فالجسم مجموعة من الخلايا والأعضاء والأجهزة تقوم كل منها بوظيفتها، ولها متطلبات لأداء هذه الوظائف من غذاء أو طاقة أو وسط يحيط بها في توازن دقيق، ويعتمد كل منها في ذلك على الآخر، فإذا اختلت وظيفة عضو أثر ذلك على أداء الأعضاء الأخرى لوظائفها بدرجات متفاوتة كما في تشبيه الرسول ﷺ للمؤمنين بالجسد ((إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الأعضاء بالسهر والحمى)) (١) ... والخلل إذا لم يتوقف تداعى إليه عضو بعد عضو حتى يحدث الموت.
ولنذكر بعض الأمثلة:
لا بد للأعضاء والخلايا من أكسجين، وهذه وظيفة الجهاز التنفسي فإذا امتنع ذلك لخنق أو غرق أو توقف إدخال الهواء إلى الرئتين لشلل في عضلات التنفس أو كسر في عظام القفص الصدري، أو غلبة غاز غير الأكسجين، أو مرض بالرئتين يمنع انتقال الأكسجين إلى الدم أو مادة كيميائية تمنع انتقال الأكسجين من الدم إلى الأنسجة، اختلت وظيفة الأعضاء وتداعى الخلل حتى يموت الإنسان، وتختلف الأعضاء في المدة التي تحتملها بغير أكسجين قبل أن تتلف تلفًا كاملًا.
وإذا عجز القلب عن القيام بوظيفة ضخ الدم إلى أعضاء الجسم حدث مثل ذلك، سواء كان العجز لسبب من خارج القلب يعوق عمله، أو لسبب في العضلة نفسها يجعل ضخها غير مُجْدٍ أو لاضطراب في نظام القلب الكهربي، مثل ارتجاف البطين الذي يجعل كل مجموعة من الألياف تنقبض مستقلة عن غيرها من الألياف فلا يكون هناك ضخ على الإطلاق، وتختلف الأعضاء كذلك في تحملها لهذا الخلل قبل أن تتلف، ومن المشهور بين الناس أن الضخ الفعال إذا لم يعد قبل مرور دقائق أربع فإن المخ يتلف تلفًا لا يمكن علاجه.
ومثل ذلك إذا أصيب الإنسان بنزف، ولم يصل للأعضاء حاجتها من الدم ولم يوقف النزف، ويعوض الدم المفقود في الوقت المناسب، أي قبل أن تتلف الأعضاء.
стр. 1402
وإذا عجزت الكليتان عن أداء وظيفتها وتعذر تخلص الجسم من المواد التي لا بد أن يتخلص منها، وتعذرت المحافظة على التوازن الحمضي القاعدي في سوائل الجسم، والتوازن الدقيق بين عناصر الأملاح التي تدخل في تركيبها وما يصحبها من شحنات كهربية، وكل هذا مرتبط ارتباطًا وثيقًا بالوظائف البيولوجية العديدة التي تقوم بها الخلايا والأعضاء، أقول إذا حدث هذا اختلت وظائف الأعضاء وتداعى الخلل، حتى يموت الإنسان، إلا أن نقدم ما يوقف الخلل ويصححه في الوقت المناسب كالكلية الصناعية مثلًا ...
وربما لاحظتم في الأمثلة السابقة تكرار تعبير الوقت المناسب، وذلك أن الخلل الوظيفي إذا لم يعالج قبل فوات هذا الوقت استمرت الأعضاء في تداعيها إلى خلل إثر خلل وقصور إثر قصور إلى أن يتم الموت، حتى لو أمكن علاج وتصحيح الخلل الأول الذي بدأ سلسة التداعي هذه.
ومن أوضح الأمثلة على ذلك.. النزيف الدموي، فإنه إذا لم يسارع بوقفه قبل مرحلة معينة استمرت عملية الموت حتى لو أوقف النزيف بعد ذلك وعوض الدم المفقود.
ويختلف الوقت أو المدة التي نحن بصددها تبعًا لسرعة أو بطء حدوث الخلل الوظيفي، لأن الجسم يحاول تلقائيًا تصحيح أو تعويض الخلل بما خلق الله فيه، كما تختلف بطبيعة المرض أو قل بطبيعة العضو أو الجهاز الذي يكون قد أصابه الخلل قبل وصول العلاج إلى المريض. فالعضو الواحد يختلف عن غيره في مدة احتماله لهذا القصور أو ذلك قبل أن يتلف تلفًا غير قابل للإصلاح، وقد سبق أن المخ يحتمل توقف القلب أقل من أربع دقائق، فإذا عاد القلب لعمله بعد ذلك بقي المخ تالفًا، كما أن توقف التنفس يتبعه توقف القلب بعد أقل من ذلك وهكذا ...
стр. 1403
موت الأعضاء وموت الإنسان:-
وفي ضوء ما سلف نستطيع أن نستوعب إعلان سيدني (١) "الذي صدر عن اتحاد الأطباء العالمي في جمعيته الثانية والعشرين في سيدني باستراليا سنة ١٩٦٨م، وجاء فيه "أن الموت على مستوى الخلية (أو مستوى الأنسجة) عملية تدريجية، والأنسجة تختلف في تحملها لحرمانها من الأكسجين، وليس المهم تحديد موت الأعضاء المختلفة أو مجموعات الخلايا، وإنما المهم التأكد من أن عملية الموت قد وصلت إلى نقطة لا يمكن عندها وقفها مهما استعمل من وسائل العلاج والإنعاش. وأن وجود عضو أو مجموعة من الخلايا حية لا يغني بالضرورة أن الكائن ذاته حي".
وربما اتضح ذلك أكثر إذا تذكرنا أن القلب يستمر في الضرب بعد أن يشنق صاحبه، وقد جرت عادة المنفذين أن يسجلوا المدة التي استمر فيها النبض بعد التنفيذ، وما نشاهده الآن من نقل كلية من أمريكا أو أوروبا بالطائرة لتزرع في مريض في الكويت مثلًا، وهي كلية حية لمريض مات ودفن قبل أن تزرع، وما نعرفه من إمكان استزراع خلايا بشرية مرة بعد مرة في المختبر بعد فصلها عن صاحبها.
ويبذل أهل الاختصاص جهودًا متنامية للإبقاء على حياة هذه الأعضاء أو تلك الخلايا أطول مدة ممكنة بحفظها مثلًا في درجة حرارة معينة، وقد تصل إلى التجميد، أو بإبقائها في سائل ذي خواص معينة جار أو غير جار، يمر أو لا يمر خلاله الأكسجين.
كيف يحدد الموت:-
وهنا لا بد أن تنشأ قضايا أو أسئلة، هي ما نحاول في ندوتنا هذه أن نجيب على بعضها.
أولها كيف يحدد الموت؟ حتى يترتب على هذا التحديد ما يترتب من قضايا فقهية وقانونية لا غنى للناس عنها.
وهذا سؤال قديم لم يزل الناس على مر العصور يجتهدون في تحري الدقة في الإجابة عليه، وفي اتباع إجراءات تتيح الرصة لبعض التصحيح إن كان القرار خاطئًا، أو للتثبت إن كان الشك قائمًا. (٢)
وقد نذكر من بعض الوثائق صورة الراهب الذي يمر بشمعة مضاءة أمام وجه الميت حتى يتأكد أن التنفس قد توقف، ونذكر تعليمات المستشفيات منذ كنا طلبة للطب أن يسجل الطبيب في أوراق المريض الذي شهد وفاته ما قام به من محاولات لإسعافه أو إنعاشه ثم يكتب: ينقل إلى غرفة الموتى بعد ساعتين.
ومنذ ظهرت السماعة الطبية تركز الانتباه على دقات القلب كعلامة مؤكدة على استمرار الحياة تتوقف بتوقفها.
стр. 1404
ولا يزال العديد من الموتى تحدد وفاتهم بهذه العلامات التقليدية، أي توقف القلب والتنفس كمن يموت في منزله أو في المستشفى نتيجة تطورات مرضية معروف انتهاؤها بالموت، أو كمن يموت لأي سبب وفي أي مكان قبل أن تتاح الفرصة لإسعافه بوسائل العلاج الحديثة، ولا توجد عادة صعوبة في تحديد الموت في مثل هذه الأحوال فإن مرور دقائق بعد توقف القلب والتنفس يحل المشكلة، ويحيل الشك إلى يقين.
موت جذع الدماغ:-
إلا أن الصورة تغيرت بعض الشيء بتطور المعرفة البشرية في مجال الطب والعلوم المساعدة له، ومن أهم هذه التطورات إمكان استمرار التنفس إذا عجز أو توقف بواسطة أجهزة صناعية، حتى فيمن يصاب إصابة قاتلة، فإذا أصيب شخص في رأسه ودماغه أمكن استمرار التنفس الصناعي، وفي هذه الحالة يستمر القلب في النبض أيامًا بعد أن يكون الدماغ قد توقف، بل بعد أن يكون قد بدأ في التحلل.
ومن هنا بدأت تظهر فكرة تحديد الموت بواسطة العلامات الدالة على موت الدماغ ونعني بالتحديد موت جذع الدماغ. (Brain – stem death) .
وقد أتيحت الفرصة لاستعمال هذه الأجهزة على نطاق واسع على جرحى الحرب الكورية (١٩٥٠- ١٩٥٣) ثم على المصابين في وباء شلل الأطفال في الدانمارك ١٩٥٢م وفي أمريكا ١٩٥٣ (إذ إن الشلل يصيب أيضًا عضلات التنفس) ، ثم بدأت تنتشر وحدات العناية المركزة التي تتوفر فيها هذه الأجهزة، ثم استعملت بصورة واسعة لعلاج إصابات الرأس (في إنجلترا) ... وهكذا.
стр. 1405
وتزايدت الخبرة المتجمعة، وتوافرت المعلومات الدقيقة، وبدأت تظهر دراسات محددة تحاول تحديد علامات واضحة يمكن عند توافرها الاطمئنان إلى تشخيص "موت الدماغ"، ونشرت دراسة فرنسية ١٩٥٩م ثم العلامات التي حددتها جامعة هارفارد ١٩٦٨م بعد دراسة قامت بها لجنة من الأطباء والمحامين ورجال الدين، ثم إعلان سيدني ١٩٦٨ الذي سلفت الإشارة إليه، ثم دراسة جامعة مينيسوتا ... الخ، (١) كما أخذت السلطات الطبية في بلد إثر بلد تصدر تعليمات محددة يعتمد عليها الأطباء في تشخيص موت الدماغ.
وحسبنا هنا الإشارة إلى الإعلان الصادر ١٩٧٦ عن المؤتمر المشترك للكليات الملكية للأطباء في المملكة المتحدة (٢) فهو يعتبر تلخيصًا وتنقيحًا ومراجعة للدراسات التي سبقته، وقد أصبح بعد عام من صدوره تعليمات قائمة من السلطات الصحية في المملكة المتحدة للأطباء العاملين بها، وهي تحدد شروطًا لا بد من توافرها لتشخيص موت الدماغ منها على سبيل المثال:
١- أن يكون المريض في حالة غيبوبة عميقة، وأن نستبعد الغيبوبة القابلة للعلاج كليًا أو جزئيًا مثل العقاقير المهدئة أو المنومة أو الانخفاض الشديد في حرارة الجسم ... الخ.
٢- أن يكون المريض معتمدا على أجهزة التنفس الصناعي، لانعدام التنفس التلقائي.
٣- ألا يكون هناك شك في وجود تلف في الدماغ غير قابل للعلاج (مثل إصابة بالرأس، أو نزيف تلقائي بالدماغ، أو بعد عملية جراحية في المخ ... الخ) .
٤- أن يثبت الفحص السريري علامات موت جذع الدماغ كاتساع إنسان العينين اتساعًا ثابتًا لا يتأثر بالضوء، وانعدام التأثر الانعكاسي في منطقة الأعصاب القحفية وهكذا.
٥- انعدام الاستجابة لمحاولات تنبيه التنفس التلقائي.....
وليس هنا مجال استقصاء هذه الشروط والعلامات، ويسهل التماس ذلك في مظانه، وإنما أحببت أن أبين أنها علامات محددة اتضحت وتجمعت وتأكدت بعد دراسات ومراجعات امتدت على طول سنوات عديدة، وأصبح من الثابت أنه متى حدث موت جذع الدماغ، فإن الأعضاء الأخرى ستتوقف عن العمل عضوًا إثر عضو مهما استمرت أجهزة التنفس الصناعي وغيرها من الأجهزة في العمل.
أما إذا أوقفت الأجهزة فإن القلب يتوقف بعدها مباشرة.
(وأنبه إلى أن جذع الدماغ قد يكون حيًّا في مرضى مصابين بغيبوبة أو بمرض يمنع الكلام ويمنع الحركة أو يمنع الإدراك أو يمنع الاستجابة لمحاولة الاتصال به إلخ، وهذه لا تندرج تحت تعبير موت جذع الدماغ بشروطه المحددة) .
стр. 1406
مراجعة وتمحيص:-
والأطباء مثلهم مثل الفقهاء لا يسلمون بالجديد، على كثرة البحوث واستمرارها، حتى يقتلوه بحثًا وتمحيصًا، وذلك ما اتبعوه مع قضيتنا هذه أي اعتبار موت جذع الدماغ موتا للمريض، ولما كان قرار تشخصي الموت يتبعه إيقاف الأجهزة الصناعية ووقف التنفس يتبعه توقف القلب، فقد كان من الضروري تمحيص هذه القضية بصورة أخرى.
فأجريت دراسة استقصائية للحالات التي تم فيها تشخيص موت الدماغ، ولكن الأجهزة لم توقف لسب من الأسباب وقد زادت على سبعمائة حالة وقد ماتت الحالات جميعًا رغم استمرار الأجهزة، هذا وقد توقف القلب فيها جميعًا. بعد ساعات أو أيام من موت الدماغ، وكان متوسط المدة ثلاثة أيام ونصف يوم إلى أربعة أيام ونصف يوم وأقصى مدة سجلت لاستمرار القلب في الدق هي أربعة عشر يومًا. (١)
ثم أجريت دراسة أخرى من الزاوية المقابلة على أكثر من ألف حالة أدخلوا إلى المستشفيات في حالة غيبوبة عميقة إثر إصابة بالغة بالرأس وتمت معالجتهم، وكانوا جميعًا أحياء وقت إجراء الدراسة، أي بعد ثلاثة أشهر من إصابتهم، وقد روجعت البيانات المسجلة لكل منهم، وذلك للإجابة على سؤال واحد محدد "هل كان يمكن أن يشخص موت الدماغ في إحدى هذه الحالات"؟
فلم يجد الدارسون حالة واحدة من بين هذه الحالات استوفت شروط هذا التشخيص، حتى في أسوأ مراحل الإصابة. (٢)
وبتعبير آخر فإن الحالات السبعمائة التي تم فيها تشخيص موت الدماغ لم يعش أحد منها على الرغم من استمرار الأجهزة الصناعية في عملها.
والحالات الألف التي عاشت لم يكن من الممكن أن يشخص في إحداها موت الدماغ.
متى توقف الأجهزة:-
وبهذا يطمئن الطبيب عندما يشخص موت الدماغ إلى اتخاذ قرار بوقف الأجهزة، وهو هنا لا يوقف علاجًا ليسلم المريض إلى الموت، وإنما يوقف إجراءات لا طائل من ورائها في شخص قد مات بالفعل. (٣)
وقد أوضح بعض الباحثين أننا لسنا بصدد مفهومين للموت: أحدهما توقف الدماغ والآخر: توقف القلب والتنفس، بل هما مجموعتان من الأدلة والظواهر تنتهيان إلى نهاية واحدة هي محل الاعتبار، وهي موت الدماغ في كل الأحوال، إذ إن ذلك هو ما يحدث أيضًا عند التوقف النهائي للقلب والتنفس خلال دقائق إن لم تكن ثوان. (٤)
стр. 1407
ولعل ما أسلفت يكفي للإجابة على السؤال الثاني من الأسئلة المطروحة وهو متى يوقف الطبيب أجهزة الإنعاش؟
وكما أن المهنة الطبية لم تستقر على قبول موت جذع الدماغ كموت للإنسان إلا بعد معاناة ومخاض فكري ودراسي وتمحيصي، فكذلك الطبيب الذي يتخذ القرار وينفذه لا يأتي ذلك بسهولة أو دون روية أو دون معاناة نفسية.
فالعاطفة الإنسانية غلابة بالرغم من الاقتناع العقلي وخاصة إذا كان القرار يصدر من الطبيب الذي يتولى العلاج المباشر للمريض، وقد شهدت أكثر من مرة أطباء لا جدال في طول خبرتهم وعلو كفاءتهم، وكأنهم لا يستطيعون أن يتوقفوا عن محاولات الإنعاش، بل يقاومون وقفها بالرغم من ثبوت الموت حتى يفيئوا بعد جهد إلى تذكير زملائهم وإلحاحهم.
زراعة الأعضاء:
وينشأ بعد ذلك السؤال الثالث وهو عن زراعة الأعضاء.
وقد صدرت فتاوى تبيح نقل عضو من حي تبرع به لسواه بشروط.
من أهمها ضرورة ذلك للمستفيد وعدم هلاك المتبرع، وسؤالنا هنا عن جواز أخذ أعضاء من الموتى لزراعتها في الأحياء.
ونقول ابتداء: إنه لا يوجد طبيب صحيح العقل فضلًا عن طبيب مسلم يفكر في الإجهاز على مريض محتضر لنقل عضو من أعضائه إلى مرض آخر يوشك أن يموت، فللطبيب التزامه المهني بالمحافظة على الحياة الإنسانية ابتداء من لحظة الحمل حتى تحقق الموت، والمسلم يعرف قوله تعالى ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ (١) ويستشعر حرمة الحياة الإنسانية في قوله تعالى ﴿مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا﴾ (٢) ويحذوه في عمله الطبي قوله تعالى في نفس الآية ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾ (٣) وإحياء النفس بإنقاذها من هلكة يندرج تحته كل أنواع العلاج بما فيها زراعة الأعضاء.
وإذا كانت الفتاوى قد أجازت للحي أن يتبرع بعضو من أعضائه أثناء حياته فما يمنع أن يوصي – بالانتفاع - بهذا العضو بعد وفاته؟ وإذا لم يوص هل يجوز ذلك من وليه؟ وهل يجوز أن يحل الحاكم أو المجتمع أو القانون مكان الولي إذا لم يكن الميت قد أوصى بالتبرع أو بعدم التبرع؟
بعض الدول سنت قانونًا يبيح أخذ الأعضاء من الميت ما لم يكن قد أوصى بغير ذلك، وبعضها يمنع أخذ الأعضاء ما لم يكن الميت قد أوصى بالتبرع، وبعضها يشترط فوق ذلك موافقة الولي على إنفاذ الوصية.
أين نحن كمسلمين من هذا الخضم؟ هذا ما ننتظر جوابه من الندوة الموقرة.
стр. 1408
احتياط واستبراء:
وسأكتفي هنا بذكر الاحتياطات التي تتخذها المهنة الطبية حتى تتأكد من صحة القرار الصادر بأن المريض قد مات قبل أن يؤخذ أي عضو من أعضائه ومن ذلك: (١)
١- وجود تعليمات واضحة بشروط محددة يجب توافرها لتشخيص الموت وقد سبق توضيح ذلك.
٢- اشتراك أكثر من طبيب ذي خبرة كافية في قرار تشخيص الموت.
٣- في الحالات التي ينتظر أخذ أعضاء منها لا يكون أحد من الأطباء المشار إليهم في الفقرة السابقة مرتبطًا بالفريق الطبي الذي ينتظر الأعضاء لزراعتها.
٤- أن تكون الشروط والإجراءات واحدة سواء كان الميت ستؤخذ منه أعضاء أو لا تؤخذ.
"وليس صحيحًا أن الأطباء قد يستعجلون وقف الأجهزة، بهدف أخذ أعضاء للزراعة وهي في حالة أفضل، بل العكس هو الذي قد يحدث، بمعنى أن المريض عندما يتأكد موته قد يؤجل وقف الأجهزة حتى يتاح لوليه أن يفكر في روية ويقرر في غير عجلة الموافقة على أخذ أعضاء إن شاء..".
الخلاصة:
وتلخيصًا لما سبق أقول: إننا تحدثنا عن تحديد الموت في غيبة النص الشرعي باجتهاد بشري (بشقيه الفقهي والطبي) وأن الموت عملية لها امتداد يطول أو يقصر، وأن حياة عضو أو مجموعة من الخلايا لا تعني بالضرورة حياة الإنسان نفسه، وأن تحديد الموت يتم عند توقف القلب والتنفس، أو عند توقف جذع الدماغ في الحالات التي يستمر فيها التنفس بوسائل صناعية، وأن موت الدماغ له شروط وعلامات محددة استقرت المهنة الطبية عليها بعد سنوات من الدراسة والتمحيص، ويترتب على هذا التشخيص وقف الأجهزة، ثم تعرضت لجواز أخذ أعضاء من الميت وتساءلت عن موقفنا من بعض القوانين التي تنظم أخذ أعضاء الموتى في دول مختلفة.
ماذا عن الأحكام التي تترتب على الموت؟
وأضيف جوابًا على سؤال بعض الزملاء أننا هنا لم نتعرض لشيء من الأحكام الفقهية التي تترتب على الموت كإرث أو وصية أو قصاص.. فهي أحكام تترتب على الموت، والذين نتحدث عنه هو الموت كيف نحدده؟ ومتى صدر هذا القرار فالأحكام هي هي لم تتغير.
وأحسب الوقت المتاح لي لا يتسع للحديث عن حياة الجنين والمولود، وحسبي أن أحيل إلى مداولات ندوة الإنجاب، وإلى مداولات اللجنة التي شكلها ورأسها معالي وزير صحة الكويت ورئيس المنظمة، والتي كان لي شرف عضويتها، وقد أعدت المواد الخاصة بالإجهاض من قانون مزاولة المهن الطبية الذي أقره مجلس الأمة الكويتي موافقة لجنة الفتوى عليه.
وأشكر للسادة الذين نظموا هذه الندوة إتاحتهم الفرصة لي كي أتشرف بالحديث إليكم وأشكركم جميعًا على استماعكم.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته،،،
стр. 1409
نهاية الحياة البشرية
للدكتور أحمد شوقي إبراهيم
إن خلق الإنسان سر من أسرار الخلق. . ومن أسرار الفطرة التي فطر الله خلقه عليها.. وليست معرفة سر خلق الإنسان ميسورة لعلومنا التجريبية قط.. وبالتالي فإن فهمنا لبدء حياة الإنسان ونهايتها أكثر صعوبة على فهمنا وأبعد يسرًا ومنالًا.
ولا شك أن هذا الموضوع سيفتح باب الاجتهاد على مصراعيه، إلا أنه يجب أن يكون أي اجتهاد في الرأي، مؤسسًا على الحق المبين الذي جاء به الوحي الإلهي في القرآن والسنة.. وينبغي قبل الحديث عن بداية الحياة البشرية ونهايتها أن نحاول التعرف على الإنسان الذي هو موضوع القضية.
فمن هو الإنسان؟
قال الدكتور الكسيس كاريل المتوفى سنة ١٩٤٤م (١) "إن علوم التشريح والفسيولوجيا والكيمياء والنفس والاجتماع وغيرها من العلوم لم تعطنا نتائج قطعية في ميادينها عن ماهية الإنسان، وإن الإنسان الذي يعرفه العلماء ليس إلا إنسانًا بعيدًا جدًا عن الإنسان الحقيقي، فالإنسان كائن مجهول لنفسه وسيظل جهلنا به إلى الأبد".
وقال أيضًا "إن معرفتنا بالإنسان لا زالت معرفة بدائية" وقال دوكاس "إن الإنسان الحقيقي لا نعرف عنه شيئًا". ولقد سبق كل ذلك في علم الله ﵎.. لذلك يتحدى البشر ويرد الله عليهم في سورة الإنسان بقوله: ﴿إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ﴾ . (٢)
والإنسان كما علمنا من الوحي الإلهي في القرآن والسنة، ليس جسمًا فحسب، بل هو نفس وروح أيضًا.. وهنا اختلف العلماء في معرفة الإنسان.. فالأطباء يعرفونه جسمًا وخلايا، يتعرض للصحة والمرض.. وعلماء النفس يرونه شعورًا ولا شعور.. والجميع لا يدركون كنه النفس البشرية وأسرارها.. ولا يعلمون عن الروح إلا ما أخبرنا به القرآن والسنة من حق..
ولما كانت بداية حياة الإنسان ونهايتها متعلقة تعلقًا وثيقًا، بكل من الجسم والنفس والروح والعقل والقلب، فينبغي على الباحث في هذا الموضوع أن يتعرف على كل هذه المكونات في الإنسان أولًا، حتى يتمكن بعد ذلك من أن يفهم متى تبدأ حياة الإنسان ومتى تنتهي.؟
стр. 1410
فماذا عن حياة الجسم وموته؟
خلق جسم الإنسان من طين هذه الأرض لأن كل مكونات الجسم موجودة في تراب هذه الأرض.. وجعله الله تعالى نطفة ثم علقة فمضغة فعظامًا فلحمًا، ثم نفخ فيه الروح وبذلك صار "خلقًا آخر" كما قال ابن عباس والشعبي وأبو العالية والضحاك ثم بعد ذلك صار في الحياة الدنيا بشرا..
وجسم الإنسان مكون من خلايا. وخلايا الجسم تموت وتحيا.. كل خلية لها أجل مسمى.. تموت بعده وتنتهي وتحل محلها خلايا جديدة. (١) وذكر بعض الباحثين أن ١٢٥ مليون خلية تموت في جسم الإنسان كل دقيقة وتحل محلها خلايا جديدة.. وتتساقط الخلايا من الجسم كما تتساقط أوراق الشجر الميتة من أشجارها.. وأن الذرات التي تكون جسم أي إنسان منا غير موقوفة عليه.. فهي تأتي له من مصادر شتى.. وبعد أن تغادر الجسم تذهب إلى مصادر شتى كذلك. (٢)
فجسم الإنسان يموت ويحيا ثم يموت ويحيا في الحياة الدنيا، وهو حي يرزق.. إذن فسر الحياة غير متعلق بموت الجسم أو حياته. (٣) وهذه حقيقة ينبغي أن نلتفت إليها في بحثنا عن بدء حياة الإنسان ونهايتها.
ما هي النفس البشرية ومتى تحيا ومتى تموت؟
- اختلف العلماء بشأنها.. فهل هي كائن منفصل عن الجسم والروح؟
- أم هي كائن نشأ من التقاء الروح بالجسد؟
ونرجح أن النفس البشرية شيء غير الروح البشرية، لأن الروح ذكرت في القرآن والسنة تنفخ في الجسد، ولم تذكر النفس.. كذلك فالنفس تأمر بالخير والشر.. أما الروح فهو الخير الخالص لأنه من أمر الله.. فأوجب ذلك أن تكون النفس البشرية غير الروح البشرية على قدر ما نعلم.
وقال الإمام أبو حامد الغزالي المتوفى ٥٠٥هـ. عن النفس البشرية: (٤) "إن النفس هي الأصل الجامع للصفات المذمومة في الإنسان" وروى البيهقي عن ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: ((أعدى عدوك النفس التي بين جنبيك)) .
стр. 1411
وروى الإمام أحمد والترمذي عن فضالة بن عبيد أن رسول الله ﷺ قال: ((المجاهد من جاهد نفسه)) .
ونفس الإنسان هي سر الحياة فيه.. وهي حقيقة الإنسان وذاته. والحيوان يعيش بنفس حيوانية.. وقد يكون بالإنسان نفس حيوانية ونفس إنسانية كما سنبين فيما بعد..
وتوصف النفس البشرية بأوصاف تختلف أحوالها. (١) فإذا زايلها الاضطراب بسبب معارضة الشهوات، سميت "بالنفس المطمئنة" وإذا لامت صاحبها على تقصيره في عبادة الله، سميت "بالنفس اللوامة" وإذا أذعنت لشهوات الجسم، سميت "بالنفس الأمارة بالسوء".
وذكرت النفس في القرآن في ٢٩٥ موضعًا.
- والنفس متعلقة بالجسم وداخلة فيه، كما وصفها الرسول ﷺ إذ قال: ((النفس التي بين جنبيك)) ولكنها ليست مادية.. وإذا التقت بالجسم دبت فيه الحياة.. وإذا فارقته انتهت من الإنسان الحياة.. كما قال تعالى ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (٢٧) ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً (٢٨) ﴾ .
والنفس هي التي تموت.. وهي التي تقتل.. وليس الجسم.. لأن الجسم يحيا ويموت وسر الحياة باقٍ في الإنسان.. وقد يموت الجسم فيصبح غير صالح لوجود النفس والروح فيه.. إلا أن الموت هو موت النفس كما قال الله في سورة الكهف: ﴿قَالَ أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ﴾ .
وفي سورة آل عمران / ١٤٥ يقول : ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُؤَجَّلًا﴾ ويقول في سورة العنكبوت / ٥٧ ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ والحيوان فيه حياة ففيه إذن نفس حيوانية.. والإنسان حي في بطن أمه قبل نفخ الروح فيه ففيه نفس حيوانية أيضًا.. أما بعد نفخ الروح فيه فإنه يصير خلقًا آخر بشرًا له نفس بشرية أو تأخذ نفسه الصفة البشرية.
فبدء حياة النفس بتكون النطفة ونهايتها بخروجها من الجسم ورجوعها إلى خالقها.
стр. 1412
ما هي الروح البشرية؟
جاء لفظ الروح في القرآن الكريم في عشرين موضعًا وله مدلولات كثيرة:
جاء بمعنى جبريل كما في سورة مريم/ ١٧ في قوله تعالى: ﴿فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا﴾ .
وجاء بمعنى القرآن كما في سورة الشورى/ ٥١ في قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا﴾ .
وجاء بمعنى الوحي الإلهي كما في سورة النحل / ٢ في قوله تعالى: ﴿يُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ .
وجاء بمعنى الروح البشرية كما في سورة الحجر/ ٢٩ في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ (٢٨) فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ (٢٩) فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ (٣٠) ﴾ .
فالروح في أي معنى من معانيه هو من أمر الله .. ولا يحيط بعلمه إلا الله تعالى، لذلك جاء لفظ الروح بصفة شاملة بمعنى الوحي وجبريل والروح البشرية في سورة الإسراء/ ٨٥ في قوله تعالى ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ .
وقال الإمام أبو حامد الغزالي: الروح هي اللطيفة العالمة المدركة في الإنسان وهو أمر رباني عجيب تعجز أكثر العقول والأفهام عن إدراك حقيقته. (١)
وقال الإمام الشعراني: (لم يبلغنا أن رسول الله ﷺ تكلم عن حقيقة الروح مع أنه سئل عنه؛ فنمسك عن الحديث عنها أدبًا) .
وقال الإمام الجنيد: (إن الروح شيء استأثر الله تعالى بعلمه ولا يجوز لأحد البحث عنه أكثر من أنه موجود) .
ولا تخضع الروح للعلم التجريبي أبدًا.. ومن هنا فليس لها من مصدر للعلم من علوم البشر.. وليس له من مصدر وحيد إلا ما جاء بالوحي الإلهي في القرآن والسنة.. فينبغي إذن أن نأخذ من الوحي الإلهي العلم عن الروح بدون نقاش لأن علومنا التجريبية تعجز عن أن تكون طرفًا في هذا النقاش.
стр. 1413
ما هو قلب الإنسان؟.. وهل لو توقف القلب عن النبض توقفت الحياة؟
ليس القلب الذي ينبض في صدر الإنسان هو الذي جاء ذكره خاصة في القرآن والسنة ... وإنما جاءت كلمة القلب لتعني الوعي والعقل وذكر الإمام الغزالي أن القلب يطلق على معنيين:-
١- أحدهما: العضو الذي يضخ الدم الموجود في الجانب الأيسر في الصدر ويتعلق به غرض الأطباء ولا يتعلق به الأغراض الدينية وهذا القلب موجود في البهائم.. بل هو موجود للميت.. وهو قطعة لحم لا قدر فيه.
٢- المعنى الثاني: هو لطيفة ربانية روحانية لها بهذا القلب الجسماني تعلق.. وتلك اللطيفة هي حقيقة الإنسان. والقلب هو المدرك العالم العارف من الإنسان وهو المخاطب والمطالب.. وقد تحيرت عقول أكثر الخلق في إدراك وجه علاقته بالقلب الجسماني.
وأن تعلقه به يضاهي تعلق الأعراض بالأجسام، والأوصاف بالموصوفات، وأننا إذا أطلقنا لفظ القلب، فإننا نعني به هذه اللطيفة الربانية. ويمكننا أن نذكر أوصافها وأحوالها. ولكننا لا نستطيع أن نذكر حقيقتها في ذاتها.. ويمكن أن يكون القلب هو عقل الإنسان وفكره، فلم تذكر كلمة العقل في القرآن وذكر القلب للدلالة عليه.
وذكر الصحاح أن كلمة " قلب " تعني العقل.. كما قال الله تعالى في سورة ق ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ .
وجاء في تفسير القرطبي: ﴿لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ﴾ قال: لمن كان له عقل يتدبر به فكنى بالقلب عن العقل.. وقيل لمن كان له نفس مميزة، فعبر عن النفس البشرية بالقلب.
وقال الفيروز أبادي في القاموس المحيط: القلب هو الفؤاد والعقل ومحض كل شيء.. كما في قوله تعالى ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾ أي من كانوا مرضى في عقولهم وأفكارهم، وفي سورة الشعراء/ ١٩٢ يقول الله ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (١٩٤) ﴾ ، أي على وعيك وإدراكك وفكرك وعقلك.
وفي سورة الكهف: ٢٧ ﴿وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾ .
стр. 1414
وفي سورة التغابن/١١ ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ .
وفي سورة آل عمران / ٨: ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ .
وكما جاء ذكر القلب بمعنى العقل، فقد جاء ذكر المصدر بمعنى النفس.. كما في سورة الأحزاب / ٣١ ﴿إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ﴾ أي نفسيته مريضة.
وقوله تعالى في سورة الناس / ٥ ﴿الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ﴾
أي في نفوس البشر.
وفي سورة يونس/ ٥٦ ﴿قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ﴾ أي وشفاء لما في النفوس.
وفي سورة الحج/ ٤٥ جاءت آية ذكرت القلب والصدر معًا في قوله تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آَذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ قلوب يعقلون بها: أي عقول إدراكات يعقلون بها.
ولكن تعمى القلوب التي في الصدور: أي العقول التي هي نفس الإنسان.
وقال مجاهد في شرح هذه الآية (١) إن لكل إنسان أربع أعين: عينان في رأسه لدنياه وعينان في قلبه لآخرته فإن عميت عينا رأسه وأبصرت عينا قلبه فلم يضره عماه شيئًا، وإن أبصرت عينا رأسه وعميت عينا قلبه فلم ينفعه نظره شيئًا ... وقال ابن عباس: لما نزل قوله تعالى ﴿وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الْآَخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلًا﴾ .
قال ابن أم مكتوم: يا رسول الله فأنا في الدنيا أعمى أفأكون في الآخرة أعمى؟ فنزل قوله تعالى: ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ أي من كان في هذه أعمى بقلبه عن الإسلام فهو في الآخرة في النار.
فالقلوب التي في الصدور هي اللطيفة الواعية المدبرة في النفس البشرية وقال ابن كثير (٢) في شرح هذه الآية: ليس العمى عمى البصيرة إن كانت القلوب الباصرة سليمة، فإنها لا تنفذ إلى العبر ولا تدري ما الخبر.
стр. 1415
وقال الزمخشري: في شرحه لهذه الآية الكريمة: (١) ﴿لِهِمْ قُلُوبُ﴾ أي لهم عقول يعقلون ما يجب أن يعقل من التوحيد ويسمعون ما يجب سماعه من الوحي، والمعنى أن أبصارهم صحيحة سالمة لا عمى بها وإنما العمى في القلب استعارة، فلما أريد إثبات ما هو خلاف المعتقد من نسبة العمى إلى القلوب ونفيه عن الأبصار، احتاج هذا التصوير إلى زيادة تعيين، وفضل تعريف، ليتقرر أن مكان العمى هو القلوب لا الأبصار..".
وقوله تعالى: ﴿الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ زيادة في التوكيد على أن العمى ليس عمى الأبصار ولكنه عمى القلوب، وقد استعمل كلا اللفظين، "القلوب" "الصدور" استعارة للدلالة على الوعي والإدراك في النفس البشرية، وذكر البخاري أن رسول الله ﷺ قال: ((لا يزال قلب الكبير شابًا في اثنتين: حب المال وطول الأمل)) .. وواضح أن كلمة القلب هنا معناها الحسن والإدراك.
وروى مسلم في صحيحه أن رسول الله ﷺ قال: ((لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر)) في قلبه أي: في نفسه..
وروى الإمام أحمد في مسنده عن عبد الله بن عمر ﵃ أن رسول الله ﷺ قال: ((القلوب أوعية بعضها أوعى من بعض فإن سألتم الله أيها الناس فاسألوه وأنتم موقنون بالإجابة فإن الله لا يستجيب لعبد دعاه عن ظهر قلب غافل)) وواضح من الحديث أن القلب والقلوب هي الوعي والعقل والإدراك وليس القلب الذي يضخ الدم في الصدر.
وروى أبو داود عن أسامة بن زيد قال بعثنا رسول الله ﷺ سرية إلى الحرقات فنذروا بها فهربوا فأدركنا رجلًا فلما غشيناه قال: (لا إله إلا الله) فضربناه حتى قتلناه فذكرته للنبي ﷺ فقال: ((من لك بلا إله إلا الله يوم القيامة)) فقلت: يا رسول الله إنما قالها مخافة السلاح فقال ﷺ : ((أفلا شققت عن قلبه حتى تعلم من أجل ذلك قالها أم لا ... من لك بلا إله إلا الله يوم القيامة ومازال يقولها حتى وددت أني لم أسلم إلا يومئذ)) .
стр. 1416
نفهم من ذلك أن القلب الذي ذكر بالقرآن والسنة، هو الوعي والإدراك والفكر والعقل، وأن القلب إذا توقف عن النبض فلا يعني هذا انتهاء العقل أو الإدراك.. أو انتهاء الحياة، فقد يتوقف القلب عن النبض فترة والإنسان حي يرزق، ثم يعود إلى النبض مرة أخرى، بأي صنف من صنوف العلاج، وأما انتهاء الحياة الإنسانية فهو موت المخ نفسه موتًا نهائيًا، لأن المخ هو آلة الوعي والعقل والفكر والإدراك، فإذا ما انتهى من الإنسان كل ذلك فلم يعد إنسانًا.. وإن عاش بعد ذلك بقلب ينبض ونفس يدخل ويخرج.. سواء من تلقاء نفسه أو تحت تنفس فإنه يعيش حياة حيوانية.. وليس حياة بشرية..
الإنسان يتميز على غيره من المخلوقات بحمل الأمانة:
كما قال تعالى: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾ .
وقال الفخر الرازي: الأمانة هي التكليف وهي الأمر بخلاف ما في الطبيعة أما السماوات والأرض والجبال فهي على ما خلقت عليه.
والعقل هو محل تلقي التكليف.. والمخ هو مورد العقل. ومن هنا فإذا تعطل المخ أو ماتت خلاياه سقط عن الإنسان التكليف وأصبح هو والحيوان سواء.. وبذلك تسقط عنه الصفة البشرية.
وهكذا نجد أن العقل والقلب والأمانة والفؤاد كل هذه الطاقات البشرية تتصل اتصالًا وثيقًا بالمخ.. فإذا مات المخ انتهت كل هذه الطاقات ولم يعد بالجسم إلا حياة حيوانية ولم يعد إنسانًا ولم يعد بشرًا.
ونأخذ من هذا دليلًا على أن نهاية الحياة الإنسانية هي بموت المخ ولو ظل القلب ينبض، ولو ظل التنفس يعمل ولو ظلت باقي خلايا الجسم تدب فيها الحياة.
علاقة الجسم بالنفس والروح:
الجسم إطار مادي عارض.. والجسم والنفس كمصباح معد تمامًا للإضاءة ولكنه لا يضيء بذاته حتى تنفخ فيه الروح فحينئذ يشرق ويضيء وتكتمل وظائفه.
وليس علاقة الجسم بالروح في اليقظة مثل علاقته أثناء النوم.. فأثناء اليقظة تكون العلاقة كاملة، أما أثناء النوم فتضعف الرابطة بين الجسد والروح والنفس البشرية.
стр. 1417
فالروح هو الوعي والإدراك والنفس البشرية هي شخصية الإنسان وفهمه وفكره وهو سر الحياة فيه.
نقرأ في سورة الزمر/ ٤١ يقول الله : ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ .
فالله يقبض الأنفس حين موتها.. وحين نوم الجسم.. فأما الذي قضى عليها الموت فيمسكها عنده ولا يردها لجسدها.. والتي لم يقضه عليها فيرسلها إلى جسدها إلى أجل مسمى.
كما قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ﴾ .
فالنائم ليس ميتًا حقيقة فهو حي.. ولكنها الوفاة الصغرى لأن الجسم أثناء النوم يكون حيًا، ولكن الوعي والإدراك اختفيا عن الجسم بابتعاد النفس البشرية والروح عنه.
ونقرأ في السنة من دعاء رسول الله ﷺ عند نومه كان يقول:
((باسمك اللهم وضعت جنبي وبك أرفعه إن أمسكت نفسي فارحمها وإن أرسلتها فاحفظها بما تحفظ به عبادك الصالحين)) .
وقال ابن عباس في تفسيره لآية سورة الزمر: (إن أرواح الأحياء والأموات تلتقي في المنام فتتعارف ما شاء الله منها فإذا أراد جميعها الرجوع إلى الأجساد أمسك الله أرواح الموتى عنده وأرسل أرواح الأحياء إلى أجسادها) .
وقال سعيد بن جبير: إن الله يقبض أرواح الأموات إذا ماتوا وأرواح الأحياء إذا ناموا فتتعارف ما شاء الله أن تتعارف فيمسك التي قضى عليها الموت ويرسل الأخرى أي يعيدها.
وقال النبي ﷺ : ((كما تنامون فكذلك تموتون. وكما توقظون فكذلك تخرجون)) .
وروى القرطبي عن ابن عباس أنه قال: " في ابن آدم نفس وروح بينهما مثل شعاع الشمس فالنفس هي العقل والتمييز والروح هي التي بها النفس والتحريك فإذا نام العبد قبض الله نفسه ولم يقبض روحه".
وقال القشيري: (المفهوم من الآية أن النفس المقبوضة في الحالين واحدة واختلف الناس في هذه الآية في النفس والروح وهل هما شيء واحد أم شيئان؟ والأظهر أنهما شيء واحد) .
стр. 1418
وروى البخاري ومسلم عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: ((إذا أوى أحدكم إلى فراشه فليضطجع على شقه الأيمن وليقل: سبحانك ربي باسمك وضعت جنبي وبك أرفعه إن أمسكت نفسي فاغفر لها وإن أرسلتها فاحفظها بما تحفظ به عبادك الصالحين)) .
وكان النبي ﷺ يقول عندما يستيقظ من نومه: ((الحمد لله الذي أحيانا بعد أن أماتنا وإليه النشور الحمد لله الذي رد إلى روحي وعافاني في جسدي وأذن لي بذكره)) .
وقال الزمخشري في تفسير آية الزمر:
أي يتوفى الله الأنفس حين تنام تشبيهًا للنائمين بالموتى حيث لا يميزون ولا يتصرفون، كما أن الموتى كذلك، فيمسك الأنفس التي قضى عليها الموت الحقيقي أي لا يردها.. ويرسل الأخرى النائمة إلى جسدها إلى أجل مسمى.. وقالوا: إن التي تتوفى في النوم هي نفس التمييز لا نفس الحياة، لأن نفس الحياة إذا زالت زال معها النفس والنائم يتنفس.
وقال ابن كثير: إن الله يتوفى الأنفس الوفاة الكبرى بما يرسل الحفظة الذين يقبضونها من الأبدان، والوفاة الصغرى عند المنام ﴿وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضَى أَجَلٌ مُسَمًّى ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ ثُمَّ يُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٦٠) وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ (٦١) ﴾ فذكر الوفاة الصغرى ثم الوفاة الكبرى.
نفهم من ذلك أنه في حالة انتهاء الحياة البشرية تقبض الروح وترجع النفس إلى بارئها.. وقد سبق أن علمنا أن النفس والروح هما الوعي والإدراك والعقل والفكر.. وكل ذلك متصل بالمخ.. أو أن المخ هو رافدها الوحيد ... إذن فإن نهاية الحياة هي موت المخ.. وليس توقف القلب أو التنفس.. لأن توقفهما معًا أو توقف أحدهما لا يعني بالضرورة موت المخ وبالتالي لا يعني نهاية الحياة.
إن رجوع النفس إلى بارئها وقبض الروح من الغيبيات التي لا تخضع للعلم التجريبي.. وبالتالي فإن الوحي الإلهي في القرآن والسنة هو المصدر الوحيد للعلم فيها.
стр. 1419
أما الذي يخضع للعلم التجريبي، فهو مظهر ذلك في الجسم، وهو موت المخ. فإن ثبت موت المخ ثبتت نهاية الحياة البشرية.. ولو كان الصدر يتنفس والقلب ينبض تحت جهاز تنفس مثلًا، فالجسم حي تحت الجهاز.. ولكها حياة حيوانية.. وليست بشرية قطعًا..
وكما سبق أن تحدثنا عن القلب والصدر، فهما يعنيان العقل والفكر والنفس البشرية.. وليس القلب والصدر كأعضاء في جسم الإنسان، فليس مرض القلب أو الصدر أو أي عضو بالجسم هو السبب المباشر لنهاية حياة الإنسان.. ولكنه يكون سببًا غير مباشر لأن السبب الوحيد لنهاية الحياة هو موت الخ.. سواء بمرض في المخ نفسه أو بمرض في أي عضو آخر بالجسم أدى إلى موت المخ.
ما هي علامات موت المخ؟
ليس لدينا من العلم في ذلك إلا رسم المخ الكهربائي.. وهو قطعي في معظم الحالات.. ولا يكون كذلك في بعض الحالات.. كحالات التسمم بالأدوية المنومة مثلًا..
ويهمنا هنا تعيين وقت نهاية حياة الإنسان لأهمية ذلك في شئون المعاملات مثل الإرث وغيره.. ويمكننا الجزم بأن نهاية الإنسان هو عندما بموت مخه. ولو كان القلب ينبض ولو كانت الرئتان تتنفسان.. فلو تأكد الطبيب أن المخ قد مات والمريض يتنفس وقلبه تحت جهاز.. فلا حرج عليه في أن يقرر أن هذا الإنسان قد مات.
стр. 1420
متى تنتهي الحياة؟
للدكتور حسان حتحوت
منذ كان الإنسان عرف الحياة وعرف الموت.. ودفن موتاه ولا يزال يستوي في ذلك إنسان القرون الأولى وإنسان القرن العشرين.. ومجتمع لا يعرف القراءة ولا الكتابة وآخر يعيش آخر صيحات العلم الطبي وغير الطبي. وما عرف الإنسان الحيرة ولا التردد وهو يقرر أن فلانا قد مات، ولا شغل فكره أو فتح على نفسه باب القلق بأن يجابه نفسه سائلًا ماذا يعني الموت بالضبط؟ وما هي على وجه الدقة والتحديد اللحظة من الزمن التي يقال عندها: إن العمر انتهى ووقعت الوفاة؟
وواضح أن موت الإنسان في جملته لا يعني موت أعضائه أو أنسجته أو خلاياه كلا على حدة.. فهناك فترة زمنية بعد إعلان الوفاة لو أخذت خلالها عضلة منه ونبهتها بالكهرباء لانقبضت، ولو أخذت جزءًا من خلاياه فاستزرعتها في سائل مغذ مناسب لتكاثرت، بل لو أخذت قلبه أو كليته ووصلتها بالدورة الدموية في شخص آخر لاستمر في الحياة مظهرًا ووظيفة بكل ما تعنيه الحياة.. ويمر وقت بين وفاة الإنسان ككل وبين دبيب الموت إلى أجزائه المتفرقة ثم إلى خلاياه في كل أجزائه.
وقد كان تعامل البشر مع الموت ولا يزال قائمًا على اعتبار أن الموت هو انتهاء حياة الفرد في إجمالها، وليس انتظار تطرق الموت إلى آخر خلية من خلاياه. فلما تقدم العلم الطبي حتى وصل إلى إمكان نقل عضو من إنسان لإنسان، كان من الطبيعي بالنسبة لتلك الأعضاء التي لا غنى لحياة الإنسان عنها كالقلب مثلًا أن يثور السؤال الحتمي المنطقي: إن فلانًا من الناس قد مات لتوه ولكن قلبه أو كبده، أو رئتيه لم تمت بعد، فماذا لو شققنا عنها فاستخلصناها لتزرع في مريض لا أمل له في الحياة إلا إن استبدل بعضوه التالف عضو صحيح؟ وهو سؤال أجاب عنه الإسلام بالإيجاب. بحكم أن الضرورات تبيح المحظورات فالضرورة في إنقاذ الحي تبيح المحظور في جرح الميت وأخذ عضو منه. وبحكم أنه حيثما كانت المصلحة فثم شرع الله والمصلحة في إبراء المريض المشرف على الهلاك جلية واضحة، وقد صدرت بذلك الفتاوى كتلك التي أصدرتها لجنة الفتوى بوزارة الأوقاف بالكويت في ٣١/١٢/١٩٧٩ مفصلة تفصيلًا.
стр. 1421
ثم تسلسل الأمر إلى تلك المواقف التي لم تعلن فيها وفاة الإنسان بعد، لأنه ما زال محتفظًا بأمارات تعارف الناس على أنها من أمارات الحياة كنبضة القلب وتردد الأنفاس شهيقًا وزفيرًا، في حالات معلوم فيها أن هذه الأمارات ليست ذاتية ولا تلقائية، ولكنها ترتكز على وصل الجسم بوسائل الإنعاش الصناعية، وما دامت دورة الدم والتنفس قائمتين ففي وسع سائر أعضاء الجسم أن تستوعب نصيبًا من الغذاء والأكسجين يُبقي عليها حياتها فلا يدب إليها الموت.. ويمضي زمان يطول أن يقصر حتى تفشل وسائل الإنعاش الصناعية فتنطفئ الحياة تمامًا.
نقول هذه حالات لم تعلن فيها وفاة الإنسان بعد.. فلماذا استعملنا هذا التعبير ولم نقل إنهم أحياء؟
ذلك أن العلم الطبي قد اهتدى إلى أن العبرة في الموت ليست أساسًا بتوقف القلب والتنفس.. ولكنها تتوقف أولًا وآخرًا على موت المخ.. الذي يستبين بتوقف النشاط الكهربائي للمخ تمامًا وهو ما يمكن قياسه بجهاز خاص. فإذا غاضت كهرباء المخ تمامًا، فهو مخ ميت ويكون باقي الجسم قد دخل في نطاق الموت إلى مرحلة اللاعودة، ومهما احتفظ الإنعاش الصناعي بالتنفس ودورة الدم فمحال أن يعود المريض إلى الحياة أبدًا.
موت المخ إذن هو معنى الموت عند الأطباء.. واللحظة التي يخمد فيها المخ تمامًا كهربائيًا هي لحظة حدوث الوفاة علميًا، ووسائل الإنعاش الصناعي تصون الجسم أو فلنقل الجثة في نطاق الحياة فترة ما فلا تتحلل ولا تتفتت ولكنها فترة إلى انتهاء.
ونشأ عن هذا في العالم الطبي موقفان:
الأول: ما دام الكشاف الكهربائي للمخ قد أعلن وفاة المخ.. بصدق وإخلاص وعدم تزييف، فقد أصبح الأطباء في حِلٍّ من نزع أحد أعضاء الميت الحيوية كالقلب مثلًا لزرعه لمريض تالف القلب مشرف على الهلاك ولا أمل له إلا قلب بديل صحيح، وتستغل وسائل الإنعاش الصناعي في حفظ هذا القلب حيًا في جثة صاحبه، ريثما يتم الإعداد للعملية واستدعاء المريض وتحضيره للجراحة، وهي إجراءات تستغرق بعض الوقت، ولولا تلك الوسائل الصناعية لخاس القلب وبدأت فيه تحللات الموت وفقد صلاحيته للزرع، ولما يتم تجهيز المريض المنقول إليه بعد.
стр. 1422
الثاني: أنه ما دام المخ قد مات فهذه هي الوفاة فعلًا ويكون الإصرار على الاستمرار في الإنعاش الصناعي ما لم يكن مؤقتًا وهادفًا إلى استخلاص لعضو لزرعه في مريض من الناحية الفعلية إطالة لعملية الموت وليس حفاظًا على الحياة وإرهاقًا لأعصاب الأهل في غير طائل، وإسرافًا في استعمال وسائل الإنعاش الصناعي، وهي باهظة الكلفة شحيحة التعداد، وحرمانًا منها لمريض آخر قد يكون في حاجة إليها ولم يزل مخه حيًا فله الفرصة إذن في شفاء حقيقي وحياة سوية.
فهل للطبيب إذن أن يمد يده إثر موت المخ فيفصل الكهرباء عن جهاز الإنعاش ويرفعه عن جسم المريض حتى ولو كان نابض القلب متردد الأنفاس فإن فعل توقف التنفس وتوقف القلب عاجلًا أو آجلًا وعجل الغسل والدفن؟
َكلا الموقفين بطبيعة الحال رهن بموافقة الأهل أو وصية المتوفي، أما الموقف الأول فمن أمثلته أول عملية زرع قلب ناجحة وكان إجراؤها في جنوب إفريقيا على يد الجراح كريستيان برنارد. أسرة زنجية شابة تستروح في نهاية الأسبوع بلعب الكرة في الحديقة وفجأة يسقط الزوج الشاب، ويحمل للمستشفى، ويكون التشخيص نزفًا في المخ لا يجدي العلاج ويموت المخ وما زال قلبه الفتي ينبض بفعل الإنعاش الصناعي، وهناك طبيب أسنان يهودي على شفا الهلاك من هبوط قلبه ويشرح الطبيب الموقف للزوجة الشابة وللأم فتوافقان على أخذ القلب ليزرع في طبيب الأسنان فيعيش به.. تصرف نبيل وحاسم في موقف عصيب وقاس.. وقلب شاب زنجي لرجل أبيض في جنوب إفريقيا التي لا تقدم للزنوج إلا كل ما يثير الحقد ويبعث على المرارة.
وبقى أن ننظر بشيء من التفصيل إلى مسألة مد اليد لإيقاف أجهزة الإنعاش في المريض الذي انطفأ مخه، وما زال قلبه يدق وما زال يتنفس وما زال جسمه يتغذى ويفرز.
والخلاف حول هذه النقطة في العالم الطبي ليس خلافًا علميًا، فالموت العلمي هو موت المخ رغم أن باقي الجسم لم يزل حيًا.
فريق يبني تصرفه على هذه الحقيقة العلمية ويقول: أمد يدي لإطفاء الجهاز، والفريق الآخر: يرى أن الأفعال والتصرفات لا تحكمها الحقائق العلمية ولكن تحكمها القوانين الوضعية أو الأحكام الشرعية.
стр. 1423
وفي الشريعة والقانون تعتبر دقة القلب وتردد الأنفاس واستيعاب الغذاء وإفراز العصارات والفضلات بالتأكيد من دلائل الحياة، فإن مد الطبيب يده وبحركة واحدة أطفأ كل ذلك فهل اعتدى على الحياة فيقع بذلك تحت طائلة المساءلة أو العقوبة بالدية أو القصاص؟
وليس هذا كل ما في الأمر فلو اعتبرنا لحظة الموت هي لحظة موت المخ وإن بقي الشخص من بعدها نابض القلب متنفسًا متغذيًا مفرزًا من بعد ذلك شهرًا أو شهرين ثم مات من بعد ودفن.
فمن أي التاريخين تكتب شهادة الوفاة؟
ومن أي التاريخين تبدأ عدة زوجته التي توفي عنها؟
وأي التاريخين يحتسب أساسًا للمواريث؟ وهل يحجب إخوته أبناءه إن مات أبوه فيما بين التاريخين؟ لأنه مات (بمخه) قبل موت أبيه، أو يرث ثم يرثه أبناؤه لأنه كان حيًا بدليل النبض والتنفس حال موت أبيه؟
هذه وغيرها أمور تدل على أن في الموضوع أكثر مما يظهر للنظرة السطحية العجلى أو الطبية المجردة.
ولا بد أولًا من أن يضع الأطباء هذه الحقائق أمام رجال التشريع، فإن استقر الرأي على أن الموت موت المخ وأن الوفاة تبدأ من لحظته فمن الطبيعي إذن أن يقنن هذا ويدخل إلى أحكام المساءلة وأحكام عدة المتوفى عنها زوجها وأحكام المواريث.
وليس من الصالح أن يظل الأطباء في عزلة عن القوانين، أو تظل القوانين في غفلة أو في إغماض على هذا المجال الهام من مصالح الناس.
ونوقن أن شريعة الإسلام لا تضيق عن استيعاب المحدثات والتقنين للجدائد والوفاء بالمصالح وحيثما كانت المصلحة فثم شرع الله.
стр. 1424
القلب وعلاقته بالحياة
مدخل في مناقشة "متى تنتهي الحياة"
للدكتور أحمد القاضي
مستوصف أكبر، باناما سيتي، فلوريدا
التعريف اللغوي لكلمة القلب وما يتعلق بها:
القلب: الفؤاد العقل، اللب (مختار الصحاح)
- عضو عضلي أجوف يستقبل الدم من الأوردة ويدفعه في الشرايين في الجهة اليسرى من التجويف الصدري، وسط الشيء ولبه ومحضه (المعجم الوسيط) .
- مضغة من الفؤاد معلقة بالنياط، الفؤاد، العقل، اللب، خالص الشيء ومحضه (لسان العرب) .
اللب: العقل (مختار الصحاح) .
- خالص الشيء وخياره، العقل (المعجم الوسيط) .
- خالص الشيء وخياره، العقل، نفس الشيء وحقيقته (لسان العرب) .
الصدر: أول الشيء (مختار الصحاح)
- مقدم كل شيء، الطائفة من الشيء، الرئيس، الجزء الممتد من أسفل العنق إلى فضاء الجوف (المعجم الصحيح) .
- أعلى مقدم كل شيء وأوله كل ما واجهك من الشيء وما أشرف من أعلاه الطائفة من الشيء (لسان العرب) .
النتيجة المبنية على التعريف اللغوي:
القلب نوعان: قلب عضوي وقلب معنوي.
المواصفات التشريحية والوظائفية للقلب العضوي:
هو عضو عضلي في حجم قبضة يد صاحبه متصل بالشرايين والأوردة الرئيسية، ومتواجد في وسط القفص الصدري من الجسد الإنساني (أو الحيواني) . ومهمته الرئيسية ضخ الدم وتسييره عبر الدورة الدموية، وكأي عضو آخر في الجسد له شرايينه الخاصة التي تغذيه بالدم النقي وله أعصابه التي تؤثر فيه، وهي فروع من شبكة الاتصالات العصبية العامة، ولو أن القلب له محركه الكهربائي الذاتي إلا أنه يتأثر بالحالة العاملة لجسد صاحبه عن طريق الفروع العصبية التي تصله بالشبكة العصبية العامة للجسد كله.
стр. 1425
المواصفات التشريحية والوظائفية للقلب المعنوي:
هو لب الإنسان وجوهره، وتجتمع فيه الصفات التي نعرفها عن العقل والشخصية والنفس كلها مجتمعة، ونعتقد أن هذا هو القلب الذي يعنيه القرآن حين يذكر القلب أو الفؤاد (انظر الدليل فيما بعد) ، وهو الذي يتم به الشعور والتفكير والإدراك، وهو ليس قاصرًا على المخ وإنما هو وحدة مركبة من المخ، وما يرتبط به من شبكة اتصالات عصبية تربط بينه وبين الحواس المختلفة، وما يدور في هذه الشبكة من تحصيلات واتصالات وردود فعل، وما يتخزن في هذه الشبكة من معلومات مدركة وغير مدركة، كل هذا المذكور أعلاه يكون القلب المعنوي أو الفؤاد الذي يتحدث عنه القرآن.
والقلب المعنوي له قوام عضوي وقوام معنوي، والقوام العضوي للقلب المعنوي في الجسد هو المخ وما يتصل به من شبكة اتصالات عصبية، أما القوام المعنوي للقلب المعنوي فهو مجموع الأحاسيس والمشاعر والمعرفة المكتسبة وما يترتب عليها من عاطفة وفكر وإدراك. ولتقريب المفهوم يمكن تشبيه القلب المعنوي بالحاسب الكهربي (الكمبيوتر) وما يتضمنه من جزء آلي وجزء برمجي معنوي، وهذا التشبيه لتقريب المفهوم فقط، لأن خلق الخالق ليس له شبيه من صنع المخلوق.
القلب القرآني هو القلب المعنوي والدليل على ذلك:
١- كلمة "القلب" في اللغة تحتمل المعنيين: المعنى الحرفي المباشر وهو القلب العضوي في القفص الصدري، والقلب المعنوي بمعنى اللب والجوهر، ولتحديد الاختيار بين المعنيين وأيهما يناسب ما سماه القرآن بالقلب أو الفؤاد علينا مراجعة المواصفات التي أعطاها القرآن للقلب والفؤاد، ومحاولة مطابقتها على مواصفات كل من القلب المعنوي والعضوي، وأيهما يتفق مع المواصفات القرآنية يكون هو المقصود.
стр. 1426
٢- صفات القلب أو الفؤاد كما ذكرها القرآن تشمل التالي:
أ- القلب القرآني يبصر ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ (١) وهذه الصفة لا تتوفر في القلب العضوي وإنما تتوفر في القلب المعنوي.
ب- القلب القرآني يسمع ﴿وَنَطْبَعُ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ﴾ (٢) وهذه الصفة لا تتوفر في القلب العضوي وإنما تتوفر في القلب المعنوي.
جـ- القلب القرآني يفقه ﴿فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ﴾ (٣) و ﴿وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ﴾ (٤) وهذه الصفة لا تتوفر في القلب العضوي وإنما تتوفر في القلب المعنوي.
د- القلب القرآني يحس ويشعر بالوجل والرعب والريبة والاطمئنان والخشوع وغيرها من الأحاسيس والمشاعر ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ (٥) و ﴿وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ﴾ (٦) و ﴿وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ﴾ (٧) و ﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ (٨) و ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آَمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ﴾ (٩) ، وكل هذه الصفات لا تتوفر في القلب العضوي وإنما تتوفر في القلب المعنوي.
هـ- القلب القرآني يمرض ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا﴾ (١٠)
وهذه الصفة متوفرة في كل من القلب العضوي والمعنوي.
٣- استعمل القرآن عبارتين لتحديد مكان القلب في الجسد، إحداهما "الجوف" ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ﴾ وهي كلمة تدل على داخل الجسد بدون تحديد جزء معين منه، وبالتالي تتناسب مع كل من القلب العضوي والمعنوي والثانية "الصدر" ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ وهي كلمة تدل على معنيين: إما الجزء الأعلى من الجسد ويحيط به القفص الصدري ويحتوي على القلب العضوي والرئتين والمريء وبعض الملحقات الأخرى، أو المعنى الآخر للصدر وهو المكان أو التجويف الرئيسي أو الأساسي أو الأعلى في الجسد أو في مقدمته (انظر التعريف اللغوي) ، وإذا أخذنا بالمعنى الأخير فهو ينطبق على كل من القلب العضوي والمعنوي.
стр. 1427
وعلى ذلك فالعبارة القرآنية بخصوص مكان القلب ليس لها دور في تحديد الاختيار بين أي من المعنيين للقلب القرآني.
شرح تعبير "موت القلب" أو "موت المخ":
- موت القلب هو توقف القلب عن العمل تمامًا، وكذلك عدم قابليته للحياة.
- موت المخ هو توقف المخ عن العمل تمامًا، وكذلك عدم قابليته للحياة.
شرح تعبير "قابلية القلب للحياة" أو "قابلية المخ للحياة":
يمكن أن يتوقف عضو ما عن العمل تمامًا ولكن يتمكن من العودة إلى العمل إذا تغيرت ظروف معينة، وفي هذه الحالة يمكن القول بأن العضو ما زال قابلًا للحياة، أو حيا ولكنه متوقف عن العمل، أما إذا توقف العضو عن العمل وأصابه تلف غير رجعي لسبب من الأسباب ففي هذه الحالة تنتفي قابليته للحياة ويصير ميتًا.
ولتوضيح المذكور أعلاه نستعرض أمثلة عملية للقلب والمخ:
فالقلب يمكنه أن يتوقف عن العمل تمامًا بسبب قطع الأكسجين عنه، أو قطع وصول الدم الذي يحمل الأكسجين إليه، إما تلقائيًا بسبب المرض أو بواسطة الجراح أثناء عمليات القلب المفتوح، وإذا حدث ذلك وحرارة القلب طبيعية (أي بدون تبريد) فإن القلب يبقى حيًا أو قابلا"ً للحياة لمدة تتراوح بين ٢٠ إلى ٣٠ دقيقة بدون تلف كبير، وإذا عاد الأكسجين إلى القلب من خلال هذه المدة (بعودة الدورة الدموية التاجية) يعود القلب إلى العمل كما كان. وإذا زادت فترة قطع الأكسجين يزداد التلف تدريجيًا حتى إذا وصلت المدة إلى ٩٠ – ١٠٠ دقيقة (أو أقل) يفقد القلب قابليته للحياة، أي أنه لا يمكن إعادته للعمل حتى ولو عادت الدورة الدموية إلى الشرايين التاجية.
أما لو انقطع وصول الأكسجين إلى القلب وحرارته منخفضة بسبب تبريده إلى درجة معينة من البرودة، فيمكن للقلب حينئذ أن يتحمل قطع الأكسجين عنه ساعات بدون تلف وبدون أن يفقد قابليته للحياة، ويمكن أن يعود إلى العمل بعد ساعات من التوقف حين تعود الدورة الدموية إلى شرايينه التاجية وترفع حرارته إلى الدرجة الطبيعية.
وبالنسبة للمخ فتوجد ظروف مشابهة لما ذكر عن القلب إلا أن المخ يفقد قابليته إذا انقطع عنه الأكسجين لمدة دقائق معدودة (٣-٥ دقائق) وحرارته طبيعية (أي بدون تبريد) ويمكن إطالة فترة تحمل انقطاع الأكسجين إلى ساعات إذا تم تبريد المخ إلى درجة معينة من البرودة أو شبع بكمية معينة من العقاقير الحافظة. وفي هذه الحالة يمكن للمخ أن يعود للعمل بعد عدة ساعات من التوقف إذا عادت إليه الدورة الدموية الحاملة للأكسجين ورفعت درجة حرارته إلى الدرجة الطبيعية.
стр. 1428
تأثير موت القلب العضوي على حياة صاحبه:
يمكن أن يتوقف القلب العضوي عن العمل تمامًا بصفة مؤقتة أو بصفة دائمة، وتستمر حياة صاحبه بجسده وفكره وعاطفته وحواسه وإدراكه وكل مقومات شخصيته، ما دامت هناك مضخة بديلة تضخ الدم وتسيره عبر الدورة الدموية، وهذه المضخة يمكن أن تكون قلبًا عضويًا آخر من إنسان أو حيوان، أو تكون المضخة آلية بصفة تامة.
وتوقف القلب العضوي عن العمل يكون تلقائيًا بسبب حالة مرضية مثل انسداد الشرايين التاجية المغذية للقلب، وما يعقب ذلك من انقطاع الأكسجين عن القلب، أو انقطاع الموصلات الكهربائية داخل القلب، أو انخفاض أو ارتفاع الضغط داخل القلب خارج نطاق معين، أو غير ذلك من الحالات المرضية للقلب أو أن يكون توقف القلب العضوي عن العمل مفتعلًا بواسطة الطبيب المعالج مثل حالة القلب أثناء جراحات القلب المفتوح حيث يوقف الجراح القلب بوسائل فنية خاصة مثل منع وصول الأكسجين إلى القلب، أو حقن الشرايين التاجية بمحلول معين أو تبريد القلب أو كل هذه الوسائل مجتمعة، ويكون إيقاف القلب لفترة تتراوح بين الدقائق والساعات حسب الحاجة الجراحية.
وإذا توقف القلب العضوي عن العمل إما تلقائيًا أو افتعاليًا، ولكنه احتفظ بقابليته للحياة حسب الشرح المذكور أعلاه، فيمكن إعادته إلى العمل بوسائل فنية مختلفة مثل استعمال الصدمة الكهربائية أو إعادة الأكسجين إلى القلب، أو إعادة درجة الحرارة في القلب إلى المستوى الطبيعي، أو توصيل محرك كهربائي بعضلات القلب أو كل هذه الوسائل مجتمعة حسب الحالة والحاجة المتواجدة. أما إذا فقد القلب قابليته للحياة ومعنى ذلك أن القلب العضوي قد مات ففي هذه الحالة يمكن استعمال مضخة بديلة تقوم بضخ الدم وتسييره عبر الدورة الدموية بصفة دائمة، أي استبدل القلب كلية، وهذا يكون إما بزرع قلب عضوي آخر محل القلب الأصلي، أو استبدال القلب العضوي بمضخة آلية.
وهناك حالات يكون فيها القلب العضوي عاجزًا عن القيام بأعماله كاملة ولكنه ما زال على قدر من الحياة وإن كان لا يكفي لتوفير احتياجات صاحبه، وفي هذه الحالة يمكن الإبقاء على القلب الأصلي لمساعدته.
من هذا الغرض يظهر بوضوح أن موت القلب العضوي لا يعني بالضرورة موت صاحبه.
стр. 1429
تأثير موت المخ على حياة صاحبه:
موت المخ يؤدي بالضرورة إلى موت صاحبه. ومن الممكن أن يتوقف المخ عن العمل جزئيًا بسبب صدمة أو احتقان أو توقف الدورة الدموية لفترة من الزمان ثم يعود إلى حالته الطبيعية ما لم يفقد الحياة أو القابلية للحياة تمامًا (حسب الشرح المذكور أعلاه) أما إذا فقد القابلية للحياة وانعدمت كل المؤشرات الكهربائية فيه فلا يمكن إصلاحه بعد ذلك، ولا يمكن للإنسان الحياة بدونه إلا إذا وجد البديل له، وبما أنه لا يوجد بديل للمخ في الوقت الحاضر ولا ينتظر أن يوجد له بديل في المستقبل القريب أو ربما البعيد، فإن موت المخ تحت الظروف الحاضرة يؤدي بالضرورة إلى موت صاحبه، وبما أن المخ هو الجزء الأساسي من القوام العضوي للقلب المعنوي، فإن موت المخ يعني موت وتعطيل عمل القلب المعنوي.
تأثير موت الأعضاء الأخرى على حياة صاحبها:
من الممكن أن يموت أي عضو آخر أو يستأصل جراحيًا ويحتفظ صاحبه بحياته وعقله وتفكيره وإدراكه وشخصيته وكل ما له من مقومات، إما لأن العضو يمكن الاستغناء عنه والحياة بدونه، مثل الأطراف وأجزاء من المعدة والأمعاء وما إلى ذلك، أو لتوفير البديل الذي يقوم بوظيفة هذا العضو ولو لفترة من الزمان، طالت أو قصرت مثل حالة الكلى والكبد والرئة.
تساؤل والرد عليه:
كيف يمكن اعتبار الإنسان ميتًا بموت المخ وربما قلبه ما زال ينبض؟
والرد على ذلك بأن بقاء عضو من الأعضاء على قيد الحياة أو في حالة قابلية للحياة لا يتعارض مع موت صاحبه، فمثلًا الشعر يستمر في النمو لمدة ٢٤ ساعة أو أكثر بعد موت صاحبه ودفنه وبدون أي دورة دموية جارية.
стр. 1430
والقلب العضوي يمكنه أن يستمر في العمل خارج الجسد منفصلًا عن صاحبه لساعات عديدة إذا وفر له الغذاء والحرارة المناسبة، وفي هذه الأثناء يكون صاحبه قد مات ودفن، وكذلك كثير من أعضاء الجسد، ولذلك لا يمكن الاستدلال بحياة عضو من الأعضاء على حياة أو موت صاحب هذا العضو.
تساؤل آخر والرد عليه:
ولو أنه لا يوجد حاليًا بديل كامل للمخ ووظائفه، فإنه يوجد بديل لإحدى وظائف المخ وهي تحريك الجهاز التنفسي عن طريق آلة التنفس مما يوفر الأكسجين للقلب وبقية الجسد، ويمكن القلب العضوي وبقية أعضاء الجسد من الاحتفاظ بقابليتهم للحياة ولو لفترة من الزمان، فلماذا لا تستعمل آلة التنفس هذه لفترة غير محدودة طالما هناك حياة في بعض الأعضاء؟ والرد على ذلك يكون بالنقاط التالية:
١- أثناء الإبقاء على حياة بعض أعضاء الجسد بالطريقة المذكورة أعلاه يكون هناك انعدام تام لحركة الإنسان وفكره وعاطفته وحواسه وإدراكه وكل مقومات شخصيته، وبالتالي لا يوجد من الإنسان إلا وعاء حاضن لتغذية الأعضاء الأخرى، ولا يفترق كثيرًا عن التوصيلات الغذائية الصناعية التي توصل بالقلب أو الكلى أو غيرهما من الأعضاء المنفصلة نم الجسد تمامًا بعد موت صاحبها للمحافظة على قابليتها للحياة في المختبر.
٢- سبق أن ذكرنا أن بقاء بعض الأعضاء على قيد الحياة لا يعني بالضرورة حياة صاحبها.
стр. 1431
٣- لا يمكن الحفاظ على هذه الحالة لفترات غير محدودة، بل تتدهور الحالة تدريجيًا حتى يتوقف القلب العضوي والأعضاء الأخرى بالرغم من كل الآلات المستعملة.
٤- من الناحية الخلقية الشرعية فإن الجسد الإنساني له حرمته ولا يجوز التدخل في أموره إلا إذا كانت هناك فائدة منتظرة أو تحسن مرتقب من هذا التدخل، وفي حالة موت المخ لا ينتظر حدوث أي فائدة أو تحسن من التدخل الآلي، وبذلك لا يوجد مبرر أو مبيح للتدخل.
أو بعبارة أخرى فإن الأصل في الأمر هو عدم التدخل إلا إذا انتظرنا شفاء أو تحسنًا من جراء هذا التدخل، وهذا غير منتظر في حالة موت المخ.
الخلاصة:
المناقشة المذكورة أعلاه هي مقدمة لمحاولة الرد على السؤال عن أي الأعضاء يعتبر مؤشرًا للحياة في الجسد، وإذا مات هذا العضو يمكن الحكم بموت الإنسان صاحب هذا الجسد، وهل هذا العضو هو القلب أو المخ؟
في القديم كان التصور أن هذا العضو هو القلب العضوي، وكان الإنسان يعتبر حيًا ما دام القلب نابضًا، وإذا توقف القلب حكم بموت صاحبه.
ويظهر لنا من المعلومات المذكورة في هذه المناقشة المختصرة المبسطة أن المخ كعضو محدد أو القلب المعنوي كوحدة مركبة قوامها العضوي هو المخ أولى من القلب العضوي لأن يعتبر مؤشرًا لحياة صاحبه، وبالتالي إذا مات المخ يمكن الحكم بموت صاحبه بغض النظر عن حالة القلب العضوي.
стр. 1432
نهاية الحياة الإنسانية
للدكتور مصطفى صبري أردوغدو
مرمره كلية الإلاهيات – استنبول
إن الجسم في الإنسان له خلايا، والأعضاء تقوم بوظيفتها، فإذا اختلت وظيفة عضو، يؤثر ذلك على أداء الأعضاء الأخرى لوظائفها بدرجات متفاوتة. وإذا توقف عضو ما عن العمل تمامًا، ولكنه قد يتمكن من العودة إلى العمل إن تغيرت ظروف معينة، فمعنى ذلك أن العضو ما زال قابلًا للحياة، أو كان حيًا ولكنه متوقف عن العمل، فبذلك يمكن أن نستنتج من هذا الأمر، أنه إذا مات الإنسان تمامًا وتأكد من هذا الأطباء فهل يمكن أن ينقل من هذا الميت عضو ما أم لا؟ وهل يجوز لنا نقل الأعضاء من إنسان لإنسان؟ وهل يحق للشخص أن يوصي بأعضائه في الحياة بعد الموت؟ وهل تسمح الشريعة بالتصرف في الأعضاء أو في الجسم بأي حال من الأحوال؟
وهناك جانب آخر، هو أن الأطباء يقولون: إن القلب يتوقف عن العمل تمامًا بسبب قطع الأكسجين عنه، أو قطع وصول الدم إليه، وإذا عاد الأكسجين إلى القلب خلال ٢٠ – ٣٠ دقيقة يعود القلب إلى العمل كما كان. وإذا زادت فترة قطع الأكسجين يزداد تدريجيًا، حتى إذا وصلت المدة إلى مدة تتراوح بين ٩٠ – ١٠٠ دقيقة يفقد القلب قابليته للحياة.
والمخ كذلك مشابه للقلب، إلا أن المخ يفقد قابليته إذا انقطع عنه الأكسجين لمدة أربع دقائق؛ وإذا كان المخ قد دخل في نطاق الموت إلى مرحلة اللاعودة بتقرير الأطباء مهما بذل الجهد لإنعاش صناعي بالتنفس وتحريك الدم في الجسم. ففي مثل هذا الأمر، قد يمكن نقل الأعضاء من إنسان لإنسان وقد يدخل في إغاثة الملهوف، فهي واجبة لإنقاذ إنسان مشرف على الهلاك: ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾ . (١)
ولكن الفقهاء متفقون على أنه لا يجوز في غير حالة الحرب الاعتداء – ولو عند الاضطرار- على حياة الإنسان؛ كذلك نرى أنه لا يجوز استئصال عضو من إنسان يوشك أن يموت، كالعين والقلب، لإعطائه إنسانًا آخر، تحت ستار الضرورة والرحمة المزعومة بالإنسانية، إذ إن أجزاء الإنسان ليست مملوكة له، ولا يمكن القطع بموت المريض حيث إنه لا يعمل الغيب إلا الله سبحانه.
стр. 1433
لذلك نرى الكثيرين من أطباء العلم يعلنون أن عملية نقل القلب من رجل إلى رجل لا تتفق مع الأخلاق والقيم، لما فيها من تحقيق منفعة غير مضمونة النتائج غالبًا على حساب مصلحة وحياة إنسان آخر. لكن إذا تأكد الطبيب المسلم الثقة العدل من أن الذي يؤخذ قلبه أو عينه سيموت حتمًا، جاز نقل القلب أو العين وزرعه لآخر مضطر إليه، لأن الحي أفضل من الميت، ورعاية المصالح أمر مطلوب شرعًا، وتحقيق النفع للآخرين مندوب إليه في الإسلام، والضرورات تبيح المحظورات، لأنه يترتب على النقل إنقاذ مريض بالقلب، أو إعادة البصر لإنسان وتوفير الحياة أو البصر نعمة عظمى مطلوبة شرعًا. ويجوز التشريح لأغراض تعليمية، أو لمعرفة سبب الوفاة، وإثبات الجناية على متهم، عملًا بما أباحه المالكية والشافعية والحنفية: من شق بطن الميت لإخراج مال غيره الذي ابتلعه، إذا تعذر تسديده من التركة وكان المال كثيرًا.
أقول:إن الفقهاء قد تكلموا في نهاية الحياة في الإنسان وما يتبعها من أعمال خاصة بتجهيزه وتكفينه وصلاته وغير ذلك.
فقالوا: إذا تيقن الحاضرون من موت الإنسان، وعلامة ذلك انقطاع نفسه، وإحداد بصره، وانفراج شفتيه فلا ينطبقان، وسقوط قدميه فلا ينتصبان. (١) والتأكد من الموت هو خمود الجسد وسكونه سكونًا أبديًا. وحكم الموت في الإنسان بدون تحقق وتأكد يكون حكمًا على المجازفة؛ إذا فكيف يتصرف الأطباء في جسم الإنسان وما زال مشكوكًا في حياته، والقاعدة هي: "ما ثبت باليقين لا يزول بالشك"، وكذلك "الأصل بقاء ما كان حتى يثبت ما يغيره". فكيف يدعي الطبيب اليقين، والجسد لا يزال ينبض، والذي ثبت اليوم قد ينقض غدًا".
стр. 1434
وأمام هذه الحقائق حقائق أخرى، ألا وهي حرمة الميت، والنهي عن التمثيل بالأموات ولو كانوا كفارًا؛ كما نهينا عن إيذاء الميت المؤمن، ففي الحديث الصحيح الذي أخرجه أبو داود والترمذي وابن ماجه والطحاوي والدراقطني والبيهقي وأحمد "كسر عظم الميت ككسر عظم الحي"، وفي رواية الدراقطني زيادة عليه: "في الإثم" (١) وجاء في كتب الحنابلة: "ويحرم قطع شيء من أطراف الميت، وإتلاف ذاته، وإحراقه، ولو أوصى به". (٢)
لذلك لا يمكن أن نعتبر الحياة شرعًا قد انتهت، ونحكم على الشخص أنه في عداد الموتى، إلا إذا كانت هناك إمارة ظاهرة كما قررها الفقهاء في كتب الفقه، فيترتب على ذلك الإرث وانتهاء العدة وغيرها من الأحكام الشرعية.
إن إخواننا سوف يبدون آراءهم وقد يقولون: إن هناك مصلحة، "وإذا وجدت المصلحة فثم شرع الله".
والمصالح التي جاء بها الشرع خمسة، وهي: مصلحة الدين، ومصلحة النفس، ومصلحة العقل، ومصلحة النسل، ومصلحة المال. ثم إن المصالح باعتبار الشارع ثلاثة: مصلحة معتبرة شرعًا، ومصلحة ملغاة شرعًا، ومصلحة سكت عنها الشارع فلم يعتبرها ولم يلغها. وكل هذه المصالح معروفة لدى كل المشتركين في هذه الندوة. وإنما أريد أن أقول بهذه المناسبة كلمة أخيرة، وهي: أنه في المصلحة التي ألغاها الشارع، لا ينبغي أن يبتنى عليه حكم، حيث إنه قد ألغاها فعلًا؛ وعليه فإن الإتيان بأي حكم يناقض الحكم الشرعي، خطر يحوي إغراء النفوس بالهوى؛ والسلام عليكم ورحمة الله.
стр. 1435
نهاية الحياة الإنسانية
للدكتور عبد الله محمد عبد الله
مستشار محكمة الاستئناف العليا – الكويت
الموت معناه وما يتعلق به من الأحكام
عرف علماء الكلام وكذلك الفقهاء الموت بأنه صفة وجودية تضاد الحياة تزول بها قوة الإحساس والنماء والتعقل فلا يعرى الجسم الحيواني عنهما ولا يجتمعان فيه. (١) والقول بأن الموت أمر وجودي يضاد الحياة هو مذهب أهل السنة وعند المعتزلة هو عدم الحياة عما من شأنه أن يكون حيًا؛ لأن الموت قطع مواد الحياة عن الحي واختاره كثير من المحققين. (٢) وقال المازري من المالكية الموت عرض من الأعراض يضاد الحياة. ويدور نقاش بين العلماء في الروح هل تموت مع البدن أم أن الموت للبدن وحده؟ رأيان ذهب فريق إلى أن الروح تذوق الموت لأنها نفس وكل نفس ذائقة الموت ولقوله تعالى: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ (٢٦) وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ ... وقال آخرون: لا تموت الأرواح، فإنها خلقت للبقاء وإنما تموت الأبدان مستدلين بالأحاديث التي دلت على نعيم الأرواح وعذابها بعد المفارقة إلى أن يرجعها الله في أجسادها، ولو ماتت الأرواح لانقطع عنها النعيم والعذاب.
وذهب إلى التوفيق بين الرأيين وجمعا بين الأدلة فريق من العلماء بأن موت النفوس هو مفارقتها لأجسادها وخروجها منها لا بمعنى انعدامها واضمحلالها وبهذا الاعتبار فهي باقية بعد مفارقتها الجسد في نعيم أو عذاب نعيم.
ويذهب ابن القيم إلى أن الروح لها بالبدن خمسة أنواع من التعلق متغايرة الأحكام:-
الأول: تعلقها به في بطن الأم وجنينًا.
الثاني: تعلقها به بعد خروجه إلى وجه الأرض.
الثالث: تعلقها به في حال النوم فلها به تعلق من وجه ومفارقة من وجه.
الرابع: تعلقها به في البرزخ فإنها وإن فارقته وتجردت عنه فإنها لم تفارقه فراقًا كليًا بحيث لا يبقى لها التفات إليه البتة.
الخامس: تعلقها به يوم بعث الأجساد وهو أكمل أنواع تعلقها بالبدن لأنه تعلق لا يقبل البدن معه موتًا ولا نومًا ولا فسادًا.
أمارات الموت وعلاماته:
للموت علامات ظاهرة يعلمها عامة الناس فمن هذه العلامات انقطاع نفس الميت، وإحداد بصره، وانفراج شفتيه فلا ينطبقان وسقوط قدميه فلا ينتصبان (٣) كما ذكروا علامات تدل على قرب حدوث الموت ممن وصل إلى درجة الاحتضار من هذه العلامات.
стр. 1436
الموت في الطب الحديث:-
عرف الأطباء الموت بأنه توقف حياة الإنسان أو الحيوان في وقوف الأجهزة الثلاثة وهي جهاز التنفس، والدورة الدموية، والجهاز العصبي.
وذكروا علامات تحدث عقب الوفاة منها أنه يترتب على توقف الدورة الدموية تغييرات كبهاتة الجثة وتكون الرسوب الدموية (الزرقة الرمية) . يتوقف التنفس. كما يتوقف تحكم الجهاز العصبي على الجسم وعلى العضلات ويشمل ذلك الارتخاء الآدمي الرمي وأن الجهاز العصبي متمثلًا في المخ الذي يوجه الشخص الحي في عقليته وتنبهه وتحكمه على حواسه وحركته كما تحدث تغيرًا في العينين وتفقد الجثة حرارتها الحيوية ثم ينتهي إلى التيبس الرمي ثم التعفن الرمي ثم التصبن الرمي ثم التحول إلى مومياء. (١)
ويقرر الأطباء أن الجسم يموت أولًا كوحدة يتوقف التنفس وحركة القلب وأما الأنسجة فتموت شيئًا فشيئًا بهيئة تدريجية الواحدة تلو الأخرى ويعبر عنه بموت الخلية أو الموت الجزيئي. ويقولون: إ\ن بعض الأنسجة العضلية تعطي استجابة على هيئة تقلص لتنبيهات التيارات الكهربائية بعد الوفاة. وأنه يلاحظ استمرار تدرج الخصية في النمو المتتابع من خلية الخصية الأولية غير المميزة إلى أن تصل في نضوجها إلى الحيوان المنوي الإنساني المميز بعد الوفاة لمدة بضع ساعات.
وإن خلايا الكبد تستمر في تخزين السكر العادي إلى جليوكوجين بعد الوفاة بساعات إلى أن يتم نهوكها وتفقد الحياة. (٢)
وهذا الذي يذكره الأطباء ويعبرون عنه بالموت الجزيئي يعبر عنه الفقهاء بآثار الحرارة الغريزية التي تبقى عقب مفارقة الروح البدن (٣) فتبقى بعض التفاعلات نتيجة تلك الحرارة الغريزية ثم لا تلبث أن تنطفئ.
стр. 1437
الأحكام الفقهية المترتبة على الموت:
نبحث تحت هذا العنوان ثلاث مسائل وهي الإرث. العدة. الجناية.
المسألة الأولى: الإرث.
من شروط الميراث يشترط في الإرث شروطًا منها:
أولًا: موت المورث حقيقة أو حكمًا أو تقديرًا. الموت الحقيقي معروف وهو ما سبق الكلام عليه، أما الموت الحكمي فكما في المفقود والغائب الذي انقطع خبره ولم تعلم حياته ولا موته فيرفع أمره إلى القضاء فيقضي القاضي بموته بشروط لا محل لبحثها في هذه العجالة. والموت التقديري فكما لو كانت امرأة حاملًا فضربها إنسان على بطنها فأسقطت جنينًا ميتًا فإن الجنين الميت يورث عنه مع أنه من الجائز أن يكون الجنين قد مات قبل الضرب.
ثانيًا: أن يكون الوارث حيًا في الوقت الذي مات فيه المورث حياة حقيقية أو تقديرية الحياة الحقيقية معروفة بالمشاهدة أما الحياة التقديرية فكما في الحمل يكون في بطن أمه في الوقت الذي يموت فيه أبوه حتى ولو كان علقة أو مضغة لم تدب فيها الحياة. (١)
ميراث من وصل إلى حركة المذبوح بالجناية عليه:-
نص الشافعية في كتبهم على أن من وصل إلى حركة مذبوح بأن لم يبق فيه إبصار ونطق وحركة اختيار بالجناية عليه أعطي حكم الأموات مطلقًا فيجوز تجهيزه ودفنه ويجوز تزوج زوجته وحينئذ إذا انقضت عدتها كأن ولدت عقب صيرورته إلى هذه الحالة وأنه لا يرث من مات عقب هذه الحالة وتقسم تركته قبل موته. (٢)
واختلف علماء المالكية على أقوال فيمن وصل إلى حركة المذبوح.
القول الأول: يرث ويورث.
القول الثاني: لا يرث ولا يورث. (٣)
стр. 1438
المسألة الثانية: العدة
العدة تجب من وقت وفاة الزوج حقيقة أو حكمًا وقد سبق بيان الموت الحقيقي والحكمي ويقصد بالموت الحكمي الغائب الذي قضى القاضي بوفاته طبق الشروط المنصوص عليها، بقي مسألة واحدة وهي من وصل إلى حركة مذبوح بالجناية عليه فقد نص الشافعية على اعتباره كالميت في سائر الأحكام فيجوز تجهيزه ودفنه وتزوج زوجته إذا انقضت عدتها بالوضع وأنه لا يرث من مات وهو في هذه الحالة وتقسم تركته.
الجناية على منفوذ المقاتل:
نص الفقهاء على أنه لو أجهز شخص على منفوذ المقاتل من غيره فلا يقتص إلا من الأول (١) هذه عبارة خليل الخرشي من المالكية ووضح هذه العبارة العلامة العدوي في هامشه بقوله: "أشار أبو الحسن لهذه الأقوال فقال: لو أجهز شخص على منفوذ المقاتل من غيره فقيل: يقتل به الأول ولا يرث ولا يورث، والثاني يقتل به الثاني ويرث ويورث، والثالث يقتص منه الأول ويرث ويورث وهو أحسن الأقوال، وفي سماع أبي زيد أنه يقتل به الثاني ولا يكون على الأول إلا الأدب لأنه من جملة الأحياء ويرث ويورث إلى أن قال: ولو قيل يقتلان به جميعًا لأنهما قد اشتركا في قتله لكان له وجه. (٢)
ونص الشافعية على أن من أوصله جان إلى حركة مذبوح بأن لم يبق فيه إبصار ونطق وحركة اختيار ثم جنى آخر عليه فالأول قاتل لأنه سيره إلى حالة الموت ومن ثم أعطي حكم الأموات مطلقًا ويعزر الثاني لهتكه حرمة ميت، وعلق الشبراملسي في حاشيته على قوله ومن ثم أعطي حكم الأموات جواز تجهيزه ودفنه –وفيه بعد- وأنه يجوز تزوج زوجته حينئذ إذا انقضت عدتها. كأن ولدت عقب صيرورته إلى هذه الحالة وأنه لا يرث من مات عقب هذه الحالة ثم عقب بقوله "ولا يعد أيضًا على قياس ذلك أنه تقسم تركته قبل موته". (٣) ويقاس على من ذكر من تعاطي السم فوصل إلى حركة المذبوح في الأحكام المشار إليها. (٤)
стр. 1439
الفرق بين من وصل إلى حركة مذبوح لمرض وبين من وصلها لجناية عليه.
فرق الفقهاء بين الحالتين ونصوا على أن من وصل إلى حركة المذبوح وهو الذي لا يبقى معه سمع ولا إبصار ولا حركة اختيار (١) بالأسباب العادية من غير جناية عليه كمرض ونحوه قال الإمام النووي في المنهاج: ولو قتل مريضًا في النزع وعيشة عيش مذبوح وجب بقتله القصاص "قال في الشرح: لأنه قد يعيش بخلاف من وصل بالجناية إلى حركة مذبوح" قال العلامة عميرة في حاشيته: وعبارة الإمام لو انتهى إلى سكرات الموت وبدت أمارته وتغيرت أنفاسه لا يحكم له بالموت بل يلزم قاتله القصاص وإن كان يظن أنه في مثل حالة المقدور –أي من قد نصفيه بالجناية عليه- ويفرق بين المريض الذي انتهى إلى سكرات الموت وبين المجني عليه فإن المريض لا تشرع زوجته في العدة ولا تنتهي عدتها لو ولدت حينئذ ولا تجب مؤنة تجهيزه ولا يجوز تجهيزه ولا تصح الصلاة عليه ولا يجوز دفنه ولا ينتقل ماله للوارث بخلاف الجريح" (٢)
ومحصل ذلك أنه من وصل إلى حركة مذبوح ولو لم يمت بعد بالجناية عليه أو بانتحاره بشرب سم ونحوه يجوز الاستفادة من أعضائه وكذلك يجوز إيقاف الأجهزة الطبية عنه بخلاف من وصل إلى حركة مذبوح بالأسباب العادية كمرض ونحوه فإنه لا يجوز الاستفادة من أعضائه إلا بالموت الحقيقي؛ لأن الأول في حكم الميت من سائر الوجوه بخلاف الحالة الأخيرة وقد نص الفقهاء على جواز الاستفادة من عظم الميت للعلاج كما نص على جواز أكل لحمه في حالة الاضطرار إن لم يجد ما يأكله من ميتة ونحوها. (٣) ومن الفتاوى الحديثة الصادرة عن لجنة الفتوى بالأزهر والمنشورة بالمجلد العشرين عدد شعبان ١٣٦٨هـ تحت عنوان: نقل الدم وحاسة البصر، وهذه صيغة السؤال وجوابه "أتشرف بأن أطلب بيان حكم الله تعالى في هاتين المسألتين وذلك لأهمية ذلك حيرا عندنا في تونس ".
- نقل الدم للمسلم المريض المحتاج من شخص غير مسلم.
стр. 1440
٢- الانتفاع بجزء من عين شخص متوفي لرد بصر شخص آخر حي.
الجواب:-
"الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيد المرسلين وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين".
أما بعد. فقد اطلعت اللجنة على الاستفتاء وتفيد بأن الله تعالى قال في كتابه الكريم ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ وقال سبحانه في آية أخرى ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ وفي آية أخرى ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ .
وهذه الآيات الكريمة تفيد أنه إذا توقف شفاء المريض أو الجريح وإنقاذ حياته على نقل الدم إليه من آخر بألا يوجد من المباح ما يقوم مقامه في شفائه وإنقاذ حياته جاز نقل الدم إليه بلا شبهة ولو من غير مسلم، وكذلك إذا توقفت سلامة عضو وقيام هذا العضو بما خلقه الله له على ذلك جاز نقل الدم إليه، أما إذا لم يتوقف أصل الشفاء على ذلك ولكن يتوقف عليه تعجيل الشفاء فنصوص الشافعية تفيد أنه يجوز نقل الدم لتعجيل الشفاء، وهو وجه عند الحنفية فقد جاء في الباب الثامن عشر من كتاب الكراهية من الفتاوى الهندية ما نصه" يجوز للعليل شرب الدم والبول وأكل الميتة للتداوي إذا أخبره طبيب مسلم بأن شفاءه فيه ولم يجد من المباح ما يقوم مقامه. وإن قال الطبيب بتعجيل شفائك فيه وجهان".
أما الجواب على السؤال الثاني: فقد أجاز كثير من متأخري علماء الشافعية جبر المنكسر من عظم إنسان حي بعظم إنسان ميت إذا لم يمكن جبره بغيره. وقياسًا على هذا ترى اللجنة جواز نقل جزء من عين الميت لإصلاح عين الحي إذا توقف على ذلك إصلاحها وقيامها بما خلقها الله له"
هذا هو ما قضت به اللجنة والله الهادي إلى سواء السبيل
رئيس لجنة الفتوى
"عبد المجيد سليم"
هذا ما عَنَّ لنا تدوينه في هذه العجالة والله ولي التوفيق وهو حسبنا ونعم الوكيل.