← Фикх общий

Фикх общий · id 8356

مجلة مجمع الفقه الإسلامي

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (22 276 стр.). Показаны 14176–14215 · переход к 14181.

стр. 14176

* أما المالكية الذي منعوا السلم الحال، لكنهم لم يشترطوا تسليم رأس المال في مجلس العقد، وأجازوا تأجيله اليومين والثلاثة لخفة الأمر، فقد عرفوه بأنه "بيع معلوم في الذمة محصور بالصفة بعين حاضرة أو ما هو في حكمها إلى أجل معلوم " (١) . فتعبيرهم: "أو ما هو في حكمها" يشير إلى جواز تأخير رأس مال السلم تأخيرا يسيرا، حيث إنه يعتبر في حكم التعجيل بناء على أن ما قارب الشيء يعطى حكمه في النظر الفقهي (٢) .وقولهم في التعريف: " إلى أجل معلوم" يبين وجوب كون المسلم فيه مؤجلا، احتراز من السلم الحال. ٣- ويسمي الفقهاء المشتري في هذا العقد "رب السلم" أو "المسلم"، والبائع "المسلم إليه"، والمبيع "المسلم فيه"، والثمن "رأس مال السلم" (٣) . العلاقة بين المعنيين: ٤- لا يخفى وجود الصلة بين المعنى اللغوي والمعني الاصطلاحي للسلم، وذلك لأن السلم في اللغة معناه الدفع والإعطاء والتسليم، وفي اصطلاح الفقهاء هو عقد يقتضي إعطاء المشتري رأس المال وتسليمه للبائع – وهو المسلم إليه – معجلا، مقابل التزام البائع بأداء عين موصوفة في الذمة مؤجلة. وعلى هذا فالسلم بمعناه الاصطلاحي مستفاد من المعنى اللغوي وهو الدفع والتسليم (٤) . قال ابن فارس في "حلية الفقهاء": يقال: السلم، وهو أيضا من أسلمت الشيء، ولذلك لم يجز أن يتفرقا إلا عن قبض، لأنهما إن افترقا عن غير قبض الثمن لم يكن ذلك سلما، لأنه لم يسلم إليه شيئا" (٥) . وذكر بعض المحققين وجها آخر للعلاقة بين المعنيين، فجاء في "أنيس الفقهاء" للقونوي: " السلم: وهو لغة السلف. فإنه أخذ عاجل بآجل، سمي به هذا العقد لكونه معجلا على وقته، فإن وقت البيع بعد وجود المبيع في ملك البائع، والسلم عادة يكون بما ليس بموجود في ملكه، فيكون العقد معجلا. كذا في الدرر" (٦) .

стр. 14177

مشروعية السلم: ٥- لقد ثبتت مشروعية عقد السلم بالكتاب والسنة والإجماع. أ- فأما الكتاب: ففي قوله تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ [البقرة:٢٨٢] . قال ابن عباس: "أشهد أن السلف المضمون إلى أجل مسمى قد أحله الله في كتابه وأذن فيه"، ثم قرأ هذه الآية (١) . ووجه الدلالة في الآية: أنها أباحت الدين، والسلم نوع منه. قال القاضي ابن العربي: (الدين هو عبارة عن كل معاملة كان أحد العوضين فيها نقدا، والآخر في الذمة نسيئة، فإن العين عند العرب ما كان حاضرا، والدين ما كان غائبا) (٢) . فدلت الآية على حل المداينات بعمومها، وشملت السلم باعتباره من أفرادها، إذ المسلم فيه ثابت في ذمة المسلم إليه إلى أجله. ب_ وأما السنة: * فما روى البخاري ومسلم عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ قدم المدينة والناس يسلفون في التمر السنتين والثلاث، فقال ﵊: ((من أسلف في شيء فليسلم في كيل معلوم ووزن معلوم إلى أجل معلوم)) (٣) .فدل الحديث على إباحة السلم وبين الشروط المعتبرة فيه. * وروى البخاري عن محمد بن أبي المجالد قال: أرسلني أبو بردة وعبد الله بن شداد إلى عبد الرحمن بن أبزى وعبد الرحمن بن أبي أوفى، فسألتها عن السلف؟ فقالا: كنا نصيب المغانم مع رسول الله ﷺ ، فكان يأتينا أنباط من الشام، فنسلفهم في الحنطة والشعير والزبيب، فقلت: أكان لهم زرع أم لم يكن لهم زرع؟ قال: ما كنا نسألهم عن ذلك. (٤) . ج- وأما الإجماع: فقال ابن المنذر: أجمع كل ما نحفظ عنه من أهل العلم على أن السلم جائز (٥) .

стр. 14178

حكمة مشروعيته: ٤- إن عقد السلم مما تدعو إليه الحاجة لتوفير التسهيلات الائتمانية للإنتاج الزراعي والصناعي والتجاري، ومن هنا كان في إباحته رفع للحرج عن الناس، والإرفاق بطرفيه واضح بين؛ بالمنتج الذي يحتاج إلى تمويل موسمي لأجل قصير أو متوسط، حيث يستفيد من تعجيل رأس المال، وبالدائن الذي يحتاج إلى البضاعة التي تعاقد عليها لاستهلاكه أو لتجارته أو لصناعته، حيث يستفيد من رخص ثمنها المقدم. وقد أشار إلى هذا المعنى ابن قدامة بقوله: (ولأن بالناس حاجة إليه، لأن أرباب الزروع والثمار والتجارات يحتاجون إلى النفقة على أنفسهم وعليها لتكمل، وقد تعوزهم النفقة، فجوز لهم السلم ليرتفقوا ويرتفق المسلم بالاسترخاص) (١) . مدى موافقته للقياس: ٧- بعد ما ثبت مشروعية السلم بالكتاب والسنة والإجماع اختلف الفقهاء في كون تلك المشروعية جارية على وفق القياس ومقتضى القواعد العامة في الشريعة، أما أنها جاءت استثناء على خلاف ذلك لحاجة الناس إلى هذه المعاقدة، وذلك على قولين: (أحدهما) لجمهور الفقهاء من الحنفية والشافعية والمالكية والحنابلة: وهو أن السلم عقد جائز على خلاف القياس (٢) . وعلى ذلك قال ابن نجيم: (وهو على خلاف القياس، إذ هو بيع المعدوم، ووجب المصير إليه بالنص والإجماع للحاجة) (٣) . وقال الشيخ زكريا الأنصاري: (السلم عقد غرر جوز للحاجة) (٤) . وفي "منح الجليل": (صرح في المدونة بأن السلم رخصة مستثناة من بيع ما ليس عند بائعه) (٥) . وقد بين العلامة ابن خطيب الدهشة الشافعي أن عقد السلم وإن كانت مشروعيته في الأصل على خلاف الدليل للحاجة إلى بيع المعدوم، فقد صار أصلا مستقلا، فجوز مطلقا عند الحاجة وعدمها، وفي المعدوم والموجود والحال (٦) .

стр. 14179

(والثاني) لابن حزم وتقي الدين ابن تيمية وتلميذه ابن القيم: وهو أن السلم عقد مشروع على وفق القياس، وليس فيه مخالفة للقواعد الشرعية (١) . قال ابن تيمية: "وأما قولهم: "السلم على خلاف القياس" فقولهم هذا من جنس ما رووا عن النبي ﷺ أنه قال: ((لا تبع ما ليس عندك)) (٢) . وأرخص في السلم. وهذا ما لم يرو في الحديث، وإنما هو من كلام بعض الفقهاء؛ وذلك لأنهم قالوا: السلم بيع الإنسان ما ليس عنده، فيكون مخالفا للقياس. ونهى النبي ﷺ حكيم بن حزام عن بيع ما ليس عنده: إما أن يراد به بيع عين معينة، فيكون قد باع مال الغير قبل أن يشتريه، وفيه نظر. وإما أن يراد به بيع ما لا يقدر على تسليمه، وإن كان في الذمة، وهذا أشبه. فيكون قد ضمن له شيئا لا يُدْرَى هل يحصُل أو لا يحصل؟ وهذا في السلم الحال إذا لم يكن عنده ما يوفيه، والمناسبة فيه ظاهرة. فأما السلم المؤجل، فإنه دين من الديون، وهو كالابتياع بثمن مؤجل. فأي فرق بين كون أحد العوضين مؤجلا في الذمة، وكون العوض الآخر مؤجلا في الذمة، وقد قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ [البقرة:٢٨٢] . قال ابن عباس: أشهد أن السلف المضمون في الذمة حلال في كتاب الله، وقرأ هذه الآية. فإباحة هذا على وفق القياس لا على خلافه" (٣) . وقال ابن القيم: (والصواب أنه على وفق القياس، فإنه بيع مضمون في الذمة موصوف مقدور على تسليمه غالبا، وهو كالمعاوضة على المنافع في الإجارة، وقد تقدم أنه على وفق القياس. وقياس السلم على بيع العين المعدومة التي لا يُدْرَى أيقدر على تحصيلها أم لا؟ والبائع والمشتري منها على غرر، من أفسد القياس صورة ومعنى، وقد فطر الله العقلاء على الفرق بين بيع الإنسان ما لا يملكه ولا هو مقدور له وبين السلم إليه في مغل مضمون في ذمته مقدور في العادة على تسليمه. فالجمع بينهما كالجمع بين الميتة والمذكى، والربا والبيع) (٤) . ولا يخفى ما في هذا الاحتجاج من نظر وجيه وتأويل حسن.

стр. 14180

المبحث الثاني أركان السلم وشروط صحته ٨- لكل عقد من العقود أركان يقوم عليها، وشروط يتوقف ثبوت أحكامه على توفرها، ومن ذلك السلم، فله أركان لا ينشأ العقد بدونها، وشروط يتوقف وجوده الشرعي على تحققها، وقد ذهب جمهور الفقهاء من الشافعية والمالكية والحنابلة إلى أن أركان السلم ثلاثة: ١- الصيغة (وهي الإيجاب والقبول) . ٢- والعاقدان (وهما المسلم، والمسلم إليه) . ٣- والمحل (وهو رأس المال، والمسلم فيه) . وذكروا لكل ركن شرائطه التي لا بد منها لصحة العقد وترتيب أحكامه عليه. وخالفهم في ذلك التقسيم الحنفية، إذ اعتبروا ركن السلم الصيغة المؤلفة من الإيجاب والقبول الدالين على التراضي، أي على اتفاق الإرادتين وتوافقهما على إنشاء هذا العقد. أما بقية الأركان التي ذكرها الجمهور، فقد اعتبرها الحنفية شرائط للركن – أي شروطا لازمة للصيغة – وليست أركانا. ومنشأ الخلاف بينهما أن جمهور الفقهاء يرون أن كل ما يقوم به الشيء فهو ركنه، سواء أكان داخلا في الماهية أم خارجا عنها، والأمور الثلاثة – الصيغة والعاقدان والمحل – لا يتصور قيام العقد ولا ترتب أحكامه إلا بتوفرها، ولهذا كانت أركانا عندهم. بينما يرى الحنفية أن ركن الشيء ما يتوقف عليه وجود الشيء، بحيث يكون داخلا في ماهيته، بخلاف الشرط، فإنه مع توقف الوجود عليه، يكون خارجا عن الحقيقة والماهية. (١) ، ومن أجل ذلك اعتبروا الإيجاب والقبول ركن العقد فقط؛ لتوقف الوجود عليه مع دخوله في الماهية ... أما العاقدان والمحل فجعلوهما شرطين للركن، لا ركنين؛ لأنهما أمران خارجان عن الماهية، وإن كان العقد لا يصح بدونهما. وعلى ذلك فالخلاف لفظي، والحقيقة واحدة، ولا مشاحة في الاصطلاح. وقد آثرت السير على منهج الجمهور في هذا البحث، لأنه أكثر ملاءمة لغرض تنسيق مسائله، وترتيب جزئياته، وتنظيم عرض أفكاره، وربط فروعه بأصولها.

стр. 14181

الركن الأول الصيغة (الإيجاب والقبول) ٩- لما كان السلم عقدا يتم بين طرفين، فإن وجوده يتوف على صيغة تفصح عن رغبة المتعاقدين على إنشائه، وتعبر بجلاء عن اتفاقهما على تكوينه؛ لأن النية – أو الرغبة – أمر باطن لا يمكن الاطلاع عليه، فلا بد من تعبير يدل عليه ويكشف عنه، وهو الإيجاب والقبول المتصلين المتوافقين. وقد اتفق الفقهاء على صحة إيقاع الإيجاب بلفظ السلم أو السلف، وكل ما اشتق منهما، كأسلمتك وأسلفتك، وأعطيتك كذا سلما أو سلفا في كذا.. لأنهما لفظان بمعنى واحد، وكلاهما اسم لهذا العقد. وكذا على صحة القبول بكل لفظ يدل على الرضا بما أوجبه الأول، مثل: قبلت ورضيت ونحو ذلك (١) . ١٠- غير أن الفقهاء اختلفوا في صحة انعقاد السلم بلفظ البيع على قولين: (أحدهما) لأبي حنيفة وصاحبيه والمالكية والحنابلة والشافعية في وجه: وهو أن ينعقد السلم بلفظ البيع إذا بين فيه إرادة السلم وتحققت شروطه، كأن يقول رب السلم: اشتريت منك خمسين رطلا زيتا صفته كذا إلى أجل كذا بعشرة دنانير حالة، وقبل المسلم إليه. ونحو ذلك. وحجتهم النظر إلى المعنى والتعويل على القصد، مع كون اللفظ لا يعارضه، إذ كل سلم بيع، كما أن كل صرف بيع، فإطلاق البيع على السلم إطلاق للفظ على ما يتناوله (٢) . (والثاني) لزفر من الحنفية والشافعية في وجه صححه الشيخان النووي والرافعي: وهو أن السلم لا ينعقد بلفظ البيع (٣) . وحجة زفر (أن القياس أن لا ينعقد أصلا؛ لأنه بيع ما ليس عند الإنسان، وإنه منهي عنه، إلا أن الشرع ورد بجوازه بلفظ السلم بقوله: ورخص في السلم) (٤) فوجب الاقتصار عليه، لعدم إجزاء ما سواه. أما حجة أصحاب هذا الرأي من الشافعية فهو التعويل على اللفظ واعتباره، وعلى ذلك ينعقد بيعا نظرا للفظ، ولا يشترط فيه قبص رأس المال في المجلس؛ لأن السلم غير البيع، فلا ينعقد بلفظه.

стр. 14182

١١-وقد انتصر الإمام تقي الدين ابن تيمية لمذهب المعولين على القصد والمعنى دون اللفظ بحجة بليغة وبرهان ساطع فقال: "والتحقيق أن المتعاقدين إن عرفا المقصود انعقدت، فأي لفظ من الألفاظ عرف به المتعاقدان مقصودهما انعقد به العقد. وهذا عام في جميع العقود، فإن الشارع لم يحد ألفاظ العقود حدا، بل ذكرها مطلقة. فكما تنعقد بما يدل عليها من الألفاظ الفارسية والرومية وغيرهما من الألسنة الأعجمية، فهي تنعقد بما يدل عليها من الألفاظ العربية. ولهذا وقع الطلاق والعتاق بكل لفظ يدل عليه، وكذلك البيع وغيره" (١) . ١٦- بعد هذا تجدر الإشارة إلى أن جمهور الفقهاء من الحنفية والشافعية والحنابلة اشترطوا في صيغة السلم أن تكون باتة لا خيار فيها لأي من العاقدين، وذلك لأنه عقد لا يقبل خيار الشرط، إذ يشرط لصحته تمليك رأس المال وإقباضه للمسلم إليه قبل التفرق، ووجوب تحققهما مناف لخيار الشرط (٢) . وخالفهم في ذلك المالكية، وقالوا بجواز خيار الشرط في السلم للعاقدين أو لأحدهما أو لأجنبي ثلاثة أيام فما دون ذلك، بشرط أن لا يتم نقد رأس المال في زمن الخيار، فإن نقد فسد العقد مع شرط الخيار، لتردد رأس المال بين السلفية والثمنية (٣) . وهذا هو الرأي المعتمد في مذهبهم، وهو مبني على جواز تأخير قبض رأس مال السلم ثلاثة أيام فما دونها، لأن هذا التأخير اليسير في حكم التعجيل، فيكون معفوا عنه ومتسامحا فيه، إذ القاعدة الفقهية تنص على "أن ما قارب الشيء يعطي حكمه" (٤) .

стр. 14183

الركن الثاني العاقدان ١٧- لما كان السلم عقدا من عقود المعاوضات المالية التي تنشأ بين متعاقدين بإرادتهما، اشترط الفقهاء في كل واحد من عاقديه أن يكون أهلا لصدوره عنه، وأن يكون له ولاية إذا كان يعقد لغيره. • أما الأهلية المشترطة: فهي أهلية الأداء التي تعني صلاحية الشخص لصدور الأقوال منه على وجه يعتد به شرعا، وتتحقق هذه الأهلية في الإنسان البالغ العاقل الرشيد غير المحجور عليه بأي سبب من أسباب الحجر. • أما الولاية المطلوبة فيمن يعقد السلم عن غيره: فهي كونه مخولا شرعا في ذلك بأحد الطريقين: - إما بالنيابة الاختيارية التي تثبت بالوكالة. ولا بد فيها أن يكون كل من الوكيل والموكل أهلا لإنشاء عقود المعاوضات المالية. - وإما بالنيابة الإجبارية التي تثبت بتولية الشارع، وتكون لمن يلي مال المحجور عليهم من الأولياء والأوصياء الذين جعلت لهم سلطة شرعية على إبرام العقود وإنشاء التصرفات المالية لمصلحة من يلونهم. الركن الثالث المعقود عليه ١٤- وهو في السلم: رأس المال، والمسلم فيه. ولهذا الركن شروط عديدة، منها ما هو مشترك بين البيع والسلم، وسنشير إليها دون إطالة، ومنها ما هو خاص بالسلم، وسنعرضها بالبيان والتفصيل. وهذه الشروط بإجمال يمكن تقسيمها إلى ثلاث مجموعات: الأولى: شروط تعود على البديلين معا. والثانية: شروط تعود على رأس المال. والثالثة: شروط تعود على المسلم فيه.

стр. 14184

أ - الشروط التي ترجع إلى البدلين معا: ١٥- لا خلاف بين الفقهاء أنه يشترط لصحة عقد السلم أن يكون كل من رأس المال والمسلم فيه مالا متقوما، فلا يجوز أن يكون أحدهما خمرا أو خنزيرا أو غير ذلك مما لا يعد مالا منتفعا به شرعا. ١٦- كما أنه لا يشترط لصحته ألا يكون البدلان مالين يتحقق في سلم أحدهما بالآخر ربا النسيئة، وذلك بألا يجمع البدلين أحد وصفي علة ربا الفضل، حيث إن المسلم فيه مؤجل في الذمة، فإذا جمعه مع رأس المال أحد وصفي علة ربا الفضل، تحقق ربا النساء فيه، وكان فاسدا باتفاق الفقهاء (١) . وذلك لما روى البخاري ومسلم عن عبادة بن الصامت أن رسول الله ﷺ قال: ((الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والبر بالبر، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، والملح بالملح، مثلا بمثل، سواء بسواء، يدا بيد. فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدا بيد)) (٢) . ١٧- هذا، وقد اتجه الحنفية إلى أنه لا يجوز كون أي من البديلين في السلم منفعة، لأن المنافع لا تعتبر أموالا في مذهبهم، إذ المال عندهم: "ما يميل إليه طبع الإنسان، ويمكن ادخاره لوقت الحاجة" (م ١٢١ من المجلة العدلية) ، والمنافع غير قابلة للإحراز والادخار، إذ هي أعراض تحدث شيئا فشيئا، وآنا فآنا، وتنتهي بانتهاء وقتها، وما يحدث منها غير الذي ينتهي. وعلى ذلك فلا يصح جعل المنافع بدلا في عقد السلم عندهم. وخالفهم في ذلك جمهور الفقهاء من الشافعية والمالكية والحنابلة الذين اعتبروا المنافع أموالا بحد ذاتها، وأنها تحاز بحيازة أصولها ومصادرها، وهي الأعيان المنتفع بها. ومن ثم أجازوا كونها رأس مال ومسلما فيه في عقد السلم ... وعلى ذلك لو قال رب السلم: أسلمت إليك سكنى داري هذه سنة، أو خدمتي شهرا في كذا إلى أجل كذا صح ذلك السلم ... ولو قال له: أسلمت إليك عشرين دينارا في منفعة موصوفة في ذمتك إلى أجل كذا صح السلم (٣) .

стр. 14185

ب - شروط رأس مال السلم: يشترط الفقهاء في رأس مال السلم شرطين: (أحدهما) أن يكون معلوما: ١٨- لا خلاف بين الفقهاء في أنه يشترط في رأس المال أن يكون معلوما، وذلك لأنه بدل في عقد معاوضة مالية، فلا بد من كونه معلوما، كسائر عقود المعاوضات. ورأس المال إما أن يوصف في الذمة، ثم يعين في مجلس العقد، وإما أن يكون معينا عند العقد، كأن يكون حاضرا مشاهدا، ثم يقع العقد على عينه. ب - فإن كان موصوفا، فيجب أن ينص في عقد السلم على جنسه ونوعه وقدره وصفته، كأن يقول رب السلم: أسلمت إليك ألف ريال سعودي أو ألف دولار أمريكي، أو أردب قمح استرالي أو كندي، من نوع جيد أو وسط أو رديء، كبير الحب أو صغيره.. الخ، وذلك لأن قبول الطرف الآخر مبني على العلم بالبدل الذي يلتزم الطرف الأول بأدائه، ولا يتم هذا العلم إلا ببيان الجنس والنوع والقدر والصفة، مما يرفع الجهالة عن رأس المال. ثم إنه إذا كان رأس المال نقودا، وكان في البلد نقد غالب، انصرف الإطلاق إليه، ولا يحتاج إلى التصريح بالنوع. فلو كان العقد في مصر، وقال رب السلم: أسلمتك ألف جنيه في كذا ... انصرف ذلك إلى الجنيه المصري دون السوداني أو الإسترليني؛ لأن التعامل الغالب والدارج إنما هو فيه، فيكون هو المراد عند الإطلاق. وعلى هذا، فإن قبل الطرف الآخر، وجب تعيين رأس المال وتسليمه إليه وفاء بالعقد (١) .

стр. 14186

ت - أما إذا كان رأس المال معينا مشاهدا في مجلس العقد، فهل يصح إسلامه جزافا دون بيان قدره وصفاته؟ كأن يقول رب السلم: أسلمتك هذه الدنانير في كذا إلى أجل كذا، دون أن يبين عددها. أو أسلمتك هذه الصبرة من القمح في كذا دون بيان قدرها ... وبعبارة أخرى: هل تعتبر الإشارة إلى رأس المال الحاضر كافية في رفع الجهالة عنه، واعتباره معلوما، أم لا بد من بيان القدر والصفات بالإضافة إلى ذلك؟ اختلف الفقهاء في ذلك على ثلاثة أقوال: (القول الأول) لأبي حنيفة والثوري والقاضي عبد الوهاب البغدادي من المالكية: وهو أنه لا يشترط ذكر صفات رأس مال السلم، سواء أكان مثليا أو قيميا، حيث إن المشاهدة تكفي في رفع الجهالة عن الأوصاف. أما قدره، فهناك فرق بين كون رأس المال مثليا يتعلق العقد بمقداره وبين كونه قيميا. فإن كان مثليا – المكيلات والموزونات والذرعيات والعدديات المتقاربة – فإنه يجب بيان القدر، ولا تكفي المشاهدة. أما إذا كان قيميا، فلا يشترط بيان قدره، وتكفي الإشارة إليه (١) . (والقول الثاني) للمالكية والصاحبين من الحنفية والشافعية في الأظهر وظاهر كلام الخرقي من الحنابلة: وهو أنه تكفي المعاينة إذا كان رأس مال السلم معينا، ولا يشترط ذكر قدره أو صفاته؛ وذلك لأنه عوض في عقد لا يقتضي رد المثل، فوجب أن تغني المشاهدة عن ذكر صفاته ومقداره، كالمهر والثمن في البيع (٢) .

стр. 14187

(والقول الثالث) للحنابلة على المعتمد عندهم والشافعي في قول: وهو أنه يجب ذكر مقداره وصفاته، ولا يصح السلم إلا ببيانها. وذلك لأنه لا يؤمن أن ينفسخ السلم بانقطاع المسلم فيه، فإذا لم يعرف مقداره وصفته لم يعرف ما يرده (١) . (الشرط الثاني) تسليم رأس المال في مجلس العقد: ١٩- لقد ذهب جمهور الفقهاء من الحنفية والشافعية والحنابلة والظاهرية إلى أن من شروط صحة السلم تسليم رأس ماله في مجلس العقد، فلو تفرقا (٢) قبله بطل العقد (٣) . واستدلوا على ذلك: (أولا) بقوله ﷺ : ((من سلف فليسلف في كيل معلوم ووزن معلوم إلى أجل معلوم)) . إذ التسليف في اللغة التي خاطبنا بها رسول الله ﷺ هو الإعطاء، فيكون معنى كلامه ﵊ (فليعط) لأنه لا يقع اسم السلف فيه حتى يعطيه ما أسلفه قبل أن يفارق من أسلفه، فإن لم يدفع إليه رأس المال فإنه يكون غير مسلف شيئا، بل واعدا بأن يسلف. قال الرملي: (ولأن السلم مشتق من استلام رأس المال، أي تعجيله، وأسماء العقود المشتقة من المعاني لا بد من تحقق تلك المعاني فيها) (٤) . (ثانيا) بأن الافتراق قبل قبض رأس المال يكون افتراقا عن كالئ بكالئ، أي نسيئة بنسيئة، وهو منهي عنه بالإجماع (٥) .

стр. 14188

(ثالثا) بأن في السلم غررا احتمل للحاجة، فجبر ذلك بتعجيل قبض العوض الآخر، وهو الثمن، كيلا يعظم الغرر في الطرفين. (١) (رابعا) بأن الغاية الشرعية المقصودة من إبرام العقود ترتب آثارها عليها بمجرد انعقادها، فإذا تأخر البدلان كان العقد عديم الفائدة للطرفين خلافا لحكمه الأصلي ومقتضاه وغايته. ومن هنا قال ابن تيمية عن تأخير رأس المال في السلم: "فإن ذلك منع منه لئلا تبقى ذمة كل منهما مشغولة بغير فائدة حصلت لا له ولا للآخر، والمقصود من العقود القبض، فهو عقد لم يحصل به مقصود أصلا، بل هو التزام بلا فائدة". (٢) (خامسا) وبأن مطلوب الشارع صلاح ذات البين وحسم مادة الفساد والفتن، وإذا اشتملت المعاملة على شغل الذمتين، توجهت المطالبة من الجهتين، فكان ذلك سببا لكثرة الخصومات والعداوات، فمنع الشرع ما يفضي إلى ذلك باشتراط تعجيل قبض رأس المال. (٣) ٢٠-ولا يخفى أن اشتراط قبض رأس مال السلم قبل التفرق عند جمهور الفقهاء، إنما هو شرط لبقاء العقد على الصحة، وليس شرط صحة؛ لأن السلم ينعقد صحيحا بدون قبض رأس المال، ثم يفسد بالافتراق قبل القبض. وبقاء العقد صحيحا يعقب العقد ولا يتقدمه، فيصلح القبض شرطا له. (٤) وقد جاء في م (٣٨٧) من المجلة العدلية: (يشترط لبقاء صحة السلم تسليم الثمن في مجلس العقد، فإذا تفرق العاقدان قبل تسليم رأس مال السلم انفسخ العقد) . ٢١- وقد خالف المالكية –في المشهور عندهم- جمهور الفقهاء في اشتراط تعجيل رأس مال السلم في مجلس العقد، وقالوا: يجوز تأخيره اليومين والثلاثة بشرط وبغير شرط، تعويلا على القاعدة الفقهية (ما قارب الشيء يعطى حكمه) ، حيث إنهم اعتبروا هذا التأخير اليسير معفوا عنه؛ لأنه في حكم التعجيل. (٥) ومن هنا قال القاضي عبد الوهاب البغدادي في كتابه (الإشراف) في تعليل جواز ذلك التأخير اليسير: (فأشبه التأخير للتشاغل بالقبض) . (٦) .

стр. 14189

قال ابن رشد: (وأما تأخيره فوق الثلاث بشرط، فذلك لا يجوز باتفاق، سواء كان رأس المال عينا أو عرضا. فإن تأخر فوق الثلاث بغير شرط لم يفسخ إن كان عرضا، واختلف فيه إن كان عينا: فعلى ما في (المدونة) من السلم، يفسد بذلك ويفسخ. وعلى ما ذهب إليه ابن حبيب: أنه لا يفسخ إلا أن يتأخر فوق الثلاث بشرط) . (١) على أن المالكية أنفسهم يصرحون بأن العزيمة في السلم إنما تتحقق بتعجيل رأس المال في مجلس العقد. يقول ابن عبد السلام: لم أعلم خلافا في كون تعجيل رأس المال عزيمة، وأن الأصل التعجيل، وإنما الخلاف: هل يرخص في تأخيره؟. (٢) ٢٢- بقي بعد هذا مسألة مهمة، وهي ما لو عجل رب السلم بعض رأس المال في المجلس، وأجل البعض الآخر، فما هو الحكم في هذه الحالة؟ اختلف الفقهاء في ذلك على قولين: (أحدهما) للحنفية والشافعية والحنابلة: وهو أنه يبطل السلم فيما لم يقبض، ويسقط بحصته من المسلم فيه، ويصح في الباقي بقسطه. (٣) قال ابن نجيم: (وصح في حصته النقد لوجود قبض رأس المال بقدره، ولا يشيع الفساد لأنه طارئ، إذ السلم وقع صحيحا في الكل، ولذا لو نقد الكل قبل الافتراق صح) . (٤) وعلل المالكية قولهم هذا بأنه (متى قبض البعض وأخر البعض فسد، لأنه دين بدين) . (٥) واستدل الظاهرية على ذلك بأن السلم عقد واحد وصفقة واحدة، وكل عقد جمع فاسدا وجائزا، كان كله فاسدا؛ لأن العقد الواحد لا يتبعض، والتراضي منهما لم يقع حين العقد إلا على الجميع، لا على البعض دون البعض، فلا يحل إلزامهما بما لم يتراضيا جميعا عليه، لأنه أكل مال بالباطل لا عن تراض. (٦) ومستند ابن أبي ليلى: أن الأصل عنده في أبواب المعاملات أن العقد إذا ورد الفسخ على بعضه انفسخ كله. (٧)

стр. 14190

٢٣- ولو أراد رب السلم أن يجعل الدين الذي في ذمة المسلم إليه رأس مال السلم، فإن ذلك غير جائز عند جمهور الفقهاء من الحنفية والشافعية والحنابلة ومالك والأوزاعي والثوري وغيرهم؛ وذاك لأن المسلم فيه دين، فإذا جعل الثمن دينا، كان بيع دين بدين، وهو غير جائز بالإجماع. (١) وخالفهم في ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم، وذلك لعدم تحقق المنهي عنه –وهو بيع الكالئ بالكالئ، أي الدين المؤخر بالدين المؤخر- في هذه المسألة إذا كان الدين المجعول رأس مال السلم غير مؤجل في ذمة المدين (٢) ، لأنها تكون من قبيل بيع الدين المؤخر بالدين المعجل، ولوجود القبض الحكمي لرأس مال السلم من قبل المسلم إليه في مجلس العقد، لكونه حالا في ذمته، فكأن المسلم –إذ جعل ماله في ذمته معجلا رأس مال السلم- قبضه منه ورده إليه، فصار دينا معجلا مقبوضا حكما، فارتفع المانع الشرعي؛ ولأن دعوى الإجماع على هذا المنع غير مسلمة. جاء في (إعلام الموقعين) لابن القيم: (وأما بيع الواجب بالساقط، فكما لو أسلم إليه في كر حنطة بعشرة دراهم في ذمته، فقد وجب له عليه دين، وسقط له عنه دين غيره. وقد حكي الإجماع على امتناع هذا، ولا إجماع فيه. قاله شيخنا، واختار جوازه، وهو الصواب. إذ لا محذور فيه، وليس بيع كالئ بكالئ، فيتناوله النهي بلفظه، ولا في معناه فيتناوله بعموم المعنى، فإن المنهي عنه قد اشتغلت فيه الذمتان بغير فائدة) (٣) .

стр. 14191

٢٤- أما إذا جعل رب السلم ماله الموجود في يد المسلم إليه رأس مال المسلم، فهل يصح ذلك، وينوب القبض السابق للعقد مناب القبض المستحق في مجلسه، أم لا يصح ذلك، ويحتاج إلى قبض جديد؟ للفقهاء في المسألة قولان: (أحدهما) للحنابلة: وهو أن قبض المسلم إليه السابق للعين المجعولة رأس مال السلم ينوب عن القبض المستحق بالعقد، ويقوم مقامه، سواء أكانت العين في يده أمانة أم مضمونة، ولا يحتاج إلى تجديد القبض. (١) (والثاني) للحنفية: وهو أنه ينوب القبض السابق لرأس مال السلم عن القبض المستحق في مجلس العقد إذا كانت يد المسلم إليه عليه يد ضمان لا يد أمانة. أما إذا كان في يده أمانة –كيد الوكيل والوديع والشريك ونحوهم- فإن القبض السابق لا يقوم مقامه، ويحتاج إلى تجديد في المجلس ليصح عقد السلم. (٢) وقد أوضح الكاساني قاعدة الحنفية في نيابة القبض السابق مناب القبض المستحق اللاحق بعبارة وجيزة جامعة حيث قال: فالأصل فيه أن الموجود وقت العقد إن كان مثل المستحق بالعقد ينوب منابه. وإن لم يكن مثله: فإن كان أقوى من المستحق ناب عنه. وان كان دونه لا ينوب؛ لأنه إذا كان مثله أمكن تحقيق التناوب، لأن المتماثلين غيران ينوب كل واحد منهما مناب صاحبه ويسد مسده، وإن كان أقوى منه يوجد فيه المستحق وزيادة، وإن كان دونه لا يوجد فيه إلا بعض المستحق، فلا ينوب عنه كله. (٣)

стр. 14192

ج- شروط المسلم فيه: لقد اشترط الفقهاء في المسلم فيه شروطا عديدة، وجعلوا تحققها لازما لصحة عقد السلم، وإن كانت آراؤهم واجتهاداتهم غير متوافقة في جميع الأحكام وسائر المسائل، وإليك بيان ذلك: الشرط الأول: أن يكون دينا موصوفا في الذمة. ٢٥- لا خلاف بين الفقهاء في اشتراط كون المسلم فيه دينا موصوفا في ذمة المسلم إليه، وأنه لا يصح السلم إذا جعل المسلم فيه شيئا معينا بذاته. (١) لأن ذلك مناقض للغرض المقصود منه، إذ هو موضوع لبيع شيء في الذمة بثمن معجل، ومقتضاه ثبوت المسلم فيه دينا في ذمة المسلم إليه، ومحله ذمة المسلم إليه. فإذا كان المسلم فيه معينا تعلق حق رب السلم بذاته، وكان محل الالتزام ذلك الشيء المعين، لا ذمة المسلم إليه. ومن هنا كان تعيين المسلم فيه مخالفا لمقتضى العقد. يضاف إلى ذلك أن تعيينه يجعل السلم من عقود الغرر، إذ ينشأ عنه غرر عدم القدرة على تنفيذ العقد، فلا يدرى، أيتم هذا العقد أم ينفسخ، حيث إن من المحتمل أن يهلك ذلك الشيء المعين قبل حلول وقت أدائه، فيستحيل تنفيذه، والغرر مفسد لعقود المعاوضات المالية كما هو معلوم ومقرر. وهذا بخلاف ما لو كان المسلم فيه دينا موصوفا في الذمة، إذ الوفاء يكون بأداء أية عين مثلية تتحقق فيها الأوصاف المتفق عليها، ولا يتعذر تنفيذ العقد لو تلف المسلم فيه قبل تسليمه، إذ يسعه الانتقال عنه إلى غيره من أمثاله. (٢)

стр. 14193

وقد رتب بعض الفقهاء على تضمن السلم غررا إذا عين المسلم فيه أيلولة العقد إلى السلف الذي يجر نفعا، فقال ابن رشد: (وإنما لم يجز السلم في الدور والأرضين. لأن السلم لا يجوز إلا بصفة، ولا بد في صفة الدور والأرضين من ذكر موضعها، وإذا ذكر موضعها تعينت فصار السلم فيها كمن ابتاع من رجل دار فلان على أن يتخلصها له منه، وذلك من الغرر الذي لا يحل ولا يجوز؛ لأنه لا يدرى بكم يتخلصها منه، وربما لم يقدر على أن يتخلصها منه، ومتى لم يقدر على أن يتخلصها منه رد إليه رأس ماله، فصار مرة بيعا ومرة سلفا وذلك سلف جر نفعا) (١) كما بنى بعض الفقهاء منع كون المسلم فيه معينا على أساس أن السلم إنما جاز شرعا على خلاف القياس للحاجة إليه، فإذا عين المسلم فيه، فيمكن عندئذ بيعه في الحال، ولا يكون هناك ثمة حاجة إلى المسلم، فينسحب عليه الحكم الأصلي وهو عدم المشروعية. (٢) ٢٦- ولعل المستند النصي لوجوب كون المسلم فيه دينا موصوفا في الذمة، وعدم جواز السلم إذا تعين ما روى ابن ماجه عن عبد الله بن سلام، قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: إن بني فلان أسلموا (لقوم من اليهود) وإنهم قد جاعوا، فأخاف أن يرتدوا. فقال النبي ﷺ : ((من عنده؟)) فقال رجل من اليهود: عندي كذا وكذا (لشيء قد سماه) أراه قال: ثلاثمائة دينار بسعر كذا وكذا من حائط بني فلان، فقال النبي ﷺ : ((بسعر كذا وكذا، إلى أجل كذا وكذا، وليس من حائط بني فلان)) . (٣) ٢٧- وبناء على اشتراط كون المسلم فيه دينا في الذمة، ذكر جماهير الفقهاء أن ما يصح أن يكون مسلما فيه من الأموال: المثليات كالمكيلات والموزونات والمذروعات والعدديات المتقاربة، وكذا القيميات التي تقبل الانضباط بالوصف. (٤)

стр. 14194

قال الشيرازي: (ويجوز السلم في كل مال يجوز بيعه وتضبط صفاته، كالأثمان والحبوب والثمار والثياب والدواب والعبيد والجواري والأصواف والأشعار والأخشاب والأحجار والطين والفخار والحديد والرصاص والبلور والزجاج وغير ذلك من الأموال التي تباع وتضبط بالصفات) (١) أما ما لا يمكن ضبط صفاته من الأموال فلا يصح السلم فيه، لإفضاء العقد للمنازعة والمشاقة، وعدمها مطلوب شرعا. (٢) ٢٨- وعلى هذا فقد نص جمهور الفقهاء من الشافعية والمالكية والحنابلة والظاهرية على جواز السلم في النقود، على أن يكون رأس المال من غيرها لئلا يفضي ذلك إلى ربا النساء. (٣) قال ابن قدامة: (لأنها تثبت في الذمة صداقا، فتثبت سلما كالعروض؛ ولأنه لا ربا بينهما من حيث التفاضل ولا النساء (٤) فصح إسلام أحدهما كالعرض في العرض) . (٥) وخالفهم في ذلك الحنفية، وقالوا بعدم جواز كون المسلم فيه نقدا؛ لأن المسلم فيه لا بد أن يكون مثمنا، والنقود أثمان، فلا يصح أن تكون مسلما فيها. (٦) قال الكاساني: (لأن المسلم فيه مبيع، لما روينا أن النبي ﷺ نهى عن بيع ما ليس عند الإنسان، ورخص في السلم. سمى السلم بيعا، فكان المسلم فيه مبيعا، والمبيع مما يتعين بالتعيين، والدراهم والدنانير لا يتعين في عقود المعاوضات، فلم تكن مبيعة، فلا يجوز السلم فيها) . (٧)

стр. 14195

وقد رد القاضي عبد الوهاب البغدادي مذهب الإمام أبي حنيفة مستندا في تجويز السلم في النقود على قوله ﷺ : ((من أسلم فليسلم في كيل معلوم ووزن معلوم)) وهي من الموزونات، وبأن كل ما جاز أن يكون في الذمة ثمنا جاز أن يكون مسلما فيه؛ ولأن ضبطها بالصفة ممكن بذكر فضتها أو ذهبها وسكتها ووزنها، (١) فانتفى كل مانع، وتوفر مناط الجواز. أما احتجاجهم بأن النبي ﷺ ((نهى عن بيع ما ليس عند الإنسان ورخص في السلم)) فغير مسلم؛ لأن الحديث الوارد عن النبي ﵊ إنما هو النهي عن بيع ما ليس عندك، أما تتمة (ورخص في السلم) فلم تُرْوَ في الحديث، وإنما هي من كلام بعض الفقهاء (٢) ٢٩- هذا، ومع أن جمهور الفقهاء من الحنفية والمالكية والحنابلة يعدون المذروعات المتماثلة الآحاد والعدديات المتساوية أو المتقاربة من جملة المثليات التي تقبل الثبوت في الذمة دينا في عقد السلم، ويصح كونها مسلما فيه قياسا على المكيلات والموزونات التي نص الحديث على جواز السلم فيها، للعلة الجامعة بينهما وهي رفع الجهالة بالمقدار؛ لأن القصد من التقدير هو رفع الجهالة وإمكان التسليم بلا منازعة، وهذا حاصل بالعدّ والذرع فيما يقدر بالوحدات القياسية الطويلة أو بالعدد كما هو حاصل بالوزن أو بالحجم فيما يقدر بالوزن أو الكيل. قال الخطيب الشربيني: فإن قيل: لم خص في الحديث الكيل والوزن؟ أجيب بأن ذلك لغلبتهما وللتنبيه على غيرهما. (٣) فقد خالف ابن حزم في ذلك، ومنع صحة السلم في غير المكيلات والموزونات، فقال: (ولا يجوز السلم إلا في مكيل أو موزون فقط، ولا يجوز في حيوان ولا مذروع ولا معدود ولا في شيء غير ما ذكرنا) . (٤) واحتج على ذلك بما روي عن النبي ﷺ أنه قال: ((من أسلف فلا يسلف إلا في كيل معلوم ووزن معلوم)) قال: (فهذا منع السلف وتحريمه البتة إلا أن في مكيل موزون) . (٥)

стр. 14196

الشرط الثاني: أن يكون معلوما. ٣٠- لا خلاف بين الفقهاء في أنه يشترط لصحة السلم أن يكون المسلم فيه معلوم مُبَيَّنًا بما يرفع الجهالة عنه ويسد الأبواب إلى المنازعة بين العاقدين عند تسليمه؛ وذلك لأنه بدل في عقد معاوضة مالية، فاشترط فيه أن يكون معلوما كما هو الشأن في سائر عقود المبادلات المالية. ولما كان السلم فيه ثابتا في الذمة غير مشخص بذاته اشترط الفقهاء أن ينص في عقد السلم على جنس المسلم فيه، بأن يبين أنه حنطة أو شعير أو تمر أو زيت ... ونوعه إن كان الجنس الواحد أكثر من نوع، بأن يبين أن الرز مثلا من النوع الأمريكي أو الاسترالي أو البشاوري ونحو ذلك. فإن كان للجنس نوع واحد فقط، فلا يشترط ذكر النوع. (١) كما اشترطوا بيان قدره لقوله ﷺ : ((من أسلم فليسلم في كيل معلوم ووزن معلوم)) . وبيان القدر يتحقق بكل وسيلة ترفع الجهالة عن المقدار الواجب تسليمه، وتضبط الكمية الثابتة في الذمة بصورة لا تدع مجالا للمنازعة عند الوفاء. (٢) ٣١- ويستنتج من نصوص الفقهاء التي بينت طرق التقدير الأربعة (الكيل والوزن والذرع والعدّ في كل شيء بحسبه) وهي الوسائل العرفية المعلومة في عصورهم أن معلومية المقدار في أيامنا الحاضرة يمكن أن تكون بأية وحدة من الوحدات القياسية العرفية المحدودة الشائعة.. وذلك مثل التحديد بالمتر أو بالقدم أو بالميل في الطول، وبالغرام أو بالأونصة أو الباوند في الوزن، وبالليتر أو الجالون في الحجم ونحو ذلك. وفي هذا المقام نصّ الفقهاء على وجوب كون أداة التقدير العرفية معلومة العيار، وإلا فسد السلم لجهالة قدر المسلم فيه وإفضاء ذلك إلى الخصومة والمنازعة. (٣)

стр. 14197

٣٢- ومما يجدر بيانه أن جمهور الفقهاء من الحنفية والشافعية وأحمد في رواية عنه رجحها كثير من الحنابلة (١) لا يرون بأسا في اتفاق العاقدين على تحديد المسلم فيه بأية وحدة قياسية عرفية تضبطه، ولو كانت غير المستعملة لتحديد قدره في زمن النبوة، وذاك لأن الغرض معرفة قدره بما ينفي عنه الجهالة والغرر. وإمكان تسليمه من غير تنازع، والعلم بالقدر يمكن حصوله بأية وحدة قياسية عرفية منضبطة، وعلى هذا فلو قدره بأي قدر جاز (٢) ، (ويغاير ذلك بيع الربويات، فإن التماثل فيها في المكيل كيلا وفي الموزون وزنا شرط، ولا يعلم تحقق هذا الشرط إذا قدرها بغير مقدارها الأصلي) (٣) وخالف في ذلك الحنابلة على المعتمد في مذهبهم، وقالوا: (لا يصح سلم في مكيل وزنا، ولا في موزون كيلا؛ لأنه مبيع يشترط معرفة قدره، فلم يجز بغير ما هو مقدر به في الأصل، كبيع الربويات، بعضها ببعض، ولأنه قدّره بغير ما هو مقدر به في الأصل، فلم يجز، كما لو أسلم في مذروعات وزنا) . (٤) وقال المالكية: العبرة بعرف أهل البلد الذي جرى فيه السلم. فلا بد أن يضبط المسلم فيه بالوحدة القياسية التي تعارف أهل البلد وقت العقد على تقديره بها، قطعا لدابر المنازعة بين العاقدين في تقديره عند الوفاء. (٥) ٣٣-وبيان مقدار السلم فيه بهذه الصورة إنما يجزي في المثليات التي تخضع أنواعها للوحدات القياسية العرفية (الوزن أو الحجم أو الطول أو العد) . أما إذا كان المسلم فيه من القيمات التي تختلف آحادها وتتفاوت أفرادها بحيث لا تقبل التقدير بتلك الوحدات القياسية، وإن كانت صفاتها قابلة للانضباط، فعندئذ يجوز السلم فيها بشرط بيان صفاتها التي تتفاوت فيها الرغبات، ويختلف الثمن بتفاوتها اختلافا ظاهرا. ولا يجب استقصاء كل الصفات؛ لأن ذلك يتعذر، وقد ينتهي الأمر لو طلب فيها الاستقصاء إلى حال يتعذر معها تسليم المسلم فيه، إذ يبعد وجود المسلم فيه عند المحل بتلك الصفات كلها. ولهذا يكتفى بالأوصاف الظاهرة التي يختلف الثمن بها غالبا أو تختلف الأغراض بسببها عادة. (٦)

стр. 14198

الشرط الثالث: أن يكون مؤجلا. ٣٤-لقد اشترط جمهور الفقهاء من الحنفية والمالكية والظاهرية لصحة السلم أن يكون المسلم فيه مؤجلا، وقرروا عدم صحة السلم الحال (١) ، ودليلهم على ذلك: أ – قوله ﷺ : ((من أسلم فليسلم في كيل معلوم ووزن معلوم إلى أجل معلوم)) . حيث أمر ﵊ بالأجل في السلم، وأمره يقتضي الوجوب، فيكون الأجل من جملة شروط صحة السلم، فلا يصح بدونه. ب – أن السلم جوز رخصة للرفق، ولا يحصل إلا بالأجل، فإذا انتفى الأجل انتفي الرفق، وذلك (لأن المسلف يرغب في تقديم الثمن لاسترخاص المسلم فيه، والمسلم إليه يرغب فيه لموضع النسيئة، وإذا لم يشترط الأجل زال هذا المعنى) . (٢) ج- قال القاضي عبد الوهاب: (ولأن السلم مشتق من اسمه الذي هو السلف، وهو أن يتقدم رأس المال ويتأخر المسلم فيه، فوجب منع ما أخرجه عن ذلك) . (٣) د- ولأن السلم الحال يفضي إلى المنازعة، إذ هو أصلا بيع المفاليس، فالظاهر أن يكون المسلم إليه عاجزا عن تسليم المسلم فيه حالا، ورب السلم يطالب بالتسليم، فيتنازعان على وجه تقع الحاجة إلى الفسخ. كما أنه قد يكون فيه إلحاق الضرر برب السلم، لأنه أعطى رأس المال إلى المسلم إليه وصرفه في حاجته، فلا يصل المسلم فيه ولا إلى رأس المال، بخلاف الأمر عند اشتراط الأجل، حيث لا يملك المطالبة إلا بعد حل الأجل، وعند ذلك يقدر المسلم إليه على التسليم ظاهرا، فلا يؤدي إلى المنازعة المفضية إلى الفسخ والإضرار برب السلم. (٤) ٣٥- وخالف في ذلك الشافعية وقالوا بجواز السلم الحال كما هو جائز مؤجلا. وحجتهم القياس الأولوي على السلم المؤجل، حيث إن في الأجل ضربا من الغرر، إذ ربما يقدر المسلم إليه على تسليمه في الحال، ويعجز عند حلول الأجل، فإذا جاز مؤجلا، فهو حالا أحرى بالجواز؛ لأنه أبعد عن الغرر. (٥)

стр. 14199

٣٦- ومع أن جمهور الفقهاء –عدا الشافعية- اتفقوا على وجوب كون المسلم فيه مؤجلا لصحة العقد، فقد اختلفوا في تحديد الأجل الأدنى الذي لا يصح بأقل منه، وذلك على جملة أقوال: أ- فذهب الظاهرية إلى أن الحد الأدنى للأجل أقل ما ينطبق عليه اسم الأجل لغة، ساعة فما فوقها. (١) ب- وقال الحنابلة: من شرط الأجل أن يكون مدة لها وقع في الثمن عادة، كالشهر وما قاربه؛ لأن الأجل إنما اعتبر لتحقيق الرفق الذي من أجله شرع السلم، ولا يحصل ذلك بالمدة التي لا أثر لها في رخص الثمن. (٢) ج- واختلف فقهاء الحنفية في تحديده، فقال الكرخي: إنه موكول لتراضي العاقدين، حتى لو قدّرا نصف يوم جاز. وقيل: أقله ثلاثة أيام قياسا على خيار الشرط. قال الكاساني: (وروي عن محمد أنه قدره بالشهر وهو الصحيح؛ لأن الأجل إنما شرط في السلم ترفيها وتيسيرا عن المسلم إليه، ليتمكن من الاكتساب في المدة. والشهر مدة معتبرة يتمكن فيها من الاكتساب، فيتحقق معنى الترفيه. فأما ما دونه ففي حد القلة، فكان له حكم الحلول) . (٣) د- وذهب المالكية في المشهور عندهم إلى أن أقله ما تختلف فيه الأسواق، كالخمسة عشر يوما ونحوها. وهو قول ابن القاسم (٤) . وروى ابن وهب عن مالك: أنه يجوز اليومين والثلاثة. وقال ابن عبد الحكم: لا بأس به إلى اليوم الواحد. (٥) قال الباجي –بعد عرض تلك الأقوال-: (إذا ثبت ما قلناه، فالذي قاله القاضي أبو محمد أن تغير الأسواق في ذلك لا يختص بمدة من الزمان، وإنما هو على حسب عرف البلاد. ومن قدر ذلك بخمسة عشر يوما أو أكثر فإنما قدر على عرف بلده، وتقدر ابن القاسم ذلك بخمسة عشر يوما أو عشرين أظهر؛ لأن هذا عرف البلاد، ومقتضى ما علم من أسواقها، فإنه يغلب تغيرها في مثل هذه المدة) . (٦)

стр. 14200

الشرط الرابع: أن يكون الأجل معلوما. ٣٧- اتفق الفقهاء على أن معلومية الأجل الذي يوفى فيه المسلم فيه شرط لصحة السلم، لقوله ﷺ : ((من أسلم فليسلم في كيل معلوم ووزن معلوم إلى أجل معلوم)) ، حيث أوجب معلومية الأجل. (١) وعلى ذلك نص العلماء على أنه (إن كان الأجل مجهولا فالسلم فاسد، سواء أكانت الجهالة متفاحشة أو متقاربة؛ لأن كل ذلك يفضي إلى المنازعة، وإنها مفسدة للعقد، كجهالة القدر) . (٢) ويتم العلم بالأجل بتقدير مدته بالأهلة نحو أول شهر رجب أو أوسط محرم أو يوم معلوم منه، أو بتحديده بالشهور الشمسية المعروفة عند المسلمين والمشهورة بينهم مثل أول شباط وآخر آذار أو يوم معلوم منه. أو بتحديد وقت محل المسلم فيه بأن يقال: بعد ستة أشهر أو شهرين أو سنة ونحو ذلك. (٣)

стр. 14201

الشرط الخامس: أن يكون مقدور التسليم عند محله. ٣٨-وذلك بأن يكون المسلم فيه مما يغلب وجوده عند حلول الأجل، وهذا شرط متفق على وجوب تحقيقه لصحة السلم بين الفقهاء. واحتجوا على ذلك بأن المسلم فيه واجب التسليم عند الأجل، فلا بد أن يكون تسليمه مقدورا عليه حينذاك، وإلا كان من الغرر الممنوع. (١) وعلى هذا، فلا يجوز أن يسلم في ثمر إلى أجل لا يعلم وجود ذلك الثمر فيه، أو لا يوجد فيه إلا نادرا، كما أنه يسلم في ثمار نخلة معينة أو ثمار بستان بعينه. وذلك لما روى ابن ماجه عن النبي ﷺ أنه أسلف إليه رجل من اليهود دنانير في تمر مسمى، فقال اليهودي: من حائط بني فلان. فقال ﵊: ((أما من حائط بني فلان فلا، ولكن كيل مسمى إلى أجل مسمى)) . (٢) وذلك لأن ثمر البستان المعين أو النخل المعين لا يؤمن تلفه وانقطاعه. ٣٩- أما وجود المسلم فيه عند العقد فليس شرطا لصحة السلم عند جمهور الفقهاء من الشافعية والمالكية والحنابلة والظاهرية، فيجوز السلم في المعدوم وقت العقد وفيما ينقطع من أيدي الناس قبل حلول الأجل. (٣) وحجتهم على ذلك ما روى البخاري ومسلم عن ابن عباس ﵁ أن رسول الله ﷺ قدم المدينة، والناس يسلفون في الثمر العام والعامين، فقال: ((من أسلف في شيء، ففي كيل معلوم ووزن معلوم إلى أجل معلوم)) . فلم يشترط ﵊ وجود المسلم فيه عند العقد، ولو كان شرطا لذكره ولنهاهم عن السنتين والثلاث؛ لأن من المعلوم أن الثمر لا يبقى طوال هذه المدة. وأيضا: فإن التسليم قبل حلول الأجل غير مستحق، فلا يلزم وجود المسلم فيه بتلك الفترة، إذ لا فائدة لوجوده حينئذ.

стр. 14202

وخالفهم في ذلك الحنفية والثوري والأوزاعي الذين قالوا بعدم السلم إلا فيما هو موجود في الأسواق من وقت العقد إلى محل الأجل دون انقطاع. واستدل الحنفية على ذلك بأن الأجل يبطل بموت المسلم إليه، ويجب أخذ المسلم فيه من تركته، فاشترط لذلك دوام وجود المسلم فيه لتدوم القدرة على تسليمه؛ إذ لو لم يشترط هذا الشرط، ومات المسلم إليه قبل أن يحل الأجل فربما يتعذر تسليم المسلم فيه، فيؤول ذلك إلى الغرر. (١) وقد أجاب ابن قدامة على حجة الحنفية هذه بقوله: (ولا نسلم أن الدين يحل بالموت، وإن سلمنا فلا يلزم أن يشترط ذلك الوجود، إذ لو لزم لأفضى إلى أن تكون آجال السلم مجهولة، والمحل ما جعله العاقدان محلا، وههنا لم يجعلاه) . (٢) وقال القاضي عبد الوهاب البغدادي: (ولأن كل وقت لم يجعل وقتا لقبض المسلم فيه لم يكن وجوده شرطا في صحة العقد، أصله ما بعد المحل؛ ولأنه يضبط بالصفة ويوجد عند المحل، فجاز السلم فيه) . (٣)

стр. 14203

الشرط السادس: تعيين مكان الإيفاء. ٤٠- لقد اختلف الفقهاء في مدى اشتراط تعيين مكان إيفاء المسلم فيه لصحة العقد، وذلك على خمسة أقوال: أ- فذهب الشافعية في المعتمد إلى أنه يشترط لصحة السلم بيان مكان تسليم المسلم فيه إذا كان موضع العقد لا يصلح للتسليم كالصحراء، أو كان لحمله مؤنة. فإن كان العقد بمكان يصلح للتسليم أو لم يكن لحمله مؤنة فلا يشترط ذلك، ويتعين مكان العقد للتسليم بدلالة العرف. وهذا كان المسلم فيه مؤجلا. أما الحال فلا يشترط فيه تعيين مكان الوفاء ويتعين موضع العقد للتسليم. (١) قالوا: ووجه اشتراط تعيينه في المؤجل إذا كان المكان لا يصلح للتسليم اختلاف الأغراض وتفاوتها في الأمكنة، فوجب بيانه كما هو الأمر في الأوصاف. وأما إذا كان لحمله مؤنة فلأنه يختلف الثمن باختلاف المكان الذي سيسلم فيه، كالصفات التي يختلف باختلافها. بخلاف ما ليس لحمله مؤنة؛ فإنه لا يجب بيانه؛ لأنه لا يختلف باختلافه فلم يجب بيانه كالصفات التي لا يختلف الثمن باختلافها. (٢) ب- وقال المالكية: لا يشترط تعيين مكان الإيفاء، ولكنه يفضل، (٣) . قال ابن جزي: (الأحسن اشتراط مكان الدفع.. فإن لم يعينا في العقد مكانا، فمكان العقد، وإن عيناه، ولا يجوز أن يقبضه بغير المكان ويأخذ كراء مسافة ما بين المكانين؛ لأنهما بمنزلة الأجلين) . (٤)

стр. 14204

ج- وذهب الحنابلة إلى أنه لا يشترط ذكر مكان الإيفاء، لأن النبي ﷺ لم يذكره، فدل على أنه لا يشترط فيه. ولأنه عقد معاوضة، فلا فيه ذكر مكان الإيفاء، كبيوع الأعيان، إلا أن يكون موضع العقد لا يمكن الوفاء فيه كصحراء وبحر وجبل ونحو ذلك، فعند ذلك يشترط بيانه لتعذر الوفاء في موضع العقد، فيكون محل التسليم مجهولا، فاشترط تعيينه بالقول كالأجل. (١) د- وقال ابن حزم: لا يجوز أن يشترطا في السلم دفعه في مكانه بعينه، فإن فعلا فالصفقة كلها فاسدة لكن حق المسلم قبل المسلم إليه أنه حيث ما لقيه عند محل الأجل فله أخذه بدفع حقه إليه، فإن غاب أنصفه الحاكم من ماله –أي المسلم إليه- إن وجد له، لقوله تعالي: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [النساء:٥٨] فهو مأمور بأداء أمانته حيث وجبت عليه ويسألها. (٢) هـ -قال الحنفية: لا يشترط مكان الإيفاء إذا لم يكن للمسلم فيه حمل ومؤنة، بحيث لا يحتاج نقله إلى كلفة وسيلة نقل وأجرة حمال (٣) . أما إذا كان له حمل ومؤنة، فقد اختلف أبو حنيفة مع صاحبيه في اشتراط تعيين مكان الإيفاء. - فقال أبو حنيفة: يشترط بيان مكان إيفاء المسلم فيه؛ لأن التسليم غير واجب في الحال، فلا يتعين مكان العقد موضعا للتسليم، وإذا لم يتعين بقي مجهولا جهالة مفضية إلى المنازعة لاختلاف القيم باختلاف الأماكن، فلا بد من البيان دفعا للمنازعة، إذ صار كجهالة الصفة. وقال أبو يوسف ومحمد: لا يحتاج إلى تعيينه، ويسلمه في موضع العقد؛ لأن مكانه موضع الالتزام، فيتعين لإيفاء ما التزمه في ذمته، كموضع الاستقراض والاستهلاك وكبيع الحنطة بعينها. (٤)

стр. 14205

المبحث الثالث الأحكام المترتبة على السلم والمتعلقة به ويندرج تحت هذا المبحث سبع وسائل: المسألة الأولي انتقال الملك في البدلين ٤١-لا خلاف بين الفقهاء في أن عقد السلم إذا أبرم بين عاقدين مستجمعا أركانه وشروط صحته فإنه يقتضي انتقال ملكية رأس المال إلى المسلم إليه وانتقال ملكية المسلم فيه إلى رب السلم. وعلى ذلك، فإذا قبض المسلم إليه رأس المال كان له أن يتصرف فيه بكل التصرفات السائغة شرعاً؛ لأنه ملكه وتحت يده. أما المسلم فيه، فمع صيرورته ملكًا للمسلم بمقتضى العقد، إلا أن ملكيته له غير مستقرة. قال السيوطي: (وجميع الديون التي في الذمة بعد لزومها وقبض المقابل لها مستقرة إلا دينًا واحدًا هو دين السلم؛ فإنه وإن كان لازما فهو غير مستقر. وإنما كان غير مستقر؛ لأنه بصدد أن يطرأ انقطاع المسلم فيه، فينفسخ العقد) . (١)

стр. 14206

المسألة الثانية بيع دين السلم قبل قبضه ٤٢-وبناء على كون دين السلم غير مستقر فقد ذهب جمهور الفقهاء من الحنفية والشافعية والحنابلة إلى أنه لا يصح بيع المسلم فيه لمن هو في ذمته، أي استبداله قبل قبضه بأن يأخذ رب السلم مكانه من غير جنسه (وهو ما يعبر عنه الفقهاء بالاعتياض عن المسلم فيه أو استبداله) كما أنه لا يصح بيعه مِنْ غير مَنْ هو في ذمته؛ لأنه لا يؤمن من فسخ العقد بسبب انقطاع المسلم فيه، فكان كالمبيع قبل القبض. ولقوله ﷺ : ((من أسلم في شيء فلا يصرفه إلى غيره)) . (١) قالوا: وهذا يقتضي إلا يبيع رب السلم دين السلم لا من صاحبه ولا من غيره. (٢) ٤٣-وخالفهم في ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن قيم الجوزية، حيث أجاز بيع المسلم فيه قبل قبضه من غير مَنْ عليه الدين، وهذا القول رواية عن أحمد ووجه عند الشافعية. (٣) جاء في (الاختيارات الفقهية من فتاوى ابن تيمية) : (ويجوز بيع الدين في الذمة من الغريم وغيره، ولا فرق بين دين السلم وغيره، وهو رواية عن أحمد) . (٤)

стр. 14207

وقال ابن القيم في (أعلام الموقعين) : (والدين في الذمة يقوم مقام العين، ولهذا تصح المعاوضة عليه من الغريم وغيره) . (١) كذلك أجاز ابن تيمية وابن القيم الاعتياض عن المسلم فيه (أي بيعه لمن هو في ذمته) قبل قبضه بثمن المثل أو دونه لا أكثر منه حالاً، وهو قول ابن عباس ﵁ ورواية الإمام أحمد. (٢) قال ابن المنذر: ثبت عن ابن عباس أنه قال: (إذا أسلفت في شيء إلى أجل، فإن أخذت ما أسلفت فيه، وإلا فخذ عوضًا أنقص منه، ولا تربح مرتين) . (٣) وحجتهم على جواز بيعه من المدين (أو الاعتياض عنه) إذا كان ذلك بسعر المثل أو دونه هو عدم المانع الشرعي، حيث إن حديث ((من أسلم في شيء فلا يصرفه إلى غيره)) ضعيف لا تقوم به حجة. (٤) وحتى لو ثبت فمعنى (فلا يصرفه إلى غيره) أي لا يصرفه إلى سلم آخر، أو لا يبعه بمعين مؤجل، وذلك خارج عن محل النزاع.قال ابن القيم (فثبت أنه لا نص في التحريم ولا إجماع ولا قياس، وأن النص والقياس يقتضيان الإباحة) . (٥)

стр. 14208

أما دليلهم على عدم جواز الاعتياض عنه ببدل يساوي أكثر من قيمته؛ فلأن دين السلم مضمون على البائع، ولم ينتقل إلى ضمان المشتري، فلو باعه المشتري من المسلم إليه بزيادة، فيكون رب السلم قد ربح فيما لم يضمن، وقد صح عن النبي ﷺ أنه ((نهي عن ربح ما لم يضمن)) . (١) ٤٤-ونهج المالكية في المسألة نهجًا وسطاً؛ إذ أجازوا بيع المسلم فيه لغير المسلم إليه إذا لم يكن طعاما بمثل ثمنه وبأقل وأكثر حالًا غير مؤجل كيلا يؤول إلى بيع الكالئ بالكالئ. (٢) قال ابن رشد الحفيد: (وأما بيع دين السلم من غير المسلم إليه فيجوز بكل شيء يجوز به التبايع، ما لم يكن طعاماً؛ لأنه يدخله بيع الطعام قبل قضبه) . (٣) أما الاعتياض عنه، أي بيعه من المسلم إليه ببدل حال فقد أجازوه بشروط ثلاثة بينها الخرشي بقوله: (يجوز للمسلم إليه أن يقضي السلم من غير جنس المسلم فيه، سواء حل الأجل أم لا بشروط ثلاثة: الأول: أن يكون المسلم فيه مما يباع قبل قبضه (وهو ما سوى الطعام) . كما لو أسلم ثوبا في حيوان، فأخذ عن ذلك الحيوان دراهم، إذ يجوز بيع الحيوان قبل قضبه. الثاني: أن يكون المأخوذ مما يباع بالمسلم فيه يدا بيد كما لو أسلم دراهم في ثوب مثلا، فأخذ عنه طشت نحاس، إذ يجوز بيع الطشت بالثوب يدا بيد. الثالث: أن يكون المأخوذ مما يجوز أن يجوز أن يسلم فيه رأس المال. كما لو أسلم دراهم في حيوان، فأخذ عن ذلك الحيوان ثوباً، فإن ذلك جائز، إذ يجوز أن يسلم الدراهم في الثوب) . (٤) وجاء في (القوانين الفقهية) لابن جزي: (يجوز بيع العرض المسلم فيه قبل قبضه من بائعه بمثل أو أقل لا أكثر؛ لأنه يتهم في الأكثر بسلف جر منفعة، ويجوز بيعه من غير بائعه بالمثل وأقل وأكثر يدا بيد ولا يجوز بالتأخير للغرر) . (٥)

стр. 14209

المسألة الثالثة إيفاء المسلم فيه ٤٥-اتفق الفقهاء على أنه إذا حل أجل السلم المتفق عليه في العقد وجب علي المسلم إليه إيفاء الدين المسلم فيه. فإن جاء به وفق الصفات المشروطة المبينة في العقد وجب على المسلم قبوله، (١) (لأنه أتاه بحقه في محله، فلزمه قبوله، كالمبيع المعين، وسواء كان عليه في قبضه ضرر أو لم يكن. فإن أبى قيل له: إما أن تقبض حقك، وإما أن تبرئ منه. فإن امتنع قبضه الحاكم من المسلم إليه للمسلم، وبرئت ذمته منه؛ لأن الحاكم يقوم مقام الممتنع بولايته) . (٢) ٤٦-أما قبل حلول الأجل، فلا يخفى أنه ليس للمسلم مطالبة المسلم إليه بالدين المسلم فيه. (٣) ولكن إذا أتي به المسلم إليه قبل الأجل، وامتنع المسلم من قبوله، فهل يجبر على أخذه أم لا؟ اختلف الفقهاء في ذلك على قولين: أ-فقال المالكية: (إذا دفع المسلم فيه قبل الأجل، جاز قبوله، ولم يلزم. وألزم المتأخرون قبوله في اليوم واليومين) . (٤)

стр. 14210

ب-وقال الشافعية والحنابلة: إذا أتى به المسلم إليه قبل محله، فينظر فيه: (فإن كان مما في قبضه قبل محله ضمن –على المسلم- إما لكونه مما يتغير، كالفاكهة والأطعمة كلها، أو كان قديمه دون حديثه، كالحبوب ونحوها، لم يلزم المسلم قبوله؛ لأن له غرضا في تأخيره، بأن يحتاج إلى أكله أو إطعامه في ذلك الوقت. وكذلك الحيوان؛ لأنه لا يأمن تلفه، ويحتاج إلى الإنفاق عليه إلى ذلك الوقت، ربما يحتاج إليه في ذلك الوقت دون ما قبله. وكذا إن كان مما يحتاج في حفظه إلى مؤنة، كالقطن ونحوه، أو كان الوقت مخوفًا يخشى نهب ما يقبضه، فلا يلزمه الأخذ في هذه الأحوال كلها، لأن عليه ضررا في قبضه، ولم يأت محل استحقاقه له، فجرى مجرى نقص صفة فيه. وإن كان مما لا ضرر عليه في قبضه، بأن يكون مما لا يتغير، كالحديد والرصاص والنحاس، فإنه يستوي قديمه وحديثه. ونحو ذلك الزيت والعسل، ولا في قبضه ضرر لخوف ولا تحمل مؤنة، فعليه قبضه؛ لأن غرضه حاصل مع زيادة تعجيل المنفعة، فجرى مجرى زيادة الصفة وتعجيل الدين المعجل) . (١) ٤٧-ولو أحضر المسلم إليه الدين المسلم فيه على الصفة المشروطة بعد محل الأجل، فقال الحنابلة: (فحكمه حكم ما لو أحضر البائع المبيع بعد تفرقهما) . (٢) وقال المالكية: اختلف في ذلك أصحاب مالك، فروي عنه أنه يلزمه قبضه، مثل أن يسلم في قطائف الشتاء، فيأتي بها في الصيف. وقال ابن وهب وجماعة: لا يلزمه ذلك. (٣)

стр. 14211

وقد أوضح القاضي ابن رشد الحفيد منشأ الخلاف في المسألة بأن من لم يلزمه بقبضه بعد الأجل رأى أن المقصود من العروض إنما كان وقت الأجل لا غيره. أما من أجاز ذلك وألزمه بقبضه، فقد شبهه بالدنانير والدراهم. (١) ٤٨- وحيث وجب على المسلم إليه تسليم الدين المسلم فيه في مكان معين، فإن جاء به فيه لم يكن للمسلم الامتناع عن تسلمه فيه. فإن شاء المسلم إليه أداءه في غيره، فقد اختلف الفقهاء في ذلك على قولين: أ-فقال المالكية: لا يلزم المسلم قبوله بغير محله، ولو خف حمله. (٢) وكذلك (لا يجوز أن يقبضه بغير المكان، ويأخذ كراء مسافة ما بين المكانين؛ لأنهما بمنزلة الأجلين) . (٣) وبمثل ذلك قال الحنابلة (٤) وكذا الحنفية حيث جاء في (البدائع) : (ولو سلّم في غير المكان المشروط فلرب السلم أن يأبى لقوله ﵊ ((: المسلمون على شروطهم.)) فإن أعطاه على ذلك أجرا لم يجز له أخذ الأجر عليه؛ لأنه لما قبض المسلم فيه فقد تعين ملكه في المقبوض، فتبين أنه أخذ الأجر على نقل ملكه، فلم يجز، فيرد الأجر. وله أن يرد المسلم فيه حتى يسلم في المكان المشروط؛ لأن حقه في التسليم فيه، ولم يرض ببطلان حقه إلا بعوض ولم يسلم له، فبقي حقه في التسليم في المكان المشروط) . (٥) ب-وقال الشافعية: (إذا أتى المسلم إليه بالمسلم فيه في غير مكان التسليم، فامتنع المستحق من أخذه، فينظر: فإن كان لنقله مؤنة، أو كان الموضع مخوفاً، لم يجبر. وإلا فوجهان بناء على القولين في التعجيل قبل المحل. فلو رضي وأخذه، لم يكن له أن يكلفه مؤنة النقل. قال النووي: قلت: أصحهما إجباره) . (٦) المسألة الرابعة تعذر السلم فيه عند حلول الأجل ٤٩-إذا انقطع المسلم فيه (٧) عند حلول الأجل، بحيث تعذر على المسلم إليه إيفاءه للمسلم في وقته، فقد اختلف الفقهاء فيما يترتب على ذلك من أحكام على ثلاثة مذاهب: أـ فذهب جمهور الفقهاء من الحنفية والشافعية في الأظهر والمالكية والحنابلة إلى أنه يخير رب السلم بين أن يصبر غلي وجوده، فيطالب به عنده، وبين أن يفسخ السلم ويرجع برأس ماله إن وجد، أو عوضه إن عدم لتعذر رده. (٨) ب ـ وقال زفر وأشهب والشافعي في قول: ينفسخ السلم ضرورة، ويسترد رب السلم رأس المال، ولا يجوز التأخير. (٩) ج ـ وقال سحنون: ليس لرب السلم فسخ السلم، وإنما له أن يصبر إلى القابل. (١٠)

стр. 14212

المسألة الخامسة الإقالة في السلم ٥٠-لقد ذهب جمهور الفقهاء من الحنفية والشافعية والمالكية والحنابلة إلى جواز الإقالة في السلم. فإذا أقاله رب السلم وجب على المسلم إليه رد الثمن إن كان باقياً، أو مثله إن كان مثليًّا، أو قيمته إن كان قيميا إذا لم يكن باقياً. (١) قال ابن المنذر: أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على أن الإقالة في جميع ما أسلم فيه جائزة. (٢) واستدلوا على ذلك: أولا: بما روى أبو هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: ((: من أقال نادمًا بيعته أقال الله عثرته يوم القيامة)) (٣) حيث ندب النبي ﵊ إلى الإقالة مطلقاً، فيدخل فيه السلم، كما يدخل فيه البيع المطلق؛ لأن السلم نوع من البيع. (٤) قال الكاساني: (ولأن الإقالة في بيع العين إنما شرعت نظرا للعاقدين دفعًا لحاجة الندم، واعتراض الندم في السلم ههنا أكثر، لأنه بيع بأوكس الأثمان، فكان أدعى إلى شرع الإقالة فيه) . (٥) ثانيا: وبأن الحق لهما، فجاز لهما الرضا بإسقاطه، (٦) إذ الإقالة فسخ للعقد ورفع له من أصله. (٧) ٥١- وخالفهم في ذلك ابن حزم فقال: (ولا تجوز الإقالة في السلم؛ لأن الإقالة بيع صحيح على ما بينا قبل، وقد صح نهي النبي ﷺ عن بيع ما لم يقبض، وعن بيع المجهول، لأنه غرر، لكن يبرئه مما شاء منه، فهو فعل خير) (٨)

стр. 14213

المسألة السادسة توثيق الدين المسلم فيه ٥٢-لا يخفى أن توثيق الدين المسلم فيه يون بأحد أمرين: أ-إما بتقوية وتأكيد حق رب السلم في الدين المسلم فيه بالكتابة أو الشهادة، لمنع المسلم إليه من الإنكار، وتذكيره عند النسيان، وللحيلولة دون ادعائه أقل من الدين المسلم فيه قدرًا أو صفة ونحو ذلك أو ادعاء رب السلم أكثر منه. وهذا النوع من التوثيق لا خلاف بين الفقهاء في كونه مندوبًا إليه، بما فيه من حماية الحقوق، ومنع التلاعب بها وقطع دابر الخصومات والمنازعات بين الناس فيها. وذلك لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ [البقرة: ٢٨٢] ب-وإما بتثبيت حق رب السلم في الدين المسلم فيه وإحكامه، بحيث يتمكن عند امتناع المسلم إليه عن الوفاء – لأي سبب من الأسباب- من استيفاء دينه من شخص ثالث يكفل الدين المسلم فيه بماله، أو من عين مالية يتعلق بها حق رب السلم وتكون رهينة بدينه، وذلك بالكفالة أو الرهن وتلك محل نظر بعض الفقهاء. ٥٣-وبيان ذلك أن الفقهاء اختلفوا في مشروعية توثيق الدين المسلم فيه بالكفالة أو الرهن على أربعة أقوال:

стр. 14214

أ-فذهب الحنابلة في المعتمد عندهم إلى أنه لا يصح أخذ رهن ولا كفيل من المسلم إليه. (١) وذلك لأنه (إن أخذ برأس مال السلم الرهن والضمين، فقد أخذ بما ليس بواجب ولا مآله إلى الوجوب؛ لأن ذلك قد ملكه المسلم إليه. وإن أخذ بالمسلم فيه، فالرهن إنما يجوز بشيء يمكن استيفاؤه من ثمن الرهن، والمسلم فيه لا يمكن استيفاؤه من الرهن ولا من ذمة الضامن؛ ولأنه لا يأمن هلاك الرهن في يده بعدوان، فيصير مستوفيا لحقه من غير المسلم فيه، وقد قال النبي ﷺ : ((من أسلم في شيء فلا يصرفه في غيره)) رواه أبو داود. ولأنه يقيم ما في ذمة الضامن من مقام ما في ذمة المضمون عنه، فيكون في حكم أخذ العوض والبدل عنه وهذا لا يجوز) . (٢) ب-وذهب الشافعي ومالك والحنفية وإسحاق وابن المنذر إلى جوازه. وهو رواية عن الإمام أحمد اختارها ابن قدامة وجمع من الحنابلة. وهو قول عطاء ومجاهد وعمرو بن دينار والحكم وغيرهم من السلف. (٣) جاء في (الأم) للشافعي: (السلم: السلف. وبذلك أقول: لا بأس فيه بالرهن والحميل؛ لأنه بيع من البيوع، وقد أمر الله جل ثناؤه بالرهن، فأقل أمره ﵎ أن يكون إباحة له) . (٤) وقد علق برهان الدين ابن مفلح الحنبلي على استدلال المانعين بحيث: (من أسلم في شيء فلا يصرفه إلى غيره) بقوله: (فيه نظر؛ لأن الضمير في (لا يصرفه) راجع إلى المسلم فيه، ولكن يشتري ذلك من ثمن الرهن ويسلمه، ويشتريه الضامن ويسلمه، لئلا يصرفه إلى غيره) . (٥) ج ـ وروي عن علي وابن عمر وابن عباس والحسن وسعيد بن جبير والأوزاعي كراهة ذلك. (٦) د ـ وذهب ابن حزم الظاهري إلى أن (اشترط الكفيل في السلم يفسد به السلم؛ لأنه شرط ليس في كتاب الله تعالى، فهو باطل. أما اشتراط الرهن فجائز) . (٧)

стр. 14215

المسألة السابعة الاتفاق على تقسيط المسلم فيه على نجوم ٥٤-إذا أسلم شخص في شيء واحد على أن يقبضه بالتقسيط في أوقات متفرقة أجزاء معلومة، كسمن يأخذ بعضه في أول رجب وبعضه في أول رمضان وبعضه في منتصف شوال مثلا ... فقد اختلف الفقهاء في جواز ذلك على ثلاثة أقوال: أ-فذهب المالكية والشافعية في الأظهر إلى أنه يصح ذلك؛ لأن كل ما جاز أن يكون في الذمة إلى أجل، جاز أن يكون إلى أجلين وآجال، كالأثمان في بيوع الأعيان. (١) ب-وذهب الشافعي في قول ثان له إلى أنه لا يصح ذلك؛ (لأن ما يقابل أبعدهما أجلا أقل مما يقابل الآخر، وذلك مجهول، فلم يجز) . (٢) أي أن القيمة الحالية (وقت عقد السلم) للدفعة المؤجلة إلى الأجل القريب أعلى من القيمة الحالية للدفعة المؤجلة إلى الأجل البعيد، فحيث لم يسم في العقد لكل دفعة من المسلم فيه قدرا من الثمن (رأس المال) على حدته، فلا تعرف حصة كل قسط من الثمن، وتلك هي الجهالة المفضية إلى فساد العقد. ج-وذهب الحنابلة في المعتمد عليه إلى التفصيل، حيث قالوا: (يصح أن يسلم في جنس واحد في أجلين) كسمن يأخذ بعضه في رجب، وبعضه في رمضان؛ لأن كل بيع جاز إلى أجل جاز إلى أجلين وآجال إن بين كل قسط أجل وثمنه؛ لأن الأجل الأبعد له زيادة وقع على الأقرب، فما يقابله أقل. فاعتبر معرفة قسطه وثمنه. فإن لم يبينهما لم يصح ... ويصح أن يسلم في شيء كلحم وخبز وعسل يأخذه كل يوم جزءا معلومًا مطلقا، أي سواء بين ثمن كل قسط أو لا، لدعاء لحاجة إليه) . (٣) (فإن قبض البعض مما أسلم فيه ليأخذ منه كل يوم قدرا معلوما، وتعذر قبض الباقي، رجع بقسطه من الثمن، ولا يجعل الباقي فضلا على المقبوض، لأنه مبيع واحد متماثل الأجزاء، فقسط الثمن على أجزائه بالسوية كما لو اتحد أجله) . (٤)
следующие страницы →