جاء في بدائع الصنائع في الكلام على الفلوس: ( ... ولو لم تكسد ولكنها رخصت قيمتها أو غلت لا ينفسخ البيع بالإجماع، وعلى المشتري أن ينقد مثلها عدداً ولا يلتفت إلى القيمة ههنا؛ لأن الرخص أو الغلاء لا يوجب بطلان الثمنية) (١)
وجاء فيها بخصوص القرض: (ولو لم تكسد ولكنها رخصت أو غلت فعليه رد مثل ما قبض) . (٢)
و (جاء في فتاوى قاضي خان: يلزمه المثل وهكذا ذكره الاسبيجابي قال: ولا ينظر إلى القيمة) (٣) (.
وفي مجمع الفتاوى معزياً إلى المحيط قال الشيخ الإمام الأجل الأستاذ: لا يعتبر هذا، ويطالبه بما وقع عليه العقد والدين على هذا، ولو كان يروج لكن انتقصت قيمته لا يفسد وليس له إلا ذاك، وبه كان يفتي الإمام، وفتوى الإمام قاضي ظهير الدين على أنه يطالب بالدرهم التي يوم البيع، يعني بذلك العيار ولا يرجع عليه بالتفاوت) (٤)
وقد نقل ابن عابدين عن الاسبيجابي فقال: (قال في غاية البيان: قيد بالكساد احتراز عن الرخص والغلاء؛ لأن الإمام الاسبيجابي في شرح الطحاوي قال: وأجمعوا أن الفلوس إذا لم تكسد ولكن غلت قيمتها أو رخصت فعليه مثل ما قبض من العدد) (٥)
وقال في مدونة الإمام مالك: (أرأيت إن استقرضت فلوساً ففسدت الفلوس فما الذي أرد على صاحبي؟ (قال) قال مالك: ترد عليه مثل تلك الفلوس التي استقرضت منه وإن كانت قد فسدت. قلت: فإن بعته سلعة بفلوس ففسدت الفلوس قبل أن أقبضها. (قال) : قال مالك: لك مثل فلوسك التي بعت بها السلعة الجائزة بين الناس يومئذ، وإن كانت الفلوس قد فسدت فليس لك إلا ذلك) (٦)
فإذا كان الإمام مالك يقول: ليس له إلا مثل فلوسه في حالة الفساد وهو الكساد، فالقول بأنه ليس له إلا مثلها في حالة الغلاء والرخص أولى.
стр. 13512
وفي المدونة للإمام مالك: (وكذلك إن أقرضته دراهم فلوساً، وهو يومئذ مئة فلس بدرهم، ثم صارت مئتي فلس بدرهم، فإنما يرد إليك ما أخذ لا غير ذلك) (١)
وجاء في مختصر خليل وشرحه منح الجليل: (وإن بطلت فلوس فالمثل لما بطل التعامل به على من ترتبت في ذمته، وأولى إن تغيرت قيمتها مع استمرار التعامل بها) (٢) وقال الإمام الشافعي: (ومن سلف فلوساً أو دراهم أو باع بها ثم أبطلها السلطان فليس له إلا مثل فلوسه أو دراهمه) . (٣)
وقال السيوطي: (وقد تقرر أن القرض الصحيح يرد فيه المثل مطلقاً، فإذا اقترض منه رطل فلوس فالواجب رد رطل من ذلك الجنس، سواء زادت قيمته أم نقصت. أما في صورة الزيادة، فلأن القرض كالسلم ... وأما في صورة النقص فقد قال في (الروضة) من زوائده: ولو أقرضه نقداً، فأبطل السلطان المعاملة به، فليس له إلا النقد الذي أقرضه، نص عليه الشافعي ﵁. فإذا كان هذا مع إبطاله، فمع نقص قيمته من باب أولى) (٤)
وقال البهوتي: (إن الفلوس إن لم يحرمها وجب رد مثلها، غلت أو رخصت أو كسدت) (٥)
هذا هو رأي جماهير العلماء في الفلوس لدى المذاهب الفقهية المختلفة. وهي نصوص صريحة واضحة، لا لبس فيها على أن الفلوس الثابتة في الذمة بسبب القرض أو ثمن بيع مؤجل، أو صداق مؤخر، أنه ليس له إلا مثلها غلت أو رخصت، وهو نص الإمام مالك والشافعي، ومذهب أبي حنيفة، بل إن مالكاً والشافعي يقولان ذلك حتى في حالة الكساد، فإذا كان الأمر كذلك فهو في حالة الغلاء والرخص من باب أولى.
стр. 13513
ومع كل ما قاله الأئمة في الفلوس فإني لا أرى قياس الورقة النقدي عليها؛ لأنه موغل في الثمنية إيغالاً تقصر دونه الفلوس، ولأن الفلوس كانت للمحقرات من البيوع، أما الورق النقدي فتتم به الصفقات الكبيرة، ولأنه أصبح النقد الوحيد الشائع الانتشار في جميع بلدان العالم اليوم، بل لقد فاق انتشاره والتعامل والرضا به في هذا العصر الذهب والفضة. لا سيما وبعد أن قررت المجامع الفقهية، وهيئة كبار العلماء بالمملكة العربية السعودية إعطاءه حكم الذهب والفضة كما بينا فيما سبق.
القول الثاني في الفلوس:
وهو مروي عن أبي يوسف، ونسبه البعض لشيخ الإسلام ابن تيمية، وللرهوني من فقهاء المالكية.
قال ابن عابدين: (وفي الفصل الخامس التترخانية إذا اشترى شيئاً بدراهم هي نقد البلد ولم ينقد الدراهم حتى تغيرت، فإن كانت تلك الدراهم لا تروج اليوم في السوق فسد البيع، وإن كانت تروج لكن انتقصت قيمتها لا يفسد البيع، وقال في الخانية: لم يكن له إلا ذلك، وعن أبي يوسف أن له أن يفسخ البيع في نقصان القيمة أيضاً) . (١)
وقال أيضاً: (وفي المنتقى: إذا غلت الفلوس قبل القبض أو رخصت قال أبو يوسف: قولي وقول أبي حنيفة في ذلك سواء وليس له غيرها، ثم رجع أبو يوسف وقال: عليه قيمتها من الدراهم يوم وقع البيع ويوم وقع القبض) (٢)
وقد نقل ابن عابدين عن الإمام الاسبيجابي فقال: (قال في غاية البيان: قيد بالكساد احترازاً عن الرخص والغلاء؛ لأن الإمام الاسبيجابي في شرح الطحاوي قال: وأجمعوا على أن الفلوس إذا لم تكسد ولكن غلت قيمتها أو رخصت فعليه مثل ما قبض من العدد) (٣)
стр. 13514
(وقال أبو الحسن: لم تختلف الرواية عن أبي حنيفة في قرض الفلوس إذا كسدت أن عليه مثلها، قال أبو يوسف: قيمتها من الذهب يوم دفع القرض في الدراهم التي ذكرت لك أصنافها –يعني البخارية والطبرية واليزيدية- وقال محمد: قيمتها في آخر نفاقها، قال القدوري: وإذا ثبت من قول أبي حنيفة في قرض الفلوس ما ذكر، فالدراهم البخارية فلوس على صفة مخصوصة والطبرية واليزيدية هي التي غلب الغش عليها، فتجري مجرى الفلوس، فلذلك قاسها أبو يوسف على الفلوس) (١)
وللجواب على ما نسب لأبي يوسف نقول: إن هذا القول ضعيف من ناحيتين: من ناحية الرواية؛ لأنه لم تروه عنه أشهر كتب الحنفية كالهداية، وفتح القدير، والمبسوط، والكنز، ونحوها، يؤيد هذا ما ذكره الكاساني، والاسبيجابي من الإجماع على أن الفلوس إذا لم تكسد ولكن غلت قيمتها، أو رخصت، فعليه مثل ما قبض من العدد. (٢)
والناحية الثانية من ناحية الدراية: فإن فيه فتحاً لباب الربا لمن يرى قياس الأوراق النقدية على الفلوس؛ إذ إن كل مراب سواء كان بنكاً ربوياً، أو شخصاً اعتبارياً أو عادياً سيرتكب الربا، ويقول: هو فرق لمستوى الأسعار، ثم لا يمكن قفل هذا الباب.
ولهذا فإن نسبة قول إلى عالم من العلماء لا يعني إباحة الأخذ به دون النظر في دليله ومقارنته بغيره، فليست الحجة للأشخاص، وإنما الحجة للأدلة.
وما نسب لشيخ الإسلام ابن تيمية من قوله برد قيمة الفلوس في القرض حالة ارتفاع قيمة الفلوس أو رخصها غير دقيق. (٣) فهو يقول بهذا حالة كسادها، أو تحريم السلطان التعامل بها. أما حالة الغلاء والرخص فهو يقول برد المثل.
جاء في المنح الشافيات بشرح مفردات الإمام أحمد:
والنص بالقيمة في بطلانها
لا في ازدياد القدر أو نقصانها
بل إن غلت فالمثل فيها أحرى
كدانق عشرين صار عشراً
стр. 13515
(فالنص في رد القيمة إنما ورد عن الإمام فيما إذا أبطلها السلطان، فمنع المعاملة بها لا فيما إذا زادت قيمتها أو نقصت مع بقاء التعامل بها) .
وشيخ الإسلام فتى تيمية
قال: قياس القرض عن جلية
الطرد في الديون كالصداق
وعوض في الخلع والإعتاق
والغصب والصلح عن القصاص
ونحو ذا طرا بلا اختصاص
أي قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (قياس ذلك –أي القرض- فيما إذا كانت مكسرة أو فلوساً وحرمها السلطان وقلنا: يرد قيمة جميع الديون) (١)
وجاء في المحرر (وإذا أقرضه فلوساً أو مكسرة فحرمها السلطان. فله قيمتها وقت القرض) . (٢)
وما ذكره البعض قولاً للمالكية برد القيمة في الفلوس إذا غلت أو رخصت اعتماداً على عبارة الرهوني التالية: (قلت: وينبغي أن يقيد ذلك بما إذا لم يكثر ذلك جداً حتى يصير القابض لها كالقابض لما لا كبير منفعة فيه، لوجود العلة التي علل بها المخالف) (٣) غير دقيق؛ لأن أصل الخلاف جاء في بطلان الفلوس عند قول خليل: (وإن بطلت فلوس فالمثل) .
وقد ذكر الرهوني صراحة أن هذا الخلاف في البطلان لا في الغلاء والرخص، فقال ما نصه: (ظاهر كلام غير واحد من أهل المذهب، وصريح كلام آخرين منهم أن الخلاف السابق محله إذا قطع التعامل بالسكة القديمة جملة، وأما إذا تغيرت بزيادة أو نقص فلا، وممن صرح بذلك أبو سعيد بن لب) ثم أتبعها بعبارته السابقة: (والتي أراد بها تغيير عدم جريان الخلاف في التغير بالزيادة أو النقص بما إذا لم يصل التغير إلى الدرجة التي يكون القابض للفلوس التي نقصت كالقبض لما لا كبير منفعة فيه؛ لأنها لو كانت كذلك تصبح كالفلوس التي بطلت، فينبغي أن يجري فيها الخلاف، وهذا التغيير يكون مقبولاً في حالة التغير بالنقص فقط، ولا يتصور في حالة الزيادة) (٤)
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
الدكتور صالح بن زابن المرزوقي البقمي
стр. 13516
ربط الأجور بتغير المستوى العام للأسعار
في ضوء الأدلة الشرعية
إعداد
د. حمزة بن حسين الفعر
كلية الشريعة والدراسات الإسلامية
جامعة أمر القرى
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
هذه المسألة نوع من أنواع ربط الحقوق والالتزامات الآجلة بتغير الأسعار (Indexation) والذي دفع إلى التفكير في مسألة ربط الحقوق (عامة) بتغير الأسعار ظاهرة التضخم التي حدثت نتيجة لعوامل عديدة ومتشابكة، من أهمها ازدياد عرض النقود، واختلال السياسات النقدية في كثير من بلدان العالم، وقد أدت ظاهرة التضخم إلى تناقص مستمر، بل وحاد في كثير من الأحيان في القوة الشرائية للنقود، ولا شك أن ذلك أدى ويؤدي إلى تضرر أصحاب الديون والالتزامات طويلة الأجل، حيث تنخفض قيمة حقوقهم انخفاضاً شديداً عما يجب أن تكون عليه.
ويهدف الربط بالمستوى العام للأسعار إلى إيجاد مقياس ثابت للمدفوعات المؤجلة، وذلك عن طريق وضع شروط معدلة في العقود التي يتم التوصل إليها بحيث يجري تعديلها دورياً وآلياً بربطها بجدول مناسب للأسعار.
ويسمي البعض هذه العملية بـ (التصحيح النقدي) ، وتعود جذورها في الاقتصاد الوضعي إلى بداية القرن الثامن عشر في عام ١٧٠٧م عندما وضع الأسقف فليت وود كتاباً عن استخدام هذا المفهوم.
وفي عام ١٨٢٢م اقترح جوزيف لوي هذا الربط في عقود الأجور وتأجير الأرض والسندات طويلة الأجل.
وفي عام ١٨٣٣م استخدم بوليت سكروب (جدول مقياس القيمة) لهذا الغرض.
стр. 13517
وقد دعا كل من ستانلي جيفونز (١٨٧٥م) ، والفريد مارشال (١٨٨٧م) ، وإيرفنج فيشر (١٩٢٢م) ، وكينز (١٩٢٧م) إلى قبول هذه الجدولة للتخفيف من الآثار الجانبية للتضخم والانكماش، وتوفير علاج مناسب عن طريق اتخاذ تدابير حازمة، ويعتبر ميلتون فريدمان حالياً من أبرز دعاة التصحيح النقدي هذا (١)
ولم تكن هذه المسألة معروفة بشكلها الحالي (٢) في العصور الإسلامية السالفة، ولذا فإنها تعد من النوازل الحادثة التي تحتاج إلى بيان حكمها في الشريعة الإسلامية على ضوء الأدلة والقواعد الشرعية.
وقد طبقت هذه الفكرة –ربط الحقوق والالتزامات الآجلة بتغير الأسعار- في عدد من البلدان غير الإسلامية، في هذا القرن، وبخاصة في دول أمريكا اللاتينية مثل البرازيل، والأرجنتين، وشيلي، وكولومبيا في ظروف التضخم، وقد استخدمته البرازيل وتشيلي بصورة شاملة في الحقوق والالتزامات، بينما استخدمته كل من الأرجنتين وكولومبيا على أساس انتقائي في بعض الأمور دون بعض.
وقد ثار جدل حاد بين الدارسين لآثار تطبيق الربط في هذه الدول على مسيرة الحياة الاقتصادية، فمنهم من يؤيده، ويرى أنه قد نجح في التخفيف من غلواء التضخم بتخفيض العجز في ميزان المدفوعات، وحفز على إنشاء بعض المشاريع الإنمائية الهامة، وساعد على إيجاد سوق طويل الأجل لدين الحكومات، وساعد على رواج السندات الحكومية، وأدى إلى تحسن ملحوظ في عمل أسواق رأس المال (٣)
بينما يرى البعض أن الربط وإن أدى إلى تخفيف بعض معدلات التضخم، إلا أنه أحدث آثاراً ضارة أخرى لا تقل سوءاً عن الآثار التي عمل على تخفيفها (٤)
стр. 13518
وقد قام بعض الباحثين بدراسة أخرى لنتائج ربط المعاملات بسعر النقود في واحد وعشرين بلداً متقدماً، منها الولايات المتحدة وبريطانيا، ففي ست عشرة حالة ربطت الأمور بمستوى الأسعار، وفي ثلاث عشرة حالة ربطت المعاشات أو الأشكال الأخرى للمدفوعات التحويلية (١) وفي ثلاث عشرة حالة ربط شكل ما من دخل الاستثمار، ولازال الجدل قائماً حول إمكانية استخدام هذه التجارب على نطاق أوسع انتشاراً.. (٢)
وقد أثيرت مسألة الربط هذه في محيط الاقتصاد الإسلامي لدراسة إمكانية تطبيقها في مجال الحقوق والالتزامات الآجلة من الناحية الشرعية، وعقدت ندوة في رحاب البنك الإسلامي للتنمية بجدة بالتعاون بين المعهد الإسلامي للبحوث والتدريب التابع للبنك الإسلامي وبين المعهد العالي للاقتصاد الإسلامي التابع للجامعة الإسلامية العالمية في إسلام آباد وذلك في ٢٧- ٣٠ من شهر شعبان عام ١٤٠٧ هـ الموافق ٢٥- ٢٨ من شهر نيسان عام ١٩٨٧م، وقد حضرها لفيف من رجال الاقتصاد الإسلامي، وعدد من فقهاء الشريعة، وانتهت الندوة بجملة من التوصيات، من أهمها ما جاء في التوصية الثالثة من أنه (لا يجوز ربط الديون التي تثبت في الذمة أياً كان مصدرها بمستوى الأسعار بأن يشترط العاقدان في العقد المنشئ للدين كالبيع والقرض وغيرهما العملة التي وقع بها البيع أو القرض بسلعة أو مجموعة من السلع أو عملة معينة، أو مجموعة من العملات بحيث يلتزم المدين بأن يوفي للدائن قيمة هذه السلعة أو العملة وقت حلول الأجل بالعملة التي وقع بها البيع أو القرض) .
وما جاء في التوصية الخامسة من (أن ربط الأجور المتكررة بتغير الأسعار يتضمن غرراً ناشئاً عن الجهالة بمقدار الأجر، سواء تحددت الزيادة في الأجور بسقف معلوم أم لا) وهو محل نظر، ويحتاج إلى بحث وتحليل جديدين لتحديد مشروعيته.
وبناء على ما جاء في تلك التوصيات فقد دعا مجمع الفقه الإسلامي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي لعقد هذه الندوة لمناقشة المسائل التي أوصت الندوة السابقة بزيادة بحثها، ومنها مسألة ربط الأجور بتغير المستوى العام للأسعار بغية زيادة تعرف هذه القضية لبيان الحكم الشرعي فيها.
стр. 13519
وقبل أن أدخل في صلب الموضوع المعروض للبحث أود أن أمهد ببيان عدد من الأمور:
الأمر الأول- التكييف الفقهي للنقود الورقية:
منذ أن شاع استعمال النقود الورقية وهي مثار نقاش بين العلماء المسلمين هل هي أثمان أم فلوس؟ وقد قرر بعضهم أنها فلوس، بناء على أن الثمنية الحقيقية عندهم إنما تكون في الذهب والفضة، وكان معتمد بحثهم ما قاله العلماء السابقون في شأن الفلوس، فأعطاها بعضهم ما للفلوس من الأحكام، وقرر بعضهم أنها مستندات ديون وبعضهم أكد على ثمنيتها وأنها قائمة مقام الذهب والفضة.
وهذا الخلاف له ما يبرره؛ ومرده إلى التطورات التي مر بها الورق النقدي، فإنه في أصله ليس ثمناً وإنما ثمنيته بالاصطلاح، إضافة إلى أنه في أول ظهوره كان مغطى بالذهب والفضة، وكان يكتب عليه ما يفيد أنه سند بقيمته من الذهب أو الفضة، ثم بعد ذلك زال الغطاء جزئياً ثم كلياً، ولم تعد هذه النقود الورقية متعلقة بالذهب ولا بالفضة من قريب ولا بعيد، وأصبحت هي أثمان الأشياء ووسيط التبادل في المعاملات، والقول بأنها فلوس، تخرج عن الثمنية بالغلاء والرخص شأن الفلوس في الأزمنة السالفة قول غير صحيح ويترتب عليه مفاسد كبيرة في الدين والدنيا (١) ذلك أنه لابد للناس من أثمان تقدر بها السلع والخدمات، وتكون واسطة للتبادل حتى تتيسر معاملاتهم ويرتفع الحرج عنهم، ولم يعد الذهب ولا الفضة نقداً أصلاً، وهذه الأوراق النقدية فيها خصائص الثمنية، وأصبح إصدارها مضبوطاً بضوابط معينة وتتولاه جهات مسؤولة، وتعمل الدول على حماية نقدها بالتدابير الاقتصادية، ومكافحة التزوير، وترقيم العملات، وسرية العلامات التي تضعها في النقد ضماناً لعدم تزويره، إلى غير ذلك مما لا يخفى في الحياة المعاصرة، وتستخدم هذه النقود في المبادلات والحقوق اليسيرة والكبيرة، وهذا يجعلها تختلف اختلافاً كبيراً عن الفلوس المعهودة في الأزمنة السالفة، والتي لم تكن لها من الثمنية ما للذهب والفضة، وكانت تتعرض للكساد، ولإبطال الحاكم لها كثيراً، كما أنها في كثير من الأحيان إنما تستعمل في الأشياء الحقيرة التافهة، ويترتب على القول بأنها فلوس إباحة الربا فيها عند بعض العلماء وعدم وجوب الزكاة في عينها، إلى غير ذلك، فلا وجه لقياسها على الفلوس المعهودة فيما مضى وإعطائها حكمها، بل هي أثمان يجري فيها الربا وتجب فيها الزكاة وتصلح رأس مال في السلم والشركات.
стр. 13520
وقد أثار عدد من رجال الاقتصاد الإسلامي المعاصرين هذه القضية في مسألة الربط بالمستوى العام للأسعار، واختاروا كونها فلوساً ليمهدوا بذلك لقبول الربط (١) ورأوا أن ربط المعاملات الآجلة بالنقود الورقية يؤدي إلى خداع المتعاملين بها.
وقد تبين مما تقدم ما في هذا القول من المخالفة.
الأمر الثاني- الواقع المعاصر البعيد عن التزام أحكام الشرع في كثير من الأحيان:
يلحظ المتأمل في الواقع المعاصر بصفة عامة، والواقع الاقتصادي منه بصفة خاصة أننا ابتلينا بأشياء كثيرة غريبة عنا، نبذل جهوداً طائلة ونصرف أوقاتاً فاضلة في سبيل إصلاح اعوجاجها ورتق فتوقها، وقد لا نصل إلى ما نريده من الإصلاح، والسبب في ذلك أنها أوضاع شاذة مخالفة نشأت فيها أحكام، ووجدت فيها أمور تتناسب معها، بل تعتبر منطقية بالنسبة إليها، في حين أنها غير مقبولة أصلاً في شريعتنا، ولذلك تظل محاولة تطويعها للشريعة من الأمور التي هي أشبه ما تكون بالجمع بين المتناقضات، وهذا الأمر واضح أشد الوضوح في الاقتصاد المعاصر، فإن قواعده ومجالاته نبتت في بيئات لا تلتزم بدين أصلاً، فلا غرابة إن وجدت فيها الحرية المطلقة في تثمير المال وتنميته، عن طريق المكاسب المتنوعة، حتى ولو كانت محرمة في ديننا، والربا –أخذاً وإعطاءً- مبدأ مقرر ليس فيه شبهة ولا تردد عندهم، وقد يبتكرون أنماطاً متعددة للتعامل، أو يضعون شروطاً فيما بينهم تجيزها حرية التعاقد لديهم، وتكون منسجمة تماماً مع أوضاعهم حيث لا يوجد (حلال ولا حرام) ثم تنتقل إلينا هذه المعاملة أو تلك فنصرف الجهود الكبيرة في إضفاء الصفة الشرعية عليها، ونلتمس لها من الأدلة والمؤيدات ما عساه أن يجعلها مقبولة لدينا، وقد ننجح وقد لا ننجح، وقد نتعسف الأمور في كثير من الأحيان (٢)
ولم أقصد بهذا أن نرد كل ما جاءنا عن غيرنا، بل نحن مطالبون بالأخذ بكل حسن لا يعارض ديننا مع التسليم بأننا لا نعيش في أبراج عاجية بمعزل عما يدور في هذه الحياة، ولكني أردت الإشارة إلى الصعوبات البالغة التي يتكبدها العلماء والمفكرون في مناقشة هذه الأمور الوافدة، وأنه لن يتم لهذه الأمة أمرها ولن تستقيم لها حياتها، حتى تثوب إلى رشدها وتجعل دينها حاكماً لا محكوماً، متبوعاً لا تابعاً.
стр. 13521
الأمر الثالث- منهجية التخريج والاستنباط لأحكام الحوادث الجديدة:
يقول الله جل ذكره في محكم كتابه: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ [النحل: ٨٩] .
ويقول: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٣٨] ، وهذه وغيرها أدلة واضحة على أن صدر هذه الشريعة لا يضيق عن بيان حكم الله فيما ينزل بالناس، وأن هناك أموراً نصت الشريعة على أحكامها وأخرى يمكن معرفة حكمها بالرد إليها مصداقاً لقوله تعالى: ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ [النساء: ٨٣] .
ويوضح الإمام الشافعي ﵀ هذا المعنى بقوله: (كل ما نزل بمسلم ففيه حكم لازم أو على سبيل الحق فيه دلالة موجودة، وعليه إذا كان فيه حكم بعينه اتباعه، وإذا لم يكن فيه بعينه طلب الدلالة على سبيل الحق فيه بالاجتهاد ... ) (١)
وهذا يعني أن سبيل تعرف أحكام النوازل إنما هو الاجتهاد، وهو يتنوع أنواعاً فقد يكون اجتهاداً في إدخال الأمر الحادث في دلالة لفظ من ألفاظ النصوص فيأخذ حكمه، أو بقياسه على حكم منصوص لوجود معنى جامع بينهما، أو لكونه خادماً لمقصد من مقاصد الشريعة أو غير ذلك مما وضعت له كتب أصول الفقه، وكل ذلك له شروط وقوانين لابد من الالتزام بها، وهي معروفة في مواطنها من كتب الأصول، وعندما يحصل التعارض بين الأدلة، أو بين الأقوال المستندة إلى الأدلة فإن هناك أيضاً من القواعد ما يمكن به تعرف الراجح الذي يتعين المصير إليه والأخذ به، ولكن كثيراً من الباحثين المعاصرين إذا أراد تعرف حكم نازلة، أو أراد أن يجد مسوغاً لقبولها في الفقه الإسلامي لا يلتزم بالقوانين المحكمة التي يتعين الالتزام بها في مثل هذه الأحوال، وهجيراه أن يجد قولاً لبعض العلماء، أو وجهاً أو رواية في مذهب، فيأخذ به ويجعله دليلاً لصحة ما يقوله، ومن نافلة القول بيان خطأ هذا المنهج؛ لأن الأقوال لا عبرة بها في أنفسها وإنما المعول عليه الدليل الذي استندت إليه هذه الأقوال، وكلما ترجح دليل على غيره وجب الأخذ به شرعاً، والقول الذي لا يسنده دليل قوي لا يصلح للاعتماد عليه، فضلاً عن أن يرجح على غيره، ولذا فنحن بحاجة إلى التدقيق في الأقوال التي نجدها موافقة لما نريد من حيث صحة دليلها ورجحانه؛ حتى يمكن لنا البناء عليها، ومن كان معه الدليل فقوله مقدم على قول غيره، حتى وإن خالفنا فيما نريد، كما يقول الإمام ابن القيم ﵀: ( ... فمن كان أسعد بالدليل كان أسعد بالقبول ... ) .
стр. 13522
هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى فإن بعض الباحثين يأخذ قولاً في مذهب مقدماً له على بقية الأقوال في المذهب نفسه من غير مناقشة أو ترجيح، فنجده مثلاً يأخذ بقول محمد بن الحسن في مسألة معينة تاركاً رأي إمام المذهب أبي حنيفة ﵀ أو رأي أبي يوسف صاحبه، أو يأخذ برأي ابن شبرمة مثلاً، ويترك آراء جماهير العلماء من غير ترجيح، وإذا لم ننظر في مسألة الأدلة فنزن بها الأقوال، فإن المفترض أن جميع الآراء في مرتبة واحدة ولا مزية لبعضها على بعض، فتقديم بعضها على بعض من غير دليل ترجيح من غير مرجح، وهو تحكم باطل كما يقول العلماء.
ونعود بعد هذا التمهيد إلى موضوع البحث فنقول:
إن ربط الأجور بمستوى الأسعار في الدول التي مارست هذه التجربة يتم عادة عن طريقين:
الطريق الأولى: الربط الذي يتم عن طريق الاتفاقات الجماعية والتي تتحكم فيها اتحادات ونقابات العمل، ويقوم الأطراف المعنيون –أرباب العمل، وممثلو العمال- بتحديد الأجور عن طريق التفاوض، ويتم توقيع الاتفاق الجماعي بعد ذلك، ويضاف إلى الاتفاق بند ينص على أنه في أثناء سريان الاتفاق، وعلى فترات معينة يتم تعديل الأجور تلقائياً تبعاً لمؤشر قياسي متفق عليه من قبل الأطراف ذات العلاقة، ويمكن أن يكون التعديل في نهاية كل سنة، أو تبعاً لغلاء المعيشة، ويطلق على هذا الاتفاق بند التصاعد الأجري أو بند غلاء المعيشة.
الطريق الثانية: ربط يتم عن طريق القرارات الحكومية لتنظيم الأجور والرواتب ومعاشات التقاعد ونحوها لحماية هذه الدخول من التآكل الذي ينتجه التضخم، ويقصد بها أساساً موظفو الخدمة المدنية ومن في حكمهم، وتكون في بعض البلدان التي تستخدم هذا الربط كأداة سياسية حكومية للأجور مثل فرنسا، وفي البلدان التي لا يوجد فيها تفاوض جماعي عن طريق اتحادات أو نقابات (١)
стр. 13523
وقد استخدام ربط الأجور بمستوى الأسعار على نطاق واسع في عدد من البلدان، كالنمسا، وبلجيكا، والدنمارك، وفنلندا، وفرنسا، وأيرلندا، وهولندا، وسويسرا، والولايات المتحدة الأمريكية، وقد كان الدافع الأساسي لربط الأجور بمستوى الأسعار في الولايات المتحدة ظروف التضخم بعد الحرب العالمية الأولى.
إلا أن انخفاض الأسعار بعد ذلك في أوائل العشرينات أفقده أهميته (١)
وقد ربطت بريطانيا الأجور بالرقم القياسي للأسعار في فترتين، أولاهما من ١٩١٠م-١٩٣٣م، والثانية من ١٩٧٣-١٩٧٤م (٢)
وسأحاول بإذن الله دراسة هذه المسألة في إطار الأدلة والقواعد الشرعية التي تضبط عقد الإجارة.
تعريف الإجارة وبيان أركانها:
الإجارة في الفقه الإسلامي تمليك، أو عقد على منفعة معلومة بعوض معلوم (٣) وعقد الإجارة عقد معاوضة من الطرفين؛ لأن الأجير يبذل العمل ويأخذ الأجر، وصاحب العمل يبذل الأجر ويأخذ العمل، أو المستأجر يبذل المال، وصاحب العين يبذل المنفعة، وعلى هذا فهو من العقود اللازمة (٤)
ولهذا العقد أركان ثلاثة:
١- العاقدان.
٢- المعقود عليه، وهو الأجرة من جانب والمنفعة من جانب آخر.
٣- الصيغة، وهي الإيجاب والقبول (٥)
стр. 13524
ويتضح من هذه الأركان أن الأجرة ركن في العقد.
وهي كما يعرفها بعض العلماء (العوض الذي يعطى مقابل منفعة الأعيان، أو منفعة الآدمي) (١) ويجوز أن تكون نقداً، أو عيناً، أو منفعة عند جمهور العلماء، فإن كانت هذه الأجرة نقداً فإنه يشترط فيها أن تكون معلومة علماً يمنع من المنازعة والخصومة، لما رواه الإمام أحمد ﵀ عن أبي سعيد ﵁ قال: ((نهى النبي ﷺ عن استئجار الأجير حتى يبين له أجرة)) (٢)
والعلم بالنقد على هذا النحو يقتضي معرفة قدره وجنسه ونوعه؛ حتى لا يكون هناك مجال للمنازعة، وكذا القول في سائر المثليات التي تثبت في الذمة.
وإن كانت عيناً –وهي ما يقابل النقد أو المنفعة- كالأمتعة ونحوها، فإنه يشترط فيها ما يشترط في العين المبيعة من الرؤية أو الوصف المضبوط الذي تنتفي معه الجهالة والغرر.
وإن كانت منفعة فإنه يشترط فيها أن تكون معلومة مضبوطة يصح الاعتياض عنها شرعاً (٣)
حكم ربط الأجور بالمستوى العام للأسعار:
في ضوء ما تقدم يمكن لنا أن نقول:
إن الأجرة إما أن تكون نقوداً، أو أعياناً، أو منافع عند من يجوز أن تكون المنافع بدلاً في الإجارة كما تقدم.
стр. 13525
وفي كل الأحوال إما أن تكون مع الحكومة أو مع جهات غير حكومية سواءً أكانت مع أشخاص أم مع مؤسسات.
فإن كانت الأجرة أعياناً كالأمتعة أو غيرها فإنه يشترط فيها –كما تقدم- العلم النافي للجهالة، ولا مجال للقول بالربط القياسي فيها لأن تلك الأعيان التي تم العقد عليها باقية ولا يؤثر التضخم في ذواتها، سواء أكانت مع الحكومة أم مع غيرها، وسواء أكان الأجير خاصاً أم مشتركاً.
وكذا الحال في المنافع إذا كانت معلومة مضبوطة على النحو الذي مر ذكره قريباً، وأما إن كانت الأجرة نقوداً، فإنه يشترط فيها العلم بقدرها وجنسها ونوعها عند التعاقد كما مر في أركان عقد الإجارة وربطها بالمستوى العام للأسعار يفوت هذا الركن؛ لأن الأجير، ورب العمل، لا يعلمان المقدار الذي يستحق عند وقت التسليم، وهذا ينطوي على جهالة (١) بمقدار الأجرة للأجير ولصاحب العمل في حال الزيادة، أو في حال نقصانها عما تعاقدا عليه عند ارتفاع القيمة الشرائية للنقود، وهذا وإن كان أقل حصولاً من الانخفاض إلا أنه أمر ممكن غير مستبعد.
стр. 13526
وإذا كانت الأجرة التي في ذمة صاحب العمل ومن في حكمه مربوطة بالمستوى العام للأسعار، سواء أكان الربط بالسلع الاستهلاكية أم بالسلع الصناعية، فإن ذلك يؤدي إلى الربا في حالة التضخم لأن النقود مثلية لانضباطها بالعد، فإذا انخفضت قيمتها بالنسبة لما ربطت به أدى ذلك إلى زيادة في عددها، وهذا عين الربا، ومثال ذلك أن تكون الأجرة التي تستحق بعد سنة ٥٠٠٠ جنيه مصري، فإذا تم الربط بالمستوى العام للأسعار وكان هذا المبلغ يساوي ١٠٠ وحدة مثلاً عند التعاقد بناء على أن الوحدة تساوي ٥٠، وفي نهاية السنة انخفضت القيمة الشرائية للجنيه بحيث أصبحت الوحدة المربوطة بها تساوي ١٠٠ جنيه، فإن المبلغ المستحق يكون حاصل ضرب ١٠٠× ١٠٠ = ١٠٠٠٠ جنيه.
وهكذا الحال فيما لو ارتفعت القيمة الشرائية للعملة التي تم التعاقد بها عند وقت التسليم عنها عند التعاقد، فإن ذلك يؤدي إلى سداد الدين بأقل منه، وهذا لا يجوز ...
ومن المعلوم أن الشريعة قد حرمت الربا تحريماً مؤكداً مؤبداً، ولعنت أصحابه كما جاء عن النبي ﵇ في الحديث الصحيح الذي رواه الخمسة عن ابن مسعود ﵁، أن النبي ﵇ ((لعن آكل الربا وموكله وشاهديه وكاتبه)) (١)
وجاء في الحديث الصحيح الذي رواه الإمام أحمد والبخاري أن النبي ﵇ قال: ((الذهب بالذهب، والفِضة بالفضة، والبُرُّ بالبر، والشَّعير بالشعير، والتمر بالتمر، والمِلح بالملح، مثلاً بمثل، يداً بيد، سواء بسواء، فمن زاد أو استزاد فقد أربى، الآخذ والمعطي فيه سواء)) (٢)
стр. 13527
فقوله ﵇: ((فمن زاد أو استزاد)) يعم كل زيادة؛ لأنه فعل وقع في سياق الشرط، والفعل من قبيل النكرة؛ لأنه يتضمن مصدراً نكرة، والنكرة في سياق الشرط تعم على ما تقرر في صيغ العموم.
والنقود الورقية أثمان قائمة مقام الذهب والفضة، فالزيادة فيها أخذاً أو إعطاءً تعاطٍ للربا المحرم.
ومما يزيد الأمر تأكيداً أن الشريعة لم تقف عند حد تحريم الربا الصريح، بل سدت كل الذرائع المؤدية إليه، واعتبرت الجهل بالتساوي محرماً في بيع الربويات ببعضها كالعلم بالتفاضل فيها، فقد روى الإمام مسلم والنسائي عن جابر ﵁ قال: ((نهى النبي ﷺ عن بيع الصبرة من الثمر لا يعلم كيلها بالكيل المسمى من التمر)) (١)
وروى الشيخان عن سهل بن أبي حثمة قال: ((نهى النبي ﷺ عن بيع التمر بالتمر، وقال: ذلك الربا، تلك المزابنة)) (٢)
وبناء على هذا فإن ربط الأجور بالمستوى العام للأسعار غير جائز سواء أتم الربط عند التعاقد، أم بعد مدة؛ لأن المحذور في ذلك واحد، وهو جهالة الأجرة التي يتم تسليمها عند حلول الأجل، وإفضاء ذلك إلى الربا كما تقدم بيانه، اللهم إلا أن يفرق بين تضمن العقد من بدايته شرط الربط الفاسد كما في الصورة الأولى، وهل يؤدي ذلك إلى فساد العقد أم أن العقد صحيح والشرط باطل؟ على ما هو الخلاف المعروف عند العلماء في هذا (٣) وبين أن يتم العقد بدون شرط الربط، ثم يلحق به هذا الشرط كما في الثانية، فالعقد صحيح والشرط باطل.
стр. 13528
أما مسألة إضافة ما يسمى (بعلاوة غلاء المعيشة) إذا اعتبرناه نوعاً من الربط فالأمر يحتاج فيها إلى تفصيل، ذلك أن هذه إن كانت من الأجرة فلابد أن تكون معلومة حال التعاقد؛ لأن الجهل بها يجعل الأجرة مجهولة فيبطل العقد، فلا يصلح أن يترك تقديرها لما يتحدد بعد ذلك من أحوالـ؛ لما يترتب عليها من منازعة، وقد اتفق العلماء على عدم جواز أن تكون الأجرة أو شيء منها مجهولاً.
وإن كانت هذه العلاوة من باب التكافل فإنها غير لازمة لصاحب العمل ولا تكون من الأجرة، فلا يشترط العلم بها؛ لأن كفالة المحتاجين واجب على الدولة وليست واجباً على أرباب الأعمال، وإنما الواجب عليهم العدل في الأجرة (١)
وهناك مسألة أخرى قد ينتجها التضخم، وينتجها الربط بالمستوى العام للأسعار أيضاً، وهي مسألة الضرر، ولا شك أن انخفاض القيمة الحقيقية للنقود فيه ضرر على أصحاب الأجور، لأن أجورهم هذه هي عماد معيشتهم، فنقصان قيمتها بسبب التضخم يضر بحاجاتهم الأصلية، والنبي ﵇ يقول: ((لا ضرر ولا ضرار)) والقاعدة الشرعية أن الضرر يزال، ولكنه لا يزال بضرر مثله (٢) وفي تعويضهم عما نقص عليهم، أو ما يتوقع نقصه عن طريق الربط يضر بمصلحة صاحب العمل نفسه؛ لأنه هو أيضاً قد تضرر بنقصان القيمة الحقيقية لأرباحه، وعائداته من العمل، ولا يد له فيما حصل؛ لأن التضخم يحدث نتيجة لكثرة عرض النقود واختلال السياسات النقدية، وربما أثرت فيه قوى السوق أيضاً، فإذا ربطنا أجور العاملين بقيمة ثابتة عاقبنا من لا يستحق العقوبة وتركنا الجاني الحقيقي بدون مساءلة كما يقول بعض الباحثين، وكأنا بذلك نقر الأوضاع الفاسدة ونرقع سوآتها بتحميل أرباب الأعمال نتائج هذا التدهور في قيمة النقد.
وخير من ذلك أن يبحث عن أسباب التضخم الحقيقية ويعمل على إزالتها أو التخفيف من حدتها، وأهم ما في ذلك ضبط كمية النقود المتداولة، وانتهاج سياسات نقدية واقتصادية حصيفة تتوخى العدل، وتعمل على توظيف كل الطاقات في سبيل تحقيق استقرار اقتصادي يقبل فيه الناس على الاستثمار والتنمية، وتختفي فيه المظاهر السلبية من اكتناز الأموال أو توجيهها للأصول غير الإنتاجية كتجارة العملة والعقار ونحوها..
стр. 13529
ولابد من الحرص على أن تكون القيمة الحقيقية للنقد في وضع ثابت قدر الإمكان؛ لأنه هو المعيار الذي تقوم به الأشياء، والوسيط الذي يتم به التبادل بين الناس، فالتلاعب به أو التهاون في شأنه مما يعرض حياة الأمة للخطر ويضعفها في مواجهة أعدائها، ويجعلها عاجزة عن القيام بشؤونها.
اقتراح بديل لتفادي مشاكل انخفاض قيمة العملة بالنسبة للأجور:
١- أقترح ألا تطول مدة عقود الإجارة حتى تكون هناك فرصة مشروعة للاتفاق على الأجر المناسب الذي يعتمد على القيمة الحقيقية للنقود في فترات ليست بعيدة يؤمن في مثلها التغير الفاحش.
٢- في حالة عدم التمكن من التعاقد لفترات قصيرة نسبياً أو في حالة الخشية من التغير السريع المفاجئ، فإنه يمكن أن يتم التعاقد أساساً بعملة معينة لا تتغير كثيراً كالدولار والمارك أو نحوهما، أو أن يتم التعاقد بالذهب ونحوه.
على أني لا أرى مانعاً من إعادة النظر في التغير الفاحش الذي يلحق به الضرر البين بالأجير ومن في حكمه ليتم تقدير أجرة المثل العادلة على أن تدفع بعملة أخرى ليكون ذلك أبعد عن الشبهة، وبالله التوفيق.
د. حمزة بن حسين الفعر
стр. 13530
المراجع
١- أبو الوليد ابن رشد القرطبي
البيان والتحصيل
تحقيق: أحمد الشرقاوي إقبال، د. محمد الحجي
دار الغرب الإسلامي- بيروت، إدارة إحياء التراث الإسلامي، قطر، ١٤٠٤هـ-١٩٨٤م.
٢- أحمد بن حجر الهيثمي.
تحفة المحتاج بشرح المنهاج، وبهامشه حواشي الشرواني والعبادي، دار صادر.
٣- بيج وترلوب.
دراسة بالمجلة الاقتصادية للمعهد القومي، نقلاً عن د. محمد عبد المنان في بحثه المقدم عن رابطة الحقوق والالتزامات بمستوى الأسعار في الندوة المعقودة لذلك بالمعهد الإسلامي للبحوث والتدريب بالبنك الإسلامي للتنمية بجدة من ٢٧-٣٠ شعبان سنة ١٤٠٧هـ
٤- د/ج. ج. لالبوالا
مزايا وعيوب الربط بالقيمة بتغير الأسعار.
٥- ستر ثواب الجعيد
أحكام الأوراق النقدية والتجارية
رسالة ماجستير- جامعة أم القرى ١٤٠٥هـ-١٤٠٦هـ.
٦- د. شرف بن علي الشريف
الإجارة الواردة على عمل الإنسان
دراسة مقارنة- دار الشروق بجدة، ط:١، ١٤٠٠هـ-١٩٨٠م.
стр. 13531
٧- عبد الرحمن السيوطي
الأشباه والنظائر في قواعد وفروع فقه الشافعية
دار إحياء الكتب العربية، عيسى البابي الحلبي وشركاه.
٨- عبد الرحمن يسري
دراسات في علم الاقتصاد، دار الجامعة المصرية، ط: ١، ١٤٠٨هـ-١٩٨٨م.
٩- عبد الله بن أحمد بن قدامة
المغني، تحقيق: عبد الله عبد المحسن التركي – عبد الفتاح الحلو
هجر للطباعة القاهرة، ط: ١، ١٤١١هـ-١٩٩٠.
١٠- عبد الله بن محمد الخرشي
شرح الخرشي على مختصر خليل، المطبعة الكبرى الأميرية سنة ١٣١٧هـ.
١١- عبد الله بن منيع
الورق النقدي
مطابع الفرزدق التجارية، الرياض - ط: ٢٢، ١٤٠٤هـ- ١٩٨٤م.
١٢- عثمان بن علي الزيلعي
تبيين الحقائق شرح كنز الحقائق، دار المعرفة- لبنان.
١٣- علاء الدين أبو بكر الكاساني
الناشر: زكريا علي يوسف- مطبعة الإمام.
١٤- ق. ج. دونالد
التضخم وضرورة التقييس في البلدان النامية
نقلاً عن د. محمد عبد المنان: ربط الحقوق والالتزامات الآجلة بتغير الأسعار النظريات والتجربة والتطبيق من منظور إسلامي، بحث مقدم لندوة ربط الحقوق الآجلة بتغير الأسعار، المعقودة في البنك الإسلامي للتنمية بمقر المعهد الإسلامي للبحوث والتدريب في جدة من ٢٧- ٣٠ شعبان سنة ١٤٠٧هـ.
стр. 13532
١٥- قاسم القونوي
أنيس الفقهاء في تعريفات الألفاظ المتداولة بين الفقهاء
تحقيق د. أحمد عبد الرزاق الكبيسي
دار الوفاء بجدة، ط: ١، ١٤٠٦هـ-١٩٨٦م.
١٦- محمد بن إدريس الشافعي
الرسالة، تحقيق: أحمد شاكر، ط: ٢، ١٣٩٩هـ-١٩٧٩م.
مكتبة التراث بالقاهرة
١٧- د. محمد تقي العثماني
أحكام أوراق النقود والعملات، بحث مقدم لندوة ربط الحقوق والالتزامات الآجلة بتغير الأسعار، التي عقدت بالمعهد الإسلامي للبحوث والتدريب بالبنك الإسلامي للتنمية بجدة من ٢٧-٣٠ شعبان سنة ١٤٠٧هـ.
١٨- محمد الخطيب الشربيني
مغني المحتاج إلى معرفة ألفاظ المنهاج
شركة ومطبعة مصطفى البابي الحلبي وأولاده بمصر.
١٩- محمد بن عبد الرحمن الطرابلسي المغربي المعروف بالحطاب
مواهب الجليل بشرح مختصر خليل، وبهامشه التاج والإكليل للمواق
مكتبة النجاح – ليبيا
٢٠- محمد بن عرفة الدسوقي
حاشية الدسوقي على الشرح الكبير للدردير، وبالهامش الشرح الكبير للدردير، توزيع دار الفكر
٢١- محمد بن علي الشوكاني
نيل الأوطار، مصطفى البابي الحلبي، ط: الأخيرة
٢٢- محمد بن قراموز، منلاخسرو
درر الأحكام شرح غرر الأحكام، وبالهامش حاشية الشرنبلالي
طبع في سنة ١٣٣٠هـ، في مطبعة أحمد كامل الكائنة في دار الخلافة العلية
стр. 13533
٢٣- محمد بخيت المطيعي
تكملة المجموع شرح المهذب – ط: ١ مكتبة الإرشاد بجدة
٢٤- منصور بن يونس البهوتي
شرح منتهى الإرادات
٢٥- منصور بن يونس البهوتي
كشاف القناع، مراجعة هلال مصيلحي
مكتبة النصر الحديثة- الرياض
٢٦- المعهد الأمريكي للبحوث الاقتصادية
التقارير الاقتصادية في ٣٠ ديسمبر سنة ١٩٧٤م، نقلاً عن تعقيب د. ضياء الدين أحمد، في ندوة ربط الحقوق والالتزامات الآجلة بتغير الأسعار في المعهد الإسلامي للبحوث والتدريب بالبنك الإسلامي للتنمية بجدة من ٢٧-٣٠ شعبان، سنة ١٤٠٧هـ.
٢٧- د. نزيه حماد
تغير النقود وأثره على الديون في الفقه الإسلامي.
مجلة البحث العلمي والتراث الإسلامي، كلية الشريعة بمكة- العدد ٣، عام ١٤٠٠هـ.
٢٨- ويرنر باير وبول بيكرمان.
مشكلة الربط بالأسعار القياسية - انعكاسات على التجربة الأخيرة، نقلاً عن د. ضياء الدين أحمد مدير عام المعهد العالي لأبحاث الاقتصاد الإسلامي بالجامعة الإسلامية الدولية بإسلام آباد، في تعقيبه على بحث د. محمد عبد المنان في ربط الحقوق والالتزامات الآجلة بتغير الأسعار، في الندوة المعقودة لهذا الغرض في المعهد الإسلامي للبحوث والتدريب بالبنك الإسلامي للتنمية بجدة، في الفترة من ٢٧-٣٠ شعبان، سنة ١٤٠٧هـ.
стр. 13534
٢٩- وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية بالكويت
الموسوعة الفقهية الإسلامية
٣٠- يوسف الأردبيلي
الأنوار لأعمال الأبرار في فقه الشافعي، ومعه حاشية الكمثري وحاشية الحاج إبراهيم، الناشر: الحلبي وشركاه، القاهرة - ط: الأخيرة، ١٣٨٩هـ-١٩٦٩م، مطبعة المدني.
стр. 13535
الربط القياسي للأجور بالمستوى العام للأسعار
تحليل من منظور إسلامي لمشكلة الأجور
في ظل التضخم والعلاج المقترح
إعداد
د. عبد الرحمن يسري أحمد
أستاذ ورئيس مجلس قسم الاقتصاد
كلية التجارة – جامعة الإسكندرية
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الربط القياسي للأجور بالمستوى العام للأسعار
تحليل من منظور إسلامي لمشكلة الأجور في ظل التضخم والعلاج المقترح
مقدمة:
اهتم رجال الفكر الاقتصادي منذ زمن بعيد بالعلاقة العكسية ما بين الأسعار والقيمة الحقيقية للنقود، ولقد كان علماء المسلمين في العصور الوسطى من أوائل من انتبهوا إلى هذه الظاهرة واجتهدوا في بحثها حتى يمكن تلافي ما يترتب عليها من آثار غير مرغوبة، ومن أوائل من اجتهدوا في هذا المجال القاضي أبو يوسف ومحمد بن الحسن الشيباني صاحبا الإمام أبي حنيفة ﵃ جميعاً، إلا أن تقي الدين المقريزي المؤرخ الإسلامي المعروف كان أول من قدم تحليلاً متكاملاً عن أسباب ظاهرة الغلاء وما يترتب عليها من انخفاض القيمة الحقيقية للنقود، بل وفقدان الثقة في النقود بالكامل في حالة الغلاء الشديد، إلى أن قدم تحليلاً علمياً دقيقاً عن الآثار النهائية لهذه الظاهرة على الدخول الحقيقية وتوزيعها بين الفئات المختلفة داخل المجتمع.
كذلك تنبه لنفس الظاهرة بعض المفكرين الأوربيين في العصور الوسطى، أمثال توماس الأكويني ونيكول أورزم وغيرهما، إلا أن هؤلاء قد تأثروا كثيراً بأفكار علماء المسلمين الذين سبقوهم أو عاصروهم.
стр. 13536
وفي القرن التاسع عشر اهتم دافيد ريكاردو (وغيره من المدرسة الاقتصادية التقليدية Classical School) بالموضوع من خلال بحث النمو الاقتصادي وتأثره بعملية إعادة توزيع الدخل بين الطبقات المختلفة والتي تحدث بسبب الارتفاع في أسعار السلع الزراعية (١) وفي التحليل الذي قدمه يستفيد ملاك الأراضي الزراعية من الظاهرة في شكل زيادة الريع الذي يحصلون عليه، بينما تقل الأرباح الحقيقية لرجال الصناعة بسبب عدم قدرتهم على رفع أسعار منتجاتهم (لوجود المنافسة الكاملة) بينما يضطرون إلى زيادة الأجور النقدية لعمالهم من أجل الحفاظ على أجورهم الحقيقية من التدني، وليس ذلك حباً في العمال أو عطفاً عليهم، وإنما اضطراراً لأن العمال يحصلون على أدنى مستوى ممكن للأجور الحقيقية وهي التي كانت تسمى أجور الكفاف، فلا بد إذاً من الحفاظ على أجور الكفاف وإلا تعرض العمال للمرض والموت.
وفي الفترة التالية للحرب الثانية نال موضوع الأجور والأسعار اهتماماً متزايداً من رجال الاقتصاد (٢) فبينما كان العالم يمر بفترات استقرار أو انخفاض في المستوى العام للأسعار تصاحب حالات الركود أو البطالة التي سادت قبل الحرب الثانية انعكست الأوضاع بعد الحرب، وعرف العالم التضخم وهو الارتفاع المستمر في المستوى العام للأسعار كظاهرة عامة أو شبه عامة في جميع البلدان متقدمة أو نامية، كل ما في الأمر أن التضخم كان يشتد أحياناً في بعض الحالات وتخف حدته في حالات أخرى، وكانت الظاهرة الجديدة التي استحقت التسجيل والتحليل حقيقة هي أن التضخم لم يصاحب الرواج فقط كما كان معتاداً، بل أصبح أيضاً مصاحباً للركود، وهذه هي الظاهرة التي أطلقوا عليها الركود التضخمي.
стр. 13537
وفي بحثهم للعلاقة بين الأجور والأسعار توجه اهتمام رجال الاقتصاد إلى عدد من الأمور يمكن إجمالها فيما يلي:
أ- أثر الارتفاع المستمر في الأسعار (التضخم) على الأجور الحقيقية للعمال وعلى نصيبهم من الدخل القومي الحقيقي، ومن ثم على عدالة توزيع الدخل في المجتمع.
ب- كيفية علاج أثر التضخم بالنسبة للأجور، وأساساً كيفية ربط معدلات الأجور بالتغيرات في معدلات الأسعار: توقيت عملية الربط وآلية هذه العملية وآثارها على النشاط الاقتصادي.
وقد اهتم أيضاً بعض الاقتصاديين الإسلاميين المعاصرين بنفس الموضوع: العلاقة بين الأجور والأسعار، وذلك من منطلق الاهتمام بانحراف الأجر الحقيقي عن الأجر النقدي والحرص على العدالة وهي القضية التي يوليها الإسلام كل تقدير ومكانة (١) ، وقد اعتمدت الكتابات الإسلامية المعاصرة في الموضوع على اجتهاد الرواد الأوائل من فقهاء الأمة الإسلامية الذين يتناولون موضوع رخص وغلاء النقود، كما اعتمدت أيضاً على فهمهم للواقع المعاصر للأمة الإسلامية واحتياجاتها للتنمية في ظل مناخ من الاستقرار الاقتصادي والعدالة الاجتماعية.
جوهر المشكلة:
أثر التضخم على نصيب العمال من الدخل الحقيقي وقضية العدالة:
نود أن نؤكد أولاً أن التضخم هو الارتفاع المستمر في المستوى العام للأسعار، فليس كل ارتفاع في الأسعار يعتبر تضخميا، وعلى هذا فإن التضخم في أي بلد يعني تدهوراً مستمرا ًفي القيمة الحقيقية للعملة النقدية (وليس مجرد انخفاض مؤقت أو لفترة قصيرة في هذه القيمة) ، وكلما كان التضخم حاداً كان التدهور في القيمة الحقيقية للعملة حاداً.
стр. 13538
وبالنسبة للدخل الحقيقي (سواء في شكل ربح أو أجر) والذي يعرف بأنه كمية السلع والخدمات التي يمكن الحصول عليها من إنفاق دخل نقدي معين، فإنه يتدهور بطبيعة الحال مع تدهور القيمة الحقيقية أو القوة الشرائية للعملة النقدية، هذه بديهية لا تحتاج إلى برهنة طالما قلنا: (دخل نقدي معين) ، أي ثابت، وفي الواقع فإن الدخل النقدي لبعض الأفراد أو الفئات يبقى ثابتاً بينما يتغير بالنسبة للبعض الآخر، ويمكن في حالة التغير أن نميز بين ثلاث حالات:
١- يرتفع الدخل النقدي بنفس نسبة الارتفاع في المستوى العام للأسعار فيظل الدخل الحقيقي ثابتاً.
٢- يرتفع الدخل النقدي بنسبة أكبر من نسبة الارتفاع في المستوى العام للأسعار فيرتفع الدخل الحقيقي.
٣- يرتفع الدخل النقدي بنسبة أقل من نسبة الارتفاع في المستوى العام للأسعار فينخفض الدخل الحقيقي، وهكذا فإن الدخل الحقيقي لأي فرد (أو لأي فئة من الفئات) سوف يتدهور خلال التضخم في حالتين: إذا بقي الدخل النقدي ثابتاً، أو إذا زاد ولكن بنسبة أقل من نسبة الارتفاع في المستوى العام للأسعار.
والملاحظات التي خرج بها الاقتصاديون بشأن تطور الأجور الحقيقية للعمال في ظل التضخم أخذت من البلدان الصناعية المتقدمة، وسنذكرها أولاً في سبيل عرض بعض الأبعاد الهامة للموضوع ولتحصيل الفائدة العلمية، وبعد ذلك نتناول الوضع الخاص بالبلدان النامية والتي ينبغي أن تنال اهتمامنا ليس فقط لأنها تمثل ثلثي سكان العالم، بل أيضاً لأن جميع بلداننا الإسلامية تصنف من ضمنها، إن الملاحظات الخاصة بالبلدان الصناعية المتقدمة تدل على أن الطبقة العاملة بينما حصلت فقط على أجور الكفاف حتى منتصف القرن التاسع عشر، تمكنت بعد ذلك تدريجياً من رفع أجورها الحقيقية، تارة بمناسبة ارتفاع الأسعار، وتارة بمناسبة الارتفاع المحقق في الإنتاجية العمالية، وقد كان نمو الاتحادات العمالية وراء هذا التطور الذي أدى إلى إعادة توزيع الدخل القومي في صالح الطبقة العاملة، ففي بريطانيا مثلاً ارتفع نصيب الأجور من ٤٠ % إلى نحو ٦٠ % خلال مئة عام انقضت بين ستينات القرن الماضي وستينات القرن الحالي، ولقد ارتبطت الزيادة في الأجور وفي نصيب العمال في الدخل بقضية (العدالة) إلا أن (قضية العدالة) في المجتمعات الغربية كانت ومازالت قضية نسبية.
стр. 13539
ففي المراحل الأولى من الثورة الصناعية وإلى منتصف القرن التاسع عشر كانت العدالة في نظر رجال المدرسة الاقتصادية الكلاسيكية (التقليدية) تعني المحافظة على الأجور الحديدية أو أجور الكفاف للعمال، ولم تكن العدالة حينذاك مستندة إلى مفهوم أخلاقي بقدر ما كانت مستندة إلى مفهوم اقتصادي واقعي في إطار الفلسفة الرأسمالية.
وبعد ذلك تطورت الأمور تطوراً هائلاً مع ظهور الفلسفات الاشتراكية ذات النزعات المختلفة، والتي تبنت جميعها القضية العمالية وعدالة التوزيع بأساليب مختلفة، وخلال أزمة الكساد العظيم في ثلاثينات هذا القرن تمكنت الأحزاب العمالية من تولي سلطة الحكم في معظم البلدان الأوروبية، وأصبح مفهوم العدالة مستقراً لصالح العمال، حتى إن بعض رجال الاقتصاد صاروا يتكلمون عن الإحباط الذي لحق برجال الأعمال الذين يضطرون لدفع ضرائب تصاعدية يذهب جانب منها له اعتباره (بطريق غير مباشر) في الإنفاق على خدمات عامة تستفيد منها الطبقة العاملة وأبناء الطبقة العاملة أكبر الفائدة، كذلك اشتدت الحركة النقابية العمالية حتى إن أصحاب الأعمال يضطرون في معظم الأحوال للخضوع للمطالب العمالية الخاصة بزيادة الأجور أو يخاطرون بتوقف أعمالهم.
وفي مثل هذا المناخ لا يستطيع المرء أن يقول: إن ثمة مشكلة قائمة بالنسبة لأجور العمال بسبب التضخم أو غيره، حيث يستطيع هؤلاء الحصول على حقوقهم كاملة غير منقوصة، بل وربما أكثر منها في حالات؛ ذلك لأن هناك آلية نابعة من التشريعات الوضعية والمؤسسات القائمة والسياسات الاقتصادية تضمن التعبير عن المطالب العمالية في مجالات شروط العمل وتحديد معدلات الأجور وتغييرها، وتضمن تحقيق معظم هذه المطالب بأسلوب مناسب للعمال، ومع ذلك يجب أن نذكر أن هناك استثناءات من هذا الاتجاه العام السائد في البلدان الصناعية المتقدمة، تتمثل في ضعف المقدرة الفعلية لبعض فئات العمال على إثارة مطالبها الأجرية أو تحقيقها، مثال ذلك العاملين في جهاز الدولة من الموظفين العموميين أو رجال الشرطة ورجال القضاء ورجال الجيش، وكذلك أيضاً العاملين في وظائف لها وضعها الأدبي وحساسيتها الشديدة مثل أطباء المستشفيات العامة ورجال الإطفاء والمدرسين بالمدارس العامة، لذلك نجد أن مشكلة الأجور الحقيقية وتدهورها في ظروف التضخم، ومن ثم ضرورة تعديلها، كثيراً ما تثار في العالم المتقدم بالنسبة لهذه الفئات العاملة على وجه الخصوص، فهذه الفئات بحكم وظائفها العامة أو أوضاعها الاجتماعية والأدبية الحساسة لا تتمكن غالباً من المحافظة على دخولها الحقيقية (أو زيادتها) في ظروف التضخم إلا إذا انتبه المجتمع وانتبهت الجهات المسؤولة إلى قضاياهم.
стр. 13540
وفي البلدان النامية يختلف الأمر كثيراً عن الصورة السابقة، ففي معظم هذه البلدان تعمل النسبة الكبرى من قوة العمل في القطاع الأولي.. في الزراعة أو الصيد أو الرعي أو استخراج المواد الأولية، وحيث تتوافر عادة في القطاع الأولي أعداد كبيرة من العمال غير المهرة الذين لم يتلقوا تدريباً على حرفة معينة فإنه يسود أجر نمطي في سوق العمل، وبالتالي فإن أي عامل سوف يقبل هذا الأجر، وارتفاع الأسعار بشكل عام ومستمر كما يحدث في البلدان النامية بدرجات متفاوتة لن يؤثر بشكل مباشر أبداً في معدل الأجر السائد في القطاع الأولي، ليس فقط بسبب ظروف العرض الكبير المتاح من العمل غير الماهر، بل أيضاً لأن نسبة من هذا العمل أحياناً كبيرة قد تكون في حالة بطالة، وفي هذه الظروف نجد أصحاب الأعمال دائماً في مركز الطرف الأقوى في عملية تحديد الأجر.
ويؤكد ضعف العمال في القطاع الأولي في البلدان النامية عدم وجود اتحادات أو نقابات لهم تجمع شملهم وتمارس عملية المطالبة بتحسين أحوالهم وأجورهم من خلال تنظيم عرضهم أو المساعدة في تدريبهم.. إلخ، وهكذا فإن الارتفاع المستمر في الأسعار لن يؤدي إلا إلى مزيد من التدهور في الأجر الحقيقي للعامل في القطاع الأولي، فإذا كان الأجر السائد يضمن حد الكفاف فإن مزيداً من الارتفاع في الأسعار يعني التدني إلى أقل من الكفاف مما يعني انتشار الأمراض وزيادة معدل الوفيات في عائلات العمال، أما إذا كان مستوى الأجر قد ارتفع لأي سبب فوق حد الكفاف فإن التضخم سوف يؤدي إلى تدنيه مرة أخرى إلى الكفاف.
أما في قطاع الخدمات والذي يضم نسبة لها اعتبارها من مجموع القوة العاملة في البلدان النامية، فإن فرصة تعديل الأجر خلال التضخم قد تكون متاحة وميسرة بالنسبة لفئة العمال الحرفيين أو المهنيين الذين يبيعون خدماتهم مباشرة في السوق.
стр. 13541
ومثال هؤلاء الذين يعملون في البناء وإصلاح الأدوات المنزلية والسيارات.. إلخ وهؤلاء تختلف ظروفهم عن العمال الأجراء الذين يعملون من خلال أصحاب أعمال، فالحرفيون أو المهنيون في الواقع حينما يتفقون على أجورهم مباشرة مع من يحتاجون خدماتهم يصبحون بمثابة أصحاب أعمال يتحملون مخاطر نشاطهم، وهذا على خلاف وضعهم حينما يعملون من خلال شركات أو مؤسسات تتعاقد معهم بأجور معينة مقابل مهام محددة، وعادة ما نجد أن ظروف العرض والطلب الخاصة بالحرفيين الذين يديرون شؤون أعمالهم بأنفسهم تتيح لهم فرصة كبيرة لرفع أجورهم –أو قل: أثمان خدماتهم- خلال التضخم، حتى إنهم يحققون غالباً ارتفاعاً في دخولهم الحقيقية، أما العمال الذين يعملون من خلال شركات أو مؤسسات فلا تتاح لهم مثل هذه الفرصة، ويلاحظ أن بعض من يعملون في قطاع الخدمات في البلدان النامية قد يكون في وضع مميز نسبياً (بالنسبة لتغير الدخل الحقيقي خلال التضخم) من البعض الآخر، مع ذلك فالذين يعملون في البنوك والسياحة وأنشطة التصدير والاستيراد لهم أوضاع مميزة في قطاع الخدمات الخاص، وكذلك من يعملون في الهيئات الدبلوماسية والقضاء ومن يتقلدون مناصب قيادية في الجهاز التنفيذي للدولة مميزون في قطاع الخدمات العام بالنسبة لغيرهم، فلا تتأثر الدخول الحقيقية لهؤلاء خلال التضخم، بل قد تزيد في كثير من الأحيان، وهذا على عكس ما يحدث للآخرين.
وبالنسبة لقطاع الصناعة في البلدان النامية فإنه صغير نسبياً، ولكنه في حالة نمو في معظم الحالات، والعمال في هذا القطاع لديهم عادة قدر من التعليم أو التدريب وإنتاجيتهم في المتوسط مرتفعة بالمقارنة بغيرهم في القطاعات الأخرى (خاصة القطاع الأولي) ، ومن الناحية الأخرى فإن عرضهم أقل من عرض العمال في القطاعات الأخرى، خاصة المهرة منهم، وهي فئة أكثر وعياً بمطالبها وأكثر تنظيماً، ومقدرتها على المساومة مع أصحاب الأعمال أكبر، سواء عند التعاقد على العمل أو بعد ذلك، ولكن مهما كان الأمر فإن عمال الصناعة الحديثة في البلدان النامية لا يقارنون من حيث أحوال العمل والتنظيمات النقابية بأقرانهم في البلدان الصناعية المتقدمة، لذلك فهم يتمكنون من تعديل أجورهم النقدية خلال التضخم بما يؤدي إلى ثبات أجورهم الحقيقية أو زيادتها أحيانا، ولكن ليس أبداً على نفس النمط السائد في البلدان الصناعية المتقدمة.
стр. 13542
وخلاصة القول: إن هناك إجمالاً فجوة كبيرة بين أحوال العمال وظروف تحديد أجورهم في البلدان النامية والبلدان المتقدمة، لا تقل بأي حال عن الفجوة الاقتصادية أو الفجوة التقنية، والنتيجة العامة هي أن احوال التضخم تعصف بالأحوال المعيشية لمعظم الفئة العاملة التي لا تتمكن من تعديل أجورها النقدية إلا قليلاً خلال التضخم، وكلما اشتدت حدة درجة التضخم كلما تدهورت أحوال هذه الفئة من سيئ إلى أسوأ.
ومن جهة أخرى فإن التضخم لبعض فئات المجتمع زيادة دخولها النقدية بمعدلات أسرع من معدلات الارتفاع في الأسعار، ولا نتحدث هنا عن بعض فئات العمال التي تتمتع بأوضاع مميزة نسبياً، وإنما عن أصحاب الأعمال في نشاط التجارة خاصة التجارة الخارجية (التصدير والاستيراد) وفي نشاط الصناعة وبعض الأنشطة الخدمية، وكذلك من ينشطون في المشروعات الزراعية الحديثة وتربية الثروة الحيوانية والداجنية ... إلخ، ويأتي على قمة من يتمكنون من رفع دخولهم الحقيقية خلال التضخم أصحاب مكاتب سمسرة العقارات والأراضي وأصحاب شركات الصرافة والبنوك؛ وذلك بسبب ظروف التكاليف المنخفضة نسبياً في أعمالهم من جهة ومقدرتهم على المزايدة بالنسبة لأسعار خدماتهم، حيث تخدمهم ظروف العرض والطلب لهذه الخدمات كثيراً.
والنتيجة العامة أن التضخم يتيح لبعض الفئات أن ترفع دخولها الحقيقية، بينما يعمل على خفض الدخول الحقيقية للبعض الآخر، ومن ثم يعيد توزيع الدخل الحقيقي بين أبناء المجتمع، ولو أن عملية إعادة توزيع الدخل الحقيقي (والتي تؤدي تدريجياً إلى إعادة توزيع الثروة) كانت تتم على أسس موضوعية تتعلق بالاجتهاد في الأعمال أو تطوير الأنشطة والفنون الإنتاجية أو بذل الجهود الإنمائية الحقيقية لما كان لنا أن نبدي أي اعتراض عليها، ولكن إعادة توزيع الدخل الحقيقي في المجتمع التي تحدث خلال التضخم إنما تتحقق في جانب كبير منها من خلال اختلاف المقدرة النسبية لكل فئة من الفئات على تعديل أثمان سلعها أو خدماتها خلال الزمن بما يضمن تعويض التدهور في القيمة الحقيقية للنقود أو بما يتضمن اجتناء مكاسب حقيقية من عملية التضخم ذاتها.
стр. 13543
وحيث إن الأجور هي أثمان خدمات العمال وحيث تنخفض مقدرتهم في الغالب على تعديلها خلال التضخم فإنه يتم توزيع الدخل الحقيقي في المجتمع لغير صالح العمال، وكلما اشتدت حدة التضخم وطالت فترته كلما اشتدت حدة المشكلة المطروحة، هنا تكمن خطورة الأمر: شعور الفئة الكبيرة من أبناء المجتمع أنها تتعرض للغبن بسبب ظروف لا تستطيع أن تتحكم فيها ولا علاقة لها بالكفاءة الإنتاجية أو كمية العمل، ونتائج اختلال العدالة خطيرة غاية الخطورة، فهي من جهة تسبب تصدعاً في العلاقات الاجتماعية يبن الفئة التي تخسر والفئة التي تستفيد من نفس الظروف، وهذا أمر في غير صالح الأمن والاستقرار الاجتماعي وفي غير صالح التنمية الاقتصادية أيضاً، فالفرد يشعر بمرارة في نفسه حينما يعمل ويجتهد لكي ترتفع كفاءته ويرتفع دخله الحقيقي، ثم يكتشف بعد مرور السنين أن دخله الحقيقي أصبح أقل مما كان عليه حينما بدأ طريقه بسبب (خداع النقود) ، لقد كان دخله النقدي يزيد ولكن بمعدل أقل من معدل الارتفاع في الأسعار على مدى سنوات طوال، وللمقريزي كلام دقيق وتحليل عميق سبق به زمنه كثيراً في اختلاف أحوال الناس خلال الغلاء الشديد بسبب اختلاف مقدرتهم على مواجهة هذا الغلاء (١) كذلك يصف أحد كتاب أوربا في العصور الوسطى خداع النقود الذي يرجعه إلى غبن القيمة الذاتية للعملة، بما يؤدي إلى تدهور قوتها الشرائية وارتفاع الأسعار، بأنه أسوأ من الربا، فالربا كما يقول نيكول اورزم: يسلبه الدائن من المدين بعلمه وربما برضاه، أما خداع النقود فيتضمن سلباً لحقوق عامة الناس دون علمهم.
وفي البلدان المتقدمة المعاصرة يقال: إن العمال لا يضارون غالباً بالتضخم لأنهم منظمون ومتحدون، وأهم من ذلك على درجة عالية من الوعي بمسألة خداع النقود بحيث إنهم لا يخدعون بمستويات الأجور النقدية وإنما بمعدلات التغير فيها مقارنة بمعدلات التغير في الأسعار أو نفقات المعيشة، أما في البلدان النامية حيث تفتقر معظم الفئة العاملة إلى التنظيمات التي تحفظ لها حقوقها، كما تفتقر إلى الوعي بشأن خداع النقود، فإن آثار التضخم على العدالة والكفاءة الإنتاجية والتنمية وكذلك التماسك الاجتماعي تتفاقم مع الزمن.
стр. 13544
نحو بلورة وجهة نظر إسلامية في المشكلة:
لم تكن مشكلة الفجوة التي تنشأ بين الأجور النقدية والأجور الحقيقية بسبب التضخم معروفة فيما مضى بالكيفية وبالأبعاد التي نعرفها بها في عصرنا الحاضر، فالمشكلة الحالية نتيجة أساسية لعدد من الظروف التي استجدت في عالمنا المعاصر ولم تكن معروفة قديماً، فلم يعرف العالم الإسلامي القديم في عصر الازدهار الاقتصادي تضخماً مستمراً لفترات طويلة مثلما يحدث الآن، كذلك لم تكن عقود العمل طويلة الأجل في مؤسسات قائمة معروفة فيما مضى.
ومع ذلك فإن الإسلام العظيم لم يترك أمراً من الأمور إلا وله فيه حكم بين أو سبيل يعين على فهمه وإرساء قاعدة يحتكم إليها فيه، ومن هنا تتبين ضرورة فهم النصوص المتعلقة بالعمل المستأجر في القرآن الكريم والسنة المطهرة لرؤية ما فيها من معان يستفاد منها ويحتكم إليها، ثم استطلاع ما خرج به علماء المسلمين من الآراء والاجتهادات (دون دخول في تفاصيلها إلا فيما يلزم لهذا البحث) لنرى كيف يمكن أن نستفيد منها أولاً، وما نحتاج لإضافته إليها بعد ذلك.
النصوص والاجتهادات الرائدة:
ورد لفظ (الأجر) في الكتاب الكريم في آيات كثيرة بالمفهوم اللغوي العام للكلمة: أي الثواب أو المكافأة مثال: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [التوبة: ١٢٠] ، وفي قلة قليلة من الآيات نجد المفهوم الخاص بالأجر وهو ما يدفع للشخص عوضاً عن مجهود أو عمل يبذله، وهذا ما نهتم به في هذا البحث، ومثال هذا المفهوم الخاص للأجر قوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآَتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٦] ، وقوله تعالى: ﴿قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ (٢٦) قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ (٢٧) ﴾ [القصص: ٢٦- ٢٧] . والآية الأولى الخاصة بالمراضع واضحة، والآيتان الأخيرتان من سورة القصص فيهما معان كثيرة؛ منها أن خير الأجراء الأقوياء بدناً الأمناء خلقاً، وأن عقد العمل قد يمتد إلى عدد من السنين باتفاق واضح وصريح بين الطرفين، وأن من علامات الصلاح بالنسبة للمستأجر أن لا يشق على الأجير وأن يحدد له أجره ويوفيه له في وقته.
أما النصوص التي تتعلق بالمفهوم الخاص بالأجر في السنة المطهرة فمنها قول أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ عن رب العزة أنه قال: ((ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة، ومن كنت خصمه خصمته: رجل أعطى بي ثم غدر، ورجل باع حراً فأكل ثمنه، ورجل استأجر أجيراً فاستوفى منه ولم يعطه أجره)) رواه البخاري وابن ماجه وغيرهما (وأخرجه المنذري في باب الترهيب من منع الأجير أجره- الترغيب والترهيب) ، وعن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : ((أعطوا الأجير حقه قبل أن يجف عرقه)) ، رواه ابن ماجه من رواية عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، وقد روي نفس هذا الحديث عن أبي هريرة ﵁ (رواه أبو يعلى) وروى الطبراني نفس الحديث في الأوسط من حديث جابر، وقال المنذري: وبالجملة فهذا المتن مع غرابته بكثرة طرقه قوة والله أعلم.
стр. 13545
وأهم ما يفهم من الحديث الأول (القدسي) أن العلاقة بين صاحب العمل والأجير محددة، وذلك يفهم من قوله تعالى: ((رجل استأجر أجيراً فاستوفى منه)) أي استوفى منه ما كلفه به أو اتفق عليه معه من عمل، ((و ((لم يعطه أجره)) )) أي أجره الذي تعين له بالاتفاق عند التعاقد على العمل، واللفظ (أجره) وليس (الأجر) مما يعني أنه حقه المخصص له حينما ينجز ما طلب منه، وهكذا فإن الأجر ثمن مؤجل لمنفعة العمل، ويصبح حقاً خالصاً للأجير وفقاً لما تم عليه الاتفاق عند الانتهاء من العمل، وبشاعة الجرم عند الله أن يستوفي صاحب المصلحة منفعة العمل من الأجير ثم لا يوافيه أجره عند استحقاقه له، وهذا يشبه من اشترى سلعة مقابل ثمن مؤجل، فإذا حل تاريخ الاستحقاق رفض أن يدفع الثمن للبائع، وفي الحديث الثاني المتواتر ((أعطوا الأجير حقه قبل أن يجف عرقه)) تصريح واضح بأن الأجر حق خالص للأجير (حقه) وأنه يستحقه عند الانتهاء من العمل المكلف به، بل وإن التعجيل بالأجر قرب الانتهاء من هذا العمل أفضل، وقوله ﷺ : ((أجره)) يفيد كون المراد بالأجر المأمور بإعطائه الأجر المسمى للأجير عند الاتفاق على العمل وليس (الأجر) الذي يراه المستأجر عند نهاية العمل، وروى البخاري ((أن النبي ﷺ استأجر رجلاً من بني الديل يقال له: عبد الله بن الأريقط وكان هادياً خريتاً، أي ماهراً)) ، كذلك روى البخاري ومسلم عن ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ ((احتجم وأعطى الحجام أجره)) ، وهكذا تدل النصوص في الكتاب الكريم والسنة المطهرة على مشروعية الإجارة والقواعد العامة التي تحكمها.
ولقد اجتهد الرواد الأوائل من فقهاء المسلمين في بيان المسائل الخاصة بإجارة العمل، وذلك تأسيساً على النصوص الواردة في الكتاب والسنة، وأخذاً في الاعتبار ظروف الأعمال والأجراء التي عاصروها، ويلاحظ أن الاجتهادات الخاصة بإجارة العمل واردة في باب الإجارة بصفة عامة، وهكذا بحثت إجارة العمال مع إجارة المساكن والأراضي والدواب، ولقد كان لهذا الخلط بين إجارة العمال مع غيرهم وجهان أحدهما إيجابي والثاني سلبي، وذلك من وجهة نظرنا الاقتصادية التحليلية، أما الوجه الإيجابي فهو أن الفقهاء ﵃ بمعالجتهم لمنافع العمل البشري مع منافع الدور والأراضي وغير ذلك في إطار واحد تمكنوا من وضع (قواعد عامة) تحكم إجارة المنافع [والتي نسميها (خدمات) في التعبير الاقتصادي المعاصر] ،
стр. 13546
هذه (القواعد العامة) (١) مثل رضا المتعاقدين ومعرفة المنفعة المعقود عليها معرفة تامة تمنع من المنازعة، وأن يكون المعقود عليه مقدور الاستيفاء حقيقة، وأن تكون المنفعة مباحة لا محرمة، لها أهميتها عند الشروع في التحليل الاقتصادي في مجال العمل البشري أو غيره، أما الوجه السلبي فهو أن هذه المعالجة الإجمالية لم تعط الفرصة لمعالجة إجارة العمل بالشكل المناسب أو الكافي، ولا شك أن ظروف الطلب على العمل وعرض العمل في السوق تختلف تماماً عن ظروف الطلب والعرض للمساكن أو للأراضي، وعلى أية حال فإنه يقع على الباحث المعاصر مهمة استخلاص القواعد العامة والخاصة التي تحكم إجارة العمل من التراث الفقهي الإسلامي: وأن يرى كيف يمكن الاستفادة منها، وربما اقتراح كيفية تطويرها حتى تتحقق مقاصد الشريعة في ظروف العصر.
جاء في العدة –شرح العمدة في فقه الإمام أحمد بن حنبل ﵁ - أن الحاجة تدعو إلى المنافع (الخدمات) كالحاجة إلى الأعيان (السلع في التعبير الحديث) ، وأن الإجارة عقد على المنافع (٢) وقال: (ولا تصح (الإجارة) إلا على نفع معلوم؛ إما بالعرف كسكنى دار، أو بالوصف كخياطة ثوب معين أو بناء حائط أو حمل شيء إلى موضع معين، وضبط ذلك بصفاته أو معرفة أجرته، وقال: يشترط معرفة الأجرة كما يشترط معرفة الثمن في المبيع) (٣)
وفي الفتاوى فرق ابن تيمية ﵁ بين أنواع من الإجارة، قال: (لفظ الإجارة فيه عموم وخصوص، فإنها على ثلاث مراتب: إحداها أن يقال لكل من بدل نفعاً لعوض فيدخل في ذلك المهر.. والمرتبة الثانية الإجارة التي هي جعالة، وهو أن يكون النفع غير معلوم لكن العوض مضمون، فيكون عقداً جائزاً غير لازم (٤) ... والثالثة الإجارة الخاصة، وهي أن يستأجر عيناً أو يستأجره على عمل في الذمة، بحيث تكون المنفعة معلومة، فيكون الأجر معلوماً والإجارة لازمة، وهذه الإجارة التي تشبه البيع في عامة أحكامه، والفقهاء المتأخرون إذ أطلقوا الإجارة أو قالوا: باب الإجارة، أرادوا هذا المعنى، وأضاف: (إن الإجارة الخاصة (وهي موضع اهتمامنا في هذا البحث) يشترط فيها ألا يكون العوض غرراً قياساً على الثمن، فأما الإجارة العامة التي لا يشترط فيها العلم بالمنفعة فلا تشبه هذه الإجارة كما تقدم فلا يجوز إلحاقها به) (٥)
стр. 13547
وتتأكد ضرورة انتفاء الغرر بالنسبة للإجارة عند ابن حزم الظاهري فلا تجوز الإجارة عنده (إلا بمضمون مسمى محدود في الذمة أو بعين متميزة معروفة الحد والمقدار) (١) وفي شرح القدير لابن الهمام (ولا تصح الإجارة حتى تكون المنافع معلومة والأجرة معلومة.. لأن الجهالة في المعقود عليه وبدله تفضي إلى المنازعة كجهالة الثمن والمثمن في البيع) (٢) وفي رد المحتار على الدر المختار لابن عابدين (ركن الإجارة الإيجاب والقبول وشرطها كون الأجرة والمنفعة معلومتين.. وكل ما صلح ثمناً –أي بدلاً في البيع- صلح أجرة؛ لأنها ثمن المنفعة، ولا ينعكس كلياً، فلا يقال: ما لا يجوز ثمناً لا يجوز أجرة؛ لجواز إجارة المنفعة بالمنفعة) (٣) .. وذهب ابن عابدين إلى تفصيل الأجرة فقال: (كقوله: بكذا دراهم أو دنانير وينصرف إلى غالب نقد البلد، فلو الغلبة مختلفة فسدت الإجارة ما لم يبين نقداً منها، فلو كانت كيلياً أو وزنياً أو عددياً متقارباً فالشرط بيان القدر والصفة، وكذا مكان الإيفاء لو له حمل ومؤنة عنده، وإلا فلا يحتاج إليه كبيان الأجل، ولو كانت ثياباً أو عروضاً فالشرط بيان الأجل والقدر والصفة لو غير مشار إليها، ولو كانت حيواناً فلا يجوز إلا أن يكون معيناً) (٤) وما هذا التفصيل إلا (لأن الجهالة) كما يقول: (تفضي إلى المنازعة) .
وفي المصادر الفقهية المختلفة نجد التفرقة بين: أ- التعاقد مع شخص لأداء عمل مسمى، أو معين، فيستحق الأجر بأداء هذا العمل.
ب- التعاقد مع شخص على مدة معينة يعمل فيها دون تسمية أو تعيين أو إشارة لعمل محدد، في هذه الحالة يستحق الأجر عن المدة؛ لأن التعاقد تم عليها سواء تم فيها عمل أم لم يتم.
стр. 13548
ملاحظات وتعقيب:
في نهاية عرض ما سبق من اجتهادات فقهية لدينا ملاحظات ثلاث نرفق بكل منها تعقيباً مناسباً في سبيل بلورة قاعدة ننطلق منها إلى مواجهة علاجية للمشكلة المطروحة في هذا البحث.
أولاً: هناك اتفاق على أن الأجر يستحق مقابل أداء عمل معين أو مسمى أو مشار إليه، وذلك من الشخص الذي يطلبه بالاتفاق مع الأجير، ويجوز للأجير في هذه الحالة قبول أداء أعمال مماثلة لأشخاص آخرين في نفس الوقت وفقاً لما يتفق عليه، وهذه الحالة التي أسماها الفقهاء (الأجير المشترك) لا تقع ضمن حالات العمال الأجراء الذين نهتم ببحث مشكلة أجورهم الحقيقية في ظل الارتفاع المستمر في الأسعار، فالذي جرى الاصطلاح على تسميتهم أجراء مشتركون هم الذين يصنفون في الفكر الحديث كعمال حرفيين أو مهنيين مستقلين، حيث إنهم يملكون أدواتهم ومعداتهم الخاصة وكثيراً ما يكون لديهم أماكنهم أو محلاتهم الخاصة التي يمارسون، وقد يكون لديهم أيضاً عمال أجراء يعملون من خلالهم بأجور مضمونة بغض النظر عن مخاطر الأعمال التي يتعهدون بها، ومن ثم فإن قضية الأجير المشترك تختلف عن قضية غالبية العمال الأجراء الذين يعملون من خلال الغير في مؤسسات أو شركات أو هيئات.. إلخ، والواقع أن الأجير المشترك صاحب عمل أو سيد نفسه، بمعنى أنه يقوم بالاتفاق بصفة مباشرة مع أصحاب الحاجات لخدماته على مسؤوليته الخاصة (لهذا تكلم الفقهاء عن مسألة تضمين الأجير المشترك، يضمن أو لا يضمن) ، وهو لا ينتج سلعة مثل الصانع أو المزارع ولا يشتري سلعة ليبيعها كالتاجر، وإنما يبيع الخدمات Services، وهي التي أطلق عليها الفقهاء لفظة (المنافع) وفي مجال بيع خدماته يتفق الأجير المشترك (أو صاحب المهنة أو الحرفة كما هو المصطلح الحديث) على ثمن محدد لهذه الخدمات مع من يطلبها منه، وذلك بصفة مباشرة، وقد أطلق الفقهاء على ثمن الخدمة التي يقوم بها الأجير المشترك مصطلح الأجر، وهذا لا يعترض عليه لغوياً أو منطقياً حيث هو من قبيل الأجر فعلاً، ولكن وجه الاعتراض يأتي من حيث اختلاف المفهوم الاقتصادي العام للأجر مع هذا المفهوم الخاص، فالأجر وفقاً للمفهوم العام الحديث مبلغ من النقود (أو ما يحل محلها) يستحقه العامل بالتعاقد مع صاحب عمل مقابل وقت محدد يقضيه للعمل لديه أو عمل محدد يؤديه من خلاله ولا يتحمل العامل بأية حال مسؤولية ما يقوم به من عمل، بل يتحمل ذلك صاحب العمل، فالأجر ثمن مضمون لخدمة يؤديها العامل بعقد قائم على التراضي بينه وبين صاحب العمل، فلا علاقة للعامل بالسوق أو بأصحاب الحاجات مباشرة مثل الأجير المشترك والذي من خلال وضعه المميز يستطيع أن يساوم على أجره كلما تغيرت ظروف الطلب على العمل أو ظروف الأسعار، ومقابل هذه الميزة فإن الأجير المشترك وهو حرفي أو مهني مستقل يتحمل مسؤولية مباشرة عن أي عمل يتعهد به تجاه من يطلبه، ومن ثم فإن أجره ليس مضموناً مثل العامل الأجير الذي يعمل من خلال الغير.
لكل ما سبق فإن حالة الأجر بالنسبة للأجير المشترك لا تثير نفس المشكلة التي نهتم ببحثها في هذا المقال.
стр. 13549
ثانياً: يستحق الأجر في الحالة التي يطلق عليها الفقهاء (الأجير الخاص) عن مدة مؤقتة معلومة للطرفين، ذلك لأن صاحب العمل يتسلط وحده على منافع أو خدمات الأجير خلال المدة التي يتفقان عليها من غير بيان مسبق للعمل أو مع بيان طبيعة هذا العمل وأوصافه، ولكن دون تحديد لكمية أو مقدار العمل المطلوب في المدة (وإلا فسدت الإجارة) .
وحالة الأجير الخاص أقرب ما يكون إلى الحالة الشائعة التي نجدها في مجتمعاتنا الحديثة للعمال الأجراء، سواء كانوا ممن يعملون بأيديهم أو بأذهانهم، ففي معظم الحالات نجد أن الاتفاق يتم بين صاحب عمل وبين عامل يعمل لديه على أساس معدل أجر بالساعة أو باليوم أو بالأسبوع أو بالشهر، والعامل عادة يتعاقد على القيام بعمل معين ذي طبيعة معينة أو أوصاف محددة، لكن دون تحديد لمقدار العمل أو كميته أو نوعيته التي تلزم، وفي الممارسة العملية (خارج نطاق العقد) ، قد يحدد صاحب العمل كماً معيناً من الإنتاج كمتوسط لإنتاجية العامل في الساعة أو في اليوم.. إلخ فإذا زادت إنتاجية العامل فوق المتوسط المتوقع استحق مكافأة أو ترقية، أما إذا حدث العكس تعرض العامل للفت نظره، وربما زادت رقابة صاحب العمل عليه أو ربما فكر في الاستغناء عنه بمجرد انتهاء فترة التعاقد معه، وكل هذا من حقه، ولا أعتقد أن هذا يثير خلافاً من الناحية الشرعية.
لكن الأمر الذي يدعو إلى البحث هو مدة التعاقد في حالة الأجير الخاص التي كما ذكرنا تعتبر الحالة الأكثر شيوعاً في العصر الحديث، ففي حالات قد يتم الاتفاق مع الأجير الخاص على يوم أو أسبوع أو شهر أو عام، ولكن في معظم الحالات أصبحت مدة الإجارة الخاصة ممتدة لأعوام ومتجددة تلقائياً، ففي مجالات النشاط الحديث: صناعي أو تجاري أو خدمي أو أولي أصبحت المؤسسة القائمة تعمر أكثر مما يعمر الرجال بسبب انفصال هيكلها المالي أو التنظيمي عن الأعمار الطبيعية لملاكها، كما أصبح سوق العمل منظماً عما كان عليه الأمر قديماً، واتخذت عقود العمل في الحالة التي يسميها الفقهاء الإجارة الخاصة، في ظل الظروف المذكورة، أبعاداً زمنية لم تكن معروفة فيما مضى، حتى إن العقد قد يجدد تلقائياً حتى سن التقاعد (في الستين مثلاً) أو حتى الوفاة أيهما أقرب، وهذه الظاهرة متكررة بعينها في حالات جميع العمال أو الموظفين الذين يشتغلون في الأجهزة والإدارات الحكومية.
стр. 13550
هذه الظاهرة –أي عقود العمل الطويلة الأجل جداً أو المجددة تلقائياً إلى سن التقاعد أو لنهاية العمر لم تعرف في العصور الوسطى، بل ولم تعرف إلى قرن مضى، وكان الأمر الغالب في هذه المجتمعات بطبيعة ظروفها الاقتصادية هي عقود الإجارة الخاصة قصيرة الأجل ليوم أو لأيام أو لشهور أو عام.. ومن أطول عقود الإجارة الخاصة زمناً في العهد القديم ما جاء ذكره في قصة النبي موسى ﵇ ﴿قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ﴾ [القصص: ٢٧] .
ولم أجد في المصادر الفقهية التي اطلعت عليها ما يدل على اهتمام بمناقشة طول المدة أو قصرها في حالة الأجير الخاص، وربما هذا لظروف العصر كما ذكرنا، ولكن حيث تدخل إجارة العمل في باب الإجارة بصفة عامة يمكن لنا الاستفادة من المناقشة الخاصة بالمدة وطولها في حالة الدور والأراضي، لقد ورد في شرح القدير لابن الهمام- باب الإجارة قوله: (قد تقدم أن المنفعة لا بد أن تكون معلومة في الإجارة، فلا بد من بيان ما تكون به تكون معلومة، فتارة تصير معلومة بالمدة، كاستئجار الدور للسكن والأراضي للزراعة مدة معلومة وكائنة ما كانت؛ لأن المدة إذا كانت معلومة كان مقدار المنفعة فيها معلوماً) ثم يضيف: (ولا فرق بين طويل المدة وقصيرها عندنا إذا كانت بحيث يعيش إليها العاقدان؛ لأن الحاجة جوزت الإجارة لها قد تمس إلى ذلك، وهي مدة معلومة يعلم بها مقدار المنفعة، فكانت صحيحة كالأجل في البيع، وأما إذا كانت بحيث لا يعيش إليها أحد المتعاقدين فمنعه بعضهم؛ لأن الظن في ذلك عدم البقاء إلى تلك المدة، والظن مثل التيقن في حق الأحكام، فصارت الإجارة مؤبدة معنى، والتأبيد يبطلها وجوزه آخرون) (١)