← Фикх общий

Фикх общий · id 8356

مجلة مجمع الفقه الإسلامي

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (22 276 стр.). Показаны 14106–14145 · переход к 14111.

стр. 14106

الشرط السابع – تعيين موضع التسليم: ووجه لزومه اختلاف الأغراض باختلافه الموجب لاختلاف الثمن وعلى هذا يجب تعيين موضع التسليم، قال الشيخ في (الخلاف) : إذا كان السلم مؤجلا فلا بد من ذكر موضع التسليم فإن كان في حمله مؤنة فلا بد من ذكره أيضا، وللشافعي في ذلك قولان أحدهما: يجب شرطه وإليه ذهب أبو إسحق في الشرح قال: فإذا أخل به بطل السلم. والثاني: لا يجب ذكره وإليه ذهب القاضي أبو حامد في (جامعه) (١) . قال الشهيد في (الروضة) : ولو شرط موضع التسليم لزم لوجوب الوفاء بالشرط السائغ وألا يشترط اقتضى الاطلاق التسليم في موضع العقد كنظائره من البيع المؤجل (٢) . أقول: إن اشترط موضع التسليم في ضمن العقد فلا ريب في وجوب الوفاء به لأجل قوله: (المؤمنون عند شروطهم) ولا كلام في ذلك كما صرح به الشهيد في كلامه المتقدم، وإنما الكلام في أنهما أو أحدهما إذا لم يعينا في العقد موضع التسليم هل يكون عقد السلم باطلا ويكون تعيين موضع التسليم دخيلا في صحة العقد؟ ما هو الظاهر من كلام الشافعي في أحد قوليه حيث قال: (فإذا أخل به بطل السلم) أو يكون العقد صحيحا وإن لم يعين موضع التسليم بل ولو كان في حمله مؤنة كما ذهب إليه المحقق حيث قال: ولا يشترط ذكر موضع التسليم على الأشبه ولو كان في حمله مؤنة، واختاره صاحب الجواهر في شرحه حيث قال: وكيف كان فقد ظهر لك ضعف القول باشتراطه مطلقا (٣) وقال ابن إدريس: لم يذهب إلى هذا أحد من أصحابنا ولا ورد به خبر عن أئمتنا ﵈ وإنما هذا أحد قولي الشافعي (٤) والتحقيق أن يقال: إن إطلاق الأدلة الواردة في معرض البيان يقتضي عدم لزوم تعيين موضع التسليم كما في الحديث النبوي المتقدم ((من أسلف فليسلف في كيل معلوم أو وزن معلوم إلى أجل معلوم)) فذكر فيه الأجل المعلوم ولم يتعرض لموضع التسليم، ولو كان شرطا في صحة العقد فلا بد من التعرض له، وكذلك سائر النصوص الواردة في مشروعية السلم. وأما ما ذكر من تفاوت الأغراض بذلك تفاوتا يختلف فيه الثمن في الجميع أو في بعض الأحوال فلا يقتضي الاشتراط إذا لم يكن عدمه مؤديا إلى جهالة في الثمن والمثمن فعلى هذا لا يكون تعيين موضع التسليم دخيلا في صحة العقد مثل ذكر الأجل المعلوم؛ نعم يجوز للمتعاقدين تعيين موضع التسليم إذا تعلق غرضهما بمكان خاص فيجب الوفاء به إذا شرط ولذلك إذا كان هناك عرف يقتضي الانصراف إلى مكان مخصص فيتبع حينئذ إذ هو حينئذ كالمشروط؛ وفي المسألة خمسة أقوال: الأول: عدم لزوم اشتراط موضع التسليم مطلقا. والثاني: وجوب اشتراط موضع التسليم مطلقا. والثالث: وجوب الاشتراط فيما إذا كان في النقل مؤنة. الرابع: لزوم الاشتراط إذا وقع العقد في مكان يقصدان مفارقة ذلك المكان. والقول الخامس: لزوم الاشتراط إن كان في النقل مؤنة وكان من قصدهما افتراق مكان العقد.

стр. 14107

الأمر الرابع – في حكمته: وأما الحكمة في تشريعة من الشارع فهي تسهيل الأمر على المسلمين والوصول إلى مقاصدهم وأغراضهم العقلانية التي هي السبب في الإقدام على المعاملة سلفا. فالزارع يبيع الحنطة سلفا لحاجته إلى النقود وصرفها إلى ما لا بد منه من المؤنة في الزراعة والمشتري يشتري الحنطة سلفا لغرض وهو أن اشتراء الحنطة سلفا يكون بثمن هو أقل بالنسبة إلى ثمن الحنطة نقدا وهذا التفاوت هو الباعث على اشتراء الحنطة سلما. وقال بعض في حكمة بيع السلم: لأن بالناس حاجة إليه لأن أرباب الزروع والثمار والتجارات يحتاجون إلى النفقة على أنفسهم وعليها لتكمل وقد تعوزهم النفقة فجوز لهم السلم ليرتفقوا ويرتفق المسلم بالاسترخاص (١) . وعن بعض آخر: وقد أجيز حكمه بطريق الرخصة دفعا لحاجة الناس ولكن بالشرائط المخصوصة التي ذكرناها والتي هي غير مشروطة في عقد البيع (٢) .

стр. 14108

المطلب الثاني بيان أنواع المعاملات التي يجوز فيها السلم، وبيان أنواع السلع التي يجري فيها فالبحث في هذا المطلب يكون في ضمن أمرين: الأمر الأول: بيان أنواع المعاملات التي يجوز فيها السلم، والأمر الثاني بيان أنواع السلع التي يجري فيها. أما الأمر الأول: وهو بيان أنواع المعاملات التي يجوز فيها السلم فنقول: التحقيق أن السلم لا يجري في غير البيع من العقود والمعاملات والسر في ذلك أن السلم كما تقدم معناه لغة هو عبارة عن إعطاء مال في سلعة معلومة إلى أمد معلوم كما نقلناه عن لسان العرب وغيره من كتب اللغة وهذا المعنى وإن كان يشمل القرض بضرب من التأويل كما فسر بعض اللغويين السلف بالقرض كما تقدم نقله (١) وفسره بعض بالقرض والبيع كما ذكرناه أيضا (٢) . إلا أن السلم الذي هو معنون في كتب الفقه وعليه اصطلاح الفقهاء عبارة عن السلم في البيع حتى أنهم جعلوه قسما ونوعا من أنواع البيع فإليك نص عباراتهم: قال فخر المحققين في شرح قول والده العلامة ﵇: المطلب الثاني في السلف والأقرب انعقاد البيع بلفظ السلم، وجه القرب أنه نوع من البيع اعتبره الشارع في نقل الملك فجاز استعماله في الجنس مجازا تابعا للقصد. (٣) . وقال الشهيد في (الروضة) : إن السلم بعض جزئيات البيع وقد استعمل لفظه في نقل الملك على الوجه المخصوص فجاز استعماله في الجنس لدلالته عليه حيث يصرح بإرادة المعنى العام (٤) .

стр. 14109

وقال في (المسالك) : إن لفظ السلم موضوع حقيقة للنوع الخاص من البيع (١) . وقال في (الجواهر) عند قول المحقق: (وهل ينعقد البيع بلفظ السلم ... إلخ) : قلت: تفصيل القول في ذلك أن النزاع إن كان في قيام صيغة أسلمت مقام بعت كالعكس فمحله في صيغة البيع ولعل التحقيق عدم الجواز، لأنه مجاز بخلاف العكس، فإنه حقيقة مع عدم قصد الخصوصية، إذ السلم نوع من البيع، فاستعمال صيغة البيع فيه استعمال للفظ فيما وضع له (٢) . وفي (جامع المدارك) قال الفقهاء: هو قسم من البيع فلا بد فيه من الإيجاب والقبول (٣) . وفي (الفقه على المذاهب الأربعة) السلم قسم من أقسام البيع (٤) . وفي بعض كتب اللغة: السلف بفتحتين نوع من البيوع يعجل فيه الثمن وتضبط السلعة بالوصف إلى أجل معلوم (٥) . الأمر الثاني: في بيان أنواع السلع التي يجري فيها: فنقول: المستفاد من الأدلة أن الضابط لذلك هو أن السلعة إن كانت من السلع التي يمكن تعينها بالوصف وينتفي معه الغرر فيجري السلم فيها، وكل ما لا يمكن ضبطه بالوصف ولا يمكن تحديده يمتنع السلم فيه، ولعل ذكر المصاديق في الأحاديث الواردة في ذلك إرشاد إلى هذا حيث إن المذكور في الروايات بعض المصاديق التي يجوز فيها السلم مثل قوله ﵇ في السلم في الحيوان: ((لا بأس بالسلم في الحيوان إذا وصفت أسنانها)) (٦) . وبعض المصاديق التي لا يجوز فيها السلم مثل قوله ﵇ في السلف في اللحم قال: ((لا تقربنّه فإنه يعطيك مرة السمين ومرة الذاوي ومرة المهزول)) الحديث (٧) . هذا جملة القول في السلع التي يجري السلم فيها وما لا يجري، وأما تفصيل القول في أنواع السلع فنذكر كلمات الفقهاء وعباراتهم بعينها حتى يتبين أن المستفاد من كلماتهم هي القاعدة المذكورة بعينها. قال الشيخ: ولا يجوز السلف فيما لا يتحدد بالوصف مثل الخبز واللحم وروايا الماء؛ لأن ذلك تحديده لا يمكن بوصف لا يختلط به سواه (٨) . وقال ابن حمزة: ولا يجوز السلف فيما لا يتحدد بالوصف ولا في الأشياء المختلطة ولا الأمتعة المتخذة من جنسين فصاعدا ولا في المنسوب إلى شيء مخصوص (٩) .

стр. 14110

قال ابن إدريس: وكل شيء لا يتحدد بالوصف ولا يمكن ذلك فيه لا يصح السلف فيه إلى أن قال: وإنما منع أصحابنا من السلف في الخبز واللحم وروايا الماء؛ لاختلافها في الكبر والصغر؛ فأنها لا تضبط بالتحديد فإن حددها براوية معلومة لا يصح ذلك؛ لأن السلف في الذمة، وربما هلكت تلك الراوية فيبطل السلف إلى أن قال: ولا بأس بالسلم في الحيوان كله إذا ذكر الجنس والأوصاف والأسنان من الإبل والبقر والغنم والخيل والبغال والحمير والرقيق وغير ذلك من أجناس الحيوان وبالسلف في الفواكه كلها إذا ذكر جنسها ولم ينسب إلى شجرة بعينها. (١) . قال المحقق: فلا يصح فيما لا يضبطه الوصف كاللحم والخبز والجلود ويجوز في الأمتعة والحيوان والحبوب وكل ما يمكن ضبطه. (٢) . قال الشهيد عند قول المحقق (ولا يجوز الإسلاف في القصب أطنانا) : الوجه في ذلك كله اختلاف مقدار المذكورات الموجب للغرر في عقد السلف بخلاف ما لو بيع مشاهدا فإن المشاهدة ترفع الغرر عنه والضابط للصحة الانضباط الرافع لاختلاف الثمن (٣) .

стр. 14111

وقال المحدث البحراني: وأما الجواهر واللآلئ فظاهر جملة من الأصحاب عدم الفرق بين الكبار والصغار لاشتراك الجميع في علة المنع وهو تعذر ضبطها على وجه يرتفع بسببه اختلاف الثمن، وفرق آخرون: فخصوا المنع بالكبار لما ذكر من تفاوتها باعتبارات لا تحصل بدون المشاهدة أما الصغار التي تستعمل في الأدوية والكحل ونحوها فهي لا تشتمل على أوصاف كثيرة بحيث تختلف القيمة باختلافها فيجوز السلم فيها وما ذكرنا من التفصيل مثل المعاجين خيرة الشهيدين رحمهما الله وهو جيد (١) . وقال صاحب الجواهر عند قول الماتن: (وهل يجوز الإسلاف في المعدود؟ الوجه: لا؛ لعدم ارتفاع الغرر به لكثرة اختلاف المعدود في الكبر والصغر وغيرهما والاكتفاء به في المشاهدة لارتفاع الغرر بها لا به، قال: قلت: التحقيق الجواز فيما لا يكثر فيه التفاوت بل كان التفاوت فيه يتسامح فيه بالعادة وفاقا للفاضل في جملة من كتبه والشهيدين وغيرهما لعدم الغرر فتشمله الإطلاقات (٢) . هذه كلماتهم كما ترى يظهر منها تصريحا أو تلميحا أن الضابط في السلع التي يجوز السلف فيها والتي لا يجوز هو إمكان ضبطها بالوصف وتحديدها فيجوز الإسلاف فيها لانتفاء الغرر، وأما إذا لم يكن ضبطها فلا يجوز الإسلاف فيها للغرر.

стр. 14112

المطلب الثالث مفهوم صفة (التعيين) في السلع التي يمتنع معها السلم التعيين ليس له حقيقة شرعية بمعنى أن الشارع وضعه لمعنى جديد تأسيسي غير معناه اللغوي بل هذه الكلمة بمعناها اللغوي عبارة عن التخصيص، قال الطريحي: تعيين الشخص: تخصيصه من الجملة (١) وفي (المنجد) عين تعيينا الشيء: خصصه من الجملة وأفرده (٢) . فإذا كان شيء من الأشياء أو أمر من الأمور مبهما أو عاما كليا فتعيينه قد يكون بالإشارة الخارجية مثل هذا الشيء وهذا الأمر مشيرا إلى شيء خاص وأمر معين وقد يكون بالتوصيف والتحديد بحيث يخرج بهذا الوصف جملة من الأفراد لكن الوصف لا يخرج الموصوف عن الكلية والفرض في السلم أن المسلم فيه أمر كلي لا يمكن الإشارة إليه وإلا خرج عن الكلية بالإشارة الخارجية فيكون التعيين في السلم بالتحديد والتوصيف بحيث يجعل المسلم فيه مميزا ومخصصا من بين الأفراد ولكن هذا التحديد والتوصيف لا يخرج المسلم فيه عن الكلية بل التخصيص في الحقيقة تضييق وإخراج لجملة من الأفراد عن المعنى الكلي بحيث يصير المعنى العام بالتحديد والتوصيف معلوما ومميزا عند المسلم والمسلم إليه وذلك منوط بكون الشيء مما يمكن أن ينضبط بالوصف على وجه ترتفع جهالته ولا يؤدي إلى عزة وجوده، فإذا كانت السلعة من الأمور التي لا يمكن ضبطها بالوصف على الوجه المذكور لم يصح السلم فيها. والحاصل أن الشيء إما أن يكون من الأشياء التي تنضبط بالوصف بحيث ترتفع الجهالة معه ويكون معلوما عند المتعاقدين ولذا لا بد أن تكون العبارة الدالة على الوصف معلومة ظاهرة في العرف واللغة حتى يمكن استعلامها عند اختلافهما، ففي هذه الأشياء التي تنضبط بالوصف مع الحيثية المذكورة يجوز السلم فيها قطعا وأما أن يكون الشيء مما لا ينضبط بالوصف والتحديد كما قيل في بعض الأشياء فهذا مما يمتنع السلم فيه لأجل عدم إمكان التعيين الذي هو عبارة عن انضباط الشيء بالوصف مثل الجواهر واللآلي الكبار لتعذر ضبطها فلا يجوز السلم فيها، نعم قد تلون بعض الأشياء مما يشك في كونها من الأمور التي يمكن ضبطها أو لا يمكن ضبطها كما مثلوا له بالجلود بل وكذا اللحم والخبز قال المحقق: وفي الجلود تردد. (٣) وفي (الجواهر) نعم: قد يشك في بعض أفراده كاللحم نِيئه ومشويه والخبز (٤) نعم يمكن أن يقال: بجواز السلم فيها لأجل الإطلاقات (٥) .

стр. 14113

المطلب الرابع هل تعد السلعة الواحدة ذات العلامات التجارية (الماركات) المتعددة صنفا واحدا أم أصنافا متعددة؟ أثر اختلاف العلامات التجارية (الماركات المسجلة) في تعدد أصناف السلع المسلم فيها. فهنا أمران: الأمر الأول في أن العلامات التجارية المتعددة موجبة لأن تصير السلعة الواحدة أصنافا متعددة أم لا. فنقول: ليست العبرة في كون السلعة واحدة من حيث الصنف أو متعددة بمجرد أن السلعة لها ماركات متعددة مع وحدة الجنس بحيث لا تفاوت بين السلعتين إلا من جهة الماركة والعلامة التجارية مثلا إذا كانت السلعة لها ماركة مخصوصة تغاير سلعة أخرى التي لها علامة تجارية فهاتان السلعتان إذا فرضنا أن جميع أجزائهما وخصوصياتهما كانت واحدة لا تفاوت بينهما من حيث الكمية والكيفية إلا من جهة العلامة التجارية ففي هذه الصورة تعد السلعتان صنفا واحدا في الحقيقة؛ لأن المناط في الوحدة والتعدد من حيث الصنف ليس بمجرد الماركات المختلفة والعلامات التجارية من دون تفاوت بين الجنس كما وكيفا، نعم قد تكون السلعتان المشتركتان من جهة الأجزاء والخصوصيات المتساويتان من جهة الكمية والكيفية متفاوتتين من حيث القيمة، وهذا التفاوت في القيمة ليس من جهة الاختلاف في الجنس والوصف وسائر الخصوصيات بل لأجل اختلاف العلامات التجارية والماركات المختلفة، ولكن هذا الاختلاف في الواقع من جهة القيمة ليس بمجرد اختلاف العلامات، وإن كان العرف يرى أن اختلاف القيمة لأجل اختلاف العلامات بل قد يكون من جهة اشتهار بعض العلامات التجارية شهرة حدثت من كثرة الإعلان لهذه العلامة التجارية أو لأن بعض السلع للمؤسسات ولها سابقة أكثر من غيرها أو لأجل أمور أخرى، فهنا سلعتان مشتركتان من حيث الخصوصيات الموجودة فيهما كمية وكيفية، ومختلفان من حيث القيمة من جهة أمور ذكرناها وحيث تكون السلعتان مختلفتين من جهة القيمة فلا بد من ذكر العلامات التجارية والماركات المختلفة لدى انعقاد المعاملة، لا سيما إذا كان اختلاف القيمة بين السلعتين فاحشا لأجل لزوم الغرر المنهي كما في الحديث النبوي المتقدم ذكره. (١) .

стр. 14114

وأما أثر اختلاف العلامات التجارية (الماركات المسجلة) في تعدد أصناف السلع المسلم فيها فنقول: بعد ما تقدم أنه لا بد من ذكر العلامات التجارية عند المعاملة لا سيما إذا كان اختلاف القيمة فاحشا بين السلعتين، وقد أشرنا إلى أن الماركات المسجلة صارت في السلع عند العرف بمنزلة الأوصاف فلا بد من ذكرها لما تقدم من أن عدم ذكرها موجب للغرر فأثر اختلاف العلامات التجارية يكون في أمور نذكر جملة منها، وهي التي لها ربط بمعاملة السلف: منها – أنه لا بد من ذكر العلامات التجارية عند المعاملة لأنها بمنزلة الأوصاف عند العرف. منها – أنه لا يجوز للمسلم إليه تبديل السلعة بعلامة تجارية مذكورة حين المعاملة بسلعة أخرى بعلامة غيرها. منها – أنه لا يجب على المسلم قبول السلعة التي ليست بتلك العلامة التي ذكرت عند المعاملة، وفي (الجواهر) : لا خلاف في أنه إذا دفع المسلم إليه المسلم فيه دون الصفة أو المقدار المشترطين فيه لا يجب على المسلم قبوله وإن كان أجود من وجه آخر؛ لأنه ليس نفس حقه مع تضرره به. (١) . منها – أنه يجوز التراضي إذا لم تكن السلعة بتلك العلامة بعد ذلك، وقال أيضا: ولو رضي المسلم به صح وبرئ المسلم إليه كانت ذمته مشغولة به (٢) . وقد روى محمد بن يعقوب عن محمد بن يحيى عن أحمد بن محمد وعن علي بن إبراهيم عن أبيه جميعا عن ابن أبي عمير عن أبي المغرا عن الحلبي قال: سألت أبا عبد الله ﵇ عن الرجل يسلم في وصف (وصفا - يب) أسنان معلومة ولون معلوم ثم يعطي دون شرطه أو فوقه فقال: إذا كان عن طيبة نفس منك ومنه فلا بأس (٣) .

стр. 14115

المطلب الخامس اشتراط قبض بضاعة السلم قبل بيعها والحكمة في ذلك أما اشتراط قبض بضاعة السلم قبل بيعها ففيه ثلاث صور: الصورة الأولى: بيعها قبل حلول الأجل وقبل قبض البضاعة. الصورة الثانية: بيعها بعد حلول الأجل وقبل قبض البضاعة. الصورة الثالثة: بيعها بعد حلول الأجل وبعد قبضها. أما الصورة الأولى: وهي بيعها قبل حلول الأجل وقبل قبضها فالذي عليه الأكثر هو عدم الجواز واستدل عليه بأن المسلم الذي هو بائع البضاعة غير قادر على تسليمها في الحال، والقدرة على تسليم المبيع شرط في صحة البيع فلا يصح البيع قبل حلول الأجل وقبل القبض. ولكن يمكن أن يقال: إن المعتبر من القدرة على تسليم المبيع عند الأجل والفرض أن المسلم باعها مؤجلا وهو قادر على التسليم عند الأجل وهو كاف في صحة المعاملة. وبأن من جملة الشرائط أن يكون البائع مالكا للبضاعة ولا يكون المسلم مالكا للبضاعة قبل حلول الأجل والوجه في ذلك أن المسلم فيه كلي والكلي غير موجود في الخارج والملكية لا تتعلق بأمر لا يكون في الخارج موجودا. ولكن فيه أنه لا مدخلية للأجل في الملكية إذ العقد هو السبب في الملك والأجل إنما هو لمطالبة السلعة. ويمكن الاستدلال عليه بقوله: لا تبع ما ليس عندك وتقريره أن المستفاد من الحديث أن البيع قبل قبض السلعة منهي عنه فلا يجوز بيع المسلم فيه قبل حلول الأجل وقبل القبض، ولكن يمكن أن يكون معنى الحديث عدم جواز بيع الشيء قبل أن يصير ملكا للبايع، والمفروض في المقام أن السلعة ملك للمسلم فلا يمكن الاستدلال بالحديث على عدم الجواز، والعمدة في المنع وعدم الجواز في هذه الصورة الإجماع المحكي في كلمات الأعلام (١) . وفي الجواهر: للإجماع المحكي في التنقيح وظاهر الغنية وجامع المقاصد وغيرها وعن كشف الرموز إن لم يكن محصلا بل لعله كذلك (٢) . الصورة الثانية: وهي بيع البضاعة بعد حلول الأجل وقبل قبضها فالأقوى الجواز كما في الجواهر (٣) . وفي (جامع المدارك) : فلا إشكال بعد حلول الأجل وإن لم يقبضه (٤) . فلا يكون في المقام ما يدل على المنع عدا ما عسى يظهر من الحديث النبوي المتقدم: ((لا تبع ما ليس عندك)) .

стр. 14116

لكن تقدم الكلام في عدم دلالته على المدعى وهو عدم جواز بيع شيء قبل قبضه بل يحتمل أن يكون المراد منه النهي عن بيع شيء لا يكون ملكا للبائع ويمكن أن تكون هذه العبارة كناية عن القدرة على التسليم أي: لا تبع ما لا تكون قادرا على تسليمه فعلى هذا لا يمكن الاستدلال بالحديث على عدم الجواز في هذه الصورة أيضا مضافا إلى إطلاق الأدلة وعمومها (١) الدالة على الجواز مع الروايات الواردة في خصوص المقام؛ منها مارواه الكليني عن سهل بن زياد عن معاوية بن حكيم عن الحسن بن علي بن فضال قال: كتبت إلى أبي الحسن ﵇: الرجل يسلفني في الطعام فيجيء الوقت وليس عندي طعام أعطيه بقيمته دراهم؟ قال: نعم (٢) ومنها ما عن الكليني عن أحمد بن محمد عن ابن أبي عمير عن أبان بن عثمان عن بعض أصحابنا عن أبي عبد الله في الرجل يسلم الدراهم في الطعام إلى أجل فيحل الطعام فيقول: ليس عندي طعام ولكن انظر ما قيمته فخذ فمني ثمنه فقال: لا بأس بذلك (٣) وغيرهما من الأخبار. هذا في غير المكيل والموزون، وأما فيهما فقد قال بعض بعدم الجواز، والمعروف الكراهة جميعا بين الأخبار. (٤) . الصورة الثالثة: بيع السلم بعد حلول الأجل وبعد القبض فهو جائز وفي الجواهر فلا خلاف فيه ولا إشكال (٥) . وأما الحكمة في ذلك، فيمكن أن تكون في قبض بضاعة السلم قبل البيع على القول باشتراطه في بيع البضاعة هو أن المسلم قبل القبض ربما يكون مترددا حين إنشاء البيع؛ لأنه لا يدري أن بضاعته تصل إليه ويقبضها أم لا وهل يكون قادرا على الإقباض والإعطاء لمبتاعها أم لا وهذا بخلاف ما إذا قبضها. ويمكن أن تكون الحكمة أمورا أخرى مثل النهي عن البيع قبل القبض كما في الروايات، وأما كفاية قدرة المسلم على توفير السلعة عن القبض أو التأمين على السلعة أو وجودها في المخازن فبعدما ذكرنا الصور الثلاث في المسألة وبينا الحكم في كل واحد منها، وقلنا: إن الحكم في الصورة الأولى هو عدم جواز البيع قبل حلول الأجل وفي الصورتين الأخيرتين فالحكم فيهما جواز البيع تبين حكم الأسئلة المذكورة في المتن نعم فصل بعض في الصورة الثانية بين ما كان المسلم فيه الطعام وغيره، وبعض آخر بين ما كان مكيلا وموزونا وغيرهما فقالوا بالتحريم في الطعام والمكيل والموزون والمعروف الكراهة كما تقدم ذكره.

стр. 14117

المطلب السادس عجز البائع عن تسليم البضاعة عند حلول الأجل في السلم فنقول: إذا حل الأجل فأما أن يتمكن البائع من دفع المسلم فيه إلى المشتري فيجب عليه تسليم البضاعة وإقباضها ويجب على المشتري القبول إذا دفعها البائع على الصفة والقدر، وأما إذا لم يتمكن من دفع المسلم فيه أو كان المسلم فيه دون الصفة أو أقل من المقدار لم يجب على المشتري القبول وحينئذ تخير المشتري بين الفسخ والرجوع بلا زيادة ولا نقيصة وبين أن ينتظر إلى أن يتمكن البائع من دفع المبيع إليه في وقت آخر ويدل على ذلك ما رواه الشيخ الطوسي بإسناده عن الحسين بن سعيد عن صفوان بن يحيى ومحمد بن خالد عن عبد الله بن بكير قال: سألت أبا عبد الله ﵇ عن رجل أسلف في شيء يسلف الناس فيه من الثمار فذهب زمانها (ثمارها) ولم يستوف سلفه. قال: فليأخذ رأس ماله أو لينظره (١) . ثم لو تمكن البائع من دفع بعضه وعجز عن الباقي كان للمشتري الخيار في الباقي بين الفسخ فيه واسترداد ما يخصه من الثمن وبين الصبر إلى وجوده كتعذر الكل والذي يدل عليه ما رواه الشيخ محمد بن يعقوب عن محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن علي بن النعمان، عن ابن مسكان، عن سليمان بن خالد قال: سألت أبا عبد الله ﵇ عن الرجل يسلم في الزرع فيأخذ بعض طعامه ويبقى بعض لا يجد وفاءه فيعرض عليه صاحبه رأس ماله قال: يأخذه فإنه حلال الحديث (٢) . وعنه عن علي بن إبراهيم عن أبيه عن ابن أبي عمير عن حماد عن الحلبي، عن أبي عبد الله ﵇ قال: ((سئل عن الرجل يسلم في الغنم ثنيان وجذعان وغير ذلك إلى أجل مسمى، قال: لا بأس إن لم يقدر الذي عليه الغنم على جميع ما عليه أن يأخذ صاحب الغنم نصفها أو ثلثها أو ثلثيها ويأخذ رأس مال ما بقي من الغنم دراهم ويأخذ دون شرطهم ولا يأخذون فوق شرطهم ... )) الحديث (٣) .

стр. 14118

ويجوز للمشتري حينئذ الفسخ أيضا في الجميع لتبعض الصفقة عليه، وفي (الجواهر) : بلا خلاف أجده في شيء من ذلك (١) . ثم إذا اختار المشتري الفسخ في البعض فقد صرح بعض بأن للبائع الخيار لتبعض الصفقة عليه أيضا وقواه جماعة وهو كذلك إذا لم يكن ذلك بتفريط منه وتقصير. وأما مشروعية الشرط الجزائي عن تأخير تسليم البضاعة: فلا خلاف ولا إشكال في قبول عقد البيع وغيره من العقود اللازمة، الشرائط في الجملة والنصوص مستفيضة فيه أو متواترة؛ منها ما عن محمد بن يعقوب، عن عدة أصحابنا، عن سهل بن زيادة وأحمد بن محمد جميعا عن ابن محبوب، عن عبد الله بن سنان، عن أبي عبد الله ﵇ قال: سمعته يقول: من اشترط شرطا مخالفا لكتاب الله فلا يجوز له، ولا يجوز على الذي اشترط عليه والمسلمون عند شروطهم مما وافق كتاب الله . (٢) . وبإسناده عن الحسين بن سعيد عن النضر بن سويد، عن عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله ﵇ قال: ((المسلمون عند شروطهم إلا كل شرط خالف كتاب الله فلا يجوز)) (٣) . وبإسناده عن الصفار عن الحسن بن موسى الخشاب عن غياث بن كلوب عن إسحاق بن عمار عن جعفر عن أبيه ﵇ أن علي بن أبي طالب ﵇ كان يقول: من شرط لامرأته شرطا فليف لها به؛ فإن المسلمين عند شروطهم إلا شرطا حرم حلالا أو أحل حراما (٤) . وغيرها من النصوص والأخبار الواردة في الشرط الدالة على مشروعية الشرط ولزوم الوفاء به؛ بل يمكن الاستدلال على مشروعية الشرط بإطلاق الأمر بالوفاء بالعقود والتجارة عن تراض كما في الجواهر (٥) .

стр. 14119

إلا أن من الشروط ما ليس بسائغ ومنها ما هو سائغ ولذا يشترط في وجوب الوفاء بالشرط أمور: منها: أن لا يكون مخالفا للكتاب والسنة ويتحقق هذا في موردين: الأول: أن يكون العمل بالشرط غير مشروع في نفسه مثل أن يبيع شيئا ويشترط عليه أن يرتكب محرما من المحرمات الإلهية. الثاني: أن يكون الشرط بنفسه مخالفا لحكم شرعي كما إذا باع شيئا بشرط أن لا يرثه منه ورثته أو بعضهم وأمثال ذلك، فإن الشرط في جميع هذه الموارد باطل. ومنها: أن لا يكون منافيا لمقتضى العقد كما إذا باعه بشرط أن لا يكون له ثمن أو آجره الدار بشرط أن لا تكون لها أجرة. ومنها: أن يكون مذكورا في ضمن العقد صريحا أو ضمنا كما إذا قامت القرينة على كون العقد مبنيا عليه ومقيدا به إما لذكره قبل العقد أو لأجل التفاهم العرفي مثل اشتراط التسليم حال استحقاق التسليم فلو ذكر قبل العقد ولم يكن العقد مبنيا عليه عمدا أو سهوا لم يجب الوفاء به. ومنها: أن يكون مقدورا عليه بل لو علم عدم القدرة لم يمكن إنشاء الالتزام به. فقد قال بعض: إن ضابطه ما لم يكن مؤديا إلى جهالة المبيع أو الثمن ولا مخالفا للكتاب والسنة والحاصل أن الشرط مع رعاية الأمور التي ذكرناها مشروع ويجب على المشروط عليه الوفاء به. وعقد السلم كما قلنا فيما تقدم قسم من أقسام البيع والشرط فيه مشروع مع رعاية الأمور المتقدمة فيجوز فيه الشرط الجزائي عند تأخير تسليم البضاعة.

стр. 14120

المطلب السابع إصدار سندات سلم قابلة للتداول فنقول: لا بد أولا من البحث عن الأوراق والأسناد التجارية بشكل عام وأن الاعتبار هل هو قائم بنفس تلك الأوراق أو بما أن الأوراق حاكية عن مالية عرفية ثم البحث عن قابليتها للتداول وهل بينها وبين الأوراق النقدية فرق أم لا؟ فنقول: إن أوراق النقود وما يشابهها مثل بعض الأوراق التي تعتبرها البنوك وتتعهد بإعطاء مبلغها على أنه مثل أوراق النقود كانت معتبرة عند العرف والسوق ولكن كان الاعتبار بنفس تلك الأوراق لا بما أنها حاكية عن شيء معتبر بنفسه مثل الذهب والفضة ونظائرهما بل يرى العرف والعقلاء أن المالية قائمة بنفس تلك الأوراق أي: أوراق النقود وهذا بخلاف الأوراق والأسناد التجارية فإن تلك الأوراق والأسناد لا يرى العرف أن المالية قائمة بنفس تلك الأوراق على الظاهر، بل الاعتبار لها بما أن تلك والأسناد حاكية عن أمر آخر له مالية واعتبار، فالمالية لتلك الأوراق ليست لنفسها بل من جهة ما تحكي تلك الأوراق عنها، وهي الأشياء الخارجية التي لها الاعتبار، والمالية عند العرف والسوق بحسب الظاهر. فعلى هذه المالية والاعتبار قائمة بأوراق النقود نفسها وفي الأوراق التجارية ليست قائمة بنفس تلك الأوراق بل أوراق حاكية عن أمور خارجية والمالية قائمة بتلك الأمور فبهذا الفرق بين أوراق النقود والأوراق التجارية تختلف أحكامها أيضا فبعد بيان الفرق بينهم نشرع في بيان جواز التداول والصرف في أوراق النقود والأوراق التجارية، فأما أوراق النقود فهي قابلة للصرف والتداول بنفسها حيث إن لها الاعتبار والمالية بنفسها عند العرف والسوق، ولذا كانت المعاملات الكثيرة بأوراق النقود وما شابهها من غير فرق بين كون الثمن من أوراق النقود والمثمن شيء آخر من الأجناس أو الثمن والمثمن كليهما من أوراق النقود، ومن أتلف تلك الأوراق أي أوراق النقود وكانت للغير فهو لها ضامن بمثل تلك الأوراق التي أتلفها وهذا بخلاف الأوراق والأسناد التجارية، فإذا جاوزنا الصرف والتداول فيها فليس من جهة اعتبار تلك الأوراق وماليتها بنفسها بل من جهة أن هذه الأوراق حاكية لأمور وأشياء أخرى لها المالية والاعتبار، فالحقيقة أن التداول من جهة أمر كون تلك الأوراق حاكية عن المالية فالمعاملات الواقعة بها لم تقع عليها بنفسها بل وقعت على الأمور التي عبرت عنها تلك الأوراق، فعلى هذا يجوز التداول في تلك الأوراق بهذا الاعتبار.

стр. 14121

والأسناد والأوراق الصادرة في معاملة السلم ليست من قبيل أوراق النقود التي كانت المالية لها بنفسها، بل من قبيل الثاني، وهي الأوراق التجارية التي كانت المالية قائمة بأمور أخرى وتلك الأوراق حاكية عنها. وحيث قد تقدم أن بضاعة السلم لا يجوز بيعها قبل حلول الأجل اتفاقا وبعد حلول الأجل وقبل القبض كما عند بعض، فلا يجوز بيع تلك الأوراق قبل حلول الأجل وبعد حلول الأجل وقبل القبض، كما هو مختار جماعة؛ لأن اعتبار تلك الأوراق وماليتها باعتبار أمور كانت تلك الأوراق معبرة عنها. والحمد لله رب العالمين الشيخ محمد علي التسخيري والشيخ علي نظري منفرد

стр. 14122

السلم وتطبيقاته المعاصرة إعداد الشيخ حسن الجواهري بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد وعلى آله الطاهرين وصحبه الميامين السلم وتطبيقاته المعاصرة السلم بفتح السين واللام وهو مرادف للفظ السلف، هو نوع من البيع، فاستعمال صيغة البيع فيه استعمال للفظ فيما وضع له، غاية الأمر أن هذا الفرد في البيع له أحكامه الخاصة الزائدة على أحكام البيع: وقد عطف في مختصر النهاية القرض عليه، ولعل اشتراكهما لفظا فيه لاشتراكهما في أن كلا منهما إثبات مال في الذمة بمبذول في الحال. (١) . والإيجاب فيه: ١- إذا كان بلفظ السلم أو السلف هو أن يقول المشتري: أسلمت إليك أو أسلفتك كذا في كذا إلى أجل، فيقول المسلم إليه (البائع) : قبلت وشبهه، وهذا من مختصات بيع السلم لعدم تعقل معناهما من غير المشتري. ٢- أما إذا وقع بغير لفظ أسلمتك أو أسلفتك فيصح الإيجاب من البائع فيقول: بعتك كذا بكذا وصفته كذا إلى أجل كذا، فيقول المشتري: قبلت، ودفع الثمن في المجلس انعقد سلما لا بيعا مجردا عن كونه سلما. إذ اتضح عدم اعتبار قصد السلمية في صيرورته سلما بعد إن كان مورده متشخصا في نفسه. فما عن بعض الشافعية من أن ذلك بيع لا سلم فلا يجب القبض في المجلس وغيره من أحكامه نظرا إلى كونه الإيجاب بلفظ البيع واضح الفساد، إذ مع كون الأولى النظر إلى المعاني، لا تنافي هنا بين اللفظ والمعنى ضرورة كون السلم نوعا من البيع، فليس في لفظ البيع ما يقتضي كونه غير سلم حتى يحتاج إلى ترجيح النظر إلى اللفظ على المعنى (٢) . ٣- وكذا يقع السلم (من البائع) بلفظ: استلفت واستلمت، وتسلفت وتسلمت فيقول المشتري (المسلم) : قبلت ونحوه، فيكون الموجب هو البائع والقابل هو المشتري. ٤- كما يصح السلم بلفظ الشراء، فيقول: اشتريت منك ثوبا أو طعاما صفته كذا بهذه الدراهم إلى أجل كذا، فقال البائع: بعته منك، فهناك ينعقد هذا البيع سلما ويكون صحيحا بناء على جواز تقديم القبول على الإيجاب، كما هو الصحيح، أما لو قال البائع: قبلت، فقد يقال بصحته أيضا بناء على اختصاص السلم بجواز كون الإيجاب من المشتري والقبول من البائع.

стр. 14123

تعريف بيع السلم: عرف عند البعض بأنه: (ابتياع مال مضمون إلى أجل معلوم بمال حاضر أو في حكمه) (١) .وهذا التعريف ينسجم مع من يقول بأن البيع هو اسم للنقل والانتقال المراد من الابتياع هنا. والمراد من المضمون هنا هو الكلي في الذمة بقرينة إلى أجل معلوم، وبهذا يحترز عن البيع المضمون قبل القبض. وأخرج بقوله بمال حاضر أو ما في حكمه بيع النسيئة لعدم اعتبار ذلك فيها، فالمراد بالمال الحاضر هو المال الموجود المشخص في مجلس العقد، والمراد بما في حكمه: ١- المال المقبوض قبل التفرق وإن لم يكن موجودا في مجلس العقد وهو الكلي في الذمة المدفوع قبل التفرق. ٢- أو كان موجودا بدون تشخيص ثم يشخص قبل التفرق ويقبض. ٣- أو كان الثمن دينا في ذمة البائع بناء على جواز جعله ثمنا للسلم. وهذه وأمثالها لم تعتبر في النسيئة. وأما الأجل في السلم فهو المشهور وسيأتي تحقيق الحال فيه. مشروعيته: أما مشروعيته فقد دل عليها أمور: ١- شمول العمومات القرآنية مثل: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ [البقرة: ٢٧٥] و ﴿تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ﴾ [النساء: ٢٩] . إذ لا إشكال في كونه بيعا عرفا فتشمله الأدلة. ٢- إجماع المسلمين على جواز هذا البيع. ٣- الروايات المتواترة التي دلت على صحته وهي كاشفة عن السنة النبوية، فمن الروايات: أ - صحيح جميل بن دراج عن الإمام الصادق ﵇ قال: (لا بأس بالسلم في المتاع إذا وصفت الطول والعرض) (٢) . ب - صحيح زرارة عن الإمام الصادق ﵇ قال: (لا بأس بالسلم من الحيوان إذا وصفت أسنانها) (٣) . ج- صحيح الحلبي عن الإمام الصادق ﵇ قال: "سئل عن الرجل يسلم في الغنم ثنيان وجذعان وغير ذلك إلى أجل مسمى قال ﵇: لا بأس (إلى أن قال) : والأكسية مثل الحنطة والشعير والزعفران والغنم. (٤) ، وغيرها من الروايات.

стр. 14124

هل مشروعية السلم أصلية أو استثناء؟ ذهب البعض إلى أن مشروعية السلم ليست أصلية، بل إن تعامل الناس والحاجة جعل الفقه الإسلامي يميز بيع السلم، فقد ذكر السنهوري ما خلاصته: هنا نجد الفقه الإسلامي – على الوجه الذي استقر عليه في عصور التقليد – يضيق بحاجات التعامل. فقد كان الأصل الذي قام عليه عدم جواز بيع المعدوم هو فكرة الغرر. (١) ولكن سرعان ما اختفى هذا الأثر، وأصبح انعدام الشيء في ذاته هو سبب البطلان ولو لم يكن هناك غرر أو كان هناك غرر يسير. لذلك نجد إجماع من المذاهب على أن الشيء إذ لم يكن موجودا أصلا وقت التعاقد كان العقد باطلا، حتى لو كان وجوده محققا في المستقبل. لقد سلم الفقهاء كما رأينا، أن الشيء إذا كان موجودا في أصله دون أن يوجد كاملا – كالزرع أو الثمر الذي لم يبد صلاحه وكالزرع الذي يوجد بعضه بعد بعض – فهذا الوجود الأصلي وإن لم يكن وجودا كاملا يكفي لجواز التعاقد. أما انعدام الشيء أصلا، فقد خلطوا بينه وبين الغرر، واعتبروا أن التعامل في شيء منعدم وقت التعاقد ينطوي في ذاته على غرر يفسد العقد، ولم يميزوا بين مصير الشيء المعدوم في المستقبل، هل هو محقق الوجود فتزول الخشية من الغرر وكان ينبغي أن يصح العقد، أو هو محتمل الوجود، وعند ذلك يدخل عنصر الغرر بقدر متفاوت فيعالج القدر الذي يقتضيه. على أن تعامل الناس والحاجة أوجدا ثغرتين في هذا المبدأ الذي جمد عليه الفقهاء، فأجاز الفقه الإسلامي بيع المعدوم في السلم والاستصناع فنبسط المبدأ ثم نستعرض الاستثناءين. ثم استند السنهوري في رأيه هذا على أقوال بعض الفقهاء كقول صاحب البدائع في عدم جواز بيع المعدوم، ونقل عن (فتح القدير) / جزء ٥/ ١٠٢/: "لا خلاف في عدم جواز بيع الثمار قبل أن تظهر" وعن (الفتاوى الهندية) /٣/١٠٦/: "بيع الثمار قبل الظهور لا يصلح اتفاقا". وعن (بداية المجتهد) /٢/١٢٤/: (أما القسم الأول وهو بيع الثمار قبل أن تخلق فجميع العلماء مطبقون على منع ذلك، لأنه من باب النهي عن بيع ما لم يخلق أو من باب بيع السنين والمعاومة وهي بيع الشجر أعواما، إلا ما روي عن عمر بن الخطاب وابن الزبير أنهما كانا يجيزان بيع الثمار سنين) . (٢) .

стр. 14125

أقول: يرد على ما ذكره السنهوري عدة أمور: ١- إن ما ننسبه إلى الفقه الإسلامي يجب أن يكون مستخرجا من الأدلة الشرعية التي هي مصدر الفتاوى عند علماء الإسلام، فنسبة مشروعية السلم إلى الاستثناء (من عدم جواز بيع المعدوم) دعت إليه الضرورة كما صرح بذلك، استنادا إلى أقوال بعض الفقهاء غير صحيح. ٢- إن قاعدة (عدم جواز بيع المعدوم) ليس لها أصل في الشريعة (القرآن والسنة) ، نعم ورد النهي عن بيع الغرر، وهو كما يوجد في بيع بعض الأعيان المعدومة كبيع ما تحمل هذه الأمة أو هذه الشجرة يوجد في بيع بعض الأعيان الموجودة كما في بيع الحنطة جزافا وكبيع الآبق منفردا. ٣- لقد أجاز الشارع بيع المعدوم في بعض الموارد (كما سيأتي ذكر الروايات الدالة على ذلك) فكيف مع هذا ننسب إلى الفقه الإسلامي أن الأصل فيه عدم جواز بيع المعدوم؟! ٤-أجاز الشارع بيع السلم بروايات كثيرة وجعل له شروطا رفعه عن دائرة الغرر والجهالة وبيع المعدوم الغرري، فاشترط في المبيع أن يكون معلوم الجنس والنوع والصفة، وأن يكون معلوم القدر بالكيل أو الوزن أو العدّ أو الذرع وأن يكون مما يمكن أن يضبط قدره وصفته بالوصف الذي لا يفضي إلى التنازع. كما اشترط في الثمن شروطا معينة كأن يكون مقبوضا في المجلس، كما اشترط في الأجل أن لا ترقى إليه الجهالة، وغير هذه الشروط المذكورة في الروايات التي صدرت في عصر التشريع الإسلامي الأول، ومع هذا كيف يقال: إنه أجيز للضرورة على خلاف الأصل؟! روايات جواز بيع المعدوم (الخاص) : لقد وردت روايات كثيرة تصحح بيع المعدم، وهي تكشف عن رؤية إسلامية لصحة بيع المعدوم إذا توافرت فيه شروط خاصة تخرج عن الجهالة والغرر (الخطر) المؤدي إلى المنازعة، وإليك بعضها: ١- صحيحة يعقوب بن شعيب قال: (سألت الإمام الصادق ﵇ عن شراء النخل فقال: كان أبي يكره شراء النخل قبل أن يطلع ثمرة السنة، ولكن السنتين والثلاث كان يقول: إن لم يحمل في هذه السنة حمل في السنة الأخرى. قال يعقوب: وسألته عن الرجل يبتاع النخل والفاكهة قبل أن يطلع سنتين أو ثلاث سنين أو أربعا؟ قال ﵇: لا بأس، إنما يكره شراء سنة واحدة قبل أن يطلع مخافة الآفة حتى يستبين) (١) . ٢- صحيحة الحلبي قال: (سألت الإمام الصادق ﵇ عن شراء النخل والكرم والثمار ثلاث سنين أو أربع سنين فقال ﵇: لا بأس، تقول: إن لم يخرج في هذه السنة أخرج في قابل، وإن اشتريته في سنة واحدة فلا تشتريه حتى يبلغ، وإن اشتريته ثلاث سنين قبل أن يبلغ فلا بأس. وسئل عن الرجل يشتري الثمرة المسماة في أرض. فتهلك ثمرة تلك الأرض كلها، فقال ﵇: قد اختصموا في ذلك إلى رسول الله ﷺ فكانوا يذكرون ذلك، فلما رآهم لا يدعون الخصومة نهاهم عن ذلك البيع حتى تبلغ الثمرة ولم يحرمه ولكن فعل ذلك من أجل خصومتهم) (٢) . فمن هذين النصين يتبين أن بيع ثمر النخل والفواكه سنين متعددة لا بأس به، وهذا هو بيع المعدوم حالا المحقق الوجود مآلا، ولا يوجد فيه غرر، أما بيع ثمرة النخل سنة واحدة فقد كان الأصل هو الجواز كما تقول الرواية، لكن لما انتهى في بعض الموارد إلى الخصومة (وهي موارد ما إذا هلكت الثمرة قبل القبض وعدم إرجاع الثمن إلى المشتري حسب القاعدة المستفادة من الرواية القائلة: (كل مبيع تلف قبل قبضه فهو من مال بائعه) نهاهم عنه ولم يحرمه فيكون النهي استثناء.

стр. 14126

٣- صحيحة يعقوب بن شعيب قال: (قال الإمام الصادق ﵇ إذا كان الحائط فيه ثمار مختلفة فأدرك بعضها فلا بأس ببيعها جميعا) (١) . ٤- موثقة سماعة قال: (سألته عن بيع الثمرة هل يصلح شراؤها قبل أن يخرج طلعها؟ فقال: لا، إلا أن يشتري معها شيئا من غير رطبة أو بقلا، فيقول: أشتري منك هذه الرطبة وهذا النخل وهذا الشجر بكذا وكذا، فإن لم تخرج الثمرة كان رأس مال المشتري في الرطبة والبقل) . (٢) . ويتبين من هذين النصين أن بيع المعدوم لا بأس به إذ لم يكن فيه غرر (خطر) كما لو اشترى المعدوم مع الموجود وكان المشتري على علم بالحاصل، وهذا نظير بيع الآبق إذا لم يقدر على تسليمه البائع وكذا لا يتمكن أن يتسلمه المشتري؛ فإنه إذا باعه وحده فهو غير صحيح، للخطر، وأما إذا باعه مع الضميمة، فحينئذ يصح البيع، فإن حصل عليه وتسلمه المشتري فهو، وإن لم يتسلمه كان ماله في مقابل الضميمة الموجودة. وعلى هذا فيكون الميزان فيه بيع الموجود والمعدوم واحدا وهو عدم جوازهما إذا كان فيهما غرر (خطر) وجوازهما إذا زال الغرر (الخطر) . فلا أصل هناك في جواز بيع الموجود وعدم جواز بيع المعدوم. ٥- عن ثعلبة بن زيد قال: (سألت الإمام الباقر ﵇ عن الرطبة تباع قطعتين أو ثلاث قطعات، فقال ﵇: (لا بأس ... ) (٣) : ٦- عن معاوية بن ميسرة في حديث قال: (سألت الإمام الصادق ﵇ عن الرطبة يبيعها هذه الجزة وكذا وكذا جزة بعدها؟ قال ﵇: لا بأس به ثم قال: قد كان أبي يبيع الحناء كذا وكذا خرطة) (٤) . وهاتين الروايتان ظاهرتان في جواز بيع الخرطات التي توجد فيما بعد، فهي من بيع المعدوم حالا المحقق الوجود مآلا ولا غرر فيه.

стр. 14127

٧- إن أدلة عقد الإجارة كلها دليل على جواز بيع المعدوم حالا المحقق الوجود مآلا (فالإجارة هي بيع المنافع المستقبلة والمنافع ليست موجودة حالا لكنها ستوجد مستقبلا) وقد أجاز الشارع عقد الإجارة بنصوص واضحة كثيرة مع شروط تخرجها عن الغرر. (١) . ونكتفي بهذا القدر من النصوص الشرعية التي تدل على أن بيع المعدوم إذا لم يكن فيه غرر (خطر) فهو صحيح وهذا هو الأصل والقاعدة كما في بيع الموجود إذا لم يكن فيه خطر. وأما بيع المعدوم والموجود معا إذا كان فيه خطر وغرر فهو باطل لنهي النبي ﷺ عن بيع الغرر، وعلى هذا فالأصل والقاعدة هو عدم جواز بيع الغرر، فإذا جوزت الشريعة أو الفقهاء بيع غرر خاص يكون استثناء للأصل، أما هنا فبيع المعدوم لا يوجد أصل في عدم جوازه، بل ما تقدم من النصوص تصرح بأن الأصل فيه الجواز إذا كان بعيدا عن الغرر. وعلى هذا فسوف يكون بيع السلم على الأصل لما فيه من الشروط والقيود التي تخرجه عن كونه بيعا غرريا " فالمسلم فيه معين محقق الوجود مآلا، ومقدار معين بالكيل أو الوزن أو العدّ أو الذرع الذي يرفع الاختلاف والجهالة، والثمن معلوم يدفع مقدما، ووقت التسليم محدد أيضا بحيث لا يحتمل الزيادة والنقيصة، وأن يكون المسلم فيه موجودا حين الأجل غالبا" وعلى هذا فكيف صار جوازه استثناء وقد صرحت الشريعة بكل ذلك؟! ثم إننا إذا تعقلنا عرفا بيع الكلي في المعين الذي هو عبارة عن بيع الكلي الموجود في الخارج الذي له أفراد خاصة يمتاز كل فرد عن الآخر بخصوصيته، لكن المعاملة حينما وردت على فرد لم تلحظ فيه هذه الخصوصية، فكان بيعا كليا في المعين ويكون تشخيص هذه الخصوصية للبائع كما قد يكون تشخيصها بيد المشتري كما إذا قال: بعت كتابا من هذه الكتب أيا شئت منها. وتعقلنا بيع الحصة المشاعة (٢) كمئة متر من ألف أو حصة من البيت مشاعة، فتحصل الشركة ولابد من التراضي في التقسيم أو القرعة. نتعقل بيع الكلي المضمون في الذمة الموصوف بأوصاف معينة تخرجه عن كونه غرريا. وإذا تعقل هذا عرفا شمله ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ و ﴿تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ﴾ فتكون مشروعيته أصلية وليست على خلاف القاعدة.

стр. 14128

شروط صحة السلم: ذكروا أن شروط السلم ستة: ١- ذكر الجنس (الحقيقة النوعية كالحنطة والشعير) . ٢- ذكر الوصف الرافع للجهالة: والمائز بين أفراد ذلك النوع. والضابط فيه: هو ما يختلف لأجله الثمن اختلافا لا يتسامح بمثله، فذكره لازم، والمرجع في ذلك على العرف لأنه ربما يكون أعرف من الفقيه في هذه الأمور. ولا يجب الاستقصاء في الوصف، بل يجوز الاقتصار على الوصف الذي يزيل اختلاف أثمان الأفراد الداخلة في العين. وحينما نقول بعدم وجوب الاستقصاء في الوصف، فليس معنى ذلك عدم جوازه، بل هو أمر جائز إلا في صورة ما إذا أدى إلى عزة الوجود "الممتنعة" فيبطل العقد، لأننا سنشترط كون وجود الجنس الموصوف غالبيا، ولعل دليل هذا هو أن عقد السلم هو من بيع ما ليس بموجود فإذا كان عزيز الوجود كان مؤديا إلى التنازع والفسخ، وهو مناف للمطلوب، كما أن بعضهم ذكر تعذر التسليم هنا هو المانع من صحة البيع. ٣- قبض رأس المال قبل التفرق، فإن حقيقة السلم (السلف) تعتمد على تسليم الثمن، وعلى هذا فلا يصح أن يكون الثمن كليا لم تشتغل ذمة البائع به (كالدين الذي لم يأت أجله) أما إذا كان قد حل أجله وتراضيا على كونه هو الثمن صح عقد السلم. ويصح أن يكون الثمن حوالة للبائع فقبضه من المحال عليه في المجلس وذلك لحصول قبض الثمن في مجلس العقد قبل التفرق.

стр. 14129

ولكن إذا ترضيا على كون الثمن دينا على المشتري فالمشهور البطلان لكونه بيع دين بدين مثله (١) فيشمله ما روي عن رسول ﷺ ((لا يباع الدين بالدين)) ولصحيح منصور بن حازم عن الإمام الصادق ﵇ قال: (سألته عن الرجل يكون له على الرجل طعام أو بقر أو غنم أو غير ذلك فأتى الطالب المطلوب يبتاع منه شيئا فقال ﵇: لا يبعه نسيئا وأما نقدا فليبعه بما شاء) (٢) . فإن شراء الطالب من المطلوب شيئا بما له في ذمته يجعل النسيء في الرواية بمعنى السلم. ٤- تقدير المسلم فيه بالكيل أو الوزن أو الذرع أو العد (إذا كان يرتفع الغرر به) لترتفع به الجهالة. وكذا رأس المال. ٥- تعيين الأجل بما لا يحتمل الزيادة والنقيصة، أما إذا كان المثمن حالا فهو بيع لا سلم إذا وقع بلفظ البيع. ٦- أن يكون وجود المسلم فيه غالبا بحسب العادة وقت الحلول ولو كان معدوما وقت العقد، ليمكن التسليم. ولعل هذا الشرط قد ذكر للرد على من أوجب أن يكون الجنس المبيع موجودا حال العقد إلى حال المحال كالأوزاعي والثوري وأبي حنيفة (٣) . أقول: إن ما ذكر مقدما بأن لا يكون عزيز الوجود إذا كان راجعا إلى القدرة على التسليم فهو يكفي عن هذا الشرط؛ لأنه لا يطمئن بالقدرة على التسليم إلا في معتاد الوجود، وبهذا الشرط يكون السلم قد ورد على موجود بالنوع.

стр. 14130

حكمة السلم: إن الحكمة في بيع السلم واضحة حيث إنه يحق كثيرا من منافع المتعاقدين، فمن لم يكن لديه السيولة النقدية وعنده القدرة على إنتاج السلع والمحصولات بكميات كبيرة الشيء الكثير بعد أجل معين ويريد ضمان تصريفها فيتمكن أن يحصل على السيولة النقدية ويسلم البضاعة أو المحصول في وقته إلى المشتري، وهذا بنفسه يشجع على الإنتاج المستقبلي في الزراعة والصناعة والعمل ويسد باب عدم تصريف البضاعة وكسادها. ثم إن المشتري يستفيد من استثمار فائض أمواله بشرائه للسلعة السلمية بسعر أرخص بكثير من قيمتها الحقيقية في وقتها وبهذا سوف يحقق أرباحا له جيدة حيث إنه إذا استلم البضاعة فإن كان بحاجة إلى المال فسوف يبيعها بربح، وإن لم يكن بحاجة إلى المال فسوف يبيعها بيعا آجلا بثمن أكبر من ثمنها الحالي، وبهذا يكون قد استثمر المال مرتين. بيان أنواع المعاملات التي يجوز فيها السلم: إن المعاملات التي يجوز فيها السلم كثيرة وحاصلها: ١- بيع السلم وهو الشائع من أنواع المعاملات السلمية الذي يكون الثمن فيه هو النقد سواء كان ذهبا أو فضة أو نقودا ورقية ويكون المثمن فيه سلعة من السلع. ٢- إسلاف الأعراض في الأعراض إذا اختلفت، كما إذا أسلفه رصاصا بحنطة، وقد دل عليه إطلاق خبر وهب عن علي قال ﵇: (لا بأس بالسلف ما يوزن فيما يكال وما يكال فيما يوزن) (١) المنجبر بالشهرة العظيمة، ولهذا لا يصار إلى ما ذهب ابن أبي عقيل إلى عدم جواز السلم إلا بالعين والورق ولا يجوز بالمتاع، والنهي الوارد في هذا النوع يحمل على الكراهة خصوصا مع التعبير بلفظ (لا ينبغي للرجل إسلاف السمن بالزيت ولا الزيت بالسمن) (٢) . ٣- إسلاف الأعراض في الأعراض إذا اتفقت ولم تكن مقدرة بالكيل أو الوزن كإسلاف الثياب في الثياب. ٤- إسلاف الأثمان في الأعراض كإسلاف النقد الذهبي أو الفضي بالحنطة. فيشتري منه نقدا إلى أجل بحنطة حالة، وهذا قد يقال له بيع النسيئة إذا كان البائع قد اشترى حنطة بنقد مؤجل إلى ستة أشهر مثلا. وفي خبر غياث عن جعفر عن أبيه ﵇ قال: (لا بأس بالسلف في الفلوس) (٣) . ٥- أما إسلاف الأثمان في الأثمان فينقسم إلى أقسام: الأول: إسلاف الذهب بالفضة أو العكس هذا لا يجوز لأنه عبارة عن بيع الأثمان في الأثمان وقد اشترط فيه التقابض في المجلس فما لم يحصل التقابض يكون باطلا. ولو قيل: إن التقابض قد يحصل بكون الأجل قصيرا، فمع هذا لا يجوز بيع الأثمان في الأثمان سلما وذلك للأدلة الدالة على عدم جواز الأجل في النقدين إذا بيع أحدهما بالآخر وأنه لا بد من الحلول في بيعهما والتقابض في المجلس (٤) . الثاني: إسلاف الأوراق النقدية في الأوراق النقدية من جنس واحد، فأيضا لا يجوز، لا لأجل أن التقابض شرط في النقدين: (الذهب والفضة) ولكن لا يجوز؛ لأن العرف يرى قرضية هذه المعاملة، فإذا كان ما يستحقه بعد ستة أشهر أكثر مما أعطاه الآن فهو ربا. الثالث: إسلاف الأوراق النقدية في الأوراق النقدية من جنسين مختلفين، فهذا يجوز على قول المشهور الذي يرى عدم وجوب التقابض في الأوراق النقدية، وهناك رأي بعدم جواز ذلك لاشتراط التقابض فيها. ٦- يجوز أن يكون ما في الذمة ثمنا في السلم إذا كان حالا كما تقدم.

стр. 14131

٧-كما يمكن تجزئة تسليم السلم على أوقات معلومة، فقد وردت صحيحة أبي ولاد الحناط فقال: (سألت الإمام الصادق ﵇ عن الرجل تكون له الغنم يحلبها لها ألبان كثيرة في كل يوم، ما تقول في شراء الخمسمئة رطل بكذا وكذا درهما، يأخذ في كل يوم منه أرطالا حتى يستوفي ما يشتري؟ قال ﵇: لا بأس بهذا ونحوه) (١) . بيان أنواع السلع التي يجري فيها السلم: هناك قاعدة في بيان أنواع السلع التي يجري فيها السلم وهي كل سلعة تنضبط في الوصف على وجه ترتفع الجهالة ولا يؤدي إلى عزة الوجود فيصح فيه السلم قطعا، فالميزان في صحة السلم رفع الغرر والجهالة، فيصح في جميع السلع والمعادن والحيوان والطعام والخضر والفواكه بشرط الانضباط في الوصف كما تقدم. وقد وردت بعض الروايات التي تمنع السلم أو ترشد إليه عدم تحققه في الخارج لعدم الانضباط في ذلك الزمان كاللحم نيئه ومشويه والخبز، ففي خبر جابر (سألت الإمام الباقر ﵇ عن السلف في اللحم فقال: لا تقربنه؛ فإنه يعطيك مرة السمين ومرة الثاوي ومرة المهزولة واشتر معاينة يدا بيد) (٢) إلا أن أدوات الضبط في هذه الأيام متوفرة أكثر مما مضى من الزمان، فما دامت القاعدة هي انضباط السلعة بما يرفع الجهالة ولا يؤدي إلى الغرر وعزة الوجود فيصح السلم فيه إذا وجدت أدوات انضباطه في هذه الأيام وإن منع فيه سابقا لعدم انضباطه. وعلى هذا المقياس فلا يجوز السلم في الجواهر واللآلئ لتعذر ضبطها بحيث ترتفع الجهالة ولا يؤدي إلى عزة الوجود، وذلك لتفاوت الأثمان مع اختلاف أوصافها بالحجم والوزن واللون، نعم هناك من الأحجار الصغيرة التي لا يتفاوت الثمن باعتبارها تفاوتا بينا، إذ هي تباع بالوزن مثلا، فيجوز فيها السلم. هذا وقد أطلقت الروايات جواز السلم فيما ينضبط وعدم الأداء إلى عزة الوجود فقالت: لا بأس بالسلم في المتاع إذا وصفت الطول والعرض، ولا بأس بالحيوان إذا وصفت أسنانها (٣) وكأنها اتكلت على العرف الذي يكون عارفا بأوصاف الانضباط أكثر من الفقيه أحيانا.

стр. 14132

وعلى هذا فيجوز السلم: ١- في الخضر والفواكه وكل ما أنبتته الأرض. ٢- وفي الحيوان كله والعبيد. ٣- وفي الألبان والسموم والشحوم والأطياب. ٤- وفي الألبسة والأشربة والأدوية. ٥- ويجوز في جنسين مختلفين صفقة واحدة وغير ذلك، مع ضبطه بما تقدم. مفهوم صفة التعيين في السلع التي يمتنع معها السلم: لقد تقدم ذكر السلع التي يجوز فيها السلم بشرط انضباطها بما يؤدي إلى رفع الغرر وعزة الوجود. وعلى هذا فإذا كانت الصفة التي ذكرت في السلعة لتعيينها قد استقصيت فأدت إلى عزة الوجود، فيمتنع فيها السلم، وقد علل بأنه يؤدي إلى التنازع والفسخ فهو مناف للمطلوب من السلف. وقد نقول: إن التعيين إذا أدى إلى عزة الوجود ارتفع شرط أن تكون السلعة موجودة غالبا بحسب العادة وقت الحلول، فيبطل السلم. ومن الأمثلة على التعيين في السلع التي يمتنع معها السلم ما إذا اشترط الأجود، فإن هذا العنوان غير منضبط، إذ ما من جيد إلا ويمكن وجود أجود منه. وكذا اشتراط الأردأ: فإن الاكتفاء (في المرتبة الثانية من الرديء، ودفع الأردأ إن وجد فقد تحققت الأفضلية، وإلا فدفع الجيد عن الرديء جائز وقبوله على المشتري لازم فيصح شرط الأردأ) لا يفيد وذلك لأن ضبط المسلم فيه (المبيع المؤجل) يعتبر على وجه يمكن الرجوع إليه عن الحاجة سواء امتنع وجوده أم لا، ومن جملة موارد الحاجة ما لو امتنع المسلم إليه من دفعه، فإن الحاكم الشرعي يتدخل في أخذه قهرا، وهو غير ممكن؛ وذلك لأن الجيد غير متعين عليه فلا يجوز لغير مالكه دفعه، وأما الرديء فما من رديء إلا ويوجد أردأ منه، فيتضح عدم الصحة في هذا العنوان. نعم: إذا اشترط الجيد والرديء فهو أمر جائز لإمكان تحصيلهما بسهولة، فإن الواجب أقل ما يطلق عليه اسم الجيد، فإن زاد عنه زاد خيرا، وكذا الرديء، وكلما قلل الوصف فقد أحسن.

стр. 14133

والخلاصة: فكل شيء لا يمكن ضبطه بالوصف بمعنى أنه يبقى بعد بيان جنسه ونوعه وصفته وقدره جهالة فاحشة مفضية إلى التنازع لا يصح فيه السلم، ولعل دليل ذلك هو أن السلم بيع، فيكون المسلم فيه مبيعا، والمبيع يحتاج إلى أن يتعين بالتعيين، فإذا كان التعيين لا يعينه كما تقدم فلا يصح فيه السلم. الصنف الواحد والأصناف المتعددة: هل تعد السلعة الواحدة ذات العلامات التجارية (الماركات) المتعددة صنفا واحدا أم أصنافا متعددة؟ إن السلعة الواحدة ذات العلامات التجارية (الماركات) المتعددة كمناديل تنظيف اليد والحليب والحبوب والأدهان والفواكه وأشباهها قد تكون على أنحاء: النحو الأول: إذا كان تختلف من ناحية الثمن اختلافا لا يتسامح بمثله، ومعنى ذلك وجود اختلاف في خصوصيات الأفراد كالجودة والرداءة وأمثالهما، ففي هذه الصورة تعد السلعة أصنافا متعددة، كالحنطة العربية والكردية والاسترالية، فإن اختلاف الثمن مع كون العنوان واحدا يكون بملاك اختلاف خصوصيات الأفراد، وهذا يجعل الحنطة أصنافا، فإن لم يذكر في السلم صنفا واحدا معينا كانت الجهالة موجودة. وعندما يقول الفقهاء: إن المشتري أو البائع للسلم "لا يطلب في الوصف الغاية، بل يقتصر على ما يتناوله الاسم" فالمراد الاقتصار على ما يتناوله العنوان الذي يزيل اختلاف أثمان الأفراد الداخلة في العين. النحو الثاني: إذا كانت لا تختلف من ناحية الثمن لعدم اختلاف الخصوصيات في الأفراد، ففي هذه الصورة تعد العلامات التجارية المتعددة صنفا واحدا عرفا كالذرة التي تكون من صنف واحد، ولكن مقدمات عرضها المتساوية وعرضها للأسواق تقوم به شركات متعددة ولكل واحدة منها ماركة خاصة، ففي هذه الصورة لا يوجد بين أفراد السلعة اختلاف في الخصوصيات وينبغي أن لا يكون هناك اختلاف في الثمن عرفا إلا نادرا، وبهذا فسوف تكون السلعة هذه صنفا واحدا وإن تعددت الماركات.

стр. 14134

النحو الثالث: إذا كانت السلعة الواحدة ذات الماركات المتعددة لا تختلف من ناحية خصوصيات الأفراد ولكن تختلف من ناحية الثمن بسبب بعض الأمور الجانبية، مثل أن تكون هذه الشركة في مكان بعيد يوجب نقل السلعة إلى هذا أجورا إضافية، فتكون السلعة أعلى سعرا من الشركة المحلية التي تعرض السلعة نفسها في نفس البلد بدون أجر يضاف إلى تصنيعها أو عرضها، ففي هذه الصورة تكون السلعة صنفا واحدا وإن كانت ماركاتها متعددة وأثمانها مختلقة، لأن المدار في اختلاف الأثمان الذي يوجب ذكر الأوصاف هو الذي يوجب اختلاف الأوصاف بين الأفراد، أما اختلاف الأثمان هنا فهو ناتج عن أمور جانبية لا عن اختلاف الأوصاف والخصوصيات، فعلى هذا تكون الماركات المتعددة صنفا واحدا. وكمثال على ذلك: إن الحنطة المزروعة في مكان واحد وزمان واحد تشترى من قبل شركات متعددة، فبعضها في نفس بلد الزراعة. وبعضها في بلد آخر يبعد عن بلد الزراعة بالآلاف الكيلومترات، ثم تجري عليها عمليات واحدة قبل عرضها للأسواق ثم تعرض بعد ذلك، وهنا سوف يكون ثمن الشركة المحلية للكيلو الواحد من الطحين أرخص من ثمن الشركة البعيدة إذا وصل نتاجها المطحون إلى بلد الشركة المحلية، فهنا لا يوجد اختلاف في الخصوصيات ووجد الاختلاف في الثمن، فتكون الماركات المتعددة من هذا القبيل صنفا واحدا. النحو الرابع: إذا كانت السلعة الواحدة ذات الماركات المتعددة لا تختلف من ناحية خصوصيات الأفراد ولكنها تختلف من ناحية الثمن بسبب اختلاف عمليات ما قبل العرض في الأسواق كأن تكون السلعة الصادرة من الشركة المعينة تحمل قابلية بقائها صالحة للاستعمال أكثر من السلعة الصادرة من شركة أخرى بسبب خلط المواد المبعدة للتعفن والمبقية للسلعة على طراوتها مدة أطول من قبل الشركة الأولى دون الثانية، فهنا سوف يكون اختلاف بين السلع الصادرة من شركات مختلفة إلا أن الاختلاف ليس في نفس السلعة، إذ المفروض أن السلعة واحدة ومن مزرعة واحدة ولكن الاختلاف هو في التصنيع الذي يجعل بعض الأفراد يرغب أكثر لهذه الشركة التي صناعتها أجود من الأخرى، وعلى هذا فسوف يكون اختلاف الماركات كاختلاف الأصناف للسلعة الواحدة.

стр. 14135

النحو الخامس: ما لو فرضنا (النحو الثاني والثالث) الذي يجعل الماركات المتعددة صنفا واحدا، ولكن المشتري اشترط في صفقة السلم الماركة المعينة، ولتكن الأغلى ثمنا أو الأرخص ثمنا، ولكن بهدف إرباح هذه الشركة التي له معها رابطة خاصة، فهل تعد الماركات المتعددة أصنافا متعددة فيجب على البائع أن يلتزم فيدفع ما شرط عليه، أو يجوز له أن يدفع السلعة من الماركات الأخرى؟ الجواب: إن الماركات المختلفة وإن كانت تعد صنفا واحدا، ولكن حكم هذه الصورة هو حكم السلعة ذات الأصناف المتعددة، وقد جاء هذا الحكم من قبل الشرط، فإن القاعدة القائلة: (المسلمون عند شروطهم) توجب العمل بالشرط إذا كان لهذا الشرط فائدة تعود للشارط وإن لم يكن الشرط موجبا لاختلاف الأفراد. وبهذا التفصيل الذي تقدم اتضح أيضا أثر اختلاف العلامات التجارية في تعدد أصناف السلع المسلم فيها، فإن الماركة المعينة إذا كانت توجد في السلعة (ذات العنوان المشترك مع آلاف السلع) خصوصيات معينة تجعلها متميزة عن بقية السلع بدون هذه الميزة، فإن ذكر هذه الميزات في عقد السلم يكون لازما لرفع الجهالة والغرر، فإن فرضنا أن شركات صنع الورق أو المناديل تختلف في صناعة الورق إلى صقيل وخشن وكذا المناديل، فإن عقدنا السلم الذي يوجد في الخارج لا بد فيه من ذكر الصفة التي تميز أفراد ذلك النوع وإلا لأدى إلى الغرر المنهي عنه. اشتراط قبض العلماء بضاعة السلم قبل بيعها والحكمة في ذلك: عقد علماء الإسلام في هذا الموضوع بحثين:

стр. 14136

البحث الأول: هل يجوز بيع بضاعة السلم قبل حلول الأجل؟ وقد ذكر بعض علماء الإسلام عدم الجواز، وكان دليله المدعى الإجماع المحكي إن لم يكن محصلا، فقد ذكر صاحب الجواهر الدليل فقال: (للإجماع المحكي في التنقيح وظاهر الغنية وجامع المقاصد وغيرها، وعن كشف الرموز إن لم يكن محصلا) (١) . وقد صرح بأن المنع من بيع بضاعة السلم قبل حلول الأجل: ليس لأجل عدم ملكية البضاعة للمشتري؛ لأن العقد هو السبب في الملك، والأجل يكون لأجل المطالبة. كما أن المنع ليس لأجل عدم القدرة على التسليم إذ إن القدرة على التسليم في البيع الآجل تكون عند الأجل (٢) . وقد ذكر في كتاب (الجواهر) فتوى نسبها إلى كتاب (الوسيلة) - لابن حمزة ظاهرا – تخالف هذا الإجماع وهي: (وإذا أراد أن يبيع المسلف ما أسلف فيه من المستسلف عند حلول الأجل أو قبله بجنس ما ابتاعه بأكثر مع الثمن الذي ابتاعه لم يجز، ومن باع بجنس غير ذلك جاز) فقد جوز بيع السلم على البائع بجنس آخر غير المسلم فيه، وذكر صاحب الجواهر أيضا مخالفة بعض متأخري المتأخرين استنادا إلى عمومات حل البيع ونحوها، لكنه تهجم عليهم بعد ذلك. وقد ذكر عن الإمام مالك في المدونة الكبرى (٤/٨٨) الحديث عن السلم في غير الطعام فقال: (وما أسلفت فيه من العروض إلى أجل من الآجال فأردت أن تبيعه من صاحبه فلا بأس أن تبيعه منه بمثل الثمن الذي دفعته إليه أو أدنى منه قبل محل الأجل ... وإن أردت أن تبيعه من غير صاحبه، فلا بأس أن تبيعه منه بما شئت بمثل الثمن أو أكثر أو أقل، أو ذهب أو ورق أو عرض من العروض أو طعام إلا أن يكون من صنفه فلا خير فيه، ولا بأس أن تبيعه – وإن لم يحل الأجل – بما يجوز ... ) (٣) . وهذا النص جوز بيع بضاعة السلم غير الطعام على غير البائع قبل حلول الأجل بما لا يكون ربا محرم. ولكن الشيخ صاحب (الجواهر) الذي ذكر فتوى (الوسيلة) ادعى تقدم الإجماع عليها وتأخره عنها، فبناء على حجية هذا الإجماع التعبدي الذي يكون بحساب الاحتمال كاشفا عن رأي المعصوم ﵇ فسوف تكون النتيجة – كما هي الحق – عدم جواز بيع بضاعة السلم قبل حلول أجلها، وأظن ظنا قويا بأن المراد من منع بيع البضاعة السلمية قبل القبض الصادر من مجمع الفقه الإسلامي الموقر في دورته السابعة هو بيعها قبل حلول أجلها حيث إن المنع من بيع البضاعة السلمية قبل القبض مخصوص بالمكيل أو الموزون أو بالطعام كما سيأتي ذلك.

стр. 14137

البحث الثاني: هل يجوز بيع بضاعة السلم بعد حلوله وقبل قبضه؟ وهذه المسألة خلافية عند علماء الإسلام نستعرضها بشيء من التفصيل والتقسيم، فنقسم البحث إلى قسمين: القسم الأول: هل يجوز بيع بضاعة السلم بعد حلوله وقبل قبضه على غير البائع؟ القسم الثاني: هل يجوز بيع بضاعة السلم بعد حلوله وقبل قبضه على نفس البائع؟ أما القسم الأول: أقول: هناك مسألة أعم من هذه المسألة من جهة وأخص من جهة وهي مسألة: (جواز بيع المبيع قبل قبضه (سلما أو غير سلم) وعدمها) ومسألتنا الخاصة في السلم التي هي بيع البضاعة السلمية قبل قبضها، وهي من مصاديق المسألة العامة، لذا سوف نبحث عن المسألة العامة فيتضح الأمر في مسألتنا الخاصة؛ فنقول: في هذه المسألة العامة ثلاثة اتجاهات فقهية: الأول: يرى عدم جواز بيع المبيع قبل قبضه مطلقا (أكان المعقود عليه طعاما أم غيره وسواء كان مكيلا أو موزونا، عقارا أو منقولا) وذهب إلى هذا الاتجاه الإمام الشافعي (١) وأكثر أصحابه والإمام أحمد في رواية (٢) وجمع غفير من العلماء. الثاني: يرى جواز بيع المبيع قبل قبضه مطلقا، وذهب إليه بعض كعطاء أبي رباح وعثمان البتي. (٣) وذهب إليه بعض الإمامية على كراهة (٤) . الثالث: تفاصيل أهمها التفصيل بين بيع المكيل والموزون قبل قبضه فهو لا يجوز إلا تولية وبين غيره فيجوز وذهب إليه مشهور فقهاء الإمامية قديما وحديثا (٥) . ولا بأس بالتنبيه إلى أن النهي الوارد هنا دال على الفساد (أي الإرشاد إلى عدم إمضاء المعاملة) فيكون معنى إذا اشتريت متاعا فيه كيل أو وزن فلا تبعه إلا بعد كيله أو وزنه هو اشتراط القبض في صحة البيع الثاني. والذي يهمنا هنا هو ما ينساق إليه الدليل من هذه الاتجاهات الثلاثة فنقول:

стр. 14138

البيع قبل القبض عند المذاهب الإسلامية: كأن المسألة غير منصوصة عند غير الإمامية، فقد قال حيث ذكر: " أن أصل الخلاف يعود إلى مسألة الضمان، هل هو من ضمان البائع أم من ضمان المشتري، وهل ذلك الضمان يمنع المشتري من التصرف فيه؟ فمالك وأحمد في المشهور عنه ومن معهما قالوا: إن تمكن المشتري من قبضه فهو من ضمانه، وأن المشتري يستطيع أن يتصرف في المبيع قبل التمكن من قبضه؛ لأن ضمان البائع له لا يمنع تصرف المشتري الذي انتقلت إليه ملكية المبيع والمسلم فيه بمجرد العقد. قال ابن تيمية: (فظاهر مذهب أحمد أن جواز التصرف فيه ليس ملازما للضمان ولا مبنيا عليه، بل قد يجوز التصرف فيه حيث يكون من ضمان البائع كما ذكره في الثمرة وصنائع الإجارة وبالعكس كما في الصبرة المعينة) . بينما ربط أبو حنيفة والشافعي جواز التصرف بالضمان، فإذا لم ينتقل الضمان إلى المشتري لا يجوز له التصرف فيه حتى لا يتوالى الضمانان) (١) .

стр. 14139

وبما أننا لا نجد أي محذور في وجود ضمانات متعددة إذا كانت السلعة عند البائع وباعها المشتري إلى مشتر ثان، وباعها المشتري الثاني إلى ثالث وهكذا، فإذا تلفت السلعة عند البائع قبل أن يسلمها فيكون المشتري الثاني ضامنا للمشتري الثالث ويكون المشتري الأول ضامنا للمشتري الثاني ويكون البائع ضامنا للمشتري الأول، فيستقر الضمان على البائع الذي تلفت السلعة عنده قبل أن يسلمها إلى المشتري الأول ولم نجد أي شاهد من أصول الشرع لمنع أن تتوالى الضمانات، ولم نشاهد حكما علق الشارع فساده على توالي الضمانات" بل قد ورد النص عند المذاهب في تجويز التصرف في المبيع قبل أن يتسلمه المشتري، فهو مع أنه مضمون على البائع يتمكن المشتري من بيعه بجنس آخر، وهو رواية ابن عمر: (كنت أبيع الإبل بالنقيع، فأتيت رسول الله ﷺ وهو في بيت حفصة، فقلت: يا رسول الله رويدك، أسالك إني أبيع الإبل بالنقيع فأبيع بالدنانير وآخذ بالدراهم وأبيع بالدراهم وآخذ الدنانير. آخذ هذه من هذه، فقال رسول الله ﷺ ((لا بأس أن تأخذها بسعر يومها ما لم تتفرقا وبينكما شيء)) (١) ،كما قد ورد عند كل المذاهب جواز التصرف في الثمرة المشتراة على النخل مع أن ضمانها إذا تلفت يكون على البائع، فما نحن فيه أيضا كذلك حتى يتصرف المشتري قبل القبض مع أن الضمان على غيره، فإذا حصل تلف حصل توالي الضمانين. إذن تكون النتيجة العلمية بناء على الخلاف السابق هو جواز بيع السلعة المشتراة قبل قبضها لعدم ما يمنع من ذلك شرعا، ونهى النبي ﷺ على ما نسب إليه من ربح ما لم يضمن لا يمنع من النتيجة السابقة حيث يقال بجواز بيع ما لم يقبض بسعر اليوم، والبيع بسعر اليوم قبل القبض يكون خاليا عن الربح، فلم يربح فيما لم يضمنه. نعم ورد النهي عن النبي ﷺ عن بيع الطعام قبل قبضه، ولكن ذكر ابن القيم أن هذا النهي (إنما هو في الطعام المعين أو المتعلق به حق التوفية من كيل أو وزن فلا يجوز بيعه قبل قبضه) (٢) .

стр. 14140

البيع قبل القبض عند الإمامية: لقد وردت النصوص عند الإمامية عن أهل البيت ﵈ تمنع من بيع المكيل أو الموزون قبل قبضه، وتجيز ما سوى ذلك وإليك بعض الروايات: ١- صحيحة منصور بن حازم عن الإمام الصادق ﵇ قال: (إذا اشتريت متاعا فيه كيل أو وزن فلا تبعه حتى تقبضه إلا أن توليه ... ) (١) . ٢- صحيحة الحلبي عن الإمام الصادق ﵇ أنه قال: (في الرجل يبتاع الطعام ثم يبيعه قبل أن يكال؟ قال ﵇: لا يصلح له ذلك) (٢) . ٣- صحيحة الحلبي الأخرى قال: (سألت الإمام الصادق ﵇ عن قوم اشتروا بزًّا فاشتركوا فيه جميعا ولم يقسموه أيصلح لأحد منهم بيع بزه قبل أن يقبضه؟ قال ﵇: لا بأس به، وقال: إن هذا ليس بمنزلة الطعام، إن الطعام يكال) (٣) . ٤- صحيحة معاوية بن وهب قال: (سألت الإمام الصادق ﵇ عن الرجل يبيع البيع قبل أن يقبضه؟ قال ﵇: ما لم يكن كيلا أو وزن فلا تبعه حتى تكيله أو تزنه إلا أن توليه الذي قام عليه) (٤) . ٥- صحيحة منصور بن حازم قال: (سألت الإمام الصادق ﵇ عن رجل اشترى بيعا ليس فيه كيل ولا وزن أله أن يبيعه مرابحة قبل أن يقبضه ويأخذ ربحه؟ فقال: لا بأس بذلك ما لم يكن كيلا ولا وزنا (كما لو بيع بالمشاهدة) فإن هو قبضه فهو أبرأ لنفسه) (٥) . (أي أن غير المكيل والموزون إذا قبضه ثم باعه فهو أبرأ لنفسه) .

стр. 14141

٦- صحيحة علي بن جعفر عن أخيه الإمام موسى بن جعفر قال: (سألته عن رجل اشترى بيعا كيلا أو وزنا هل يصلح بيع مرابحة؟ قال ﵇: لا بأس، فإن سمي كيلا أو وزنا فلا يصلح بيعه حتى تكيله أو تزنه) (١) . وظاهر هذه الروايات عدم صحة بيع المكيل والموزون قبل قبض إلا تولية، ولا فرق في هذا البيع بين كونه شخصيا أو كليا في الذمة أو في المعين. ٧- موثقة سماعة قال: (سألته عن الرجل يبيع الطعام أو الثمرة وقد كان اشتراها ولم يقبضها؟ قال ﵇: لا حتى يقبضها إلا أن يكون معه قوم يشاركهم فيخرجه بعضهم عن نصيبه من شركته بربح أو يوليه بعضهم فلا بأس) (٢) . وهذه الرواية بالخصوص جوزت بيع الثمرة أو الطعام على غير بائعها تولية كما جوزت بيع نصف الحصة التي لم يقبضها من البائع فيشترك معه غيره. أقول: إن هذه الروايات التي منعت من بيع المكيل أو الموزون على غير بائعه قبل القبض إلا تولية أو شركة هل هي قاعدة مستفادة من الأدلة العامة أو استثناء؟ الجواب: أن هذا استثناء على خلاف القاعدة، حيث إن المشتري للمكيل أو الموزون إذ ملك بواسطة العقد، يتمكن بيعه قبل القبض حسب القواعد العامة القائلة بتسلط الناس على أموالهم، ولكن الروايات المتقدمة منعت عن البيع في خصوص المكيل أو الموزون، فنتعبد بها ونقتصر على موردها، وموردها هو (البيع بغير التولية وغير التشريك على طرف ثالث إذا كان المبيع مكيلا أو موزونا) .

стр. 14142

هل هناك حكمة من اشتراط القبض قبل البيع؟: وللجواب عن هذا السؤال نستعرض ما يمكن أن يقال في كونه حكمة لنرى مدى صحة ذلك أو عدمه فنقول: ١- قد ندعي أن الحكمة المتوخاة في نظر الشارع هي عدم جواز الربح بدون تحمل الخسارة، وما دامت السلعة المشتراة إذا لم يقبضها المشتري، فخسارتها على بائعها لقاعدة (إذا تلف المبيع قبل قبضه فهو من مال بائعه) فلا يجوز للمشتري أن يربح بدون تحمل للخسارة إذا حصلت في سلعته. وكأن هذا هو الميزان العدل في المنظار الاقتصادي والشرعي القائل: (من كان له الغنم فعليه الغرم) فينبغي أن يكون من يربح إذا باع هو الذي يخسر إذا تلفت السلعة، أما هنا فإن السلعة ما دامت عند البائع وقبل قبض المشتري فخسارتها شرعا على البائع، فلا يجوز لمالكها أن يربح فيها. ويشهد لهذه الحكمة جواز بيعها على شخص ثالث تولية. ولكن رغم معقولية هذا القانون، لم يدل عليه أي دليل شرعي، بل نراه غير مرعي فيما إذا كان المشتري غير مكيل أو موزون كما لو كان المشترى ثوبا أو دارا، فإن المشتري يحق له أن يبيعه ويربح فيه قبل قبضه مع أن المشتري لا يخسر إذا تلف. وكذا قد تخلف هذا القانون في موارد أخر كالثمار بعد بدو الصلاح، فإن المشتري له حق أن يبيعها وهي على الشجر، ولكن إذا أصابتها جائحة رجع على البائع، وكذا منافع الإجارة، فإن المستأجر له الحق في أن يؤجر ما استأجره ويتصرف فيه ويربح بقسم كبير منه إذا عمل فيه عملا، ولكن إذا حدث تلف في المستأجر، فيرجع على المؤجر بمقدار ما تلف. فتبين من هذه الأحكام ومن غيرها كما سيأتي (وهو جواز بيع المكيل والموزون على بائعه بربح مع أن تلفه يكون على البائع) إن هذه الحكمة ليست هي صحيحة بالنسبة لمنع بيع المكيل أو الموزون قبل قبضه. ٢- هل يمكن أن تكون الحكمة هي القدرة على التسليم؟ والجواب بالعدم إذ القدرة على التسليم قد تكون موجودة حتى مع عدم قبض المشتري كما أنها قد لا تكون موجودة حتى مع قبضه كما لو غصبت بعد القبض. ٣- هل يمكن أن تكون الحكمة هي الوقوف ضد المعاملات الوهمية التي لا قصد إليها كما هو الواقع في أسواق البورصة العالمية التي يكون القصد فيها غالبا هو انتظار تقلبات الأسعار للحصول على ربح وهو ما يسمى بالمضاربة الاقتصادية؟

стр. 14143

والجواب: إن كلامنا هو في صورة القصد إلى البيع الحقيقي لإخراج كل البيوع التي لا قصد فيها إلى تسلم المثمن كما هو الجاري في البورصات العالمية التي لا يكون التسليم والتسلم فيها إلا بمقدار ١ % كما اتضح هذا عند المناقشات التي جرت في مجمع الفقه الإسلامي في دورات سابقة. بالإضافة إلى انتقاص هذا ببيع غير المكيل أو الموزون قبل قبضه كما جوزت ذلك الروايات السابقة. ٤- وقد يقال: إن الحكمة في النهي عن بيع المكيل أو الموزون قبل قبضه هو التيقن من حصول القصد الحقيقي للبيع فإن قبض السلعة ووضعها في المخازن يجعل المشتري في حالة من الجدية بحيث لا يشك أحد في وجود قصده الحقيقي للشراء، بينما عدم القبض لم يجعل قصده واضحا للآخرين وإن دفع الثمن حيث يتهم بأن قصده الحقيقي هو الربا، فيدفع الثمن ليشتري بأقل من القيمة مؤجلا ويبيعها قبل قبضها بعد الأجل فيكون قد دفع مائة واستلم مئة وعشرين وقد منع منه الشارع لكونه فائدة مستترة تحت البيع. ويؤيد هذه الحكمة جواز بيع السلعة على شخص ثالث تولية (بدون ربح) . ولكن يرد على هذه الحكمة: ١- أنها ليست مطردة في بيع البضاعة قبل قبضها إذا لم تكن السلعة مكيلة أو موزونة بل جوزت الروايات بيعها قبل قبضها مرابحة كما سبق، وما قيل من وجود نهي عن بيع كل ما لم يقبض فهو لم يثبت (١) . ٢- إن كلامنا في القصد الحقيقي للبيع والشراء الذي قد تلازمه الخسارة أو عدم الربح، بخلاف الربا الذي هو ربح مضمون دائما من دون الدخول في المعاملات، فإذا دخل الإنسان في المعاملة التي قد تربح أو تخسر، من دون اشتراط إرجاع ماله إليه مع الزيادة فهي معاملة بعيدة عن الربا حتى وإن حصل الربح قبل القبض بواسطة البيع الحقيقي.

стр. 14144

والخلاصة: أننا لم نجد حكمة معقولة لشرط قبض المكيل أو الموزون قبل البيع، فلا بد من التعبد بالحكم مقتصرين على مورده رغم وجود روايات ترخص في بيع المكيل والموزون قبل قبضه، إلا أنها ضعيفة السند أو مطلقة للبيع تولية وغيره، فتقيدها الروايات المانعة للبيع قبل الكيل أو الوزن إلا تولية أو على سبيل الشركة ببيع نصف ما اشتراه قبل القبض مثلا. تنبيهات: وعلى هذا سننبه على أمور: ١- أن المبيع إذا كان غير مكيل أو غير موزون (كالمعدود والمذروع، والمشاهد) يجوز بيعه قبل قبضه (سلما أو استصناعا أو غيرهما) طبقا للقاعدة القائلة: "الناس مسلطون على أموالهم" مع ورود الرخصة في بيع هذا في نفس الروايات المانعة من بيع المكيل والموزون قبل القبض ففي ذيل صحيحتي منصور بن حازم المتقدمتين: "فإن لم يكن فيه كيل ولا وزن فبعه". وكذا في رواية أبي حمزة عن الإمام الباقر ﵇ قال:"سألته عن رجل اشترى متاعا ليس فيه كيل ولا وزن أيبيعه قبل أن يقبضه؟ قال ﵇: لا بأس" (١) . وغيرها. ٢- الثمن إذا كان مكيلا أو موزونا والمبيع عروضا فيتمكن البائع من بيع الثمن المكيل والموزون قبل قبضه طبقا للقاعدة وعدم المانع، فإن الدليل اللفظي الدال على منع بيع المكيل والموزون قبل كيله أو وزنه مختص بالمثمن فتعديته إلى الثمن تحتاج إلى دليل لفظي عام أو مطلق، أو اطمئنان بأن الملاك واحد فيهما، وبما أنه لا يوجد إطلاق ولا عموم ولا يوجد اطمئنان بالملاك فيهما حيث إن الحكم تعبدي على خلاف القاعدة، فنقتصر على موارد المنع، ونتمسك بدليل ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ لصحة بيع الثمن إذا كان مكيلا أو موزونا قبل قبضه.

стр. 14145

نعم: من علل عدم جواز بيع المبيع إذا كان مكيلا أو موزونا قبل القبض بضعف ملكية المشتري إذ يحتمل أن يتلف الطعام وتنحل المعاملة، فإن هذا الوجه الاستحساني موجود في الثمن الموزون أو المكيل قبل القبض. ولكن هذا الوجه ضعيف، إذ لا يكون الملك ضعيفا قبل القبض؛ ولأن هذا الوجه يقول بعدم جواز البيع حتى تولية ولغير المكيل والموزون، ولا أحسب أن يقول بنتيجته أحد. ٣- إن الحكم بعدم جواز بيع المكيل أو الموزون قبل قبضه مختص بالبيع، وعلى هذا فللمشتري أن يصالح عليه قبل قبضه، وله أن يؤجره قبل قبضه إذا كانت له منفعة يستفاد منها مع بقاء العين، لصحة الصلح والإجارة قبل القبض، ومع الشك في صحة الصلح والإجارة عليه، فنتمسك بإطلاق صحة الإجارة والصلح جائز بين المسلمين. ٤- إذا اشترى مكيلا أو موزونا ومات المشتري قبل قبضه، فهل يجوز للوارث البيع قبل القبض؟ وكذا إذا اشترى ذهبا موزونا من الصائغ ثم جعله مهرا لزوجته فهل يجوز للزوجة بيع هذا الذهب قبل القبض؟ وكذا إذا ملكت المكيل والموزون بواسطة الصلح، فهل يجوز بيعه قبل قبضه؟ الجواب: إن الروايات المانعة تخاطب المشتري، فبناء عليها يجوز بيع الوارث والزوجة والمصالح، لعدم صدق عنوان المشتري عليهم، ولكن توجد صحيحة معاوية بن وهب تمنع من بيع المبيع المكيل أو الموزون قبل قبضه بدون مخاطبة المشتري، وبهذا نفهم أن مخاطبة المشتري ليس لها خصوصية، بل المنع لكل من انتقل إليه المبيع المكيل والموزون، وإليك الصحيحة: قال: سألت الإمام الصادق ﵇ عن الرجل يبيع البيع قبل أن يقبضه؟ فقال: ما لم يكن كيل أو وزن فلا تبعه حتى تكيله أو تزنه إلا أن توليه الذي قام عليه (١) .
следующие страницы →