فإذن هناك استخدامات غير ضرورية هناك نوع من الاستعجال في بعض الأحيان أحيانا تكون المرأة قد حملت وكان لديها ولد أو توفي هذا الولد أو لا يزال لديها ولد وتريد أولاد آخرين ومضى عليها عامان أو ثلاثة وما حملت وأنابيبها ما تزال مفتوحة، ولكن الأطباء يجرون هذا الإجراء لأن قائمة الأسباب الداعية إلى التلقيح الاصطناعي الداخلي أو الخارجي تزداد يوما بعد يوم هذا ما أحببت أن أورده على أصحاب الفضيلة ليروا رأيهم في هذا الموضوع.
الرئيس:
شكرًا، سؤال بسيط وأرجو أن يكون الجواب قليلا كذلك وهو قضية حدوث الخطأ في العينات في التلقيحين الداخلي والخارجي هل هي متساوية النسبة تقريبا أو يكون الخارجي أكثر؟
الدكتور محمد علي البار:
حدوث الخطأ في الداخلي إذا تم بالشروط التي ذكرها الشيخ الضرير وهي التي تقام وتستخدم حاليا كما أعلم في مراكز المملكة العربية السعودية أعتقد أن نسبة الخطأ فيها ضئيلة جدا جدا جدًا هذا الداخلي أما في الخارجي فهي احتمال، فنتائج احتمالها أكثر لأنها تبقى أياما.
الشيخ خليل الميس:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
لا شك أن إخواننا العلماء يظهرون جيدًا أننا في خطب الزواج أو النكاح نقول " تناكحوا تكاثروا فإنني أباهي بكم الأمم يوم القيامه " فإذن الزواج كأنه مشروع من هذا الكلام لأجل النسل والنسل مطلب شرعي وهو دعاء الأنبياء كم كانت المنة على نبي أنه رزق بعد أن لم يكن منجبا وتبادر لي من الآيات الكريمات معنى قوله تعالى ﴿وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيمًا﴾ وكأن الجعل هنا متميز عن الخلق فالخلق لا تغيير فيه ولكن الجعل قد يتغير ﴿وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ لم تكن موجودة فوجدت وإذا طلق خرجت المودة والرحمة إذن الآية تشير هنا إلى أن هذا الأمر ليس أمرا يخالف أو يعارض القدرة الإلهية أو القدر الإلهي، إن الجعل لم يكن فكان وربما يرتفع أيضا إذن هذا توجه.
стр. 1367
توجه آخر، العلم كل الذي فعله أنه طور أسلوب العلاج والناس يطلبون العلاج منذ عرف الناس الزواج إذن هذا العلاج هو أسلوب متطور ومع هذا الأمر نعرف توجه الشريعة لحماية الحمل أولًا والنسب ثانيا عندما نرى أن مدة الحمل عند بعض الفقهاء سنتين وأقلها ستة أشهر، وهذا أمر معروف إذن هنا يتوجه الإسلام لحماية النسب ولحماية الحمل في نفس الوقت أيضا.
فمع هذا الأمر إذن هنالك حالتان: التلقيح الداخلي هذا أظن لا مانع فيه، التلقيح الخارجي يمكن شيء من التوقف لمزيد من الضمانات الطبية والله أعلم والسلام عليكم.
الشيخ أحمد بازيع الياسين:
بسم الله الرحمن الرحيم وبه أستعين
الحقيقة ما دام في مجمع الفقه في مكة بحث الفقهاء هذا الأمر ووصلوا فيه إلى نتيجة معينة، وهي النتيجة الأخيرة بعد إضافة الشرطين اللذين أضافهما الصديق الضرير، لأنه إذا أخذنا باليسر في الأمور الاقتصادية ووقعنا في خطأ ممكن تلافي هذا الخطأ، ولكن إذا وقعنا في خطأ في الأمور النسبية فكيف نتلافى هذا الخطأ.
ثم عندنا باب سد الذرائع، ثم مهما كان الإنسان يريد أن يأخذ من الاحتياط، الإنسان إنسان، ومعرض للخطأ، ومهما بلغ العلم من الدقة فالدقة هذه أيضا معرضة للخطأ، وأنا أمامي أخذ دم إنسان لفحصه ثم جاءت الممرضة ووضعت على هذا الدسم اسم شخص آخر خطأ، مجتهدة ليس متعمدة، نحن لا نتهم الأطباء ولا نتهم في الحقيقة العلم، ولكن أيضا يجب علينا أن نبتعد والحقيقة، هذا التيسير في الأمور الاقتصادية إذا كان ينبغي نمتد في التيسير إلى الأمور الاجتماعية والنسبية ربما حصل عندنا خط رجعة، لأن أمورنا ونرى تلذذا في الوقوف على النصوص وعدم التطاول في الحقيقة في مثل هذه الأمور، فالمسألة خطيرة.
ثم إن الأمة الإسلامية عليها أن تتقي الله في نفسها عندها رجال أسوياء يقاتل بعضهم بعضا، ونروح نركض على الأنابيب فلنتق الله في أنفسنا ونحفظ أمتنا الإسلامية، نحافظ عليها وعلى كيانها، ولعل المحبة تسود فيما بينها فأنا في الحقيقة في رأيي أن نتحوط كثيرا وأن الإنسان المريض في مثل هذا يحتسب الأجر أمام الله ، لأنه هو الذي جعله عقيما ما هو الذي جعل نفسه عقيما وفي الحقيقة أرى أن من باب سد الذرائع: أن نقف كثيرا في هذا الأمر ولا نسمح في التلقيح الخارجي وأما ما ذهب إليه الفقهاء في مكة مع زيادة الشرطين اللذين أضافهما الأستاذ الصديق الضرير.
الرئيس:
ما ذهبوا إليه بالأكثرية.
الشيخ أحمد بازيع الياسين:
نعم بالأكثرية ذهبوا إليه وليس بالإجماع هذه مشكلة كبيرة في الحقيقة، يعني يجب علينا أن نحذر لأن الأنساب، الأمر خطير فيها، وشكرًا لكم.
стр. 1368
الشيخ المختار السلامي:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
لا شك أنها حساسية القضايا التناسلية هي حساسية خاصة عند الجميع. ولكن إذا ما أخذنا بميزان الشرع فاننا نجد أن حفظ النفوس وحفظ النفس البشرية هو مقدم في المرتبة من قبل. واليوم تجري في المخابر التحليلات التي تتوقف عليها حياة الإنسان، وأنا أعرف صديقا لي رحمة الله عليه ذهب إلى مخبر التحليل وكان في إغماء فأعطى مخبر التحليل أنه عنده ٠.٥ من السكر، فأخذ الطبيب شيئا من السكر وأعطاه فمات، لأن القضية هي قضية ٥ ما هي ٠.٥ لكن الراقمة أخطأت فهل نقول: إنه بناء على هذا الخطأ الاحتمالي الذي يقع نمنع تحليل الدم، فاحتمال الخطأ لو أخذنا الاحتمالات البعيدة لتعطل الإنسان في الحياة. هو يخرج من بيته لعله يصدم في سيارة فيموت فعليه ألا يخرج لأنه معرض حياته للخطر، والاحتمالات قائمة من احتمالات الخطأ وأنا أسأل الدكتور البار هو أن احتمال الخطأ كم نصيبه في هذه القضية؟ فعلينا ألا نهول الاحتمالات أكثر من اللازم. وأعتقد أن ما ذهب إليه القرار الفقهي في مكة قد أخذوا الاحتياطات اللازمة. وشكرا.
الدكتور محمد علي البار:
احتمالات الخطأ في الواقع ضئيلة بالنسبة للتلقيح الداخلي إذا كانت الزوجات موجودات فالاحتمالات تكاد تكون منعدمة. بالنسبة للتلقيح الخارجي وبقاء النطف إذا انتشرت، وطبعا كثرت هذه المراكز، وصار الطبيب عليه عنده أكثر من عشرين مريضة وعشرين مريضا، احتمالات الخطأ واردة مثل ما هي موجودة بالنسبة للمختبر العادي، العشرين عينة، كذلك احتمالات الخطأ موجودة ما أستطيع أن أحدد النسبة ولكنها نادرة، وموجودة. هذه النسبة موجودة مثلها مثل تحليل الدم مثلها مثل أي تحليل آخر موجود، ويحدث كل يوم في المختبرات لكن هذه التحاليل الأخرى قد يتعلق بها في بعض الأحيان النادرة حياة إنسان إنما في الغالب الطبيب يستطيع أن يميز على حسب حالة الشخص ونادر جدا أن يقع فيها خطأ يؤدي بحياة إنسان ويمكن المراجعة فيها.
أما احتمالات الخطأ في شيء يسبب اختلاط الأنساب يحتاج إلى إعادة نظر وإلى التروي فيه، يعني الشيئين مختلفين قليلا، فيه اختلاف بين الاثنين، اختلاف في تحليل الدم هيموجلوبين مثلا بدل ما يكتب ١٠ كتب ١ جرام، طبعا الطبيب يستطيع بنظره أن يعرف أن هذا خطأ ويستطيع أن يراجع في هذه المسألة ويطلب التحليل مرة أخرى، لكن إذا لقح المرأة بماء غير زوجها، الخطأ فيها صعب جدا يعني يقوم بعملية إجهاض إذا عرف أن هناك خطأ حدث فلا بد كإجراء وقائي أن تسمحوا له بالإجهاض.
стр. 1369
الرئيس:
شكرا.. بسم الله الرحمن الرحيم.. الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
من خلال المناقشات التي دارت في موضوع طرق الإنجاب بأنواعه وأساليبه فإنه قد توصل مجمعكم هذا إلى ما يلي:
أولا: التثنية على قرار مكة الأخير بجميع الصور التي أفتى بتحريمها.
ثانيا: ما يتعلق بالتلقيحين الداخلي والخارجي الذين يقعان بين الزوجين على فراش الزوجية في رحم الزوجة ذاتها، فإنه بالنسبة للتلقيح الداخلي في هذه الصورة يظهر الاتجاه العام إلى الجواز تثنية على قرار مجمع مكة.
وأما بالنسبة للتلقيح الخارجي فإنه يظهر أنه الأكثرية، لكنني تحوطا أرجو من أصحاب الفضيلة الذين يرون المنع الإشارة تفضلا بأيديهم. من الأعضاء العاملين. الشيخ رجب، الشيخ الضرير، الشيخ عيسى، الشيخ إبراهيم.
الشيخ عبد السلام العبادي:
أرجو يا سيادة الرئيس التوضيح بالضبط المقصود بالتلقيح الخارجي.
الرئيس:
التلقيح الخارجي، ذكرت إن كان بين الزوجين فواضح هذا. التلقيح الخارجي والمراد التلقيح الذي يقع بين الزوجين على فراش الزوجية في رحم الزوجة ذاتها ذات البويضة، ولكنه لا يكون تلقيحا داخليا وإنما يكون تلقيحا خارجيا، أما التلقيح الداخلي فالاتجاه العام على الجواز، ولكن التلقيح الخارجي في هذه الصورة فإنني أرجو من أصحاب الفضيلة في الصف الأيمن الذين لا يرون الجواز الإشارة تفضلا بأيديهم.
الأمين العام:
كلمة " الخارجي " هذه حتى نكون على بينه، يراد بها المخبري الذي يوضع في المخبر وينقل إلى رحم المرأة.
الرئيس:
نعم هو هذا، هو المخبري، لكن الاصطلاح الطبي عليها أو الجاري ولذلك الدكتور زيد الكيلاني يقول: أرى أن يقال في هذه الأنواع: التلقيح خارج الجسد، فالاصطلاح سائد.
الشيخ عبد السلام العبادي:
يا سيدي ما هذا الذي أقره مجمع مكة؟
الرئيس:
نعم هو أقره، هنا اختلفوا.. الشيخ هارون خلف جيلي، الشيخ عمر جاه الشيخ عمر كذلك.
الشيخ عمر جاه:
لا.
الرئيس:
المهم أن الذين لهم الخلاف هم سبعة: الشيخ إبراهيم، الشيخ الضرير، الشيخ رجب، بناء على الأصل الشيخ أبو بكر، الشيخ هارون، الشيخ آدم وبهذا تكون الأكثرية على الجواز يبقى شيء واحد هل أصحاب الفضيلة الذين يرون الجواز لديهم إضافة شروط عما تضمنه قرار مكة؟
стр. 1370
الشيخ عمر جاه:
طبعا يا فضيلة الشيخ تذكرت أنني اشترطت أن أقبل التلقيح الخارجي بشروط أنا قلت حينما تدخلت أخيرًا قلت: إن الخارجي أقبله أو أقبل الخارجي بشروط، وتفضل الشيخ الضرير وأنا أضيف صوتي إلى ما ذهب إلى أنه ينبغي أن نحدد البويضات التي تستغل أو تستعمل في حالة واحدة، يعني لا نترك للطبيب أية فرصة أن يحتفظ ببويضة أكثر من بويضة واحدة تحتاجها العملية.
الرئيس:
شكرًا، أما العبد الفقير فأنا أبدي توقفا في هاتين الصورتين وبهذا ترفع الجلسة وستكون إن شاء الله نعود في الساعة الخامسة.
الشيخ خليل الميس:
سيادة الرئيس أنا عندي توقف في الثانية ولست موافقا قلت: توقفا في الثانية.
الشيخ عبد السلام العبادي:
يا سيدي بالأكثرية.
الرئيس:
إذن صوتوا ثمانية وأنا واحد تسعة مقابل خمسين.
стр. 1371
القرار
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد خاتم النبيين وعلى آله وصحبه.
قرار رقم (٤) د ٣ / ٠٧ / ٨٦
بشأن أطفال الأنابيب
إن مجلس مجمع الفقه الإسلامي المنعقد في دورة مؤتمره الثالث بعمان عاصمة المملكة الأردنية الهامشية من ٨ إلى ١٣ صفر ١٤٠٧ هـ / ١١ إلى ١٦ أكتوبر ١٩٨٦.
بعد استعراضه لموضوع التلقيح الصناعي "أطفال الأنابيب" وذلك بالاطلاع على البحوث المقدمة والاستماع لشرح الخبراء والأطباء.
وبعد التداول:
تبين للمجلس:
أن طرق التلقيح الصناعي المعروفة في هذه الأيام هي سبع:
الأولى: أن يجرى تلقيح بين نطقة مأخوذة من زوج وبييضة مأخوذة من امرأة ليست زوجته ثم تزرع اللقيحة في رحم زوجته.
الثانية: أن يجرى التلقيح بين نطفة رجل غير الزوج وبييضة الزوجة ثم تزرع تلك اللقيحة في رحم الزوجة.
الثالثة: أن يجرى تلقيح خارجي بين بذرتي زوجين ثم تزرع اللقيحة في رحم امرأة متطوعة بحملها.
الرابعة: أن يجرى تلقيح خارجي بين بذرتي رجل أجنبي وبييضة امرأة أجنبة وتزرع اللقيحة في رحم الزوجة.
الخامسة: أن يجرى تلقيح خارجي بين بذرتي زوجين ثم تزرع اللقيحة في رحم الزوجة الأخرى.
السادسة: أن تؤخذ نطفة من زوج وبييضة من زوجته ويتم التلقيح خارجيا ثم تزرع اللقيحة في رحم الزوجة.
السابعة: أن تؤخذ بذرة الزوج وتحقن في الموضع المناسب من مهبل زوجته أو رحمها تلقيحا داخليا.
وقرر:
أن الطرق الخمسة الأول كلها محرمة شرعا وممنوعة منعا باتا لذاتها أو لما يترتب عليها من اختلاط الأنساب وضياع الأمومة وغير ذلك من المحاذير الشرعية.
أما الطريقان السادس والسابع فقد رأى مجلس المجمع أنه لا حرج من اللجوء إليهما عند الحاجة مع التأكيد على ضرورة أخذ كل الاحتياطات اللازمة.
والله أعلم
стр. 1372
أجهزة الإنعاش وحقيقة الوفاة
بين الفقهاء والأطباء
لفضيلة الدكتور بكر بن عبد الله أبو زيد
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله.
وبعد، فهذا بحث في: نازلة الإنجاز الطبي الحديث في: حال المريض تحت جهاز الإنعاش وحقيقة الوفاة بين الطب والفقه، ليس لي فيه فضل سوى الجمع والترتيب في مباحثه الخمسة وهي:
المبحث الأول في: التصور لأجهزة الإنعاش.
المبحث الثاني في: حقيقة الوفاة عند الأطباء، وعلاماتها.
المبحث الثالث في: حقيقة الوفاة عند الفقهاء، وعلاماتها.
المبحث الرابع في: حالات المرض تحت الإنعاش.
المبحث الخامس في: التكييف الفقهي لهذه النازلة.
وإلى بيانها والله الموفق.
المبحث الأول: التصور لأجهزة الإنعاش (١)
- أجهزة الإنعاش.
- أجهزة الإنعاش المعقدة.
- العناية المكثفة.
- العناية المركزية.
- إبقاء آلة الطبيب.
كلها أسماء لمسمى واحد ومن مفرداتها:
- جهاز التنفس الصناعي.
- جهاز مانع الذبذبات.
- جهاز التنظيم لضربات القلب.
- العقاقير.
- مجموعة الأطباء المدربة ومساعديهم.
حقيقة الإنعاش:
إذا أصيب شخص بتوقف القلب أو التنفس نتيجة لإصابة الدماغ بصدمة مثلًا، الذي به مركز التنفس، أو إصابته بأي عرض آخر كغرق أو خنق، أو مواد سامة، أو جلطة للقلب، أو اضطراب في النبض.. فإنه يترقب الأمل بإنعاش ما توقف من دقات قلبه أو تنفسه إذا أدخل في غرفة الإنعاش "العناية الطيبة المكثفة" بوسائلها الحديثة كالمنفسة (جهاز التنفس) ونحوه.
стр. 1373
المبحث الثاني: حقيقة الموت عند الأطباء أو: نازلة موت الدماغ (١)
وبحثها في الفقرات التالية:
١- تاريخها.
٢- تكوين الدماغ.
٣- المفهوم الطبي لموت الدماغ.
٤- علامات موت الدماغ.
وبيانها على ما يلي:
١- تاريخها:
إن أول من نبه إلى موضوع موت الدماغ هو: المدرسة الفرنسية عام ١٩٥٩م فيما أسمته "مرحلة ما بعد الإغماء " ثم أعقبتها المدرسة الأمريكية عام ١٩٦٨م، وأخذت الأبحاث بعد تتسع وتنتشر مبينين عدة أبحاث وهي: تكوين الدماغ، ومفهوم موته، وعلاماته، والخلاف بين الأطباء في كون: موت الدماغ نهاية للحياة الإنسانية، إذ عقدت لهذا مؤتمرات وندوات ومنظمات.
٢- تكوين الدماغ:
يتكون الدماغ من أجزاء ثلاثة هي:
المخ: وهو مركز التفكير، والذاكرة، والإحساس.
المخيخ: ووظيفته توازن الجسم.
جذع المخ: وهو المركز الأساسي للتنفس والتحكم في القلب، والدورة الدموية.
стр. 1374
٣- مفهوم موت الدماغ:
هو توقفه عن العمل تمامًا وعدم قابليته للحياة.
فإذا ما مات المخ أو: المخيخ من أجزاء الدماغ: أمكن للإنسان أن يحيا حياة غير عادية وهي: ما تسمى بالحياة النباتية.
أما إذا مات "جذع الدماغ " فإن هذا هو الذي تصير به نهاية الحياة الإنسانية عند أكثر الأطباء على الصعيد الغربي.
ويمكن حصر خلاف الأطباء في ذلك على رأيين:
الأول: الاعتراف بموت جذع الدماغ: نهاية للحياة الإنسانية بدلًا من توقف القلب والدورة الدموية.
الثاني: عدم الاعتراف بموت الدماغ: نهاية للحياة الإنسانية.
فيكون الشخص محكومًا بموته على الرأي الأول دون الثاني.
٤- علامات موت الدماغ "جذع المخ".
هي على ما يلي:
(أ) الإغماء الكامل.
(ب) عدم الحركة.
(جـ) عدم التنفس بعد إبعاد جهاز المنفسة.
(د) عدم وجود أي انفعالات منعكسة.
(هـ) عدم وجود أي نشاط كهربائي في رسم المخ بطريقة معروفة عند الأطباء.
ويشير الطبيب أحمد شوقي إبراهيم إلى ظنية بعض هذه العلامات فيقول كما في: كتاب الحياة الإنسانية ص/ ٣٧٦:
" ما هي علامات موت المخ؟: ليس لدينا من العلم في ذلك إلا رسم المخ الكهربائي وهو قطعي في بعض الحالات، ولا يكون كذلك في بعض الحالات، كحالات التسمم بالأدوية المنومة مثلًا" ا. هـ.
وفيه أيضًا في مبحث فقهي للأستاذ/ توفيق الواعي ص/ ٤٨٤ قال:
"ركز القائلون بالموت إذا فقد المخ الحياة على فقدان الشعور، وهذا لا ينهض دليلًا على الموت وإلا كان المجنون والمغمى عليه والمشلول ميتًا، وهذا ما لم يقل به إنسان إلى اليوم " أهـ.
стр. 1375
المبحث الثالث: في حقيقة الموت عند الفقهاء وعلاماته.
حقيقة الموت عند الفقهاء:
الموت يراد به: المنية، المنون، الأجل، الحمام، السام، ونحوها كانقطاع الوتين، وانقطاع الأبهر، جميعها أسماء لمسمى واحد هو: مفارقة الروح البدن.
وهذه هي حقيقة الوفاة عند الفقهاء وتكاد كلمتهم تتوارد على هذا، ولم يتم الوقوف على خلافه في كلامهم من أنه مفارقة الروح البدن.
والروح قال الله تعالى في شأنها: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ فأوقف العقل عند حده وأتى على الروح بخبر لا يمكن نقضه، هذا على أحد التفسيرين للآية.
ولهذا قال البعض: لا يجوز الكلام في الروح لأنه مما استأثر الله بعلمه كما في هذه الآية، والذي عليه الأكثرون الجواز فقالوا: الروح جسم نوراني لطيف مشتبك بالبدن اشتباك الماء بالعود الأخضر، قال الله تعالى ﴿فَنَفَخْنَا فِيهَا مِنْ رُوحِنَا﴾ وفي أخرى: ﴿فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا﴾ والنفخ لا يتحقق إلا في جسم لطيف كما في كتاب أصول الدين للبزدوي ص/ ٢٢٢.
وقد جاء حديث عظيم النفع جليل القدر وهو حديث: البراء بن عازب ﵁ الطويل المشهور بطوله في مسند أحمد رحمه الله تعالى، والذي جمع طرفه الدارقطني في جزء مفرد، وبسط ابن القيم القول فيه سندًا ومتنًا في كتاب: الروح.
قال البراء ﵁: خرجنا مع رسول الله ﷺ في جنازة رجل من الأنصار فانتهينا إلى القبر إلى أن قال: ثم قال رسول الله ﷺ في شأن قبض روح المؤمن: ((فتخرج نفسه تسيل كما تسيل القطرة من في السقاء فيأخذها ملك الموت)) ، الحديث، وأما الكافر فقال: ((فينتزعها كما ينزع السفود من الصوف المبلول فيأخذها)) الحديث.
стр. 1376
وفي سورة الحاقة قال الله تعالى ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ (٤٤) لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (٤٥) ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ﴾ قال المفسرون: "الوتين: نياط القلب، أي لأهلكناه وهو: عرق يتعلق به القلب إذا انقطع مات صاحبه، قاله ابن عباس وأكثر الناس" أهـ، من تفسير القرطبي ١٨/٢٧٦ وذكر أقوالًا بمعناه.
وفي باب مرض النبي ﷺ ووفاته من: صحيح البخاري في: كتاب المغازي ٨/ ١٣١:
قالت عائشة ﵂ كان النبي ﷺ يقول في مرضه الذي مات فيه: ((يا عائشة، ما أزال أجد ألم الطعام الذي أكلت بخيبر، فهذا أوان وجدت انقطاع أبهري من ذلك السم)) أهـ.
قال الحافظ ابن حجر في: الفتح ٨/ ١٣١:
"قال أهل اللغة: الأبهر، عرق مستبطن بالظهر متصل بالقلب إذا انقطع مات صاحبه، وقال الخطابي: يقال إن القلب متصل به" أهـ.
والأبهر في اصطلاح الطب الحديث باسم "الأورطي" وهو شريان يندفع منه الدم إلى الدماغ وبقية أعضاء الجسم كما في بحث: البار ص/ ٨، ٩.
وفي إحياء علوم الدين للغزالي ٤/ ٤٩٣ نص مهم ترجمه بقوله: الباب السابع: في حقيقة الموت، وما يلقاه الميت في القبر إلى نفخة الصور، ثم قال: بيان حقيقة الموت:
"اعلم أن للناس في حقيقة الموت ظنونًا كاذبة قد أخطئوا فيها" فذكرها وأبطلها ثم قال:
"وكل هذه ظنون فاسدة ومائلة عن الحق بل الذي تشهد له طرق الاعتبار وتنطلق به الآيات والأخبار أن الموت معناه: تغير حال فقط، وأن الروح باقية بعد مفارقة الجسد إما معذبة وإما منعمة.
ومعنى مفارقتها للجسد: انقطاع تصرفها عنه بخروج الجسد عن طاعتها، فإن الأعضاء آلات للروح تستعملها حتى أنها لتبطش باليد.. إلى قوله: والموت عبارة عن استعصاء الأعضاء كلها، وكل الأعضاء آلات والروح مستعملة لها، إلى أن قال: "نعم لا يمكن كشف الغطاء عن كنه حقيقة الموت إذ لا يعرف الموت من لا يعرف الحياة.." أهـ.
وعند قول الطحاوي في "عقيدته": " ونؤمن بملك الموت الموكل بقبض أرواح العالمين" قال شارحها ص/ ٤٤٦ في مبحث: هل تموت الروح أو لا؟ "والصواب أن يقال: موت النفوس هو مفارقتها لأجسادها وخروجها منها.. أهـ.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ٤/ ٢٢٣:
"قد استفاضت الأحاديث عن رسول الله ﷺ بأن الأرواح تقبض وتنعم وتعذب، ويقال لها: أخرجي أيتها الروح الطيبة أهـ.
стр. 1377
الخلاصة:
فمن مجموع ما تقدم نستخلص ما يلي:
١- أن حقيقة الوفاة هي: مفارقة الروح البدن.
٢- وأن حقيقة المفارقة: خلوص الأعضاء كلها عن الروح، بحيث لا يبقى جهاز من أجهزة البدن فيه صفة حياتية.
أمارات الوفاة عند الفقهاء
ثبت في صحيح مسلم عن أم سلمة ﵂ أن رسول الله ﷺ قال: ((إن الروح إذا قبض أتبعه البصر)) .
وفي حديث شداد بن أوس ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: ((إذا حضرتم موتاكم فأغمضوا البصر فإن البصر يتبع الروح، وقولوا خيرًا؛ فإنه يؤمن على ما يقول أهل الميت)) رواه أحمد.
فشخوص بصر المحتضر علامة ظاهرة على قبض روحه ومفارقتها لجسده.
والفقهاء - رحمهم الله تعالى - يذكرون العلامات والأمارات الظاهرة التي بموجبها يحكم بموت المحتضر كما في: حاشية ابن عابدين ١/ ١٨٩، والفتاوى الهندية ١/ ١٥٤، ومختصر خليل ١/ ٣٧، وروضة الطالبين: ٢/ ٩٨، وشرح المنهاج: ١/ ٣٢٢، والمغني ٢/ ٤٥٢، ومنتهى الإرادات ١/ ٣٢٣.
وجماع ما ذكروه من العلامات هي (١)
١- انقطاع النفس.
٢- استرخاء القدمين مع عدم انتصابهما.
٣- انفصال الكفين.
٤- ميل الأنف.
٥- امتداد جلدة الوجه.
٦- انخساف الصدغين.
٧- تقلص خصيتيه إلى فوق مع تدلي الجلدة.
٨- برودة البدن.
стр. 1378
وبالجملة فالحكم بالموت بانعدام جميع أمارات الحياة.
والملحوظ في هذه الأمارات أنها أدلة وظواهر تدرك بالمشاهدة والحس ويشترك في معرفتها عموم الناس.
تنبيه:
ويضيف النووي في روضة الطالبين ٢/٩٨ نصا مهما عند الشك فيقول: "فإن شك بأن لا يكون به علة، واحتمل أن يكون به سكتة، أو ظهرت أمارات فزع أو غيره: أخر إلى اليقين بتغير الرائحة أو غيره" أهـ.
الخلاصة الجامعة للأبحاث المتقدمة:
١- أن أجهزة الإنعاش: إنجاز طبي مهم في حياة الإنسان.
٢- أن حقيقة الموت عند الأطباء هي: موت جذع الدماغ.
٣- أن حقيقة الموت عند الفقهاء هي: مفارقة الروح البدن.
٤- أن للموت علامات وأمارات عند الفقهاء وأخرى عند الأطباء، وأن هذه العلامات من الجائز تخلفها عند الفقهاء وعند الأطباء.
واعلم أن الأطباء مع الفقهاء في الحكم على عامة الوفيات بالوفاة بمفارقة الروح البدن، والبحث لدى الأطباء بالحكم بنهاية الحياة الإنسانية بموت "جذع الدماغ " هو في الحالات التي تدخل تحت جهاز الإنعاش، لهذا فإن البحث يعني في حدود حالات ضيقة وهي: "ما يدخل تحت جهاز الإنعاش " لا غير، فإلى بيانها:
المبحث الرابع:
حالات المريض تحت جهاز الإنعاش.
стр. 1379
قرر الباحثون من الأطباء والعلماء حصر أحوال المريض في: غرفة الإنعاش في صور ثلاث:
الصورة الأولى:
عودة أجهزة المريض من التنفس، وانتظام ضربات القلب و.. إلى حالتها الطبيعية.
وحينئذ يقرر الطبيب: رفع الجهاز، لتحقق السلامة وزوال الخطر.
الصورة الثانية:
التوقف التام للقلب والتنفس، وعدم القابلية لآلة الطبيب.
وحينئذ يقرر الطبيب موت المريض تمامًا بموت أجهزته من الدماغ والقلب، ومفارقة الحياة لهما.
فحينئذ يقرر الطبيب، رفع الجهاز لتحقق الوفاة.
الصورة الثالثة:
فيها قيام علامات موت الدماغ من: الإغماء، وعدم الحركة، وعدم أي نشاط كهربائي في رسم المخ بآلة الطبيب، لكن بواسطة العناية المركزة وقيام أجهزتها عليه: كجهاز التنفس، وجهاز ذبذبات القلب، و.. لا يزال القلب ينبض، والنفس مستمر.
وحينئذ: يقرر الطبيب موت المريض بموت جذع الدماغ مركز الإمداد للقلب، وقرر أنه بمجرد رفع الآلة عن المريض يتوقف القلب والنفس تمامًا.
المبحث الخامس:
التكييف الفقهي لهذه النازلة.
أما في الصورتين الأولى والثانية، فلا ينبغي الخلاف برفع جهاز الإنعاش لسلامة المريض في الأولى، وتحقق موته في الثانية.
стр. 1380
وأما في الصورة الثالثة: فهي محل البحث والنظر في هذه النازلة، وعليها ترد الأسئلة الثلاثة الآتية:
١- ما حكم رفع جهاز الإنعاش؟
٢- ما حكم نزع عضو منه كالقلب ونحوه – وهو تحت الإنعاش - لحي آخر؟
٣- هل تنسحب عليه أحكام الميت من التوارث وغيره، في هذه الصورة التي تحقق فيها موت جذع الدماغ، وقيام نبضات القلب والتنفس تحت الأجهزة الآلية؟
هذه هي الأسئلة الثلاثة الواردة حالًا على هذه النازلة.
وبعد التصور الطبي لها مستخلصًا من كلام الأطباء الباحثين لها فإن التكييف الفقهي ببيان الحكم التكليفي لهذه الأسئلة الثلاثة هو فرع عن بيان الحكم الشرعي لحقيقة الوفاة عند الأطباء، "موت جذع الدماغ" هل هذه الحقيقة مسلمة شرعًا أم لا؟
وعليه:
فبما أن هذه الحقيقة محل خلاف بين الأطباء، وأن علاماتها أو جلها ظنية ولم تكتسب اليقين بعد، وأن قاعدة الشرع: أن اليقين لا يزول بالشك، ونظرًا لوجود عدة وقائع يقرر فيها: موت الدماغ، ثم تستمر الحياة كما في ص/ ٤٤٧، ٤٥٣ من كتاب الحياة الإنسانية، وص/ من بحث: البار، وأن الشرع يتطلع إلى إحياء النفوس وإنقاذها وأن أحكامه لا تبنى على الشك، وأن الشرع يحافظ على البنية الإنسانية بجميع مقوماته ومن أصوله المطهرة المحافظة على: الضروريات الخمس ومنها "المحافظة على النفس"، ولهذا أطبق علماء الشرع على حرمة الجنين من حين نفخ الروح فيه، وبما أن الأصل في الإنسان: الحياة والاستصحاب من مصادر الشرع التبعية إذ جاءت بمراعاته ما لم يقم دليل قاطع على خلافه، ولهذا قالوا في التقعيد "الأصل بقاء ما كان على ما هو عليه حتى يجزم بزواله".
فإنه لهذه التسبيبات فإنه لا يظهر أن موت الدماغ في هذه الصورة الثالثة هو "حقيقة الوفاة" فتنسحب عليه أحكام الأموات، ولكن ليس ثمة ما يمنع من كون هذا الاكتشاف الطبي الباهر: علامة وأمارة على الوفاة لهذا قال الأستاذ الشربيني في: بحثه من كتاب الحياة الإنسانية:
"وقد أوضح بعض الباحثين أننا لسنا بصدد مفهومين للموت: أحدهما توقف الدماغ، والآخر توقف القلب والتنفس، بل هما مجموعتان من الأدلة والظواهر تنتهيان إلى نهاية واحدة هي محل الاعتبار؛ وهي: موت جذع الدماغ في كل الأحوال، إذ إن ذلك هو ما يحدث أيضًا عند التوقف النهائي للقلب والتنفس خلال دقائق إن لم تكن ثوان" أهـ.
стр. 1381
فكما لا يسوغ: إعلان الوفاة بمجرد سكوت القلب - كما حرره النووي - لوجود الشك فكذلك لا يسوغ إعلان الوفاة بموت الدماغ مع نبض القلب وتردد التنفس تحت الآلات.
وكما أن مجرد توقف القلب ليس حقيقة للوفاة بل هو من علاماته إذ من الجائز جدًّا توقف القلب ثم تعود الحياة بواسطة الإنعاش أو بدون بذل أي سبب، ومن هنا ندرك معنى ما ألف فيه بعض علماء الإسلام: باسم من عاش بعد الموت، لابن أبي الدنيا وهو مطبوع.
وما يذكره العلماء عَرَضًا في بعض التراجم من أن فلانًا عاش بعد الموت أو تكلم بعد الموت.
وكذلك يقال أيضًا: إن موت الدماغ علامة وأمارة على الوفاة وليس هو كل الوفاة بدليل وجود حالات ووقائع متعددة يقرر الأطباء فيها موت الدماغ ثم يحيا ذلك الإنسان.
فيعود الأمر إذن إلى ما قرره العلماء من أن حقيقة الوفاة هي: مفارقة الروح البدن.
وحينئذ تأتي كلمة الغزالي المهمة في معرفة ذلك فيقول:
"باستعصاء الأعضاء على الروح" أي: حتى لا يبقى جزء في الإنسان مشتبكة به الروح، والله تعالى أعلم.
وبناء على تحرر هذه النتيجة يمكننا الوصول إلى الجواب فقهًا للأسئلة الثلاثة فيقال:
إن رفع آلة الإنعاش في الصورة الثالثة هي: عن عضو مازالت فيه حياة فجائز أن يحيا، وجائز أن يموت، وعلى كلا الحالين استواء الطرفين أو ترجح أحدهما على الآخر:
١- فإذا قرر الطبيب أن الشخص ميئوس منه: جاز رفع آلة الطبيب لأنه لا يوقف علاجًا يرجى منه شفاء المريض، وإنما يوقف إجراء لا طائل من ورائه في شخص محتضر، بل يتوجه أنه لا ينبغي إبقاء آلة الطبيب والحالة هذه لأنه يطيل عليه ما يؤلمه من حالة النزع والاحتضار.
لكن لا يحكم بالوفاة التي ترتب عليها الأحكام الشرعية كالتوارث ونحوه، أو نزع عضو منه، بمجرد رفع الآلة بل بيقين مفارقة الروح البدن عن جميع الأعضاء، والحكم في هذه الحالة من باب تبعض الأحكام وله نظائر في الشرع كثيرة.
٢- أما إذا قرر الطبيب أن الشخص غير ميئوس منه أو استوى لديه الأمران فالذي يتجه عدم رفع الآلة حتى يصل إلى حد اليأس أو يترقى إلى السلامة.
وهذا إنما أذكره بحثًا، والله تعالى أعلم، وصلى الله على نبينا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
بكر بن عبد الله أبو زيد
стр. 1382
موت الدماغ
لسعادة الدكتور محمد علي البار
مستشار قسم الطب الإسلامي بمركز الملك
فهد للبحوث الطبية جامعة الملك عبد العزيز
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
موت الدماغ
إن موت الإنسان كموت أي كائن حي هو أمر طبيعي فرضه الله على كل نفس قال تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ .
ولم تكن هناك صعوبات شتى في تشخيص الموت إلا فيما ندر فملايين من البشر أتوا إلى هذه الدنيا دون شهادة طبيب وغادروها دون الحاجة إلى معاينة طبيب وشهادته.
وفي العصور الحديثة نتيجة لحصول بعض الأخطار، أو كل تحديد الحياة بدءًا ونهاية إلى الأطباء ولم يعد من المقبول دخول إنسان إلى الحياة دون إثبات شهادة ميلاد يصدرها طبيب.. وكذلك لا يسمح له بالمواراة في جوف الأرض ما لم يحصل على شهادة طبيب تثبت الوفاة.
وفي ذلك خير كثير.. فلا بد أن تكون الوفاة طبيعية وأن يشهد بذلك الطبيب وإلا فكم من جريمة قتل بصورة (تسميم مثلًا وهو أمر كان شائعًا عند القدماء وخاصة لدى الطبقات الحاكمة) يمكن أن يتم دون أن تكتشف إذا لم يكن هناك هذا الإجراء المتشدد، كما أن ذلك يحد من الوقوع في خطأ تشخيص الوفاة بينما الشخص مغمى عليه وهو لا يزال حيًا.
وكان تشخيص الوفاة أمرًا غير عسير على الأطباء في الأغلبية الغالبة من الوفيات، فلا بد أن يتوقف القلب والدورة الدموية والتنفس وما يصحبها من علامات لإعلان الوفاة، وإذا شك الطبيب في سبب الوفاة أحال ذلك إلى الطبيب الشرعي، أما إذا شك في بقاء الحياة استخدم وسائل أخرى للتأكد من حصول الوفاة.
ومع التقدم الطبي في العشرين عامًا الماضية بدأ استخدام أجهزة الإنعاش يتطور بسرعة مذهلة، وأمكن إيقاف القلب لعدة ساعات أثناء عمليات القلب المفتوح، وأن يستبدل القلب والرئتان في هذه المرحلة بمضخة، فإذا ما تمت العملية أعاد الأطباء القلب إلى وظيفته السابقة بعد أن تعاد درجة حرارته بالتدريج (يثلج القلب أثناء العملية حتى يقل استهلاك الطاقة إلى أدنى درجة) كما تمكن الأطباء من إخراج القلب واستبداله بقلب إنسان أو قلب قرد أو قلب صناعي.
стр. 1383
ولأول مرة في التاريخ تمكن الإنسان أن يعيش بدون قلب لعدة ساعات وبقلب إنسان آخر قد لاقى حتفه لعدة سنين وبقلب صناعي لعدة أشهر.
ولم يعد مفهوم الموت مرتبطًا بالقلب في كثير من الحالات، وخاصة الحالات التي يصاب فيها الدماغ إصابات بالغة نتيجة الحوادث، أو نزف داخلي في الدماغ أو وجود ورم بالدماغ، ومع هذا فإن مفهوم موت الدماغ لم يشكل في بريطانيا حتى عام ١٩٨١ سوى ٨ آلاف من مجموع الوفيات، ولا يزال توقف القلب والدورة الدموية هو الأساس في تشخيص ٩٩.٢? من جميع الوفيات في بريطانيا، ومثلها أو ما يقاربها في دول أوروبا والولايات المتحدة وكندا.. إلخ.
موت الدماغ أو جذع الدماغ:
يموت الدماغ إذا انقطع عنه الدم لمدة أربع دقائق، ولذلك فإن موت القلب يتبعه موت الدماغ، ولهذا فإنه إذا لم يكن إنقاذ القلب وإعادته إلى العمل فإن الدماغ سيموت خلال أربع دقائق من توقف عمل القلب، وبالتالي يعتبر مثل ذلك الشخص في عداد الموتى.
ولكن المشكلة تأتي حين يصاب الدماغ إصابات بالغة نتيجة الحوادث (سيارات، ارتطام، إطلاق نار، إلخ) أو نتيجة نزف في الدماغ أو نتيجة ورم بالدماغ، وفي هذه الحالات قد يموت الدماغ وتقوم الأجهزة الحديثة بإنعاش القلب والتنفس وجعلهما يستمران في وظيفتهما.
وبما أن جذع الدماغ هو المتحكم في جهازي التنفس والقلب والدورة الدموية فإن توقف جذع الدماغ وموته يؤدي لا محالة إلى توقف القلب والدورة الدموية والتنفس ولو بعد حين.
وفي كثير من الحالات عندما توضع أجهزة الإنعاش لا يكون الطبيب متيقنًا من أن جذع الدماغ قد مات حيث تتميز تلك الحالات بالإغماء التام وتوقف التنفس وتحتاج إلى سرعة كبيرة لمحاولة الإنقاذ، وبالتالي يبقى المصاب تحت المنفسة Ventilator.
ولكي يشخص الطبيب موت جذع الدماغ لا بد من مواصفات نجملها فيما يلي:
١- الإغماء الكامل:
وعدم الاستجابة لأي مؤثرات لتنبيه المصاب مهما كانت وسائل التنبيه قوية ومؤلمة، ولو ظهرت من المصاب حركة ولو بسيطة أو صوت ولو حشرجة دل ذلك على حياة المصاب ولا يمكن بالتالي إعلان موت الدماغ.
٢- عدم التنفس لمدة ثلاث دقائق (شروط مجموعة هارفارد) أو أربع دقائق (مجموعة مينوسوتا) أو ١٠ دقائق (المدرسة البريطانية) بعد إبعاد المنفسة، ويشترط لإيقاف المنفسة أن يتنفس المصاب أوكسجين ٩٥ بالمائة مع ٥? ثاني أكسيد الكربون لمدة ١٠ دقائق بواسطة قنطرة (Catheter) تدخل إلى القصبة الهوائية ويتم التنفس بواسطة المنفسة، وذلك يؤدي إلى رفع ضغط ثاني أكسيد الكربون في الدم إلى ٤٠ مم زئبق أو فوقها) وهو مسئول عن تنبيه مركز التنفس في جذع الدماغ.
стр. 1384
فإذا لم يتنفس المصاب بعد كل هذه التنبيهات لمركز التنفس في جذع الدماغ يعتبر ذلك دلالة على موت جذع الدماغ.
٣- عدم وجود الأفعال المنعكسة من جذع الدماغ: وهي تتمثل في الآتي:
(أ) عدم حركة بؤبؤ العين للضوء الشديد.
(ب) لا يرمش المصاب رغم وضع قطعة من القطن على قرنية العين.
(جـ) لا تتحرك مقلة العين رغم إدخال ماء بارد في الأذن.
(د) لا يقطب المصاب جبينه رغم الضغط على الجبين بالإبهام.
(هـ) عدم التحكم أو الكحة عند لمس الحنك وباطن الحلق بالإبهام.
٤- عدم وجود حركة الدمية:
عدم تحريك الرأس No Dolling إعادة فحص وظائف الدماغ من فريق آخر بعد مرور عدة ساعات (٦ ساعات المدرسة البريطانية- ٢٤ ساعة مجموعة هارفارد) .
٥- لا يعتبر رسم الدماغ أساسيًا:
في تشخيص موت الدماغ وإذا توفر كان دليلًا إضافيًا مفيدًا من الناحية القانونية وخاصة في الولايات المتحدة.
ولا تكفي هذه الشروط لإعلان موت الدماغ بل لا بد أن يكون توقف وظائف جذع الدماغ مصحوبًا بإصابات باثوليجية وتشريحية وليس فقط إصابة وظيفة فسيوليجية وهناك مجموعة من الإصابات الوظيفية التي تؤدي إلى توقف جذع الدماغ وبالتالي إلى توقف التنفس مع وجود الإغماء وعدم وجود الأفعال المنعكسة، ورغم هذا كله لا تعتبر هذه الأسباب كافية لإعلان موت الدماغ، ولا بد من إزالة الأسباب المؤقتة لتوقف وظيفة جذع الدماغ قبل إعلان موت الدماغ، وهذه الأسباب المؤقتة أو الأسباب الوظيفية التي تؤدي إلى توقف وظائف جذع الدماغ تتمثل في الآتي:
١- العقاقير:
وقائمتها طويلة جدًّا وتشمل الكحول والمنومات مثل الباربيتورات والمهدئات مثل الفاليوم والليبيريم والمخدرات مثل المورفين والهروين وأدوية الصرع مثل الفيناتوين والأدوية المضادة للكآبة مثل التربتلين والمعقلات مثل الستيلازين والكلوبرومزين والمسكنات مثل الأسبرين.
стр. 1385
وقد يحدث أن يتناول الشخص كمية من أحد هذه العقاقير أو ما يقاربها كوسيلة للانتحار فيؤدي إلى حدوث توقف وظائف جذع الدماغ.. ولهذا لا بد من التريث في إعلان موت الدماغ في هذه الحالات حتى يزول كل أثر من آثار العقار من الجسم، ويمكن أن يتبين ذلك بفحص الدم وفحص البول، فإذا كان الدم خاليًا من العقار المتهم فإن ذلك يعني زوال تأثيره من الجسم ومن الدماغ خلال بضع ساعات.
٢- برودة الجسم:
كما يحدث في الجو القارس حيث تحدث نوبة إغماء ويتوقف التنفس وتنخفض حرارة الجسم، ولا بد في هذه الحالات من استمرار أجهزة الإنعاش حتى يتم رفع حرارة الجسم إلى درجتها الطبيعية، ولا يعلن موت الدماغ إلا بعد ذلك.
٣- التسمم نتيجة الغازات السامة وغاز أول أكسيد الكربون:
قد يؤدي التسمم إلى توقف وظائف جذع الدماغ، ولهذا لا بد من إزالة السموم من الجسم أولًا والاستمرار في الإنعاش حتى يتضح أن تأثير المواد والغازات السامة قد انتهى من الجسم ثم يمكن بعد ذلك إعلان موت الدماغ.
٤- زيادة البولينا في الدم:
قد يؤدي فشل الكلى إلى الغيبوبة التامة وإلى توقف وظائف جذع الدماغ، ولهذا لا بد من خفض البولينا في الدم بواسطة الديلزة (الكلى الصناعية) قبل إعلان موت الدماغ.
٥- نقص السكر أو زيادته في الدم:
قد تؤدي إلى الغيبوبة التامة وإلى توقف وظائف جذع الدماغ، ولا بد من إعادة توازن السكر في الدم إلى وضعه الطبيعي قبل إعلان موت الدماغ.
٦ - نقص الهرمونات أو زيادتها في الدم:
قد تؤدي إلى توقف وظائف جذع الدماغ مؤقتًا ولا بد من إعادة هذه الهرمونات إلى وضعها الطبيعي قبل إعلان موت الدماغ.
٧- حالات الغرق وتوقف القلب الفجائي:
التي يتم إنعاشها بالوسائل الحديثة وفي نفس الوقت يظهر للأطباء من الفحوصات الخاصة بجذع الدماغ أن هذا الجذع قد توقف عن وظيفته مما أدى إلى الإغماء وتوقف التنفس، وفي هذه الحالات لا يتم إعلان موت جذع الدماغ إلا بعد رفع الأوكسجين في الدم لفترة لا تقل عن ٢٤ ساعة.
стр. 1386
٨- الحالات التي أجري لها عمليات كبيرة في الدماغ:
مثل ورم في الدماغ أو نزف تحت الأم العنكبوتية Subarchnoid hoemorrhage أو وجود أم الدم aneury Sm في الدماغ، وفي هذه الحالات قد يحدث توقف لوظائف جذع الدماغ من إغماء تام وتوقف عن التنفس، ولهذا لا يمكن إعلان موت جذع الدماغ قبل مرور ٢٤ ساعة على الأقل.
٩- اخماج (انتانات) ميكروبية (فيروسية وبكترية) تصيب جذع الدماغ:
بالإضافة إلى إصابة مناطق أخرى من الدماغ، وقد يؤدي ذلك إلى توقف لوظائف جذع الدماغ، ولا بد في هذه الحالات من الاستمرار في أجهزة الإنعاش رغم توقف وظائف جذع الدماغ حتى يتبين بوضوح وجلاء تام عدم وجود توقف وظيفي (فسيولوجي) مؤقت لجذع الدماغ، وأن هناك إصابة دائمة نتيجة هذا الغزو الميكروبي.
١٠- في حالات الشك وخاصة في الأطفال تجري فحوص إضافية وهي:
(أ) حقن شرايين الدماغ الأربعة:
فإذا لم توجد دورة دموية في الدماغ كان ذلك دليلًا قاطعًا على موت الدماغ.
(ب) إجراء الفحص السابق بواسطة المواد المشعة Radionuclide
وميزة هذا الفحص سهولته النسبية، وأنه يمكن إجراؤه دون الحاجة لنقل المريض من غرفة الإنعاش إلى غرفة الأشعة.
стр. 1387
إعلان الوفاة وأجهزة الإنعاش:
عند ثبوت تشخيص موت جذع الدماغ وعدم وجود أي من الأسباب المؤقتة لتوقف وظائف الجذع يكتب الأطباء المختصون شهادة بوفاة ذلك الشجص.
أما بالنسبة لأجهزة الإنعاش فإنها توقف إلا إذا كان المصاب أو ذووه قد وافقوا على التبرع بأعضائه وفي هذه الحالة تستمر أجهزة الإنعاش حتى تستمر الدورة الدموية، وبالتالي تكون الأعضاء التي ستنتزع في أفضل حالاتها.
وبما أن القلب بالذات سريع التلف ولا فائدة من نقل قلب تالف إلى شخص آخر لإنقاذه فإن الحاجة تبدو واضحة لاستمرار أجهزة الإنعاش لبضع ساعات حتى يتم نزع القلب والأعضاء الأخرى المتبرع بها، وهي في حالة جيدة يمكن أن تعمل في شخص آخر.
في هذه الحالات المحدودة يتم إعلان موت جذع الدماغ وبالتالي موت الشخص بينما القلب لا يزال ينبض والتنفس لا يزال وإن كان بواسطة الأجهزة.
وهذا هو الذي جعل كثيرًا من الفقهاء ورجال القانون يترددون في إعلان الوفاة لمثل هذا الشخص.
ولكن إذا اتضحت الصورة بجلاء وهو أن تشخيص جذع الدماغ يعني أساسًا توقف التنفس التلقائي توقفًا تامًا لا رجعة فيه أدركنا أن الفروق الجوهرية محدودة جدًا، وبالتالي يجعل تشخيص موت الدماغ أو جذع الدماغ مقبولًا من الناحية الشرعية إذا اتخذت كافة الاحتياطات اللازمة في تشخيص جذع الدماغ كما أسلفنا، وذلك بعدم تشخيص موت جذع الدماغ في الحالات التي تتوقف فيها وظائف جذع الدماغ مؤقتًا، وبالتالي لا يمكن تشخيص موت جذع الدماغ إلا بعد التيقن من توقف تام لا رجعة فيه لوظائف جذع الدماغ مع وجود إصابة مرضية (باثوليجية) وتشريحية.
ولا غضاضة في استمرار أجهزة الإنعاش بعد إعلان الوفاة من أجل الحصول على أعضاء في حالة جيدة، إذ أن الشخص قد مات فعلًا، وهذه التروية بأجهزة الإنعاش ليست إلا إحدى الوسائل المتعددة التي تستخدم لحفظ الأعضاء في حالة تصلح للاستخدام، ومن المعلوم أن الأعضاء بعد انتزاعها من الجثة تحفظ في سائل معين وفي درجة برودة معينة، ويمكن أن تبقى محفوظة لفترة من الزمن كما يمكن نقلها بالطائرة من بلد إلى بلد آخر واستخدامها لإنقاذ شخص آخر يوشك أن يحتضر.
وعليه فإن الاحتفاظ بهذه الأعضاء بواسطة أجهزة الإنعاش لبضع ساعات أمر لا غبار عليه ولا يغير من حقيقة الوفاة شيئًا.
стр. 1388
(١) قسم الأبحاث الطبية
نهاية الحياة الإنسانية
للدكتور مختار المهدي
رئيس قسم جراحة المخ والأعصاب
مقدمة:
لم يكن التساؤل عن نهاية الحياة الإنسانية يثير الكثير من الجدل والنقاش مثل ما يفعل الآن، ويرجع ذلك إلى طفرة التقدم في العلوم الحديثة ومنها العلوم الطبية، وقد كشف لنا هذا التقدم عن الكثير من دقائق الحياة، وأيضًا الكثير من أسرار الموت، وذلك من خلال استعمال الأجهزة الحديثة في أقسام العناية المركزة ومنها أجهزة التنفس الصناعي، وكذلك أجهزة قياس عمل المخ وقياس وظائف محددة بالمخ واختبار هذه الأجزاء المختلفة، ومن خلال تفهم هذه الظواهر الجديدة أصبح تحديد توقيت نهاية الحياة الإنسانية ممكنًا على درجة كبيرة من الدقة، ودقة هذا التحديد وأهميته لا ترجع فقط لما يترتب على هذه النهاية من شرع وقوانين ومراسم، ولكن أيضًا لما قد يستخلصه ذلك من بعث فرحة الأمل في إنقاذ حياة ما من خلال مرارة فقد حياة ولت وانتهت، وذلك بفتح آفاق علمية كبيرة في علم نقل وزراعة الأعضاء البشرية، وهو الأمل في الحياة من جديد عندما يصل علاج بعض الأمراض إلى طريق مسدود وتبدو في الأفق علامات نهاية حياة المريض.
من هو الإنسان وما موضع المخ الحي منه؟
كلنا يذكر ببساطة أن الإنسان عبارة عن جسد وروح ولن نتحدث هنا عن كنه هذه الروح حيث إننا لا نعلم عنها شيئًا ولكننا ندرك تأثيرها في الجسد، فالجسد الميت الجامد لا يختلف كيميائيًا عن الجسد الحي على الإطلاق، كما أنه لا يختلف عنه أيضًا من الناحية الشكلية أو التشريحية أو حتى من خلال فحص الأنسجة بالميكروسكوب، وبكلام أعم لا يوجد اختلاف مادي بين الجسد الحي والميت ولكن الفرق هو في تأدية الوظائف.
الجسد الحي جميع أجزائه تعمل وهذا العمل يكون على مستويات مختلفة من خلايا أو أعضاء أو كجسد متكامل، الخلية الواحدة تعمل ويتم في داخلها العشرات من الأعمال المختلفة، كلها تتم في آن واحد ولكنها تدرك أنها ليست وحدها في هذا الجسد لأنها تتعامل مع خلايا أخرى في داخل العضو أو في أعضاء أخرى، هذا التعامل يتم بأساليب مختلفة، ولكن هذا الإدراك والتعامل ليس إدراك الواعي العاقل ولكنه إدراك البرمجة بما تحتويه نوايا هذه الخلايا من أشرطة متوارثة من وقت آدم، بها تفاصيل أعمال كل خلية إنسانية ومتى تعلمها بحيث يكون عمل أجهزة الجسم كلها في انسجام وتوافق، كل في اختصاصه، بعض هذه الخلايا دائم التجدد، أي القديم يشيخ ويبلى ويحل محلها خلايا أخرى جديدة، وأخرى لا تتجدد طوال حياة الإنسان وحتى هذه فإن مكوناتها من مركبات عضوية وغير عضوية دائمة التبديل، حتى مادة الكالسيوم الصلبة التي في العظام فإنها تتجدد تدريجيًا مرة كل عدة شهور مع المحافظة على الشكل العام وذلك أيضًا بفعل البرمجة، وبمعنى آخر فالإنسان الذي نراه أمامنا بكتلته التي قد تصل إلى سبعين أو ثمانين كيلو جرامًا يتبدل تمامًا جسده من ماء وأملاح ومعادن بجسد جديد تدريجيًا كل فترة من الزمن وهذه الكيماويات تذهب في إفرازات الجسم المختلفة وتحدد من غذائه وهو ما يمكن أن نسميه بالبعث المتكرر في أثناء حياة الإنسان.
стр. 1389
وهنا حقيقة كبرى يجب أن نتفهمها من البداية، وهي وإن كانت الخلية الإنسانية تمثل حياة وهي إحدى مظاهر إعجاز الخالق، ، إلا أن حياة الغالبية العظمى من خلايا جسد الإنسان وكذلك أعضاؤه التي يحتويها هذا الجسد لها حياتها المستقلة عن حياة الإنسان كفرد، وكحقيقة مطلقة لا ترتبط حياة إحداهما بالأخرى، وبمعنى أوضح أن خلايا جسم الإنسان وأعضائه لا تشاركه "روحه" بدليل أننا يمكن أن نأخذ بعض خلايا من جسم الإنسان لزراعتها ودراستها بالمعمل ولا تفقد هذه الخلايا "حياتها" بخروجها من جسم الإنسان ومن الأمثلة الأخرى استئصال كلية حية من جسم إنسان لزراعتها في جسم إنسان آخر، إنها لا تفقد حياتها باستئصالها ولا تكتسب حياة جديد من الجسد المنقولة إليه ولا تتأثر لو حدث أن توفي صاحبها الأول ولكنها تستمر في حياتها الذاتية وتؤدي نفس العمل الذي خلقت له أساسًا وتحيا حياة فيها نماء وهدم وبناء طالما توافرت لها إمكانية الغذاء المناسب، بصرف النظر عمن يحتويها.
هل يمكن أن نعود إلى التساؤل من هو الإنسان مرة أخرى ونقول هذه المرة هو جسد يحتوي على خلايا وأعضاء حية تعمل بوحي ذاتي على مستوى الخلية الواحدة وعلى مستوى العضو بشرط توافر أسباب هذه الحياة ماديًا، بالإضافة إلى روح قد نسميها نفسًا أو ذاتًا إنسانية وبها يتم تحديد شخصية هذا الإنسان وفرديته.
أين هي إذن النفس الإنسانية من هذا التركيب؟
إننا نتعرف على بعضنا البعض بالمظهر الخارجي من شكل الجسم أو الوجه أو لون العينين أو لون البشرة وأحيانًا من بصمة الإصبع! ولكن كل هذا يمكن أن يتغير، ولن يغير ذلك من ذات الإنسان، أما عن الأعضاء الداخلية والأجهزة السابق ذكرها فإنها جميعًا يمكن استئصالها والاستغناء عنها كما أسلفنا إلا المخ، فالقلب والرئتان والكبد والكلى يمكن استئصالها واستبدالها بأعضاء أخرى إنسانية أو حتى بلاستيكية.. أيضًا مع استمرارية الذات الإنسانية وعدم تغيرها، ما هي إذن وأين تكمن هذه الذات؟
стр. 1390
قد نظن الآن أن النفس الإنسانية تكمن في مخ الإنسان لأنه مكان استقبال جميع الحواس من سمع وبصر وشم وذوق ولمس، إنه مكان الاستقبال الوحيد من العالم الخارجي، كما أنه يحتوي على مخازن الذاكرة من قراءات وسمع وبصر.. إلخ والخبرات السابقة ومكان التفكير والابتكار، وبه تم إرسال الطباع والعادات والمثل المكتسبة، والمميزة لكل إنسان ومكان تواجد الغرائز الموروثة أيضًا، كما أنه مصدر الأفعال المترتبة على ما يستقبله من معلومات، وقد عرفنا ذلك كله لأن تلف أجزاء محددة من المخ ينتج عنه فقد قدرات معينة اختصت بها هذه الأجزاء ولكل هذه القدرات استخلفنا الله في الأرض وعلى استخدامها سنحاسب في النهاية وإذا ما فقدها إنسان فقد الأهلية وسقط عنه الحساب.
ولو نظرنا بتكبير مجهري داخل المخ لوجدناه يتكون من ملايين الخلايا العصبية التي تشبه البطاريات الكهربائية الصغيرة يترجم فيها كل شيء من أحاسيس وأفكار ورغبات إلى ومضات كهربية تحملها أسلاك دقيقة معزولة تنتهي إلى أطراف دقيقة تترجم هذه الومضات السابقة إلى طاقات كيمائية تقوم بدورها بتنبيه خلايا أخرى، وهكذا تستقبل الأحاسيس من سمعية وبصرية وخلافه وتنفذ المهام من فكر وأفعال.
وهنا يجب أن نلاحظ أن جميع الأحاسيس الواردة للمخ وأيضًا جميع الإشارات الصادرة عنه لتنفيذ المهام تصل منها للعلم إلى مكان معين من المخ يكون باستمرار على علم تام بمجريات الأمور ذلك هو جذع المخ وعلى الأدق نسيج معين داخله يسمى النسيج الشبكي، وهذا الجزء له تأثير كبير على أجزاء المخ الأخرى، وقد أثبتت البحوث الكثيرة أن هذا النسيج الشبكي هو المسؤول عن وعي الإنسان، وأنه إذا فقد الإنسان وعيه لسبب أو آخر فإن ذلك يحدث لأن هذا النسيج قد تعرض لضرر ما، وذلك كالإصابة في الحوادث أو بالتأثير من السموم أو الأمراض ويدخل في ذلك التخدير أو تعاطي العقاقير من منومة ومهدئة ومهلوسة، وهو المسؤول عن نوم الإنسان ويقظته.. ويبدو لنا الآن أن هذا هو الغالب مكمن النفس الإنسانية (شكل ٢) .
стр. 1391
تأثير توقف القلب على أعضاء الجسم:
في ظني أن الجسم البشري يحتوي على مستويات متعددة من الحياة وتعتبر الحياة الإنسانية هي المستوى الأعلى.
فعند توقف القلب عن العمل نهائيًا لأي سبب من الأسباب، وهو ما يحدث في الغالبية العظمى من حالات الموت فإن ذلك يتبعه فورًا فقدان الوعي وتوقف التنفس وهما وظيفتان من وظائف المخ الذي لا يتحمل توقف دورته الدموية إلا لثوان معدودة ولو أن خلاياه تظل حية لبضع دقائق إلا أنها تتوقف في أثنائها عن العمل.
ويستنتج توقف الدورة الدموية ذلك حرمان جميع أعضاء وأنسجة الجسم من الغذاء اللازم لها وهو أساسًا سكر الجلوكوز والأكسوجين اللازمين لتوليد الطاقة وتشغيل الخلايا، كما أن الفضلات السامة المتخلفة عن هذه العملية وغالبيتها حمضية تتراكم في أماكن تولدها لعدم تصريفها بتوقف الدورة الدموية بالأنسجة.
وبناء على هذه التغيرات الكيماوية تموت الخلايا والأعضاء المكونة لجسم الإنسان وهذه الأعضاء تتفاوت في فترة بقائها حية بعد توقف الدورة الدموية والتنفس اعتمادًا على درجة حساسية هذه الخلايا لنقص الغذاء وتحمل درجات الحموضة فالمخ مثلًا لا تتحمل خلاياه وبالذات خلايا القشرة (قشرة المخ) نقص الجلوكوز والأكسوجين أكثر من نحو أربع دقائق وهناك خلايا بالمخ قد تتحمل البقاء لثوان أخرى أكثر من ذلك ثم يلي ذلك خلايا الكبد والكلى، أما العضلات والعظام والجلد، فقد تستطيع الحياة لعدة ساعات بعد توقف القلب والدورة الدموية، كل هذه التوقيتات في درجات الحرارة العادية للجسم.
стр. 1392
فترة الاحتضار:
يتضح مما سبق أن هناك فترة لا تقل عن أربع دقائق بعد توقف القلب والتنفس عن العمل وتشخيص موت الإنسان الأكلينيكي من فقد للحس والوعي والإدراك والحركة والنبض والتنفس ولكن يكون الكثير من أعضائه لا يزال حيًا بل وبعضها تعمل وقابلة للاستمرار في العمل إذا أمكن إنعاشها بتوفير المحيط الملائم لها من تغذية وتصريف للفضلات، وفي هذه الدقائق الأربعة تكون خلايا مخ الإنسان ما تزال حية ولو أسعف هذا الشخص بتدليك قلبه أو بإعطائه الصدمات الكهربية مع التنفس الصناعي لدفع الأكسوجين بالدم وإعطاء المنشطات والمسعفات اللازمة قد يمكن أحيانًا أن يعود القلب للعمل ويبدأ التنفس الذاتي في العمل من جديد ويعود الإنسان إلى وعيه هذا إذا كان سبب الوفاة الأصلي يسمح بذلك وبهذه الطريقة يمكن إنقاذ حياة بعض المرضى في هذه الفترة الحرجة التي يعتبر فيها الإنسان ميتًا بكل المقاييس الأكلينيكية الطبية ولكنه بالفعل لا يكون كذلك لأن مخه ومن ثم معظم أعضاء الجسم لازالت حية فنحن لا يمكننا أن نقول إننا نستطيع أن نعيد الحياة لإنسان قد مات بالفعل، ويمكننا أن نسمي هذه الفترة بفترة الاحتضار وأرى أنه يتحتم على كل طبيب يحضر هذه الفترة أن يحاول هذه المحاولة وإذا لم يفعل فهو نوع من إهمال العلاج.
تلف قشرة المخ:
وفي أحيان نادرة، عند محاولة إنعاش مريض في فترة الاحتضار قد يعود القلب والتنفس للعمل بعد فترة الدقائق الأربع بعدد من الثوان ولكن قشرة المخ الحساسة تكون قد تلفت جزئيًا أو كليًا، على حين تستمر أجزاء المخ الأخرى ومنها جذع المخ في العمل، وقد يحدث هذا التلف نفسه نتيجة هبوط شديد في ضغط الدم لفترة طويلة حتى بدون توقف القلب والتنفس وذلك لوصول الغذاء للمخ بكميات غير كافية في هذه الفترة، وأحيانًا يحدث ذلك نتيجة إصابة شديدة ولكن غير مميتة للمخ.
وينعكس تأثير ذلك على حالة المريض بدرجات متفاوتة حسب درجة التلف ما بين عته بسيط أو ضياع كامل للعقل أو فقدان كامل للوعي وهذه الحالات ليست لها علاج على الإطلاق فخلايا المخ التي تموت لا يمكن تعويضها.
وفي الحالة الأخيرة حيث يكون هناك فقد كامل للوعي يستمر هذا الإنسان في حياة يصفها البعض خطأ بالحياة النباتية والبعض الآخر بالحياة الخلوية وكلها تعبيرات غير دقيقة من الناحية العلمية وقد تكون وصف "حياة جسدية" هو الوصف الأدق ومن الناحية النظرية يمكن لإنسان من هذا النوع أن يعيش مدى حياة كامل على هذا الوضع ويعتمد ذلك على مستوى كفاءة التمريض، والرعاية الطبية وعلاج الأمراض العارضة والتي قد تصيبه نتيجة الرقاد الطويل.
стр. 1393
وهذا المرض يحتاج إلى إطعام عن طريق أنبوب إلى المعدة بغذاء شبه سائل بنسب متوازنة وعناية مستمرة بالجلد وتقليب الجسد أو تغيير أوضاعه كل ساعتين تقريبًا لمنع قرح الفراش وكذلك العناية بتصريف البول والبراز، وإنسان من هذا النوع يتنفس ذاتيًا لأن جذع المخ سليم ولكن حياة مثل هذه لا تكون إلا داخل مستشفى وهي بالتأكيد كارثة اقتصادية، للتكلفة المادية الباهظة وانعدام الأمل في عودة المريض إلى وعيه، وقد رأيت بنفسي إحدى هذه الحالات استمرت حياتها لمدة خمسة عشر عامًا على هذا الوضع في إحدى المستشفيات الأوروبية وكان الاحتفاظ بهذا المريض من قبيل استعراض العناية التمريضية الفائقة ولعرضه على الزوار من الأطباء الأجانب، وعادة هذه الحالات تموت نتيجة قرح الفراش أو النزلات الرئوية العارضة ومن الأطباء من يتراخى عمدًا في علاج ما يطرأ عليه من الأمراض العارضة لتسهيل موت المريض من هذا النوع.
وفاة المخ (جذع المخ) :
كما أسلفنا فإنه في أغلب الأحيان تنتهي الحياة الإنسانية بتوقف القلب الذي يعقبه فورًا توقف التنفس وفقدان الوعي ثم تموت الأعضاء بدءًا بالمخ في الدقائق الأولى.. إلخ ولكن هناك حالات أخرى يموت فيها المخ أولًا، وأرجو ألا يستنتج البعض أن هناك أنواعًا مختلفة من الموت ولكن هناك بالفعل أسباب مختلفة له فمريض الكبد أو مريض القلب أو مريض الرئة أو مريض الكلى قد ينتهي به الأمر إلى الموت لأن عضوًا هامًا حيويًا قد تلف في جسمه ويؤدي ذلك إلى اختلال الوظائف الحيوية بهذا الجسم مما يؤدي في أغلب الأحيان إلى هبوط في الدورة الدموية وتوقف القلب عن العمل وبالتالي موت المخ، ولكن هذا لا يمنع أبدًا أن تلف المخ المباشر يؤدي أيضًا إلى وفاة الإنسان حتى لو كانت بقية الأعضاء الأخرى بما في ذلك القلب سليمة وذلك مثل ما يحدث في بعض إصابات الرأس الشديدة في حوادث الطرق أو السقوط من أماكن مرتفعة وكذلك في بعض الأمراض مثل نزيف المخ أو أورام المخ وفي هذه الأحوال يموت المخ بالكامل أو أساسًا جذع المخ وطبيعي تبدأ سلسلة الموت في هذه الحالة بفقد الوعي وتوقف التنفس، وانقطاع الأكسجين عن الدم، إن الدورة الدموية التي ما تزال تعمل ينقص فيها الأكسجين ويتراكم ثاني أكسيد الكربون وبالتدريج تموت بقية الأعضاء الأخرى ولكن هذا لا يعني أن تزويد الجسم بالأكسجين بواسطة أجهزة التنفس الصناعي أن المخ الذي مات قد يعود ثانية، كلا فكما أسلفنا فإن خلايا المخ التي تتلف لا يمكن تعويضها، ولكننا بهذه الطريقة، وأقصد باستعمال التنفس الصناعي، يمكننا المحافظة على أعضاء الجسم الأخرى (خلاف المخ) حية لفترة من الزمن تمتد من عدة ساعات إلى أسبوعين أو نحو ذلك، وهذه المدة لا تطول حتى مع استمرار إعطاء جميع المنشطات الممكنة، فيبدأ ضغط الدم بعد ذلك في الانخفاض وتباطؤ عمليات التمثيل الغذائي وتنخفض درجة حرارة الجسم وأخيرًا يتوقف القلب ويمكننا أن نصف هذه الفترة التي يمكن الاحتفاظ فيها ببعض أعضاء الميت حية بفترة الحياة العضوية (نسبة إلى الأعضاء المتبقية) .
стр. 1394
ومن الأمثلة المعروفة عن الموت الفوري عملية الإعدام شنقًا وفيه تنخلع الفقرات العنقية العليا عن الرأس حيث يوجد جذع المخ وعلى الفور يموت جذع المخ ولاشك أنه كان من الفهم الخاطئ وفي وقت سابق، أن طبيب السجن كان يقوم بجس نبض المذنب ولا يأذن بإنزال جثته حتى يتوقف النبض والذي يستمر لعدة دقائق ولكن جذع المخ يكون قد تلف من اللحظة الأولى لعملية الشنق والتي يفقد فيها الوعي ويقف التنفس ولو أسعف هذا المذنب في خلال هذه الدقائق بجهاز تنفس صناعي لتكررت نفس الأحداث وطالت فترة الحياة العضوية لفترة من الزمن، أسبوع أو أكثر، ولكن هذا لا يعني أن الذي شنق قد استمر في الحياة لأن الذات الإنسانية تكون قد ذهبت بلا عودة، وأجهزة الاستقبال والتفاعل والإرسال التي تتعامل بها النفس الإنسانية مع البيئة قد تدمرت نهائيًا.
تلخيصًا لما سبق فإن موت الإنسان يكون عند وفاة جذع المخ سواء نتج ذلك عن توقف القلب أولًا لأكثر من دقائق معدودة تقطع الجلوكوز والأكسوجين بدرجة تسبب تلف المخ أو تكون وفاة جذع المخ والمخ عمومًا بإصابة موجهة إليه مباشرة ولا يهم موقف الأعضاء الأخرى فهي تبدأ في التحلل والتعفن مباشرة أو يمكن الاحتفاظ بحيويتها لفترة محددة باستعمال أجهزة الإنعاش الصناعية، والحقيقة التي نريد أن نؤكدها أن توقف القلب عن العمل لا يعني بالضرورة الوفاة (فترة الاحتضار) كما أن استمرار القلب في العمل بعد موت المخ لا يعني الحياة.
تشخيص وفاة المخ:
لقد اتفقت بعض دول العالم المتقدمة على وضع تعريف لموت المخ ووضع أسس لتشخيصه وذلك بناء على وجود علامات معينة يتفق على وجودها أكثر من أخصائي أخصائي في العلوم العصبية كل على حدة ويشترط ألا تربط أحدهما بالمريض أية معرفة سابقة وأن تمر فترة لا تقل عن ست ساعات بين فحص كل منهما للمريض ومن هذه العلامات:
١- عدم استجابة المريض للتنبيه بالألم على أي صورة من الصور (مما يعبر عن الغيبوبة العميقة وفقد الحس والحركة) .
٢- فشل التنفس التلقائي نهائيًا ويختبر ذلك بفصل المريض عن جهاز التنفس الصناعي لمدة دقيقتين كاملتين وملاحظة أي محاولة ذاتية للتنفس.
٣- اتساع حدقتي العينين وعدم استجابتهما للضوء.
٤- اختفاء الموجات الكهربية الصادرة عن المخ في تخطيط المخ.
٥- هبوط الوظائف الحيوية للمخ وجذعه وهذه يمكن الكشف عليها بأجهزة قياس حديثة.
٦- توقف الدورة الدموية للمخ وهذه يمكن قياسها بطرق مباشرة أو غير مباشرة.
كل هذه الاختبارات أو حتى بعضها لا يدع أي مجال للشك فيما نحن بصدده ويكون التشخيص نهائيًا، ويستبعد من هذه الحالات تمامًا حالات الغيبوبة الناتجة عن التسمم أو التهابات المخ المختلفة.
стр. 1395
وأما عن خبراتي الشخصية في هذا المجال فإننا في خلال السنوات العشر الأخيرة وحتى اليوم وبالرغم من تشخيص وفاة جذع المخ فإننا لا نرفع أجهزة التنفس الصناعي ولا نتوقف عن إعطاء كافة المسعفات حتى يتوقف القلب نهائيًا وذلك انتظارًا لكلمة الشرع في هذا المجال من ناحية، ولتوافر الأجهزة اللازمة وعدم وجود تكلفة مادية على أهل المرضى من ناحية أخرى، وعلى الرغم من ذلك ففي خلال هذه الفترة لم أشاهد أيًا من هذه الحالات قد تحسنت حالته أو استمر قلبه في الخفقان لفترة طويلة بعد هذا التشخيص، وإذا تصادف وأجريت الصفة التشريحية لمتوفي من هذا النوع عند توقف قلبه نجد أن المخ قد تحلل تمامًا وتحول إلى مادة سائلة داخل الجمجمة.
وهنا قد يثار تساؤل: إذا كان نقل الأعضاء ممكنًا فماذا عن نقل المخ لمن تلف مخه والرد على هذا التساؤل بديهي لأن القاعدة هي نقل العضو الحي، ولكن المخ الحي لا يكون إلا في إنسان حي ونقل المخ منه هو قتل له، ناهيك عن الاستحالة التكنيكية للعملية فإن ذلك يتطلب نقل المخ والنخاع الشوكي مع زوائد المخ وهي العينان والأنف وتوصيل عدد من الأعصاب يصل إلى ثمانين عصبًا وعدد من الشرايين والأوردة يصل إلى مثل هذا العدد في فترة زمنية لا تتعدى الأربع دقائق!
وإذا فرضنا جدلًا إمكانية حدوث ذلك فالأغلب أن الذي يتم هو نقل الجسم الذي توفي مخه إلى المخ الحي وليس العكس لأن المخ الحي يحمل معه صاحبه أي تصحبه ذاته أما الذات الإنسانية التي توفي مخها فقد انتهت من عالمنا وسبحان من له الدوام، ولنذكر قول الله تعالى في سورة الزمر آية ٤٢: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ صدق الله العظيم.
فالموت إذن هو النهاية للحياة الإنسانية والنفس الإنسانية وليس بالضرورة لأعضاء وخلايا الجسم الأخرى والتي قد تعيش سنوات وسنوات بعد نقلها في أجساد أخرى وفي الآيات السابقة وصف الله النوم بالوفاة وهي درجة من درجات الحياة كما في حالات التخدير وهو ما أطلقنا عليه الحياة الجسدية.
وأرى أن أنتهز هذه الفرصة لأسجل هذه المسميات والتي قد تكون أقرب للناحية العملية والمنطق من المسميات الشائعة والخاطئة والواردة حتى في الكتب الطبية.
стр. 1396
أولًا: الحياة الإنسانية اليقظة وهي التي تشمل على حس ووعي وحركة.
ثانيًا: الحياة الجسدية وهي حياة النوم، وقد رأيت ألا أطلق عليها "حياة الوفاة" لأن هذا الوصف قد يحدث منه لبس لشيوع المعنى العكسي للكلمة وهي على أي الأحوال حياة ليس بها حس ولا وعي ولا حركة، ويجب أن نعرف أن للنوم درجات، والدرجات السطحية منه يخالطها بعض اليقظة وبعض الحس والحركة من تقليب وخلافه وأما الدرجات العميقة فلا، ونفس الشيء يحدث في التخدير وفقد الوعي المؤقت مهما اختلفت أسبابه وفقد الوعي الدائم كتلف قشرة المخ الكامل.
ثالثًا: الحياة العضوية وهي ما تبقى من حياة في بعض أعضاء الجسم بعد وفاة الإنسان وهو ما زال تحت أجهزة الإنعاش ويكون جذع المخ قد تلف وما زال القلب يعمل وكلمة الحياة هنا لا تعود على الإنسان كفرد ولكن على ما تبقى من أعضائه حيًا كالقلب والكبد والكليتين.. إلخ ما عدا المخ، وهي فترة محدودة، وحدها الأقصى نحو أسبوعين وفي خلال هذه الفترة يكون كل شيء امتدادًا لما كان معتادًا قبل وفاة الإنسان من تغذية وهدم وبناء.
رابعًا: الحياة النسيجية وهي تصف مجموعة خلايا حية غالبًا ما تكون في مزرعة في مختبر ما.
خامسًا: الحياة الخلوية وهي عبارة عن خلية إنسانية واحدة.
وفي المعامل تؤخذ خلية أو أكثر في أطباق زجاجية وتحاط بسوائل معينة بغرض تغذيتها وذلك لأعمال الدراسة المعملية.
ولو تأملنا بداية الحياة الإنسانية لوجدنا أن هذه الدرجات أو المستويات المختلفة للحياة تتجمع تدريجيًا فتبدأ بخلية واحدة هي البويضة كالقلب ولم تنفخ الروح بعد فهنا تكون الحياة العضوية ثم تنفخ الروح في الجنين فتتتابع الحياة الجسدية مع الحياة الإنسانية اليقظة حسب نومه ويقظته.
стр. 1397
في ضوء ما وصلنا إليه الآن لو عدنا مرة ثالثة للسؤال من هو الإنسان؟ فإن الإجابة تكون: الإنسان هو مخ حي يحمل نفسًا إنسانية، هذا المخ الحي تقوم على خدمته أجهزة كثيرة، بعضها لتغذيته وبعضها لتصريف فضلاته والبعض الآخر لحركته والتنقل به حيث يشاء، ومن خلال المخ تقوم النفس الإنسانية بالتحكم، والسيطرة على جميع أعضاء الجسم وأفعاله.
نعود بعد ذلك لبحث موضوع تحديد وقت وفاة المخ لما لذلك من أهمية شرعية كبيرة. وأرى أن هناك أكثر من طريقة ولكن أكثرها دقة وتحديدًا هي أن يوصل أي مريض مصاب بإصابة شديدة بالمخ بأجهزة تخطيط المخ أو أجهزة قياس عمل المخ. أو أجهزة فحص عمل جذع المخ وهذه كلها أجهزة دقيقة تقوم بتحديد المطلوب وعندما تعطي هذه المؤشرات ما يفيد وفاة المخ تتم عملية الفحص الإكلينيكي بغرفة طبيبين ذوي خبرة كما ذكر سالفًا.
والأهمية الكبرى لهذا التوقيت ليس فقط من الناحية الشرعية، ولكن أيضًا من ناحية قواعد علم نقل وزراعة الأعضاء والذي يتطلب الحصول على الأعضاء بعد الوفاة الإنسانية وأثناء الحياة العضوية للمتوفى وهي الطريقة الوحيدة علميًا البديلة لعملية تبرع الأحياء بأحد أعضائهم لذويهم وهذا التبرع الأخير لا يكون إلا في حالات محدودة (الأعضاء المزدوجة) كالكلى مثلًا وذلك علاوة على ما قد يتعرض له المتبرع من أخطار جراحية أو احتمال احتياجه مستقبلًا للعضو الذي تبرع به.
وفي النهاية إذا ما ثبت لنا ذهاب الحياة الإنسانية فعلى الشرع عندئذ أن يدلي برأيه آخذًا في الاعتبار مئات المرضى الذين يموتون كل يوم في عالمنا الإسلامي وقد تلفت أعضاؤهم من قلوب وأكباد وكلى والذين كان بالإمكان إنقاذ بعض منهم.
стр. 1398
الموت والحياة بين الأطباء والفقهاء
للدكتور عصام الدين الشربيني
مستشار الأمراض الباطنية
م. الصباح الكويت
الطب علم سريع التطور والنمو، والطبيب في عمله يتعرض بالتالي لقضايا متجددة يحب أن يؤدي فيها واجبه، ويحب في أداءه هذا أن يسترشد بهدي دينه ويلتزم بحدود شريعته.
والدين رسالة الله في الناس، قد كملت يوم نزل قول الله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ .
فلا ينبغي أن تعرض للناس قضية لا يكون للشريعة حكم فيها بنص أو باجتهاد، سواء كان الحكم بالفرض أو المنع أو الإباحة.
ومع ذلك يبدو للطبيب في عمله، كما يبدو لغير الطبيب، أن هناك فجوة بين الأحكام الشرعية وبين القضايا المستحدثة في الممارسات الطبية.
ومرد ذلك في نظري إلى أمرين:
أولهما: المحاولات الجارية منذ أكثر من قرن بعزل الشريعة الإسلامية عن المجرى الرئيسي لحياة المسلمين، والتي بلغت ذروتها بعد سقوط الخلافة العثمانية وسيطرة دول غير إسلامية على بلاد المسلمين، وترتب على ذلك أن الطلب لم يعد مستمرًا ولا ملحًا لرأي الشريعة فيما يعرض من قضايا، وكذلك الاستجابة من الفقهاء لم تكن متصلة ولا شاملة ولا مسلمة، كما فقد عنصر التطبيق وما يقدمه من خبرة وإثراء.
ثانيهما: التفاوت الكبير في ثقافة الأطباء وتربيتهم الدينية.
ونستطيع أن نجملهم في طوائف ثلاث..
١- طائفة بحكم إيمانها والتزامها وثقافتها، تحرص على تحري التوجيه الديني والحكم الشرعي، وتستطيع أن تصل إليه في أغلب الأحوال، وأحسبهم قلة نرجو أن تزيد.
٢- طائفة لا تستطيع ولا تهتم بتحري ذلك.
٣- طائفة يحرصون أو يغفلون عن تحري الحكم، ويصيبون أو يخطئون إن تحروا ذلك، معتمدين على أنفسهم أو مستعينين بسواهم ممن هم أكثر معرفة.
ولا شك أن جهود المنظمة الإسلامية للعلوم الطبية هي محاولة لسد هذه الفجوة بمؤتمريها الأول والثاني، والندوات التي تعقدها لموضوعات محددة مثل ندوة الإنجاب، وندوتكم هذه، وهي جهود تستوجب الشكر والتقدير، وتحفز الهمم لمواصلة السعي وتكثيف الجهد.
стр. 1399
وندوتنا هذه عن الحياة والموت، أو الحياة بدايتها ونهايتها، وهي كما فهمت ندوة حوار بالدرجة الأولى يطلع فيها الفقهاء على بعض ما يعرض للأطباء وما يعانون ويواجهون، ووجهة نظرهم في ذلك، ويطلع فيها الأطباء على بعض ما يبني عليه الفقهاء آراءهم، وما يستمدون منه أحكامهم، ويسمع بعضنا لبعض وهو ما لا غنى عنه لكلا التخصصين، استقصاءً لجوانب البحث وتقليبًا لأوجه الرأي واستجلاءً لمشاكل التطبيق.
وأحسب أن خير ما أشارك به من جهد هو أن أعرض على سيادتكم بعض ما يواجه الطبيب من قضايا، ومحاولتي كطبيب مسلم أن ألتمس الطريق الذي أسلكه إزاءها في ضوء التزامي المهني بالمحافظة على حياة المريض وتخفيف آلامه ما استطعت، واحترامي كذلك لنهاية هذه الحياة في مرحلتها الدنيوية وهي الموت.
ثم أسألكم فقهاء وأطباء جميعًا أن تروا فيه رأيكم وتقدموا نصحكم، لا رأيًا في نقطة بعينها وحسب ولكن توجيهًا للمنهج الذي يجدر أن يتبع.
اجتهاد أم نص:
وأقول ابتداء إنني حاولت فيما يتيسر لطبيب مسلم متوسط الثقافة أن أجد للموت تعريفًا محددًا للحياة أو للموت، فلم أصل إلى نص شرعي يحدد أيًا من الاثنين، الابتداء أو الانتهاء، فإن صح ذلك معناه أنها تركت للاجتهاد البشري والخبرة البشرية.
وقد أجد إشارات في أبواب كالإرث، مثل قول الرسول ﷺ ((إذا استهل المولود يرث)) (رواه أبو داود) أو قوله: ((لا يرث الصبي حتى يستهل)) (ابن ماجة) ، جاء في الموسوعة الفقهية: وتعرف حياته بالاستهلال صارخًا، واختلف الفقهاء فيما سوى الاستهلال ... ولأن الاستهلال لا يكون إلا من حي والحركة تكون من غير حي ... الخ، وفي رواية عن أحمد إذا علمت حياته بصوت أو حركة أو رضاع أو غيره ورث. وثبتت له أحكام المستهل لأنه حي، وبهذا قال النووي والأوزاعي والشافعي وأبو حنيفة وأصحابه (١) ...
стр. 1400
وواضح أن هذا يستند إلى خبرة بشرية بجانبيها الفقهي والطبي، وأجد في باب الجنازة، (١) المسارعة في تجهيز الميت إذا تيقن موته، وإن اشتبه أمر الميت اعتبر بظهور أمارات الموت، وإن مات فجأة انتظر به حتى يتيقن موته" (معجم الفقه الحنبلي) .
فإذا رجعت إلى كتاب من كتب الفقه الحديثة وجدته يقول " لا بد من تحقق الموت بواسطة الأطباء وغيرهم من العارفين". (٢)
ولست هنا أحاول إيجاد حكم فقهي، فتلك مهمة السادة الفقهاء، وكل ما أقوله هو توضيح ما يلمسه الطبيب من أن الحكم يعتمد على خبرة بشرية وهذه قابلة للتطور مع تطور المعرفة البشرية.
النقطة الثانية التي أحب توضيحها:
عملية الموت:
إن الموت ليس نقطة واحدة أو خطًّا رفيعًا، ولكنه عملية لها امتداد يطول أو يقصر، والناس من قديم يعرفون أن فلانا دخل مرحلة الموت أو بدأ عملية الموت أو في حالة احتضار، وتتحدث كتب السنة عما يسن "عند الاحتضار"، وربما كان اللفظ مأخوذًا مما في الكتاب الكريم ﴿أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ﴾ (٣) وقوله تعالى ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ (٤) ولا شك أن الآيتين الكريمتين تشيران إلى مرحلة من الموت دون المرحلة التي لا تقبل عندها التوبة والتي تشير إليها الآية الكريمة ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآَنَ﴾ (٥)
وفي حديث رسول الله ﷺ ((لقنوا موتاكم لا إله إلا الله)) (٦) (مسلم وغيره) (وفي حديث آخر إن الله يقبل توبة العبد ما لم يغرغر) (٧) (الترمذي) وهنا أيضًا مرحلتان مختلفتان.
والخبرة الطبية لا تختلف عن ذلك.
стр. 1401
فالجسم مجموعة من الخلايا والأعضاء والأجهزة تقوم كل منها بوظيفتها، ولها متطلبات لأداء هذه الوظائف من غذاء أو طاقة أو وسط يحيط بها في توازن دقيق، ويعتمد كل منها في ذلك على الآخر، فإذا اختلت وظيفة عضو أثر ذلك على أداء الأعضاء الأخرى لوظائفها بدرجات متفاوتة كما في تشبيه الرسول ﷺ للمؤمنين بالجسد ((إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الأعضاء بالسهر والحمى)) (١) ... والخلل إذا لم يتوقف تداعى إليه عضو بعد عضو حتى يحدث الموت.
ولنذكر بعض الأمثلة:
لا بد للأعضاء والخلايا من أكسجين، وهذه وظيفة الجهاز التنفسي فإذا امتنع ذلك لخنق أو غرق أو توقف إدخال الهواء إلى الرئتين لشلل في عضلات التنفس أو كسر في عظام القفص الصدري، أو غلبة غاز غير الأكسجين، أو مرض بالرئتين يمنع انتقال الأكسجين إلى الدم أو مادة كيميائية تمنع انتقال الأكسجين من الدم إلى الأنسجة، اختلت وظيفة الأعضاء وتداعى الخلل حتى يموت الإنسان، وتختلف الأعضاء في المدة التي تحتملها بغير أكسجين قبل أن تتلف تلفًا كاملًا.
وإذا عجز القلب عن القيام بوظيفة ضخ الدم إلى أعضاء الجسم حدث مثل ذلك، سواء كان العجز لسبب من خارج القلب يعوق عمله، أو لسبب في العضلة نفسها يجعل ضخها غير مُجْدٍ أو لاضطراب في نظام القلب الكهربي، مثل ارتجاف البطين الذي يجعل كل مجموعة من الألياف تنقبض مستقلة عن غيرها من الألياف فلا يكون هناك ضخ على الإطلاق، وتختلف الأعضاء كذلك في تحملها لهذا الخلل قبل أن تتلف، ومن المشهور بين الناس أن الضخ الفعال إذا لم يعد قبل مرور دقائق أربع فإن المخ يتلف تلفًا لا يمكن علاجه.
ومثل ذلك إذا أصيب الإنسان بنزف، ولم يصل للأعضاء حاجتها من الدم ولم يوقف النزف، ويعوض الدم المفقود في الوقت المناسب، أي قبل أن تتلف الأعضاء.
стр. 1402
وإذا عجزت الكليتان عن أداء وظيفتها وتعذر تخلص الجسم من المواد التي لا بد أن يتخلص منها، وتعذرت المحافظة على التوازن الحمضي القاعدي في سوائل الجسم، والتوازن الدقيق بين عناصر الأملاح التي تدخل في تركيبها وما يصحبها من شحنات كهربية، وكل هذا مرتبط ارتباطًا وثيقًا بالوظائف البيولوجية العديدة التي تقوم بها الخلايا والأعضاء، أقول إذا حدث هذا اختلت وظائف الأعضاء وتداعى الخلل، حتى يموت الإنسان، إلا أن نقدم ما يوقف الخلل ويصححه في الوقت المناسب كالكلية الصناعية مثلًا ...
وربما لاحظتم في الأمثلة السابقة تكرار تعبير الوقت المناسب، وذلك أن الخلل الوظيفي إذا لم يعالج قبل فوات هذا الوقت استمرت الأعضاء في تداعيها إلى خلل إثر خلل وقصور إثر قصور إلى أن يتم الموت، حتى لو أمكن علاج وتصحيح الخلل الأول الذي بدأ سلسة التداعي هذه.
ومن أوضح الأمثلة على ذلك.. النزيف الدموي، فإنه إذا لم يسارع بوقفه قبل مرحلة معينة استمرت عملية الموت حتى لو أوقف النزيف بعد ذلك وعوض الدم المفقود.
ويختلف الوقت أو المدة التي نحن بصددها تبعًا لسرعة أو بطء حدوث الخلل الوظيفي، لأن الجسم يحاول تلقائيًا تصحيح أو تعويض الخلل بما خلق الله فيه، كما تختلف بطبيعة المرض أو قل بطبيعة العضو أو الجهاز الذي يكون قد أصابه الخلل قبل وصول العلاج إلى المريض. فالعضو الواحد يختلف عن غيره في مدة احتماله لهذا القصور أو ذلك قبل أن يتلف تلفًا غير قابل للإصلاح، وقد سبق أن المخ يحتمل توقف القلب أقل من أربع دقائق، فإذا عاد القلب لعمله بعد ذلك بقي المخ تالفًا، كما أن توقف التنفس يتبعه توقف القلب بعد أقل من ذلك وهكذا ...
стр. 1403
موت الأعضاء وموت الإنسان:-
وفي ضوء ما سلف نستطيع أن نستوعب إعلان سيدني (١) "الذي صدر عن اتحاد الأطباء العالمي في جمعيته الثانية والعشرين في سيدني باستراليا سنة ١٩٦٨م، وجاء فيه "أن الموت على مستوى الخلية (أو مستوى الأنسجة) عملية تدريجية، والأنسجة تختلف في تحملها لحرمانها من الأكسجين، وليس المهم تحديد موت الأعضاء المختلفة أو مجموعات الخلايا، وإنما المهم التأكد من أن عملية الموت قد وصلت إلى نقطة لا يمكن عندها وقفها مهما استعمل من وسائل العلاج والإنعاش. وأن وجود عضو أو مجموعة من الخلايا حية لا يغني بالضرورة أن الكائن ذاته حي".
وربما اتضح ذلك أكثر إذا تذكرنا أن القلب يستمر في الضرب بعد أن يشنق صاحبه، وقد جرت عادة المنفذين أن يسجلوا المدة التي استمر فيها النبض بعد التنفيذ، وما نشاهده الآن من نقل كلية من أمريكا أو أوروبا بالطائرة لتزرع في مريض في الكويت مثلًا، وهي كلية حية لمريض مات ودفن قبل أن تزرع، وما نعرفه من إمكان استزراع خلايا بشرية مرة بعد مرة في المختبر بعد فصلها عن صاحبها.
ويبذل أهل الاختصاص جهودًا متنامية للإبقاء على حياة هذه الأعضاء أو تلك الخلايا أطول مدة ممكنة بحفظها مثلًا في درجة حرارة معينة، وقد تصل إلى التجميد، أو بإبقائها في سائل ذي خواص معينة جار أو غير جار، يمر أو لا يمر خلاله الأكسجين.
كيف يحدد الموت:-
وهنا لا بد أن تنشأ قضايا أو أسئلة، هي ما نحاول في ندوتنا هذه أن نجيب على بعضها.
أولها كيف يحدد الموت؟ حتى يترتب على هذا التحديد ما يترتب من قضايا فقهية وقانونية لا غنى للناس عنها.
وهذا سؤال قديم لم يزل الناس على مر العصور يجتهدون في تحري الدقة في الإجابة عليه، وفي اتباع إجراءات تتيح الرصة لبعض التصحيح إن كان القرار خاطئًا، أو للتثبت إن كان الشك قائمًا. (٢)
وقد نذكر من بعض الوثائق صورة الراهب الذي يمر بشمعة مضاءة أمام وجه الميت حتى يتأكد أن التنفس قد توقف، ونذكر تعليمات المستشفيات منذ كنا طلبة للطب أن يسجل الطبيب في أوراق المريض الذي شهد وفاته ما قام به من محاولات لإسعافه أو إنعاشه ثم يكتب: ينقل إلى غرفة الموتى بعد ساعتين.
ومنذ ظهرت السماعة الطبية تركز الانتباه على دقات القلب كعلامة مؤكدة على استمرار الحياة تتوقف بتوقفها.
стр. 1404
ولا يزال العديد من الموتى تحدد وفاتهم بهذه العلامات التقليدية، أي توقف القلب والتنفس كمن يموت في منزله أو في المستشفى نتيجة تطورات مرضية معروف انتهاؤها بالموت، أو كمن يموت لأي سبب وفي أي مكان قبل أن تتاح الفرصة لإسعافه بوسائل العلاج الحديثة، ولا توجد عادة صعوبة في تحديد الموت في مثل هذه الأحوال فإن مرور دقائق بعد توقف القلب والتنفس يحل المشكلة، ويحيل الشك إلى يقين.
موت جذع الدماغ:-
إلا أن الصورة تغيرت بعض الشيء بتطور المعرفة البشرية في مجال الطب والعلوم المساعدة له، ومن أهم هذه التطورات إمكان استمرار التنفس إذا عجز أو توقف بواسطة أجهزة صناعية، حتى فيمن يصاب إصابة قاتلة، فإذا أصيب شخص في رأسه ودماغه أمكن استمرار التنفس الصناعي، وفي هذه الحالة يستمر القلب في النبض أيامًا بعد أن يكون الدماغ قد توقف، بل بعد أن يكون قد بدأ في التحلل.
ومن هنا بدأت تظهر فكرة تحديد الموت بواسطة العلامات الدالة على موت الدماغ ونعني بالتحديد موت جذع الدماغ. (Brain – stem death) .
وقد أتيحت الفرصة لاستعمال هذه الأجهزة على نطاق واسع على جرحى الحرب الكورية (١٩٥٠- ١٩٥٣) ثم على المصابين في وباء شلل الأطفال في الدانمارك ١٩٥٢م وفي أمريكا ١٩٥٣ (إذ إن الشلل يصيب أيضًا عضلات التنفس) ، ثم بدأت تنتشر وحدات العناية المركزة التي تتوفر فيها هذه الأجهزة، ثم استعملت بصورة واسعة لعلاج إصابات الرأس (في إنجلترا) ... وهكذا.
стр. 1405
وتزايدت الخبرة المتجمعة، وتوافرت المعلومات الدقيقة، وبدأت تظهر دراسات محددة تحاول تحديد علامات واضحة يمكن عند توافرها الاطمئنان إلى تشخيص "موت الدماغ"، ونشرت دراسة فرنسية ١٩٥٩م ثم العلامات التي حددتها جامعة هارفارد ١٩٦٨م بعد دراسة قامت بها لجنة من الأطباء والمحامين ورجال الدين، ثم إعلان سيدني ١٩٦٨ الذي سلفت الإشارة إليه، ثم دراسة جامعة مينيسوتا ... الخ، (١) كما أخذت السلطات الطبية في بلد إثر بلد تصدر تعليمات محددة يعتمد عليها الأطباء في تشخيص موت الدماغ.
وحسبنا هنا الإشارة إلى الإعلان الصادر ١٩٧٦ عن المؤتمر المشترك للكليات الملكية للأطباء في المملكة المتحدة (٢) فهو يعتبر تلخيصًا وتنقيحًا ومراجعة للدراسات التي سبقته، وقد أصبح بعد عام من صدوره تعليمات قائمة من السلطات الصحية في المملكة المتحدة للأطباء العاملين بها، وهي تحدد شروطًا لا بد من توافرها لتشخيص موت الدماغ منها على سبيل المثال:
١- أن يكون المريض في حالة غيبوبة عميقة، وأن نستبعد الغيبوبة القابلة للعلاج كليًا أو جزئيًا مثل العقاقير المهدئة أو المنومة أو الانخفاض الشديد في حرارة الجسم ... الخ.
٢- أن يكون المريض معتمدا على أجهزة التنفس الصناعي، لانعدام التنفس التلقائي.
٣- ألا يكون هناك شك في وجود تلف في الدماغ غير قابل للعلاج (مثل إصابة بالرأس، أو نزيف تلقائي بالدماغ، أو بعد عملية جراحية في المخ ... الخ) .
٤- أن يثبت الفحص السريري علامات موت جذع الدماغ كاتساع إنسان العينين اتساعًا ثابتًا لا يتأثر بالضوء، وانعدام التأثر الانعكاسي في منطقة الأعصاب القحفية وهكذا.
٥- انعدام الاستجابة لمحاولات تنبيه التنفس التلقائي.....
وليس هنا مجال استقصاء هذه الشروط والعلامات، ويسهل التماس ذلك في مظانه، وإنما أحببت أن أبين أنها علامات محددة اتضحت وتجمعت وتأكدت بعد دراسات ومراجعات امتدت على طول سنوات عديدة، وأصبح من الثابت أنه متى حدث موت جذع الدماغ، فإن الأعضاء الأخرى ستتوقف عن العمل عضوًا إثر عضو مهما استمرت أجهزة التنفس الصناعي وغيرها من الأجهزة في العمل.
أما إذا أوقفت الأجهزة فإن القلب يتوقف بعدها مباشرة.
(وأنبه إلى أن جذع الدماغ قد يكون حيًّا في مرضى مصابين بغيبوبة أو بمرض يمنع الكلام ويمنع الحركة أو يمنع الإدراك أو يمنع الاستجابة لمحاولة الاتصال به إلخ، وهذه لا تندرج تحت تعبير موت جذع الدماغ بشروطه المحددة) .