السلع التي يجري فيها السلم
الأصل في السلم أن يكون في الثمار، لأنها هي التي جاء ذكرها في الأحاديث الصحيحة، ولكن الفقهاء توسعوا في السلع التي يجوز فيها السلم، والضابط لهذا الموضوع هو: كل مال يجوز بيعه، ويمكن ضبط صفاته، ويثبت دينا في الذمة، يجوز السلم فيه، وكل مال لا يجوز بيعه، أو لا يمكن ضبط صفاته، أو لا يثبت دينا في الذمة، لا يجوز السلم فيه.
وتطبيقا لهذا الضابط يجوز السلم في كل ما يكال، أو يوزن، بإجماع الفقهاء، لحديث ابن عباس، ويجوز أيضا في الذرعي، والعددي المتقارب، قياسا على ما يثبت بالنص؛ لأنه في معناه.
ويذكر الفقهاء أمثلة كثيرة لما يجوز السلم فيه، وأمثلة لما لا يجوز السلم فيه، يتفقون في كثير منها، ويختلفون في بعضها، وسبب اختلافهم يرجع إلى اختلافهم فيما ينضبط بالصفة، وما لا ينضبط.
ويشترط ذكر جميع الأوصاف التي تختلف من أجلها الأثمان والأغراض، والأوصاف المتفق على وجوب ذكرها هي: الجنس، والنوع، والجودة، والرداءة، واختلف فيما عدا هذه الأوصاف، ويذكر الفقهاء أنواعا كثيرة من المسلم فيه، والأوصاف التي يجب ذكرها في كل نوع.
وواضح مما ذكرها الفقهاء أن الأوصاف يجب ذكرها في المسلم فيه تختلف باختلاف نوع السلعة، وما نص عليه الفقهاء من الأوصاف التي يجب ذكرها في كل نوع المقصود منه تعيين السلعة المسلم فيها تعيينا يمنع النزاع فيها، بحسب المعروف في زمانهم، فلا يجب علينا الالتزام به في زمننا، ما دامت السلعة قد وضعت بصفة معروفة تميزها عن غيرها.
وبناء على هذا فإن السلعة الواحدة ذات العلامات التجارية (الماركات) المتعددة تعتبر أصنافا متعددة، ويشترط فيها ذكر الماركة؛ لأن الماركة هي التي تميزها عن غيرها، وهو وصف يترتب عليه اختلاف الثمن والغرض، فيجب ذكره.
стр. 14072
كتابة عقد السلم
ورد الأمر بكتابة الدين في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ [البقرة: ٢٨٢] وسبب نزول هذه الآية هو سلم أهل المدينة، ولكنها تتناول جميع المداينات، والأمر بالكتابة أمر بالإشهاد، لأن الكتابة بغير شهود لا تكون حجة، وذهب بعض الفقهاء إلى أن كتب الديون واجبة بهذه الآية، وهو اختيار الطبري، وقال الجمهور: الأمر بالكتب ندب إلى حفظ الأموال وإزالة الريب.
أخذ رهن أو كفيل عن المسلم إليه
يجوز عند جمهور الفقهاء أن يأخذ المسلم من المسلم إليه رهنا، أو يطالبه بكفيل يضمن أداء ما عليه من دين السلم – المسلم فيه – لقوله تعالى في آية الدين: ﴿وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ [البقرة: ٢٨٣] .
وقال الحنابلة في رواية: لا يجوز أخذ الرهن ولا الكفيل في السلم، وهي الرواية التي اختارها الخرقي.
ورويت كراهة أخذ الرهن والكفيل عن بعض الصحابة.
стр. 14073
اشتراط قبض بضاعة قبل بيعها
يقول ابن قدامة: (أما بيع المسلم فيه قبل قبضه فلا نعلم في تحريمه خلافا) .
قلت: الخلاف موجود، فقد منع المالكية بيع المسلم فيه قبل قبضه إذا كان طعاما، وجوزوا بيعه قبل قبضه إذا لم يكن طعاما، سواء باعه المسلم من المسلم إليه، أو من غيره، إلا أنه إذا باعه من المسلم إليه، قبل الأجل، فلا يجوز أن يبيعه بأكثر من الثمن، الذي اشتراه به، وإنما يبيعه بمثل الثمن أو بأقل، ويقبض الثمن، وأما إذا باعه من غير المسلم إليه، فيجوز بيعه بأكثر من الثمن أو أقل منه، أو بمثله، إذا قبض.
هذا هو مذهب مالك، وما ذكره ابن قدامة من تحريم بيع المسلم فيه قبل قبضه هو رأي الجمهور، وهو الراجح عندي الذي ينبغي العمل به، بالنسبة لبيع المسلم فيه من غير بائعه؛ لأنه هو الذي تدل عليه الأحاديث الواردة في بيع ما لم يقبض.
والعلة في تحريم بيع المسلم فيه قبل قبضه هي الربا، والغرر الناشئ عن عدم القدرة على التسليم، وعدم دخول السلعة في ضمان المشتري.
وقد اختلف الفقهاء في المراد بالقبض فيما يمكن نقله وتحويله من مكان إلى آخر – المنقول – والذي أراه بالنسبة للمسلم فيه أنه إذا كان من المقدرات – وهذا هو الغالب فيه – فقبضه يكون باستيفاء قدره، وإذا كان من غير المقدرات يكون القبض ما يعتبره العرف قبضا، وذلك عملا بالأحاديث الصحيحة المصرحة بالأمر بالكيل فيما بيع بالكيل، وعملا بالعرف فيما لم يرد فيه نص.
ويتضح من هذا أنه لا يغني عن القبض التحقق من قدرة المسلم إليه على توفير السلعة عند حلول الأجل، ولا التأمين على السلعة المسلم فيها، ولا وجودها في مخازن عمومية منظمة، لأن قدرة المسلم إليه على تسليم السلعة عند حلول الأجل شرط لصحة عقد السلم، فلو كان المسلم إليه غير قادر على التسليم، أو شاكا فيه لا يصح العقد.
ووجود السلعة في مخازن عمومية منتظمة محقق للقدرة على التسليم وليس قبضا للمسلم فيه.
والتأمين على السلعة ضرب من الضمان، وليس قبضا.
الاستبدال بالمسلم فيه
لا يجوز عند الحنفية والشافعية والحنابلة أن يأخذ المسلم غير ما أسلم فيه بدلا عنه قبل قبضه، ويجوز عند المالكية قضاء المسلم فيه بغير جنسه، سواء أكان القضاء قبل الأجل، أو بعده، بشرط ألا يكون المسلم فيه طعاما ليسلم من بيع الطعام قبل قبضه، وأن يعجل البدل المدفوع لئلا يكون من فسخ الدين في الدين، وأن يكون سلم رأس المال في المدفوع من غير الجنس صحيحا.
وأرى جواز الاستبدال سواء أكان المسلم فيه طعاما أم غير طعام لشرطين:
الأول: أن يكون البدل صالحا لأن يجعل مسلما فيه لرأس مال المسلم؛ لأن البدل سيحل محل المسلم فيه فيشترط فيه ما يشترط في المسلم فيه.
والثاني: ألا يكون البدل أكثر من المسلم فيه لئلا يربح المسلم مرتين.
السلم المتوازي
السلم المتوازي في رأيي، هو حيلة لبيع المسلم فيه قبل قبضه، وهي حيلة ولا تخلو من شبهة الربا التي أشار إليها ابن عباس بقوله في بيع الطعام قبل قبضه: ذاك دراهم بدراهم والطعام مرجأ، وبخاصة إذا اتخذ هذا الأسلوب من السلم المتوازي بقصد التجارة الربح، وتكرر السلم المتوازي للمعاملة الأولى، ويدخله مانع آخر هو الضرر الذي يصيب المستهلك من ارتفاع سعر السلعة قبل أن تصل إليه بسبب انتقالها لأكثر من تاجر.
ولهذا فإني أرجح منع هذه المعاملة.
стр. 14074
إصدار سندات سلم قابلة للتداول
لا يجوز إصدار سندات سلم قابلة للتداول، لأن هذا سيؤدي حتما إلى بيع المسلم فيه قبل قبضه، سواء أكان المسلم فيه طعاما، أم غير طعام، غير أنه إذا كان المسلم فيه طعاما فالمنع يكون بإجماع الفقهاء، للأحاديث الصحيحة الواردة في منع بيع الطعام قبل قبضه.
وإذا كان المسلم فيه غير طعام، فقد رأينا الجمهور يمنعون بيعه قبل قبضه، ولو كان لمرة واحدة فكيف إذا تداولته الأيدي. أما المالكية فإنهم يجوزون للمسلم أن يبيع المسلم فيه قبل قبضه إذا لم يكن طعاما، ولكنهم لم يجوزوا لمن اشترى منه أن يبيع ما اشتراه قبل قبضه، فإصدار سندات سلم قابلة للتداول لا يجوز عند الأئمة الأربعة.
عجز البائع عن تسليم البضاعة عند حلول الأجل في السلم ومشروعية الشرط الجزائي عن تأخير تسليم البضاعة
إذا عجز البائع عن تسليم البضاعة في السلم عند حلول الأجل فإن كان عجزه سببه عدم وجود السلم فيه، فإن المشتري يخير بين الانتظار إلى أن يوجد المسلم فيه، وفسخ العقد وأخذ الثمن عند جمهور الفقهاء، وهو المعمول به عندنا في السودان.
أما إذا كان العجز عن التسليم سببه إعسار المسلم إليه فالواجب انتظاره إلى الميسرة، والخير في التصدق عليه.
وأما إذا كان عدم التسلم سبب امتناع المسلم إليه عن التسليم مع يساره، فإن حكمه حكم المدين المماطل الذي أصدر فيه مجمع الفقه الإسلامي قرارا بعدم جواز اشتراط التعويض في حالة التأخير عن الأداء، وإذا كان اشتراط التعويض لا يجوز، فإن الشرط الجزائي عن التأخير في تسليم المسلم فيه لا يجوز من باب أولى.
стр. 14075
تطبيقات السلم في المصارف
عقد السلم يمكن أن يطبق في مجالات عديدة، ويكون بديلا شرعيا للتمويل بالقرض بفائدة في كل المجالات التي يحتاج فيها إلى التمويل: المجال الزراعي، والصناعي، والتجاري، ويحقق مصلحة الممول – المسلم إليه – بإمداده بالمال اللازم له في زراعته وصناعته، وتجارته، ويحقق مصلحة الممول – المسلم – في الحصول على السلعة التي يريدها بأثمان رخيصة ومشروعة، تمكنه من الربح الحلال.
وتستطيع البنوك الإسلامية أن تتعامل بعقد السلم في جميع المجالات التي يحتاج فيها المتعامل معها إلى تمويل، ولكن الواقع أن البنوك الإسلامية، وبخاصة عندنا في السودان، لم تطبق صيغة السلم في استثماراتها إلا في المجال الزراعي.
وتعامل السودانيين بعقد السلم كان معروفا قبل وجود البنوك، بين المزارعين والتجار، ولما قامت البنوك أخذت تمول المزارعين بطريق القرض بفائدة، ولما منعت الدولة البنوك من التعامل بالفائدة، وكان من بين تلك البنوك البنك الزراعي، وهو بنك حكومي متخصص، وهو الممول الأول للمزارعين طلب من هيئة الرقابة الشرعية البديل، فقدمت له عقد السلم المرفق مع البحث.
стр. 14076
المشاكل التي تصاحب التعامل بعقد السلم
لعل أهم مشكلة تعترض التعامل بعقد السلم هي تحديد الثمن، وعلى الرغم من أن السعر في تعامل البنوك في السودان مع المزارع تحدده لجنة من اتحاد المصارف واتحاد المزارعين، قد يرتفع السعر عند حلول الأجل، فيقع النزاع بين الطرفين، وقد حدث هذا أكثر من مرة فعالجته هيئة الرقابة الشرعية بإدخال البند الثامن في عقد السلم – بند إزالة الغبن – الذي وافق عليه المزارعون والبنوك.
والمشكلة الثانية هي مشكلة عدم تمكن المزارع من الوفاء بالتزاماته، بسبب شح المحصول، وقد وضع البند السابع في عقد السلم لحلها.
والمشكلة الثالثة هي عدم وفاء المزارع بالتزاماته مع يساره، ووجود المحصول، وقد وضعت الهيئة البند الخامس في العقد لعلاج مثل هذه الحالات.
د. الصديق محمد الأمين الضرير
стр. 14077
السلم
وتطبيقاته المعاصرة
إعداد
د. محمد عطا السيد سيد أحمد
ممثل جمهورية السودان
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
السلم وتطبيقاته المعاصرة
السلم والسلف عبارتان عن معنى واحد (١) وقد تعددت عبارات الفقهاء في تعريف عقد السلم ولكن جميعها لا تخرج عن تعريف شامل وهو: بيع آجل بعاجل. أما ذكرهم لموصوف في الذمة (٢) ، أو ثمن مقبوض بمجلس العقد فيرد في تفصيلهم لشروط صحة عقد السلم.
ويتكون عقد السلم من:
١- الثمن العاجل وهو رأس مال السلم.
٢- وصاحب الثمن هو المسلم.
٣- المسلم فيه وهو المبيع الآجل.
٤- المسلم إليه وهو الملتزم بالمبيع الآجل.
والأصل في السلم قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ [البقرة: ٢٨٢] قال القرطبي في تفسيره: (قال ابن عباس: هذه الآية نزلت في السلم خاصة. معناه أن سلم أهل المدينة كان سبب الآية، ثم هي تتناول جميع المداينات إجماعا) (٣) .
وأما السنة فقد أخرج الأئمة الستة في كتبهم الحديث عن ابن عباس في جواز عقد السلم نصا، وإليك رواية الإمام البخاري عن ابن عباس ﵄ قال: (قدم رسول الله ﷺ المدينة والناس يسلفون في التمر العام والعامين أو قال: عامين أو ثلاثة شك اسماعيل، فقال رسول الله ﷺ : ((من سلف في تمر فليسلف في كيل معلوم ووزن معلوم)) (٤) ، وذكر البخاري الحديث عن ابن عباس أيضا وفيها: ((في كيل معلوم ووزن معلوم إلى أجل معلوم)) (٥) .
стр. 14078
وروى البخاري ﵁ عن ابن أبي أوفى ﵁ أنه قال: (كنا نسلف على عهد رسول الله ﷺ وأبي بكر وعمر في الحنطة والشعير والزبيب والتمر (١)) وذكر في رواية بعدها الزيت (٢) .
ومع أن السلم بيع معلوم في الذمة غائب إلا أن الفقهاء أجمعوا على جوازه لورود النص الصحيح بذلك واعتبر استثناء من نهيه ﷺ عن بيع ما ليس عندك.
والسبب في الاستثناء ضرورة كل واحد من المتبايعين (بأن صاحب رأس المال محتاج إلى أن يشتري التمرة، وصاحب التمرة محتاج إلى ثمنها قبل إبانها لينفقه عليه، فظهر أن بيع السلم من المصالح الحاجية، وقد سماه الفقهاء بيع المحاويج) (٣) .
وإليك الآن شروط السلم فيما يتعلق بالمسلم فيه:
١- أن يكون المسلم فيه دينا في الذمة وهذا لا إشكال فيه لأن المسلم أصلا نوع من المداينة. ولكن اختلفوا فيما إذا كان من شروط السلم أن يكون المسلم إليه مالكا للمسلم فيه. اشترط أبو حنيفة وجود المسلم فيه في الأسواق من حين العقد إلى حين الأجل مخافة أن يحين أجل تسليم المسلم فيه فلا يوجد فيكون ذلك غررا. وخالفه سائر الفقهاء وقالوا: المراعى وجوده عند الأجل.
٢- أن يكون المسلم فيه موصوفا وصفا كافيا، والوصف إنما يكون بالمتعارف عليه بين الناس في كل بلد فمثلا التمر إذا أسلم فيه فلا بد من بيان نوعه وإلا كان العقد فاسدا، وكذلك إذا أسلم في بلد فيه أنواع من الحنطة فلا بد من تعيينها. جاء في المدونة الكبرى: قل: أرأيت إن أسلف في تمر ولم يبين صيمانيا من برني ولا جعرورا ولم يذكر جنسا من التمر بعينه، قال: السلف فاسد في قول مالك، قلت: فإن أسلف في تمر برني ولم يقل جيدا ولا رديئا، قال: يكون فاسدا في قول مالك، حتى يصف، قلت: وكذلك الحنطة، قال: ولا تكون إلا على صفة فإن لم يصف فهو فاسد (٤) .
стр. 14079
٣- أن يكون المسلم فيه مقدرا والتقدير إنما يكون من ثلاثة أوجه إما كيلا أو وزنا أو عدا وذلك ينبني على عرف الناس في كل بلد.
فمثلا التفاح والجوز فإن كانوا يعدونه فيعد وإن كانوا يأخذونه وزنا فيوزن. جاء في المدونة الكبرى وصفا جميلا لهذه المسألة: قلت: كيف يسلف في الجوز في قول مالك، قال: قال مالك يسلف لصفة أي يصف الجوز، قال: ومعنى ما رأيت في قوله أنه يراه عددا، قال ابن القاسم: وإن كان الجوز مما يسلف الناس فيه كيلا فلا بأس به، قلت: ولا بأس بالسلف في الجوز في قول مالك عددا أو كيلا، قال: سمعت مالكا يقول: لا بأس بذلك، قال: وقال مالك: ولا بأس ببيع الجوز جزافا، قال: وقال مالك: لا يسلف في البيض إلا بصفة، قلت: ولا بأس بالسلف في البيض عددا، قال: نعم (١) .
٤- وقريب من الشرط الثالث اختلافهم في ذكر موضع القبض فيما له حمل ومؤونة كالحنطة والشعير والتمر. اشترط أبو حنيفة في جواز السلم بيان مكان الإيفاء. وخالفه صاحباه والمالكية والحنابلة وطائفة من العلماء وقالوا: إن موضع القبض ليس من الشروط للأحاديث الصحيحة التي وردت وليس فيها ذكر المكان الذي يقبض فيه السلم ولو كان من شروطه لبينه النبي ﷺ كما بين الكيل والوزن والأجل (٢) .
стр. 14080
٥- وقريب من هذا الذي ذكر رأي كثير من الفقهاء أن من أسلف في شيء فلا يصرفه إلى غيره مستندين على حديث ((من أسلف في شيء فلا يأخذ إلا من أسلف أو رأس ماله)) وفي رواية: ((من أسلم في شيء فلا يصرفه إلى غيره)) (١) .
ويبدو أن المالكية لا يأخذون بإطلاق هذا الحديث. جاء في المدونة: قلت: أرأيت إن سلف في دجاج أو في أوز فلما حل الأجل أخذ منه مكان ذلك طيرا من طير الماء، قال: لا يجوز، قلت: فإن سلفت في دجاج فلما حل الأجل أخذت مكانها أوزا أو حماما، قال: لا بأس بذلك، قلت: لم جوز مالك إذا سلفت في دجاج أن آخذ مكانها إذا حل الأجل أوزا أو حماما ولم يجوز لي إذا سفلت في دجاج أن آخذ مكانها إذا حل الأجل طيرا من طير الماء؟ قال: لأن طير الماء إنما يراد به الأكل وإنما هو لحم وإنما نهى مالك من وجه أنه لا يباع الحيوان باللحم، قال أشهب: هو جائز ... وكذلك العروض كلها ما خلا الطعام والشراب فإن الطعام والشراب إذا أسلفت فيهما لم يصح أن تبيعهما من صاحبهما ومن غير صاحبهما الذي عليه الطعام حتى تستوفي الطعام إلا أن تأخذ من صنفه أو من جنسه من الذي عليه الطعام إذا حل أجله ... قال: وأخبرني عن الليث بن سعد عن ربيعة أنه قال في رجل أسلف صيادا دنانيرا على صنف من الطير كل يوم كذا وكذا طائر فجاءه فلم يجد عنده من ذلك الصنف شيئا ووجد عنده عصافير فأعطاه عشرة عصافير بطائر واحد مما اشترط عليه، قال ربيعة: عشرة من الطير بواحد حلال وأنا أرى ذلك حلالا كله السلف للصياد وعشرة بواحد (٢) .
стр. 14081
٦- أن يكون المسلم فيه مؤجلا. وهذا الشرط اتفق عليه الحنفية والمالكية والحنابلة شرطا لصحة السلم للحديث: ((من أسلف في شيء)) فهذا الحديث أمر بالأجل وهو من طبيعة بيع السلم الذي استثني من القاعدة العامة وأجيز رفقا بالناس ومراعاة لضرورتهم (١) . ثم إنه لو كان حالا ولم يكن المسلم فيه عند المسلم إليه من باب بيع ما ليس عندك. وعلل المالكية ذلك تعليلا جيدا فقالوا في المدونة: وحتى لو كانت العين قائمة موجودة فلا يجوز السلم فيها وإن ضرب لذلك أجلا لأن في ذلك غررا لا يدري أتبلغ السلعة إلى ذلك الأجل أما لا وهو يقدم نقده فينتفع صاحب تلك السلعة بالنقد حتى ولو هلكت العين قبل الأجل ووصولها إلى مشتريها وهذا مخاطرة وغرر (٢) . وقال الشافعي: يصح السلم حالا ومؤجلا وهو حال أبعد عن الغرر وأن المراد في الحديث ((إلى أجل معلوم)) هو علم المتعاقدين بالأجل لا اشتراطا لوجود الأجل نفسه (٣) . واتفق الفقهاء أن عدم تحديد الأجل يفسد البيع وقال في المدونة: إنه بيع حرام. قلت: أرأيت إن اشتريت دابة أو بعيرا بطعام موصوف ولم أضرب له أجلا أو ثيابا موصوفة ولم أضرب لها أجلا وليس شيء مما اشتريت به البعير أو الدابة عندي، أيجوز ويكون شرائي البعير أو الدابة مضمونا إلى اجل أو يكون نقدا، قال: هذا بيع حرام لا يجوز أن يكون مضمونا إلى غير أجل وهو بيع ما ليس عندك، قلت: أرأيت إن أسلمت إلى رجل في مئة أردب تمر مئة دينار: خمسين أعطيتها إياه وخمسين أجلني بها، قال: قال مالك لا يجوز هذا وينتقض جميع السلم، قلت: فإن سلفت في طعام ولم أضرب لرأس المال أجلا فافترقنا قبل أن أقبض رأس المال، قال: هذا حرام إلا أن يكون على النقد (٤) .
واختلف الفقهاء في مدة أجل السلم وسئل مالك ﵁ عن الرجل يبتاع الطعام إلى يوم أو يومين مضمونا عليه يوفيه إياه، فقال: لا يصح إلا إلى أجل أبعد من هذا وحتى لو كان ثيابا لا خير فيه إلا إلى أجل بعيد (٥) .
стр. 14082
وذكر مالك عن الليث بن سعد يذكر عن سعيد بن المسيب أنه سئل عن رجل أسلف رجلا في طعام مضمون إلى يوم أو يومين أو ما أشبهه فقال سعيد إلا إلى أجل ترتفع فيه الأسواق وتنخفض، ولم يحدد أجلا لهذا الارتفاع والانخفاض ولكن الرأي في المدونة إلى مناسبة الخمسة عشر يوما والعشرين يوما (١) . وأجاز المالكية اليومين والثلاثة إذا كان المسلم فيه في بلد آخر ويحتاج الوصول إليه وتسليمه من بلد العقد مدة اليومين والثلاثة. وانفرد الإمام مالك دون الفقهاء بجواز السلم في ثمار القرى العظام مثل خيبر ووادي القرى وذي المروة وما أشبهها من القرى فلا بأس أن يسلف قبل إبان الثمر ويشترط أن يأخذ ذلك تمرا في أي الإبان شاء ويشترط أن يأخذ ذلك رطبا في إبان الرطب أو بسرا في إبان البسر (٢) .
وأورد القرطبي آراء الفقهاء في هذه المسألة فقال: (لا خلاف بين العلماء أن من باع معلوما من السلع بثمن معلوم إلى أجل معلوم من شهور العرب أو إلى أيام معروفة العدد أن البيع جائز) . وكذلك قالوا في السلم إلى الأجل المعلوم. واختلفوا في من باع إلى الحصاد أو إلى الدياس أو إلى العطاء وشبه ذلك، فقال مالك: ذلك جائز لأنه معروف، وبه قال أبو ثور. وقال أحمد: أرجو ألا يكون به بأس. وكذلك إلى قدوم الغزاة. وعن ابن عمر أنه كان يبتاع إلى العطاء. وقالت طائفة: ذلك غير جائز لأن الله تعالى وقت المواقيت وجعلها علما لآجالهم في بياعاتهم ومصالحهم. كذلك قال ابن عباس، وبه قال الشافعي والنعمان. قال ابن المنذر: قول ابن عباس صحيح (٣) . أما عن أقصى الأجل فقد ورد الحديث الصحيح الذي رواه الأئمة عن ابن عباس ﵄ قال: قدم النبي ﷺ المدينة وهم يسلفون بالثمر السنتين والثلاث فقال: ((من أسلف في شيء ففي كيل معلوم ووزن معلوم إلى أجل معلوم)) (٤) .
٧- وجود المسلم فيه وانقطاعه عن الأسواق:
أ - يتفق الفقهاء أن السلم جائز فيما لا ينقطع من أيدي الناس (تسلف فيه متى ما شئت في أي إبان شئت، واشتراط أخذ ذلك في أي إبان شئت في قول مالك) (٥) .
стр. 14083
ب - أما إذا كان المسلم فيه مما ينقطع عن أيدي الناس في موسم معين كالفواكه مثلا فلا يجوز عقد السلم فيه عند أكثرهم إلا إذا طاب أول ذلك الذي أسلف فيه وذلك معلوم في الفواكه مثل التفاح والرمان والسفرجل والقثاء والبطيخ والشمام وما أشبه ذلك من الفاكهة الرطبة التي تنقطع من أيدي الناس.
ج- وكذلك السلم في الحنطة فلا يصح السلم فيها حتى تشتد في أكمامها أو حتى تيبس، وقال مالك: بلغنا أن رسول الله ﷺ قال: ((لا تبيعوا الحب حتى يشتد في أكمامه)) وقال: وحدثني عن ابن وهب عن إسماعيل بن عياش أن رسول الله ﷺ نهى أن يشترى الحب حتى يبيض. وعن ابن سيرين قال: لا تبيعوا الحب في سنبله حتى يبيض. وعن بعضهم: لا يسلف في زرع حتى ينقطع عنه شرب الماء وييبس. قال ابن وهب: سمعت مالكا يقول: لا يباع الحب حتى ييبس وينقطع عنه شرب الماء حتى لا ينقصه الشرب (١) .
وهذا الذي استندوا عليه من أحاديث النبي ﷺ صحيح رواه الأئمة ولكن كان ذلك في المبايعة العادية وقد وضحت ذلك في رواية الدارقطني عن زيد بن ثابت كان يقول: كان الناس في عهد رسول الله ﷺ يتبايعون الثمار، فإذا جد الناس وحضر تقاضيهم، قال المبتاع: إنه قد أصاب التمر مراق، وأصابه قشام، عاهات كانوا يحتجون بها، فقال رسول الله ﷺ لما كثرت عنده المعتومة في ذلك: ((أما لا فلا تبتاعوا حتى يبدو صلاح الثمر)) قال: كالمشورة يشير بها لكثرة حقوقهم (٢) .
والذي أراه أن هذا الشرط إنما يكون في البيع ويستثنى في السلم كما استثني عقد السلم من القاعدة العامة ويؤيد هذا ما جاء في الحديث الصحيح الذي رواه البخاري عن محمد بن أبي المجالد قال: بعثني عبد الله بن شداد وأبو بردة إلى عبد الله بن أبي أوفى ﵄ فقالا: سله، هل كان أصحاب النبي ﷺ في عهد النبي ﷺ يسلفون في الحنطة؟ قال عبد الله: كنا نسلف نبيط أهل الشام في الحنطة والشعير والزيت في كيل معلوم إلى أجل معلوم. قلت: إلى من كان أصله عنده؟ قال: ما كنا نسألهم عن ذلك، ثم بعثاني إلى عبد الرحمن بن أبزى فسألته فقال: كان أصحاب النبي ﷺ يسلفون على عهد النبي ﷺ ولم نسألهم ألهم حرث أم لا؟ (٣) .
стр. 14084
ولذلك أجاز الإمام مالك السلم في الحنطة الجديدة قبل الحصاد والتمر الجديد قبل الجداد ما لم يكن في زرع بعينه أو حائط بعينه. (١) . وهذا تحديد جميل من الإمام مالك ﵁. وأجاز أكثرهم السلف في الخضر والبقل قبل الإبان واشترط الأخذ في الإبان وأن يكون هذا بحزم معروفة أو بوزن معروف أو بحسب ما هو متعارف عليه في بلده. ولا يصح السلم عند المالكية بالفدادين أي المساحات المحددة لأن الناتج قد يكون أنواعا وقد يكون جيدا ورديئا (٢) .
٨- لا يصح السلم في الحيوان أو ما في بطونها للحديث عن ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ نهى عن السلف في الحيوان. وأجاز الإمام مالك في السلف في الحيوان مضمونا لا في حيوان بأعيانها ولا في نسلها وإن كانت موصوفة، لا في نسل غنم بأعيانها ولا في نسل بقر بأعيانها ولا في نسل خيل بأعيانها ولا في نسل إبل بأعيانها (٣) . أما السلم في اللحم والشحم وأجزاء الحيوان كالرؤوس والأكارع فيجوز بشرط أن يصف أنواعها ضأنا أو معزا أو بقرا وهكذا ومقاديرها (٤) . وأجازوا السلم في لحم الحيوان بالوزن والتحري المعروف.
جاء في المدونة:
قلت: فإن سلفت في لحم الحيوان كيف يكون السلم في قول مالك بوزن أم بغير وزن، قال: قال مالك إذا اشترط وزنا معروفا فلا بأس وإن اشترط تحريا معروفا بغير وزن فإن ذلك جائز، قال ابن القاسم: (ألا ترى أن اللحم يباع بعضه ببعض بالتحري والخبز أيضا يباع بعضه ببعض بالتحري فذلك جائز أن يسلف فيه بغير وزن إذا كان ذلك قدرا قد عرفوه) (٥) . ومن أن الحديث قد ورد بالنهي عن بيع اللبن في ضروع الأنعام (٦) . إلا أن الإمام مالكا أجازه في السلم بشرط أن يكون في إبان لبنها ويشترط الأخذ في إبانه قبل انقطاعه. فإن سلف في ألبانها قبل إبانها واشترط الأخذ في إبانه فلا يجوز، وهذه الغنم بأعيانها ولبنها إذا سلف في لبنها بمنزلة ثمر حائط بعينه إذا سلف فيه (٧) .
стр. 14085
٩- ويجوز السلم في المعادن كالحديد والنحاس والرصاص بوزن معروف إذا كان المعدن لا ينقطع عن أيدي الناس لكثرته في تلك المواضع فالسلف فيه جائز إذا وصفه وإلا فلا. (١) .
١٠- ويجوز السلم في العروض كلها كالعطور واللؤلؤ والجوهر والزجاج والحجارة والزرنيخ والحطب والخشب والجلود؛ لأنها عادة ما تكون في أيدي الناس ولا تنقطع كالثمار والفواكه ولكن لا بد من وضعها بما يلزم ويندفع به النزاع. (٢) . ولا يجوز السلم في تراب المعادن؛ لأن صفته غير معروفة ولا كمية ونوعية ما فيه من المعادن معروفة ولا بأس أن يشترى يدا بيد.
١١- ويجوز السلم في الحيتان بشرط ألا يكون نوعا معينا ينقطع في زمان معين، وكذلك يجوز السلم في الطير والدجاج والإوز والحمام.
الشروط التي يجب توفرها في رأس مال السلم:
١- يجب أن يكون رأس مال السلم وهو الثمن معلوم الجنس وهو بيان جنسه نقودا أو مكيلا أو موزونا ونوعيته إذا كانت هنالك أنواع مختلفة من الجنس الواحد في البلد الواحد والسبب هو دفع الجهالة التي تفسد البيع (٣) .
٢- وعند المالكية وأبي حنيفة وسفيان الثوري أن الثمن إذا كان دراهما فيجب أن يعلم وزنها وإلا لم يصح. وقال الصاحبان والشافعية والحنابلة في الأصح عندهم أن رؤية رأس المال تكفي عن معرفة قدره؛ لأنه عوض مشاهد كالثمن والمبيع المعين (٤) . ودقق المالكية فاشترطوا أن يكون الكيل بالمكيال الذي جعله الوالي للناس في الأسواق وهو الجاري بينهم يوم أسلف ويوم اشترى، فأما الرجل يسلف ويشتري ويشترط مكيالا قد ترك وأقيم للناس غيره ولا يعرف قدره ولا معياره من هذا المكيال الجاري بين الناس فإن ذلك لا يجوز وهو مفسوخ (٥) .وعليه فكما أوجبنا في المسلم فيه أن يكون معلوم الكيل والوزن والعدد وما إلى ذلك فيجب أن يكون الثمن كذلك بما يحدد قدره بما هو متعارف عليه بين الناس في كل بلد.
стр. 14086
٣- ويرى الأئمة أن رأس مال السلم يجب أن يكون على النقد واشترط الحنفية والشافعية والحنابلة القبض في مجلس العقد وإلا بطل السلم وفسخ وحتى لو كان الثمن دينا في الذمة فلا بد من تسليمه أيضا في مجلس العقد ويعللون ذلك بأن القرض من عقد السلم أساسا هو الاستعانة برأس المال على الإنتاج والتحصيل فلا بد من تسليمه فورا، وثانيا لو لم يسلم رأس مال السلم لكان العقد كله دينا في دين وقد نهى رسول الله ﷺ عن بيع الكالئ بالكالئ. (١) . وعند الإمام مالك لا بأس إن افترقا قبل أن يقبض رأس المال إذا قبضه بعد يوم أو يومين أو نحو ذلك. (٢) . وعنده لا يصح العقد إذا لم يذكرا أجلا أو ضربا أجلا بعيدا أو كان بعضه حاضرا وبعضه دينا (٣) .
٤- ويجوز أن يكون رأس مال السلم نقودا أو طعاما أو حيوانا وما إلى ذلك ولكن المالكية لا يجيزون عقد السلم إذا كان رأس المال والمسلم فيه من جنس واحد تماما ولذلك لم يجيزوا الثوب بالثوبين إلا إذا اختلفت الثياب كفسطاطية معجلة في مروية مؤجلة فهذا يجوز (٤) . وقالوا: لا بأس الجمل بالجمل مثله وزيادة دراهم: الجمل بالجمل يدا بيد والدراهم إلى أجل، أما إذا كان أحد الجمال نسيئة فهو ربا وإن أقرت الجمل والدراهم فلا خير في ذلك وذلك أن هذا يكون ربا؛ لأن كل شيء أعطيته إلى أجل فرد إليك مثله وزيادة فهو ربا ونسبوا هذا الرأي لعطاء بن أبي رباح. (٥) .
ولا يجيز المالكية تسليف الحنطة في الحنطة مثلها ولا الجيدة في الحنطة الرديئة ولا حنطة في شعير في حنطة إلى أجل. قال مالك: ذلك حرام لا يحل للحديث ((البر بالبر ربا إلا هاء وهاء)) (٦) . وأجاز مالك ذلك على وجه المعرفة فالسلف جائز إلى أجله وليس له أن يأخذ منه قبل محل الأجل وهذا عند مالك ﵁ قرض إلى أجل أما على وجه المنفعة والمبايعة فلا. (٧) . وأجاز الحنطة في الحشيش الذي تأكله البهائم للاختلاف بينهما (٨) . وهذا الذي ذهب إليه المالكية ووافقهم فيه الحنفية (٩) .
стр. 14087
وأثبت الفقهاء خيار العيب وخيار الرؤية في رأس مال السلم إذا كان عينا مشخصة ولا يثبتون خيار الرؤية في المبيع وهو المسلم فيه لأن الأصل فيه أنه غائب ويثبتون خيار العيب وهو من الخيارات التي أثبتها الشارع ضمنا إلا إذا رضي المشتري بالعيب مقدما أو قبل أخذ العين كما هي أو على ما تكون عليه بنسبة اختلاف الطقس.
وبما أن خيار الشرط على خلاف الأصل والقياس وإنما أثبته الشارع استثناء لفائدة في البيوع الناجزة المعجلة فلا يقاس عليها غيرها ولذلك ذهبوا إلى أن يكون عقد السلم باتا ليس فيه خيار شرط لأحد العاقدين أو غيرهما.
الاستفادة من عقد السلم في وقتنا الحاضر:
أولا: اشتهر عالمنا اليوم بالصناعات والتطور الهائل في التكنولوجيا، فمعظم الشركات تصنع أشياء وتعرضها للبيع في الأسواق ولكن في كثير من الأحيان تطلب بعض الدول أو بعض المؤسسات الكبيرة أشياء معينة بمواصفات معينة لأغراض معينة وكثير من الشركات قد تطلب الثمن مقدما لتستعين به في إتمام ما طلب عمله فيدفع الثمن على أن يصنع الشيء كما وصف تماما وهذا هو السلف في الصناعات ويصح ويلزم إذا انطبقت عليه الشروط التي ذكرناها آنفا.
ومما ذكره المالكية على وجه الخصوص هنا هو أن لا يشترط أن يصنع المسلم فيه رجل بعينه فلا يصح لأنه قدم نقده وهو لا يضمن أيسلم الرجل إلى ذلك الأجل، أم لا، فهذا من الغرر لأن الرجل إذا مات قبل ما اتفق على صناعته يكون المسلم إليه قد انتفع بالثمن باطلا (١) .ولا أن يشترط عليه أن يصنع المسلم فيه من مادة قد أراه إياها لأنه لا يدري أتسلم تلك المادة إلى ذلك الأجل أم لا وهو من الغرر أيضا (٢) .
وفائدة عقد السلم في الصناعات إذا خلا من الشروط الفاسدة تعظم جدا إذا علمنا أن الخلاف بين الفقهاء كبير في لزوم عقد الاستصناع أو عدم لزومه، وعقد السلف في الصناعات لازم بغير خلاف.
стр. 14088
ثانيا: تظل فائدة عقد السلم التي ارتأتها حكمة الشارع يوم أن أجازه استثناء باقية أبد الدهر وهي احتياج البائع للثمن ليستعين به على إخراج المسلم فيه أو ليسد به حاجات معيشته إلى وقت التسليم. وكذلك حاجة المسلم للمسلم فيه. والاحتياط لازم في عقود السلم حتى لا تدخلها شوائب الربا والغرر والمخاطرة التي حظرها الشارع.
١- قد بينا فيما سبق والحمد لله تعريف بيع السلم وبيان مشروعيته وكونها أصيلة أو على خلاف القياس وكذلك الشروط المطلوبة في المسلم فيه ورأس مال السلم.
٢- وكذلك بينا المعاملات والسلع التي يجوز فيها السلم بشروطه، وهي:
أ - يجوز السلم في جميع المحصولات الزراعية كالتمر والحبوب المختلفة والحنطة والفاكهة والبقول والخضروات.
ب - يجوز السلم في الحيتان والطير والدجاج والبيض.
ج- أجاز المالكية وغيرهم السلف في لبن حيوانات بأعيانها ويجب أن يشترط الأخذ في إبانه وقبل انقطاعه.
د- يجوز السلم في لحوم الحيوانات وأجزاء الحيوان كالأكارع والرؤوس وغيرها بما ذكرناه من الشروط.
هـ- يجوز السلم في الحطب والخشب وما شابههما في المواد.
و يجوز السلم في المعادن كالحديد والنحاس والصفر والرصاص وغيرها ولا يجوز في الذهب والفضة لأمر الشارع أن تكون المعاملة فيهما يدا بيد.
ز- يجوز السلم في العطور بأنواعها.
ح- يجوز السلم في اللؤلؤ والجوهر والزجاج والحجارة والزرنيخ وما شابهها.
ط- يجوز السلم في الثياب والمواد التي تصنع منها كالكتان والقطن وما إلى ذلك.
ي- يجوز السلم في الصناعات بأنواعها بالشروط التي ذكرناها.
стр. 14089
المواد التي لا يجوز السلم فيها:
أ - لا يجوز السلم في نسل الحيوانات وإن كانت موصوفة، وقال المالكية: وإنما يكون التسليف في الحيوان مضمونا لا في حيوان بأعيانها ولا في نسلها (١) .
ب - وعند المالكية وغيرهم لا يصح السلم في تراب المعادن ولا بأس أن يشتري يدا بيد وذلك لأن صفته غير معروفة (٢) .
ج- ولا يصح عندهم السلم في تراب الصواغين لأنه رماد لا يدري ما فيه (٣) .
د- ولا يجيزون سلم دراهم في فلوس وكذلك الدنانير إذا أسلمها في الفلوس وكذلك لو باع فلوسا بدراهم إلى أجل أو بدنانير إلى أجل لا يصح ذلك عند الإمام مالك ﵁ ولا في الفلوس جميعها قال: لأن الفلوس عين ولأن هذا صرف. وسئل عن إسلام فلوس من نحاس في نحاس فقال: لا خير في ذلك ولا يدا بيد لأنه من المزابنة (٤) .
٣- هل تعد السلعة الواحدة ذات العلامة التجارية (الماركات) المتعددة صنفا واحد أم أصنافا متعددة؟ وما هو أثر اختلاف العلامات التجارية (الماركات المسجلة) في تعدد أصناف السلع المسلم بها؟
بينا عند كلامنا في شروط المسلم فيه أن من أهم شروطه التي نص عليها الشارع أن يكون موصوفا وصفا كافيا يمنع النزاع. والوصف إنما يكون بالمتعارف عليه بين الناس في كل بلد أو بيئة تجارية معينة، وضرب الفقهاء أمثلة من أنواع التمر المختلفة وأنه لا بد من بيان نوع التمر المراد باسمه وإلا فسد السلم. وعليه أرى أنه إذا اشترط رب السلم ماركة تجارية معينة فلا بد من الوفاء بها خاصة إذا كانت الماركات التجارية ذات شهرة تجارية متفاوتة فالإعلانات التجارية المكلفة وتجارب الناس تجعل الإقبال على ماركة تجارية معينة أكبر بكثير من ماركة أخرى لنفس السلعة.
стр. 14090
ولكن يجوز أن يشترط في عقد السلم تسليم سلعة معينة موصوفة من أي ماركة تجارية يجدها المسلم إليه، ففي هذه الحالة لا حرج أن يدفع السلعة بأوصافها المذكورة من أي ماركة تجارية يجدها طالما أن رب السلم قد أعطاه الحق في ذلك وطالما أن السلعة نفسها قد وصفت وصفا يعين نوعها واسمها وفرقها من مثيلاتها.
اشتراط قبض بضاعة المسلم قبل بيعها والحكمة في ذلك، وهل يغني عن القبض التحقق من قدرة المسلم على توفير السلعة عند حلول الأجل، أو التأمين على السلعة المسلم فيها، أو وجودها في مخازن عمومية؟؟
يكاد الفقهاء يجمعون أن المسلم فيه يجب أن يكون دينا في الذمة لأن السلم أصلا نوع من المداينة. ولكن اختلفوا فيما إذا كان من شروط السلم أن يكون المسلم إليه مالكا للمسلم فيه. اشترط أبو حنيفة وجود المسلم فيه في الأسواق من حين العقد إلى حين الأجل مخافة أن يحين أجل تسليم المسلم فيه فلا يوجد فيكون ذلك غررا. وخالفه سائر الفقهاء، وقالوا: المرعي وجوده عند الأجل.
وقد أوردنا في نقاش شروط المسلم فيه أقوالا لصحابة رسول الله ﷺ أنهم كانوا يسلفون في الحنطة والشعير والزيت دون أن يسألوا المسلم إليهم ألهم حرث أم لا؟ أو يتحرون أن يكون المسلم إليه عنده أصل السلعة المسلم فيها. (١) . وقد ترك الشارع الكريم الأمر إلى رب السلم وثقته في المسلم إليه وتعامله معه ولم يشترط قدرة المسلم إليه على التسليم أو أن يكون مالكا لأصل العين أو لوسيلة إنتاجها.
وبما أن المسلم فيه دين في الذمة فلا أرى جواز بيعه قبل القبض وأرى في ذلك تجاوزا للاستثناء الخاص في عقد السلم وهو بيع المسلم إليه ما ليس عنده خلافا للنص ((لا تبع ما ليس عندك)) فلا يجوز أن يتعداه إلى بيع رب السلم السلعة المسلم فيها قبل قبضها وذلك يضاعف المخاطرة ويتجاوز مقدار المخاطرة الذي استثني للضرورة. وكذلك لا يحل هذا البيع من وجه آخر وهو نص الشارع الكريم في الحديث عن حكيم بن حزام بن خويلد أنه قال: يا رسول الله إني رجل أشتري هذه البيوع فما تحل لي منها، وما تحرم علي، قال رسول الله ﷺ : ((يا ابن أخي إذا اشتريت بيعا فلا تبعه حتى تقبضه)) (٢) .
وفي رواية أخرى: ((إذا بعت بيعا فلا تبعه حتى تستوفيه)) (٣) وخاصة في الطعام فلا يجوز بيعه قبل أن يستوفى لما أثر عن النبي ﷺ .
стр. 14091
وعليه لا أرى إصدار سندات سلم قابلة للتداول وأرى فيه تجاوزا لحد الضرورة التي استثنى لها الشارع عقد السلم مع ما فيه من مخالفة للأصل.
عجز البائع عن تسلم البضاعة عند حلول الأجل في السلم ومشروعية الشرط الجزائي عن تأخير تسليم البضاعة:
ذكرنا في هذا المجال حديثا لأبي داود وهو قول النبي ﷺ : ((من أسلم في شيء فلا يصرفه لغيره)) (١) . والحديث: ((من أسلف في شيء فلا يأخذ إلا ما أسلف أو رأس ماله)) مفهوم هذه الأحاديث إن صحت أنه إذا عجز المسلم إليه عن تسليم السلعة المتفق عليها فلا يأخذ المسلم إلا رأس ماله فقط. ولكن الإشكال أن المسلم إليه قد انتفع بالثمن طيلة المدة المتفق عليها فهل يسكت على ذلك؟؟
أجاز المالكية جواز استبدال السلعة المسلم فيها بغيرها إذا حان الأجل ولم يستطع المسلم إليه تسليم ما اتفق عليه. جاء في المدونة الكبرى: أن مالكا ﵁ أجاز استبدال حنطة مسلم فيها بشعير وكذلك إذا أسلف في شعير فلما حل الأجل أخذ سمراء مكان الشعير. وكذلك يصح في قول مالك إذا أسلم الرجل في لحم فلما حل الأجل أراد أن يأخذ شحما أو أسلف في لحم المعز فلما حل الأجل أراد أن يأخذ لحم الضأن أو لحم إبل أو لحم بقر (٢) .
وجاء في مكان آخر في المدونة عن الليث بن سعد عن يحيى بن سعيد أنه قال: إذا أسلفت في ريطة فأعطاك قميصا أو قميصين أو قطيفة أو قطيفتين فلا بأس إن وجد تلك الريطة التي أسلمت فيها أو لم يجدها لأنك لو أسلفت الريطة بعينها فيما أخذت منه لم يكن بذلك بأس (٣) . وكذلك ذكر عن الليث بن سعد عن ربيعة أنه قال في رجل أسلف صيادا دنانير على صنف من الطير كل يوم كذا وكذا طائر فجاءه فلم يجد عنده من ذلك الصنف شيئا أو وجد عنده عصافير فأعطاه عشرة عصافير بطائر واحد مما اشترط عليه، قال ربيعة: عشرة من الطير بواحد حلال وأنا أرى ذلك حلالا كله السلف للصياد وعشرة بواحدة. (٤) .
وأنا أرى أن هذا الذي ذهب إليه المالكية مخرجا وجيها إذا حل الأجل ولم يستطع المسلم إليه تسليم السلعة ويمكن أن يشترطا ذلك ابتداء أو يتفقا عليه عند عدم القدرة على تسليم المسلم فيه.
ومن المعلوم جيدا أنه لا يمكن أن يكون شرط جزائي بتعويض مالي لأن ذلك يكون ربا لا شك فيه.
د. محمد عطا السيد سيد أحمد
стр. 14092
السلم وتطبيقاته المعاصرة
إعداد
الشيخ محمد علي التسخيري
والشيخ علي نظري منفرد
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
السلم وتطبيقاته المعاصرة:
١- تعريف بيع السلم وبيان مشروعيته وكونها أصلية أو على خلاف القياس، وشروط صحته وحكمته (بإجمال) .
٢- بيان أنواع المعاملات التي يجوز فيها السلم، وبيان أنواع السلع التي يجري فيها.
٣- مفهوم صفة (التعيين) في السلع التي يمتنع معها السلم.
٤- هل تعد السلعة الواحدة ذات العلامات التجارية (الماركات) المتعددة صنفا واحدا أم أصنافا متعددة؟ أثر اختلاف العلامات التجارية (الماركات المسجلة) في تعدد أصناف السلع المسلم فيها.
٥- اشتراط قبض بضاعة السلم قبل بيعها والحكمة في ذلك، وهل يغني عن القبض التحقق من قدرة المسلم على توفير السلعة عند حلول الأجل، أو التأمين على السلعة المسلم فيها، أو وجودها في مخازن عمومية منظمة؟
٦- استخدام صفقتي سلم متوافقتين دون ربط بينهما (السلم الموازي) .
٧- عجز البائع عن تسليم البضاعة عند حلول الأجل في السلم ومشروعية الشرط الجزائي عن تأخير تسليم البضاعة.
٨-إصدار سندات سلم قابلة للتداول وضوابط ذلك في حال الجواز.
стр. 14093
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله الطاهرين.
أما بعد فالموضوع السادس من الموضوعات المقترح طرحها على الدورة التاسعة لمؤتمر مجمع الفقه الإسلامي هو السلم وتطبيقاته المعاصرة، فالبحث عن السلم وتطبيقاته المعاصرة يستدعي البحث في مطالب:
المطلب الأول
في تعريف السلم وبيان مشروعيته
وكونها أصلية أو على خلاف القياس وشروط صحته وحكمته (بإجمال) ففي هذا المطلب أمور أربعة:
الأمر الأول – في تعريف بيع السلم:
وقبل التعريف لا بد أن توضح الكلمة التي أضيف إليها لفظ البيع وهي كلمة (السلم) .
والسلم بفتح السين واللام مرادف للفظ السلف ومعناه: إثبات مال في الذمة بمبذول في الحال، وهذا شامل للقرض أيضا لأنه إثبات مال في ذمة المقترض بمبذول من المقرض في الحال كما هو شامل لبيع السلم، وفي المنجد: السلف القرض الذي لا منفعة فيه للمقرض وعلى المقترض رده كما أخذه (١) . قال بعض الأعلام: وهو (أي السلف) في المعاملات على وجهين: أحدهما القرض الذي لا منفعة فيه للمقرض غير الأجر والشكر وعلى المقترض رده كما أخذه، والعرب تسمى القرض سلفا، والثاني هو أن يعطي مالا في سلعة إلى أجل معلوم، بزيادة في السعر الموجود عند السلف، وذلك منفعة للمسلف ويقال له (سلم) دون الأول، وهو يقابل (النسيئة) (٢) والمقصود بالبيان هنا هو السلم في البيع.
قال ابن منظور: يقال أسلم وسلّم إذا أسلف وهو أن تعطي ذهبا وفضة في سلعة معلومة إلى أمد معلوم فكأنك قد أسلمت الثمن إلى صاحب السلعة وسلمته إليه. (٣) .
وقال الفيومي: السلم في البيع مثل السلف وزنا ومعنى (٤) .
ومعناه الاصطلاحي قريب من معناه اللغوي وهو عبارة عن ابتياع مال مضمون إلى أجل معلوم بمال حاضر أو في حكمه (٥) .
стр. 14094
وعرفه بعض بأن السلم أو السلف عبارة عن بيع شيء موصوف في الذمة بشيء حاضر أو ما في حكمه والمراد مما في حكم الحاضر ما يقابل الموصوف المضمون إلى أجل في الذمة ولم يكن حال العقد حاضرا بل في حكم الحاضر، غاية الأمر لا بد من إقباضه قبل التفرق (١) .
وعن بعضٍ: السلم بفتح السين واللام: اسم مصدر لأسلم، ومصدره الحقيقي الإسلام، ومعناه في اللغة: استعجال رأس المال وتقديمه ويقال للسلم سلف لغة إلا أن السلم لغة أهل الحجاز والسلف لغة أهل العراق (٢) .
وأما ما قيل في تعريفه: السلم هو شراء آجل بعاجل. (٣) ففيه ما لا يخفى؛ لأن هذا التعريف ناظر إلى ما يعمل المسلم ويشتريه لا إلى بيان إلى حقيقة السلم الذي هو عبارة عن العقد ولذا عبروا عنه بالبيع. قال في التذكرة: (السلم والسلف عبارتان لمعنى واحد وهو بيع شيء موصوف في الذمة بشيء حاضر) (٤) .
وعرفه بعض بالعقد كما في الجواهر نقلا عن الدروس. (٥) .
فعلى ضوء هذه التعاريف عن بيع السلم إنه عبارة عن:
بيع كلي موصوف مؤجل بثمن حال عكس النسيئة.
ويقال للمشتري: المسلم (بكسر اللام) وللبايع: المسلم إليه، وللمبيع: المسلم فيه وللثمن: المسلم بفتح اللام.
стр. 14095
الأمر الثاني – في بيان مشروعية بيع السلم:
قد ذكر في الأمر الأول في تعريفه أنه بيع فنذكر هنا مشروعية بيع السلم والدليل على مشروعيته من الكتاب العزيز العمومات الواردة فيه مثل قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: ١] وقوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ [البقرة: ٢٧٥] .
وتقريبه أن بيع السلم قسم من أقسام البيوع والمعاملات المتداولة والعقود المتعارفة بين الناس فتشمله العمومات والإطلاقات الواردة في الكتاب الدالة بعمومها أو إطلاقها على مشروعية هذا القسم من العقد والبيع الذي كان الثمن فيه حالا والمثمن مؤجلا مضافا إلى ما نقل عن ابن عباس أنه قال: أشهد أن السلف المضمون إلى أجل مسمى قد أحله الله في كتابه، أي في قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ [البقرة: ٢٨٢] . ولعله لعموم اللفظ. (١) .
هذا بالنسبة إلى ما ورد في الكتاب من الآيات التي دلت بعمومها أو إطلاقها على مشروعية بيع السلم وأما السنة فهي الأحاديث المأثورة في مشروعية بيع السلم وهي كثيرة بل يقال: إن السنة قد تواترتفيه (٢) فنذكر جملة منها ما نقل الشيخ الطوسي عن:
١- علي بن إبراهيم عن أبيه عن إسماعيل بن مرار عن يونس عن معاوية بن عمار عن أبي عبد الله ﵇ قال: قال رسول الله ﷺ : ((لا بأس بالسلف في المتاع إذا سميت الطول والعرض)) (٣) .
٢- علي بن إبراهيم عن أبيه عن ابن أبي عمير عن حماد عن الحلبي قال: سألت أبا عبد الله ﵇ عن رجل باع بيعا ليس عنده إلى أجل وضمن البيع قال: لا بأس به (٤) .
стр. 14096
٣- وعن محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد عن علي بن النعمان عن ابن مسكان عن سليمان بن خالد في حديث أنه سأل أبا عبد الله ﵇ عن رجل يسلم في غير نخل ولا زرع قال: يسمي شيئا مسمى إلى أجل مسمى. (١) .
٤- وعن علي بن إبراهيم عن أبيه عن ابن أبي عمير عن جميل بن دراج عن أبي عبد الله ﵇ قال: لا بأس بالسلم في المتاع إذا وصفت الطول والعرض. (٢) .
٥- محمد بن إسماعيل البخاري في صحيحه قال: حدثنا صدقة أخبرنا ابن عيينة أخبرنا ابن أبي نجيح عن عبد الله بن كثير عن أبي المنهال عن ابن عباس ﵄ قال: قدم النبي ﷺ المدينة وهم يسلفون بالتمر السنتين والثلاث فقال: من أسلف في شيء ففي كيل معلوم ووزن معلوم إلى أجل معلوم (٣) .
إلى غير ذلك من الأخبار الواردة في مشروعية بيع السلم كما لا يخفى على من أمعن النظر فيها ولاحظها.
وأما الإجماع فقد ذكر صاحب الجواهر إجماع المسلمين على جوازه حيث قال: وكيف كان فقد أجمع المسلمون على جوازه، كما أن السنة قد تواترت فيه (٤) .
وقال ابن المنذر: أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على أن السلم جائز (٥) .
وذكر بعض: قد أجمع أئمة المسلمين على جوازه (٦) .
وعن العلامة: وقد أجمع المسلمون على جوازه (٧) .
هذا تمام الكلام في مشروعية بيع السلم من الكتاب والسنة والإجماع.
стр. 14097
الأمر الثالث – كونها أصلية أو على خلاف القياس:
فقد ذهب جماعة إلى أن هذا البيع على خلاف القياس.
قال الزيلعي من الحنفية: وقد روي أن النبي ﷺ نهى عن بيع ما ليس عند الإنسان ورخص في السلم، والقياس يأبى جوازه لأن المسلم فيه مبيع وهو معدوم وبيع موجود غير مملوك أو مملوك غير مقدور التسليم لا يجوز فبيع المعدوم أولى أن لا يجوز ولكن تركناه بما ذكرناه (١) .
وذكر صاحب التاج: المذهب أن السلم باب من أبواب البيع ولكنه مخالف للقياس إذ هو بيع معدوم، وحكى صاحب الروض النضير إجماع المسلمين على جواز السلم إلا ما روي عن ابن المسيب من النهي عنه لحديث: ((لا تبع ما ليس عندك)) وأجيب بأنه يحتمل أن يكون معناه: لا تبع ما ليس لك وأن يكون المعنى ما يكون غائبا عنك مما ليس بسلم وتكون أدلة الجواز خاصة وهي صريحة في معناها والسلم نوع من أنواع البيع إلا أنه لما خالف البيع في أحكامه وشرائطه خالفه في الاسم (٢) .
قال ابن المنذر: وقد استثني عقد السلم من قاعدة عدم جواز بيع المعدوم (٣) .
стр. 14098
هذه كلماتهم وهي صريحة في أن بيع السلم مخالف للقياس ووجه مخالفته للقياس منافاة هذا البيع لمضمون الحديث المشهور عن النبي ﷺ : ((لا تبع ما ليس عندك)) كما هو المصرح في عباراتهم، ولكن يمكن أن يقال: إن مخالفة بيع السلم للقياس منوط بأن الحديث مفاده ومضمونه النهي عن بيع السلم ولو بعمومه حتى يكون بيع السلم مخالفا للقياس أي مخالفا للحديث النبوي المذكور، ولكن الحديث فيه احتمالات يمكن أن يكون أحد المحتملات النهي عن بيع السلم بعمومه ومفاده النهي عن بيع شيء معدوم كما تقدم في كلماتهم من معنى الحديث وفي معنى الحديث احتمالات ثلاثة كما احتمل بعضها صاحب الروض:
١- لا تبع ما ليس عندك أي ما ليس لك.
٢- لا تبع ما ليس عندك أي ما يكون غائبا عنك وإن كانت مالكا له.
٣- لا تبع ما ليس عندك أي ما لا تكون قادرا على تسليمه ولو في الأجل المسمى.
وهذا الاحتمال الثالث هو مختار بعض.
قال الشيخ العلامة الأنصاري في كتاب البيع: منها ما اشتهر عن النبي ﷺ من قوله: ((لا تبع ما ليس عندك)) بناء على أن كونه عنده لا يراد به الحضور لجواز بيع الغائب والسلف إجماعا فهي كناية لا عن مجرد الملك؛ لأن المناسب حينئذ ذكر لفظة اللام ولا عن مجرد السلطنة عليه والقدرة على تسليمه لمنافاته لتمسك العلماء من الخاصة والعامة بها على عدم جواز بيع العين الشخصية المملوكة للغير ثم شرائها من مالكها خصوصا إذا كان وكيلا عنه في بيعه ولو من نفسه فإن السلطنة والقدرة على التسليم حاصلة هنا مع أنه مورد الرواية عند الفقهاء فتعين أن يكون كناية عن السلطنة التامة الفعلية التي تتوقف على الملك مع كونه تحت اليد حتى كأنه عنده وإن كان غائبا (١) .
والحاصل مع وجود هذه الاحتمالات في معنى الحديث كما هو الظاهر من كلماتهم فالحكم بكون بيع السلم مخالفا للقياس محل تأمل كما لا يخفى.
стр. 14099
الأمر الرابع: في شروط صحته:
قد ذكروا لصحة بيع السلم شروطا ولكن بعضهم اكتفى بذكر خمسة من هذه الشروط (١) وذكر البعض أن شروط السلم ستة (٢) وذكر البعض أكثر من ذلك، ونحن نذكر الشروط المتفق عليها ونشير إلى ما هو المختلف فيه من شروط السلم.
الأول والثاني:
ذكر الجنس والوصف، والمراد من ذكر الجنس أي: ذكر الحقيقة النوعية. ومن ذكر الوصف: الوصف المائز بين أصناف ذلك النوع.
قال المحقق الكركي: المراد بالوصف كل وصف تختلف به القيمة اختلافا ظاهرا لا يتغابن الناس بمثله في السلم؛ لأنه قد يقع التغابن في السلم بما لا يتغابن في غيره. (٣) .
والضابط فيه أن كلما يختلف لأجله الثمن اختلافا لا يتسامح بمثله في السلم فذكره لازم (٤) ولا يجوز الاستقصاء في ذكر الأوصاف المخرج إلى عزة الوجود وعسر التحصيل وإلا يبطل السلم.
والدليل على اعتبار هذا الشرط مضافا إلى أن البيع يصير بدون ذكرهما غرريا والنبي ﷺ نهى عن بيع الغرر ما ورد في روايات بيع السلم من لزوم ذكر الأوصاف.
منها ما عن محمد بن يعقوب عن علي ابن إبراهيم عن أبيه عن إسماعيل بن مرار عن يونس عن معاوية بن عمار عن أبي عبد الله ﵇ قال: قال رسول الله ﷺ : ((لا بأس بالسلم في المتاع إن سميت الطول والعرض)) (٥) .
ومنها ما تقدم من رواية جميل بن دراج عن أبي عبد الله ﵇ قال: لا بأس بالسلم في المتاع إذا وصفت الطول والعرض (٦) .
ومنها ما عن محمد بن الحسن، عن فضالة عن جميل بن دراج عن زرارة عن أبي عبد الله ﵇ قال: لا بأس بالسلم في الحيوان والمتاع إذا وصفت الطول والعرض وفي الحيوان إذا وصفت أسنانها (٧) إلى غير ذلك من الروايات الواردة الدالة بمضمونها على اعتبار هذا الشرط في صحة السلم.
ثم إنه لا بد مع ذلك أن تكون العبارة الدالة على الوصف معلومة بين المتعاقدين ظاهرة في العرف واللغة حتى يمكن استعلامها عند اختلافهما، وإذا كان الشيء مما لا ينضبط بالوصف على وجه ترتفع جهالته لم يصح السلم فيه.
стр. 14100
الشرط الثالث:
قبض رأس المال قبل التفرق شرط في صحة العقد فلو افترقا قبله بطل، والدليل على اعتبار هذا الشرط في صحة العقد الإجماع كما نقل عن الغنية والمسالك وفي بطلان العقد بعد التفرق بدون القبض قال في التذكرة: عند علمائنا أجمع كما في الجواهر.
ولكن يمكن أن يقال مضافا إلى ما ادعي من الإجماع على اعتبار القبض قبل التفرق في صحة العقد أن تسليم الثمن دخيل في حقيقة السلم وأنه بدونه منتف؛ لأن هذا العقد يسمى سلما وسلفا لغة وشرعا والسلم ينبئ عن التسليم والسلف ينبئ عن التقدم فيقتضي لزوم تسليم رأس المال وقد تقدم في تعريفه أن معناه لغة عبارة عن إعطاء الثمن في سلعة معلومة إلى أمد معلوم واصطلاحا ابتياع مال مضمون إلى أجل معلوم بمال حاضر أو في حكمه.
فعلى ضوء هذا التفسير يكون قبض رأس المال من مقومات السلم بحيث لو لم يقبض ثمن السلعة معجلا وفي مجلس العقد لا يكون سلما.
وبالجملة الدليل لهذا الشرط إما أن يكون هو الإجماع كما نقلناه آنفا عن جملة من الأعلام مثل (الغنية) و (المسالك) و (التذكرة) وهو الحجة بعد شهادة التتبع، وإما أن يكون قبض رأس المال قبل التفرق مما به قوام بيع السلم فلا يصدق السلم إذا لم يقبض رأس المال في مجلس العقد؛ فعلى هذا فلو تفرقا ولم يقبض إلا بعض ثمن السلعة صح في المقبوض وبطل في الباقي.
وفي (جامع المقاصد) قال: الشرط الرابع قبض الثمن في المجلس فلو تفرقا قبله بطل ولو تفرقا بعد قبض البعض صح فيه خاصة وللبائع الامتناع من قبض البعض للعيب بخلاف الدين، نعم صرح غير واحد بأن للبائع الخيار في الفسخ إذا لم يكن بتقصيره للتبعيض إلا أن الظاهر عدم الفرق في ذلك بين البائع والمشتري ولعل اقتصارهم على الأول هنا لأن الغالب كون التقصير في عدم القبض من المشتري فيسقط خياره، أما لو فرض عدمه مع حصول التبعيض فلا ريب في تسلطه على الخيار لذلك كما هو واضح. (١) .
стр. 14101
الشرط الرابع:
من الشرائط تقدير المسلم فيه بالكيل والوزن العامين فلو عولا على صخرة مجهولة أو مكيال مجهول لم يصح. وهذا الشرط لا يختص بالسلم بل التقدير بالوزن فيما يوزن وبالكيل فيما يكال من جملة شروط البيع، والدليل على لزومه في البيع دليل على لزومه في السلم لأن السلم من أقسام البيع، ولا بأس بالإشارة إلى ما قيل أو يمكن أن يقال من الدليل على اعتبار هذا الشرط في البيع.
وهو أن عدم التقدير فيما يوزن بالوزن المعتبر وفيما يكال بالكيل المعتبر موجب للجهالة بمقدار المبيع. والعلم بمقدار المثمن إن كان مكيلا أو موزونا معتبر شرعا وعرفا لعدم صحة المعاملة جزافا؛ لأن النبي ﷺ نهى عن بيع الغرر (١) ومع عدم تعيين مقدار المثمن كيلا ووزنا يصير البيع غرريا مضافا إلى عدم وجود مخالف ظاهرا في اعتبار ذلك. قال في الجواهر: بلا خلاف أجده إذا كان من المكيل والموزون بل ولا إشكال، ضرورة توقف المعلومية فيهما عليهما في المشاهد فضلا عن الغائب (٢) .
ومع أن الروايات الواردة في السلم تدل على تقدير المكيل بالكيل والموزون بالوزن نذكر بعضا منها:
١- محمد بن يعقوب عن أبي علي الأشعري عن محمد بن عبد الجبار عن صفوان عن ابن مسكان عن محمد الحلبي قال: سألت أبا عبد الله ﵇ عن السلم في الطعام بكيل معلوم إلى أجل معلوم قال: لا بأس به (٣) .
стр. 14102
٢- وعن علي بن إبراهيم، عن أبيه، وعن محمد بن يحيي، عن أحمد بن محمد جميعا عن ابن محبوب، عن حماد، عن الحلبي قال: سئل أبو عبد الله ﵇ عن رجل أسلم دراهم في خمس مخاتيم من حنطة أو شعير إلى أجل مسمى (إلى أن قال) فقال: لا بأس. والزعفران يسلم فيه الرجل دراهم في عشرين مثقال أو أقل أو أكثر من ذلك، قال: لا بأس – الحديث (١) .
٣- وبإسناده عن صفوان بن يحيى عن عبد الله بن سنان قال: سألت أبا عبد الله ﵇ عن الرجل يسلم في غير زرع ولا نخل، فقال: تسمى كيلا معلوما إلى أجل معلوم – الحديث (٢) .
ثم إن الإسلاف في المعدود عددا هل يكون مثل الإسلاف في الكيل والوزن في الجواز أم الإسلاف منحصر بالكيل والوزن ولا يجوز في غيرهما؟ ففيه خلاف؛ قال بعض فيه بعدم الجواز واستدلوا عليه بأن الغرر لا يرتفع به لكثرة اختلاف المعدود في الكبر والصغر وغيرهما والاكتفاء به في المشاهدة لارتفاع الغرر بها لا به. ولكن يمكن أن يقال: إن كان التفاوت فيه بحيث يتسامح فيه بالعادة ولا يكثر فيه التفاوت فالوجه الجواز لعدم الغرر حينئذ وفاقا لجماعة من الأعلام. وهل يجوز الإسلاف في الثوب؟ الوجه فيه الصحة بشرط أن يكون الثوب معلوما من جهة الذرع وغيره من الأوصاف التي ترتفع معها الجهالة كما تقدم في المكيل والموزون.
стр. 14103
الشرط الخامس:
من الشروط تعيين الأجل بحيث يكون وقت تسليم السلعة معلوما عند المتعاقدين، فلو ذكر أجلا مجهولا مثل أن يقول: متى أردت. أو ذكر أجلا يحتمل فيه الزيادة والنقصان مثل: وقت الحصاد أو الدياس أو قدوم الحاج ونحوهما مما يؤدي إلى الجهالة كان باطلا.
والدليل على لزوم التعيين في السلم أمور:
منها أن عدم ذكر الأجل سبب لكون المعاملة غررية إن كان الأجل مما له مدخلية في حقيقة السلف كما يظهر من كلمات عدة من الأعلام وقد تقدم فعلى هذا لا بد من تعيين الأجل دفعا للغرر. ومنها النصوص الكثيرة الدالة على تعيين الأجل نذكر جملة منها:
١- محمد بن علي بن الحسين بإسناده عن صفوان بن يحيى عن عبد الله بن سنان قال: سألت أبا عبد الله ﵇ عن الرجل يسلم في غير زرع ولا نخل قال: يسمى كيلا معلوما إلى أجل معلوم – الحديث (١) .
٢- وعن محمد بن يحيى عن أحمد بن محمد عن عثمان بن عيسى عن سماعة قال: سألت أبا عبد الله ﵇ عن السلم وهو السلف في الحرير والمتاع الذي يصنع في البلد الذي أنت به؟ قال: نعم، إذا كان إلى أجل معلوم (٢) .
٣- وعنه عن أحمد بن محمد عن محمد بن يحيى عن غياث بن إبراهيم عن أبي عبد الله ﵇ قال: قال أمير المؤمنين ﵇: لا بأس بالسلم كيلا معلوما إلى أجل معلوم ولا تسلمه إلى دياس ولا إلى حصاد (٣) . إلى غير ذلك من الروايات الواردة في المقام الدالة على لزوم تعيين الأجل المعلوم وعدم جواز ذكر الأجل الذي يحتمل فيه الزيادة والنقصان كما هو المستفاد من الرواية الثالثة.
ثم إذا جعل الأجل شهرا مثلا قمريا أو شمسيا فإن كان وقوع المعاملة في أول الشهر فالمراد تمام ذلك الشهر وإن كان في أثناء الشهر فالمراد من الشهر مجموع ما بقي منه مع إضافة مقدار من الشهر الثاني يساوي الماضي من الشهر الأول وهكذا إذا جعل الأجل شهرين أو شهورا وإذا جعل الأجل جمادى أو ربيعا ولم يعين حمل على أولهما من تلك السنة وحل بأول جزء من ليلة الهلال وإذا جعله الجمعة أو الخميس وغيرهما من أيام الأسبوع حمل على الأول من الأسبوع الآتي وحل بأول جزء من نهار اليوم المذكور.
стр. 14104
الشرط السادس:
من شروط السلم أن يكون وجود السلعة غالبا بحسب العادة وقت حلول الأجل ولو كان معدوما وقت العقد ويستفاد من هذا الشرط في الحقيقة أمران: الأول وجود المسلم فيه وقت حلول الأجل، الثاني عدم لزوم وجود السلعة وقت المعاملة.
أما الأمر الأول وهو وجود السلعة وقت حلول الأجل بحسب العادة لأن القدرة على تسليم السلعة شرط عند حلول الأجل فإذا لم تكن السلعة موجودة بحسب العادة عند حلول الأجل لم يقدر على التسليم؛ لأن القدرة على التسليم فرع وجود السلعة عند حلول الأجل ولكن ليس هذا الشرط من شروط بيع السلم خاصة بل القدرة على تسليم المبيع شرط في جميع أقسام البيع.
وفي الجواهر: وهذا الشرط ليس من خواص السلم بل القدرة على تسليم المبيع شرط في كل بيع (١) .
وذكروا في كتاب البيع أن من شروط العوضين القدرة على التسليم كما في المتاجر للعلامة الشيخ الأنصاري ﵇ (٢) وكيف كان، فالقدرة على التسليم شرط في العوضين سواء في السلم وغيره والدليل على لزوم هذا الشرط في العوضين دليل على لزومه في السلم لأنه قسم من أقسام البيع.
أما الأمر الثاني وهو عدم لزوم وجود السلعة حين المعاملة لأنه يصدق القدرة على التسليم ولو كان معدوما عند العقد إذ الأمور المعدومة المعتادة التحقق في أزمنة خاصة بمنزلة الأمور الموجودة فلا تقدح المعدومية وقت العقد (٣) . وفي (الروضة) : كما لا يشترط وجوده حال العقد حيث يكون مؤجلا ولا فيما بينهما. (٤) وقال بعض: يشترط أن يكون جنس المسلم فيه (المبيع) موجودا في الأسواق بنوعه وصفته من وقت العقد إلى وقت حلول أجل التسليم ولا يتوهم انقطاعه عن أيدي الناس (٥) وفيه أن المعتبر هو القدرة على التسليم والمفروض أن المسلم إليه قادر على التسليم عند حلول الأجل ولا يعتبر زيادة على ذلك لعدم الدليل بل الدليل على عدم اعتباره.
стр. 14105
لأن النبي ﷺ قدم المدينة وهم يسلفون في الثمار السنة والسنتين فقال: ((من أسلف فليسلف في كيل معلوم أو وزن معلوم إلى أجل معلوم)) ، ولم يشترط وجود المسلم فيه حال عقد السلم ولو كان شرطا لذكره ولنهاهم عن السلم سنتين لأنه يلزم منه انقطاع المسلم فيه أوسط السنة. (١) مضافا إلى أن المذكور في بعض النصوص لزوم وجود المسلم فيه وقت حلول الأجل، منها محمد بن الحسن بإسناده عن الحسين بن سعيد، عن صفوان، عن إسحاق بن عمار، وعبد الرحمن بن الحجاج جميعا قال: سألت أبا عبد الله ﵇ عن الرجل يشتري الطعام من الرجل ليس عنده فيشتري منه حالا، قال: ليس به بأس، قلت: إنهم يفسدونه عندنا، قال: وأي شيء يقولون في السلم؟ قلت: لا يرون به بأس يقولون: هذا إلى أجل، فإذا كان إلى غير أجل وليس عند صاحبه فلا يصلح، فقال: فإذا لم يكن إلى أجل كان أجود (أحق به) ثم قال: لا بأس بأن يشتري الطعام وليس هو عند صاحبه حالا وإلى أجل فقال: لا يسمي له أجلا إلا أن يكون بيعا لا يوجد مثل العنب والبطيخ وشبهه في غير زمانه فلا ينبغي شراء ذلك حالا (٢) .ونحوها رواية أخري.
ومما ذكر ظهر صحة السلم ولو كان المسلم فيه معدوما وقت المعاملة.
ثم لو طرأ الانقطاع بعد انعقاد السلم كما لو أسلم فيما يعم وجوده وانقطع لجائحة أو وجد وقت الحلول عاما ثم أخر التسليم لعارض ثم طالب بعد انقطاعه تخير المشتري بين الفسخ والصبر (٣) .
стр. 14106
الشرط السابع – تعيين موضع التسليم:
ووجه لزومه اختلاف الأغراض باختلافه الموجب لاختلاف الثمن وعلى هذا يجب تعيين موضع التسليم، قال الشيخ في (الخلاف) : إذا كان السلم مؤجلا فلا بد من ذكر موضع التسليم فإن كان في حمله مؤنة فلا بد من ذكره أيضا، وللشافعي في ذلك قولان أحدهما: يجب شرطه وإليه ذهب أبو إسحق في الشرح قال: فإذا أخل به بطل السلم. والثاني: لا يجب ذكره وإليه ذهب القاضي أبو حامد في (جامعه) (١) .
قال الشهيد في (الروضة) : ولو شرط موضع التسليم لزم لوجوب الوفاء بالشرط السائغ وألا يشترط اقتضى الاطلاق التسليم في موضع العقد كنظائره من البيع المؤجل (٢) .
أقول: إن اشترط موضع التسليم في ضمن العقد فلا ريب في وجوب الوفاء به لأجل قوله: (المؤمنون عند شروطهم) ولا كلام في ذلك كما صرح به الشهيد في كلامه المتقدم، وإنما الكلام في أنهما أو أحدهما إذا لم يعينا في العقد موضع التسليم هل يكون عقد السلم باطلا ويكون تعيين موضع التسليم دخيلا في صحة العقد؟ ما هو الظاهر من كلام الشافعي في أحد قوليه حيث قال: (فإذا أخل به بطل السلم) أو يكون العقد صحيحا وإن لم يعين موضع التسليم بل ولو كان في حمله مؤنة كما ذهب إليه المحقق حيث قال: ولا يشترط ذكر موضع التسليم على الأشبه ولو كان في حمله مؤنة، واختاره صاحب الجواهر في شرحه حيث قال: وكيف كان فقد ظهر لك ضعف القول باشتراطه مطلقا (٣) وقال ابن إدريس: لم يذهب إلى هذا أحد من أصحابنا ولا ورد به خبر عن أئمتنا ﵈ وإنما هذا أحد قولي الشافعي (٤) والتحقيق أن يقال: إن إطلاق الأدلة الواردة في معرض البيان يقتضي عدم لزوم تعيين موضع التسليم كما في الحديث النبوي المتقدم ((من أسلف فليسلف في كيل معلوم أو وزن معلوم إلى أجل معلوم)) فذكر فيه الأجل المعلوم ولم يتعرض لموضع التسليم، ولو كان شرطا في صحة العقد فلا بد من التعرض له، وكذلك سائر النصوص الواردة في مشروعية السلم.
وأما ما ذكر من تفاوت الأغراض بذلك تفاوتا يختلف فيه الثمن في الجميع أو في بعض الأحوال فلا يقتضي الاشتراط إذا لم يكن عدمه مؤديا إلى جهالة في الثمن والمثمن فعلى هذا لا يكون تعيين موضع التسليم دخيلا في صحة العقد مثل ذكر الأجل المعلوم؛ نعم يجوز للمتعاقدين تعيين موضع التسليم إذا تعلق غرضهما بمكان خاص فيجب الوفاء به إذا شرط ولذلك إذا كان هناك عرف يقتضي الانصراف إلى مكان مخصص فيتبع حينئذ إذ هو حينئذ كالمشروط؛ وفي المسألة خمسة أقوال: الأول: عدم لزوم اشتراط موضع التسليم مطلقا. والثاني: وجوب اشتراط موضع التسليم مطلقا. والثالث: وجوب الاشتراط فيما إذا كان في النقل مؤنة. الرابع: لزوم الاشتراط إذا وقع العقد في مكان يقصدان مفارقة ذلك المكان. والقول الخامس: لزوم الاشتراط إن كان في النقل مؤنة وكان من قصدهما افتراق مكان العقد.
стр. 14107
الأمر الرابع – في حكمته:
وأما الحكمة في تشريعة من الشارع فهي تسهيل الأمر على المسلمين والوصول إلى مقاصدهم وأغراضهم العقلانية التي هي السبب في الإقدام على المعاملة سلفا.
فالزارع يبيع الحنطة سلفا لحاجته إلى النقود وصرفها إلى ما لا بد منه من المؤنة في الزراعة والمشتري يشتري الحنطة سلفا لغرض وهو أن اشتراء الحنطة سلفا يكون بثمن هو أقل بالنسبة إلى ثمن الحنطة نقدا وهذا التفاوت هو الباعث على اشتراء الحنطة سلما.
وقال بعض في حكمة بيع السلم: لأن بالناس حاجة إليه لأن أرباب الزروع والثمار والتجارات يحتاجون إلى النفقة على أنفسهم وعليها لتكمل وقد تعوزهم النفقة فجوز لهم السلم ليرتفقوا ويرتفق المسلم بالاسترخاص (١) .
وعن بعض آخر: وقد أجيز حكمه بطريق الرخصة دفعا لحاجة الناس ولكن بالشرائط المخصوصة التي ذكرناها والتي هي غير مشروطة في عقد البيع (٢) .
стр. 14108
المطلب الثاني
بيان أنواع المعاملات التي يجوز فيها السلم،
وبيان أنواع السلع التي يجري فيها
فالبحث في هذا المطلب يكون في ضمن أمرين:
الأمر الأول: بيان أنواع المعاملات التي يجوز فيها السلم، والأمر الثاني بيان أنواع السلع التي يجري فيها.
أما الأمر الأول: وهو بيان أنواع المعاملات التي يجوز فيها السلم فنقول: التحقيق أن السلم لا يجري في غير البيع من العقود والمعاملات والسر في ذلك أن السلم كما تقدم معناه لغة هو عبارة عن إعطاء مال في سلعة معلومة إلى أمد معلوم كما نقلناه عن لسان العرب وغيره من كتب اللغة وهذا المعنى وإن كان يشمل القرض بضرب من التأويل كما فسر بعض اللغويين السلف بالقرض كما تقدم نقله (١) وفسره بعض بالقرض والبيع كما ذكرناه أيضا (٢) .
إلا أن السلم الذي هو معنون في كتب الفقه وعليه اصطلاح الفقهاء عبارة عن السلم في البيع حتى أنهم جعلوه قسما ونوعا من أنواع البيع فإليك نص عباراتهم:
قال فخر المحققين في شرح قول والده العلامة ﵇: المطلب الثاني في السلف والأقرب انعقاد البيع بلفظ السلم، وجه القرب أنه نوع من البيع اعتبره الشارع في نقل الملك فجاز استعماله في الجنس مجازا تابعا للقصد. (٣) .
وقال الشهيد في (الروضة) : إن السلم بعض جزئيات البيع وقد استعمل لفظه في نقل الملك على الوجه المخصوص فجاز استعماله في الجنس لدلالته عليه حيث يصرح بإرادة المعنى العام (٤) .
стр. 14109
وقال في (المسالك) : إن لفظ السلم موضوع حقيقة للنوع الخاص من البيع (١) .
وقال في (الجواهر) عند قول المحقق: (وهل ينعقد البيع بلفظ السلم ... إلخ) : قلت: تفصيل القول في ذلك أن النزاع إن كان في قيام صيغة أسلمت مقام بعت كالعكس فمحله في صيغة البيع ولعل التحقيق عدم الجواز، لأنه مجاز بخلاف العكس، فإنه حقيقة مع عدم قصد الخصوصية، إذ السلم نوع من البيع، فاستعمال صيغة البيع فيه استعمال للفظ فيما وضع له (٢) .
وفي (جامع المدارك) قال الفقهاء: هو قسم من البيع فلا بد فيه من الإيجاب والقبول (٣) .
وفي (الفقه على المذاهب الأربعة) السلم قسم من أقسام البيع (٤) .
وفي بعض كتب اللغة: السلف بفتحتين نوع من البيوع يعجل فيه الثمن وتضبط السلعة بالوصف إلى أجل معلوم (٥) .
الأمر الثاني: في بيان أنواع السلع التي يجري فيها: فنقول: المستفاد من الأدلة أن الضابط لذلك هو أن السلعة إن كانت من السلع التي يمكن تعينها بالوصف وينتفي معه الغرر فيجري السلم فيها، وكل ما لا يمكن ضبطه بالوصف ولا يمكن تحديده يمتنع السلم فيه، ولعل ذكر المصاديق في الأحاديث الواردة في ذلك إرشاد إلى هذا حيث إن المذكور في الروايات بعض المصاديق التي يجوز فيها السلم مثل قوله ﵇ في السلم في الحيوان: ((لا بأس بالسلم في الحيوان إذا وصفت أسنانها)) (٦) .
وبعض المصاديق التي لا يجوز فيها السلم مثل قوله ﵇ في السلف في اللحم قال: ((لا تقربنّه فإنه يعطيك مرة السمين ومرة الذاوي ومرة المهزول)) الحديث (٧) .
هذا جملة القول في السلع التي يجري السلم فيها وما لا يجري، وأما تفصيل القول في أنواع السلع فنذكر كلمات الفقهاء وعباراتهم بعينها حتى يتبين أن المستفاد من كلماتهم هي القاعدة المذكورة بعينها.
قال الشيخ: ولا يجوز السلف فيما لا يتحدد بالوصف مثل الخبز واللحم وروايا الماء؛ لأن ذلك تحديده لا يمكن بوصف لا يختلط به سواه (٨) .
وقال ابن حمزة: ولا يجوز السلف فيما لا يتحدد بالوصف ولا في الأشياء المختلطة ولا الأمتعة المتخذة من جنسين فصاعدا ولا في المنسوب إلى شيء مخصوص (٩) .
стр. 14110
قال ابن إدريس: وكل شيء لا يتحدد بالوصف ولا يمكن ذلك فيه لا يصح السلف فيه إلى أن قال: وإنما منع أصحابنا من السلف في الخبز واللحم وروايا الماء؛ لاختلافها في الكبر والصغر؛ فأنها لا تضبط بالتحديد فإن حددها براوية معلومة لا يصح ذلك؛ لأن السلف في الذمة، وربما هلكت تلك الراوية فيبطل السلف إلى أن قال: ولا بأس بالسلم في الحيوان كله إذا ذكر الجنس والأوصاف والأسنان من الإبل والبقر والغنم والخيل والبغال والحمير والرقيق وغير ذلك من أجناس الحيوان وبالسلف في الفواكه كلها إذا ذكر جنسها ولم ينسب إلى شجرة بعينها. (١) .
قال المحقق: فلا يصح فيما لا يضبطه الوصف كاللحم والخبز والجلود ويجوز في الأمتعة والحيوان والحبوب وكل ما يمكن ضبطه. (٢) .
قال الشهيد عند قول المحقق (ولا يجوز الإسلاف في القصب أطنانا) : الوجه في ذلك كله اختلاف مقدار المذكورات الموجب للغرر في عقد السلف بخلاف ما لو بيع مشاهدا فإن المشاهدة ترفع الغرر عنه والضابط للصحة الانضباط الرافع لاختلاف الثمن (٣) .