوى الكلي سوف تغذي التضخم وتزيد من حدته، كذلك تؤدي سياسة عجز الموازنة العامة إلى التضخم، ومن ثم لا بد من الحد من بعض بنود الإنفاق العام غير الضروري، أو زيادة الضرائب على بعض أنواع السلع بغرض مكافحة التضخم (١) .
стр. 13562
ومن الضروري أيضاً متابعة الاهتمام بقضية تنمية الناتج الحقيقي الكلي بأعلى معدلات ممكنة في إطار سياسة التنمية؛ حيث إن هذا هو العلاج الهيكلي للتضخم في الأجل الطويل، ويجب أن نتذكر دائماً أن التضخم المستمر هو سبب المشكلة أصلاً..
خاتمة البحث:
العلاج المقترح والعلاج الهيكلي الإسلامي: متفقان أم متعارضان؟
من المعروف أن العلاج المقترح لأي مشكلة واقعية يتقيد بقيود معينة، وفي الفكر الوضعي التجريبي فإن هذه القيود ليست سوى قيود الواقع العملي، أما في الفكر الوضعي المثالي (بغض النظر عن ماهية المثال) فإن القيود تتمثل فيما ينبغي أو ما يجب، وفي مواجهة المشاكل الحالية للبلدان الإسلامية يواجه رجل الاقتصاد الإسلامي مشكلة فكرية أساسية، تتمثل في أن النشاط الاقتصادي ليس محكوماً في الغالب بقواعد الشريعة الإسلامية، وإنما بقواعد وقوانين ونظم وضعية مستوردة من خارج العالم الإسلامي، فتارة تكون هذه رأسمالية النزعة، وتارة غير ذلك.
فهل يمكن طرح علاج إسلامي لمشكلة ما بالرغم من أن الإطار العام غير إسلامي؟ هذا هو السؤال الخطير الذي يواجهه رجال الاقتصاد الإسلامي عند بحثهم لمشاكل مجتمعاتهم المعاصرة، وفريق من الاقتصاديين الإسلاميين يرفض كلية فكرة المعالجة الإسلامية للمشاكل الموجودة في ظل أطر غير إسلامية، ويؤكد على ضرورة تصحيح الهيكل العام للمعاملات وهيكل المؤسسات والنشاط الاقتصادي أولاً وفقاً للشريعة الإسلامية ومقاصدها، بعد ذلك يأتي طرح العلاج الإسلامي لأي مشكلة موجودة أو مستجدة في ظل هذا الإطار، أما الفريق الثاني فيرى أن هناك ضرورة ملحة في علاج المشاكل التي يواجهها المجتمع الإسلامي في إطار ظروفه الحالية. والمنطق الذي يستند إليه الفريق الثاني هو أن الحل الهيكلي الإسلامي قابل للتطبيق على مراحل، وأنه إذا طبق في مرحلة ما في بعض الأمور فإنه يعمل على نقل المجتمع تلقائياً إلى مرحلة أعلى من حيث التطبيق، وهكذا إلى أن يتحقق الهدف الكامل النهائي.
وبينما لا يمكن إنكار أهمية رأي الفريق الأول بضرورة توافر الإطار الشرعي والعقائدي الإسلامي قبل بحث أي مشكلة وتقديم علاج لها، إلا أنه لا يمكن أيضاً التغاضي عن المشاكل الفعلية التي يواجهها المجتمع الإسلامي الحالي والتقليل من أهمية وضرورة علاج هذه المشاكل، فنحن لا نستطيع أن ننكر ضرورة بل وحتمية التصحيح الهيكلي لأوضاع المجتمعات الإسلامية القائمة، ولكن من الخطورة أيضاً بمكان أن نتغاضى عن مشاكل قائمة يعاني منها المسلمون بسبب الظن بأن بالإمكان الانتقال إلى وضع أمثل مرة واحدة، دون مقدمات أو مراحل انتقالية، وفي رأينا أن النظرة المتوازنة للأمور تقتضي النظر في المشاكل الراهنة القائمة في بلدان المسلمين، والعمل على علاجها مهما كانت أسباب هذه المشاكل، فالعلاج طالما يتم من منطلق الاعتماد على الشريعة الإسلامية، يعني ترك الخطأ أو التصحيح، ويعني خطوة للأمام في الاتجاه الصحيح، وعلينا أن نضع نصب أعيننا أن يكون أي علاج مقترح وسيلة تدريجية لتحقيق العلاج الهيكلي المطلوب في الأجل الطويل.
стр. 13563
ولا شك أن مشكلة الأجور الحقيقية وتعرضها للتدهور المستمر على مدى الأجل الطويل بسبب التضخم –مما يعني الإخلال بحقوق العمال والانحراف عن مبدأ العدالة - قد نشأت نتيجة ظروف عديدة، منها سوء الإدارة النقدية والمالية، أو عدم القدرة على مواجهة التصرفات الاحتكارية، أو العجز المستمر في موازين المدفوعات أو جمود النشاط الإنتاجي، وغير ذلك من الأسباب التي تقف وراء ظاهرة التضخم المستمر، وبالنسبة لمن ينادون بالعلاج الإسلامي الهيكلي أولاً فإنهم يميلون إلى الاعتقاد بأن هذا العلاج سوف يضمن التخلص من معظم الظروف المذكورة، ومن ثم فإن المشاكل المترتبة عليها سوف تختفي أو تقل حدة تدريجياً.
ولكن الواقع أن تطبيق الشريعة الإسلامية بينما يضمن التخلص من بعض هذه الظروف المشار إليها، إلا أنه لا يضمن بالضرورة الخلاص منها، هذا أمر يجب أن يعيه تماماً من يطالبون بالعلاج الهيكلي أولاً؛ ذلك لأنه حتى بفرض تطبيق الشريعة الإسلامية ووضع القواعد الملائمة للتنظيم الاقتصادي الإسلامي، فإن مشاكل معينة تظل متعلقة بطبيعة الحياة الاقتصادية وسلوك الأفراد الذي لا نستطيع أن نفترض كماله، فمن الممكن جداً أن تخفق حكومة إسلامية ملتزمة بالشريعة في إدارة العرض الكلي للنقود وذلك من منطلق قلة الخبرة، ومن الممكن أن يضع أحد وزراء المالية في ظل نظام اقتصادي إسلامي له قواعده المعروفة سياسة مالية فاشلة تتسبب في التضخم.. من الذي يستطيع أن يزعم أن حكومة ما ستكون في مأمن من الخطأ لأنها تعمل في إطار إسلامي؟ إن السلوك الرشيد بصفة عامة والالتزام بقواعد الاقتصاد الإسلامي سيؤدي إلى تقليل الأخطاء الاقتصادية، ولكنه لا يعني ضمان عدم وقوعها.
والرأي عندنا أن معالجة مشاكل الأجور في إطار ظروفنا الحالية أمر جوهري لكي لا تزداد المشاكل سوءاً في عالمنا الإسلامي، وحتى لا نتهم بأننا غارقون في مثالية خيالية، وهذا لا يعني أبداً أن نهمل أو نتهاون في اتخاذ جميع الخطوات اللازمة للعلاج الهيكلي الشامل، وأن نعمل بكافة الطرق على جعل العلاج الجزئي حلقة من العلاج الكلي وخطوة من الخطوات على الطريق الصحيح، أما ترك العلاج الجزئي أو المرحلي بدعوى التمسك بالحل أو العلاج الهيكلي وحده، ورفض أي شيء دونه فهو في رأينا نوع من السلبية الخفية التي يتذرع بها البعض ممن يعجزون عن مواجهة الواقع.. الواقع الذي واجهه رسول الله ﷺ قديماً فأصلحه على مراحل بقرآن وسنة وعمل صالح وجهاد واجتهاد، والواقع المر الذي لا بد أن نواجهه الآن حتى نصلحه قدر استطاعتنا كلما استطعنا، وإلا فإنه سوف يستمر ويستمر بلا إصلاح، فتكون له آثار خطيرة على الأمة، تم بحمد الله.
د. عبد الرحمن يسري أحمد
стр. 13564
الملحق
الرقم القياسي لأسعار التجزئة
الرقم القياسي للأسعار
من الضروري قياس المعدل الذي تتغير به الأسعار في سبيل قياس معدل التضخم، وهذا ما نفعله عن طريق الرقم القياسي، والذي يختص بالتغيرات المئوية في الأسعار.
إن الرقم القياسي للأسعار عبارة عن متوسط للتغيرات المئوية في أسعار عدد من السلع والخدمات، والمثال التالي سوف يبين لنا كيفية حساب هذا الرقم على مرحلتين من أجل التبسيط والشرح.
أولاً: حساب رقم قياسي للأسعار دون أوزان ترجيحية سنة ١٩٩٠ (سنة الأساس) .
السلعة السعر بالجنيه الرقم القياسي
أ ١٠ ١٠٠
ب ١ ١٠٠
جـ ٥ ١٠٠
د ٤ ١٠٠
المجموع = ٤٠٠
المجموع / عدد السلع= ٤٠٠/٤= ١٠٠ الرقم القياسي
سنة ١٩٩١ (سنة المقارنة)
السلعة السعر بالجنيه الرقم القياسي
أ ١٢ ١٢٠
ب ١.٥٠ ١٥٠
جـ ٤ ٨٠
د ٥ ١٢٥
المجموع = ٤٧٥
المجموع / عدد السلع: ٤٧٥/٤= ١١٨.٧٥ الرقم القياسي
стр. 13565
الشرح:
١- سنة ١٩٩٠ تسمى سنة الأساس، وهي سنة نعتبرها بمثابة قاعدة أو مقياس، بمعنى أننا نقيس التغيرات في أسعار السنوات الأخرى على أساس أسعارها، وعند اختيار سنة الأساس نراعي قدر الإمكان أن تكون سنة عادية، بمعنى أنها لم تشهد ارتفاعاً أو انخفاضاً حاداً أو غير عادي في الأسعار.
٢- نفترض أن لدينا أربع سلع: أ، ب، جـ، د؛ ولكن عند حساب الرقم القياسي في الحياة العملية نأخذ مئات السلع ونلتقط لكل سلعة عدة أسعار من تجارة التجزئة على مستوى البلد ككل، وننتقي السلع التي تستهلكها عادة أسرة متوسطة الدخل.
٣- في سنة الأساس يعطى سعر كل سلعة من السلع رقماً قياسياً = ١٠٠.
٤- نعبر عن الأسعار في السنة التالية ١٩٩١ بمعرفة التغيرات الحادثة فيها بالمقارنة بسنة الأساس، ويطلق على سنة ١٩٩١ سنة المقارنة، وكذلك على أي سنة أخرى عند مقارنة أسعارها بأسعار سنة الأساس. فمثلاً سعر السلعة (أ) في ١٩٩١ أصبح ١٢ (جـ) وكان ١٠ (جـ) في ١٩٩٠. على ذلك يصبح الرقم القياسي لسعر (أ) في ١٩٩١ مساوياً ١٢٠ حيث الرقم القياسي لهذه السلعة = ١٠٠ في سنة الأساس. وهكذا فالرقم القياسي للسلعة (ب) في سنة المقارنة ١٥٠ ... إلخ.
٥- نجمع الأرقام القياسية للسلع المختلفة ونقسم على عدد السلع فنحصل على الرقم القياسي للأسعار. وهو في سنة الأساس = ٤٠٠/٤ = ١٠٠ (ودائماً في أي مثال سوف = ١٠٠) وفي سنة المقارنة ٤٧٥/٤ = ١١٨,٧٥. هذا يعني أن الأسعار قد ارتفعت من ١٠٠ في ١٩٩٠ إلى ١١٨,٧٥ ١٩٩١؛ أي بنسبة ١٨.٧٥ %، وهكذا فإن الرقم القياسي سوف يعبر عن النسبة المئوية للتغير في الأسعار بالمقارنة بسنة الأساس.
стр. 13566
ثانياً: تعديل المثال السابق: حساب الرقم القياسي للأسعار أخذاً في الاعتبار الأوزان النسبية التي تعبر عن الأهميات النسبية للسلع.
وفي هذا المثال نترك التبسيط الذي اتبعناه من قبل لكي نتقدم إلى ما يحدث في الواقع.
السنة ١٩٩٠ (سنة الأساس)
السلعة الوزن السعر بالجنيه الرقم القياسي الرقم القياسي المرجع بالوزن
أ ١ ١٠ ١٠٠ ١٠٠
ب ٤ ١ ١٠٠ ٤٠٠
جـ ٢ ٥ ١٠٠ ٢٠٠
د ٣/١٠ ٤ ١٠٠ ٣٠٠/١٠٠٠
الرقم القياسي = ١٠٠٠/١٠ = ١٠٠
السنة ١٩٩١ (سنة المقارنة)
السلعة الوزن السعر بالجنيه الرقم القياسي الرقم القياسي المرجع بالوزن
أ ١ ١٢ ١٢٠ ١٢٠
ب ٤ ١.٥ ١٥٠ ٦٠٠
جـ ٢ ٤ ٨٠ ١٦٠
د ٣/١٠ ٥ ١٢٥ ٣٧٥/١٢٥٥
الرقم القياسي = ١٢٥٥/١٠ = ١٢٥,٥
الشرح:
١- كما هو الحال في الجزء الأول –السابق- فإن الرقم القياسي لكل سلعة في سنة الأساس = ١٠٠، ولكن في هذا المثال العددي الأخير يتم ضرب الرقم القياسي للسلعة في الوزن الخاص بها. مثلاً السلعة (أ) في ١٩٩٠ الرقم القياسي × الوزن = ١٠٠ × ١ = ١٠٠، والسلعة د. (١٠٠ × ٣) وهذا هو الرقم المرجح بالوزن النسبي للسلعة.
стр. 13567
٢- يتم جمع الأرقام القياسية المرجحة وقسمة المجموعة على مجموع الأوزان في سنة الأساس ١٠٠٠/ ١٠ = ١٠٠. وسنة الأساس في أي حساب لا بد أن تساوي ١٠٠.
٣- في سنة المقارنة تم حساب الرقم القياسي بنفس الطريقة التي اتبعت في الجزء الأول (المثال العددي السابق) ثم تم الترجيح بنفس الطريقة، مثلاً السلعة جـ انخفض سعرها من ٥ (جـ) في ١٩٩٠ إلى ٤ (جـ) في ١٩٩١، لذلك فإن الرقم القياسي لها ٤/٥ × ١٠٠ = ٨٠، وبترجيح هذا الرقم بوزن السلعة النسبي ويساوي ٢ إذا نجد الرقم القياسي المرجح = ١٦٠ في ١٩٩١.
٤- يتم حساب الرقم القياس في ١٩٩١ بنفس الطريقة التي حسب بها في ١٩٩٠، أي مجموع الأرقام القياسية المرجحة بالأوزان مقسوماً على مجموع الأوزان ١٢٥٥/١٠ = ١٢٥.٥، وهكذا يتضح أن الأسعار في ١٩٩١ قد تغيرت بنسبة ٢٥.٥ % بالمقارنة بسنة الأساس. واختلاف هذه النتيجة عن النتيجة الخاصة بالمثال العددي الأول يرجع إلى عملية الترجيح بالأوزان، وهي عملية ضرورية ولا بد منها للتوصل إلى نتائج صحيحة عن تغيرات الأسعار. ففي المثال العددي الأول لم نأخذ في اعتبارنا أن بعض السلع قد تكون أهم من الأخرى. لقد أعطينا كل سلعة من السلع أ، ب، جـ، د نفس الأهمية النسبية بإعطاء كل منها رقماً قياسياً = ١٠٠، وهذا غير واقعي. ولكن كيف نحدد الأهمية النسبية لكل سلعة حتى نعطيها وزناً يتفق مع ذلك؟. إن هذا الأمر يتوقف على نسبة الإنفاق على السلعة في ميزانية الأسرة، والاهتمام المنصب عند تكوين الرقم القياسي لأسعار التجزئة بالأسرة متوسطة الدخل، حيث تؤخذ ميزانيتها وتوزع هذه الميزانية على السلع المختلفة كمعيار عام يحتكم إليه. ومن واقع جمع عدد كبير جداً من الإحصائيات الخاصة بإنفاق الأسر ذات الدخل المتوسط في المجتمع نستطيع أن نعرف النسبة المئوية المخصصة لكل سلعة أو بند من بنود الإنفاق، ويتم تحديد الأوزان للسلع بناء على ذلك. وهذه الأوزان عرضة للتغير، فيتم أحياناً أخذ الأوزان الخاصة بسنة الأساس في الاعتبار عند الترجيح، وأحياناً أخذ الأوزان الخاصة بسنة المقارنة، فتطبق على سنة الأساس في هذه الحالة. ويفضل أخذ متوسط للأوزان بين سنة الأساس وسنة المقارنة.
стр. 13568
التضخم والربط القياسي
دراسة مقارنة بين الاقتصاد الوضعي
والاقتصاد الإسلامي
إعداد
الدكتور شوقي أحمد دنيا
قسم الاقتصاد الإسلامي
كلية الشريعة – جامعة أم القرى
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
مقدمة:
منذ فترة ليست بالقصيرة يعيش الاقتصاد المعاصر ظاهرة اقتصادية مرضية تتجسد في التقلبات السعرية الحادة ذات الاتجاه الصعودي عموماً، والتي تشتهر اليوم باسم ظاهرة التضخم. ومما زاد الأمر سوءاً اقتران هذه الظاهرة أخيراً بظاهرة مرضية أخرى مقابلة لها هي ظاهرة الانكماش أو الركود، مما جعلنا نعيش ما يعرف بظاهرة الركود التضخمي. وغير خاف أنه إذا كان علاج ظاهرة التضخم أو ظاهرة الركود صعباً فإن علاج ظاهرة الركود التضخمي أشد صعوبة.
ومن المعروف أن لظاهرة التضخم جذوراً تضرب في أعماق الماضي لدى العديد من الشعوب، لكنها في عصرنا هذا اكتسبت مواصفات وسمات جديدة من حيث تضخمها واستفحالها وتعقد وتعدد عواملها وأسبابها، وتضخم آثارها وتباين سياسات مواجهتها. ومن ثم استمرارها حتى أصبحت جزءاً من نسيج الاقتصاد المعاصر. أو حسب التعبير الطبي مرضاً متوطناً. (١)
ونظراً لعظم وجسامة الآثار السلبية لها من جانب وقصور ومخاطر مواجهتها من جانب آخر، أخذ الفكر الاقتصادي يتخذ حيالها مسلكاً مفاده العمل على معايشتها لكن على الوضع الأفضل؛ بعبارة أخرى العمل على الوقاية والحماية من آثارها. ومن هنا جاء البحث في سياسة الربط القياسي، كوسيلة لتقليل مضار التضخم طالما أنه من المتعذر القضاء عليه.
стр. 13569
وقد سبق أن كانت هناك محاولات متعددة من قبل الاقتصاديين المهتمين بالاقتصاد الإسلامي، لكن الأمر ما زال في حاجة إلى المزيد من الجهود لاستجلاء أبعاده من الناحية الاقتصادية والناحية الشرعية.
وبالرغم من أن الأهداف التي قدم من أجلها هذا البحث هي التعرف على آثار المعدلات المرتفعة للتضخم على الأطراف المتعاملة وكذلك على النقود وعلى الاقتصاد القومي عموماً. وعلى كيفية التعامل مع التضخم المرتفع في بعض البلدان التي عايشته. والإجابة على تساؤلين هما: هل هناك معيار شرعي للتفريق بين التضخم العادي والتضخم المرتفع بما يواكب العصر الحاضر؟ وهل يؤثر ارتفاع معدل التضخم على الحكم الشرعي المتعلق بربط الديون والعقود الآجلة بتغير المستوى العام للأسعار؟ بالرغم من هذا إلا أنه من باب العرض المتكامل للموضوع، ومن ثم المزيد من الفائدة فإن الهدف لن يقف عند ذلك، بل يتعداه إلى استعراض سريع لمفهوم التضخم وأسبابه وآثاره وعلاجه، وكذلك استعراض موقف الاقتصاديين الإسلاميين من سياسة الربط القياسي، ولتحقيق هذه الأهداف فإن البحث يحتوي على العناصر التالية:
١- أساسيات التضخم.
٢- الاقتصاد الإسلامي والتضخم.
٣- الفقه الإسلامي ومشكلة التضخم.
٤- الاقتصاد الوضعي وسياسية الربط القياسي.
٥- الاقتصاديون الإسلاميون وسياسة الربط القياسي.
٦- الفقهاء القدامى وعملية الربط القياسي.
٧- منهج التعرف على الحكم الشرعي للربط القياسي.
٨- ما نراه حيال موضوع التضخم والربط القياسي.
١ - أساسيات التضخم
١ - ١ مفهوم التضخم: مما يعرفه الاقتصاديون جيداً أنه ليس هناك تعريف واحد للتضخم، بل إن هناك تعاريف عديدة كل منها ينطلق من زاوية من زوايا التضخم، كما أنه ليس هناك تعريف من هذه التعاريف لا ترد عليه ملاحظات، تكثر أو تقل. ومرجع ذلك كله تعقد ظاهرة التضخم وتنوع وتداخل عواملها، وتشعب آثارها. (١)
وأظن أننا هنا لسنا مطالبين بتقصي هذه المسألة والخوض العميق في لجتها. ويكفينا أن نذكر تعريفين للتضخم لهما شهرتهما ولهما حظ واسع من الاعتراف والقبول. رغم ما فيهما من ثغرات.
التعريف الأول: التضخم ارتفاع مستمر في المستوى العام للأسعار. وحيال هذا التعريف من المهم أن نلاحظ عدة ملاحظات، الأولى: أن التضخم هو عملية الارتفاع السعري، وليس هو أسعار مرتفعة. والثانية: استمرارية هذه الارتفاعات. والثالثة: أن كل ارتفاع ليس هو الأسعار المطلقة ولا الأسعار النسبية، وإنما هو المستوى العام للأسعار.
التعريف الثاني: التضخم انخفاض مستمر في سعر النقود، أو في قيمة النقود، أو في القوة الشرائية للنقود.
وبتأمل اقتصادي بسيط نجد مضمون التعريفين واحداً، رغم ما قد يكون لكل منهما من نكهة متميزة.
стр. 13570
١- ٢- مقياس التضخم: (١) رغم ما يبدو من بساطة وسهولة التعرف على مقياس التضخم، وذلك من خلال التعريفين المذكورين. حيث لا يخرج مقياسه عن أن يكون المستوى العام للأسعار من حيث ما يعتريه من ارتفاعات. أو القوة الشرائية للنقود من حيث ما يعتريها من انخفاضات.
رغم هذه البساطة الظاهرية فإن المسألة أعقد من ذلك بكثير، لاعتبارات عديدة، منها: مفهوم المستوى العام للأسعار، وكيفية التعرف عليه وتحديده، وطبيعة الارتفاعات في هذا المستوى، وهل يدخل كل ارتفاع وإن قل؟ وطبيعة ومدى استمرارية هذه الارتفاعات، وهل هناك مدى زمني مقبول لهذه الاستمرارية؟ ثم طبيعة هذه الأسعار التي نتعامل معها، وهل هي الأسعار الحرة أو الأسعار الإدارية، إلى غير ذلك من العوامل التي تجعل من التعرف العلمي الدقيق على ظاهرة التضخم وتحديدها أمراً قد يكون بالغ الصعوبة بالرغم من أن الإحساس العادي بها من أقوى ما يكون ومن أيسر ما يكون. فليس هناك إنسان مهما كانت درجة ثقافته لا يشعر ولا يحس بوقع التضخم إذا ما كان موجوداً. ومع ذلك فإذا ما أخذنا هذا الشعور العادي وحاولنا أن نخضعه للدراسة العلمية فإن المسألة تغدو على غير ما كانت عليه من السهولة والبساطة.
ولعل من المفيد هنا أن نشير إلى أن الفكر الاقتصادي والإحصائي لم يقف عاجزاً إزاء هذه المسألة، بل قدم المزيد من المحاولات وما زال يعدل ويطور فيها. لقد ابتكر في ذلك ما يعرف بالأرقام القياسية للأسعار. ومهما حاولنا في هذه الورقة أن نتناول هذه الأرقام فإن من عنده معرفة سابقة بها لن يزيده القول هنا معرفة على معرفته، ومن ليست عنده معرفة سابقة فلن يكتسب معرفة ذات بال مما نقوله عنها هنا. لذا فإننا نكتفي بالإشارة إلى أهم أنواعها. وهي ثلاثة: الرقم القياسي لأسعار المستهلك، وهو يتعامل مع حزمة من السلع والخدمات الاستهلاكية ذات المواصفات الخاصة؛ والرقم القياسي لأسعار المنتج، وهو يتعامل مع حزمة من السلع والخدمات الإنتاجية؛ والرقم القياسي المعروف بمكمش الناتج القومي الإجمالي، وهو يتعامل مع كل المنتجات النهائية التي تم إنتاجها في المجتمع في فترة ما، والذي نحب أن نؤكد عليه هنا بخصوص هذه الأرقام أنها وخاصة منها الأولان لا تعبر بصدق كبير عن التضخم القائم، كما أنها صعبة التطبيق والاستخدام، وليست متاحة في أي وقت وفي كل الدول. وهي في حاجة إلى تعديل وتطوير مستمر. (٢)
стр. 13571
ومهما يكن من أمر فإنه بفرض توفر هذه الأرقام فإن دلالتها على التضخم في ضوء التحفظات السابقة يمكن إدراكها، فلو كان الرقم القياسي للأسعار في سنة ما هو ١٢٠، وذلك بالنسبة لسنة أخرى، فإن معنى ذلك أن مستوى الأسعار قد ارتفع في هذه السنة عن تلك السنة بمقدار ٢٠ % وهكذا. (١)
وتبقى درجة صدق تعبير هذا الرقم عن التضخم القائم فعلاً رهينة عوامل عديدة، منها ما يرجع إلى طريقة تركيب الرقم نفسه ومنها ما يرجع إلى نوعية السلع والخدمات المختارة، وكذلك غير المختارة، ولذلك فإن المقياس يجب أن يؤخذ بحذر كبير، وفي بعض الأحيان قد يكون خاطئاً بدرجة كبيرة إن لم يكن مضللاً فعلاً.
كذلك من المفيد هنا أن نشير إلى أنه من خلال التعريفين المذكورين للتضخم لم نجد تحديداً لمقدار التغير في المستوى السعري أو في قيمة النقود، ومعنى ذلك أن أي تغير طالما استمر يعتبر تضخماً. وفي هذا الصدد نجد بعض الاقتصاديين لا يبدون ارتياحاً كبيراً لاعتبار كل تغير مرتفع تضخماً، بل يرون التضخم قاصراً على التغير الكبير فقط، حيث إن مجرد التغير أمر عادي ولا يخلو منه مجتمع، ولا يعد ظاهرة مرضية، عكس التغير الكبير، ورغم ما لهذا الموقف من وجاهة إلا أن نقطة الضعف فيه هو عدم توافر مقياس موضوعي للارتفاعات أو الانخفاضات الكبيرة، وإنما هي معايير تحكمية، وغير عامة.
والبعض الآخر من الاقتصاديين يرون كل تغير تضخماً غير أنه ذو درجات متفاوتة، فهناك التضخم المعتدل أو العادي، وهناك التضخم المرتفع. ونفس الاعتراض يرد هنا، إذ ما هو الفيصل بين التضخم المعتدل والتضخم المرتفع؟
стр. 13572
ليست هناك إجابة قاطعة يمكن تعميمها في هذا الشأن، فالأمر يختلف من حالة لأخرى ومن دولة لأخرى. وما ينظر إليه على أنه معتدل في دولة ينظر إليه على أنه مرتفع في أخرى. فهل المعتدل ما كان في حدود ٥ % سنوياً؟ أو في حدود ١٠ % سنوياً؟ ليست هناك معلومات أو بيانات -على الأقل فيما اطلعت عليه- تمكن من الإجابة المحددة على ذلك (١) وسوف نرى في فقرة قادمة أن أمر هذه المسألة قد يكون أيسر لدى الفقهاء.
١- ٣- أسباب التضخم: الجدل المحتدم بين الاقتصاديين حول عوامل وأسباب هذه الظاهرة لا يخفى على مهتم (٢) وليس من مهمة هذا البحث الدخول في لجة هذا الموضوع وسبر أعماق جوانبه، وإنما يكفي التعرض الكلي له ثم استخلاص دلالته في موضوعنا.
يمكن القول إن ظاهرة التضخم هذه التي تعايشنا معها منذ فترة ليست بالقصيرة هي ظاهرة متعددة العوامل والأسباب والمولدات. وتعدد العوامل لا ينفي تفاوتها في الأهمية، ومعنى ذلك أنه لا خلاف بين الاقتصاديين، وإن اختلفت مدارسهم حول تعدد أسباب الظاهرة، لكن الخلاف بينهم حول مدى أهمية كل عامل ودرجة إسهامه في توليد هذه الظاهرة، وبإجمال شديد يمكن ذكر رؤوس هذه العوامل على النحو التالي:
١- العامل النقدي: تعتبر زيادة كمية النقود من أهم العوامل المسببة لزيادة الطلب عن العرض، ومن ثم حدوث التضخم.
٢- العامل المالي التوسعي: ومن أسباب زيادة الطلب عن العرض ومن ثم حدوث التضخم زيادة الإنفاق الحكومي من جهة والتخفيضات الضريبية المتعاقبة وخاصة منها الضرائب المباشرة.
стр. 13573
٣- تزايد التكلفة: والتي تسبب تخفيض حجم العرض عن الطلب ومن ثم حدوث التضخم، وتزايد التكلفة قد يرجع إلى ارتفاع الأجور أو إلى ارتفاع الأرباح أو إلى ارتفاع أثمان المواد المستوردة أو ارتفاع الفوائد، وكل ذلك يولد بطريق أو بآخر ارتفاع الأسعار. ومن المعروف أن التضخم المستورد يمارس دوراً بارزاً في تغذية العملية التضخمية في البلاد النامية.
والملاحظ أن التضخم الناشئ هنا يسمى تضخم دفع التكلفة، والملاحظ أيضاً أنه في ظل هذا اللون من التضخم يهبط حجم الناتج ويتزايد حجم البطالة، مما يعني أن منحنى فيلبس الشهير لا ينحدر انحداراً سالباً على الأقل في المدى الطويل، وبالتالي التشكك في علاقة التقابل بين التضخم والبطالة. (١) وإذا كان كل من العامل الأول والعامل الثاني يولدان تضخم جذب الطلب، فإن وجود العناصر الاحتكارية ممثلة في نقابات العمال أو اتحادات المنتجين، وكذلك وجود ما يعرف بالتضخم المستورد؛ كل ذلك يولد النوع الثاني من التضخم وهو ما يعرف بتضخم دفع التكلفة. وفي الحقيقة فإنه في الكثير الغالب لا نجد استقلالية لأي من النوعين عن الآخر، بل كلاهما يمثل حلقة في العملية التضخمية التي حالما تبدأ فإن كلاً منهما يولد الآخر ويتولد عنه. (٢)
ومما تجدر الإشارة إليه أن المزيد من الضرائب في بعض أنواعها يولد بدوره تضخم التكلفة، كما أن النص المفاجئ في بعض عناصر الإنتاج ومستلزماته يولد هو الآخر التضخم. وعموماً فإن التضخم في النهاية قد يرجع إلى تزايد الطلب لسبب أو لآخر، كما قد يرجع إلى نقص العرض، وكذلك لعوامل هيكلية.
١- ٤- آثار التضخم: مع التسليم بعدم وجود مقياس موضوعي عام للتمييز بين التضخم العادي أو المعتدل، والتضخم المرتفع أو الجامح، إلا أن ذلك لا يعني أن الآثار السلبية لهذه الظاهرة مربوطة بحدة هذه الظاهرة ومدى ارتفاعها، ولذلك فإن ما قيل وما يقال عن هذه الآثار فإنه ينصرف فعلاً إلى التضخم المرتفع بالدرجة الأولى.
стр. 13574
وقبل أن نتناول هذه الآثار السلبية قد يكون من المفيد الإشارة إلى ما يطرحه بعض الاقتصاديين من ضرورة التمييز بين التضخم المتوقع والتضخم غير المتوقع، ذاهباً إلى أن الكثير من تلك الآثار إنما يعود فقط من جراء التضخم غير المتوقع. (١) ومع التسليم بذلك ولو جزئياً إلا أنه من المهم التأكيد على صعوبة وتعذر توقع التضخم بشكل دقيق أو قريب منه في الكثير الغالب من الحالات.
فكثيراً ما لا يمكن توقعه، وأحياناً كثيرة يخيب التوقع، فلا يحدث التضخم مع توقعه، أو لا يحدث بنفس درجة التوقع، إنما قد يكون أقل أو أعنف، وفي كل ذلك يكون التضخم الواقع غير متوقع. وهنا نجد أن عملية التوقع وما يترتب عليها من إجراءات قد تحدث آثاراً سلبية ضارة في حد ذاتها على الاقتصاد القومي وعلى أطراف المعاملات، وعموماً فإن هناك اتفاقاً بين الاقتصاديين على أن للتضخم آثاراً متعددة يمكن ذكر أهمها فيما يلي:
١- تدني كفاءة العملة في قيامها بوظائفها، (٢) فمن المتعارف عليه أن للنقود وظائف فنية أربعاً؛ وسيط في المبادلة، ومقياس للقيمة، ومخزن للقيم، ووسيلة للمدفوعات الآجلة، ومن الملاحظ أن كل هذه الوظائف على درجة كبيرة من الأهمية في ظل اقتصاد نقدي؛ إذ إن تحقق هذه الوظائف على الوجه الأمثل يعد أحد الشروط الضرورية لعمل مثل هذا الاقتصاد بكفاءة عالية، ومما يلاحظ كذلك أن هذه الوظائف أو على الأقل الثلاث الأولى منها بينها قدر كبير من التلازم، بمعنى أن قيام الشيء بوظيفة منها يستدعي عادة قيامه ببقية الوظائف، ومن ثم فإنه من الصعب قبول مقولة: إن النقود تفقد وظيفتها كمخزن للقيم وتظل تمارس بقية الوظائف مثلاً. (٣)
ومن المتعارف عليه أن التضخم يجعل النقود لا تؤدي تلك الوظائف بكفاءة، وكلما اشتد كلما فقدت النقود أهليتها للقيام بوظائفها، إلى أن تفقد أهليتها كاملة، بمعنى أن تصبح غير مقبولة بين الناس كوسيط للمبادلة، ومن ثم كوحدة للحساب، ومن ثم كمخزن للقيم، ومن باب أولى كوسيلة للمدفوعات الآجلة، كل ذلك عندما يشتد التضخم ويجمح حيث تفقد النقود قيمتها النقدية (القوة الشرائية العامة) (٤) وعند ذلك فإن الأمر ينتهي بإبطال هذه العملة وإصدار عملة جديدة مكانها، وقد حدث ذلك في المجتمع الإسلامي أكثر من مرة كما حدث في العديد من المجتمعات الأخرى. يقول المقريزي: (أصبح ينفق أحدهم مئة درهم على ما كان ينفق فيه من قبل عشرين درهماً) (٥)
٢- إعادة توزيع الدخل والثروة بين الأفراد والدولة من جهة وبين الأفراد وبعضهم البعض من جهة أخرى.
стр. 13575
من المعروف أنه في ظل التضخم يتجه الدخل من الأفراد إلى الدولة، من خلال المزيد من الضرائب التي تولدت في المجتمع لمجرد وجود التضخم، (١) ومن خلال فقدان الديون العامة قيمتها الحقيقية، ولعل في ذلك ما يفسر لنا ولو جزئياً ما نجده من توان وعدم بذلك الجهد الكافي من قبل بعض الدول لمواجهة التضخم، رغم ما له من آثار ضارة.
أما عن تأثير التضخم في توزيع الدخول والثروات بين الأفراد فيمكن القول بوجه عام: إن بعض الأفراد والفئات تستفيد من التضخم وبعضها يضار منه، فأصحاب الأصول المالية والنقدية وأصحاب الدخول الثابتة مثل العمال والموظفين يضارون من التضخم، عكس أصحاب الأصول العينية وأصحاب الدخول الحرة، مثل التجار وأصحاب المهن الحرة. (٢) وفي هذا الصدد يهمنا توضيح بعض المسائل:
أ- أثر التضخم على كل من المقرض والمقترض: من المقولات الاقتصادية الشائعة أن التضخم يفيد المقترض ويضر المقرض، وهذه المقولة صحيحة إلى حد كبير خاصة في ظل اقتصاد لا يؤمن بسعر الفائدة، أما في ظل الإيمان بنظام الفائدة فإن الأمر في النهاية يتوقف على مدى اقتراب أو ابتعاد التضخم الفعلي عن التضخم المتوقع. والاحتمالات ثلاثة: (٣) عدم حدوث أي ضرر أو نفع لأي من الطرفين، استفادة المقرض، استفادة المقترض.
стр. 13576
والبعض يصور المسألة تصويراً مغايراً فيقول: إنه لا يمكن الجزم بأن ضرراً قد لحق بالفئة المقرضة أو نفعاً قد جنته الفئة المقترضة، حيث إن المسألة في النهاية تتوقف على هيكل المحفظة المالية لكل فرد.
ومع التسليم بذلك إلا أن هذا لا ينفي الأثر المباشر للتضخم على عملية الإقراض، ومهما يكن الأثر النهائي الشامل على محفظة كل من المقرض والمقترض فإن هناك أثراً مباشراً قد نتج من عملية الاقتراض قد يكون ضاراً وقد يكون مفيداً.
والبعض يزعم هنا أن ما قد يلحق المقرض من ضرر لا يرجع إلى عملية الإقراض حد ذاتها، وإنما احتفاظه بأمواله في شكل نقدي، ومن ثم فهو مضار من التضخم حتى ولو لم يقرض، وبعض الاقتصاديين الإسلاميين قد تلقف هذا القول ونادى به في مواجهة الربط القياسي – كما سنشير إلى ذلك في حينه.
والحقيقة أن هذا مغالطة، فالمقرض قد أضير لسببين وليس لسبب واحد، السبب الأول: كون ثروته في شكل نقدي، والسبب الثاني: عملية الإقراض التي حالت بينه وبين تغير شكل ثروته لوقايتها من التضخم المستمر.
ب- أثر التضخم على أصحاب العقود الآجلة، مثل العمال والبائعين والمشترين وأصحاب المعاشات وغير ذلك، والمقولة الشائعة هنا أن التضخم يحابي أصحاب العمل والمشترين على حساب العمال والبائعين وأصحاب المعاشات، والحق أن هذه المقولة في حاجة إلى تحرير وتمحيص (١) ، فالأمر متوقف في النهاية على عاملين؛ القدرة على المساومة وفرض الشروط الملائمة والمعدلة، ثم المهارة في التوقع، ومعنى ذلك أنه ليس صحيحاً على إطلاقه وجود ضرر للعامل أو للبائع أو لصاحب المعاش، ولا وجود نفع للأطراف المقابلة لهم.
فمن الممكن أن يستفيد العامل من التضخم إذا ما كان ذا قدرة كبيرة على المساومة وفرض الشروط الملائمة في عقد الإجارة، وخاصة إذا ما جاء التضخم أقل مما توقع، وكذلك الحال بالنسبة للبائع إلى أجل، حيث قد يكون الثمن من الارتفاع بحيث يجب أي تضخم يحدث ويزيد، ويمكن أن يقال ذلك بالنسبة لأصحاب المعاشات، مع أنه غالباً ما يكون الموقف في غير صالحهم، ونظراً لأن الكثير من العمال خاصة في الدول النامية، وخاصة العاملين لدى الدولة لا يملكون القدر الكبير على المساومة، فإن التضخم في غالب أوضاعه ضار بهم، ولذلك نجد ما يعرف بالعلاوات الدورية، وإعانات غلاء المعيشة؛ كل ذلك تخفيفاً من آثار التضخم، مع التسليم بعدم كفايتها في تلافي تلك الآثار في معظم الحالات.
стр. 13577
٣- تدني كفاءة الاقتصاد القومي: (١) إن التضخم يشوه هيكل الاستثمارات بحيث ينحاز إلى أشكال غير مفيدة لكنها ذات وقاية عالية من آثار التضخم، كما أنه يقلل من أحجامه ومجالاته، لما يحدثه من تأثير سلبي على كل من التكاليف وتقديراتها وكذلك الإيرادات، ثم إنه يقلل من المدخرات التي هي مصدر التمويل الحقيقي للاستثمارات، كذلك فإنه يسيء ويشوه من تخصيص الموارد حيث يحول دون جهاز الأسعار وإرسال الإشارات الصحيحة لمتخذي القرار الإنتاجي والاستهلاكي. (٢)
٤- كما أنه يشوه من هيكل التجارة الخارجية، ويزيد من عجز الميزان التجاري، ومن اختلال أسعار الصرف. (٣)
٥- وأخيراً فإنه يحد بقوة من عمليات الائتمان التجاري والاجتماعي، ولا يستغني مجتمع معاصر عن مثل تلك العمليات، وفي الوقت ذاته يفتح شهية الحكومات للمزيد من المديونية بما لذلك من آثار سلبية. (٤)
وفي كلمة أن التضخم يزعزع كلاً من قاعدتي الكفاءة والعدالة. تلك القاعدتان اللتان يهتم بهما الإسلام غاية الاهتمام، ومن ثم فإن التضخم إذا كان مكروهاً لدى الاقتصاد الوضعي فإنه أشد كراهة لدى الاقتصاد الإسلامي.
١- ٥- علاج التضخم: مهما قيل من وجود بعض المنافع للتضخم وخاصة المعتدل منه، مثل تمويل التنمية؛ فمما لا شك فيه أنه باتفاق جماهير الاقتصاديين يعد مرضاً اقتصادياً خطيراً، ومن ثم تجب مواجهته والعمل الجاد على علاجه وشفاء الاقتصاديات منه.
ولن ندخل هنا في معمعة طرق وأساليب العلاج وتحليل مدى نجاعة كل طريق في مواجهة التضخم، فلذلك مواطنه المتخصصة المستقلة، ولكن في هذه الدراسة الموجزة قد يكفي الإشارة السريعة إلى أهم هذه الطرق والتأكيد على بعض الدلالات المستخلصة.
стр. 13578
لقد تبين لنا أن مصادر التضخم ترجع بوجه عام إلى كل من الطلب والعرض، حيث إن التضخم في جوهره ما هو إلا اختلال جوهري في العلاقة بينهما، حيث يكون الطلب من القوة والزيادة بما لا يواكبه العرض.
وقد رأينا أن منشأ هذا الاختلال قد يكون تزايداً في الطلب، وقد يكون تناقصاً في العرض، وقد يكون كلا الأمرين معاً، ومعنى ذلك أن أي علاج يراد له أن يكون فعالاً عليه أن يتعامل باقتدار مع تلك المصادر.
ولعل من جوانب الصعوبة هنا أنه في حالات ليست بالقليلة، لا نستطيع التشخيص الدقيق لمصدر التضخم، وهل هو جذب الطلب أو دفع التكلفة أو كلاهما أو أي شيء آخر؟
ويترتب على ذلك وجود احتمال قوي في عدم نجاعة وفعالية السياسة المتخذة، ولا يقف الأمر عند هذا الحد، بل ربما ترتب على تلك السياسة إذا لم تكن متوائمة مع المصدر المزيد من الآثار السلبية على الاقتصاد القومي.
ودلالة ذلك قد تكون في ضرورة أن يكون العلاج حزمة متكاملة من السياسات والإجراءات تقوم على عدة عناصر؛ من أهمها ما يلي:
١- الإصلاح النقدي: وذلك بحسن التعامل مع عرض النقود بحيث تتواءم بقدر الإمكان مع حاجة الاقتصاد القومي، وكلما كانت هناك كوابح قوية تحول دون الحكومة والجهاز المصرفي والمزيد من النقود كلما كان الموقف أفضل حيال التضخم، ومعنى ذلك ضرورة تواجد سياسة نقدية رشيدة. (١)
٢- الإصلاح المالي: على أن يشتمل ذلك على أمرين معاً، الإنفاق العام والإيرادات العامة، وخاصة منها الضرائب والقروض. إن ترشيد الإنفاق العام يعد شرطاً ضرورياً لإمكانية مواجهة التضخم، وكذلك الحال في كل من الضرائب والقروض اللتين تعتبران من أهم مصادر الضغوط التضخمية، ومعنى ذلك حتمية توفر سياسة مالية رشيدة. (٢)
стр. 13579
٣- الإصلاح المؤسسي: والمقصود به دعم وتوسيع رقعة المنافسة، والقضاء على ما يمكن القضاء عليه من أشكال الاحتكارات. (١)
٤- الإصلاح السياسي: وخاصة منه ما يتعلق بالجانب الإداري، وبدون إدارات عامة جيدة وأجهزة إدارية وفنية قادرة فإنه من الصعوبة بمكان ترشيد الإنفاق العام والإيرادات العامة. كذلك من المهم توافر التشريعات والسياسات الصحيحة، وتوافر المساءلة الشعبية الفعالة. (٢)
ومن الواضح أن توفر كل تلك العناصر ليس بالأمر السهل، كما أنه من المهم أن تعمل مع بعضها في تناغم واتساق، فلا يكفي مجرد توافرها، وهذا أيضاً من الصعوبة توفيره.
ولا يخفي على مهتم ما هنالك من جماعات الضعف المختلفة ذات المصلحة والتي تقف بكل ما لديها من جبروت حيال الكثير من الإصلاحات، يضاف إلى ذلك ما أصبح معروفاً بأثر قصر النظر السياسي وما يحدثه من مزيد من التضخم.
وأخيراً فهنالك مسألة تجدر الإشارة إليها تتعلق بصعوبة مواجهة التضخم والعمل على اجتثاث جذوره، وهي ما أشار إليه بعض الاقتصاديين من وجود تكاليف اقتصادية باهظة لهذه العملية، عادة ما لا تتحملها الاقتصاديات القومية، والتي تتمثل في المزيد من البطالة ومن تدني حجم الناتج القومي، وقد قدرت بعض الدراسات أن تخفيض التضخم بمعدل ١ % سوف يؤدي إلى تخفيض حجم الناتج القومي الأمريكي بمقدار ١٠ %. (٣)
وهذا ما حدا ببعض الاقتصاديين إلى الدعوة إلى المعايشة مع التضخم بدلاً من مواجهته، كما سنوضح ذلك عند حديثنا للربط القياسي.
ومهما يكن من أمر فلا ينبغي على الإطلاق أن تثني تلك الصعوبات الحكومات عن مواجهة التضخم بكل ما لديها من وسائل وأساليب، وألا تنسى في يوم ما أن التضخم مرض اقتصادي خطير.
стр. 13580
٢- الاقتصاد الإسلامي ومشكلة التضخم
في هذه الفقرة نهتم بالإجابة على سؤال مهم هو: هل يتعرض الاقتصاد الإسلامي لمشكلة التضخم؟ وللإجابة على هذا التساؤل نجد من المهم التمييز بين:
١- الظروف العادية والظروف غير العادية.
٢- الاقتصاد الإسلامي كمبادئ وقوانين وسياسات، والاقتصاد الإسلامي كهياكل اقتصادية عاشت على أرض المجتمع الإسلامي. ومن ثم أخذت وصف (الإسلامي) من هذه الكينونة الواقعية.
فيما يتعلق بالمسألة الأولى فلا أظن أن أحدا يجادل في إمكانية تعرض الاقتصاد الإسلامي –حتى من منظور المبادئ والسياسات- للتضخم في ظل الظروف غير العادية مثل الحروب والكوارث الطبيعية والجفاف.. إلخ، من كل ما يسبب نقصاً طبيعياً حاداً في العرض، ومن ثم يتولد التضخم، وأرى أن خير مثال لذلك ما حدث في عام الرمادة في زمن سيدنا عمر بن الخطاب ﵁.
أما في ظل الظروف العادية فيمكننا القول بثقة كبيرة: إن الاقتصاد الإسلامي كمبادئ وسياسات لا يتعرض لمشكلة التضخم، خاصة منه ما كان ذا مصدر داخلي شريطة توفر أمرين على الأقل هما التطبيق الفعلي والحقيقي لمبادئ الاقتصاد الإسلامي، وكذلك أن يكون الاقتصاد الإسلامي كواقع على درجة من القوة تمكنه من تحصين نفسه إلى حد كبير ضد التضخم المستورد. (١)
وفيما يتعلق بالمسألة الثانية فإن الاقتصادي الإسلامي كواقع عاش على أرض المجتمع الإسلامي عبر العصور المختلفة، ومن ثم ولهذا السبب وحده اكتسب هذه الصفة، إما أن يتمشى هذا الواقع مع المبادئ والأسس أو يخرج عليها، في الحالة الأولى ينطبق عليه ما قيل في المسألة الأولى، وفي الحالة الثانية فإن شأنه شأن الاقتصاد الوضعي تماماً بتمام.
стр. 13581
وحيث إن العالم الإسلامي المعاصر لا يطبق في مجمله المبادئ الاقتصادية الإسلامية من جهة، كما أنه يرزح تحت كابوس التخلف الاقتصادي من جهة أخرى، فإن اقتصادياته معرضة وبشكل بارز لكل ألوان ومصادر التضخم، وعلينا أن ندرك أن التعرض للتضخم شيء ووجود التضخم فعلاً شيء آخر.
وعندما نقول: إن التطبيق السليم لمبادئ الاقتصاد الإسلامي يقي المجتمعات الإسلامية في ظل الظروف العادية من أن تقع فريسة للتضخم الجامح، فإن حيثيات هذه المقولة متوفرة، والتناول المفصل لها ليس من مهام هذا البحث، ويكفي أن نقول عنها كلمة كلية هي عدم وجود كل عوامل التضخم الداخلية التي أشرنا إليها سلفاً، سواء منها ما يرجع إلى جانب الطلب أو ما يرجع إلى جانب العرض.
ومع ذلك، ومع توارد الظروف غير العادية، ومع تشابك العلاقات الاقتصادية الدولية، ومع وجود درجات من عدم الالتزام الصارم بالمبادئ الاقتصادية الإسلامية، فإن الاقتصاد الإسلامي مهما كانت الزاوية التي تنظر منها فيه وإليه يمكن أن يتعرض للتضخم، بل هو معرض له بالفعل، كل هذا لا ينفي حقيقة راسخة هي الكراهية الشديدة للتضخم من قبل الاقتصاد الإسلامي والحرص على منعه، ومرجع ذلك ما يحدثه من آثار سلبية متعددة، ولا سيما منها ما يرجع إلى العدالة وعدم بخس الناس أموالهم، والوفاء بالعقود، وعدم أكل أموال الناس بالباطل، إضافة إلى آثاره الاقتصادية المعروفة والتي يوليها الاقتصاد الإسلامي عناية لا تقل بحال عن عناية الاقتصاد الوضعي إن لم تتفوق عنها. وفي هذا الصدد تجدر الإشارة إلى أنه من دواعي شدة كراهية الاقتصاد الإسلامي للتضخم أن بعض آثاره السلبية أشد ضراوة في الاقتصاد الإسلامي منه في الاقتصاد الوضعي، ويتمثل ذلك بوضوح في عمليات الائتمان وخاصة منها ما كان مصدره القروض، حيث إن القروض في الاقتصاد الإسلامي هي قروض حسنة، ليس لها عائد اقتصادي يواجه ما قد يطرأ عليها من تدهور في قيمتها عندما تكون هناك ضغوط تضخمية.
وبتتبع فترات التضخم التي مر بها المجتمع الإسلامي في عصوره السابقة نجدد أن مصدر التضخم لم يخرج في مجمله عن المصادر المعروفة لنا الآن، والتي من أهمها اختلال السياسة النقدية وصك المزيد من العملات وكذلك اختلال السياسة المالية؛ سواء من حيث الإسراف المتزايد في الإنفاق العام وسوء تخصيصه، أو في فرض المزيد من الضرائب والتي كان لها مردودها السلبي القوي على حجم المعروض من السلع والخدمات وكذلك سوء الأوضاع المؤسسية وشيوع الاحتكارات؛ سواء من قبل رجال الدولة أو التجار، وأخيراً ما قد يصاحب ذلك من عوامل طبيعية مثل الجفاف. (١)
стр. 13582
٣- الفقه ومشكلة التضخم
المجتمع الإسلامي، رغم حرص الإسلام الشديد على تحقيق الاستقرار السعري قد عايش التضخم بدرجة أو بأخرى في بعض عصوره، ومن المتوقع في ضوء ذلك أن يكون الفقه قد عني بهذه المسألة. فهل تناول الفقهاء فعلاً هذه المشكلة وبينوا الحكم الشرعي حيالها على مستوى الأسباب وعلى مستوى النتائج؟ الظاهر حتى الآن، ومن خلال ما تم من دراسات معاصرة حيال هذا الموضوع، أنه كان للفقه كلمته حيال هذه المسألة على مستوى الآثار وخاصة ما يتعلق منها بأطراف التعاقدات، ومما يؤسف له عدم التفات أو تنبه الدراسات المعاصرة للشق الأول من القضية؛ وهو موقف الفقه من أسباب التضخم، مع أنه لا يقل أهمية ولا اهتماماً من الشق الثاني.
٣- ١- إن الفقهاء قد أفاضوا في الحديث عن كل العناصر غير الطبيعية التي تعد مصادر التضخم، ومن ذلك:
١- لقد تكلموا عن النقود وسكها وغشها وتنظيم تداولها ومسؤولية الدولة حيال حسن التعامل معها.
٢- وتكلموا عن الإنفاق العام ومجالاته وضوابطه وأهمية ترشيده ومسؤولية الدولة حيال كل تلك الجوانب.
٣- وتكلموا بإفاضة عن كل من الضرائب والقروض، وبينوا الضوابط والقيود الصارمة حيال استخدام الدولة لكل منها.
٤- وتكلموا عن الاحتكارات سواء من قبل العمال أو أصحاب الأعمال أو الدولة، ووضحوا الحكم الشرعي حيال تلك الممارسات الاحتكارية وكيفية مواجهتها.
معنى ذلك أن الفقه الإسلامي قد حفل بقضية أسباب ومصادر التضخم ربما بقدر أكبر من تناوله لقضية آثار التضخم. لكن الذي أوجد شيئاً من الغمامة فوق هذا الموضوع ربما لتناثر التناول لهذه القضية وتباعد أماكنها، وربما لعدم وجود إشارات منهم عند تناولهم لهذه المسائل بما لها من علاقة وطيدة بالتضخم، ومع ذلك تظل الحقيقة المتمثلة في عدم إمكانية التجادل حول تناولهم لأسباب التضخم في حين إمكانية التجادل في تناولهم لآثاره القائمة، وعذرهم في ذلك عدم تضخم القضية واستفحالها بالصورة التي تبدو فيها الآن، ولعل الرسالة الضمنية المهمة هنا هي عظم مسؤولية الفقهاء المعاصرين، وعدم دقة المنهج الفقهي المعاصر الذي ينطلق في بحثه لهذه القضية من منطلق وحيد هو: ماذا قال فيها الفقهاء سلفاً؟ وإنما المنهج الصحيح هو ما يسلك مسالك متعددة فيرجع إلى النصوص الشرعية والقواعد العامة، وأقوال الفقهاء في قضايا قريبة، مع عدم إهمال ما هنالك من أقوال فقهية في هذه القضية.
стр. 13583
٣- ٢- ماذا عن موقف الفقه من التضخم على مستوى الآثار المترتبة وخاصة ما يتعلق منها بأطراف التعاقدات؟
أما ما يتعلق منها بالاقتصاد القومي فقد تحدث فيها العديد من العلماء منهم على سبيل المثال وليس الحصر الجويني والماوردي والغزالي وابن تيمية وابن القيم وابن خلدون والمقريزي. وبتجميع ما قالوه ومقارنته بما هو متعارف عليه الآن من الآثار السلبية للتضخم لا نجده يقل كثيراً عنه. (١) رغم أن وحدة التضخم وتعقده وتداخل عوامله لم تكن على مستوى ما نعايشه اليوم. ونظراً لأن هذا لجانب ليس من المهام الأساسية للبحث الحالي فلن ندخل في بسط القول فيه.
وأما ما يتعلق منها بأطراف التعاقدات فهو محل اهتمامنا.
وبداية علينا أن نناقش القول المعاصر بأن الفقهاء لم يتناولوا مشكلة التضخم من حيث آثارها على النحو الذي نعرفه الآن، ومصدر هذا القول هو أنه بالبحث في كتب الفقه على اختلاف مذاهبها لم نعثر على كلمة تضخم، ولا على كلمة المستوى العام للأسعار، ولا على كلمة انخفاض القوة الشرائية للنقود حيال مختلف السلع والخدمات، وطالما غابت تلك المصطلحات ولم تظهر في كتب الفقه فليس هناك مجال للقول بتناول الفقه لتلك المشكلة، ويمضي أصحاب هذا القول في تبيان وتأصيل موقفهم، فيقولون: إن كل ما عثرنا عليه لدى الفقهاء هو تعبير غلاء الفلوس ورخصها، ومن الأمثلة التي ضربوها نجد معنى هذه العبارة ينحصر في علاقتها بالذهب والفضة وليس بمختلف السلع والخدمات كما هو الحال في شأن التضخم، يضاف إلى ذلك أنهم لم يتحدثوا عن غلاء النقود ورخصها، وإنما جاء حديثهم الصريح عن الفلوس، تلك العملات المساعدة، والتي لم ترق لأن تكون نقداً كامل النقدية لها خاصية النقد المتمثلة في القوة الشرائية العامة وقوة الإبراء غير المحددة. ومناقشة هذا القول تسير في مسالك متعددة.
стр. 13584
أولاً: لا نسلم بأن كلام الفقهاء في هذا الموضوع انحصر في الفلوس ولم يشمل النقود، فقد نقل ابن عابدين ما هنالك من خلاف في هذا المذهب حول شمول كلام علماء المذهب للنقود الذهبية والفضية أو عدم شموله. وفي ذلك يقول: (ورأيت في حاشية الشيخ خير الدين الرملي على البحر عند قوله: وحكم الدراهم كذلك. أقول: يريد به الدراهم التي لا يغلب غشها كما هو ظاهر، فعلى هذا لا يختص هذا الحكم بغالب الغش ولا بالفلوس) لكنه في كتاب آخر له أشار إلى أن الكثير من الفقهاء لا يدخلون النقود الذهبية والفضية تحت حكم فلوس في هذا الشأن. (١) وإذن فالمسألة عند الأحناف خلافية.
وعند المالكية نجد النص الصريح على أن ما جرى من كلام حول تغير سعر الفلوس وأثره لا يقف عند الفلوس بل يتعداها إلى النقود الذهبية والفضية، يقول الحطاب: (تنبيه: لا خصوصية في الفلوس بل الحكم كذلك في الدنانير والدراهم، كما أشار إليه في كتاب الصرف من المدونة، وصرح به في التلقين والجلاب وغيرهما، قال في التلقين: ومن باع بنقد أو اقترض ثم بطل التعامل به لم يكن عليه غيره إن وجد، وإلا فقيمته إن فقد. وقال في الجلاب: ومن اقترض دنانير أو دراهم أو فلوساً أو باع بها وهي سكة معروفة ثم غير السلطان السكة بغيرها، فإنما عليه مثل السكة التي قبضها ولزمته يوم العقد) . (٢)
وكذلك الحال عند الشافعية فقد نص السيوطي على ذلك بقوله عقب الكلام على تغير سعر الفلوس أو كسادها: (فإن وقع مثل ذلك في الفضة بأن اقترض منه أنصافاً بالوزن ثم نودي عليها بأنقص أو بأزيد أو بالعدد، أو اقترض عدداً ثم نودي عليها بالوزن فلا يخفى قياسه على ما ذكر في الفلوس) . (٣)
стр. 13585
والحال كذلك لدى الحنابلة، فيقول ابن قدامة: (قد ذكرنا أن المستقرض يرد المثل في المثليات سواء رخص سعره أو غلا أو كان بحاله ... وإن كان القرض فلوساً أو مكسرة..) . (١) والمعروف أن النقود الذهبية الفضية تدخل في المثليات بلا خلاف، كذلك نجده يضيف إلى الفلوس النقود أو الدراهم المكسرة. والأمر أكثر صراحة عند الظاهرية حيث لا يرون أية تفرقة بين المواد المستخدمة نقوداً ذهباً أو فضة أو غير ذلك.
وهكذا يسقط زعم من زعم بأن كلام الفقهاء في هذا الشأن اقتصر وانحصر في الفلوس، فقد صرح جمهور الفقهاء بعدم التفرقة بين ما كان يعرف بالفلوس وما كان يعرف بالنقود، والخلاف الجاري في المذهب الحنفي إنما هو في بطلان الثمنية عند الكساد أو الانقطاع، حيث تظل النقود الذهبية والفضية على ثمنيتها وماليتها عكس الفلوس المتخذة من معادن رديئة قليلة القيمة الذاتية، أما عند تغير السعر فموقفهم واحد سواء كانت نقوداً أو فلوساً.
وثانياً: لا نسلم بأن الفلوس كانت في غالب حالاتها مجرد عملة مساعدة، بل كانت في معظم الحالات عملة رئيسية انفردت بالنقدية في بعض المجتمعات، وكانت أقوى –نقدياً- من العملات الذهبية والفضية في بعضها الآخر.
يقول فيها الإمام الحنفي أبو بكر بن الفضل شيخ الإمام السرخسي: (هي أعز النقود عندنا، تقوم بها الأشياء، ويمتهر بها النساء، ويشترى بها الخسيس والنفيس، بمنزلة الدراهم في ذلك الزمان) (٢) يقصد أنها مثل الدراهم تماماً في الأزمنة السابقة التي كانت تسود فيها الدراهم. وقد أثبت المقريزي وهو أحد علماء المذهب الشافعي أن الفلوس في مصر كانت في بعض العصور أقوى وأوغل في النقدية من الدنانير والدراهم؛ إذ يقول: (إن الذي استقر أمر الجمهور بإقليم مصر عليه في النقد الفلوس خاصة، يجعلونها عوضاً عن المبيعات كلها.. ويصيرونها قيماً عن الأعمال جليلها وحقيرها، لا نقد لهم سواها ولا مال إلا إياها) (٣) وفي عبارة أخرى له نجده يشير صراحة إلى أن الذهب والفضة كانت تنسب إلى الفلوس وتقوم بها، فيقال: كل دينار بكذا وكذا درهماً من الفلوس ((٤)