د- تداول الوحدات الاستثمارية:
يمثل صك الوحدة الاستثمارية ملكية حصة شائعة في الصندوق أو الإصدار، وتستمر هذا لملكية طيلة مدتهما وتترتب عيها جميع الحقوق والتصرفات المقررة شرعاً للمالك في ملكه، من بيع وهبة ورهن وإرث وغيرها. (١)
فيحق للمشارك التصرف بالوحدة بالبيع ولكن عليه إعلام (مدير الصندوق أو الإصدار) وله أن يبيع بالقيمة المتراضى عليها بينه وبين المشتري سواء كانت مماثلة للقيمة الاسمية أو السوقية أو أكثر منهما أو أقل.
وقد أشار قرار المجمع إلى جواز تداول صكوك المقارضة بالضوابط الشرعية، وذلك وفقاً لظروف العرض والطلب ويخضع لإرادة الطرفين. (٢)
ولا بد من مراعاة الأحكام الخاصة بموجودات الصندوق في كل حين:
- فإذا كان التداول قبل المباشرة في العمل والمال لا يزال نقوداً فإنه تطبق عليه أحكام الصرف؛ لأنه مبادلة نقد بنقد. (ولهذا تمنع لوائح الصناديق التداول خلال الفترة التالية للاكتتاب، أو قبيل تاريخ التصفية) .
- وإذا أصبحت الموجودات ديوناً، تطبق على التداول أحكام تداول الديون.
- وإذا صارت الموجودات مختلطة من النقود والديون والأعيان والمنافع فإنه يجوز التداول وفقاً للسعر المتراضى عليه. ولو بالتفاضل بين الثمن وقيمة الحصة أو بتأجيل الثمن.
وقد اشترط قرار المجمع أن تكون الغلبة للأعيان والمنافع. في حين لم تشترطه جهات الفتوى كندوة البركة وغيرها، (٣) واكتفت بعدم اقتصار الموجودات على النقود والديون أخذاً بمبدأ التبعية. فتعتبر النقود والديون تابعة للأعيان والمنافع؛ لأن غرض الصندوق منصب عليها.
стр. 14562
هـ- ضمان رأس مال الصناديق والإصدارات:
من أحكام المضاربة –وكذا الوكالة - أن المضارب أو الوكيل لا يضمن ما بيده من الأموال المستثمرة إلا بالتقدير أو التقصير أو مخالفة الشروط التي تقيد بها.
فلا يجوز اشتراط ضمان رأس المال أو ضمان ربح مقطوع أو منسوب إلى رأس المال فإن وقع النص على ذلك صراحة أو ضمناً بطل شرط الضمان، واستحق المضارب ربح مضاربة المثل. (١)
ويجوز أن يتطوع المضارب بالضمان منفصلاً عن عقد المضاربة أي بعد تمام العقد، فلا يبنى دخول المشارك على وجود ذلك الضمان. وبذلك أفتى بعض فقهاء المالكية، (٢) كما يجوز أن يتبرع طرف ثالث بالضمان لرأس المال شريطة أن يكون الطرف الثالث منفصلاً في شخصيته مستقلاً في ذمته المالية عن طرفي العقد وبدون مقابل، على أن يكون التزاماً مستقلاً عن عقد المضاربة. بمعنى أن قيامه بالوفاء بالتزامه ليس شرطاً في نفاذ العقد وترتب أحكامه عليه بين أطرافه، ومن ثم فليس لحملة الصكوك أو العامل في المضاربة الدفع ببطلان المضاربة أو الامتناع عن الوفاء بالتزاماتهم بها بسبب عدم قيام المتبرع بالوفاء بما تبرع به بحجة أن هذا الالتزام كان محل اعتبار في العقد. (٣)
و كيفية حساب نفقات التأسيس ومن يتحملها:
إن تأسيس صندوق استثماري، أو إصدار استثماري يحتاج إلى تخطيط وتنظيم وهيكلة تمهيداً لطرح وحداته، وهذه المصروفات تسمى مصروفات أو نفقات التأسيس، وهي تصرف لمرة واحدة، وتشمل نفقات الترخيص والاستشارات ونحوها. وهي من التحضيرات اللازمة لقيام الصندوق أو الإصدار وتظهر آثارها الإيجابية في إنشائهما وعملهما وتؤثر في نفعها على جميع الأطراف؛ لأنها تمكن في النهاية من تحديد كيفية التعاقد وإطاره ومكانه وزمانه وموضوع النشاط وتنظيم العلاقات المختلفة بين الأطراف وبينها وبين الغير.
стр. 14563
وتحمل هذه المصروفات على الصندوق؛ لأن مآلها لصالحه، ولأجله، فهي إما أن يطالب بها المشاركون عند الاكتتاب، وإما أن تحسم من صافي الأرباح التي تتحقق بعدئذ قبل التوزيع فيتحمل أثرها كل من المضارب وأرباب الأموال؛ لأن حسمها من الأرباح يعود بالنقص على الطرفين بنسبة ربح كل منهما. ويكون تقديرها بما صرف فعلاً سواء كان لتغطية جهود الغير أو جهود المضارب نفسه، أي بأجر المثل. وعلى هذا جاءت إحدى فتاوى الحلقة الفقهية الأولى إذ نصت على أنه " يجوز أن تحمل مصروفات إنشاء وتسويق الصناديق والأوعية الاستثمارية على مال المضاربة إذا تضمنتها نشرة الإصدار وكانت مصاريف فعلية محددة بمبلغ معين أو بحد أقصى يذكر في النشرة، فإذا لم تتضمنها نشرة الإصدار كانت هذه المصروفات على المضارب". (١)
مطالبة المنضمين للصندوق لاحقاً بمعادل نفقة تأسيس أو فرق قيمة الوحدة وأين توضع؟
إن المنضمين للصندوق بعد تأسيسه إن كان انضمامهم بالشراء ممن سبقهم فإنهم بدفع القيمة السوقية للوحدة قد تحملوا نصيباً مما حققته أعمال التأسيس من زيادة تلك القيمة، وشراؤهم بهذا التخارج بمثابة حلول محل المالك السابق للوحدة، فلا مسوغ لتحميلهم ما يعادل نفقة التأسيس. أما من ينضم للصندوق بعد التأسيس بالاكتتاب بالوحدات ابتداء، مما يتم إصداره في طرح جديد، بعد أن تكون نفقات التأسيس قد تم تحميلها للمكتتبين في الطرح الأول للوحدات فإنهم يتحملون معادل نفقة التأسيس، أو فرق قيمة الوحدة ما بين القيمة الاسمية والقيمة السوقية، وذلك للتسوية بين المكتتبين الجدد والمكتتبين القدامى، وتوضع المبالغ المتحصلة من معادل نفقة التأسيس وفرق قيمة الوحدة في احتياطي الصندوق، وبذلك يعود نفعها على جميع المكتتبين في الصندوق. (٢)
توزيع المصروفات التشغيلية في الصناديق أو الإصدارات:
المصاريف التي تقتضيها الصناديق والإصدارات منها ما يقع عند التأسيس –وقد سبق الكلام عنها- ومنها ما يصرف خلال قيامها بأنشطتها، وفيما يلي بيانها بإيجاز:
من المقرر شرعاً أنه لا ربح إلا بعد استرداد رأس المال وتغطية المصارف، والأصل أن تحمل مصارف التشغيل على الوعاء الاستثماري (الصندوق أو الإصدار) فيكون عبئها على المشارك والمدير؛ لأنها تخرج من الأرباح فتنقص ما يصل إلى الطرفين من ربح وإذا لم يحصل ربح تحسم من رأس المال وهو شأن الخسارة. على أنه إذا كانت المصروفات متعلقة بالمضارب وذلك في كل عمل يجب عليه أن يقوم به فإنها تحمل حينئذ عليه في مقابل حصته من الربح، وهذه المصروفات هي التي تلزم لوضع الخطط ورسم السياسات واختيار مجالات الاستثمار واتخاذ القرارات الاستثمارية ومتابعة تنفيذها وحساب الأرباح والخسائر وتوزيعها، وتشمل مصروفات إدارات الاستثمار والأجهزة التي تعتمد قراراتها وإدارة المتابعة وإدارة المحاسبة. إلا إذا اقتضت طبيعة المضاربة الاستعانة بخبرات في المجالات السابقة التي تلزم المضارب والتي لم تكن متاحة في هيكله الوظيفي وقت الدخول في المضاربة فإن تكلفة هذه الخبرات تكون من وعاء المضاربة. (٣)
стр. 14564
ح- اقتطاع الاحتياطي في الصندوق:
الاحتياطي هو جزء من الأرباح، وإذا رضي المضارب والمشاركون في الصندوق بإرجاء توزيع جزء من الربح وتخصيصه لمواجهة مخاطر الاستثمار جاز ذلك. ويتحقق الرضا بالقبول باقتطاعه من خلال الموافقة على لوائح الصندوق، فإذا كان ذلك الاحتياطي لمواجهة حالات الانخفاض في الأرباح عن مستوى معين، جاز أن يقتطع من الربح الإجمالي، لاستفادة المضارب وأرباب المال منه. وإذا كان لحماية رأس المال فإنه يقتطع من حصة أرباب المال في الربح دون حصة المضارب؛ لأنه للوقاية من الخسارة وهي على أرباب المال وحدهم إن وقعت. وقد جاء في ذلك قرار المجمع بشأن سندات المقارضة كما جاء في فتاوى الحلقة الفقهية الثانية للبركة بالتفصيل السابق. (١)
ط- التقويم في الصناديق (التنضيض الحكمي) :
بما أن نشاط الصندوق يستمر سنوات وتمر عليه دورات زمنية متعددة نظراً للطابع الجماعي في المستثمرين والمخارجة بينهم فإن التنضيض الحكمي هو الملائم لهذه الطبيعة وقد اعتبر بديلاً صحيحاً عن التنضيض الفعلي الذي لا يقع إلا عند نهاية مدة الصندوق بالتصفية لموجوداته.
وقد جاء في قرار المجمع بشأن سندات المقارضة أن مقدار الربح يعرف إما بالتنضيض أو بالتقويم للمشروع بالنقد. كما اشترطت فتاوى الحلقة الفقهية الثانية للبركة أن يتم التقويم وفقاً للمعايير المحاسبية المتاحة.
ي- توزيع الأرباح والخسائر في الصناديق أو الإصدارات:
لا بد أن تشتمل لوائح الصندوق أو نشرة الإصدار على كيفية توزيع الأرباح بين المضارب والمشاركين، ويجب أن تكون النسبة معلومة شائعة دون تحديد مبلغ مقطوع لأحد الطرفين أو منسوب إلى مبلغ المشاركة (إلا إذا كانت إدارة الصندوق تتم بطريقة الوكالة فيحدد أجر الوكيل بمبلغ مقطوع أو بنسبة من مبلغ المشاركة) . والربح على ما يتفق عليه الطرفان بأي معادلة كانت ما دام لا يقطع المشاركة في الربح، وأما الخسارة فهي على أرباب المال بمقدار حصصهم في رأس المال.
وتوزيع الربح إما أن يكون نهائيًّا فيشترط له التقويم الحكمي على ما سبق وإما أن يكون تحت الحساب فيعاد النظر فيه، وغالباً ما يكون ذلك في المضارات التي فيها أصول تدر دخلاً. وإذا بِيعَ الأصل بعدئذ بأقل من ثمن شرائه فإن هذا النقصان يجبر من الموزع تحت الحساب، وقد نص على ذلك قرار المجمع في سندات المقارضة وجاء في إحدى فتاوى ندوات البركة والحلقة الفقهية الأولى للبركة. (٢)
стр. 14565
ومستند التوزيع طبقاً للتنضيض الحكمي (التقويم) هو أن الرجوع للقيمة هو مبدأ شرعي في كثير من التطبيقات وإن التقويم الدقيق يؤدي إلى معرفة الربح كما لو تمت التصفية. وأما في حالة التوزيع تحت الحساب فهو يستند إلى مبدأ جبر الخسارة بين مراحل المضاربة في حال عدم القسمة النهائية (المفاصلة) . (١)
ك- تسويق الوحدات الاستثمارية في الصناديق أو الإصدارات:
إن الجهة المنشئة للصندوق أو الإصدار لكي توسع من دائرة تداول الوحدات الاستثمارية تستعين ببعض المؤسسات المالية للإسهام معها في تسويق تلك الوحدات، مما يؤدي إلى إبراز ورقة مالية إسلامية فيها إمكانية السيولة، بالإضافة إلى الربح والأمان. حيث تتولى تلك المؤسسات البحث عن الراغبين في استثمار أموالهم في الوحدات المطروحة من خلال عدة مهام تقوم بها في هذا المجال، بصفتها وكيلة عن الجهة المنشئة للصندوق أو الإصدار بعمولة ومتفق عليها هي أجر الوكالة. وهذه العمولة تحمل على الصندوق أو الإصدار باعتبارها من المصاريف المتعلقة بالمضاربة. وقد جاء النص على ذلك في الحلقة الفقهية الأولى للبركة. (٢)
ل- إيجاد العمليات للصندوق أو الإصدار:
بالإضافة إلى الفرص الاستثمارية التي تعرض مباشرة على الجهة المنشئة للصندوق أو الإصدار فإنها تشجع بقية المؤسسات المالية على البحث عن عمليات مناسبة لإصدارها في صناديق استثمارية وطرحها للاكتتاب العام. وفي الغالب لا تنشأ العلاقة من تعاقد متزامن، بل من خلال إيجاب موجه إلى المؤسسات المالية للبحث عن عمليات استثمارية تتمثل في رغبات مستثمرين في شراء أو استئجار معدات أو غير ذلك من الصيغ الاستثمارية المشروعة، وتنطبق مواصفاتها مع الشروط المعلنة بشأن المبالغ والمدد والربح المتوقع والضمانات.
هذا، وإن الإيجاب الموجه هو شطر من عقد جعالة يكتمل بإنجاز المؤسسة المالية العمل المستهدف منها وعقد الجعالة هي اتفاق على إنجاز عمل مجهول لكنه مربوط بالنتيجة لقاء أجر معلوم، وهو مما أخذ به جمهور الفقهاء خلافاً للحنفية. (٣)
ومن الجدير بالبيان أن تمكين الجهة المنشئة للصندوق أو الإصدار من الانتفاع بالعملية المعروضة مشروط بأن لا يكون محلها ديوناً فقط، كالمرابحات بعد إبرامها، ولكن من قبيل السلم الموازي والاستصناع الموازي، والتأجير (بامتلاك العين المؤجرة) . (٤) كما يمكن تسويغ ذلك كله إذا سبق توكيل المؤسسة المالية العارضة للعملية ليكون تصرفها واقعاً منذ البداية لصالح الجهة المعروض عليها.
стр. 14566
م- التعهد بتغطية كامل رأس المال في الصناديق:
من المتبع عند إنشاء أو إصدار رغبة الجهة المنشئة في تأسيسها في وقت محدد وإدارتهما طبقاً للشروط المبينة في نشرة الاكتتاب، من أجل هذا تسعى إلى تأمين تغطية كاملة لرأس مال الصندوق أو الإصدار من قبل مؤسسة مالية أخرى مستعدة لذلك التعهد الذي يتطلب منها توفير السيولة وتستهدف منه الحصول على نصيب من الربح أو على أجر معين.
وبما أن التعهد الذي هو بمثابة ضمان لا يجوز تقاضي عمولة عنه فإن تنفيذ ذلك يتم من خلال عملية بيع من الجهة المنشئة للصندوق أو الإصدار لمكانتهما المشتملة على أعيان ومنافع وذلك بسعر أقل من القيمة الاسمية لتحقيق ربح للجهة المتعهدة بالتغطية، وبعد التملك من تلك الجهة تقوم توكيل الجهة المنشئة للصندوق أو الإصدار بالبيع والتسويق ولا يقع في هذه العملية أي اشتراط لعقد في عقد، وإنما تجري خطواتها تبعاً لتفاهم وإجراءات معهودة، فهناك عقد بيع تام ثم توكيل مستقل بإصدار سلة العمليات في صندوق استثماري وطرحه للاكتتاب العام وتسويقه بالسعر الاسمي. (١)
ن- أحكام التخارج في الصناديق أو الإصدارات:
التخارج: خروج الشريك عن ملكه إلى صاحبه بالبيع، والأصل فيه تصالح الورثة على إخراج بعضهم بشيء معلوم، أو إخراج الموصى له بشيء من التركة. ويختلف عن الصلح الذي هو أعم لشموله المصالحة في الميراث وغيره، كما يختلف عن القسمة التي يقع فيها أخذ جزء من المال المشترك نفسه في حين أن التخارج يؤخذ في شيء معلوم من التركة أو غيرها.
والتخارج مشروع؛ لأنه من قبيل الصلح، ويعتبر عقد بيع إن كان البدل المصالح عليه شيئاً من غير التركة، ويعتبر عقد قسمة ومبادلة إن كان البدل المصالح عليه من مال التركة، ويعتبر عقد هبة وإسقاطاً للبعض إن كان البدل المصالح عليه أقل من النصيب المستحق. ويصح التخارج لو كان محله مجهولاً عند الحنابلة، وكذلك الحنفية فيما لا يحتاج إلى قبض. لكن لا بد أن يكون البدل متقوماً معلوماً منتفعاً به مقدوراً على تسليمه، ويجب التقابض في المجلس فيما يعتبر صرفاً، كالتخارج عن أحد النقدين بالآخر، كما تراعى أحكام بيع الدين إذا كان للتركة دين على الغير. (٢)
стр. 14567
ومن هذه البيانات الأساسية عن التخارج يعرف أن مؤداه بيع المشارك حصته المتمثلة في عدد من الوحدات الاستثمارية إلى آخر سواء كان مشاركاً في الصندوق أو الإصدار أو من غير المشاركين. وقد نظمت أحكام التخارج من الصناديق والإصدارات عدة فتاوى في الحلقات الفقهية للبركة يجزئ الاكتفاء بها بالإضافة إلى ما جاء في قرار المجمع بشأن المقارضة الذي سبقت الإشارة إليه. (١)
ففي الحلقة الأولى، الفتوى (٥) : يجوز شرعاً خروج صاحب حصة في صندوق استثماري، بالقيمة التي يعرضها الصندوق ويقبلها الخارج بصرف النظر عن الطريقة المحاسبية التي يصل إليها الصندوق في تقييم هذه الجهة.
وفي الحلقة الثالثة، الفتوى (٢) : يجوز تخارج أحد العملاء أو أحد المصارف في التمويل المصرفي المجمع قبل تصفية العمليات بالقيمة التي يتفق عليها، إذا كانت النقود والديون قليلة بحيث تعتبر تابعة للأصول، وأما إذا كانت النقود والديون كثيرة بحيث لا تعتبر تابعة للأصول فلا يجوز التخارج إلا بمراعاة أحكام الصرف وأحكام بيع الديون.
وفي الحلقة الرابعة، الفتوى (٨) : التخارج عبارة عن بيع حصة في أعيان مشتركة بالشيوع على سبيل التسامح في تكافؤ المبيع مع الثمن، وهو من قبيل الصلح، ومع أن الأصل تطبيقه في التركات فإن الحاجة تدعو إلى تطبيقه في الشركات، فيجوز التخارج بين الشركاء في الحسابات الاستثمارية أو الصناديق مع مراعاة الضوابط الشرعية المطلوبة في بيع النقود والديون، فإذا كانت الحصة المتخارج عنها تمثل أعياناً مع النقود والديون جاز التخارج عنها بأي بدل ولو بالأجل. (٢)
س- أحكام الاسترداد أو التعهد بإعادة الشراء في الصناديق والإصدارات:
تقوم الجهة المنشئة للصندوق أو الإصدار عند طرحها للوحدات الاستثمارية بالتعهد بإعادة شرائها عند الطلب بالسعر الذي تقومها به في مواعيد دورية معينة، ويسمى هذا التعهد (الاسترداد) لما فيه من رد الوحدة إلى مصدرها وقد يحصل التعهد عن طريق مؤسسات مالية أخرى، وفي كلتا الحالتين يتطلب الاسترداد والتعهد بإعادة الشراء توفير السيولة عند الطلب مما يقتضي الحصول على ربح من العملية. كما أن هذا التعهد ملزم لمن صدر عنه طيلة الوقت المحدد له، أي خلال مدة الصندوق، وقد تحفُّ به شروط وضوابط لتحديد الظروف الملائمة له ورسم الأولويات عند زيادة الطلب على الاسترداد.
وقد أقر المجمع قيام الجهة المصدرة في فترات دورية معينة بإعلان أو إيجاب موجه إلى الجمهور تلتزم بمقتضاه خلال مدة محددة بشراء الصكوك بسعر معين مع الاستعانة في تحديد السعر بأهل الخبرة وفقاً لظروف السوق والمركز المالي، كما أقر الالتزام بهذا من غير الجهة المصدرة. وجاء في فتاوى ندوة البركة الثانية نحو هذا.
ولا مانع من وقوع الشراء بالقيمة السوقية وكذا الاسمية من غير أن يلتزم بها إذا كان التعهد من الجهة المصدرة، لئلا يترتب عليه ضمان الأصل مع الحصول على الربح، أما إن كان من جهة أخرى فيسوغ التعهد بالشراء بالقيمة الاسمية؛ لأنه من ضمان الطرف الثالث. (٣)
الدكتور عبد الستار أبو غدة
стр. 14568
أهم مراجع البحث
أولاً- من المراجع المتخصصة في الموضوع:
- أدوات الاستثمار في أسواق رأس المال، د. منير إبراهيم هندي، نشر المعهد العربي للدراسات المالية والمصرفية ١٩٩٣.
- صناديق الاستثمار الإسلامية، إعداد عز الدين خوجه، مراجعة د. عبد الستار أبو غدة، نشر مجموعة دلة البركة ١٩٩٣.
- الادخار والاستثمار، بيار وماري براديل، ترجمة نهاد رضا. ط. الأنوار بدمشق ١٩٦٦.
- الاستثمار والتمويل، د. سيد الهواري، نشر مكتبة عين شمس ١٩٨٢.
- الاستثمار الناجح في الأسهم، د. عيد مسعود الجهني.
- منهج الادخار والاستثمار في الاقتصاد الإسلامي د. رفعت السيد العوضي، نشر الاتحاد الدولي للبنوك الإسلامية ١٩٨٠.
- عمل شركات الاستثمار الإسلامية في السوق العالمية د. أحمد محيي الدين، نشر بنك البركة الإسلامية للاستثمار – البحرين ١٩٨٦.
- الأسهم والسندات من منظور إسلامي، د. عبد العزيز الخياط، نشر دار السلام بالقاهرة ١٩٨٩.
- الموسوعة العلمية والعملية للبنوك الإسلامية ج ٦ (الاستثمار) د. سيد الهواري، نشر الاتحاد الدولي للبنوك الإسلامية ١٩٨٢.
- دليل المصطلحات الفقهية الاقتصادية، بيت التمويل الكويتي ١٩٩٢.
- أدوات الاستثمار الإسلامي، إعداد عز الدين خوجة، مراجعة د. عبد الستار أبو غدة نشر مجموعة دلة البركة، ١٩٩٢.
- الأجوبة الشرعية في التطبيقات المصرفية ١-٢، د. عبد الستار أبو غدة، نشر مجموعة دلة البركة ١٩٩٢- ١٩٩٣.
- الفتاوى الشرعية في الاقتصاد، لندوات وحلقات البركة، نشر مجموعة دلة البركة ١٩٩٥.
- دليل زكاة المشاركات في الصناديق والإصدارات، إعداد عز الدين خوجة، مراجعة د. عبد الستار أبو غدة، نشر مجموعة دلة البركة ١٩٩٥ م.
- النشاط الاقتصادي في ضوء الشريعة. د. غريب الجمال، نشر دار الأمانة.
- الاستثمارات المالية الإسلامية، علي البدري أحمد الشرقاوي.
- أساسيات العمل المصرفي، الواقع والآفاق، د. عبد الحميد البعلي، ١٩٩٠.
- المدخل لفقه البنوك الإسلامية، د. عبد الحميد البعلي، نشر المعهد الدولي للبنوك والاقتصاد الإسلامي ١٩٨٣.
- ضوابط الإنتاج في الإسلام، د. عرفة المتولي سند، مجلة الدراسات، مركز صالح كامل بجامعة الأزهر.
- الأنشطة المصرفية وكمالها في السنة النبوية، د. حسن العناني.
- معجم مصطلحات الفقهاء، د. نزيه حماد، نشر المعهد العالمي للفكر الإسلامي ١٩٩٢.
ثانياً- من المراجع الفقهية العامة:
- الموسوعة الفقهية، نشر وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية - الكويت.
- موسوعة الفقه الإسلامي وأدلته، د. وهبة الزحيلي. نشر دار الفكر.
- حاشية ابن عابدين.
- بداية المجتهد، لابن رشد (الحفيد) .
- بدائع الصنائع، للكاساني.
- المغني، لابن قدامة.
- شرح منتهى الإرادات، للبهوتي.
- مغني المحتاج، للخطيب الشربيني.
- نهاية المحتاج، للرملي.
- المدونة، لسحنون.
- الشرح الصغير للدردير وحاشية الصاوي.
- المهذب، للشيرازي.
- الأموال، لأبي عبيد.
- إعداد المهج شرح المنهج (منظومة الزقاق) .
- المجموع شرح المهذب، وتكملته.
- القوانين الفقهية، لابن جزي.
- المبسوط للسرخسي.
- غاية المنتهى.
- الدسوقي علي الدردير شرح مختصر خليل.
ثالثاً – من المراجع الأخرى:
- تفسير الكشاف، وتفسير القرطبي.
- جمع الفوائد في الجمع بين جامع الأصول ومجمع الزوائد للروداني.
- لسان العرب، والمعجم الوسيط، وقاموس المورد، دار العلم للملايين ١٩٧٠.
стр. 14569
المناقشة
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الاستثمار في الأسهم والوحدات الاستثمارية
الرئيس:
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
موضوع هذه الجلسة المسائية المباركة –بإذن الله تعالى- هو الموضوع الرابع (الاستثمار في الأسهم والوحدات الاستثمارية) ، والعارض هو فضيلة الشيخ علي محيي الدين القره داغي، والمقرر هو الأستاذ منذر قحف.
الدكتور علي محيي الدين القره داغي:
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين. وعلى آله وصحبه، ومن اتبع هداه إلى يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم،
اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، واجعلنا من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه، واجعل يومنا هذا خيراً من أمسنا، وغدنا خيراً من يومنا، واقبلنا في عبادك المخلصين يا رب العالمين.
أيها الأستاذة الأجلاء، أحييكم بتحية الإسلام فسلام الله عليكم ورحمته وبركاته.
موضوعنا في هذه الجلسة موضوع اقتصادي معاصر حديث، ألا وهو موضوع (الاستثمار في الأسهم والوحدات الاستثمارية) ، والبحوث المقدمة ثلاثة بحوث لثلاثة باحثين هم:
فضيلة الدكتور عبد الستار أبو غدة، وسعادة الدكتور منذر قحف، والفقير إلى الله – علي القره داغي. وأنا ألخص هذه البحوث الثلاثة وما يتضمنها من آراء بكل دقة وأمانة –إن شاء الله- ثم نعرض الأمر على المجمع الموقر ليرى فيه الأصلح والأنسب الذي لا يتعارض مع كتاب الله وسنة رسوله ﷺ .
تناولت البحوث الثلاثة تعريف الاستثمار وهو استخدام الأموال في الإنتاج إما مباشرة بشراء الآلات والمواد الأولية، وإما بطريق غير مباشر كشراء الأسهم والسندات.
وقد توسع الأستاذ الدكتور عبد الستار أبو غدة في تعريف الاستثمار فذكر الاستخدامات المختلفة لمفهوم الاستثمار منها: الاستثمار بمعنى توظيف للنقود لأي أجل أو لأجل طويل نسبيًّا، أو في أوراق مالية ومنها الاستثمار بمعنى الإنفاق الرأسمالي وغير ذلك. كما قام الأخ الدكتور منذر قحف بتعريف الادخار –أيضاً- فقال: إن الادخار هو عزل جزء من الدخل عن الاستهلاك، أو هو امتناع عن الاستهلاك.
стр. 14570
وقد تطرق بحثي مع بحث فضيلة الدكتور عبد الستار إلى حكم الاستثمار التكليفي ولكنهما اختلفا. فذهب الدكتور عبد الستار إلى أن الاستثمار يكون واجباً إذا كان هو الوسيلة لنمو ماله للوفاء بحاجة الإنسان ومن يعيلهم، وأما الاستثمار بمعناه العرفي الشائع –أي تنمية المال - حكمه الإباحة عنده أو الندب. في حين ذهبت إلى اختيار القول: بأن الاستثمار في مجموعه واجب، أو بعبارة الفقهاء إنه من فروض الكفايات، فقد لاحظت متطلبات الأمة أيضاً مع الفرد كما لاحظ فضيلة الدكتور متطلبات الفرد فقط. ومعنى كلامي: أن وجوب الاستثمار ليس متعيناً في حد ذاته إلا إذا كان هو الوسيلة للوفاء بقضاء حاجياته والتزاماته؛ وذلك لأن النصوص الشرعية من الكتاب والسنة تدل على أهمية المال وتقديمه على الأنفس في أكثر من آية، وجعلت هذه النصوص المال قياماً للمجتمع ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا﴾ [النساء: ٥] ، والقيام كما يقول اللغويون أي أن الأمة لا تقوم إلا بالمال ولا تنهض ولا تتحرك إلا بالمال، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، كما أن قوله تعالى في هذه الآية: ﴿وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا﴾ [النساء: ٥] حيث استعمل لفظ (فيها) ولم يقل (منها) يدل بوضوح –كما قال بعض المفسرين – على وجوب الاستثمار، حيث يدل على أن تكون نفقة هؤلاء في هذه الأموال في الأرباح المحصلة من الاستثمار وليست من رؤوس الأموال نفسها.
قال الإمام الرازي: اعلم أنه تعالى أمر المكلفين في مواضع من كتابه بحفظ الأموال وذكر مجموعة من الآيات، ثم قال: والعقل يؤيد ذلك؛ لأن الإنسان ما لم يكن فارغ البال لا يمكنه القيام بتحصيل مصالح الدنيا والآخرة، ولا يكون فارغ البال إلا بواسطة المال. ثم قال: وإنما قال: (فيها) ولم يقل: (منها) لئلا يكون ذلك أمراً بأن يجعلوا أموالهم رزقاً لهم، بل أمرهم أن يجعلوا أموالهم مكانًا لرزقهم بأن يتحروا فيها ويثمروها فيجعلوا أرزاقهم من الأرباح، لا من أصول الأموال. انتهى كلام الإمام الرازي.
ويدل على ذلك الحديث الثابت الذي رواه الشافعي وغيره أن رسول الله ﷺ قال: ((ابتغوا في مال اليتيم)) وفي رواية: ((في أموال اليتامى)) – ((لا تذهبها)) - وفي رواية أخرى ((لا تستهلكها الصدقة)) قال البيهقي والنووي: إسناده صحيح ولكنه مرسل معضد بعموم النصوص الأخرى، وكذلك بما صح عن الصحابة من إيجاب الزكاة في مال اليتيم. ورواه الطبراني بسند متصل عن أنس بلفظ: ((اتجروا في أموال اليتامى لا تأكلها الزكاة)) ، قال الهيثمي في مجمع الزوائد: قال شيخي وسندي الحافظ العراقي: إن إسناده صحيح.
стр. 14571
إضافة إلى آيات وأحاديث أخرى ذكرتها في البحث. كما يدل على الوجوب الكفائي قوله تعالى: ﴿كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ﴾ [الحشر: ٧] . في حين أن فضيلة الدكتور عبد الستار أبو غدة رد على بعض أدلة الوجوب كما هو في البحث.
ثم تناولت البحوث الثلاثة المعالم والضوابط الأساسية للمنهج الإسلامي في الاستثمار. فذكر فضيلة الدكتور قحف المنهج الإسلامي في الاستثمار مبيناً أن الإسلام إذ يشجع على الاستثمار ويؤكد على التربية الروحية والنفسية والأخلاقية التي تزيد في كفاءة الإنسان وقدرته الإنتاجية فلا يكون كلًّا عاجزاً بل يضع ضوابط للاستثمار حيث يحرم الاستثمار في إنتاج الخبائث، كما يحرم استعمال الأساليب المحرمة كالرشوة والكذب والغش، إضافة إلى حرمة الإسراف والإتلاف وإضاعة الموارد، كما أن المنهج الإسلامي في الاستثمار بعيد عن العبث، كما أنه مرتبط بالآثار الجانبية للاستثمار.
وأما بحث فضيلة الدكتور عبد الستار، وكذلك بحثي، فقد ذكرا الضوابط من حيث إن منهج الاستثمار مرتبط بالجانب العقدي، أي أن هنالك التزاماً عقائديًّا لا ينفصل عنه الاستثمار، حيث إن العقيدة الإسلامية هي المهيمنة على الفكر الاقتصادي الإسلامي، وفي منهج الاستثمار وفي أدواته ووسائله وآلياته. فالمسلم يعتقد أن المال مال الله، وأنه مستخلف فيه، ولذلك عليه أن يسير على ضوء منهج الله تعالى في تعمير الكون، فقال تعالى: ﴿وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ﴾ [هود: ٦١] ، حيث طالبهم بالعبادة لله وتوحيده توحيداً مطلقاً في:
أولاً: بين أن الذي أمرهم بالوحدانية هو الذي أمرهم باستعمار الأرض وتعميرها وهو ذلك الإله الواحد القهار، ثم طلب منهم الاستغفار والتوبة إليه. ولأجل هذا الربط العقائدي يجيب الله – في مسألة الربا بهذا الجواب فيقول: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥] ، فربط الله – المسألة بتحليل الله – وتحريمه، ولم يبين الفرق بين البيع وبين الربا رغم أن الفرق واضح جدًّا وإنما أسند الأمر إلى الله ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥] فمن كان مؤمناً يحل البيع ويحرم الربا مهما كانت الظروف وكيف كانت هناك تظهر مصالح موهومة عند بعض الناس. فربط المسألة إذن ربطاً عقائديًّا محكماً، ولأجل هذه العقيدة يتيقن المؤمن أن الربا الذي في ظاهره الزيادة أنه محق للبركة، وأن الصدقة التي هي نقص أنها زيادة، ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾ هذا هو المعلم الأول الأساسي لمنهج الإسلام في الاستثمار.
ثانياً: ومن أهم معالم المنهج الإسلامي في الاستثمار قيامه على القيم والأخلاق والمبادئ من العدالة وعدم الظلم والغش والكذب ونحوها. ومن معالمه أيضاً قيامه على التنافس الشريف وإتاحة الفرصة للجميع لكن مع حماية الضعفاء بإعطائهم حق الخيار، ولذلك كانت حماية السوق منوطة بسلطة شعبية تتمثل في نظام الحسبة والرقابة الذاتية والشعبية. أيضاً، ومن هذه المعالم ضبط الصراع الاجتماعي وكذلك تحقيق التنمية وتوجيه وتخطيط الاستثمار من خلال عدة وسائل معينة.
стр. 14572
وبعد هذه المقدمات الممهدات دخلت البحوث الثلاثة في عالم الأسواق المالية، كل بطريقته، حيث إن الاستثمار في الأسواق المالية يتم عن طريق شراء وبيع أوراق وحقوق مالية، ويكون العائد فيها ناشئاً إما عن ارتفاع سعر الورقة أو الحق في السوق، وإما عن ما يترتب على تملكها من إيرادات. وأما الخسارة فهي كذلك بسبب هبوط السعر أو خسارة الشركة نفسها. وأما أنواع الأوراق والحقوق المتداولة فهي كثيرة فمنها: الأسهم والسندات، وحصص صناديق الاستثمار المتخصصة، وصكوك العقارات المؤجرة، إضافة إلى الأوراق التي تمثل حقوقاً مالية محددة مثل شهادة حق شراء السهم، والاختيارات، وأسهم التمتع، وكذلك أوراق تمثل مديونية محضة مثل سندات الحكومة والشركات وسندات الخدمات وغيرها. وقد توسع سعادة الدكتور منذر في هذه المجالات بينما انحصر بحثي وبحث فضيلة الدكتور عبد الستار على موضوع الأسهم والوحدات الاستثمارية. وموضوع البحث هو الاستثمار في الأسهم والوحدات الاستثمارية.
أما الأسهم فهي جمع سهم، وهو صك يمثل جزءاً من رأس مال الشركة يزيد وينقص تبع رواجها، أو هو نصيب المساهم في شركة الأموال. وقد ذكرت البحوث الثلاثة التفاصيل حول مميزات الأسهم، وخصائصها، وأنواعها، من سهم نقدي وسهم عينين، والسهم الممتاز، وغير ذلك لا نذكرها حيث إن أساس البحث ليس في هذه الموضوعات.
كما أن بحث الدكتور علي القره داغي أثار بعض الملاحظات من المانعين لفكرة الأسهم مطلقاً لا داعي لذكرها أيضاً بعد صدور قرار مجمعنا الموقر في دورته السابعة بإباحة الشركات المساهمة من حيث المبدأ؛ لأن موضوع البحث أيضاً في الاستثمار في الأسهم وكيفية الاستثمار فيها، وفي الاستثمار في الوحدات الاستثمارية. وقد ذكر بحث الدكتور منذر قحف –حفظه الله- كيفية الاستثمار في الأوراق المالية والوحدات الاستثمارية، في حين اقتصر بحث فضيلة الدكتور عبد الستار أبو غدة، وعلي القرة داغي على كيفية الاستثمار في الأسهم والوحدات الاستثمارية. وأما كيفية الاستثمار في الأسهم فتتم عن طريق شرائها من خلال الأسواق أو غيرها، ثم التربص انتظاراً للحصول على عوائدها وارتفاع أسعارها لبيعها بالسعر الأعلى. فشراء الأسهم قد يكون لأجل الحصول على الربح الموزع على المساهمين، وقد يكون للحصول على فرق الأسعار، بل الاستثمار في الأسهم يستهدف إلى تحقيق هدفين معاً هما: الزيادة من خلال الدورة الناتجة من نشاط الشركة، وكذلك الارتفاع في قيمة الأسهم السوقية.
стр. 14573
ومما أكد عليه بعض البحوث أن الأسهم إذا كانت تمثل النقود أو أن الشركة لم تبدأ بالعمل لا بد أن تطبق عليها قواعد التصرف المعروفة. وذكر الدكتور منذر أنه في أسهم الصناديق التبادلية والصناديق الاستثمارية المغلقة التي يتم تداولها في الأسواق يكون الاسترباح بارتفاع سعر السهم فقط؛ لأن هذه الصناديق لا توزع أرباحاً وإنما ترتفع قيمة السهم لارتفاع قيمة محفظتها، وتنخفض بانخفاضها. وقد ذكر الدكتور منذر في القسم الثالث القضايا الشرعية التي يثيرها الاستثمار فذكر قرارات وفتاوى بهذا الصدد.
ثم الاستثمار في الأسهم كما أنه قد يكون عن طريق الشركات نفسها وقد يكون عن طريق الأسواق بما فيها من بيع آجل وعاجل واختيارات ونحوها، وقد صدرت في ذلك قرارات طيبة من مجمعنا الموقر لذلك نذكر أهم هذه القرارات المتعلقة بموضوع الاستثمار ومتعلقاته للتذكير.
فمن هذه الفتاوى في الزيادة أو الفائدة مقابل تأجيل دين حل –أو على القرض - منذ بداية العقد ربا محرم شرعاً. كذلك ذكرت هذه القرارات وجوب الزكاة في الأسهم على أصحابها، وتحدثت هذه القرارات الصادرة من مجمعنا الموقر أن أسهم المقارضة جائزة بشروطها الشرعية التي ذكرها قرار المجمع قرار رقم ٥، دورة المؤتمر الرابع، وهو: يجوز تداول أسهم المقارضة إذا غلبت الأعيان والمنافع على مال القراض فإن غلبت النقود أو الديون كان التداول حسب الأحكام الشرعية التي تراعي الشروط الشرعية لتداول النقود أو الديون.
لا يجوز ضمان المضارب لرأس مال المضاربة أو ربحه.
تأسيس شركة مساهمة ذات أغراض وأنشطة مشروعة وذات مسؤولية محددة أمر جائز، ويحرم الإسهام في شركات غرضها الأساسي محرم والأصل حرمة الإسهام في شركات تتعامل أحياناً بالمحرمات كالربا، بالرغم من أن أنشطتها الأساسية مشروعة.
لا مانع شرعاً من إصدار أسهم للحامل وتداولها.
لا يجوز إصدار أسهم ممتازة لها خصائص مالية تؤدي إلى ضمان رأس المال أو ضمان قدر من الربح أو تقديمها عند التصفية أو عند توزيع الأرباح، ويجوز إعطاء بعض الأسهم خصائص تتعلق بالأمور الإجرائية أو الإدارية.
أيضاً قرار آخر: يجوز بيع السهم أو رهنه بشروطه.
стр. 14574
قرار آخر: عقود الاختيارات غير جائزة؛ لأن المعقود عليه ليس مالاً ولا منفعة ولا حقًّا ماليًّا يجوز الاعتياض عنه. إن حسم الأوراق التجارية غير جائزة شرعاً؛ لأنه يؤول إلى ربا النسيئة المحرم.
بعض هذه القرارات الصادرة بخصوص الأسهم موضوع بحثناه ثم إن المنهج الإسلامي في الاستثمار هو أن يكون الاستثمار بقصد الاسترباح من إنتاج الطيبات والمنافع، ولذلك لا مكان للمجازفات والمقامرة في الاستثمار الإسلامي كما يحدث في البورصة الحالية من اختيارات وعقود مستقبلية تباع العقود نفسها حتى صار الوهم –كما يقول الدكتور منذر – هو العامل الرئيسي في تغييرات أسعار الأسهم، حيث تربح أو تخسر آلاف الملايين في ساعات قلائل، كما صارت الكميات التي يتم بيعها وشراؤها في سوق الأسهم يوميًّا تفوق في أحيان كثيرة أعداد الأسهم التي تشكل رساميل الشركات المسجلة في البورصة. فلا شك –أيها الإخوة الأجلاء- أن هذه المجازفات على أسعار الأسهم لا تتفق مع المنهج الإسلامي في الاستثمار، وبالتالي لا بد من وضع قيود على أسواق الأسهم إذا أجزنا الاستثمار في الأسهم في الأسواق حيث تقتصر المبايعات على الجدية والمعاملة الحقيقية، وذلك من خلال فرض قيود على البيع مثل اشتراط التسجيل ونحوه وتقليل حجم الائتمان الذي ينصرف لتمويل شراء الأسهم، وعدم السماح بإعطاء أسعار للأسهم في السوق إلا بصورة دورية عقب نشر البيانات المالية الدورية عن الشركة، وغير ذلك من الإجراءات التي تهدف إلى اقتصار التعامل على الراغبين بالدخول في ذلك الميدان من ميادين إنتاج الطيبات والمنافع أو الخروج منها.
وبعد ذلك ننتقل إلى موضوع يعتبر موضوعاً في غاية من الأهمية وهو حكم الاستثمار في أسهم الشركات مع ملاحظة أنشطتها. يكاد يكون من المتفق عليه من الجميع اليوم أنه تجوز المساهمة في الشركات التي يكون نشاطها حلالاً وينص نظامها الأساسي على الالتزام بأحكام الشريعة الغراء كما هو الشأن في البنوك الإسلامية، أو أن هذه الشركات حصل التوافق بين تصرفاتها وبين قواعد الشريعة ولم يصدر منها مخالفات معروفة وإن لم يكن هناك نص في نظامها الأساسي. فالاتجار أو المساهمة أو الاستثمار في أسهم هذه الشركات من المتفق عليه أن الاستثمار فيها جائز. وكذلك من المتفق عليه أنه يحرم الإسهام في شركات غرضها الأساسي محرم كالبنوك الربوية والشركات التي يكون نشاطها التعامل بالمحرمات كالخنزير والخمر ونحوهما. وبهذين الأمرين صدر قرار من مجمع الفقه الموقر كما تلوته على مسامعكم الكريمة قبل قليل.
стр. 14575
ولكن الذي ثار فيه الخلاف الكبير هو المساهمة في الشركات التي غرضها الأساسي حلال، ومعظم موجوداتها حلال، ولكن في موجوداتها ما هو حرام، أو أنها قد تودع أو تقترض بالربا مع أن النشاط الجزئي المحرم ليس هدف الشركة، فما الحكم في الاستثمار في أسهمها بالبيع والراء والمساهمة؟ ففي الواقع أن بحث الدكتور منذر اكتفى بإثارة عدة أسئلة مهمة ثم ألقى بالكرة في مرمى الفقهاء وفي مرمى المجمع ليجيب عنها المجمع الموقر، ولأهمية أسئلته نذكر بعضها وهي: هل لنية المستثمر من تأثير في الحكم الشرعي؟ وهنا يمكن النظر إلى عدد من الحالات منها:
أ- أن يشتري أسهماً في شركة تتعامل بالربا بنية تحويلها إلى مؤسسة إسلامية لا تتعامل بالحرام مطلقاً مع القدرة على ذلك عند المساهمة، أو مع توقع القدرة على ذلك بعد مرور وقت معين، أو بدون توقع القدرة على التحويل مع بقاء نيته.
ب- أن يساهم في شركة نشاطها الأساسي من المباحات، ولكنه يختلط بالحرام لأسباب اجتماعية أو اقتصادية أو قانونية أحياناً، نحو إنشاء مسابح أو دور للرياضة في بلد لا يسمح بفصل النساء عن الرجال، أو أن الفصل يؤدي إلى فشل المشروع من الناحية الاقتصادية. وذلك بقصد التعرف على هذا الفن ومعرفة هذه الصناعة من أجل إقامة مثيل لها يخلو من الحرام، ونحو ذلك أن ينتج أفلاماً سينمائية فيها بعض المناظر والأفكار المحرمة بقصد تعلم هذه المهنة ومعرفة خباياها من أجل إنتاج أفلام سينمائية ليس فيها من المحرمات شيء.
ج- أن يساهم في شركة نشاطها الأساسي مباح ولكنه يختلط بالحرام من أجل مخاطبة جمهور من المستهلكين بقصد دعوتهم إلى الإسلام مثل الإذاعة التي تذيع بعض البرامج الفاسدة بقصد إسماع من يتعشقون هذه البرامج شيئاً من النصح والموعظة الحسنة للتدرج بهم على طريق الخير.
هل لظروف الاستثمار من تأثير في الحكم الشرعي؟ هنا أيضاً يمكن تمييز عدد من الحالات:
أ- استثمار الأموال السائلة لدى الفرد المسلم أو المؤسسة الإسلامية لفترة قصيرة من الزمن دون قصد المساهمة في الشركة أو إدارتها لوقت طويل، فالمسلم لا يستطيع استعمال الأموال السائلة المتوافرة لديه في جميع أنواع السندات لحرمة الربا وعند الاختيار بين الأسهم يحتاج إلى اختيار أسهم الشركات القوية الكبيرة، وهكذا.
стр. 14576
ب- في عدد من البلدان الإسلامية يسيطر الأجانب وغيرهم من غير المسلمين على معظم الأنشطة الاقتصادية، وإذا ابتعد المسلمون عن المساهمة في الشركات التي تتعامل أحياناً بالربا ستزداد هذه السيطرة وسيصعب كسر هذه الحلقة حول الاقتصاد الوطني. وإن مساهمة المسلمين في الشركات القائمة هي خطوة مهمة جدًّا في سبيل استعادتهم لملكية وإدارة الاقتصاد وعدم تركه في أيدي غير المسلمين، أو على الأقل في سبيل تحقيق حصة لهم في الاقتصاد الوطني تتناسب مع نسبتهم في مجموع السكان كأكثرية إسلامية.
ج- المسلمون والمؤسسات الإسلامية الموجودون في البلدان غير الإسلامية وبخاصة البلدان الغربية لا يجدون في بيئاتهم سوى الشركات التي تتعامل أحياناً بالربا للاستثمار في أسهمها، فلا تكاد توجد في تلك المجتمعات شركات لا تتعامل بالربا وإن وجدت فيستحيل على جميع المسلمين الراغبين في الاستثمار التعرف عليها والاستثمار فيها، فهل لهم الحق في الاستثمار في مثل هذه الأمور؟
وقد أولى بحث فضيلة الدكتور عبد الستار أبو غدة، وبحث الفقير إلى الله – هذا الموضوع أهمية كبرى وأوليت بحثي بجوانب تأصيلية وأدلة ربما لم يرد الخوض فيها فضيلة الدكتور عبد الستار أبو غدة. وهذه أيضاً خلاصة البحثين.
ولتشابك هذا الموضوع وخطورته وأهميته –أيها الأساتذة الأجلاء- قد بحث هذا الموضوع في عدة ندوات ومؤتمرات، ويكفي للدلالة على ذلك أن مجمعنا الموقر قد عقد لأجله ندوتين وبحثه في ثلاث دورات، ناهيك عن الندوات الفقهية الأخرى كندوات البركة وهيئات الرقابة الشرعية في أكثر من بنك. فقد جاء في الندوة المشتركة بين مجمع الفقه الإسلامي والمعهد الإسلامي للبحوث والتدريب عام ١٩٩٣ م، جاء: أن الإسهام في الشركات التي تتعامل بالربا بقصد إصلاح أوضاعها بما يتفق مع الشريعة الإسلامية من القادرين على التغيير أمر مشروع على أن يتم ذلك في أقرب وقت ممكن. جاء مثل ذلك في فتاوى الندوة السادسة للبركة عام ١٩٨٩ م، حيث نصت فتاوى هذه الندوة على مشروعية الإقدام على شراء أسهم الشركات مهما كان غرضها الأصلي لقصد أسلمة معاملاتها، بل اعتبر ذلك مطلوباً لما فيه من زيادة مجالات الالتزام بأحكام الشريعة الإسلامية الغراء. وقد ذكر فضيلة الشيخ عبد الله بن منيع –حفظه الله- في بحثه القيم الذي لم يطرح في هذه الدورة ولكني رأيته منذ فترة حول هذا الموضوع أن الشيخ صالح كامل قد استطاع أن يحول أكثر من خمس وخمسين شركة غير إسلامية إلى شركات إسلامية من خلال دخوله في هذه الشركات حيث ذكر كذلك فضيلة الشيخ – حفظه الله- عدة مبادئ وأدلة قيمة حول هذا الموضوع استفدنا منها –للعلم أقول- في بحثنا المعروض على أصحاب الفضيلة.
стр. 14577
يقول فضيلة الدكتور عبد الستار أبو غدة: وأول ما تجب مراعاته هو الغرض الأصلي من الشركة، فإن كان غرض الشركة الأصلي حراماً مثل البنوك الربوية وشركات التأمين التقليدية وشركات إنتاج الخمور ولحم الخنزير ومشتقاتها، وشركات إدارات صالات القمار ودور الخلاعة نحوها، فهذه لا يجوز تملك أسهمها ولا تداولها ببيع أو شراء أو وساطة، وإن كان غرض الشركة الأصلي مباحاً مثل شركات التجارة في المباحات أو صناعتها أو زراعتها أو تسويقها أو الخدمات المتعلقة بذلك فهذه الشركات تختلف حكمها عما كان غرضها الأصلي حراماً. وإن كان يقع من هذه الشركات الاقتراض من البنوك الربوية أو الإيداع لديها بالفائدة. ومن هنا فلا ينبغي أن يسوغ بينها وبين الشركات التي غرضها الأصلي المراباة، أو التأمين التجاري، أو مزاولة الأنشطة المحرمة؛ لأن محل تصرف تلك الشركات غير مشروع أصلاً. أما الشركات ذات الغرض المباح التي تودع أو التي تقترض بالربا فإن محل التصرف فيها معتبر شرعاً وهو التجارة في المباحات لكن وقع منها تصرف جانبي دخيل على غرضها وهو الإيداع أو الاقتراض بفائدة، وهو قابل للفصل عن أنشطتها بإلغاء الاتفاق الربوي أو إبطال آثاره، وتصحيح نتائجه بالتخلص من عائد تلك الملابسات المحرمة. وقد صرح بعض الفقهاء بالتفرقة بين المتاجرة بالخمر وبين التعامل بالربا حيث أثارهما، حيث تعلق الحكم برأس المال والربح في المتاجرة بالخمر، وبالربح –الفائدة فقط- في التعامل بالربا، كما ذكر في ذلك مرجعاً وهو شرحا الزرقاني لمختصر خليل.
إن هذه الشركات التي غرضها الأساسي مشروع والمحل الأصلي للتصرف فيها معتبر شرعاً ولكن وقعت فيها تصرفات جانبية هي الإيداع أو الاقتراض بفائدة يجوز الإسهام فيها حسب ما انتهى إليه عدد غفير من الفقهاء المعاصرين وكثير من هيئات الفتوى في المؤسسات المالية وخارجها. وهذا يكشف عن إدراك الطبيعة الخاصة للشركات المساهمة وتمييز الفرق بين ما غرضه الأصلي محرم وبين ما غرضه الأصلي مباح مع التصرف الجانبي المحرم، ولا بد من الإشارة إلى الخلاف الواقع في هذا النوع الأخير إلى درجة إرجاء البت فيه وبقائه معلقاً على جدول دورات مجمع الفقه الإسلامي الدولي بجدة فقد جاء في توصيات ندوة الأسواق المالية بالرباط التي أقامها مجمع الفقه الإسلامي بالتعاون مع البنك الإسلامي للتنمية: إن تملك أسهم الشركات التي يكون غرضها التعامل والصناعات المحرمة والمتاجرة بالمواد الحرام غير جائز شرعاً، ولو كان ذلك التملك عابراً ولفترة لا تسمح بتحقيق الأرباح الناتجة عن ذلك النشاط. أما تملك أو تداول أسهم الشركات التي غرضها الأساسي حلال، لكنها تتعامل أحياناً بالربا باقتراض الأموال أو إيداعها بفائدة فإنه جائز نظراً لمشروعية غرضها مع حرمة الإقراض والاقتراض الربوي ووجوب تغيير ذلك والإنكار والاعتراض على القائم به. ويجب على المساهم عند أخذ ريع السهم التخلص عما يظن أنه يعادل ما نشأ من التعامل بالفائدة لصرفه في وجوه الخير.
стр. 14578
والمبرر الفقهي لذلك عدة أدلة في نظري قد تكون أدلة، وفي نظر البعض قد لا تكون ذلك، ونحن نعرض هذه المسائل –إن شاء الله- لينكشف الحق –بإذن الله تعالى- أو لينكشف ما هو الظاهر والراجح ولا نريد من ذلك فرض رأي أبداً على شخص ولا على أي جهة. نعتقد أن هناك أدلة عامة منها: رعاية الضرورة، ورعاية الحاجة، ورعاية مقاصد الشريعة في أسلمة هذه الشركات التي هي العمود الفقري ولو ترك المسلمون الطيبون المساهمة فيها لأصبحت هذه الشركات يمتلكها الفسقة والفجرة وغير المسلمين، ولا سيما في وقتنا الحاضر التي لا تخلو هذه الشركات والتي تسمى بالشركات الوطنية القومية التي تمسك بالعمود الفقري لاقتصادنا الوطني هذه الشركات في معظمها لا تخلو من هذه الشبهات أو من بعض المحرمات، فلو تركها المسلمون الطيبون لأصبحت هذه الشركات الأساسية ملكاً لهؤلاء، بل يجب علينا أن نبحث وأن نبذل كل جهدنا لأسلمة هذه الشركات ولكن كيف نحن نؤسلمها ونحن نكون خارجين عن نطاق هذه الشركات؟ ولأجل أيضاً كذلك رعاية العرف والحاجة أجاز فقهاء الحنفية بيع الوفاء، ويقول السيوطي وابن نجيم: إن الحاجة تنزل منزلة الضرورة. وأيضاً من جانب آخر خلاصة هذا الرأي تقوم على التفرقة بين المباشر للحرام المتمثل في مجلس الإدارة، هؤلاء الإداريون ومجلس الإدارة آثمون ولكن هناك فرقاً بين هؤلاء المباشرين للحرام وبين المساهمين الذي هم غير راضين عن ذلك أو بعبارة أخرى أن هؤلاء الوكلاء يرتكبون محرمات دون رضا المساهمين.
وأيضاً من جانب آخر إن هذه الأموال ما هي إلا أموال مختلفة معظمها حلال وبعضها حرام، وشراء سهم من هذه الأموال كأنك تعاملت مع شخص معظم أمواله حلال وبعض أمواله حرام، وهذا جائز عند المذاهب الأربعة وإليكم إذا سمح المجال بعض النقول من المذاهب الأربعة:
أولاً: اختلاط جزء محرم لا يجعل مجموع المال محرماً عن الكثيرين، حيث أجازوا في المال الحلال المختلط بقليل من الحرام التصرفات الشرعية من التملك والأكل والبيع والشراء ونحوها، غير أن الفقهاء فرقوا بين ما هو محرم لذاته وما هو محرم لغيره كما يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: إن الحرام نوعان، ولا أود أن أذكر النصوص؛ لأنها موجودة في بحثي.
ثانياً: قاعدة فقهية معتبرة (يجوز تبعاً ما لا يجوز استقلالاً) وقد ذكرنا هذه القاعدة مع دليلها من السنة الصحيحة المتفق عليها في بداية بحثي.
وعلى ضوء ذلك فهذا النوع من الأسهم وإن كان فيه نسبة بسيطة من الحرام لكنها جاءت تبعاً، وليست أصلاً مقصوداً بالتملك، والتصرف، فما دامت أغراض الشركة مباحة وهي أنشئت لأجل مزاولة نشاطات مباحة، غير أنها قد تدفعها السيولة أو نحوها إلى إيداع بعض أموالها في البنوك الربوية أو الاقتراض منها.
стр. 14579
فهذا العمل بلا شك عمل محرم يؤثم فاعله – مجلس الإدارة - لكنه لا يجعل بقية الأموال والتصرفات المباحة الأخرى محرمة وهو أيضاً عمل تبعي وليس هو الأصل الغالب الذي لأجله أنشئت الشركة.
ثالثاً: قاعدة (للأكثر حكم الكل) ، وقد ذكرنا فيما سبق نصوص الفقهاء.
أكتفي بهذا القدر بخصوص الاستثمار في الشركات التي قد تتعامل بالحرام.
ننتقل بعد ذلك إلى الموضوع الثاني وهو: (الاستثمار في الصناديق والوحدات الاستثمارية) . بخصوص أحكام الاستثمار في الصناديق والوحدات الاستثمارية كما هناك قاعدة فقهية (الحكم على الشيء فرع من تصوره) ، ولذلك لا بد أن نعرف الصناديق الاستثمارية فالمراد بالصناديق الاستثمارية هي: صندوق الاستثمار هو وعاء للاستثمار –كما عرفه فضيلة الدكتور عبد الستار أبو غدة وكذلك الدكتور منذر- له ذمة مالية مستقلة يهدف إلى تجميع الأموال واستثمارها في مجالات محددة. وتدير الصندوق عادة شركة استثمار تمتلك تشكيلة من الأوراق المالية وذلك من خلال قيام جهة تسمى (الكفيل) بشراء تشكيلة من الأوراق المالية ٠السندات) غالباً أو العمليات بالنسبة للصناديق الإسلامية: التأجير، المرابحات، الاستصناع، السلم الموازي، وتقوم هذه الشركة بجانب جهة الإصدار التي ينتهي دورها ببناء التشكيلة جهات أخرى لكل منها دور خاص، فهناك الأمين الذي يتولى إصدار الشهادات مع الجهة التي تتعهد بتغطية الإصدار، وكذلك، هناك الجهة التي تقوم بالاسترداد والتعهد بإعادة الشراء فضلاً عن الجهة التي تقوم بالتسويق. ولذلك من أجل هذا التعدد الذي يجعل الشكل القانوني لتلك الجهات المختلفة اتحاداً وليس شركة سمي ما يباع للمستثمر من حصة في الصندوق يسمى (وحدة) ولا يسمى (سهماً) ، كما هو الحال في الشركات. وهذا الاتحاد قد يكون عمره محدوداً: ستة أشهر، سنة، سنتان، وهكذا حسب النظام الأساسي الذي ينشأ من خلاله هذا الصندوق.
هناك فرق بين الصناديق والإصدارات. فهناك إصدارات الاستثمار وهناك صناديق الإصدارات، لا تختلف عن الصناديق الاستثمارية من حيث إن كلًّا منهما يمثل ذمة مالية –من هذا متحدين- مستقلة تهدف إلى تجمع الأموال واستثمارها في مجالات محدودة، ويقوم على أساس تجزئة رأس المال الإجمالي للإصدار أو للصندوق للاكتتاب فيه من قبل المشاركين، كما أن صكوك الأسهم أو الوحدات وثيقة تمثل ملكية حصة شائعة في الموجودات الكلية للإصدار أو للصندوق، ويكون للمشارك جميع الحقوق والتصرفات المقررة شرعاً للمالك في الملك الشائع من بيع وهبة ورهن وإرث وغيرها، بما لا يمس بقية المشاركين. ولكن الاختلاف الأساسي بين الإصدارات والصناديق ينحصر في كون الإصدارات غالباً ما تكون قصيرة الأجل لا تستغرق مدة عام، بينما الإصدارات تشمل دائماً عمليات استثمارية محددة الخصائص طويلة الأجل.
هناك جوانب فنية. إدارة الصناديق، وهذه المسائل ذكرت في بحث فضيلة الدكتور عبد الستار أبو غدة لا ندخل في تفاصيلها.
стр. 14580
المسائل المتعلقة بتكوين هذه الصناديق والإصدارات:
تقسيم رأس مال الصندوق. يقسم الصندوق إلى وحدات وهذا من الجانب الشرعي لا مانع منه قياساً على الأسهم. كذلك مساهمة المضارب في الصندوق أو الإصدار لا مانع كذلك من مساهمة الجهة المنشئة لصندوق الإصدار في رأس مال الصندوق أو الإصدار، ويكون استحقاقها نصيباً من الربح بصفتها مضارباً ونصيباً آخر. كذلك أيضاً يسمح نظام الصندوق بدفع المساهمة على أقساط، وهذه الأقساط ما دامت متساوية للجميع لا مانع منها من الناحية الشرعية أيضاً.
تبقى قضية، وهي قضية تداول هذه الوحدات الاستثمارية. يمثل صك الوحدة الاستثمارية ملكية حصة شائعة في الصندوق أو الإصدار، وتستمر هذه الملكية طيلة مدتها وتترتب عليها جميع الحقوق والتصرفات المقررة شرعاً للمالك في ملكه كما هو الحال بالنسبة للأسهم فيحق للمشارك التصرف في الوحدة بالبيع، هو حكمه في ذلك حكم الأسهم الاستثمارية دون أي اختلاف فيما بينها من هذا الجانب.
تبقى قضية ضمان رأس مال الصناديق والإصدارات. من القضايا المتفق عليها بين فقهائنا الأجلاء وكذلك أقره مجمعنا الموقف من أنه لا يجوز تضمين المضارب إلا عند التعدي والتقصير. ولذلك يبقى هنا كيف يمكن أن نرتب ضمان رأس المال على الصناديق والاستثمارات؟ المجمع الفقهي الموقر أجاز ضمان طرف ثالث في قرار له بخصوص صكوك المقارضة فلا مانع –أيضاً- إذا وجد مثل هذا الضامن أن يكون هناك ضامن لمثل هذه الصناديق والإصدارات من خلال طرف ثالث ليس هناك أي علاقة –كما قلنا في الجلسة السابقة- لا يدخل في باب قرض جر منفعة وإنما مثل الدولة تضمن ذلك، أو نحو ذلك.
كيفية حساب نفقات التأسيس ومن يتحملها. هذه قضية فنية لا نشرحها ولا ندخل في تفاصيلها وإنما البحوث في متناول الأيدي.
أما الاقتطاع الاحتياطي في الصندوق والتقويم في الصناديق، وبعد ذلك ننتقل إلى مسألة توزيع الأرباح والخسائر في الصناديق أو الإصدارات أيضاً لا بد أن تشتمل لوائح الصندوق –يعني قضايا فنية وإدارية- على كيفية توزيع الأرباح بين المضارب والمشاركين ويجب أن تكون النسبة معلومة شائعة دون تحديد مبلغ معين كما هو الحال بالنسبة للمضاربات وبالنسبة لأحكام المضاربة وأحكام المشاركة.
стр. 14581
هذه حقيقة خلاصة ما يدور في قضايا الوحدات الاستثمارية، وهناك بعض القضايا الفنية التي تناولها وفصل فيها فضيلة الدكتور عبد الستار أبو غدة والبحوث أمامكم، ونكتفي بهذا القدر، ونشكر سعادة الرئيس والأمين العام على إتاحة الفرصة لي وصبرهما علي وكذلك أشكركم على حسن الاستماع وجزاكم الله خيراً.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته،،،
الدكتور سامي حسن حمود:
بسم الله الرحمن الرحيم،
شكراً سيدي الرئيس، في الواقع أود أن أواصل فقط نقطة واحدة، وهذه النقطة لأهميتها أردت بها أن أوضح شيئاً مما أدلى به فضية الدكتور محمد سيد طنطاوي في معرض التعقيب على بحثي في الصباح.
ذكر فضيلته وأعرف عنه دقته في تحديد معاني الألفاظ بأن الوديعة أمانة والاستثمار تفويض مطلق للبنك بأن يوجه المال كيف يشاء، وهذا ظاهريًّا جائز. وقد حرص فضيلته على تحديد مقصوده من الاستثمار المطلق بأنه فيما أحل الله وهذا متفق عليه. وأقول لفضيلته من واقع الخبرة التي أصدق القول فيها إن عمل البنوك العادية له جانبان. جانب ما يعطيه البنك، وجانب ما يأخذه أي أنه يعطي مما يحصل ومما يأخذ.
فإذا كان ما يدفعه البنك للمودعين يمثل جزءاً من الربح ... دراسات في تحليل ميزانيات البنوك من مواردها نتيجة للإقراض بفائدة وهي تتراوح بين ٧٠? في الحد الأدنى و٩٥? في الحد الأقصى. فإذا كان مصدر الدخل هو فائدة ناتجة عن قرض فإن ما تعطيه هو الجنى من الربا. وإني لأطمع محبة واحتراماً لفضيلة الدكتور محمد سيد طنطاوي الذي عرفته من عشر سنوات تقريباً أن يعيد النظر فيما يراه وما سمعناه اليوم منه بخصوص فوائد البنوك وجوازها، فإذا كان قد اعتمد على الرأي الذي سمعه من بعض العاملين في البنوك فآمل أن يسمع من أخٍ ناصح خبير بأن هذه المصادر والموارد التي تدفع منها البنوك أساسها الإقراض ولا أمل للبنوك العادية إلا الإقراض، وطالما وجد الفن المصرفي الإسلامي وشهادات الاستثمار القابلة للتخصيص بما يتفق والشريعة الإسلامية فالحل موجود وآمل جميعاً أن نكون في طريق واحد يجمعنا الله بالخير والحق، شكراً لكم والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
стр. 14582
الشيخ محمد المختار السلامي:
بسم الله الرحمن الرحيم، صلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً.
الموضوع الأول الذي أريد أن أتحدث فيه هو أن مجمعنا الموقر قد اتخذ قرارات، وهذه القرارات هي قرارات التزمناها إثر دراسة معمقة، وأخلصنا فيها لله، ولذلك فإني أرجو من الأمانة العامة أن كل كلام أو مداخلة تتناقض مع القرارات التي اتخذناها في مجمعنا طيلة الدورات التي سبقت هو كلام ملغي يجب ألا يذكر في المجلة ولا أن يدون.
الناحية الثانية وهي تتصل بهذه هو أنني أرجو من سيادة الرئيس أن تقتصر المناقشات حول المواضيع التي نحن بصددها فكل خروج عن الموضوع هو كلام لغو، ورسالته أن يقطع الكلام عن طالبه، فهاتان ملاحظات أود أن سيادة الرئيس ينظر فيهما بما يصل بهما إلى التطبيق الجازم والكامل. وشكراً.
الرئيس:
شكراً. في الواقع بالنسبة للفقرة الأولى هي في غاية من الأهمية وأرجو من معالي الأمين العام أن تؤخذ في الاعتبار من اللجنة التي شكلت لتدقيق النظر فيما يستبعد من طباعة الأبحاث والمداولات وفيما يقر، فأي مداخلة أو إثارة بحث يناقض ما عليه هذا المجمع وما صدرت به قراراته فإنه يتعين استبعاد طباعته في مجلة المجمع.
وأما النقطة الثانية التي أشار إليها سماحة الشيخ المختار فإنني أرجو من أصحاب الفضيلة أن يكونوا خير عون في هذه النقطة فهم الذين يملكون الكلام وهم الذين يملكون السيطرة على أنفسهم، فأرجو أن يحددوا وأن يحرصوا ألا يخرجوا عن الموضوع ذاته المطروح، إضافة إلى نقطة أخرى وهو أن العرض لا يبغي أن يستهلك ساعة أو ساعة إلا ربعاً وما إلى ذلك، فينبغي أن يعتصر ويختصر وأن يكون في حدود ربع ساعة أو عشرين دقيقة على الأكثر، أما أن يستهلك جزءاً كبيراً من الوقت فهذا ليس من المصلحة؛ لأن الأبحاث بين المشائخ موزعة، والمراد إعطاء خلاصة تلقي الضوء على نتائج هذه الأبحاث وما اتفقت فيه وما اختلفت فيه. وبالنسبة للنقطة التي أثيرت حول ما ذكره الشيخ سيد طنطاوي فإنني أرجو أن تكون هذه خاتمة الكلمات نحوها؛ لأن هذا الموضوع سبق وأن صدر قرار مجمع الفقه الإسلامي بالتحريم بالإجماع ولا إشكال في هذا. ولهذا فإنني لا أسمح –وأرجو أن تكونوا خير عون بعد الله في ذلك- بإثارة أي نقطة حول هذا الموضوع، والحق واضح وإن يد الله مع الجماعة.
стр. 14583
الدكتور صالح المرزوقي:
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين. أما بعد،
فقد قسم أخي الدكتور علي محي الدين القره داغي الشركات إلى قسمين،
فقال:
القسم الأول: يقوم غرضه على الحلال المباح وهو جائز ولا خلاف فيه.
والقسم الثاني أسهم لم تتوفر فيها الشروط السابقة، وإنما هي أسهم لشركات قد تودع في بعض الأحيان بعض نقودها في البنوك بفائدة أو تقترض منها بفائدة أو قد تكون نسبة قليلة من معاملاتها تتم من خلال عقود فاسدة كمعظم الشركات في الدول الإسلامية. ويرى جوازها، فهو يقول: ليست في شركات تزاول المحرمات ولا لشركات قائمة على الحلال.
يرى جوازها مع أنه يقر بأنه لا تقوم على الحلال، وقد احتج فضيلته بقاعدة رفع الحرج.
والجواب أنه ليس هناك حرج بمعناه الشرعي؛ لأن وسائل الاستثمار متيسرة في مجال التجارة والصناعة والزراعة والخدمات، ولا سيما في عصرنا هذا مع انتشار البنوك الإسلامية وكثرتها –ولله الحمد- وهذا ليس فيه حرج، وإنما الحرج هو الذي لا مخرج منه كما قال ابن عباس.
واحتج –أيضاً- بالضرورة، ونقول: الضرورة غير موجودة في هذا الوقت للاشتراك في شركات تزاول الربا؛ لأنه يمكن الاشتراك في شركات أخرى، وإلا معنى هذا أننا نعتمد إخضاع الأحكام الشرعية المعلومة من الدين بالضرورة بارتكاب المحرم.
ولا أقول نخضعها للواقع الفاسد؛ لأن الواقع فيه من الصلاح الشيء الكثير، وفي الشركات التي تمارس الحلال والبنوك الإسلامية والتجارية الفردية.
واحتج أيضاً بالقياس على بيع الوفاء وهذا قياس فاسد؛ لأن بيع الوفاء عقد باطل وقد صدر قرار مجمع الفقه الإسلامي بعدم جوازه، وما كان باطلاً في نفسه فكيف يصحح عليه غيره؟!
وأيضاً، احتج بالقياس على العرايا، وهذا الاحتجاج لا يصح؛ لأن تجويز العرايا ورد استثناء بنص خاص وهو ما يعبر عنه بما جاء على خلاف القياس، فقد اشترط جمهور الفقهاء والأصوليين في حكم الأصل ألا يكون معدولاً به عن سنن القياس. عن زيد بن ثابت عن رسول الله ﷺ ((أنه رخص بعد ذلك في بيع الرطب أو التمر ولم يرخص في غير ذلك)) متفق عليه. فقوله: (ولم يرخص في غير ذلك) دليل على قصر الرخصة على هذا النوع من البيوع، كما يدل على قصر الرخصة نهيه ﷺ عن المحاقلة والمزابنة. وقد استشهد بكلام شيخ الإسلام ابن تيمية وهو: أن المفسدة المقتضية للتحريم إذا تعارضت مع مصلحة راجحة أو بمحرم.
стр. 14584
أولاً: هل نقدم كلام ابن تيمية أم نقدم كلام الله وكلام رسوله ﷺ ؟ فالله يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٢٧٨) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [البقرة: ٢٧٨-٢٧٩] ، والرسول ﷺ يقول: ((لا تبيعوا الدينار بالدينارين، ولا الدرهم بالدرهمين)) ، وفي حديث آخر: ((فمن زاد أو ازداد فقد أربى، الآخذ والمعطي فيه سواء)) .
ثانياً: أن ابن تيمية يقول: (المفسدة المقتضية للتحريم) ، ولم يقل (المنصوص على حرمته) ، ولم يقل (الربا) ، وإنما قال: (المقتضية التحريم) ، ثم قال: (وعارضتها حاجة راجحة أبيح المحرم) ، وأين الحاجة الراجحة للشركات الربوية؟! لا توجد. واستشهادكم بقوله: (والشارع لا يحرم ما يحتاج الناس إليه في البيوع لأجل نوع من الغرر) ، لا يصح قياس الربا على الغرر؛ لأن الغرر يغتفر في اليسير منه أما الربا فكله حرام، قليله وكثيره. قال ﷺ : ((درهم ربا يأكله الرجل المسلم وهو يعلم أشد من ست وثلاثين زنية)) حديث صحيح. واستشهد بالعرف. ومن شروط الاستدلال بالعرف ألا يصادم نصًّا شرعيًّا، والعرف الذي تذكره عرف فاسد يصادم النصوص الشرعية، فلا يصح الاحتجاج به.
ويقول في بحثه: (لا نعيش عصراً يطبق فيه المنهج الإسلامي وإنما يسوده النظام الرأسمالي والاشتراكي، وحينئذ لا يمكن أن تسير المعاملات على الحلال الطيب الخالص دون وجود الشبهة) ، سبحان الله!! هل نحن مجتمعون لنبحث عن أساليب الاستثمار الشرعية التي تتفق مع الكتاب والسنة أم لنبيح للبنوك الربوية والشركات الربوية أعمالها بدعوى أنه يسودنا النظام الرأسمالي والاشتراكي ونحو ذلك من التعليلات؟!!.
يقول: (ولقد قال الكثيرون بإباحة الأسهم في الدول الإسلامية مطلقاً دون التطرق إلى التفصيل الذي ذكرته) ونسب هذا القول للشيوخ علي الخفيف، وأبو زهرة، وعبد الوهاب خلاف، وعبد الرحمن حسن، وعبد العزيز الخياط، ووهبة الزحيلي، والشيخ عبد الله بن منيع، وغيرهم، ونسب إلى العبد الفقير أيضاً في الحاشية دون أن ينص عليه بالذكر. وقد نبهت إلى خطأ نقل عني وعن المشائخ المذكورين في مجلة (البحوث الفقهية المعاصرة) ، فأود من فضيلته الرجوع إليها؛ لأنني نقلت عنهم بالنص تحريمهم ومنعهم لأي مشاركة في الشركات التي يدخلها الربا أو التي فيها حرام، أقول: نبهت إلى خطأ النقل عن هؤلاء المشائخ، فقد نصوا على وجوب خلو الشركة مما حرم الله. الذين نصوا ووجدت لهم نصوصاً هم: الشيخ علي الخفيف، وأبو زهرة، وعبد العزيز الخياط، وصالح المرزوقي، هؤلاء نصوا على وجوب خلو الشركة مما حرم الله، فإذا كان فيها ربا لا تجوز المشاركة فيها.
стр. 14585
والاحتجاج بقاعدة (للأكثر حكم الكل) ، ليست على إطلاقها، فلو أخذ بها لجاز قليل الخمر إذا خلط بقليل من عصير البرتقال مثلاً. ولا قائل به؛ لأنه مردود بحديث الرسول ﷺ ((ما أسكر كثيره فقليله حرام)) ، ولو أخذ بهذا المقول، قليل الربا مباح وهذا يصادم حديث الرسول ﷺ ((درهم ربا)) والدرهم هو أول أعداد القلة.
واحتج –أيضاً- باختلاط جزء محرم. يقول: اختلاط جزء محرم لا يجعل مجموع المال محرماً عند الكثيرين، فيجوز التملك والأكل والبيع والشرب. أود أن أذكر بحديث رسول الله ﷺ : ((رب أشعث أغبر –هذا في مسألة الأكل- يمد يديه إلى السماء: يا رب، يا رب، ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وغذي بالحرام، أنى يستجاب له)) ، وقال سعد: يا رسول الله ادع أن أكون مستجاب الدعوة. قال: ((يا سعد، أطب مطعمك تجب دعوتك)) .ورضي الله عن أبي بكر عندما شرب شربة لبن جاء بها أحد عبيده فلما علم أنها من كسب خبيث استفرغها وما زال يدخل يده في حلقه حتى أخرج كل ما في بطنه، ثم قال: اللهم إني أستغفرك مما دخل اللحم والعروق، أو نحوه.
والاحتجاج باختلاط جزء محرم. إن كان الاختلاط عن غير قصد أي وقع الاختلاط فإن المال الحرام باختلاطه مع الحلال لا يجعل المال الحلال حراماً، وإنما تقتصر الحرمة على الحرام، ويبقى الحلال حلالاً، هو معنى كلام شيخ الإسلام، لا أن نحمله على ما لا يحتمل فندخل فيه الشركات التي تمارس الربا قليلاً أم كثيراً ونحتج بكلام شيخ الإسلام، والعز بن عبد السلام، وغيرهم. قول هؤلاء العلماء، أقول: إن هؤلاء العلماء يبرؤون إلى الله مما ننسبه إليهم؛ لأننا نحمل كلامهم شيئاً لا يحتمله.
وأما الاحتجاج بمعاملة من في ماله حلال وحرام فليس فيها دليل على هذه الدعوة؛ لأننا ممكن أن نشتري السيارات من اليابان أو من أمريكا أو من إيطاليا أو من غيرها ونتعامل معهم في بضائع وشراء وبيع وإجارة واستئجار، لكن هذا لا يعني أننا ندخل في شركة فيها ربا. فرق بين البيع والشراء أو الإجارة أو نحوها من المعاملات أو الأخذ والعطاء، وفرق بين أن أشارك في شركة جزء منها فيه شيء من الربا.
والاستثمار في الأسهم أرجو أن ننظر فيه بأنه يجب النظر في نشاط الشركة، وفي رأس مالها، فإن كان رأس مالها نقوداً أو أنها شركة مصرفية فيجب هنا إذا اشتريت أسهمها بالنقود يجب فيه التساوي والتقابض؛ لأن فيها أعمال صرف. إذا كانت الشركة شركة مصرفية تقوم على الأعمال المصرفية غير الربوية أو كان رأس مالها نقوداً كله نقوداً ليس فيه عروض أو لم يتحول جزء منه إلى عروض فحينئذ يجب شراء أسهمها بعروض أو بغير ذلك من الأمور، أما بالنقود فحينئذ يجب التساوي والتقابض، وأما إذا كانت الشركة في رأس مالها عروض أو كانت نقوداً وتحولت إلى عروض فحينئذ لا مانع من شراء أسهمها بالنقود أو بالعروض مطلقاً.
стр. 14586
وأما الأسئلة التي طرحها الدكتور منذر قحف، أو بعض هذه الأسئلة كقوله أن يشتري أسهماً في شركة تتعامل بالربا بنية تحويلها، مع توقع القدرة على التحويل.
أرجو ألا نطلق العنان لأنفسنا بإباحة الدخول في هذا النوع من هذه الشركات مطلقاً إلا إذا علمت القدرة غالباً ورأى الإنسان من نفسه وكان هذا أمراً محدوداً، أما أن نطلق العنان لكل إنسان يريد أن يدخل في شركة بحجة أنه يغير وهو لا يستطيع أن يغير فهذا لا أرى جوازه.
الفقرة الثانية: أن يساهم في شركة نشاطها الأساسي من المباحات ولكن يختلط بالحرام. هذا تكلمنا عنه، مثل الأفلام السينمائية أو المسابح أو نحو ذلك من الأمور، هذه كلها لا تجوز. الإذاعة أو البرامج الفاسدة لأجل دعوتهم إلى الإسلام أرى أن هذا غير جائز. كل هذه الأمور لا يجوز أن نبيحها بدعوى أننا ندخلهم في الإسلام.
إذا قدرنا أن ندخلهم في الإسلام بالوسائل المشروعة المعلومة هذا جائز مثل ما فعل الرسول ﷺ وفعل الصحابة، أما أن نرتكب المحرم على أمل أن يدخلوا في الإسلام نحن نشوه أنفسنا، وبهذه الطريقة نشوه الإسلام والمسلمين. المسلمون والمؤسسات الإسلامية في الغرب لا يجدون أحياناً إلا شركات تتعامل بالربا فهل لهم الحق في الاستثمار؟ لهم أن يكونوا شركات بأنفسهم، لهم أن يستثمروا أمواله بأنفسهم مثل فتح البقالات أو مخابز أو غيرها، أي أنه لم تقتصر وسائل الاستثمار على الشركات الربوية وإنما يمكن بوسائل الاستثمار الفردية ونحو ذلك.
هذا ما أردت أن أقوله وأستغفر الله، وأستميحكم عذراً والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله.
الشيخ محمد تقي العثماني:
بسم الله الرحم الرحيم
نقطة نظام سيدي الرئيس، الواقع أن مسألة الاستثمار في الأسهم قد طرحت في هذا المجمع عدة مرات ونوقشت وكثرت فيها الأبحاث، وتداول الأعضاء آراءهم ودلائلهم ولا نسمع اليوم إلا تكريراً لما سبق. وقد صدر في ذلك أيضاً قرار من قبل المجمع، وبالرغم من أني أؤيد الرأي بجواز الاستثمار في الأسهم بقيود وضوابط قد بينتها ولكننا قد مشينا على سنة، وهي أن القرار إذا اتخذ من قبل المجمع فلا حاجة لنا إلى الإطالة في مناقشة تلك المسألة بعينها. فهذه الدلائل التي ذكرها الباحثون إما من هذا الجانب أو من ذاك كلها سمعناها، وكلها قد فرغنا منها، فلا حاجة بنا إلى الإطالة في هذا الموضوع.
стр. 14587
الموضوع الجديد الذي جاء في هذه الأبحاث ينبغي أن تقتصر على مناقشته فقط، أما موضوع الأسهم وقد صدر قرار من قبل المجمع أن الأصل في ذلك حرام. وإنما جاء ذلك اللفظ من قبل أنه كان هناك خلاف بين الأعضاء والأغلبية كانت تذهب إلى الحرمة، ولذلك اتخذ هذا اللفظ ليستعين به من يشاء، أما القرار فهو قد اتخذ من قبل المجمع فلا نعيد هذه المسألة.
الرئيس:
هو في الواقع تأييداً لما ذكرتم كذلك سبق وإن كان بودي أن العارض الشيخ علي أنه ذكر هذا وهو أحد الحاضرين أن هذا الموضوع عرض على مجمع الفقه الإسلامي برابطة العالم الإسلامي في شهر شعبان من هذا العام. وهو قريب، وفيه عدد من أعضائه هم أعضاء في هذا المجمع، وصدر قرار بالتحريم في المساهمة في شركة نظامها حلال لكنها تتعامل من الباطن بالمحرمات كالزنا، أو الربا، أو ما إلى ذلك، فصدر القرار بالتحريم. وتعلمون أنه في شهرين متقابلين يصدر قرار من مجمع بالتحريم وقرار كذا، هذا فيه خطر عظيم على الأمة وتناقض في آرائها الجماعية. ولهذا أثيرت نقطة في مجمع مكة على قضية أنه لا ينبغي ولا يحسن أن يصدر قرارات فيها اضطراب واختلاف بين المجمعين فأخذ الكلمة معالي الشيخ الحبيب ابن الخوجة أمين عام المجمع. وقال: إنه لا يصدر قرار من المجمعين متضادين، وإنه في حال وجود شيء من ذلك يجري التنسيق مسبقاً بين المجمعين قبل الصدور، وهذا في الحقيقة فيه ضمان عظيم حتى لا يقع الناس في بلبلة وخلط عظيم، والحمد لله الأمر فيه سعة،
إذا لم تستطع شيئاً فدعه وجاوزه إلى ما تستطيع
ليس الأمر إلزاميًّا على أن نفتي في هذه المسألة أو في تلك المسألة؛ لأن حفظ الذمم وعدم فتح أبواب الشر والفساد على الناس هذا أمر متعين، وليس معنى هذا أن نأخذ بقتاب التشتيت، لا. ولكن نأخذ بركاب الاحتياط لذممنا، وألا تكون ذممنا جسوراً يعبر عليها المتاجرون وغيرهم. والأمر مثل ما تفضلتم طالما أنه صدر في القرار الذي صدر من المجمع أن الأصل في الأسهم والمساهمة الحل، قد يكون في عمومه يغطي كثيراً من هذه الجزئيات. وعلى كل نستأنف المداولة. إن شاء الله تعالى –وينبغي ملاحظة ما ذكره الشيخ تقي ونستأنف المداولة بعد صلاة المغرب، إن شاء الله تعالى وشكراً.
стр. 14588
الدكتور محمد علي القري بن عيد:
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله.
إن المسألة التي أريد أن أتحدث عنها تتعلق بالاستثمار في أسهم الشركات التي أصل نشاطها مباح ولكنها ربما تتورط في إيداع أموالها في البنوك أو الاقتراض من البنوك بالربا. فإن كانت هذه المسألة لا زالت مطروحة للنقاش تحدثت فيها وإن كان الباب قد أغلق فأتنازل عن هذه الفرصة لغيري. أنتظر منكم الجواب يا سيادة الرئيس.
الرئيس:
على كل المسألة هذه بحكم المفروغ منها نظراً؛ لأننا بين أمرين إما أن تؤجل إلى وقت لاحق لمزيد من البحث ووضع نقاط رئيسية تتولاها الأمانة فيما بعد، أو أن ترفع من الجدول مرة واحدة (كلية) طالما أنه صدر قرارات متعددة من هذا المجمع أو من مجمع الفقه بمكة، فلذلك يترك البحث فيها.
الدكتور محمد علي القري بن عيد:
ولكني أقترح أن تؤجل لأنها مسألة في غاية الأهمية، فإنه معلوم عند جميع من لهم علاقة بهذه الشركات أنه لا تكاد توجد شركة في وقتنا الحاضر في أي بلد من بلاد المسلمين –فيما عدا السودان ربما، والسودان له وضع خاص- إلا وهي متورطة في هذا الأمر، فإذا قلن بعدم جواز المساهمة في مثل هذه الشركات فمحصلة الأمر وماله أن المسلمين قد حرموا من فرصة استثمار أموالهم لا سيما من كان منهم من ذوي الدخول الصغيرة؛ لأن فرصة الاستثمار عندهم هي إما أسهم الشركات أو الإيداع في البنوك فلذلك هي تحتاج إلى نظر.
стр. 14589
الرئيس:
على كلٍّ هو كسباً للوقت وحتى نتفرغ لبقية ما لدينا هل ترون أن نبت على تأجيلها أم لا؟
الدكتور عبد السلام العبادي:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
حقيقة كما ظهر من حديث الشيخ العثماني في موضوع الشركات التي أصل تعاملها مباح ولكنها تودع أموالها في البنوك أو أنها تقترض بالربا، أن هذا الأمر قد بحث بإطالة وتوسع في المجمع وقد أخذ فيه قرار. فواضح أنه إما أن نؤجل الأمر وأنا أميل مع التأجيل؛ لأن القرار محل نقاش والذي انتهينا إليه وفيه وجهات نظر أخرى، وبحيث نستقصي في هذه المسألة بحوثاً مستفيضة ودراسات موسعة أو رفع الموضوع نهائيًّا.
الرئيس:
هل ترون التأجيل؟
إذن انتهى الأمر. هذه الفقرة نرجو رفع المناقشة فيها وهي تكون مؤجلة إلى دورة لاحقة –بإذن الله تعالى- وتستكمل بقية الموضوعات.
الشيخ تقي العثماني:
لو سمحتم سؤال وهو في مسألة ضمان الطرف الثالث الذي قد ذكره الشيخ علي محيي الدين القره داغي فقد صدر في ذلك قرار أيضاً ولكن النقطة التي ينبغي أن نناقشها هي: ما معنى الطرف الثالث؟ هل الطرف الثالث ينبغي أن يكون شخصاً حقيقيًّا أو إذا كان هناك شخصية معنوية ثالثة مع أن الشركاء هم في كلتا الشركتين؟
الرئيس:
أنتم تعلمون يا شيخ –ولا أحب أن أقطع حديثكم- أن البحوث هذه ليس فيها جديدة، هي معادة، هي البحوث التي كانت في الدورة السابقة وفي قبل وفي ندوة البحرين، وهذه النقطة التي أثرتها هي جديدة ولذلك يحسن أن أصحاب الفضيلة إذا كان أحد عنده نقطة تستشكل في هذا الموضوع وفي جزئياته أن يتفضل بكتابتها ويقدمها للأمانة العامة.
إذن بهذا يكون انتهى الأمر، وترفع الجلسة. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
стр. 14590
القرار
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد خاتم النبيين وعلى آله وصحبه.
قرار رقم: ٩١/٤/د٩
بشأن: " الاستثمار في الأسهم والوحدات الاستثمارية "
إن مجلس مجمع الفقه الإسلامي المنعقد في دورة مؤتمره التاسع بأبو ظبي بدولة الإمارات العربية المتحدة من ١ إلى ٦ ذي القعدة ١٤١٥ هـ، الموافق ١-٦ أبريل ١٩٩٥ م.
بعد اطلاعه على الأبحاث الثلاثة الواردة إلى المجمع بخصوص موضوع: "الاستثمار في الأسهم والوحدات الاستثمارية" التي تبين منها أن الموضوع تضمن بين عناصره مسألة شراء أسهم الشركات التي غرضها وأنشطتها الأساسية مشروعة لكنها تقترض أو تودع أموالها بالفائدة وهي لم يقع البت في أمرها بالرغم من عقد ندوتين لبحثها، وصدور قرار مبدئي فيها للمجمع في دورته السابعة، ثم قرار لاحق في دورته الثامنة بأن تقوم الأمانة العامة باستكتاب المزيد من البحوث في هذا الموضوع ليتمكن من اتخاذ القرار المناسب في دورة قادمة،
وبعد الشروع في المناقشات التي دارت حوله، تبين أن الموضوع يحتاج إلى الدراسات المتعددة المعمقة، لوضع الضوابط المتعلقة بهذا النوع من الشركات الذي هو الأكثر وقوعاً داخل البلاد الإسلامية وخارجها.
قرر ما يلي:
أولاً: تأجيل النظر في هذا الموضوع على أن يعد فيه مزيد من الدراسات والأبحاث بخصوصه وتستوعب فيه الجوانب الفنية والشرعية. وذلك ليتمكن المجمع من اتخاذ القرار المناسب فيه حسب توصية الدورة الثامنة (قرار ٨١/٨/د٩) .
ثانيًا: الاستفادة مما تضمنته الأبحاث الثلاثة عن الصناديق والإصدارات الاستثمارية لإعداد اللائحة الموصى بوضعها في القرار (٥) للدورة الرابعة (بند أولاً/ ٢ في العنصر الرابع) .
стр. 14591
مناقصات العقود الإدارية
عقود التوريد ومقاولات الأشغال العامة
إعداد
الدكتور رفيق يونس المصري
مركز أبحاث الاقتصاد الإسلامي
جامعة الملك عبد العزيز بجدة
المقدمة
بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وبعد،
١- فإذا نظرنا إلى عنوان هذا الموضوع كما حدده المجمع الموقر: " المناقصات "، وكذلك إلى عناصره السبعة (١) ، فقد يبدو أن المراد هو البحث في المناقصة، لا في التوريد والمقاولة. وما ذكر التوريد والمقاولة في العناصر إلا من باب بيان علاقة المناقصة بهما، لا لأجل بحثهما المفصل.
يؤيد هذا الاتجاه أن أغلب العناصر المحددة من قبل المجمع ذات صلة بالمناقصة نفسها، لا بالمقاولة والتوريد، اللهم إلا عنصراً واحداً هو العنصر الثالث: الدخول في المناقصة لمن لا يمتلك السلعة ... إلخ.
٢- غير أنه مما يعكر على هذا الاتجاه أمران:
الأمر الأول: أن المناقصة لا تراد لذاتها، إنما تراد لتوريد أو مقاولة، فلا يمكن إعطاؤه حكماً شرعيًّا بمعزل عن التوريد والمقاولة.
الأمر الثاني: لو كان المطلوب النظر في المناقصة وحدها، دون نظر مواز في التوريد والمقاولة، لكان من الأحسن أن يقدم النظر في التوريد والمقاولة على النظر في المناقصة، ولكن هذا لا يكاد يتضح للباحث إلا بعد الفراغ من طور المعالجة الذهنية للموضوع.
٣- لهذه الأسباب رأيت النظر في المناقصة والتوريد والمقاولة والتوريد والمقاولة معاً، رغبة في التوصل إلى أحكام متوازنة ومنسجمة، لا تحتمل التجزئة.
٤- وأحب أن أضيف أن معالجتي للموضوع ستنطلق من منطلق أن الجهة القائمة بالمناقصات جهة إدارية عامة (الدولة) تريد من وراء المناقصة إبرام عقود إدارية، تتصف ببعض الأوصاف التي قد تجعل حكمها في الفقه والقانون مختلفاً عن حكم العقود الخاصة.
стр. 14592
المنهج
١- بعض الباحثين يسلكون مسلك اللين في بحوثهم الشرعية، فيجيزون كل ما هو جائز (= ماض، نافذ) في البلاد (أو بلادهم) . وإذا كانوا يرون هذا أسلم لهم عند الناس، وعند الدولة، فإنه ليس أسلم لهم عند الله، وليس هذا من الدين ولا من العلم بسبيل.
٢- وبعض الباحثين مفتونون بالقوانين الوضعية الحديثة، يباهون بمعرفتها، ويحتجون بها، وكأنها قرآن أو سنة أو نص إمام فقيه.
٣- وبعض الباحثين والمفتين يخلصون في بحثهم أو فتواهم إلى أن هذا جائز شرعاً، بشرط ألا يخالف الشريعة الإسلامية، وكأنهم يقولون: جائز بشرط أن يكون جائزاً، فهم يفتون بترك الفتوى للمستفتي، مع أن المطلوب منهم أن يقولوا: هذا جائز، وهذا غير جائز، وإلا لماذا كان البحث؟ وفيم العناء؟ ربما يكون مرادهم: جائز منه ما علمناه، وما لم نعلم يجب ألا يكون فيه مخالفات، يعني: يقولونها من باب الحيطة في الأمور التي قد تغيب، ولكن الصياغة مهمة، دفعاً للشك والالتباس.
٤- ليس المطلوب أن ننظر في القوانين واللوائح فكرة فكرة، وكلمة كلمة، إنما المطلوب أن ننظر (كتابة) فيما يستحق النظر الشرعي، لحرام أو شبهة، وما بقي فمتروك على أصل الإباحة في المعاملات المالية. وتفصيل الحرام قد يوهم بأن الحرام كثير، والحقيقة أن الحلال أوسع من الحرام بكثير، وهو الأصل.
أرجو أن يوفقني الله في هذا البحث إلى تجنب هذه المسالك الأربعة وأمثالها.
المصطلحات
في هذه الورقة ستمر معنا بعض المصطلحات، مثل: المناقص والمتناقص، والممارسة، والعطاء، والمقاولة، والإذعان.
سنناقش هذه المصطلحات باختصار، كلًّا في موضعه من هذه الورقة، على أساس أن المصطلح من عادة الباحث المسلم أن يعتني به، وينظر فيه من أين كان مأخذه في اللغة؟ فهذا في العلم مهم؛ لأن المصطلح وعاء إذا كان ملائماً فإنه يستوعب بانسجام أفكاره ومفرداته، وإذا كان غير ملائم فإن ما يدخل فيه يتفلت في الذهن، ولا يترابط، وتكون الإحاطة به مجهدة.
стр. 14593
المخطط
سأقسم البحث إلى قسمين:
١- القسم الأول للمناقصة فنيًّا.
٢- القسم الثاني للمناقصة فقهيًّا.
تسبقهما مقدمة، وتعقبهما خاتمة.
القسم الأول
المناقصة فنيًّا
١ - تعريف المناقصة والغرض منها
١- المناقصة طريقة نظامية (خاضعة لنظام محدد) ، لشراء سلعة أو خدمة، تلتزم فيها الإدارة (الجهة الإدارية) بدعوة المناقصين لتقديم عطاءاتهم (= عروضهم) ، (١) وفق شروط ومواصفات محددة، لأجل الوصول إلى أرخص عطاء، بافتراض تساوي العطاءات في سائر المواصفات والشروط. (٢)
فالمناقصة هي طريقة في الشراء (عندما يتعلق الأمر بسلعة) أو الإجارة أو الاستصناع (عندما يتعلق الأمر بمقاولة) . أي إن المناقصة إما مناقصة توريد أو مناقصة مقاولة. وسيأتي مزيد من التفصيل حول التوريد والمقاولة.
٢- ويعرفها الباحثون الفنيون بأنها تهدف إلى الحصول على أفضل عطاء من الناحيتين المالية والفنية. (٣)
وإني أرى أن الصواب أفضل عطاء من الناحية المالية؛ لأن الفرض أن الذين تمت المفاضلة بين عطاءاتهم هم متساوون من الناحية الفنية: مطابقة الشروط والمواصفات، أي من حيث تحقيق الغرض الفني. وتعريفهم هذا قد يسمح بالتحايل والتلاعب، بإرساء المناقصة على غير صاحب العطاء الأرخص، بدعوى أفضليته في المواصفات الفنية.
٣- فالمناقصة تختلف عن الشراء المباشر: مساومة أو أمانة. فهي شراء غير مباشر، بمعنى أن هناك إجراءات تسبقه وتمهد له. ويلجأ إليها عندما تتجاوز القيمة المتوقعة للعقد مبلغاً محدداً.
٤- إذا كانت السلع مسعرة، لا يختلف سعرها بين بائع وآخر، فإنه لا جدوى ولا محل للمناقصة، إلا إذا كان من الممكن تنازل بعض المرودين عن جزء من أرباحهم.
٥- في المناقصة طرفان: الطرف الأول هو الجهة الإدارية صاحبة المناقصة، الطرف الآخر هم الموردون أو المقاولون المشتركون في المناقصة، ويسمون المناقصين أو المتناقصين، (٤) وسنعتمد في هذه الورقة التسمية الأولى.
стр. 14594
٢ - الوصف العام للمناقصة (إجراءات المناقصة) :
١- في الحالات التي تحتاج فيها جهة إدارية ما إلى أصناف (= سلع) للتوريد أو أعمال للتنفيذ، ويتوجب عليها بموجب أنظمتها أو تؤمنها بطريق المناقصة، كأن يكون العدد المتوقع للمناقصين كبيراً، (١) والمبالغ كبيرة تتجاوز حدًّا معيناً (٢) فإن الجهة الإدارية بادئ ذي بدء تقدر القيمة التقريبية للتوريد أو للمشروع، وتتأكد من وجود الاعتماد اللازم في الموازنة، ثم تشكل لجنة لوضع المواصفات والشروط، (٣) مثل شرط التسليم في محل البائع LOCO، أو في ميناء الشحن، على ظهر المركب F.O.B، أو في ميناء الوصول C.I.F، أو في مستودعات الجهة الإدارية صاحبة المناقصة FRANCO ... إلخ، فهذه الشروط لها أثر في الثمن وتحديد الجهة (البائع، المشتري) التي تتحمل المصاريف المختلفة: الشحن، التفريغ، التأمين، الرسوم الجمركية ... إلخ.
٢- بعد وضع المواصفات والشروط تجري الدعوة إلى المناقصة عن طريق الإعلان في الجريدة الرسمية، مرتين بينهما أسبوع مثلاً، وفي صحيفتين محليتين وأجنبيتين (عند اللزوم) ، وذلك لضمان وصول الرسالة الإعلانية إلى عدد غير محدود من المتعهدين أو المقاولين. أما إذا كان عدد من تتوفر فيهم الشروط محدوداً جدًّا (احتكار لا منافسة) فإن المنافسة (= المناقصة) لا تجدي.
ويحدد في الإعلان الصنف أو العمل المطلوب، وقيمة دفتر الشروط، وآخر موعد لتقديم العروض، كما يحدد موعد لفض العروض، يكون عادة في اليوم التالي لآخر يوم من أيام قبول العروض.
وقد يتسامح بتأخير وصول عرض، باليد أو بالبريد، إذا ثبت أن تأخير الوصول عائد لتأخر الطائرة عن موعدها. وهذا التسامح يكون بقرار من الوزير (أو مدير الإدارة) المختص، وبشرط أن يصل العرض ولجنة فتح المظاريف لا تزال مجتمعة.
ويبين في دفتر الشروط الشروط والمواصفات، ومقدار الضمان الابتدائي والانتهائي، والغرامات ... إلخ.
٣- بعد حصول الموردين أو المقاولين على دفتر الشروط، يدرس هؤلاء الشروط، فإذا وجدوا في أنفسهم القدرة والرغبة (٤) تقدموا بعروضهم إلى الجهة الإدارية، ضمن المواعيد المحددة.
стр. 14595
وتقدم هذه العروض في مظاريف مختومة (بالشمع الأحمر) وموقعة. ولا يجوز فتحها إلا في الموعد المحدد لذلك. وترسل بالبريد المسجل، أو تقدم مناولة باليد مقابل إيصال. وتكتب فيها الأسعار على نماذج مخصوصة معدة لهذا الغرض، رقماً وكتابة، بالمداد (= الحبر) ، دون كشط ولا محو. ويجب بيان منشأ البضاعة، فالعرض يهمل إذا كانت البضاعة من دول المقاطعة، أو من المنشآت المحظور التعامل معها.
ويجب تقديم الضمان الابتدائي مع العرض. وتوضع العروض الواردة في صندوق العطاءات الذي له فتحة مناسبة تسمح بدخول العرض ولا تسمح بخروجه منها، وللصندوق قفلان، مفتاح القفل الأول مع مسؤول أمين، ومفتاح القفل الآخر مع مسؤول آخر أمين.
ولا يجوز للمناقصين بعد تقديم عروضهم تعديل أسعارها بالزيادة أو بالنقصان، لما في هذا من إخلال بمبدأ المساواة بين المناقصين ومبدأ السرية في المناقصات.
ويبقى العرض سارياً، لا يجوز لصاحبه الرجوع فيه حتى تاريخ البت، وذلك تحت طائلة مصادرة مبلغ الضمان الابتدائي.
٤- تشكل لجنة لفتح المظاريف (فض العروض) ، تقوم بعد التأكد من سلامة أختام المظاريف، بفتح المظاريف في موعد محدد، بحضور المناقصين، أو مندوبيهم، ويعلن اسم كل صاحب عرض، وسعره، على الحضور، ويسجل ذلك كله في سجل خاص.
وتوقع اللجنة المذكورة على العينات الداخلة في مظاريف العروض، وإذا كانت طبيعة العينة لا تسمح بالتوقيع عليها جرى التوقيع على بطاقة تلصق على العينة بطريقة لا يسهل معها نزعها.
٥- تشكل لجنة لفحص العروض، (١) وعند الفحص تتأكد اللجنة من توافر الشروط الشكلية في العروض، ومن مطابقة العروض للشروط والمواصفات. ولا تحيل لجنة الفحص إلى لجنة البت إلا العروض التي توافرت فيها الشروط، مثل تقديم الضمان الابتدائي، وصورة عن شهادة السجل التجاري، وبطاقة الاشتراك في الغرفة التجارية أو الصناعية، وشهادة تسديد الزكاة أو الضريبة، وشهادة تصنيف المقاولين أو الموردين.
ويهمل كل عرض مقدم على أساس تخفيض نسبة مئوية، أو مبلغ معين، من أقل العروض. فلو فعل كل المناقصين ذلك لما عرفنا أقل العروض، ويجب أن يتساوى المناقصون في طريقة تقديم العرض.
стр. 14596
٦- تشكل لجنة للبت في العروض، التي تحال إليها من لجنة الفحص. وتقوم لجنة البت بالمفاضلة بين العروض، واختيار العرض الأقل سعراً. وتعد محضراً تبين فيه توصيتها (١) بقبول هذا العرض، وأسباب هذه التوصية.
وإذا كانت العروض المقدمة عروضاً خارجية ومحلية، وجب حساب الأسعار على أساس موحد، وهو تسليم المواد إلى مستودعات الجهة الإدارية، خالصة من جميع المصاريف والرسوم FRANCO، مع مراعاة أسعار صرف العملات الأجنبية.
وإذا لاحظت اللجنة ارتفاع العرض الأقل عن سعر السوق ارتفاعاً ظاهراً، أو اقترانه بتحفظات، (٢) فإنه يجوز للجنة البت المفاوضة (٣) مع صاحب هذا العرض لتخفيض سعره أو سحب تحفظاته، فإذا امتنع جاز أن تتفاوض مع من يليه، أو تعلم جميع المناقصين بذلك، وتطلب إليهم تخفيض عروضهم.
وكذلك إذا تساوت الأثمان بين عرضين وأكثر، ولم تكن لأحدها ميزات على غيره، أجريت بين أصحاب هذه العروض المتساوية مفاوضة علنية، لاختيار الأفضل، أو قسم العقد عليهم، حسب المصلحة الإدارية.
٧- بعد اعتماد توصية لجنة البت واتخاذ قرار الترسية (الإرساء) من السلطة المختصة (وزير، وكيل وزارة، مدير إدارة) ، يتم إخطار المناقص الذي قبل عرضه، خلال أسبوع مثلاً من تاريخ الاعتماد، ويطلب حضوره لتوقيع العقد، وتقديم الضمان النهائي. فإذا رفض التوريد أو المقاولة نفذ العقد على حسابه، وحمل بفرق السعر وسائر المصروفات.
٨- قد تلغى المناقصة، بقرار معلل (مسبب) ، بعد الإعلان عنها، وقبل البت فيها، أو بعد البت فيها، بناء على رأي لجنة البت. ويكون الإلغاء في الحالات التالية:
١- إذا تقدم عرض واحد، أو لم يبق إلا عرض واحد، بعد استبعاد العروض غير المقبولة شكلاً.
٢- إذا كانت قيمة العرض الأفضل تزيد كثيراً على القيمة السوقية. وقد يكون هذا مظنة لوجود رشوة أو تواطؤ بين المناقصين. (٤)
стр. 14597
٣- إذا اقترنت العروض كلها أو جلها بتحفظات، ولم يمكن الوصول إلى نتيجة بالتفاوض.
إذا ألغيت المناقصة بسبب من الجهة الإدارية وجب عليها رد ثمن دفتر الشروط والأوراق، في مقابل إعادة هذه الأوراق والدفتر إلى الجهة الإدارية. ويرد الثمن إلى الجميع إذا حصل الإلغاء قبل ميعاد فتح المظاريف. ويرد إلى الذين تقدموا إلى المناقصة فقط إذا حصل الإلغاء بعد الميعاد المذكور.
أما إذا ألغيت المناقصة بسبب من المناقصين، مثل عدم مطابقة عروضهم للمواصفات والشروط، فلا يرد الثمن لأحد.
٩- إذا ثبت غش المورد أو المقاول، بعد التعاقد معه، أو تلاعبه، أو دفعه رشوة، أو الشروع فيها، فإنه يعرض نفسه لإلغاء عقده، وتنفيذ العقد على حسابه، ومصادرة ضمانه، وشطب اسمه من سجل الموردين أو المتعهدين، وإدراجه في القائمة السوداء، وإحالته إلى المحاكمة.
١ -٣- مبدأ المساواة في المناقصة
من أهم المبادئ التي تقوم عليها المناقصة مبدأ المساواة (= تكافؤ الفرص) بين المناقصين. ومن مظاهر هذه المساواة:
١- الإعلان عن المناقصة حتى يصل خبرها إلى أكبر عدد ممكن من الموردين أو المتعهدين. ويجب أن يكون الإعلان في صحف واسعة الانتشار، وأن يتم الإعلان أكثر من مرة.
٢- تجنب ذكر مواصفات أو شروط تنطبق على بلد أو مورد أو مقاول بعينه.
٣- إعطاء مهلة كافية لتقديم العروض.
٤- عدم إجراء أي تعديل في الشروط أو في المواصفات لصالح أحد المناقصين أو بعضهم.
٥- أن تكون معايير قبول واستبعاد العروض واحدة، وكذلك معايير فحص العروض، والبت فيها.
٦- عدم العدول عن التعاقد مع صاحب العرض الأقل، إلا بقرار معلل واضح.
٧- أن تكون المعاملة واحدة بالنسبة للجميع، لا محاباة فيها لأحد ولا تمييز، من حيث التساوي في المعلومات والفرص واحترام المواعيد وإجراءات التسليم والصرف والضمان والغرامة وسحب العمل ... إلخ.
نصت المادة الأولى من نظام تأمين مشتريات الحكومة في المملكة العربية السعودية على ما يلي:
أ- لجميع الأفراد والمؤسسات الراغبين في التعامل مع الحكومة، ممن تتوافر فيهم الشروط التي تؤهلهم لهذا التعامل، فرص متساوية، ويعاملون على قدم المساواة.
ب- توفر للمتنافسين معلومات كاملة وموحدة عن العمل المطلوب، ويمكنون من الحصول على هذه المعلومات في وقت واحد، ويحدد ميعاد واحد لتقديم العروض. (١)
стр. 14598
وجاء في المادة الرابعة من النظام المذكور أن "على الجهات الإدارية أن تفسح المجال في تعاملها لأكبر عدد ممكن من المؤهلين العاملين في النشاط الذي يجري التعامل فيه، بحيث لا يقتصر تعاملها على أشخاص أو مؤسسات معينة" (١)
٨- في حال التساوي بين عطاءين (أو أكثر) يلجأ إلى التفاوض، فإن بقي التساوي قائماً بعد التفاوض قسمت الكمية بينهما إذا كانت القسمة ممكنة وغير ضارة بالمصلحة، وإلا اختير أحدهما بالقرعة.
٩- وجود رقابة فعالة لمنع أي تجاوز أو محاباة أو رشوة، أو تسريب للمعلومات، أو إفشاء للسرية، لصالح أحدهم أو بعضهم.
١٠- أن تكون اللجان وجهات الرقابة مكونة من أشخاص من ذوي الخبرة والسمعة الحسنة؛ لأن أي خلل في الخبرة أو في الأمانة يمكن أن يؤدي إلى التحايل أو التلاعب أو الرشوة أو الشفاعة (الوساطة) السيئة.
١١- على الدولة أن تتخذ كل ما يمكن من الإجراءات والتدابير لتحقيق المصلحة العامة من جهة، وللمساواة بين المصالح الخاصة من جهة أخرى.
ولكن كل هذه الإجراءات والتدابير لا تجدي شيئاً إذا ما كان هناك تعسف أو سوء استعمال للسلطة الحكومية. فمثل هذا يؤدي إلى عدم تحقيق المصلحة العامة، بل إلى الضرر العام (إنفاق عام لتغطية تكاليف المناقصة دون تحقيق الهدف المطلوب) ، أو إلى إشاعة الظلم والفساد.
١ -٤- مبدأ قيمة الزمن في المفاضلة بين العروض:
أحد تطبيقات مبدأ المساواة عند المفاضلة بين العروض تؤخذ قيمة الزمن بعين الاعتبار. (٢) فإذا كانت بعض العروض تقدم تسهيلات ائتمانية، وبعض العروض لا تقدم هذه التسهيلات، أو تشترط دفعات مقدمة، كان لا بد من تقويم هذه الدفعات (المؤجلة أو المقدمة) على أساس زمني واحد، أي حساب قيمتها الحالية بتاريخ موحد.
وليس هذا من الربا الحرام؛ لأنه يتعلق بدراسات الجدوى (المفاضلة بين المشروعات أو بين العروض) ، ولا يتعلق بالقروض الربوية، وقد بينا هذا في موضع آخر. (٣)
١ -٥- المناقصة والمنافسة:
١- الاقتصاد الإسلامي يقوم على مبدأ المنافسة الحرة. قال ابن خلدون (٨٠٨ هـ) : "إن الرعايا متكافئون في اليسار متقاربون، ومزاحمة (= منافسة) بعضهم بعضاً تنتهي إلى غاية موجودهم، أو تقرب" (٤)
إن هذا التكافؤ أو التقارب ركن من أركان المنافسة. فالمنافسة لا توجد إلا إذا كان عدد البائعين والمشترين كبيراً، وكانت قواهم متكافئة أو متقاربة. (٥)
стр. 14599
٢- قد يطلق لفظ المنافسة على معنى مخصوص هو المناقصة أو المزايدة، كما في النظام السعودي. (١) فالمناقصة (والمزايدة) عبارة عن منافسة بين المشتركين فيها. ولا بد أن يكون عدد هؤلاء المشتركين كافياً، وأن يكونوا مستقلين كل منهم عن الآخر (= غير متواطئين) ، ومتساوين في الفرص والمعلومات. فالمناقصة صورة مخصوصة من صور المنافسة.
١ -٦- أنواع المناقصات:
أولاً- المناقصة العامة والمناقصة المحدودة
١- المناقصة العامة:
المناقصة العامة هي الأصل، والمحدودة استثناء. فالقاعدة العامة في تنفيذ المقاولات والتوريدات الحكومية هي أن تتم عن طريق مناقصة عامة، تفسح مجال الاشتراك لعدد غير محدود من المناقصين. وتتبع فيها إجراءات النشر الرسمية بالإعلان في الصحيفة الرسمية والصحف المحلية أو الخارجية.
ويلجأ إلى هذا النوع من المناقصة عندما يتوقع أن يكون عدد المناقصين كبيراً.
٢- المناقصة المحدودة (الخاصة) :
ويلجأ إليها استثناء، لتحقيق مصلحة مالية عامة تتمثل في الاقتصاد في تكاليف المناقصة العامة. ويجب أن يكون لها تبرير واضح، وإلا اعتبرت مخلة بمبادئ تكافؤ الفرص والعدالة والمساواة بين الراغبين في التعامل مع الدولة.
وفي هذه المناقصة لا يلجأ إلى الإعلان في الصحف، إنما يلجأ فيها إلى توجيه خطابات (= كتب) رسمية لمن تتوفر فيهم الأهلية للاشتراك في المناقصة. ويتوقع أن يكون عددهم قليلاً، بالنظر إلى الإمكانات الفنية والمالية المطلوبة. وغالباً ما يختارون من المنتجين المباشرين، لا من الوسطاء، حتى تكون أسعارهم أرخص، وربما يطلب ترشيحهم من مؤسسة عامة مختصة، أو من مؤسسة أخرى، ومن هيئة دولية.
وبالنظر للإمكانات الضخمة المطلوبة، قد تلجأ الإدارة إلى تجزئة العروض، بقصد التيسير على الموردين أو المقاولين، لا سيما إذا كانوا محليين، وكانت الكميات المطلوبة كبيرة، بحيث تتجاوز إمكانات المنشأة الواحدة. فربما كانت لوائح المناقصة وأنظمتها تنص على إعطاء أولوية للشراء من المنشآت الوطنية، أو المشتركة، أو الإسلامية، أو العربية، لا سيما إذا كانت منتجاتها محققة للغرض المطلوب.
ثانياً- المناقصة الداخلية والمناقصة الخارجية
١- المناقصة الداخلية: وهي التي يقتصر الاشتراك فيها على الموردين والمقاولين في داخل البلد، ويكتفى فيها بالإعلان الداخلي.
٢- المناقصة الخارجية: وهي التي يشترك فيها أيضاً موردون ومقاولون من خارج البلد، ويعلن عنها بداخل البلد وخارجه.
ثالثاً- المناقصة العلنية والمناقصة السرية
стр. 14600
١- المناقصة العلنية (= الممارسة) . (١)
في حالات خاصة قد يحضر المناقصون إلى الإدارة صاحبة المناقصة لتقديم أسعارهم بصورة علنية، ويتناقصون في السعر إلى أن ترسو العملية (التوريد، المقاولة) على صاحب السعر الأقل. ومن مميزات هذه الطريقة أن أسعار المناقصين فيها مكشوفة، ويتناقصون فيها على بينة، حيث يكون سعر كل منهم معلوماً للآخر.
فالمناقصة العلنية تشبه المزايدة العلنية (= المزاد العلني) التي تتم بالنداء (= الصياح) . (٢)
٢- المناقصة السرية
الأصل في المناقصة أن تكون سرية، بحيث تتم بطريق تقديم المناقصين عروضهم وأسعارهم المكتوبة، ضمن مظاريف مختومة بالشمع الأحمر وموقعة. وتوضع هذه المظاريف في صندوق العطاءات المزود بقفلين وفتحة ملائمة لإدخال المظاريف دون إمكان استعادتها منها، كما مر وصفه.
١ -٧ ما الغاية من سرية المناقصة؟
١- المعلوم أن المزايدة المأثورة في الإسلام (سنة وفقهاً) مزايدة علنية. وكذلك المزايدة الشائعة قديماً.
٢- والمناقصة قد تكون علنية. لكن المناقصة العامة والسائدة حديثاً هي المناقصة السرية التي تقدم عروضها في مظاريف مختومة بالشمع الأحمر، لا يجوز لأحد آخر الاطلاع عليها قبل موعد فتح المظاريف.
٣- ومن الواضح أن العلانية في المزايدة والمناقصة تحقق الغرض منهما، وهو التنافس بين المشتركين فيهما للوصول إلى أفضل عرض.
٤- فما الغاية إذن من سرية المناقصات الحديثة؟ لم أجد أحداً من الكتاب أجاب عن هذا السؤال، بل لم أجد من طرحه.
٥- قد يجاب عن هذا السؤال بأن المناقصات الحديثة مناقصات فنية معقدة تحتاج العروض فيها إلى دراسة.
٦- لكن هذا الجواب غير كافٍ؛ لأن من الممكن أن يناقص المناقص دون أن ينزل عن حد أدنى معين، مبني على دراسة مسبقة.
٧- قد يكون الجواب أن المناقصة الحديثة تنطوي على كميات كبيرة من السلع أو الخدمات، وقد يخشى لسبب أو آخر في العلانية أو يندفع البعض للنزول إلى أسعار غير معقولة، فيتعثر التوريد أو التنفيذ. أما إذا كان السعر مدروساً وعادلاً وبعيداً عن حرارة المنافسة العلنية فإنه يضمن لصاحبه حدًّا من الربح، ويعينه على تنفيذ التزاماته.