٦- تشكل لجنة للبت في العروض، التي تحال إليها من لجنة الفحص. وتقوم لجنة البت بالمفاضلة بين العروض، واختيار العرض الأقل سعراً. وتعد محضراً تبين فيه توصيتها (١) بقبول هذا العرض، وأسباب هذه التوصية.
وإذا كانت العروض المقدمة عروضاً خارجية ومحلية، وجب حساب الأسعار على أساس موحد، وهو تسليم المواد إلى مستودعات الجهة الإدارية، خالصة من جميع المصاريف والرسوم FRANCO، مع مراعاة أسعار صرف العملات الأجنبية.
وإذا لاحظت اللجنة ارتفاع العرض الأقل عن سعر السوق ارتفاعاً ظاهراً، أو اقترانه بتحفظات، (٢) فإنه يجوز للجنة البت المفاوضة (٣) مع صاحب هذا العرض لتخفيض سعره أو سحب تحفظاته، فإذا امتنع جاز أن تتفاوض مع من يليه، أو تعلم جميع المناقصين بذلك، وتطلب إليهم تخفيض عروضهم.
وكذلك إذا تساوت الأثمان بين عرضين وأكثر، ولم تكن لأحدها ميزات على غيره، أجريت بين أصحاب هذه العروض المتساوية مفاوضة علنية، لاختيار الأفضل، أو قسم العقد عليهم، حسب المصلحة الإدارية.
٧- بعد اعتماد توصية لجنة البت واتخاذ قرار الترسية (الإرساء) من السلطة المختصة (وزير، وكيل وزارة، مدير إدارة) ، يتم إخطار المناقص الذي قبل عرضه، خلال أسبوع مثلاً من تاريخ الاعتماد، ويطلب حضوره لتوقيع العقد، وتقديم الضمان النهائي. فإذا رفض التوريد أو المقاولة نفذ العقد على حسابه، وحمل بفرق السعر وسائر المصروفات.
٨- قد تلغى المناقصة، بقرار معلل (مسبب) ، بعد الإعلان عنها، وقبل البت فيها، أو بعد البت فيها، بناء على رأي لجنة البت. ويكون الإلغاء في الحالات التالية:
١- إذا تقدم عرض واحد، أو لم يبق إلا عرض واحد، بعد استبعاد العروض غير المقبولة شكلاً.
٢- إذا كانت قيمة العرض الأفضل تزيد كثيراً على القيمة السوقية. وقد يكون هذا مظنة لوجود رشوة أو تواطؤ بين المناقصين. (٤)
стр. 14597
٣- إذا اقترنت العروض كلها أو جلها بتحفظات، ولم يمكن الوصول إلى نتيجة بالتفاوض.
إذا ألغيت المناقصة بسبب من الجهة الإدارية وجب عليها رد ثمن دفتر الشروط والأوراق، في مقابل إعادة هذه الأوراق والدفتر إلى الجهة الإدارية. ويرد الثمن إلى الجميع إذا حصل الإلغاء قبل ميعاد فتح المظاريف. ويرد إلى الذين تقدموا إلى المناقصة فقط إذا حصل الإلغاء بعد الميعاد المذكور.
أما إذا ألغيت المناقصة بسبب من المناقصين، مثل عدم مطابقة عروضهم للمواصفات والشروط، فلا يرد الثمن لأحد.
٩- إذا ثبت غش المورد أو المقاول، بعد التعاقد معه، أو تلاعبه، أو دفعه رشوة، أو الشروع فيها، فإنه يعرض نفسه لإلغاء عقده، وتنفيذ العقد على حسابه، ومصادرة ضمانه، وشطب اسمه من سجل الموردين أو المتعهدين، وإدراجه في القائمة السوداء، وإحالته إلى المحاكمة.
١ -٣- مبدأ المساواة في المناقصة
من أهم المبادئ التي تقوم عليها المناقصة مبدأ المساواة (= تكافؤ الفرص) بين المناقصين. ومن مظاهر هذه المساواة:
١- الإعلان عن المناقصة حتى يصل خبرها إلى أكبر عدد ممكن من الموردين أو المتعهدين. ويجب أن يكون الإعلان في صحف واسعة الانتشار، وأن يتم الإعلان أكثر من مرة.
٢- تجنب ذكر مواصفات أو شروط تنطبق على بلد أو مورد أو مقاول بعينه.
٣- إعطاء مهلة كافية لتقديم العروض.
٤- عدم إجراء أي تعديل في الشروط أو في المواصفات لصالح أحد المناقصين أو بعضهم.
٥- أن تكون معايير قبول واستبعاد العروض واحدة، وكذلك معايير فحص العروض، والبت فيها.
٦- عدم العدول عن التعاقد مع صاحب العرض الأقل، إلا بقرار معلل واضح.
٧- أن تكون المعاملة واحدة بالنسبة للجميع، لا محاباة فيها لأحد ولا تمييز، من حيث التساوي في المعلومات والفرص واحترام المواعيد وإجراءات التسليم والصرف والضمان والغرامة وسحب العمل ... إلخ.
نصت المادة الأولى من نظام تأمين مشتريات الحكومة في المملكة العربية السعودية على ما يلي:
أ- لجميع الأفراد والمؤسسات الراغبين في التعامل مع الحكومة، ممن تتوافر فيهم الشروط التي تؤهلهم لهذا التعامل، فرص متساوية، ويعاملون على قدم المساواة.
ب- توفر للمتنافسين معلومات كاملة وموحدة عن العمل المطلوب، ويمكنون من الحصول على هذه المعلومات في وقت واحد، ويحدد ميعاد واحد لتقديم العروض. (١)
стр. 14598
وجاء في المادة الرابعة من النظام المذكور أن "على الجهات الإدارية أن تفسح المجال في تعاملها لأكبر عدد ممكن من المؤهلين العاملين في النشاط الذي يجري التعامل فيه، بحيث لا يقتصر تعاملها على أشخاص أو مؤسسات معينة" (١)
٨- في حال التساوي بين عطاءين (أو أكثر) يلجأ إلى التفاوض، فإن بقي التساوي قائماً بعد التفاوض قسمت الكمية بينهما إذا كانت القسمة ممكنة وغير ضارة بالمصلحة، وإلا اختير أحدهما بالقرعة.
٩- وجود رقابة فعالة لمنع أي تجاوز أو محاباة أو رشوة، أو تسريب للمعلومات، أو إفشاء للسرية، لصالح أحدهم أو بعضهم.
١٠- أن تكون اللجان وجهات الرقابة مكونة من أشخاص من ذوي الخبرة والسمعة الحسنة؛ لأن أي خلل في الخبرة أو في الأمانة يمكن أن يؤدي إلى التحايل أو التلاعب أو الرشوة أو الشفاعة (الوساطة) السيئة.
١١- على الدولة أن تتخذ كل ما يمكن من الإجراءات والتدابير لتحقيق المصلحة العامة من جهة، وللمساواة بين المصالح الخاصة من جهة أخرى.
ولكن كل هذه الإجراءات والتدابير لا تجدي شيئاً إذا ما كان هناك تعسف أو سوء استعمال للسلطة الحكومية. فمثل هذا يؤدي إلى عدم تحقيق المصلحة العامة، بل إلى الضرر العام (إنفاق عام لتغطية تكاليف المناقصة دون تحقيق الهدف المطلوب) ، أو إلى إشاعة الظلم والفساد.
١ -٤- مبدأ قيمة الزمن في المفاضلة بين العروض:
أحد تطبيقات مبدأ المساواة عند المفاضلة بين العروض تؤخذ قيمة الزمن بعين الاعتبار. (٢) فإذا كانت بعض العروض تقدم تسهيلات ائتمانية، وبعض العروض لا تقدم هذه التسهيلات، أو تشترط دفعات مقدمة، كان لا بد من تقويم هذه الدفعات (المؤجلة أو المقدمة) على أساس زمني واحد، أي حساب قيمتها الحالية بتاريخ موحد.
وليس هذا من الربا الحرام؛ لأنه يتعلق بدراسات الجدوى (المفاضلة بين المشروعات أو بين العروض) ، ولا يتعلق بالقروض الربوية، وقد بينا هذا في موضع آخر. (٣)
١ -٥- المناقصة والمنافسة:
١- الاقتصاد الإسلامي يقوم على مبدأ المنافسة الحرة. قال ابن خلدون (٨٠٨ هـ) : "إن الرعايا متكافئون في اليسار متقاربون، ومزاحمة (= منافسة) بعضهم بعضاً تنتهي إلى غاية موجودهم، أو تقرب" (٤)
إن هذا التكافؤ أو التقارب ركن من أركان المنافسة. فالمنافسة لا توجد إلا إذا كان عدد البائعين والمشترين كبيراً، وكانت قواهم متكافئة أو متقاربة. (٥)
стр. 14599
٢- قد يطلق لفظ المنافسة على معنى مخصوص هو المناقصة أو المزايدة، كما في النظام السعودي. (١) فالمناقصة (والمزايدة) عبارة عن منافسة بين المشتركين فيها. ولا بد أن يكون عدد هؤلاء المشتركين كافياً، وأن يكونوا مستقلين كل منهم عن الآخر (= غير متواطئين) ، ومتساوين في الفرص والمعلومات. فالمناقصة صورة مخصوصة من صور المنافسة.
١ -٦- أنواع المناقصات:
أولاً- المناقصة العامة والمناقصة المحدودة
١- المناقصة العامة:
المناقصة العامة هي الأصل، والمحدودة استثناء. فالقاعدة العامة في تنفيذ المقاولات والتوريدات الحكومية هي أن تتم عن طريق مناقصة عامة، تفسح مجال الاشتراك لعدد غير محدود من المناقصين. وتتبع فيها إجراءات النشر الرسمية بالإعلان في الصحيفة الرسمية والصحف المحلية أو الخارجية.
ويلجأ إلى هذا النوع من المناقصة عندما يتوقع أن يكون عدد المناقصين كبيراً.
٢- المناقصة المحدودة (الخاصة) :
ويلجأ إليها استثناء، لتحقيق مصلحة مالية عامة تتمثل في الاقتصاد في تكاليف المناقصة العامة. ويجب أن يكون لها تبرير واضح، وإلا اعتبرت مخلة بمبادئ تكافؤ الفرص والعدالة والمساواة بين الراغبين في التعامل مع الدولة.
وفي هذه المناقصة لا يلجأ إلى الإعلان في الصحف، إنما يلجأ فيها إلى توجيه خطابات (= كتب) رسمية لمن تتوفر فيهم الأهلية للاشتراك في المناقصة. ويتوقع أن يكون عددهم قليلاً، بالنظر إلى الإمكانات الفنية والمالية المطلوبة. وغالباً ما يختارون من المنتجين المباشرين، لا من الوسطاء، حتى تكون أسعارهم أرخص، وربما يطلب ترشيحهم من مؤسسة عامة مختصة، أو من مؤسسة أخرى، ومن هيئة دولية.
وبالنظر للإمكانات الضخمة المطلوبة، قد تلجأ الإدارة إلى تجزئة العروض، بقصد التيسير على الموردين أو المقاولين، لا سيما إذا كانوا محليين، وكانت الكميات المطلوبة كبيرة، بحيث تتجاوز إمكانات المنشأة الواحدة. فربما كانت لوائح المناقصة وأنظمتها تنص على إعطاء أولوية للشراء من المنشآت الوطنية، أو المشتركة، أو الإسلامية، أو العربية، لا سيما إذا كانت منتجاتها محققة للغرض المطلوب.
ثانياً- المناقصة الداخلية والمناقصة الخارجية
١- المناقصة الداخلية: وهي التي يقتصر الاشتراك فيها على الموردين والمقاولين في داخل البلد، ويكتفى فيها بالإعلان الداخلي.
٢- المناقصة الخارجية: وهي التي يشترك فيها أيضاً موردون ومقاولون من خارج البلد، ويعلن عنها بداخل البلد وخارجه.
ثالثاً- المناقصة العلنية والمناقصة السرية
стр. 14600
١- المناقصة العلنية (= الممارسة) . (١)
في حالات خاصة قد يحضر المناقصون إلى الإدارة صاحبة المناقصة لتقديم أسعارهم بصورة علنية، ويتناقصون في السعر إلى أن ترسو العملية (التوريد، المقاولة) على صاحب السعر الأقل. ومن مميزات هذه الطريقة أن أسعار المناقصين فيها مكشوفة، ويتناقصون فيها على بينة، حيث يكون سعر كل منهم معلوماً للآخر.
فالمناقصة العلنية تشبه المزايدة العلنية (= المزاد العلني) التي تتم بالنداء (= الصياح) . (٢)
٢- المناقصة السرية
الأصل في المناقصة أن تكون سرية، بحيث تتم بطريق تقديم المناقصين عروضهم وأسعارهم المكتوبة، ضمن مظاريف مختومة بالشمع الأحمر وموقعة. وتوضع هذه المظاريف في صندوق العطاءات المزود بقفلين وفتحة ملائمة لإدخال المظاريف دون إمكان استعادتها منها، كما مر وصفه.
١ -٧ ما الغاية من سرية المناقصة؟
١- المعلوم أن المزايدة المأثورة في الإسلام (سنة وفقهاً) مزايدة علنية. وكذلك المزايدة الشائعة قديماً.
٢- والمناقصة قد تكون علنية. لكن المناقصة العامة والسائدة حديثاً هي المناقصة السرية التي تقدم عروضها في مظاريف مختومة بالشمع الأحمر، لا يجوز لأحد آخر الاطلاع عليها قبل موعد فتح المظاريف.
٣- ومن الواضح أن العلانية في المزايدة والمناقصة تحقق الغرض منهما، وهو التنافس بين المشتركين فيهما للوصول إلى أفضل عرض.
٤- فما الغاية إذن من سرية المناقصات الحديثة؟ لم أجد أحداً من الكتاب أجاب عن هذا السؤال، بل لم أجد من طرحه.
٥- قد يجاب عن هذا السؤال بأن المناقصات الحديثة مناقصات فنية معقدة تحتاج العروض فيها إلى دراسة.
٦- لكن هذا الجواب غير كافٍ؛ لأن من الممكن أن يناقص المناقص دون أن ينزل عن حد أدنى معين، مبني على دراسة مسبقة.
٧- قد يكون الجواب أن المناقصة الحديثة تنطوي على كميات كبيرة من السلع أو الخدمات، وقد يخشى لسبب أو آخر في العلانية أو يندفع البعض للنزول إلى أسعار غير معقولة، فيتعثر التوريد أو التنفيذ. أما إذا كان السعر مدروساً وعادلاً وبعيداً عن حرارة المنافسة العلنية فإنه يضمن لصاحبه حدًّا من الربح، ويعينه على تنفيذ التزاماته.
стр. 14601
لكن قد يعكر على هذا الجواب أمران:
١- وجود مبدأ التفاوض في نظام المناقصات، عند التساوي بين العروض، وإن كان التفاوض يتم بين عدد محدود: اثنين مثلاً.
٢- إمكان استبعاد العرض الأقل إذا وجد أن سعره منخفض إلى حد غير معقول.
١ -٨- هل المناقصة عقد؟ أين الإيجاب والقبول في المناقصة؟
١- ربما يقال: إن المناقصة عبارة عن طريقة أو إجراءات تمهد لعقد: توريد أو مقاولة.
٢- أو يقال: إنها عقد، فيه طرفان: الطرف الأول الجهة الإدارية صاحبة المناقصة تلتزم بالتعاقد مع المناقص الأقل سعراً، والطرف الآخر المناقصون كل منهم يلتزم بالتعاقد مع الجهة الإدارية إذا كان سعره هو الأقل.
فالمناقصة إذن عقد يؤدي إلى عقد آخر: توريد، أو مقاولة.
٣- لكن يمكن النظر إلى المناقصة على أنها عقد واحد مركب (منظومة عقود) ، أي تدخل فيه عدة عقود، مثل عقد بيع دفتر الشروط، وعقد الضمان الابتدائي، والانتهائي، ... إلخ.
وبما أن المناقصة تؤول إلى إبرام عقد توريد مواد، أو عقد مقاولة للقيام بخدمات أو أشغال، فيمكن القول بأن هناك مناقصة توريد أو مناقصة مقاولة. ويعتبر العقد عندئذ عقداً واحداً، الإيجاب فيه لا يصدر من الجهة الإدارية عند طرح التوريد أو المقاولة في مناقصة، بل يصدر من المورد، أو من المقاول، عندما يشترط في المناقصة. وهذا الإيجاب ملزم له. (١) لا يرجع عنه حتى رسوِّ المناقصة على غيره. وإذا كانت المناقصة علنية فكل عرض لاحق (يقدمه المناقص) ينسخ عرضه السابق. (٢) والقبول فيه يصدر من الجهة الإدارية صاحبة المناقصة عندما تبرم العقد مع المورد أو المقاول الأقل سعراً، بعد رسوّ المناقصة عليه. (٣) فهما إيجاب وقبول تسبقهما وتتوسط بينهما إجراءات تمهد للإيجاب أو للقبول.
стр. 14602
١ -٩- عقد المقاولة:
١- المقاولة لغة: المفاوضة والمجادلة. وفي الاصطلاح الحديث: عقد بين طرفين، يصنع فيه أحدهما (وهو المقاول) شيئاً لآخر، أو يقدم له عملاً، في مقابل مبلغ معلوم. (١)
٢- ويدخل عقد المقاولة في العقود الإدارية إذا توافرت فيه خصائص هذه العقود، بأن يكون أحد طرفيه جهة إدارية عامة، وغير ذلك مما سنبينه في مبحث لاحق.
٣- وعقد المقاولة إذا كان موضوعه أداء عمل فهو في معنى عقد الإجارة (إجارة الأشخاص: الإجارة المشتركة) المعروف في الفقه الإسلامي.
وإذا كان موضوعه صنع شيء، وكانت المادة مقدمة من المستصنع فهو إجارة أيضاً. أما إذا كانت المادة مقدمة من الصانع فهو استصناع بالمصطلح الحنفي. وهو عقد مركب من بيع وإجارة.
٤- غير أن رجال القانون يميزون بين عقد المقاولة وعقد الإجارة (الخاصة) ، وهذا التمييز صحيح، ولكنهم لم يميزوا بينه وبين عقد الإجارة المشتركة، كما هو الحال عند التعاقد مع أرباب المهن الحرة (النجار، الحداد، الصباغ ... إلخ) .
٥- إن عقد المقاولة إما أنه إذن إجارة، أو أنه يجمع بين بيع وإجارة أشخاص، كالعقد مع مؤسسة المياه (ثمن ماء + أجرة توصيل الماء) . وقد يجمع بين إجارة أشخاص وإجارة أشياء، كالعقد مع ملعب أو مسرح (أجرة اللاعب أو الممثل + أجرة المقعد) . (٢)
٦- والواقع أن عقد المقاولة (الإجارة المشتركة) وعقد العمل (الإجارة الخاصة) كانا مندمجين معاً في عقد الإجارة في التشريع الوضعي القديم، فكان هذا العقد يضم إجارة الأشياء وإجارة الأشخاص (الإجارة الخاصة) وإجارة أرباب الصنائع (الإجارة المشتركة) . (٣)
ويعود الفصل بين هذه العقود في التشريع الجديد لأسباب تتعلق بالتنظيم أكثر مما تتعلق بجوهر الأحكام.
стр. 14603
١ - ١٠- عقد مقاولة الأشغال العامة:
١- هو عقد بين جهة إدارية عامة (كوزارة الأشغال العامة) ومنشأة خاصة (أو عامة) ، تقوم ببناء عقارات أو ترميمها أو صيانتها، في مدة محددة، لقاء مقابل محدد، يدفع على نجوم (= أقساط) .
٢- وعقد الأشغال العامة هو عقد من عقود المقاولة، ولكن أحد طرفيه جهة إدارية عامة، فهو عقد إداري.
٣- في حال رسو المناقصة على مقاول، لا يجوز لهذا المقاول أن يعهد بالمقاولة إلى آخر (مقاول من الباطن) ، إلا بإذن خطي من الجهة الإدارية، تحت طائلة المسؤولية التضامنية بين المقاولين.
٤- على المقاول إذا تسلم من الجهة الإدارية موقع العمل أن يحافظ على النظام والنظافة وإماطة الأذى (أخشاب، مسامير ... إلخ) ، وأن يحافظ أيضاً على أملاك الدولة، وعلى تعليمات الجهات الإدارية المختلفة (الشرطة، التنظيم، الصحة، مكاتب العمل، التأمينات الاجتماعية، مصلحة الآثار ... ) ، والتأكد من صلاحية التربة لقيام الإنشاءات المطلوبة عليها، ومراجعة الرسومات والتصميمات الهندسية والفنية، وإخطار الإدارة بأي خطأ فني يؤثر على سلامة المنشآت ومتانتها.
٥- كل المواد والقطع والأدوات والآلات التي يستحضرها المقاول إلى موقع العمل، لأجل تنفيذ المقاولة، وكذلك المنشآت الوقتية التي يقيمها، يجب أن تظل في موقع العمل، لا يتصرف بشيء منها إلا بموافقة الجهة الإدارية. ويتحمل المقاول مسؤولية ضياعها أو تلفها أو سرقتها.
٦- في حال سحب العمل من المقاول، لمخالفة من المخالفات التي تستوجب هذا السحب، يكون للجهة الإدارية حق حجز أو بيع كل هذه الأشياء أو بعضها، لإتمام العمل على حسابه ومسؤوليته. ويتحمل المقاول أي خسارة يمكن أن تنشأ عن هذا البيع. وإذا كانت هناك أشياء لم تعد صالحة للاستعمال، أو كانت زائدة على الحاجة، كلف المقاول بنقلها على حسابه من موقع العمل. وتحتفظ الجهة الإدارية بحق المطالبة بالتعويض عن كل الأضرار التي تلحق بها نتيجة سحب العمل من المقاول، لتأخره أو توقفه أو انسحابه أو إخلاله بالشروط والمواصفات.
стр. 14604
٧- وتصرف للمقاول دفعات على الحساب (١) تبعاً لتقدم العمل. ولا يجوز صرف مبالغ دورية (شهرية مثلاً) بغض النظر عن حالة العمل. ويجب عدم التهاون بحقوق المتعاقد؛ لأن ذلك يخل بمبادئ العدالة، ويؤدي إلى تعثر التنفيذ. فعلى الجهة الإدارية أن تكون حريصة على حقوقه قدر حرصها على حقوقها. ويحق للمتعاقد المطالبة بالتعويض عن أي ضرر يمكن أن يلحق به بسبب الإدارة، وترجع هذه الإدارة على موظفيها بالمحاسبة والمسؤولية.
ولا يتم الصرف للمقاول إلا إذا كان العمل مرضياً، وعلى أن لا يتجاوز المدفوع قيمة ما تم من عمل. وتمتنع الإدارة عن صرف الأقساط إذا تبين لها أن تقدم العمل أو وضع بعض أجزائه أو سلوك المقاول أو وكلائه غير مرضٍ. وتحتفظ الإدارة بقسط أخير لا يصرف للمقاول إلا بعد تمام العمل.
٨- على المقاول بمجرد انتهاء العمل إخلاء موقع العمل، وإزالة جميع المواد والأتربة والمخلفات، وإخطار الجهة الإدارية كتابة، لتحديد موعد المعاينة، وتحرير محضر الاستلام النهائي، ورد الضمان إليه.
١-١١- عقد التوريد:
١- هو عقد بين جهة إدارية عامة (٢) ومنشأة خاصة (أو عامة) ، على توريد أصناف (= سلع، مواد) محددة الأوصاف، في تواريخ معينة، لقاء ثمن معين، يدفع على نجوم (= أقساط) .
٢- فعقد التوريد هو عقد بيع يتأجل ففيه البدلان (المبيع، والثمن) . وهو أشبه شيء في الفقه بعقد الاستصناع المعروف عند الحنفية، إذ أجازوا فيه عدم تعجيل الثمن، خلافاً للسلم.
ولكنه يشبه السلم أيضاً من حيث إن الآجال فيه معلومة: آجال التسليم، وآجال الدفع.
وسنعود إلى هذا الموضوع في القسم الثاني من هذه الورقة.
٣- التوريد قد يتم بطريق الشراء العادي (المباشر) ، أو بطريق المناقصة فالمناقصة قد تجري من أجل عقد توريد.
٤- وتتولى لجنة الفحص فحص الأصناف الموردة، وتعتبر الأصناف المرفوضة على مسؤولية المورد، من حيث الفقدان، أو السرقة أو الحريق، ولعل هذا من باب التعزيز (= العقوبة) ، وإلا فإن المسؤولية في الأصل تقع على الجهة الإدارية لحين تسليم هذه الأصناف في الموعد المحدد (خلال أسبوع مثلاً من تاريخ الإخطار أو الإشعار) .
стр. 14605
٥- إذا طلب المورد إعادة تحليل الأصناف المرفوضة أعيد التحليل (أو الفحص) على نفقته، إلا إذا جاءت نتيجته في صالحه، فعندئذ تقع النفقة على الإدارة.
٦- تصرف للمورد دفعات على الحساب، لا تتجاوز كل دفعة قيمة الجزء المورد، وذلك بعد تسلم هذا الجزء من الجهة الإدارية أصولاً، بموجب مذكرة، استلام أو إدخال في المستودعات، وشهادة فحص أو تحليل تثبت صالحة المواد المسلمة.
١ -١٢- العقود الإدارية:
١- تعقد الإدارة العامة (الدولة) نوعين من العقود:
١- عقوداً عادية كعقود الأفراد بعضهم مع بعض، وتخضع للقانون الخاص؛
٢- وعقوداً إدارية تعطي الإدارة امتيازات خاصة، وتخضع للقانون العام الإداري. (١)
وعلى هذا نميز بين عقود الإدارة والعقود الإدارية، فعقود الإدارة تتضمن عقوداً غير إدارية.
٢- والعقد الإداري هو العقد الذي تكون الإدارة العامة طرفاً فيه، ويتصل بمرفق عام، ويخضع للقانون العام (الإداري) ، وتفصل منازعاته في القضاء الإداري.
١ -١٣- بعض خصوصيات العقود الإدارية:
١- قلنا: إن العقود الإدارية هي التي تكون الإدارة (العامة) طرفاً فيها. وفي هذه العقود تقوم الإدارة بوضع شروط التعاقد مقدماً دون أن تعطي للمتعاقد فرصة مناقشتها، فهي أشبه بعقود الانضمام أو الإذعان (٢) Contrats d’adhesion، بالنسبة للمتعاقد مع الإدارة.
٢- تعطي هذه العقود امتيازات للإدارة، (٣) غير مألوفة في غيرها من العقود، وظاهرها الخروج على مبدأ المساواة في المنافسة. من هذه الامتيازات:
١- الإدارة تلزم المناقص بإيجابه حتى تاريخ البت في المناقصة، والمعهود في العقود العادية عدم التزام المتعاقد بإيجاب، بل يمكنه الرجوع عنه قبل صدور القبول.
стр. 14606
٢- تملك الإدارة سلطة عدم التعاقد: إلغاء المناقصة، بينما لو رجع المناقص عن عرضه لتعرض للعقوبة (مصادرة الضمان الابتدائي) ، ولو رجع عن عقده لتعرض لعقوبات أخرى (مصادرة الضمان النهائي، تنفيذ العقد على حسابه، مطالبته بتعويض الضرر) .
٣- تملك الإدارة سلطة التعاقد مع غير صاحب العرض الأقل.
٤- تملك الإدارة سلطة تعديل العقد بالزيادة أو بالنقصان (في حدود معقولة، لا تتجاوز ٢٠? مثلاً) .
٥) تملك الإدارة سلطة توقيع العقوبات (= الجزاءات) : سحب العمل، الغرامات، دون الرجوع إلى القضاء، (١) بينما لا يملك المتعاقد توقيع أي عقوبة على الإدارة إلا بعد الرجوع إلى القضاء.
٣- ويبرر رجال القانون الإداري هذه الامتيازات الممنوحة للدولة بما يلي:
١- بأن العقد يتصل بمرفق عام.
٢- ويجب حسن سير المرفق العام، باطراد وانتظام (٢) ومسايرة للتطور.
وهذا معناه تغليب الصالح العام على الصالح الخاص، ومن ثم إعطاء أحد الطرفين (الإدارة) سلطات ليست للطرف الآخر.
٤- والواقع أن للعقود الإدارية حساسية خاصة، لا تتصل بالصالح العام فحسب، بل بالأمن العام والسلام الاجتماعي أيضاً. ذلك لأن اضطراب سير المرافق العامة من شأنه أن يؤدي إلى الاستياء العام والاضطرابات الاجتماعية. ومن الأسباب المؤدية إلى اضطراب سير المرافق العامة (الماء، الكهرباء، الصحة، التعليم، ... إلخ) انتشار اللامبالاة أو التخريب، بسبب فقدان الثقة بين الحاكم والمحكوم، أو بسبب شيوع الرشوة والفساد في القطاعين العام والخاص، وتحلل القيادة السياسية، وتدخلها في الأعمال الإدارية والاقتصادية للدولة بصورة احتكارية أو إقطاعية (اقتسام مناطق النفوذ، واقتسام المغانم والمنافع، وفرض مكوس أو مبالغ باهظة على التراخيص المطلوبة للأنشطة المختلفة) ، (٣) مما يؤدي إلى القضاء على المنافسة الشريفة وحرية المبادرة.
٥- وبمقابل ذلك، من المستحسن عدم التوسع في امتيازات الجهة الإدارية حيال المتعاقدين معها، خشية تنفيرهم من التعاقد معها، أو خشية ألا يتقدم للتعامل معها إلا الواثقون من نفوذ مقابل لهم، يستطيعون به مواجهة امتيازات الدولة.
стр. 14607
القسم الثاني
المناقصة فقهيًّا
٢ -١- البيع: مساومة، ومزايدة، وأمانة:
١- يقسم فقهاؤنا البيع، من حيث طريقة تحديد الثمن، إلى ثلاثة أقسام:
١- بيع مساومة: بين بائع وشارٍ، الأول يزيد في الثمن، والآخر ينقص، إلى أن يتفقا.
٢- بيع مزايدة: بين بائع وعدة شارين يتزايدون في الثمن إلى أن يتفق البائع مع أزيدهم ثمناً.
٣- بيع أمانة: وهو بدوره ثلاثة أقسام: مرابحة، تولية، وضيعة (= حطيطة، نقيصة) : بين بائع وشارٍ يأتمن البائع على ثمن السلعة، ثم يزيده ربحاً محدداً (مرابحة) ، أو لا يزيده شيئاً ولا ينقصه (تولية) ، أو ينقصه مبلغاً معلوماً (وضيعة) . (١)
٢- والمناقصة عكس المزايدة، و"هي أن يعرض المشتري شراء سلعة موصوفة بأوصاف معينة، فيتنافس الباعة في عرض البيع بثمن أقل، ويرسو البيع على من رضي بأقل سعر". (٢)
قالوا: "ولم نطلع على ذكر له (شراء المناقصة) في كتب الفقه بعد التتبع، ولكن يسري عليه ما يسري على المزايدة، مع مراعاة التقابل". (٣)
"ويقابله (بيع المزايدة) الشراء بالمناقصة ". (٤)
٢ -٢- المباحث ذات الصلة:
١- المزايدة: وسأعرض لها ملخصاً، في مبحث لاحق.
٢- المسابقة: فالمناقصة نوع من المسابقة بين الباعة (مسابقة مهارات إدارية) للفوز بعقد البيع. ومن أحكام المسابقة التي يستفاد منها في المناقصة:
١- المساواة بين الباعة في الفرص والمعلومات والشروط.
٢- إذا كان الثمن الأدنى قدمه بائعان قسم العقد بينهما إذا كانت القسمة ممكنة.
قال ابن رشد: "إلا أن يكونا جميعاً قد أعطياه ديناراً معاً هما فيه شريكان". (٥)
أما إذا كانت القسمة غير ممكنة، أو ضارة، فيلجأ إلى القرعة. (٦)
٢ -٣- ملخص للمزايدة في السنة والفقه
١- ولم يرد ذكر للمناقصة في قرآن أو سنة أو فقه، أما المزايدة فقد ورد الكلام عنها في كتب السنة والفقه، وهي أخت المناقصة. لذلك فإننا سنستعين بالمزايدة في حكمنا على المناقصة.
стр. 14608
١- قال عطاء: أدركت الناس لا يرون بأساً ببيع المغانم فيمن يزيد. (١)
قال ابن حجر: "وصله ابن أبي شيبة (٢) ونحوه عن عطاء ومجاهد. وروى هو وسعيد بن منصور عن ابن عيينة عن أبي نجيح عن مجاهد قال: لا بأس ببيع من يزيد، وكذلك كانت تباع الأخماس". (٣) والأخماس جمع خمس، والمراد: خمس الغنيمة.
٢- عن أنس بن مالك أن رسول الله ﷺ باع حلساً (٤) وقدحاً، وقال: ((من يشتري هذا الحلس والقدح؟)) فقال رجل: أخذتهما بدرهم. فقال النبي ﷺ : ((من يزيد على درهم؟ من يزيد على درهم؟)) فأعطاه رجل درهمين، فباعهما منه.
رواه أحمد وأصحاب السنن مطولاً ومختصراً. (٥)
٣- قال الترمذي: "والعمل على هذا عند بعض أهل العلم، لم يروا بأساً ببيع من يزيد، في الغنائم والمواريث". (٦)
قال ابن العربي: "وقد ذكر أبو عيسى (الترمذي) عن بعضهم أنه يجوز في الغنائم والمواريث، والباب واحد، والمعنى مشترك، لا تختص به غنيمة ولا ميراث". (٧)
قال الشوكاني: "فالظاهر الجواز مطلقاً؛ إما لذلك لم ينقل أن الرجل الذي باع عنه ﷺ القدح والحلس كانا معه من ميراث أو غنيمة، وإما لإلحاق غيرهما بهما، ويكون ذكرهما خارجاً مخرج الغالب؛ لأنهما الغالب على ما كانوا يعتادون البيع فيه مزايدة". (٨)
٤- قال ابن جزي: "أما المزايدة فهي أن ينادي على السلعة، ويزيد الناس فيها بعضهم على بعض، حتى تقف (= ترسو) (٩) على آخر زائد فيها، فيأخذها". (١٠) . (١١)
٥- وقد يكون المنادي (= الدلال) في المزايدة شخصاً آخر غير صاحب السلعة، كما قد يكون صاحب السلعة حاضراً مجلس المزايدة، أو غائباً عنه. (١٢)
стр. 14609
٦- أطلق بعض الفقهاء على بيع المزايدة بيع الفقراء، أو بيع من كسدت بضاعته. (١) ولعلهم أطلقوا عليه هذا الاسم بالاستناد إلى بعض الأحاديث والآثار الواردة فيه، ولا أرى داعياً لتخصيص هذا البيع بالفقراء، أو بأصحاب البضاعة الكاسدة، أو بغير ذلك لا سيما وأن الحكومات تلجأ إليه في عصرنا هذا. فالعبرة بعموم المعنى لا بخصوص السبب. (٢)
٧- وقد ميز العلماء بيع المزايدة من بيع المسلم على بيع أخيه، أو سومه على سومه، فبيع المزايدة مباح، والآخر مكروه. (٣)
٨- ومنع الإسلام النجش في المزايدة، وهو أن يزيد مزايد، لا يريد الشراء، بقصد خديعة المزايدين ليزيدوا فوق ثمن السلعة. (٤) وأدخل العلماء في النجش أن يتواطأ أحد المزايدين مع الجميع أو الأكثرين ليكفوا عن المزايدة، لقاء جعل. (٥)
٩- والإيجاب في بيع من يزيد هو تقدم المزايد بعرض، والقبول هو إرساء البائع المزاد على المزايد الأعلى. (٦)
والإيجاب في بيع المزايدة ملزم لصاحبه إلى حين صدور القبول من البائع، بخلاف بيع المساومة، فإن الموجب له هو الرجوع عن إيجابه قبل صدور القبول.
قال الحطاب: "أما بيع المزايدة ( ... ) فالحكم فيه أن كل من زاد في السلعة لزمته بما زاد فيها إن أراد صاحبها أن يمضيها له". (٧)
وقد يمتد الالتزام بالإيجاب حتى بعد انقضاء مجلس المزايدة (المناداة) ، لمدة يحددها العرف أو الشرط، ما لم تطل. (٨)
١٠- إن بقاء الموجب ملتزماً بإيجابه، ولو زاد غيره عليه (العطاء اللاحق لا يسقط العطاء السابق) يسمح للبائع بأن يعقد البيع مع غير المزايد الأعلى.
قال ابن رشد: "وهو (أي البائع) مخير في أن يمضيها (أي السلعة، أو الصفقة) لمن شاء ممن أعطى فيها ثمناً، وإن كان غيره قد زاد عليه ( ... ) ، لأن (من) حق صاحب السلعة أن يقول للذي أراد أن يلزمها إياه إن أبى من التزامها، وقال له: بع سلعتك من الذي زاد علي فيها؛ لأنك إنما طلبت الزيادة وقد وجدتها: أنا لا أحب معاملة الذي زاد في السلعة عليك". (٩)
стр. 14610
٢ -٤- ملخص قرار المجمع في المزايدة:
١- "إن الإجراءات المتبعة في عقود المزايدات، من تحرير كتابي وتنظيم وضوابط وشروط إدارية أو قانونية، يجب أن لا تتعارض مع أحكام الشريعة الإسلامية". (١)
٢- طلب الضمان ممن يزيد الدخول في المزايدة جائز شرعاً، ويجب أن يرد لكل مشارك لم يرس عليه العطاء. (٢) ويحتسب الضمان المالي من الثمن لمن فاز بالصفقة. (٣)
٣- لا مانع شرعاً من استيفاء رسم الدخول (قيمة دفتر الشروط بما لا يزيد عن القيمة الفعلية) لكونه ثمناً له" (٤) . (٥)
٢-٥- التكييف الشرعي للمناقصة:
١- المناقصة لم تعرف سابقاً في الفقه، إنما عرفت أختها: المزايدة. وهما متشابهتان في كثير من الإجراءات، حتى إن معظم أحكامهما تنظمهما لائحة واحدة مشتركة.
٢- المناقصة عملية مركبة، فهي عقد بين الجهة الإدارية والمناقصين، ويتخللها عقد مرتبط بها هو عقد الضمان، وعقد مستقل عنها، وإن كان له صلة بها، وهو عقد بيع أوراق المناقصة (دفتر بالشروط) . وقلنا: إنه عقد مستقل؛ لأن من يشتري الدفتر من التجار لا يشترط بالضرورة أن يدخل في المناقصة. ثم تنتهي العملية إلى عقد، هو العقد المستهدف: عقد توريد، أوعقد مقاولة.
فالمناقصة منظومة عقود، وليست عقداً واحداً.
стр. 14611
٣- المناقصة فيها شبه بعقد المسابقة، من حيث الاسم، فكلاهما مفاعلة، ومن حيث المضمون، فالمناقصة مسابقة بين المناقصين على الفوز بعقد التوريد، أو بعقد المقاولة، ومن حيث الشروط، فالمناقصة كالمسابقة يشترط فيها المساواة بين المشتركين في كل شيء، في المعلومات وفي الفرص وفي الآجال، وفي سائر الشروط والمواصفات المطلوبة. ويمكن في المناقصة، كالمسابقة، تجزئة العقد بين المناقصين إذا تساووا في الأسعار، إذا كانت التجزئة ممكنة وغير ضارة بمصلحة الإدارة، وإلا تم اللجوء إلى القرعة.
٤- سبق أن قلنا: إن المناقصة عقد طرفاه الجهة الإدارية والمورد (أو المقاول) ، والإيجاب فيه هو اشتراط المورد (أو المقاول) في المناقصة، والقبول فيه هو إرساء الجهة الإدارية المناقصة على المناقص الأقل سعراً.
٥- وعلى هذا فإن المناقصة إذا كانت في توريد فهي تشبه عقد البيع، وإذا كانت في مقاولة فهي تشبه عقد الإدارة، إذا كان المقاول يقدم عملاً فقط، وهي تشبه عقد الاستصناع، إذا كان المقاول يقدم العمل والمواد معاً.
٦- ومناقصة التوريد تشبه بيع السلم، من حيث ضرورة تحديد أوصاف المبيع، وآجال التسليم، وشرط عموم وجود المبيع، والقدرة على التسليم.
٧- في مناقصة التوريد يتأجل البلدان: المبيع، والثمن، إلى آجال معلومة، فتشبه في ذلك الاستصناع بمفهومه عند الحنفية، وبالتحديد عند صاحبي أبي حنيفة اللذين لم يجيزا فقط عدم ذكر الأجل، بل أجازا أيضاً تحديده. (١)
٢ -٦- ماذا لو تغيرت الأسعار؟:
١- في المناقصة يلتزم المورد أو المقاول بعرضه، من تاريخ تقديم هذا العرض إلى تاريخ إرساء المناقصة، إذا لم ترس عليه، وإلى تاريخ الانتهاء من تنفيذ التوريد أو المقاولة، إذا رست عليه المناقصة. وهذه المدة قد تبلغ سنة أو أكثر.
٢- في خلال هذه المدة تقع مخاطرة تغير الأسعار كلها على عاتق المورد أو المقاول. وعلى هذا يجب على المورد أو المقاول أن يكون عارفاً بالأسعار وتوقعاتها، فيتحسب من أي تغيرات، ويراعي ذلك في حساب أسعار عرضه الذي يتقدم به.
٣- العادة أن الجهة الإدارية تحرص على التعاقد بأسعار ثابتة لجميع بنود العقد، ولا تعترف بأي تغير في السعر، زيادة أو نقصاناً.
стр. 14612
٤- اللهم إلا إذا كان التغير ناشئاً عن تغير في التعرفة الجمركية، وهو تغير سببه الدولة نفسها، فعندئذ يسوى الفرق سواء أكان بالزيادة أم بالنقص. فإذا زادت أعطي المورد الفرق، وإذا نقصت أخذ منه الفرق.
٥- لكن في بعض الحالات يتعذر على الجهة الإدارية التعاقد مع المورد أو المقاول على أساس أسعار ثابتة لجميع مفردات العقد، نظراً لأن جزءاً من الالتزامات كأجور النقل والتأمين وأسعار المواد الخام يكون مرتبطاً بتقلبات الأسعار العالمية. في هذه الحالة يتعين على الجهة الإدارية أخذ موافقة سلطة أعلى (مجلس الوزراء مثلاً) لإمضاء عقد على هذا الشكل. وعندئذ يجوز التعديل بالزيادة في مقابل حق الجهة الإدارية بالانخفاض. وعادة ما يتم الحرص على تحديد نسبة قصوى لهذه الزيارة، في حدود ٢٠? مثلاً، يخصص لها مبلغ احتياطي من الاعتماد لمواجهتها.
٢ -٧ تأجيل البدلين في المناقصة: الكالئ بالكالئ (= الدين بالدين)
١- قدمنا أن المتعهد أو المقاول يقدم إيجابه عندما يشترط في المناقصة، ويلتزم بهذا الإيجاب إلى حين رسو المناقصة وإبرام العقد (صدور القبول من الجهة صاحبة المناقصة) .
وبعد إبرام العقد لا يعجل البدلان معاً، ولا أحدهما، بل يؤجلان كلاهما. وفي عقود الأشغال العامة قد لا يكون هناك مشكلة كبيرة؛ لأن من طبيعة عقود الإجارة (الشبيهة بعقود الأشغال) أن البدل المتمثل بالمنفعة لا يستوفى دفعة واحدة معجلة ولا مؤجلة، إنما يستوفى شيئاً فشيئاً مع تعاقب الوحدات الزمنية. (١) أما البدل المتمثل بالأجر فيمكن تعجيله أو تأجيله.
وفي عقود التوريد قد تبدو المشكلة أكبر؛ لأن البدلين (المبيع، والثمن) مؤجلان، فهل هذا غير جائز، ويدخل في بيع الكالئ بالكالئ؟
٢- ذكر بعض العلماء أن كل معاملة وجدت بين اثنين، وكانت نسيئة من الطرفين، فلا تجوز بإجماع؛ لأنها من الدين بالدين المنهي عنه؛ (٢) ولأنها من أبواب الربا؛ (٣) ولأنها شغل لذمتين: ذمة البائع، وذمة المشتري، من غير لفائدة. (٤)
٣- غير أن حديث الكالئ بالكالئ ليس حديثاً ثابتاً، (٥) وإن تلقته الأمة بالقبول. والصور التي تدخل فيه ليست موضع اتفاق العلماء، (٦) والصورة التي نحن بصددها لا يدخلها الربا؛ لأنها مبادلة سلعة بنقد، أو خدمة بنقد، فالبدلان فيها مختلفان، لا يدخلهما الربا المحرم. وليس مسلماً أنها شغل لذمتين من غير فائدة، فلو لم تكن هناك فائدة لما عقد عليها أحد. (٧) ودعوى الإجماع غير سهلة، وغالباً ما يعتريها التسامح والتساهل. (٨) ثم إن الإجماع هنا غير وارد على معنى واحد، فبعض العلماء (ابن تيمية) يقولون: إن المجمع على تحريمه هو البيع المؤجل البدلين (كلاهما دين) ، وبعضهم (السبكي) يقولون: إن المجمع على تحريمه هو البيع المؤجل البدل الواحد (السلم، النسيئة) إذا زيد في أجله لقاء الزيادة في بدله. (٩)
стр. 14613
٤- قال بعض العلماء إن عقد السلم إذا انعقد بلفظ السلم أو السلف وجب فيه قبض رأس المال في المجلس، وإذا انعقد بلفظ البيع فلا يشترط فيه قبض رأس المال في المجلس. (١)
وقال بعضهم: " السلم شرعاً بيع موصوف في الذمة ( ... ) ، ومن زاد فيه: "ببدل يعطى عاجلاً" فيه نظر؛ لأنه ليس داخلاً في حقيقته". (٢)
٥- سبق أن رأينا أن الحنفية أجازوا في الاستصناع عدم ضرورة تعجيل الثمن، بل أجازوا تأجيله إلى أجل معلوم.
٦- نخلص من هذا إلى أن حديث النهي عن بيع الكالئ بالكالئ لا يقف حائلاً دون جواز مناقصات التوريد والمقاولة، التي عمت بها البلوى في القوانين والأعراف، ولا بديل لها أفضل منها حتى الآن، وصارت الحاجة إليها عامة، الحاجة العامة تنزل منزلة الضرورة الخاصة. وإذا بدا أن فيها مخالفة لبعض القواعد، فإن فيها، والله أعلم، مصلحة يجب تحصيلها ولو خولفت فيها القواعد، أي استحساناً، كما ذكر بعض العلماء المحققين. (٣)
٢ -٨- هل في المناقصة غرر؟
١- لا شك أن البيع الذي يعجل بدلاه يداً بيد هو من أبعد البيوع عن الغرر، (٤) وأن البيع الذي يعجل فيه بدل ويؤجل الآخر لا يخلو من غرر؛ لأن أحد الطرفين يقبض بدله في الحال، والآخر يقبضه في الأجل المعلوم أو الآجال المعلومة، وقد يتغير سعر السلعة خلال هذه المدة مرة واحدة وأكثرن فإن زاد انزعج البائع، وإن نقص انزعج المشتري.
٢- ويذكر بعض العلماء أن البيع الذي يتأجل بدلاه يتعاظم فيه الغرر.
قال في نهاية المحتاج: " لأن في السلم غرراً، فلا يضم إليه غرر تأخير رأس المال ". (٥)
وقال في أسنى المطالب: "لأن السلم عقد غرر، جوز للحاجة فلا يضم إليه غرر آخر". (٦)
стр. 14614
٣- يبدو أن هؤلاء العلماء نظروا إلى البدلين فرأوا زيادة في الغرر، لكنهم لو نظروا إلى المتعاقدين لما كان هناك زيادة في الغرر، ولَاستويا في تحمل المخاطرة.
فالغرر ينظر إليه لا من حيث ذاته، بل من حيث أثره على المتعاقد.
فلا فرق في الغرر إذن بين بيع يتأجل فيه أحد البدلين أو يتأجل فيه كلاهما، والله أعلم.
٢ -٩- بيع ما ليس عنده (في المناقصة) :
١- باعتبار أن المورد يلتزم بتوريد سلع في آجال معلومة، فإن هذه السلع قد تكون موجودة عنده أو غير موجودة. وإذا كانت غير موجودة الآن فإنه قد يغلب على الظن وجودها في الآجال المطلوبة، إذا كان البائع منتجاً لها، صانعاً أو زارعاً. وقد يكون تاجراً من شأنه التجارة بهذه السلع.
٢- فإذا كانت السلعة المبيعة موصوفة (غير معينة) ، وكان البائع منتجاً لها، أو تاجراً من شأنه التجارة بها، وقادراً على تسليمها، فإن هذا لا يدخل في بيع ما ليس عنده المنهي عنه.
٣- بيع السلم جائز بالنص والإجماع، وجمهور الفقهاء (خلافاً للحنفية) لا يشترطون أن تكون السلعة في السلم مملوكة للبائع في وقت البيع، ولا عامة الوجود في السوق من وقت البيع إلى وقت التسليم، بل يكتفون بأن يغلب على الظن أن تكون عامة الوجود في التسليم، وعندئذ يقال: إن البائع قد باع ما يملك القدرة على تسليمه في الميعاد المطلوب، ويملك الأهلية لذلك.
٤- يتحصل من هذا أن المناقصة لا تدخل في النهي عن بيع ما لا يملك، أو ما ليس عنده، والله أعلم.
٢ -١٠- قوانين حديثة في المقاولة مستمدة من الشريعة الإسلامية:
١- اعتبرت مجلة الأحكام العدلية. (١) في المادة ٣٨٨ الاستصناع والمقاولة شيئاً واحداً، واستخدمت عبارة: "تقاول مع نجار، أو مع صاحب عمل، أن يصنع له كذا".
٢- نص القانون المدني الأردني المستمد من الشريعة الإسلامية (٢) في المادة ٧٨٠ منه على عقد المقاولة، وعرفه بنفس التعريف الوارد في القوانين الوضعية الحديثة، والذي ذكرناه لدى الكلام عن عقد المقاولة. وذكروا في المذكرة الإيضاحية بأنه لا يناقض آية قرآنية ولا سنة نبوية.
٣- نص قانون المعاملات المدنية السوداني لعام ١٩٨٤ م (٣) في المادة ٣٧٨ على عقد المقاولة، وعرفه بالتعريف نفسه أيضاً.
стр. 14615
٢ -١١- علماء وباحثون أجازوا عقود المقاولة:
من العلماء والباحثين الذين أجازوا عقد المقاولة: مصطفى الزرقا، (١) وعبد الله بن زيد آل محمود، (٢) وغريب الجمال، (٣) والصديق الضرير، (٤) والبدران، (٥) وحماد. (٦)
٢ -١٢- دفتر الشروط:
١- تقوم الجهة صاحبة المناقصة بوضع شروط ومواصفات للأصناف (= السلع) التي ترغب في توريدها، أو الأعمال التي ترغب في تنفيذها.
وقد تحتاج إلى رسومات أو مخططات أو عينات تتكبد من أجلها نفقات، كما تتكبد نفقات الإعلان والدعوة إلى المناقصة، وسائر المصاريف اللازمة لأعمال اللجان المختلفة وإدارة أعمال المناقصة، من إعداد وإعلان وتلقي عروض وفض عروض ... إلخ.
٢- وبنظر بعض الجهات المختصة فإن العناصر المؤثرة في تكاليف إجراء المناقصة هي العناصر التالية:
١- المجهود الذهني المبذول في دراسة المشروع وإعداده؛
٢- تكاليف إعداد الخرائط والرسوم والمخططات اللازمة للمشروع؛
٣- تكاليف الخدمات والاستشارات الهندسية؛
٤- قيمة الأوراق المتعلقة بالمشروع؛
٥- حصة من المصاريف الإدارية، تقدر بنسبة ١٠? من مجموع العناصر السابقة.
٣- فمن يتحمل هذه التكاليف؟ هل تتحملها الجهة صاحبة المناقصة، أم يعاد تحميلها على المناقصين؟ وعندئذ هل يعاد تحميلها بتكلفتها، أم بثمن فيه ربح؟
فصار لدينا ثلاثة بدائل:
- بذل دفتر الشروط بالمجان؛
- تقديمه بقيمة لا تزيد على استرداد التكلفة؛
- بيعه بثمن (فيه ربح) .
١- بذله بالمجان: ووجهه أن الجهة صاحبة المناقصة هي المستفيدة من اختيار طريقة الشراء بالمناقصة، بحيث يغلب على ظنها أن هذه الطريقة توصلها إلى مرادها بأدنى ثمن. فهذه مصاريف تختص بالجهة، ويجب أن تستقر عليها، لا سيما وأن المناقصين لو حملوا بالتكلفة أو بالثمن فإن واحدا منهم فقط هو الذي سيفوز بالعقد وترسو عليه المناقصة. فما وجه تحميل سائر المناقصين بالتكلفة أو بالثمن؟
٢- تحميل التكلفة للمناقصين: ووجهه:
أ- أن الدولة تتحمل تكاليف لا بد من تغطيتها بإيرادات مقابلة، وهذه مناسبة لتحميل المناقصين بهذه التكاليف.
ب- لا سيما وأن كلًّا من المناقصين يتوقع أن يستفيد من إبرام العقد مع الدولة، وهم من ذوي القدرة واليسار.
стр. 14616
٣- بيعه للمناقصين بثمن: ووجهه:
أ- أن الدولة تبيع شيئاً للمناقص ذا قيمة ومنفعة له، بذلت في إعداده وقتاً وجهداً ومالاً، فيمكن بيعه كما يباع كتاب مؤلف.
ب- تحديد الثمن يجب أن يسبق معرفة عدد المناقصين، فلو حدد المبلغ المطلوب من المناقص بالتكلفة فقد يكون عدد المتقدمين، لا سيما في المناقصة العامة، أقل من المتوقع، فلا تسترد الدولة تكاليفها. فلا بأس أن تحتاط لذلك بالزيادة على التكلفة.
٤- الحكم:
لو كان دفتر الشروط فيه نفع للمناقص لم يكن بأس في أخذ قيمته منه بالتكلفة أو بالثمن، بشرط أن تكون هذه القيمة معتدلة، لا تستغل الدولة فيها مركزها، فتفرض على المتعاملين معها وضع المحتكر.
لكن الراجح أن نفع دفتر الشروط عائد على الجهة الإدارية، فإذا أخذت مقابلاً له كان هذا أشبه بالضريبة، ولكن لا وجه لاختصاصهم بها دون غيرهم من القادرين. فيجب لذلك أن تبذل دفتر الشروط بالمجان لمن يطلبه من المتعهدين أو الموردين المعتمدين (= المسجلين) .
وهذا لا يمنع أن تأخذ الجهة الإدارية من طالب الدفتر تأميناً نقديًّا، ترده إليه إذا رد الدفتر، لعدم اشتراكه في المناقصة، أو لعدم رسوها عليه، أو للفراغ من التوريد أو المقاولة إذا رست عليه بالمناقصة، أو لإلغاء المناقصة.
وهذا التأمين مفيد لحماية دفتر الشروط ممن يأخذه غير جاد، ليرميه بعد ذلك دون أن ينتفع به أو ينفع.
٢ -١٣- الضمان:
في المناقصات نوعان من الضمان (= التأمين) . (١)
١- ضمان ابتدائي (= مؤقت) : ١ أو ٢? مثلاً من قيمة العرض، ويقدم مع العرض، بغرض التأكد من جدية اشتراك المتعهد أو المقاول في المناقصة، والتأكد من التزامه بالتعاقد، في حال رُسُوِّ المناقصة عليه.
ويهمل كل عرض غير مصحوب بضمان، ويعتبر عرضاً غير جدي. ومن حق الجهة صاحبة المناقصة مصادرة هذا الضمان، وإدخاله في خزينة الدولة، إذا سحب العرض قبل ميعاد البتِّ في العروض، وذلك دون اللجوء إلى القضاء.
ويرد الضمان الابتدائي إلى أصحاب العروض غير المقبولة، أي الذين لم ترس عليهم المناقصة. أما الذي رست عليه المناقصة فيقدم ضماناً نهائيًّا، ويرد إليه الضمان الابتدائي، أو يستكمل الضمان الابتدائي، باعتبار أن نسبته أقل من النهائي.
стр. 14617
٢- ضمان انتهائي: ٥? مثلاً من قيمة العقد، يقدم في مدة لا تتجاوز عشرة أيام مثلاً من تاريخ إخطار المورد أو المتعهد بقبول عرضه. وكلما نقص الضمان وجب استكماله إلى حد النسبة المقررة.
ويعفى المورد من تقديم هذا الضمان الانتهائي إذا تم التوريد كله خلال المدة المحددة لدفع الضمان، أو كان ثمن الكمية الموردة كافياً لتغطية هذا الضمان، فصار الضمان هنا هو البضاعة نفسها، وما وجد الضمان إلا لضمان التوريد، وقد حصل.
ويرد الضمان إلى صاحبه بعد تنفيذ العقد بصفة نهائية، وذلك دون حاجة إلى تقديم أي طلب.
صور الضمان:
١- ضمان نقدي: يدفع مبلغ نقدي إلى خزينة الجهة صاحبة المناقصة، مقابل إيصال رسمي. وهذه الصورة من الضمان تم استبعادها، إذ قد تؤدي إلى إفشاء مبلغ العرض، عندما يدفع الضمان إلى صندوق الوزارة أو الجهة صاحبة المناقصة؛ لأن الضمان نسبة محددة من مبلغ العرض. (١)
٢- ضمان بحوالة أو شيك مصرفي: ويشترط أن يؤشر عليه المصرف المسحوب عليه بالقبول. وقد استبعدت هذه الصورة أيضاً؛ لأن الشيك أداة وفاء، وليس أداة ائتمان. فإذا كان مسحوباً في الداخل فيجب تقديمه إلى المصرف المسحوب عليه خلال شهر، وإذا كان مسحوباً في الخارج فيجب تقديمه خلال ثلاثة أشهر. والتأشير عيه بالقبول لا يفيد أكثر من وجود الرصيد (= مقابل الوفاء) في تاريخ التأشير. (٢)
٣- ضمان بالاقتطاع من مبالغ مستحقة: يقدم صاحب العرض طلباً إلى الجهة صاحبة المناقصة باقتطاع قيمة الضمان المطلوب من مبالغ مستحقة له لديها. ويشترط أن تكون هذه المبالغ (في حدود قيمة الضمان) قابلة للصرف فعلاً وقت تقديم العرض.
ويبدو أن النظام الجديد قد غض النظر أيضاً عن ذكر هذه الصورة، كالصورتين السابقتين؛ لأن مرد هذه الصورة (الثالثة) إلى الصورة الأولى.
٤- ضمان بخطاب ضمان مصرفي: ويدفع لدى طلب الجهة الإدارية، دون التفات لأي معارضة قد تصدر من صاحب العرض.
٥- ضمان بتعهد من شركة تأمين: واجب الدفع عند أول طلب من الجهة الإدارية صاحبة المناقصة، دون اعتبار لأي معارضة يمكن أن تصدر من صاحب العرض، ودون حاجة إلى استصدار حكم قضائي، أو إقرار من هيئة تحكيم.
في الصور الثلاثة الأولى لا توجد مشكلة شرعية، ولكنها مستبعدة. أما في الصورتين الأخيرتين فيجب أن يكون الضمان بلا أجر؛ لأن الأجر على الضمان لا يجوز شرعاً، كما سيأتي. كما يجب أن يكون الضمان في الصورة الخامسة مقدماً من شركة تأمين تعمل وفق قواعد التأمين الإسلامي.
فلو قدم المتعاقد ضماناً علمت الدولة أنه بأجر، أو أنه مقدم من شركة تأمين غير إسلامية، ما الحكم؟ الظاهر عدم الجواز.
стр. 14618
الحكم الشرعي للضمان في المناقصة:
١- الغاية من الضمان الابتدائي هو إلزام المناقص بإبرام العقد إذا رست المناقصة عليه.
والغاية من الضمان الانتهائي هو إلزام المتعاقد بتنفيذ العقد دون تأخر ولا تخلف ولا مخالفة.
٢- فطلب الضمان هنا يعد مشروعاً لحث المشترك أو المتعاقد على القيام بالتزاماته، ومواجهة حالات التعدي والتقصير، وما ينشأ عنها من أضرار. فهذه من الأسباب أو الموجبات المشروعة للضمان.
٣- ويصادر الضمان الابتدائي كله إذا سحب العرض قبل ميعاد البت في العروض، أو إذا لم يقم المورد أو المتعهد بإبرام العقد حال رسوّ المناقصة عليه.
ومصادرة الضمان في هذه الحالة يشبه مصادرة العربون إذا نكل دافعه. وقد سبق بحث العربون، وقرر المجمع جوازه عام ١٤١٤ هـ (دورة بروناي) ، بشرط تقييده بمدة محددة. وتعتبر المدة هنا في حال المناقصة هي المدة المنقضية بين تاريخ الدخول في المناقصة وتاريخ رسوها.
٤- ويصادر الضمان الانتهائي كله إذا لم يقم المتعاقد بتنفيذ العقد، بل وينفذ العقد عندئذ على حسابه، ويحمل بفروق الأسعار، وبالتعويض عن الضرر.
وحكم مصادرة الضمان الانتهائي هنا كحكم مصادرة الضمان الابتدائي هناك. وتصادر أجزاء من الضمان الانتهائي إذا ترتبت على المورد غرامات تأخير. وسنرى حكم هذه الغرامات في مبحث مستقل.
٥- سبق للمجمع أن نظر في حكم الضمان الابتدائي والانتهائي، ومنع الأجر على الضمان وفقاً لمأثور الفقه، ولم يجز إلا استرداد المصاريف الفعلية. (١) وإني لا زلت أعتقد أن من الصعب في هذا العصر الحصول على ضمان بالمجان. (٢)
٦- فليست هناك مشكلة في طلب الضمان لضمان حالات التخلف أو التقصير. ولكن قد تكون هناك مشكلة في تقديم ضمان بصيغة مشروعة. فغالباً ما يكون الضمان المقدم في صورة خطاب ضمان، وغالباً ما يكون هذا الخطاب مقدماً من المصارف بأجر.
стр. 14619
٢ - ١٤- غرامات التأخير (الشرط الجزائي) :
١- يخضع المتعاقد مع الدولة لغرامة تأخير، لا تزيد في مجموعها على ٤? من قيمة عقد التوريد، و١٠? من قيمة عقد الأشغال العامة والصيانة.
ولا تقع عليه هذه الغرامة إذا كان التأخير بسبب الجهة الإدارية (إيقاف العمل) ، أو نتيجة حادث طارئ (= قوة قاهرة) . (١) وعلى المتعاقد أن يقدم كافة الأدلة والمستندات التي تثبت أن التأخير خارج عن إرادته، ولم يكن بإمكانه توقعه وقت التعاقد.
وقد تكون هذه الغرامة تصاعدية كالتالي:
١? عن الأسبوع الأول، أو جزء الأسبوع؛
١.٥? عن الأسبوع الثاني؛
٢? عن الأسبوع الثالث؛
٢.٥ ? عن الأسبوع الرابع؛
٣? عن الأسبوع الخامس، أو أكثر. (٢)
وذلك من قيمة التوريدات أو الأعمال المتأخرة، أو من القيمة الكلية للعقد، إذا كان من شأن التأخير عدم انتفاع الإدارة بالتوريدات أو الأعمال التي تمت.
وتختلف الغرامة عن التعويض بأن الضرر فيها مفترض ولا يلزم إثباته على الجهة الإدارية، ولا يستطيع المتعاقد الاحتجاج بعدم وقوعه، بخلاف التعويض، يجب فيه إثبات أصل الضرر ومقداره، ويستطيع المتعاقد إثبات عدم وقوعه.
وتؤخذ هذه الغرامات من مبلغ الضمان الانتهائي، أو من مستحقات المتعاقد (لدى الجهة الإدارية نفسها، أو لدى أي جهة إدارية أخرى في البلد نفسه) .
وحكم هذه الغرامات، عند بعض العلماء المعاصرين، حكم الشرط الجزائي الذي سبق بحثه، وأجاز المجمع بعض صوره.
٢- من صور الشرط الجزائي التي أجازها المجمع:
١- اتفاق المتداينين على حلول سائر الأقساط، عند امتناع المدين عن وفاء أي قسط من الأقساط المستحقة عليه، ما لم يكن معسراً. (٣)
٢- العربون، فإذا عدل أحد الطرفين عن العقد (البيع، الإجارة) ، أو مضت الفترة المحددة لانتظار إمضاء العقد، كان مبلغ العربون من حق الطرف الآخر. (٤)
٣- فغرامات التأخير في مناقصات التوريد والمقاولة ليست، بنظر البعض، إلا صورة من صور الشرط الجزائي. (٥) الذي أجازه عدد من العلماء منهم مصطفى الزرقا. (٦) وهيئة كبار العلماء في المملكة العربية السعودية. (٧)
عن ابن سيرين قال: قال رجل لكريِّه: أرحِل ركابك، فإن لم أرحل معكم يوم كذا وكذا فلك مائة درهم، فلم يخرج. فقال شريح: من شرط على نفسه طائعاً غير مكره، فهو عليه (٨)
стр. 14620
٢-١٥- غرامات التأخير هل تشبه فوائد التأخير؟
١- الفوائد الربوية نوعان: فوائد تعويضية ١٠? مثلاً، وفوائد تأخيرية ١٥? مثلاً. فالفوائد التأخيرية تكون في العادة وفي القانون أعلى من الفوائد التعويضية، وفيها معنى الجزاء على التأخير في وفاء القرض.
٢- فهي تشبه غرامات التأخير إذن، بجامع معنى الجزاء في التأخير، ومن حيث إن كلًّا منهما يأخذ صورة معدل مرتبط بالمبلغ والزمن.
٣- لكن فوائد التأخير تتعلق بتأخير وفاء القرض عن موعد استحقاقه، أي هي متعلقة بالقروض، فهي من الربا.
٤- أما غرامات التأخير في مناقصات التوريد والمقاولة فتتعلق بتأخير تسليم السلع أو الأعمال عن موعدها المحدد، أي هي متعلقة بالبيوع والإجارات، لا بالقروض.
٥- لكن إذا اعتبرنا أن المبيع المستحق التسليم في أجل محدد ضرب من الالتزام (= الدين) فإن في غرامة التأخير شبهة ربا نسيئة: تقضي أم تربي؟
٦- في البيوع المؤجلة (النسيئة، السلم) أجاز جمهور الفقهاء نقصان البدل المعجل لقاء التأجيل في البدل المؤجل، ولكن لا أعلم أن أحداً منهم أجاز، بعد أن يترتب البدل المؤجل في الذمة، أن يؤجل هذا البدل المؤجل تأجيلاً آخر مقابل مبلغ من المال؛ لأن هذا يصير ربا نسيئة، كقول المدين لدائنه: أنظرني أزدك، أو الدائن لمدينة: تقضي أم تربي؟ كما يصير هذا داخلاً في بيع الكالئ بالكالئ، في صورة منه مجمع عليها، ويسميها المالكية: فسخ الدين في الدين، ويعتبرونها بحق من أشد الصور. (١)
٧- نستدل مما تقدم أن من الشرط الجزائي صوراً جائزة، وأخرى غير جائزة، فليست الصور الداخلة تحته قانوناً مطابقة للصور الداخلة تحته شرعاً.
٨- إن العلماء الذين أجازوا الشرط الجزائي (غرامات التأخير) : مصطفى الزرقا، وهيئة كبار العلماء في المملكة العربية السعودية، لم أجدهم ناقشوا مثل هذا في البحث الذي استندوا إليه في إصدار فتواهم.
٢ -١٦- إن خطت هذا الثوب اليوم فلك درهم، وإن خطته غداً فلك نصف درهم
١- أجازه بعض العلماء. قال في المغني: "وإن قال: إن خطت هذا الثوب اليوم فلك درهم، وإن خطته غداً فلك نصف درهم، فعن أحمد روايتان: إحداهما لا يصح، وله أجر المثل، نقلها أبو الحارث عن أحمد، وهذا مذهب مالك والثوري والشافعي وإسحق وأبي ثور؛ لأنه عقد واحد اختلف فيه العوض بالتقديم والتأخير، فلم يصح، كما لو قال: بعتك نقداً بدرهم، أو بدرهمين نسيئة، والثانية يصح، وهو قول الحارث العكلي وأبي يوسف ومحمد؛ لأنه سمى لكل عمل عوضاً معلوماً، فصح، كما لو قال: كل دلوٍ بتمرة" (٢)
وقال في البناية: "لأن التعجيل والتأخير مقصودان، فنزل منزلة اختلاف النوعين"، (٣) أي اختلاف الزمن كاختلاف النوع، كلاهما مقصود، ومن ثم فإن له أثراً في القيمة (الأجر) .
стр. 14621
٢- الصيغة المذكورة أعلاه جائزة إذا انعقدت الإجارة على أحد الموعدين (في هذا تستوي مع البيع، فهي جائزة في الإجارة والبيع) . وغير جائزة إذا ترك الخيار للأجير: إن خاط الثوب اليوم أعطي درهماً، وإن خاطه غداً أعطي نصف درهم.
٣- ومثل هذا لا يجوز في البيع أيضاً فلو قال له: إن سلمت المبيع (سلماً) بعد ستة أشهر فلك ١٠٠، وإن سلمته بعد سنة فلك ٩٠. أو قال: إن دفعت ثمن المبيع بعد ثلاثة أشهر فعليك ١٠٠٠، وإن دفعته بعد ستة أشهر فعليك ١٠١٠. هذا غير جائز.
٤- هذه الصيغة أعلاه تؤكد قيمة الزمن في الإسلام. فالأجرة تتأثر بزمن العمل، أي إن للزمن حصة من الأجر، كما أن للزمن حصة من الثمن. وقد بينا هذا في مواضع أخرى.
٢ -١٧- هل من فرق في الحكم بين (بيع ثوب بردهم نقداً ودرهمين نسيئة) و (خياطة ثوب بدرهمين ليوم، ودرهم ليومين) ؟
١- لا يبدو أن هناك فرقاً بين الصورتين، فإجارتان في إجارة كبيعتين في بيعة.
٢- وقد أجاز بعض العلماء الصورة الأولى، إذا انعقد البيع على أحد الثمنين. (١) وإني أرى رأي هؤلاء العلماء.
٣- وعليه أرى أن خياطة الثوب بدرهمين اليوم، وبدرهم غداً، جائزة أيضاً، إذا انعقدت الخياطة (الإجارة) على إحدى الأجرتين (أو أحد الموعدين) .
٤- ولا تجوز إذ لم تنعقد كذلك. فإذا خاطه اليوم أعطي درهمين، وإذا خاطه غداً أعطي درهما واحداً.
وهذا كما في البيع، فلا يجوز إذا سدد نقداً سدد درهماً، وإذا سدد غداً سدد درهمين. (٢)
٥- ومما يؤكد رأينا في الصورتين (البيع، والإجارة) أنهما من باب بيعتين في بيعة، ما جاء في المدونة. (٣)
قلت: أرأيت إن دفعت إلى خياط ثوباً يخيطه لي، فقلت له: إن خطته اليوم فبدرهم، وإن خطته غداً فبنصف درهم. أتجوز هذه الإجارة في قول مالك أم لا؟
قال: لا تجوز هذه الإجارة عند مالك.
قلت: لم؟
قال: لأنه يخيطه على أجر لا يعرفه. فهذا لا يعرف أجره. فإن خاطه فله أجرة مثله.
وقال غيره: إلا أن يكون أجر مثله أقل من نصف درهم، فلا ينقص عن نصف درهم، أو يكون أكثر من درهم فلا يزاد على درهم. (٤)
( ... ) وقال عبد الرحمن: وهذا من باب بيعتين في بيعة.
قال سحنون: وقول عبد الرحمن حسن.
( ... ) قال: وأخبرني مخرمة بن بكير عن أبيه قال: ينهى أن يقول الرجل للعامل: اعمل لي متاعي هذا، فإن قضيتنيه غداً فإجارتك كذا وكذا، وإن قضيتنيه في بعد غدٍ فإجارتك كذا وكذا. قال: من بيعتين في بيعة.
стр. 14622
٢ -١٨- رأينا في الشرط الجزائي: التمييز بين التخلف والتأخير:
١- وعلى هذا فإن الرأي في الشرط الجزائي إن كان لعدم التنفيذ فهو جائز، ويأخذ حكم العربون.
٢- وإذا كان الشرط الجزائي لأجل التأخير في التنفيذ فإنه غير جائز؛ لأنه يكون عندئذ في حكم ربا النسيئة، والله أعلم.
- وبهذا نكون قد ميزنا في الشرط الجزائي بين التخلف (عدم التنفيذ) والتأخير. وبهذا تمتنع غرامة التأخير في عقود التوريد وعقود الأشغال. ويخطئ من يظن جوازها في عقود الأشغال، على أساس أن هذه العقود من باب الإجارة، والإجارة لا يدخلها الربا، وقد أجاز بعض العلماء هذا الشرط": إن خطت هذا الثوب اليوم فلك درهم، وإن خطته غداً فلك نصف درهم.
٤- فلا يجوز للدولة في عقود التوريد والأشغال أن تفرض غرامات تأخير، إلا إذا كان يجوز لها في باب الربا (أخذاً وعطاءً) ما لا يجوز للأفراد. وقد سبق أن طرحت مثل هذا في مجال الكلام عن سندات الدين العام، لكنه لم يناقش، ولم تثبت صحته حتى الآن. (١)
ولعل هذا الموضوع من الموضوعات التي يسميها الفرنسيون Tabou، أي الموضوعات التي تكاد تمتنع على الطرح والنقاش، لحساسيتها الدينية والسياسية المفرطة.
٢ -١٩- التعزير المالي:
١- التعزير المالي (= العقوبة المالية) ثلاثة أنواع:
١- تعزير إتلاف (تعزير بإتلاف المال) ؛
٢- تعزير تغيير (تعزير بتغيير صورة المال) ؛
٣- تعزير امتلاك (تعزير بأخذ المال) . (٢)
٢- جمهور العلماء على عدم جواز التعزير المالي، لا سيما التعزير بأخذ المال. بل جاء في بعض المراجع: "لا يجوز التعزير بأخذ المال إجماعاً" (٣)
٣- ابن تيمية وابن القيم والشاطبي يرون جواز التعزير المالي. (٤)
٤- فالغرامات المالية في مناقصات التوريد والأشغال العامة غير جائزة إذن، على رأي الجمهور.
стр. 14623
٥- وعندي أنها جائزة في بعض الأحوال، وغير جائزة في أحوال أخرى، كما سلف في المبحث (٢-١٨) .
وبعض العلماء المعاصرين لم يجيزوها بإطلاق. (١)
٢ -٢٠- وضع الجوائح (الظروف الطارئة) :
١- "الجائحة كل آفة لا صنع للآدمي فيها، كالريح والبرد والعطش ( ... ) والسيل". (٢)
٢- عقود التوريد والأشغال العامة من العقود الزمنية (المتراخية التنفيذ) . وقد يقع في هذه المدة تغير جوهري في الأسعار، أو في انتظام ورود المواد، نتيجة قوة قاهرة غير متوقعة عند التعاقد (حادث طارئ) : حرب، زلزال، طوفان، جراد ... إلخ، مما يؤدي إلى الإخلال بميزان المعاوضة الذي قام عليه العقد.
٣- يجوز اللجوء إلى القضاء لإعادة التوازن إلى طرفي العقد، والخروج من النزاع، بالاستناد إلى مبدأ وضع الجوائح، ورعاية الأعذار الطارئة، بناء على بعض الآراء الفقهية (المالكية والحنابلة) . (٣)
قال رسول الله ﷺ : ((لو بعت من أخيك ثمراً، فأصابته جائحة، فلا يحل لك أن تأخذ منه شيئاً، بم تأخذ مال أخيك بغير حق؟)) رواه مسلم. (٤)
إن النبي ﷺ أمر بوضع الجوائح. رواه مسلم. (٥)
٤- نظر المجمع الفقهي الإسلامي التابع لرابطة العالم الإسلامي بمكة المكرمة في "الظروف الطارئة وتأثيرها في الحقوق والالتزامات العقدية "، في الدورة الخامسة ١٤٠٢ هـ، وقرر الأخذ بالظروف الطارئة، وجواز اللجوء إلى القضاء لإعادة تعديل الحقوق والالتزامات، بالنسبة لطرفي العقد، أو فسخ العقد والتعويض، بناء على رأي أهل الخبرة. (٦)
стр. 14624
٢ -٢١- هل يجوز أن يدخل في المناقصة على توريد سلعة لا يملكها؟
نعم يجوز، وتعليل هذا الجواز في المباحث: (٢-٩) ، (٢-٧) ، (٢-٨) .
وهذا من باب المعاقدة، لا من باب المواعدة، فالمواعدة عندنا غير ملزمة، والدخول في المناقصة فيه التزام على الطرفين، فعلى الجهة الإدارية، وعلى المناقصة إذا رست عليه المناقصة، إبرام العقد.
٢ -٢٢- هل الجهة الإدارية ملزمة بإرساء المناقصة على أنقص عطاء؟ (١)
١- الأصل في الجواب عن هذا السؤال هو الإيجاب. ذلك لأن المناقصة من شأنها اختيار الأنقص، وهذا هو الغرض منها. ولو اختير غير الأنقص لكان ذلك مدعاة للتلاعب أو اتهام الجهة الإدارية بأمانتها، لنفوذ أو رشوة أو غير ذلك.
٢- غير أن الذي يحدث في المناقصات عادة ليس مثل هذه الدرجة من الوضوح والسهولة. فالمناقصة ليست كالمسابقة تماماً، بحيث يمكن التسوية بين المتسابقين في كل شيء، (٢) فإذا سبق غيره في الزمن، أو في الإصابة، كان هو السابق بلا خلاف.
في المناقصة توضع مواصفات، ويتقدم المناقصون بعروض تحقق في نظرهم هذه المواصفات. وقد يحدث أن لا تكون مواصفات كل عرض مساوية تماماً لمواصفات العروض الأخرى، وإن كانت جميع العروض تعتبر مستوفية للمواصفات المطلوبة.
فعند البت في العروض قد يكون العرض الأقل سعراً ينقص بمزاياه الفنية قليلاً عن العرض الذي بعده. ولدى الموازنة بين الأسعار والمزايا قد يكون من مصلحة الإدارة اختيار العرض الذي بعده.
٣- وقد يستبعد العرض الأقل؛ لأنه عرض غير مدروس، إذ ينخفض سعره إلى حد غير معقول، بما يشعر بعدم إمكانية تنفيذ التوريد أو العمل. (٣)
٤- قد يستبعد العرض الأقل إذا اقترن بتخفيضات وتمت المفاوضة مع صاحبه من أجل سحب تحفظاته دون جدوى.
٥- قد يستبعد العرض الأقل لوجود عرض قريب منه من حيث السعر، فيقدم عليه؛ لأنه صادر من منشأة وطنية أو مشتركة أو إسلامية أو عربية، كل ذلك بشرط أن يكون الفرق في السعر ضمن حدود المعقول، وذلك للتوفيق بين المصلحة المالية ومصلحة تشجيع المنتجات الوطنية.
ولا تعتبر المنتجات ذات منشأ وطني إلا بناء على شهادة من الوزارة المختصة بأن المواد الأولية المحلية، واليد العاملة المحلية، قد ساهمت بنسبة معقولة في إنتاج هذه المنتجات. (٤)
٦- قد يكون لصاحب العرض الأقل سابق تعامل مع الإدارة، والذي يليه أحسن منه تعاملاً وكفاءة، أو أفضل منه في الجودة والكمية والخدمة والسمعة والمركز المالي.
стр. 14625
أما إذا كان صاحب العرض الأقل سيئ التعامل، ولا تريد الإدارة التعامل معه أبداً، فهذا يجب استبعاده منذ البداية، أي عند الفحص الشكلي للعروض، فلا يدخل في المفاضلة النهائية، هذا إذا لم يستبعد بشطب اسمه أصلاً من سجل الموردين أو المتعهدين.
٧- قد تشترط الجهة الإدارية صاحبة المناقصة إرساء المناقصة على أي مناقص، ولو كان عرضه ليس هو الأقل سعراً، وذلك مع إبداء السبب أو دون إبدائه. (١)
وعندي أنه يجب أن يفهم من هذا أن السبب قد لا تبديه الإدارة للمناقص، لكن لا بد من أن تبديه للجهة المسؤولة بقرار معلل، وإلا أدى هذا الأمر إلى الإخلال بمبدأ آلية (= موضوعية) المناقصة، (٢) والتلاعب والتحايل، وتضييع الهدف من إجراء المناقصة. فإذا كان الأمر تخيراً بالتشهي والهوى والتحكم ففيم العناء والوقت والكلفة في إجراء المناقصة؟
كثيراً ما يلجأ البعض، بادئ ذي بدء، إلى التظاهر بالانضباط والانتظام، ثم يفتح بطرق مختلفة ذرائع وحيلاً للالتفاف على هذا النظام.
٨- في المبحث الذي لخصنا فيه أحكام المزايدة (المبحث ٢-٣) ، نقلنا نصوصاً فقهية عن بعض علماء المالكية، فيها جواز إلزام كل مزايد بعطائه، ولو زاد غيره عليه، مما يسمح للبائع بأن يعقد البيع مع من يختار من المزايدين، سواء أوقع اختياره على المزايد الأعلى أم على غيره، إذ قد لا يحب معاملة الأول.
٩- وعندي أن استبعاد العرض الأقل يجب أن يكون مستنداً في نهاية المطاف إلى اعتباره مخالفاً للشروط والمواصفات، ويدخل فيها سمعة صاحب العرض، وحسن تعامله ... إلخ، ولكن هذا الاستبعاد يؤخر إلى المرحلة الأخيرة، مرحلة البت في المناقصة.
فبعد التساوي في الشروط والمواصفات، يؤخذ العرض الأقل. أي لا يؤخذ العرض الأقل إلا إذا كانت سائر الشروط والمواصفات مستوية. وأي اعتبار آخر غير هذا لا بد وأن يفسح مجالاً للتلاعب والتحايل، ومن ثم فوات الغرض الأساسي للمناقصة، ألا وهو المنافسة (الشريفة) ، وضياع كل ما بذل فيها من أوقات وجهود وأموال.
стр. 14626
الخاتمة
١- عقد التوريد هو عقد بين جهة إدارية عامة ومنشأة خاصة (أو عامة) ، على توريد أصناف (= سلع، مواد) محددة الأوصاف، في تواريخ معينة، لقاء ثمن معين، يدفع على نجوم (= أقساط) .
وعقد التوريد عقد جائز شرعاً، لا يدخل في النهي النبوي عن الكالئ بالكالئ، ولا عن بيع ما ليس عنده، والغرر فيه مغتفر، والحاجة إليه عامة، وهو قريب من عقد الاستصناع عند الحنفية.
٢- عقد المقاولة هو عقد بين طرفين، يصنع فيه أحدهما (وهو المقاول) شيئاً لآخر، أو يقدم له عملاً، في مقابل مبلغ معلوم.
وعقد المقاولة عقد جائز شرعاً؛ لأنه في معنى عقد الإجارة إذا كان موضوعه أداء عمل أو صنع شيء مادته مقدمة من المستصنع، وهو في معنى عقد الاستصناع (عند الحنفية) إذا كان موضوعه صنع شيء مادته مقدمة من الصانع.
٣- المناقصة طريقة في الشراء أو الاستئجار أو الاستصناع، تخضع لنظام محدد، تلتزم فيه الإدارة (الجهة الإدارية) بدعوة المناقصين إلى تقديم عطاءاتهم (= عروضهم) ، وفق شروط ومواصفات محددة، لأجل الوصول للتعاقد مع صاحب أرخص عطاء.
والمناقصة كالمزايدة جائزة شرعاً، سواء أكانت مناقصة عامة أو محدودة، داخلية أم خارجية، علنية أم سرية.
٤- دفتر الشروط لا يجوز أن يطلب فيه من المناقصين كلفة ولا ثمن؛ لأن منفعته عائدة للإدارة، لا للمناقص. فيجب بذلك بالمجان، وهذا لا يمنع أن تطلب الإدارة من المناقص تأميناً نقديًّا قابلاً للرد إذا أعيد الدفتر إلى الإدارة، إما لعدم الرغبة في الدخول في المناقصة، أو بعد رسوِّ المناقصة، أو إلغائها. ويجوز اشتراط مصادرة هذا التأمين النقدي إذا لم تتم إعادة الدفتر إلى الإدارة.
وطلب التأمين النقدي مفيد لوقاية دفتر الشروط من أن يكون مصيره، عند بعض من يطلبه، إلى سلة المهملات.
٥- يجوز طلب ضمان ابتدائي من المشتركين في المناقصة، عند تقديم العطاءات. ويجوز اشتراط مصادرة هذا الضمان إذا انسحب المناقص من المناقصة قبل الإرساء، أو تخلف عن إبرام العقد إذا رست المناقصة عليه.
٦- يجوز طلب ضمان انتهائي من المتعاقد مع الإدارة، بعد رسو المناقصة عليه. ويجوز اشتراط مصادرة هذا الضمان إذا تخلف المتعاقد عن تنفيذ التزامه، بدون عذر مقبول: قوة قاهرة (= ظرف طارئ) .
стр. 14627
٧- يجب أن تكون صيغة الضمان الابتدائي والانتهائي من الصيغة المقبولة شرعاً، وقد كانت هذه الصيغ موضع اهتمام المجمع في دورات سابقة.
٨- يجوز للإدارة فرض غرامات تخلف على المقاولين والموردين إذا تخلفوا عن تنفيذ التزاماتهم بدون عذر مقبول.
٩- لا يجوز للإدارة فرض غرامات تأخير على الموردين والمقاولين إذا تأخروا في تنفيذ التزاماتهم؛ لأن غرامات التأخير في التوريد والمقاولة تشبه فوائد التأخير في القروض الربوية. وقد أوضحنا ذلك في موضوعه من هذه الورقة.
١٠- يجوز الدخول في المناقصة لمن لا يمتلك السلعة، بشرط أن تكون السلعة عامة الوجود في السوق، في مواعيد التسليم، حتى يتحقق شرط القدرة على التسليم، وينتفي الغرر.
١١- لا يجوز للإدارة أن تختار غير العطاء الأرخص، إلا بقرار مسبب، ويجب أن يكون فيه السبب عائداً إلى نوع مخالفة في الشروط والمواصفات، التي يدخل فيها سمعة المناقص وحسن تعامله وإعطاء أولوية (مقيدة) للمنشآت الوطنية أو الإسلامية أو العربية.
١٢- يجب أن تحرص الإدارة على رعاية حقوق الموردين والمتعهدين، في عقودها الإدارية المبرمة معهم، وكذلك على رعاية الظروف الطارئة، وأن تحرص على مبدأ المساواة في تعاملهم معها، بدون محاباة ولا تحيز، وألا تتجاوز في امتيازاتها الإدارية الحد المطلوب لسير المرافق العامة، بانتظام واطراد وتطور. وكل تجاوز في ذلك يعد من قبيل التعسف أو سوء استخدام الحق أو السلطة أو الامتياز.
١٣- والخلاصة فإني أرى جواز المناقصة والتوريد والمقاولة، في حدود ما كتبته واطلعت عليه (انظر المراجع الفنية آخر هذه الورقة) ، بتحفظين اثنين:
١- الأول بشأن بيع دفتر الشروط.
٢- الثاني بشأن غرامات التأخير.
١٤- حاولت ألا أتأثر بما كتبه غيري من الباحثين في المزايدة، لا سيما وأن لها علاقة بالمناقصة، ولا حرج بعد ذلك أخذ المجمع برأيي أو لم يأخذ. ذلك لأن الأوراق والآراء العلمية يجب أن تكون مستقلة بعضها عن بعض، فلا قيمة لتعددية مع التبعية. فلو أن هناك عشرين عالماً، سبق أحدهم إلى رأي، وتبعه الآخرون تقليداً، دون اجتهاد ولا تمحيص ولا تحقق، لكانت آراء العشرين لا تزن أكثر من رأي العالم الواحد، أما لو كان لكل منهم رأي مستقل، دون رغبة مسبقة بالتأييد أو بالمعارضة، فإن آراءهم تزن آراء عشرين عالماً بالفعل.
هذا ما وفق الله تعالى في الوصول إليه، فإن كان صواباً فالحمد لله، وإن ثبت خطؤه فإلى الحق المصير المرجع، وأعوذ بالله من التمادي في الخطأ والباطل، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
الدكتور رفيق يونس المصري
стр. 14628
أهم مراجع البحث
أولاً- المراجع الفقهية:
أحكام عقود التأمين لعبد الله بن زيد آل محمود، دار الشروق، بيروت، القاهرة، ط٣، ١٤٠٢ هـ = ١٩٨٢ م.
أحكام القرآن للجصاص (٣٧٠هـ) ، دار الفكر، بيروت، د. ت.
أحكام المعاملات الشرعية لعلي الخفيف، بنك البركة الإسلامي للاستثمار، البحرين د. ت.
أصول الاقتصادي الإسلامي لرفيق يونس المصري، دار القلم دمشق، الدار الشامية بيروت، دار البشير جدة، ط٢، ١٤١٣هـ = ١٩٩٣ م.
الاعتصام للشاطبي (-٧٩٠هـ) ، دار المعرفة، بيروت، د. ت.
إعلاء السنن لظفر أحمد العثماني التهانوي
(- ١٣٩٤هـ) ،بتحقيق محمد تقي عثماني، إدارة القرآن والعلوم الإسلامية، كراتشي، د. ت.
إعلام الموقعين لابن القيم (- ٧٥١هـ) ، بتحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد، دار الفكر، بيروت، ط٢، ١٣٩٧هـ = ١٩٧٧ م.
إغاثة اللهفان لابن القيم (- ٧٥١هـ) ، بتحقيق محمد حامد الفقي، مكتبة البابي الحلبي، القاهرة، ١٣٥٧هـ = ١٩٣٩ م.
الأم للشافعي (-٢٠٤هـ) ، طبعة الشعب، القاهرة، د. ت.
الإنصاف للمرداوي (- ٨٥٥هـ) ، بتحقيق محمد حامد الفقي، دار إحياء التراث العربي، بيروت، ١٤٠٠ هـ = ١٩٨٠ م.
البحر الرائق شرح كنز الدقائق لابن نجيم (- ٩٦٩هـ) ، دار المعرفة، بيروت، د. ت.
بدائع الصنائع للكاساني (- ٥٨٧هـ) ، شركة المطبوعات العلمية، القاهرة، د. ت.
بداية المجتهد لابن رشد (- ٥٩٥هـ) ، دار الفكر، بيروت، د. ت.
البناية في شرح الهداية للعيني، دار الفكر، بيروت، ١٤٠٠هـ = ١٩٨٠ م.
البيان والتحصيل لابن رشد (- ٥٢٠هـ) ، بتحقيق أحمد الشرقاوي إقبال ومحمد حجي، دار الغرب الإسلامي، بيروت، ١٤٠٤ هـ = ١٩٨٤ م.
بيع التقسيط لرفيق يونس المصري، دار القلم بدمشق، الدار الشامية بيروت، دار البشير جدة، ١٤١٠ هـ =١٩٩٠ م.
تكملة المجموع للسبكي، بتحقيق محمد نجيب المطيعي، مكتبة الإرشاد، جدة، د. ت.
التمهيد في أصول الفقه للكلوذاني (- ٥١٠هـ) ، بتحقيق مفيد محمد أبو عمشة، مركز البحث العلمي وإحياء التراث الإسلامي، كلية الشريعة، جامعة أم القرى، مكة المكرمة، ١٤٠٦ هـ = ١٩٨٥ م.
الجامع في أصول الربا لرفيق يونس المصري، دار القلم دمشق، الدار الشامية بيروت، دار البشير جدة، ١٤١٢هـ = ١٩٩١ م.
حاشية ابن عابدين (١٢٥٢هـ) ، دار الفكر، بيروت، ١٣٩٩هـ= ١٩٧٩ م.
حاشية الدسوقي (- ١٢٣٠هـ) ، على الشرح الكبير للدردير، دار الفكر، بيروت د. ت.
حاشية الشرقاوي (- ١٢٢٦هـ) ، دار المعرفة، بيروت، د. ت.
الخرشي (-١١٠١هـ) علي خليل وحاشية العدوي، دار صادر، بيروت، د. ت.
خطاب الضمان لرفيق يونس المصري، مجلة مجمع الفقه الإسلامي، العدد ٢، الجزء ٢، ١٤٠٧هـ =١٩٨٦ م.
стр. 14629
زاد المعاد في هدي خير العباد لابن القيم (- ٧٥١هـ) ، بتحقيق شعيب الأرناؤوط، بيروت، ط٣، ١٤٠٢ هـ=١٩٨٢ م.
سنن ابن ماجه (-٢٧٥هـ) ، بتحقيق محمد فؤاد عبد الباقي، مكتبة البابي الحلبي، القاهرة، د. ت.
سنن أبي داود (- ٢٧٥هـ) ، بتحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد، دار إحياء السنة النبوية، القاهرة، د. ت.
سنن الترمذي (- ٢٧٩هـ) ، بتحقيق محمد فؤاد عبد الباقي، مكتبة البابي الحلبي، القاهرة، ط٣، ١٣٩٨هـ =١٩٨٦ م.
سنن النسائي (- ٢٠٣هـ) ، بتحقيق عبد الفتاح أبو غدة، مكتب المطبوعات الإسلامية، حلب، ط٢، ١٤٠٦هـ = ١٩٨٦م.
شرح فتح القدير لابن الهمام (-٦٨١هـ) ، مكتبة البابي الحلبي، القاهرة، ١٣٨٩هـ=١٩٧٠ م.
الشرط الجزائي، هيئة كبار العلماء في المملكة العربية السعودية، مجلة البحوث الإسلامية، رئاسة إدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد، الرياض، شوال ١٣٩٥هـ – ١٣٩٦هـ.
صحيح البخاري (-٢٥٦هـ) ، دار الحديث، القاهرة، د. ت.
صحيح مسلم (- ٢٦١هـ) بشرح النووي (- ٦٧١هـ) ، دار الفكر، بيروت، د. ت.
الطرق الحكمية في السياسة الشرعية لابن القيم (- ٧٥١هـ) ، بتحقيق محمد حامد الفقي، دار الكتب العلمية، بيروت، د. ت.
عارضة الأحوذي بشرح صحيح الترمذي لابن العربي (-٥٤٣هـ) ، دار الكتب العلمية، بيروت د. ت.
عقد الاستصناع في الفقه الإسلامي لكاسب عبد الكريم البدران، دار الدعوة، الإسكندرية، د. ت.
الغرر وأثره في العقود للصديق محمد الأمين الضرير، دون ناشر، ١٣٨٦هـ =١٩٦٧م.
الفتاوى الهندية العالمكيرية، دار إحياء التراث العربي، بيروت، ط٣، ١٤٠٠هـ = ١٩٨٠م.
فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن حجر العسقلاني (-٨٥٢هـ) ، دار المعرفة، بيروت د. ت.
الفتح الرباني لترتيب مسند الإمام أحمد (-٢٤١هـ) ، لأحمد البنا، دار إحياء التراث العربي، بيروت، د. ت.
الفروق للقرافي (-٦٨٤هـ) ، عالم الكتب، بيروت، د. ت.
قرارات مجلس المجمع الفقهي الإسلامي لرابطة العالم الإسلامي، مكة المكرمة، ١٤٠٥ هـ = ١٩٨٥ م.
قرارات مجمع الفقه الإسلامي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي، جدة، الدورة الثامنة، بروناي، ١-٧ محرم ١٤١٤هـ = ٢١-٢٧ حزيران (= يونيو) ١٩٩٣.
قرارات وتوصيات مجمع الفقه الإسلامي، جدة، ١٤٠٦هـ- ١٤٠٩هـ (=١٩٨٥م-١٩٨٨م) .
قواعد الأحكام في مصالح الأنام للعز بن عبد السلام (-٦٦٠هـ) ، بتحقيق طه عبد الرؤوف سعد، دار الجيل، بيروت، ط٢، ١٤٠٠هـ = ١٩٨٠م.
قوانين الأحكام الشرعية لابن جزي (-٧٤١هـ) ، دار العلم للملايين، بيروت، ١٩٧٩م.
الكالئ بالكالئ لنزيه حماد، مركز أبحاث الاقتصاد الإسلامي، جامعة الملك عبد العزيز، جدة، ١٤٠٦هـ=١٩٨٦م.
المبسوط للسرخسي (-٤٩٠هـ) ، دار المعرفة، بيروت، ط٣، ١٣٩٨هـ= ١٩٧٨م.
مجلة الأحكام العدلية شرح سليم رستم باز، دار إحياء التراث العربي، ط ٣، د. ت.
المحلى لابن حزم (٤٥٦هـ) ، بتحقيق أحمد شاكر، دار الآفاق الجديد، بيروت د. ت.
المدخل الفقهي العام لمصطفى الزرقا، مطابع ألف باء الأديب، دمشق، ط ٩، ١٩٦٧-١٩٦٨م.
المدونة الكبرى للإمام مالك (-١٧٩هـ) ، دار الفكر، بيروت، ١٣٩٨هـ= ١٩٧٨م.
المذكرات الإيضاحية للقانون المدني الأردني، نقابة المحامين، عمان، ط ٢، ١٩٨٥م.
مسائل السماسرة للأبياني (-٣٥٢هـ) ، عرض وتعليق محمد أبو الأجفان، مجلة أبحاث الاقتصاد الإسلامي، جامعة الملك عبد العزيز، العدد ٢، المجلد١، شتاء ١٤٠٤هـ= ١٩٨٤م.
стр. 14630
مصادر الحق في الفقه الإسلامي لعبد الرزاق السنهوري، دار إحياء التراث العربي، بيروت، د. ت.
مصنف ابن أبي شيبة (-٢٣٥هـ) ، بتحقيق عبد الخالق الأفغاني، الدار السلفية، بومباي، ط٢، ١٣٩٩هـ= ١٩٧٩م.
مصنف عبد الرزاق (-٢١١هـ) ، بتحقيق حبيب الرحمن الأعظمي، المكتب الإسلامي، بيروت، ط٢، ١٤٠٣هـ = ١٩٨٣م.
المعيار المعرب لأحمد بن يحيى الونشريسي (-٩١٤هـ) بإشراف محمد حجي، دار الغرب الإسلامي، ١٤٠١هـ = ١٩٨١م.
المغني مع الشرح الكبير لابن قدامة (-٦٢٠هـ) ، دار الكتاب العربي، بيروت، ١٣٩٢هـ = ١٩٧٢م.
مقدمة ابن خلدون (-٨٠٨هـ) ، بتحقيق علي عبد الواحد وافي، دار نهضة مصر، القاهرة، ط٣، د. ت.
ملحق التشريع الخاص للجريدة الرسمية لجمهورية السودان الديمقراطية رقم ١٣٤٠ (قانون المعاملات المدنية لسنة ١٩٨٤م) ، الخرطوم، د. ت.
المهذب للشيرازي (-٤٥٦هـ) ، مكتبة البابي الحلبي، القاهرة، ط٣، ١٣٩٦هـ= ١٩٧٩م.
مواهب الجليل لشرح مختصر خليل للحطاب (-٩٥٤هـ) ، دار الفكر، بيروت، ط٢، ١٣٩٨هـ =١٩٧٨م.
الموجز في النظرية العامة للالتزامات لعبد الرزاق السنهوري، دار إحياء التراث العربي، بيروت، د. ت.
الموسوعة الفقهية الكويتية، وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، الكويت، التاريخ مختلف باختلاف الجزء والطبعة.
الميسر والمسابقة لرفيق يونس المصري، دار القلم دمشق، الدار الشامية بيروت، دار البشير جدة، ١٤١٣هـ = ١٩٩٣م.
النشاط الاقتصادي في ضوء الشريعة الإسلامية لغريب الجمال، دار الشروق، جدة، ١٣٩٧هـ=١٩٧٧م.
نظرية الظروف الطارئة لعبد السلام الترمانيني، دار الفكر، دمشق، ١٣٩١ هـ= ١٩٧١م.
نظرية العقد (= قاعدة العقود) لابن تيمية (-٧٢٨هـ) ، دار المعرفة، بيروت، د. ت.
نهاية المحتاج للرملي (-١٠٠٤هـ) ، مكتبة البابي الحلبي، القاهرة، ١٣٥٧ هـ =١٩٣٨م.
نيل الأوطار للشوكاني (-١٢٥٠هـ) ، مكتبة البابي الحلبي، القاهرة، د. ت.
ثانياً- المراجع الفنية:
أسس الشراء الحكومي لأحمد صبري حمود، معهد الإدارة العامة، الرياض، ١٣٩٥هـ =١٩٧٥م.
الأسس العامة للعقود الإدارية لسليمان محمد الطماوي، دار الفكر العربي، القاهرة، ط٤، ١٩٨٤م.
أنظمة الإدارة العامة في المملكة العربية السعودية لمحمود مسعد، مطبعة المدني، القاهرة، ١٤٠١هـ = ١٩٨١م.
العقود الإدارية لمحمود عاطف البنا، دار العلوم، الرياض، ١٤٠٥ هـ =١٩٨٤م.
القانون الإداري لماجد راغب الحلو، دار المطبوعات الجامعية، الإسكندرية، ١٩٨٣م.
قانون تنظيم المناقصات والمزايدات، ضمن "الأسس العامة للعقود الإدارية" ص ٧٧٥-٧٨٣.
لائحة المناقصات والمزايدات، ضمن "الأسس العامة للعقود الإدارية"، ص ٧٨٩-٨٤٣.
نظام تأمين مشتريات الحكومة، وزارة المالية والاقتصاد الوطني، الرياض، ١٤٠٠هـ.
الوسيط في شرح القانون المدني لعبد الرزاق السنهوري، دار إحياء التراث العربي، بيروت، ١٩٦٤م.
стр. 14631
المناقصات
(عقد الاحتياط ودفع التهمة)
إعداد
الشيخ حسن الجواهري
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خير خلقه محمد وآله الطيبين الطاهرين وصحبه الميامين.
المناقصات (عقد الاحتياط ودفع التهمة)
١- تعريف المناقصة: عرفت المناقصة بأنها: "طريقة بمقتضاها تلتزم الإدارة (أو الشخص) باختيار أفضل من يتقدمون للتعاقد معها شروطاً، سواء من الناحية المالية أو من ناحية الخدمة المطلوب أداؤها". (١)
ونرى أن هذا التعريف شامل للمزايدة أيضاً، باعتبار أن المناقصة والمزايدة معاً من عقود المنافسة النزيهة والتي تساوي بين المتنافسين، وعلى هذا سوف يكون شراء الحاجات وتنفيذ الأعمال من خصوصيات عقد المناقصة، كما أن بيع الحاجات والمباني الحكومية أو التابعة للأشخاص من خصوصيات عقد المزايدة.
وهذا التعريف وإن لم يكن تعريفاً حقيقيًّا للمناقصات، بل هو شرح الاسم، إلا أنه قد تعرض لالتزام أحد الأطراف بالتعاقد، ولم يتعرض لالتزام المتعاقد الآخر، ولكن من مجمل عملية المناقصة الحديثة نفهم أن المناقص ملزم بما تقدم به من عرض لبيع سلعته أو تقديم خدماته لحين رسو عملية المناقصة، ولذا من الأفضل إضافة هذه الجملة إلى التعريف السابق، وهي: "ويلتزم الطرف الآخر بما عرضه لحين رسو العملية". ولذا يمكننا أن نعرف المناقصات بأنها "طريقة بمقتضاها تلتزم الأطراف باختيار أفضل من يتقدم للتعاقد شروطاً".
وقد يقال: إن التزام الداعي إلى المناقصة هو التزام ابتدائي "ليس في ضمن عقد" فيكون وعداً لا يجب الوفاء به وهو معنى عدم كونه ملزماً.
ونجيب على ذلك: بأن الالتزام إذا كان قد وصل إلى حد التعهد إلى الغير بحيث رتب الغير عليه الآثار، فصار عهداً "عقداً" مستقلاً يجب الوفاء به خصوصاً إذا قابله التزام من الطرف الآخر. (٢)
وهذا بالإضافة إلى ما سيأتي من إمكان أن يكون إلزام الداعي إلى المناقصة باختيار أحسن العروض وإلزام المتناقصين بالبقاء على التزاماتهم لحين رسو المناقصة، قد شرط في ضمن عقد بيع المعلومات التي تشترط للدخول في المناقصة، فيحصل الالتزام في ضمن عقد فيكون ملزماً بالاتفاق.
وقد يستشكل في صحة التزام الداعي إلى المناقصة باختيار أفضل من يتقدمون للتعاقد معه، سواء قلنا: إن هذا الالتزام قد وصل إلى مرحلة التعهد والعقد أو كان شرطاً في ضمن عقد بيع المعلومات، قد يستشكل بإشكال آخر، وخلاصته تكمن في غررية هذا الالتزام؛ لأن الداعي إلى المناقصة قد التزم باختيار أفضل من يتقدم للتعاقد معه، مع أنه لا يعلم المقدار الذي يقع عليه التعاقد في الخارج الآن، فهو التزام غرري.
стр. 14632
والجواب على ذلك:
١- إن الغرر الذي منعه الشارع ليس هو الجهالة، بل الغرر عبارة عن عدم معرفة حصول الشيء من عدمه، كالطير في الهواء والسمك في الماء، وهذا يختلف عن المجهول الذي معناه "ما علم حصوله مع جهالة صفته".
٢- ولو قلنا كما قال الفقهاء بأن الغرر يشمل الجهالة أيضاً، فإن الغرر المنهي عنه هو الغرر الذي يؤدي إلى منازعة بين المتبايعين، أما ما كان لا يؤدي إلى المنازعة فهو لا بأس به، وقد ذكرت الروايات الأمثلة الكثيرة الدالة على عدم الضرر في وجود غرر (جهالة) لاتؤدي إلى المنازعة كما في بيع شيء من الحليب في الإسكرجة مع ما في الضرع، وبيع السمك في الأجمة مع القصب الظاهر وأمثال ذلك من البيوع التي فيها جهالة واضحة إلا أنها لا تؤدي إلى منازعة بين المتخاصمين.
٣- ولو تنزلنا وقلنا: إن الغرر يشمل كل جهالة، فهو إنما يضر إذا كانت الجهالة في العقد، أما هنا فإن الجهالة في الشرط وليست في العقد.
ولا حاجة إلى التنبيه إلى أن هذه العقود لا يجوز فيها التغرير والخداع من المتناقصين أو المتزايدين أو واحد منه أو أطراف خارجية، وذلك لأجل تحقق المنافسة النزيهة التي هي أساس المناقصة الحرة. كما هي عقود يطلب فيها المشتري أو البائع الاحتياط لنفسه ودفع التهمة عنه فيما إذا كان وكيلاً أو وليًّا.
العلاقة بين المزايدة والمناقصة:
وبهذا يتضح أن العلاقة بين المزايدة والمناقصة هي علاقة تضاد من الناحية اللغوية والموضوعية، فالزيادة ضد النقص، ولهذا وردت التفرقة بينهما في العقود.
فالمناقصة: تستهدف اختيار من يتقدم بأقل عطاء، ويكون ذلك عادة إذا أرادت القيام بأعمال معينة كالأشغال العامة مثل بناء العمارات أو إقامة الجسور أوتبليط الطرقات وما شابه ذلك.
أما المزايدة: فترمي إلى التعاقد مع الشخص الذي يقدم أعلى عطاء، وذلك إذا أرادت الإدارة أن تبيع أو تؤجر شيئاً من أملاكها مثلاً. (١)
وعلى هذا نتمكن أن نقول: إن العلاقة بين المزايدة والمناقصة هي علاقة تضاد في اللفظ والموضوع كما هو واضح من اختلاف طبيعة كل منهما، ولكن يشتركان في الإجراءات والتنظيمات في الجملة كما هو واضح من اشتراكهما في التعريف (اختيار أفضل من يتقدم للتعاقد) ، فالإجراءات المتبعة في عقد المناقصة هي بنفسها متبعة في عقد المزايدة، فمثلا بعد الإعلان عن المزايدة أو المناقصة في وسائل الإعلام وتتم الإجراءات الكتابية والمناداة العلنية تأتي هذه المراحل الثلاثة:
١- التقدم بالعطاءات من قبل الأفراد والمؤسسات.
٢- فحص العطاءات وإرساء المزايدة أو المناقصة.
٣- إبرام العقد.
стр. 14633
النجش: ويأتي في بيع المناقصة النجش الذي يذكر في بيع من يزيد ويعرف "بأنه تواطؤ صاحب السلعة مع مزايد صوري يدفعه للمزايدة في السلعة حتى يعلي ثمنها، ولا يقصد شراءها، وإنما أراد خدمة صاحبها" وذكر الفقهاء حرمته في صورة كون الناجش قد رفع الثمن عن القيمة الحقيقية تضليلاً للمزايدين، يأتي ولكنه معكوس وذلك لوجود العلة التي حرمته وهي الاحتيال والإضرار بالأخ المسلم ظلما، المستنبطة من نهي النبي ﷺ عن النجش. وعلى هذا فلو تواطأ المريد للسلعة الموصوفة بأوصاف معينة مع أحد الأفراد المشتركين في المناقصة بأن يعرض بثمن أقل من الثمن السوقي ولا يقصد البيع حقيقة خدمة لمن طلبها فيكون هذا حراماً، للعلة التي حرم النبي ﷺ فيها النجش وهي الاحتيال والخديعة والإضرار بالأخ المسلم ظلماً، ويشتركان في الإثم.
وكذا يحرم فيما إذا اتفق البائع مع من ينافسه في بيع السلعة الكلية على عدم المنافسة له في العرض، أو اتفق معهم على عدم عرض السلعة بثمن أقل من كذا، فهو من الاحتيال والغش "حيث إن اتفاق الأطراف كلها كان قد بني على المنافسة النزيهة فيكون اتفاق البعض على عدمها غشاً واحتيالاً" فإن كان فيه إضرار بالمشتري (كأن اشترى السلعة بأكثر من الثمن السوقي مع عدم علمه بذلك) فالعمل يكون حراماً لوجود علة حرمة النجش ويثبت للمشتري الخيار في إمضاء الصفقة أو فسخها.
وإن حصل التنقيص في الثمن ممن لا يريد شراءها بغير تواطؤ مع المشتري ليضر الغير ويخدعه، فإن الحرمة تختص بالمنقص.
اختلاف الموجب بين المزايدة والمناقصة في البيع:
قالوا (١) : إن الموجب هو من يتقدم بعطاء، إلا أنه في المزايدة يكون الموجب هو المشتري، بينما في المناقصة يكون الموجب هو البائع، كما يكون إرساء المناقصة باختيار أفضل من يتقدم للتعاقد هو القبول.
ولكن يمكن المناقشة في جعل الموجب في المزايدة هو من يتقدم بعطاء، باعتبار أنه يتملك بثمن معين (وإنما يملك ثمنه للغير تبعاً لتمليك الغير سلعته إياه، فهو تمليك تبعي) فيكون قابلاً، وقدم قبوله بلفظ اشتريت أو ابتعت أو تملكت وأشباهها، وأما الموجب فهو الذي يملك السلعة وإن تأخر عن القبول، وعلى هذا لا يشترط تقديم الإيجاب على القبول لظهور كونه عقداً يجب الوفاء به، أما الرضا فهو موجود في تقديم القبول على الإيجاب وتقديم الإيجاب على القبول. نعم يكون المتقدم بالعطاء في المناقصة موجباً؛ لأنه يملك ماله بثمن معين وهو معنى الإيجاب، ثم إننا وإن قبلنا (قياساً على المزايدة) بأن الذي تقدم بعرض سلعته بثمن معين هو الموجب، فإن بذلك آخر عمله أو سلعته بأقل من الأول فقد سقط الإيجاب الأول ووجد إيجاب ثان (وهو البذل الثاني) استناداً إلى التعريف الذي تقدم للمناقصات القائل بأنه باختيار أفضل من يتقدمون للتعاقد، وحينئذ يكون البذل بالأقل هو أفضل من الأول للتعاقد، وقد التزم الداعي إلى المناقصة باختياره فيكون ملزماً به ومعرضاً عن البذل الأول فيسقط البذل الأول، فإننا وإن قبلنا كل ذلك إلا أننا لا نقبل ذلك وفيما إذا كان البذل الثاني قد صدر من القاصر أو المحجور عليه، (٢) لأن هذا البذل الأخير ليس ملزماً للداعي إلى المناقصة وإن تصوره ملزماً.
وعلى هذا يمكن القول بعدم وجود بذل ثان أفضل من الأول في هذه الصورة الأخيرة.
стр. 14634
علاقة المناقصة بالمقاولة:
إن علاقة المناقصة بالمقاولة من حيث إن المناقصات هي قسم من المقاولات التي تكون ملزمة للطرفين، فإن المقاولة ربما تكون مع طرف خاص من غير أن تسبق بعرض ذلك المشروع على الآخرين، وبعبارة أوضح إن المناقصة والمقاولة كلاهما تعهد من قبل من يشترك في المناقصة والمقاولة، إلا أن الاختلاف من ناحية أن المقاولات عامة تشمل المناقصات التي هي مقاولات خاصة وتشمل غير المناقصات التي يكون التقاول مع طرف خاص من غير أن تسبق هذه المقاولة بعرض المشروع على الآخرين. فالعلاقة بينهما هي علاقة العموم والخصوص المطلق، إذ كل مناقصة هي مقاولة وليست كل مقاولة هي مناقصة، فالمقاولات أعم من المناقصات التي هي مقاولات خاصة.
توضيح لعقود المناقصات المعاصرة:
إن ما يجري في الخارج لعقود المناقصات قد يحتوي على عمليات متعددة يكون لفهمها الأثر الخاص في تشخيص الحكم الذي نحن بصدده، لذا من المستحسن أن نستعرض سير عملية المناقصة من أول ما يدعى إلى المشاركة فيها وحتى نهاية العقد فنقول:
١- إن أول ما يصدر منشوراً في الصحف الكثيرة الانتشار هو وجود عزم جهة معينة لتأسيس مشروع معين أو شراء سلع موصوفة، ولكن طريقة تمامية العقد تكون على طريقة المناقصة التي هي (التزام بالتعاقد مع أفضل من يتقدم بالتعاقد معه) ، ويذكر عادة في هذا المنشور الدعوة إلى الاشتراك في المناقصة وذكر آخر موعد لتسلم المظاريف التي فيها الاستعداد الكامل لتقبل الصفقة بسعر معين.
٢- قد يشترط لأجل الاشتراك في عملية المناقصة شراء المعلومات التي أعدتها الجهة الداعية إلى المناقصة حول المشروع وهنا لا بد لأجل الاشتراك في عملية المناقصة لمن يرغب بها من شراء تلك المعلومات، وهذا عقد مستقل قبل الاشتراك في المناقصة ولا ارتباط له بعقد المناقصة الذي لم تبدأ أي مرحلة من مراحله لحد الآن. وقد يشترط في هذا العقد تقديم خطاب ضمان ابتدائي يدفعه البنك إذا رست المعاملة على أحد المتناقصين ولم يلتزم بها.
٣- يبدأ عقد المناقصة من حين تسلم المظاريف وفتحها "وقد يكون من حين كتابة المظاريف"، وبما أن في كل مظروف استعداد صاحبه لتقبل المشروع بسعر معين، فهو يكون إيجاباً من قبل صاحبه للالتزام بما يريده صاحب الطلب "وفي حالة كون المناقصة علنية وعلى وجه المباشرة بين البائع أو المقاولين وبين الراغب في تمامية المشروع له، تكون المناداة بالاستعداد بسعر معين هي الإيجاب ". ولكن بما أن الداعي إلى المناقصة قد التزم بأنه يختار أفضل من يتقدمون للتعاقد معه، فحينئذٍ يكون بذل السلعة أو العمل بسعر أقل من الأول موجباً لسقوط الإيجاب الأول وبقاء الثاني، وهكذا إذا حصل من يبذل أقل من الثاني، إلا أن هذه المرحلة يبتدأ بها العقد ولكنه لم يتم إلا بعد إرساء المناقصة على أحد الأفراد وهو الأقل من غيره.
стр. 14635
١- وإذا رست المعاملة على أحد المتناقصين باعتباره الأفضل للتعاقد، فقد حصل القبول وتم العقد في هذه اللحظة وإن كان قد بدأ قبل ذلك. وفي هذه المرحلة لا يوجد أي إشكال في هذه المعاملة حيث يكون الثمن معلوماً للمشتري، كما لا بأس بالفاصل بين الإيجاب والقبول هنا كما لا نرى بأساً به فيما إذا حصل الإيجاب بواسطة الرسالة التي تستغرق مدة "أكثر من المدة التي تكون بين كتابة المظاريف وفتحها وإرساء المناقصة على أفضلها" غير قليلة حتى يتحقق القبول ويتم العقد.
ولكن قد يكون سبر المناقصة بصورة أخرى: خلاصتها " تقديم القبول على الإيجاب " كأن يقول الداعي إلى المناقصة "كما تقدم في تعريفها" أنا ألتزم باختيار أفضل من يتقدم للتعاقد معي حول هذا المشروع الموصوف بهذه الأوصاف المعينة، ويعتبر هذا قبولاً متقدماً على الإيجاب. وعلى هذا فسوف يكون فتح المظاريف والاطلاع على أقل من تقدم للتعاقد هو الإيجاب المقبول سابقاً.
وفرق هذه الصورة عن سابقتها هو في تحديد بدء العقد وانتهائه، ففي الصورة الأولى كان بدء العقد بكتابة المظاريف أو فتحها وانتهائه بالقبول مع أفضل من تقدم للتعاقد، أما في الصورة الثانية فيكون بدء العقد من حين الدعوة إلى المناقصة وختامها بفتح المظاريف ومعرفة أفضل من تقدم للتعاقد.
ولكن إشكال هذه الطريقة الثانية يكمن في عدم معرفة الثمن حين القبول المتقدم، حيث إن المشتري أو صاحب المشروع قد قبل أفضل من يتقدم للتعاقد معه، وهو لا يعرف الثمن الذي يكون في مقابل المشروع أو السلعة المشتراة، نعم يعرف الثمن حين تمامية العقد ومجيء الإيجاب، فهل هذا يضر بصحة العقد؟
الجواب: قد يقال بأن جهالة الثمن عند القبول المتقدم لا يضر بصحة العقد، حيث إن معلومية الثمن وكذا المثمن هي شرط لصحة العقد، وحينما يتم العقد يتضح الثمن، فلا جهالة بالثمن عند تمامية العقد، نعم هناك جهالة بالثمن قبل تمامية العقد وهي لا تضر.
وبعبارة أخرى: إذا قلنا: إن جهالة الثمن مضرة بحصة العقد؛ لأنها تؤدي إلى الضرر المنهي عنه، فإن الضرر غير موجود بعد تمامية العقد، حيث إن المشتري قد علم بالثمن حين رسو المعاملة.
ثم إننا إذا لم نقبل ما تقدم كتوجيه لصحة الصورة الثانية للمناقصات فنقول: إن القبول المتقدم إن لم يكن مقبولاً، فبعد فتح المظاريف ومعرفة أفضل من تقدم للتعاقد يحصل القبول من المشتري الآن، فيكون ابتداء العقد وانتهائه كالصورة الأولى وقد عرفنا أنه لا إشكال فيها.
٢- أنواع المناقصات: إن المناقصات التي توجد في الخارج يمكن أن تكون على أنواع متعددة:
الأول: مناقصات للبيع والشراء: فإن الجهة الداعية إلى عقد المناقصة تريد الشراء لما ترغب فيه بمواصفات معينة، والذي يبذل ما يريده المشتري يكون بائعاً. وهذا هو بيع الكليّ المضمون حالاً.
الثاني: مناقصات الاستصناع والسلم: حيث تعقد المناقصة لشراء الكلي الموصوف الذي يسلم بعد ستة أشهر مثلاً، فيتعاقد المشتري مع أفضل من يتقدم من الناحية المالية والالتزامية، فهي مناقصة سلم إذا كانت على سلعة لا بد من تحويلها بعد الأجل، ومناقصة استصناع إذا كان المراد تحويله عبارة عن شيء كونه العمل مع المواد الأولية التي يوفرها المستصنع.