الخاتمة
من المسؤول عن علاج التضخم؟
التضخم عرض لمرض يجب علاجه، ونتيجة حتمية لمساوئ النظام النقدي في عصرنا، فمن المسؤول عن العلاج؟
لا شك أن الدولة هي المسؤولة أولاً عن هذا العلاج، وعليها أن تتخذ من الوسائل الممكنة ما يحد من خطر هذا المرض:
فالدولة هي المسؤولة عن إصدار النقود، وهي التي تضع السياسة النقدية وهي المسئولة عن أعمال البنوك الربوية، التي أصبح من وظائفها خلق النقود أو خلق الائتمان. وهي المسؤولة عن سياسة الإنتاج، والاستهلاك، والأجور ... إلخ، أي أنها المسؤولة عن أهم الوسائل التي ترتبط بالتضخم سلباً أو إيجاباً، والمسؤولة عن معظم مسببات التضخم.
فكيف اتجه بعض الباحثين الكرام إلى أن المقترض وحده يتحمل مساوئ هذا النظام، وآلام هذا المرض؟!
إن الدعوة إلى إزالة آثار التضخم، وتعويض من يقع عليهم الضرر: كالدائن للأفراد والمصارف والشركات، والبائع بيعاً آجلاً قد يمتد عدة سنوات، والآجر الذي يجبر على استمرار عقد الإجارة، وصاحب رأس المال في عقد المضاربة مع المصارف الإسلامية، والعاملين في الدولة، وأصحاب الدخل النقدي وغيرهم، إن هذه الدعوة يجب أن توجه إلى الدولة مصدرة النقود لا إلى الأفراد، وبقدر تعويض الدولة يعوض الأفراد بعضهم بعضاً. فمن الظلم أن يعاقب الإنسان بجريرة غيره، وبما لم تجن يداه.
هذا ما بدا لي، والله هو الأعلم بالصواب، والهادي إلى سواء السبيل.
سبحان ربك رب العزة عما يصفون. وسلام على المرسلين.
والحمد لله رب العالمين
الدكتور علي أحمد السالوس
стр. 14737
حكم ربط الحقوق والالتزامات
بمستوى الأسعار
إعداد
الشيخ عبد الله بن سليمان بن منيع
عضو هيئة كبار العلماء في المملكة العربية السعودية
والقاضي بمحكمة التمييز بمكة المكرمة
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم على رسوله الأمين نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين. وبعد:
فاستجابة لرغبة مجمع الفقه الإسلامي بجدة ممثلة في الخطاب الذي تفضل به علي سماحة أمين المجمع الشيخ محمد الحبيب ابن الخوجة برغبته في أن أكتب في الموضوعين المتعلقين بقضايا العملات الورقية وهما:
١- مفهوم كساد النقود الورقية وأثره في تعين الحقوق والالتزامات الآجلة.
٢- حدود التضخم التي يمكن أن تعتبر معه النقود الورقة نقوداً كاسدة.
وذلك لضمه مع ما يرد إلى المجمع من بحوث في هذا الصدد لعرض ذلك في الدورة المقبلة لمجلس المجمع. فقد قمت بذلك حسب الاستطاعة. أرجو الله تعالى أن يريد لي خيراً فينعم علي بالتفقه في دينه والله المستعان.
معنى الكساد في اللغة وفي الاصطلاح الفقهي:
معنى الكساد في اللغة:
قال في تاج العروس: كسد المتاع وغيره كنصر وكرم –اللغة الأولى هي المتداولة المشهورة- والفعل يكسد كساداً بالفتح وكسوداً الضم: لم ينفق. وفي التهذيب أصل معنى الكساد هو الفساد ثم استعملوه في عدم نفاق السلع والأسواق فهو كاسد. وسلعة كاسدة وكسدت السوق تكسد كساداً أو سوق كاسد بلا هاء. وأكسد القوم كسدت سوقهم كذا في اللسان (١) اهـ.
ولتحديد معنى الكساد نرجع إلى معنى النفاق حيث ذكر في القاموس وفي التاج أن الكساد عدم نفاق السلع والأسواق.
قال في التاج: نفق البيع ينفق نفاقاً كسحاب: راج، وكذلك السلعة تنفق إذا غلت ورغب فيها، ونفق الدرهم نفاقاً كذلك. اهـ.
ومما تقدم يظهر أن الكساد بمعنى رخص السلع وضعف الرغبة في شرائها وبالتالي نقص سعرها.
وقد أخذ بهذا المعنى الشيخ عبد الرحمن بن سعدي ﵀ في تفسيره قوله تعالى: ﴿وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا﴾ [التوبة: ٢٤] حيث قال:
وتجارة تخشون كسادها – أي رخصها ونقصها وهذا شامل لجميع أنواع التجارات والمكاسب من عروض التجارات من الأثمان والأواني والأسلحة والأمتعة والحبوب والحروث والأنعام وغير ذلك (٢) اهـ.
وقال ابن العربي في أحكام القرآن في تفسير الكساد الوارد في الآية الكريمة: والكساد نقصان القيمة (٣)
стр. 14738
معنى الكساد في الاصطلاح:
الواقع أن المتتبع لأقوال الفقهاء في معنى الكساد يخرج من مطالعاته إلى أن جمهورهم يرى أن المقصود بالكساد انقطاع القيمة فالسكة إذا أبطلها ولي الأمر قالوا عنها بأنها كاسدة، وهذا المعنى لا يتفق مع المعنى اللغوي للكساد بأنه عدم نفاق السلعة أي نقصان قيمتها مع بقاء قيمة لها في الجملة والرضا بتداولها.
قال الكاساني: لو اشترى بفلوس نافقة ثم كسدت قبل القبض انفسخ العقد عند أبي حنيفة ﵀.. ولأبي حنيفة أن الفلوس بالكساد خرجت عن كونها ثمناً؛ لأن ثمنيتها تثبت باصطلاح الناس فإذا ترك الناس التعامل بها عدداً فقد زال عنها صفة الثمن. (١)
وجاء في الدرر السنية سؤال موجه للشيخ عبد الله أبا بطين مفتي الديار النجدية في زمنه: إذا كسدت السلعة بتحريم السلطان لها أو بغيره أو رخصت؟ فأجاب ﵀ بإجابة مطولة جاء فيها ذكره بعض ما ذكره ناظم المفردات في الكساد ومعناه وحكمه فقال:
والنقد في المبيع حيث عينا وبعد ذا كساده تبينا
نحو الفلوس ثم لا يعامل بها فمنه عندنا لا يقبل بل قيمة الفلوس يوم العقد والقرض أيضاً هكذا في الرد
أي إذا انعقد بنقد معين كدراهم مكسرة أو مغشوشة أو بفلوس ثم حرمها السلطان فمنع المعاملة بها قبل قبض البائع لها لم يلزم البائع قبضها. اهـ المقصود. (٢)
هذا النص من الحنابلة: يعني أن الكساد انقطاع القيمة لا نقصها. وهو نص يتفق في مفهومه مع ما ذكره الكاساني من نص يدل على أن الكساد عندهم انقطاع القيمة، وقد فرق بعضهم بين الكساد والانقطاع فوصف الكساد بنقص القيمة إعمالاً لمدلوله اللغوي، قال في الكشاف:
وعلم منه أن الفلوس إن لم يحرمها السلطان وجب رد مثلها غلت أو رخصت أو كسدت (٣) اهـ. على أي حال فلا مشاحة في الاصطلاح وإن بعدت العلاقة بين المعنى اللغوي للكساد ومعناه الاصطلاحي عند الفقهاء.
فلدينا في بحث الكساد وأثره في ربط الالتزام بمستوى الأسعار مسألتان:
إحداهما: ما تعلق بالذمة من مال انقطعت ماليته بكساده –على المفهوم الفقهي- وذلك قبل قبضه من المدين.
стр. 14739
والثانية: ما تعلق بالذمة من مال لا تزال ماليته قائمة ومعتبرة إلا أن قيمته المالية نقصت قبل قبضه.
أما المسألة الأولى فقد ذكرها الكاساني في بدائع الصنائع فقال: لو اشترى بفلوس نافقة ثم كسدت قبل القبض انفسخ العقد عند أبي حنيفة ﵀ وعلى المشتري رد المبيع إن كان قائماً وقيمته أو مثله إن كان هالكاً، وعند أبي يوسف ومحمد رحمهما الله لا يبطل البيع، والبائع بالخيار إن شاء فسخ البيع وإن شاء أخذ قيمة الفلوس، كما إذا كان الثمن رطباً فانقطع قبل العقد.
ولأبي حنيفة أن الفلوس بالكساد خرجت عن كونها ثمناً؛ لأن ثمنيتها تثبت باصطلاح الناس، فإذا ترك الناس التعامل بها عدداً فقد زال عنها صفة الثمن ولا بيع بلا ثمن فينفسخ العقد ضرورة (١) اهـ.
ومن هذا يتضح أن الأئمة الثلاثة أبا حنيفة وصاحبيه قد اتفقوا على أن الدائن لا يلزمه قبول المثل، واختلفوا في التطبيق، فأبطل أبو حنيفة البيع لبطلان الثمن، وقال صاحباه بصحة البيع وإعطاء البائع الخيار بين فسخ البيع أو أخذ قيمة الفلوس.
وقد اختلف المالكية ﵏ في الثمن المتعلق بالذمة وقد أبطل السلطان التعامل به، هل يرد مثله وقت العقد أو قيمته؟ فالمشهور عندهم رد المثل والقول الآخر رد القيمة. (٢)
إلا أنه قد جاء في حاشية قليوبي تقييد الكساد بأن تكون لها قيمة وهذا نص قوله:
ويرد المثل وإن أبطله السلطان إن بقي له قيمة وإلا رد قيمة أقرب وقت إلى الإبطال (٣) اهـ.
والشافعية يرون رد المثل ولو أبطل السلطان التعامل بها، قال في الأم:
ومن سلف فلوساً أو درهم أو باع بها ثم أبطلها السلطان فليس له إلا مثل فلوسه أو دراهمه التي سلف أو باع بها (٤) اهـ.
أما الحنابلة فقالوا برد القيمة، قال في زاد المستقنع وشرحه:
وإن كانت الدراهم التي دفع القرض عليها مكسرة أو كان القرض فلوساً فمنع السلطان المعاملة بها أي بالدراهم المكسرة أو الفلوس، فله أي المقرض القيمة وقت القرض؛ لأنه كالعيب فلا يلزمه قبولها وسواء كانت باقية أو استهلكها، وتكون القيمة من غير جنس الدراهم وكذلك المغشوشة إذا حرمها السلطان. (٥) اهـ.
стр. 14740
وقال في كشاف القناع ما نصه:
ولو تغير سعره ولو بنقص ما لم يتعيب ... أو يكن القرض فلوساً أو يكن دراهم مكسورة فيحرمها أي يمنع الناس من المعاملة بها السلطان.. فلا يلزمه قبولها فله أي المقرض القيمة عن الفلوس والمكسرة في هذه الحال وقت القرض سواء كانت باقية أو استهلكها وسواء نقصت قيمتها قليلاً أو كثيراً، والمغشوشة إذا حرمها السلطان كذلك (١) اهـ.
وذكرها –أعني هذه المسألة- صاحب المفردات على اعتبار أنها من مفردات الإمام أحمد فقال:
والنقد في المبيع حيث عين وبعد ذا كساده تبينا
نحو الفلوس ثم لا يعامل بها فمنه عندنا لا يقبل
بل قيمة الفلوس يوم العقد والقرض أيضاً هكذا في الرد
وقد سبق إيراد النص من الكاساني في البدائع، بأن الإمام أبا حنيفة يبطل العقد ويلزم برد المبيع، وأن صاحبه صححا العقد وأعطيا البائع الخيار بين فسخ البيع أو أخذ قيمة الفلوس، وهذا في جملته من الأئمة الثلاثة أبي حنيفة وصاحبيه يعني أن الدائن لا يلزمه قبول الثمن الكاسد، وكذلك مر بنا أن المشهور في المذهب المالكي أن النقد المتعلق بذمة مدينه وليس له إلا ذلك، ولكن في المذهب قول لبعض فقهائه بلزوم القيمة وقت العقد إذا أبطل السلطان التعامل بذلك النقد، وجرى من الرهوني في حاشيته مناقشة هذا القول (٢)
وقد ذكر ابن قدامة ﵀ في المغني، المذهب في المسألة والخلاف فيها بين المذاهب الأخرى فقال:
وقال مالك والليث بن سعد والشافعي: ليس له إلا مثل ما أقرضه لأن ذلك ليس بعيب حدث فيها فجرى مجرى نقص سعرها، ولنا أن تحريم السلطان لها منع نفاقها وأبطل ماليتها فأشبه كسرها أو تلف أجزائها (٣) اهـ.
وبهذا يتضح أن هذه المسألة ليست من مفردات المذهب الحنبلي، وقد ذكر بعض فقهاء المذهب الحنبلي: أن النص عن الإمام أحمد في رد القيمة في حال كساد النقد وارد عنه في القرض، وقد أورد الشيخ عبد الله أبا بطين رأي شيخ الإسلام ابن تيمية في تعميم الدين على جميع أسبابه وأنه ليس خاصًّا بالقرض فقال صاحب المفردات:
وشيخ الإسلام فتى تيميه قال قياس القرض عن جليه
الطرد في الديون كالصداق وعوض في الخلع والإعتاق
والغصب والصلح عن القصاص ونحو ذا طرًّا بلا اختصاص
قال الشيخ عبد الله أبا بطين: أي قال شيخ الإسلام بحر العلوم أبو العباس تقي الدين ابن تيمية ﵀ في شرح المحرر: قياس ذلك أي القرض فيما إذا كانت مكسرة أو فلوساً وحرمها السلطان وقلنا برد قيمتها في جميع الديون في بدل التلف والمغصوب مطلقاً، والصداق والفداء والصلح عن القصاص والكتابة انتهى. قال: وجاء في الدين نص حرره الأثرم إذ يحقق يعني قال ابن تيمية: إن الأصحاب إنما ذكروا النص عن أحمد في القرض قال: وكذلك المنصوص عن أحمد في سائر الديون قال الأثرم: سمعت أبا عبد الله سئل عن رجل له على رجل دراهم مكسرة أو فلوس فسقطت المكسرة قال يكون له بقيمتها من الذهب (٤) اهـ.
стр. 14741
وخلاصة القول في هذه المسألة –ما تعلق بالذمة من ثمن كسد- إن المذهبين الحنفي والحنبلي وقولاً في مذهب الإمام مالك يذهبون إلى أن الدائن لا يلزمه قبول الثمن الكاسد، وأن له قيمته وقت العقد، وأبو حنيفة خلافاً لصاحبيه يرى بطلان العقد محل الثمن، وأن المشهور في مذهب الإمام مالك والمذهب الشافعي، أن الدائن يلزمه قبول المثل ولو كسد، ولم نعرف خلافاً في ذلك، ولعل ملحظ الإمام الشافعي ﵀ وأصحابه، أن الثمن المتعلق بالذمة إن كسد فله قيمة ذاتية في نفسه من ذهب أو فضة أو فلوس فهذه الأثمان من معادن لها قيمة ذاتية في نفسها، وهي تختلف عن العملات الورقية، فالضرر في قبول مثلها يسير، بخلاف العملات الورقية فإبطالها قطع لقيمتها مطلقاً، ولا أظن وجود عالم شافعي ينسب لإمامه الشافعي ومذهبه الشافعي القول ببراءة الذمة في دفع ما تعلق بها مما لا قيمة له كالعملات الورقية بعد إبطالها.
أما المسألة الثانية: وهي ما إذا تعلق في الذمة مال لا تزال ماليته قائمة إلا أنه تعرض لنقص السعر بعد العقد.
هذه المسألة الخلاف فيها بين فقهاء المذاهب قليل حيث اتجه جمهورهم إلى الأخذ بلزوم قبول المثل من المدين وإن رخص سعره، قال الكاساني:
ولو لم تكسد ولكنها رخصت قيمتها أو غلت لا ينفسخ البيع بالإجمال وعلى المشتري أن نقد مثلها عدداً ولا يلتفت إلى القيمة ههنا؛ لأن الرخص أو الغلاء لا يوجب بطلان الثمنية (١) اهـ.
وقال أيضاً في باب القرض: ولو لم تكسد ولكنها رخصت أو غلت فعليه رد مثل ما قبض. اهـ.
ونقل ابن عابدين أن الإمام الإسبيجاني في شرح الطحاوي قال:
وأجمعوا أن الفلوس إذا لم تكسد ولكن غلت قيمتها أو رخصت فعليه مثل ما قبض من العدد (٢) اهـ.
قلت: "ما ذكره الإسبيجاني من الإجماع غير صحيح، فإن الإمام أبا يوسف له رأي في الفلوس أنها إذا تغير سعرها برخص أو بزيادة فإن المدين بها يرد قيمتها وقت القبض أي قبض الدين. قال ابن عابدين في رسالته تنبيه الرقود على مسائل النقود:
" ... غلت الفلوس أو رخصت فعند الإمام الأول والثاني أولاً: ليس عليه غيرها، وقال الثاني ثانياً: عليه قيمتها من الدراهم يوم البيع والقبض وعليه الفتوى" (٣) اهـ.
стр. 14742
وقد ذكر ابن عابدين ما ذكره مثلاً مسكين في حاشيته من التفرقة في رأي أبي يوسف بين الفلوس والنقد من الذهب والفضة، وأن رأيه في لزوم القيمة بالنسبة للفلوس لا يندرج تحت القول بذلك في النقد من الذهب والفضة. واستحسن ابن عابدين هذا التنبيه من صاحب الحاشية. والمتتبع لرأي أبي يوسف لا يجد أنه ﵀ نص على تخصيص الفلوس دون غيرها من الذهب والفضة.
والعلة التي جعلت الإمام أبا يوسف يقول برد القيمة في الفلوس موجودة في النقد من ذهب أو فضة إذا تغير سعره، حيث إن لكل من نقود الفلوس والذهب والفضة قيمة ذاتية كامنة فيها، والتضرر من نقص سعر الفلوس أو زيادته حاصل في نقص سعر النقد من ذهب أو فضة أو زيادته، فالكل يجتمع في وجود قيمة ذاتية في معدنه، وفي وجود الضرر على الملتزم بها في حال الغلاء، وعلى الدائن بها في حال رخصها، فالتفريق بينها تفريق بين متماثلين، وتقول على صاحب هذا الرأي بما لم يقله. ويصح لنا أن نستعير عبارة جاءت في حاشية الدسوقي على شرح خليل حيث يقول:
ولعله أطلق الفلوس على ما يشمل غيرها نظراً للعرف اهـ. فنقول كذلك لعل أبا يوسف أطلق الفلوس على ما يشمل غيرها نظراً للعرف لا سيما وهو ﵀ لم يعط غيرها حكماً مغايراً لها، وبهذا يظهر أن المذهب الحنفي المشهور فيه لدى جمهور أهله: أن غلاء السعر ورخصه لا يؤثر على لزوم القبول برد المثل وأن في المذهب قولاً في الفلوس برد القيمة وعليه الفتوى.
أما المالكية فيكادون يجمعون على لزوم قبول الدائن رد المثل في حال غلاء السعر أو رخصه، وقد ورد عن الرهوني في حاشيته استثناء حال الفحش في الغلاء أو الرخص، وفيما يلي نقل شيء من أقوالهم:
جاء في المدونة: قلت: أرأيت لو أن رجلاً قال لرجل أقرضني ديناراً دراهم أو نصف دينار دراهم أو ثلث دينار دراهم فأعطاه الدراهم ما الذي يقضيه في قول مالك؟ قال: يقضيه مثل دراهمه التي أخذ منه رخصت أو غلت فليس عليه إلا مثل الذي أخذ. اهـ.
وجاء فيها أيضاً:
قلت: أرأيت إن أتيت إلى رجل فقلت له: أسلفني درهم فلوس، والفلوس يومئذ مائة فلس بدرهم، ثم حالت الفلوس ورخصت حتى صارت مائتا فلس بدرهم. قال: إنما يرد مثل ما أخذ ولا يلتفت إلى الزيادة (١) اهـ.
стр. 14743
وقال الدردير في شرحه:
إن بطلت فلوس أو دنانير أو دراهم ترتبت لشخص على غيره أي قطع التعامل بها وأولى تغيرها بزيادة أو نقص ولعله أطلق الفلوس على ما يشمله غيرها نظراً للعرف فالمثل، أي فالواجب قضاء المثل على من ترتبت في ذمته قبل قطع التعامل بها أو التغير (١) اهـ.
ومثل هذا قال الدسوقي في حاشيته.
وقد جاء في حاشية الرهوني قوله:
قلت: وينبغي أن يقيد ذلك بما إذا لم يكثر ذلك جدًّا حتى يصير القابض لها كالقابض لما لا كبير منفعة فيه لوجود العلة التي علل بها المخالف (٢) اهـ.
وهذا الاستثناء الذي نقله الرهوني يعني الأخذ بالقيمة في هذه الحال، وقد ناقش أخونا الكبير الدكتور الصديق الضرير هذه العبارة من الرهوني في بحثه القيم المقدم إلى المجمع، وذكر حفظه الله أن الرهوني يعلق بهذه العبارة على مسألة حكم كساد النقد لا تغير سعره بنقص أو زيادة، ومع احترامنا الكامل فضيلته ودقة نظره إلا أنه يستطيع أن يعيد النظر في العبارة على مسألة حكم كساد النقد لا تغير سعره بنقص أو زيادة، ومع احترامنا الكامل لفضيلته ودقة نظره إلا أنه يستطيع أن يعيد النظر في العبارة وما سبقها ولحقها ليدرك أن الرهوني يذكر قيد القول برد المثل في حال اعتدال التغير أما إذا فحش التغير فيقول بالقيمة، وهذه عبارته ﵀: ... وأما إذا تغيرت بزيادة أو نقص فلا، وممن صرح بذلك أبو سعيد بن لب. قلت: وينبغي أن يقيد ذلك بما إذا لم يكثر ذلك جدًّا حتى يصير القابض لها كالقابض لما لا كبير منفعة فيه (٣) اهـ.
وخلاصة القول في هذا المذهب: أن الدائن ليس له إلا قبول المثل سواء تغير سعر الدين بزيادة أو نقص، وأن الرهوني يقيد ذلك بما إذا لم يكن التغير فاحشاً. والشافعية لا يكادون يختلفون في القول بلزوم قبول الدائن رد المثل ولو زاد السعر أو نقص.. قال السيوطي:
وقد تقرر أن القرض الصحيح يرد فيه المثل مطلقاً، فإذا اقترض فيه رطل فلوس فالواجب رد رطل من ذلك الجنس زادت قيمته أو نقصت (٤) اهـ.
стр. 14744
أما الحنابلة فجمهورهم وهو المذهب لا يعتبرون لنقص السعر أو زيادته أثراً في لزوم قبول رد المثل.. قال ابن قدامة:
قد ذكرنا أن المستقرض يرد المثل في المثليات سواء رخص السعر أو غلا أو كان بحاله، ولو كان ما أقرضه موجودا بعينه فرده من غير عيب يحدث فيه لزم قبوله سواء تغير سعره أو لم يتغير (١) اهـ.
وقال الكشاف:
وإذا كان القرض مثليًّا ورده المقترض بعينه لزم المقرض أخذه ولو تغير سعره ولو بنقص ما لم يتعيب –إلى أن قال- وعلم منه أن الفلوس إن لم يحرمها السلطان وجب رد مثلها غلت أو رخصت أو كسدت (٢) اهـ.
تنبيه: يلاحظ أن المصنف عبر هنا عن الكساد بمعناه اللغوي وهو تغير سعر السلعة بنقص خلافا؟ ً لما عليه عامة الفقهاء من التعبير بالكساد عن الانقطاع بتحريم السلطان إياها ولعله يقصد بالكساد هنا الفحش في النقص.
وقال في الروض المربع:
ويرد المقترض المثل أي لأن المثل أقرب شبهاً من القيمة فيجب رد مثل فلوس غلت أو رخصت أو كسدت. اهـ. قال في الحاشية: وهذا مع بقاء المتعامل بها وعدم تحريم السلطان لها عند أكثر الأصحاب؛ لأن علو القيمة ونقصانها لا يسقط المثل عن ذمة المقترض (٣) اهـ.
ومما تقدم يتضح أن جمهور الفقهاء يرون لزوم قبول المقرض لمثل قرضه لا سيما في الأثمان إذا لم يبطل السلطان التعامل بها لكن سعرها تغير بزيادة أو نقص.
وأن هناك قولاً بالأخذ بقيمة ما تعلقت به الذمة من ثمن في حال تغير سعره بزيادة أو نقص وإن كان التعامل به باقياً، وهو قول أبي يوسف، وذكر ابن عابدين أنه المفتى به، وذكر الرهوني قولاً لبعض المالكية وقيده بتغير سعره تغيرًّا فاحشاً، وذكر هذا القول الشوكاني في نيل الأوطار فقال:
فائدة: قال في البحر: مسألة الإمام يحيى: لو باع بنقد ثم حرم السلطان التعامل به قبل قبضه فوجهان. يلزم ذلك النقد إذا عقد عليه، والثاني يلزم قيمته إذا صار لكساده كالعرض –انتهى، قال في المنار: وكذلك لو صار كذلك يعني النقد لعارض آخر- اهـ. قلت: قوله لعارض آخر يفهم منه أن النقص الفاحش أو الزيادة الفاحشة موجبة للأخذ بالقيمة قياساً على منع السلطان التعامل بالسكة موضوعة الالتزام. وقد أخذ بهذا القول محققو الحنابلة ومنهم شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم والشيخ عبد الله أبا بطين والشيخ حسن بن حسين بن علي والشيخ عبد الرحمن بن سعدي، قال الشيخ عبد الرحمن بن قاسم في حاشيته على الروض المربع ما نصه:
قوله رخصت ... واختار الشيخ –أي شيخ الإسلام ابن تيمية- وابن القيم رد القيمة كما لو حرمها السلطان، وجزم به الشيخ في شرح المحرر فقال: إن أقرضه طعاماً فنقصت قيمته فهو نقص النوع فلا يجبر على أخذه ناقصاً فيرجع إلى القيمة وهذا هو العدل، قال عبد الله بن الشيخ محمد هو أقوى –إلى أن قال- وألحق الشيخ سائر الديون بالقرض وتابعه كثير من الأصحاب، وذكره الشيخ منصوص أحمد وأنه سئل عن رجل له على آخر دراهم مكسرة أو فلوس فسقطت المكسرة قال: يكون له قيمتها من الذهب (٤) اهـ.
стр. 14745
وجاء في الدرر السنية:
سئل الشيخ عبد الله أبا بطين: إذا كسدت السكة بتحريم السلطان لها أو تغيره أو رخصت إلخ؟ فأجاب: قد بسط هذه المسألة ناظم المفردات وشارحها فنتحفك بنقل كلامهما ملخصاً –إلى أن قال-:
وقولهم إن الكساد نقصاً فذاك نقص النوع عيب رخصا
قال ونقص النوع ليس يعقل فيما سوى القيمة ذا لا يجهل
وخرج القيمة في المثلي بنقص نوع ليس بالخفي
واختاره وقال عدل ماض خوف انقضاء السعر بالتقاضي
ثم نقل الشارح كلام الشيخ إلى أن قال: إذا أقرضه أو غصبه طعاماً فنقصت قيمته فهو نقص النوع فلا يجبر على أخذه ناقصاً فيرجع إلى القيمة وهذا هو العدل، فإن المالين إنما يتمثلان إذا استوت قيمتها وأما مع اختلاف القيمة فلا تماثل.. وذكر ﵀ أن النقص يوجب العيب ومعناه عيب النوع إذ ليس المراد عيب الشيء المعين فإنه لي هو المستحق وإنما المراد عيب النوع، والأنواع لا يعقل عيبها إلا في نقصان قيمتها –إلى أن قال- وأما رخص السعر فكلام الشيخ صريح في أنه يوجب رد القيمة أيضاً وهو أقوى (١) اهـ. قلت: ويفهم من قول الشيخ عبد الله أبا بطين من قوله وهو أقوى أنه يختار قول الشيخ ابن تيمية.
وقال الشيخ عبد الله أبا بطين في جواب آخر بعد أن ذكر المذهب في ذلك قال: فالحاصل أن الأصحاب إنما أوجبوا رد قيمة ما ذكرنا في القرض والثمن المعين خاصة فيما إذا منع السلطان التعامل بها فقط، ولم يروا رد القيمة في غير القرض والثمن المعين، وكذا لم يوجبوا رد القيمة والحالة هذه فيما إذا كسدت بغير تحريم السلطان لها ولا فيما إذا غلت أو رخصت، وأما الشيخ تقي الدين فأوجب رد القيمة في القرض والثمن المعين وكذلك سائر الديون فيما إذا كسدت مطلقاً، وكذلك إذا نقصت القيمة فيما ذكروا في جميع المثليات (٢) اهـ.
стр. 14746
وسئل الشيخ حسن بن حسين بن علي آل الشيخ، فاستعرض في إجابته المشهور من المذهب في مسألة نقص السعر وزيادته، وذكر القول الآخر في رد القيمة وأورد في إجابته بعض نظم صاحب المفردات وشرحها ثم قال: وقال الشيخ تقي الدين في شرح المحرر: إذا أقرضه أو غصبه طعاماً فنقصت قيمته فهو نقص النوع فلا يجبر على أخذه ناقصاً، فيرجع إلى القيمة، وهذا هو العدل –إلى أن قال- وكلام الشيخ هذا هو الذي ذكره الناظم عنه تخريجاً له واختياراً فقد عرفت أنه تحصل في المسألة من حيث هي ثلاثة أقوال:
التفريق بين ما إذا حرمها السلطان فبطلت المعاملة بها بالكلية ومثله إن تكسرت أو كسدت فلا يتعامل بها فالقيمة، وبين ما إذا كان غايته الغلاء والرخص مع بقاء المعاملة بحالها فالمثل مطلقاً كما هو المنقول عن مالك والشافعي والليث، وثالثها اختيار أبي العباس وهو المعتمد لدينا في الفتوى (١) اهـ.
وقال الشيخ محمد بن إبراهيم ﵀:
قوله: وكذلك المغشوشة، وعندهم أنها مثلية فيكفي ردها لكن فيما إذا وجد نقصاً فإنه يلزمه المثل عندهم وعلى أصل الشيخ –أي شيخ الإسلام ابن تيمية - الظاهر أنه يلزمه القيمة، ثم هذا في القرض ونص عليه أحمد، واختار الشيخ أن هذا يجري في سائر الديون –قال الشيخ أعني الشيخ محمد- وهذا هو الذي ينبغي لما على كل من النقص. اهـ. (٢)
وذكر الشيخ عبد الله البسام المسألة والخلاف فيها ثم قال:
واختار الشيخ تقي الدين وشمس الدين ابن القيم وبعض علماء الدعوة النجدية السلفية أن النقد إذا غلا أو رخص أو كسد فإن للدائن القيمة كما لو حرمها ولي الأمر وألحق الشيخ تقي الدين سائر الديون بالقرض وتابعه كثير من الأصحاب. اهـ.
قلت: وقد سألت فضيلة الشيخ عبد الله البسام عن هذا القول فذكر أنه يختاره؛ لأن المثلية لا تتحقق إلا بالقيمة.
стр. 14747
وفي ضوء ما تقدم يتضح لنا أن القول بلزوم القيمة في حال الرخص أو الغلاء قول له وجهه من النظر والاعتبار وقد قال به مجموعة من أهل العلم من جميع المذاهب، وذكر ابن عابدين أنه المفتى به في المذهب الحنفي وذكر الشيخ حسن بن حسين آل الشيخ أحد علماء الحنابلة أنه المعتمد لدينا في الفتوى.
وبمزيد من النظر والتأمل والعمق في التصور يتضح لنا أن المثلي لا يتحقق إلا إذا كان مثليًّا من حيث الجوهر والاعتبار، فلا نستطيع أن نعتبر المثلية وقد تخلف عنها بعض عناصر اعتبارها وهو نقص قيمتها، وإن كانت المثلية من حيث الظاهر موجودة فالناس لا يقصدون من تملك الأثمان أعيانها وإنما يقصدون منها قوتها الشرائية، فإذا انخفضت قوتها الشرائية فقد نقصت مثليتها. أرأيت لو أن زيداً من الناس استقر في ذمته لخالد مبلغ من المال ثم بعد ذلك نقصت قيمة هذا المال عند السداد بخمسين في المائة وقد يبلغ النقص أيضاً ألفاً في المائة كما يحصل ذلك في قضايا العملات الورقية المتتابع تدنيها وانخفاضها، كيف نعتبر المثلية في هذا إلا بشيء من النظر الظاهري الموجب للتساؤل والاستغراب ثم الإنكار؟! ولا شك أن القصد الذي حدا بالقائلين بالمثلية دون القيمة هو تلمسهم ﵏ البعد عن الظلم، ولكنه مسلك عالج الضرر بضرر مثله فقالوا برفع الظلم عن المدين وسلكوا في تحقيق ذلك ظلم الدائن نفسه وقد يكون العكس في حال الزيادة.. وقد أجاب شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ عن دعوى المثلية فجاء في الدرر السنية ما نصه:
وقال الشيخ تقي الدين في شرح المحرر: إذا أقرضه أو غصبه طعاماً فنقصت قيمته فهو نقص النوع فلا يجبر على أخذه ناقصاً فيرجع إلى القيمة وهذا هو العدل، فإن المالين إنما يتماثلان إذا استوت قيمتهما، وأما مع اختلاف القيمة فلا تماثل، فعيب الدين إفلاس المدين وعيب العين المعينة خروجها عن المعتاد (١) اهـ.
وفي ضوء ما تقدم يمكن أن نتصور في الجانب التطبيقي ثلاث حالات:
إحداها: ما إذا كان تغير السعر بنقص كان في نقد حال الأداء إلا أن المدين به ماطل الدائن في السداد مع القدرة واليسار حتى تغير السعر بنقص قوته الشرائية فهذا المدين يعتبر ظالماً الدائن بمماطلته وقد ثبت عن رسول الله ﷺ قوله: ((مطل الغني ظلم)) ، وقوله: ((لي الواجد يحل عرضه وعقوبته)) فعلى القول بأن المدين يدفع للدائن المثل فإن القائلين بهذا القول قد لا يقولون به في هذه المسألة وإنما يقولون بضمان المدين ما نقص على الدائن على اعتبار أن مطله من باب الغصب.
стр. 14748
قال في حاشية المدني على كنون:
إذا قبض الناظر ربع الوقف وأخر صرفه عن وقته المشروط صرفه فيه مع إمكانه فتغيرت المعاملة بنقص قال: يضمن النقص في ماله لتعديه بذلك وظلمه والله أعلم. قال عج عقبه: وإذا كان هذا في الناظر مع أنه أمين فأولى المدين قلت ثم رأيت عن المسائل الملقوطة ولله الحمد ما يوجب القطع بما ذكره الوانوغي لكن في حالة خاصة ونصه: مسألة: من عليه طعام فأبى الطالب من قبضه ومكنه المطلوب مراراً حتى إلا الطعام قال مالك: ليس عليه المكيلة وإنما له قيمته (١) اهـ.
وقال في الروض المربع:
وإن نقصت القيمة في المغصوب ضمنها الغاصب لتعديه (٢) اهـ.
وقال الشيخ عبد الرحمن بن سعدي ﵀:
قال الأصحاب: وما نقص بسعر لم يصمن. أقول: وفي هذا نظر فإن الصحيح أنه يضمن نقص السعر، فكيف يغصب شيئاً يساوي ألفاً وكان مالكه بصدد بيعه بالألف ثم نقص السعر نقصاً فاحشاً فصار يساوي خمسمائة أنه لا يضمن النقص فيرده كما هو! ؟ (٣) اهـ.
فالمماطل يعتبر غاصباً بتمنعه ومماطلته السداد، والذي يظهر –والله أعلم- أن أكثر أهل العلم يوجبون على الدائن رد قيمة ما استقر في ذمته من حق حال الأداء ثم تغير السعر بنقص. يستوي في القول بهذا القائلون برد المثل في حال انتفاء التعدي بالمماطلة، والقائلون برد القيمة في حال تغير السعر بنقص مطلقاً، والله أعلم.
الحالة الثانية: ما إذا كان تغير السعر بنقص كان في نقد حال الأداء أو مؤجل السداد إلا أنه لم يكن من المدين به مماطلة في الأداء بعد المطالبة فهذه الحالة وما يندرج تحتها من صور مشمولة بمسألة ما إذا تغير السعر بنقص بعد استقرار الحق في الذمة وقبل السداد وقد تقدم ذكر هذه المسألة والخلاف في الحكم فيها من حيث إلزام الدائن بقبول رد المثل من غير نظر إلى التغير بزيادة أو نقص أو قبول امتناع الدائن من رد المثل ومطالبته بالقيمة.
الحالة الثالثة: ما إذا كان الالتزام بالحق مؤجل السداد ثم بعد حلوله صار من الدائن مماطلة في السداد وقد تغير السعر بنقص قبل حلول الأجل، وبعد حلول الأجل وثبوت المماطلة زاد النقص، فهذه المسألة لها نظران، أحدهما: تغير السعر بنقص قبل حلول الأجل فهذه الصورة من صور الحالة الثانية، والنظر الثاني: زيادة التغير بنقص بعد حلول الأجل وثبوت المماطلة، فهذه الصورة من صور الحالة الأولى فيما يتعلق بزيادة التغير، فعلى القول برد المثل من غير نظر إلى غير السعر بنقص أو زيادة إلا أن يكون ذلك ناتجاً من التعدي في المماطلة فيضمن الدائن مقدار النقص الذي حصل بعد حلول الأجل وثبوت المماطلة.. وأما على القول الآخر برد القيمة فلا فرق بين تغير السعر قبل حلول الأجل أو بعده حيث يلزم المدين أن يدفع للدائن قيمة حقه وقت استقراره في ذمته للدائن.
стр. 14749
أما حدود التضخم الذي تعتبر به العملات الورقية نقوداً كاسدة فيمكن أن نرجع إلى استذكار ما سبق ذكره في أول البحث من تحديد معنى الكساد. فقد ذكر علماء اللغة في معنى الكساد أنه عدم نفاق السلع في الأسواق، ونفاق السلع في الأسواق غلاؤها والرغبة فيها، وهذا يعني أن الكساد رخص السلع وعدم الرغبة فيها مع بقاء قيمة لها في الجملة، وقد اتجه جمهور الفقهاء إلى الأخذ بأن الكساد انقطاع القيمة، وقال بعضهم بالمفهوم اللغوي للكساد نقص القيمة مع بقائها من حيث الجملة، ويمكن أن نحدد الكساد: بأنه نقص السعر نقصاً فاحشاً بغض النظر عن بقاء التعامل به أو انقطاعه طبقاً للتعبير الذي ذكره الرهوني في حاشيته: حتى يصير القابض لها كالقابض لما لا كبير منفعة فيه.
فهل يعتبر التضخم الاقتصادي من الجوائح المضمونة حيث إن المدين قد انتفع ببدل الدين عليه انتفاعاً سالماً من أثر التضخم ثم حصل النقص الفاحش على الدائن في حال حبس دينه عند المدين وعجزه عن التصرف فيه بما ينقذه تضرره بالتضخم؟ على أي حال فإن اعتبرنا الأضرار الناتجة في التضخم شبيهة بالجوائح فقد ذكر العلماء ﵏ في تقدير الجائحة قولين وهما روايتان عن الإمام إحداهما أنه لا فرق بين قليل الجائحة وكثيرها فمتى حصل النقص اعتبر جائحة وقد استدرك على هذا شيخ الإسلام ابن تيمية فقال:
وعلى الرواية الأولى يقال: الفرق مرجعه إلى العادة.
والرواية الثانية: أن الجائحة الثلث فما زاد، كما قدرت به الوصية والنذر ومواضع في الجراح وغير ذلك؛ لأن النبي ﷺ قال: ((الثلث والثلث كثير)) . (١)
وخلاصة القول في هذا البحث أن بعض أهل العلم ذهبوا إلى وجوب قبول رد المثل لنقد جرى الالتزام به ثم أبطل السلطان التعامل به قبل قبضه، وذهب محققوهم إلى إلزام المدين برد القيمة، كما ذهب جمهورهم إلى القول بوجوب قبول رد المثل في حال تغير السعر بنقص أو زيادة بعد الالتزام، ولو بقي التعامل به، وذهب محققوهم كذلك إلى القول بإلزام المدين برد القيمة من غير نظر إلى مقدار النقص أو زيادته، وتوسط بعضهم فقال بإلزام المدين برد القيمة في حال تغير السعر بنقص فاحش حيث يكون القابض له كالقابض لما لا كبير منفعة فيه. ثم اختلفوا في تقدير الفحش في النقص فقال بعضهم: إن ذلك راجع إلى العرف والعادة. وقال بعضهم: إن ذلك مقدر بالثلث فما زاد.
وأحب أن أختم بحثي بالوقفات التالية لعل فيها ما يمكن أن يعتبر إكمالاً للبحث.
стр. 14750
الوقفة الأولى:
لا شك أن فقهاء المذاهب الأقدمين ومتأخريهم لم يكن لهم عهد بالنقود الورقية حيث إن الأثمان عندهم من الذهب والفضة والعملات المعدنية مما يسمونها فلوساً، ولا يخفى ما بين أجناس النقود الورقية وأجناس النقود المعدنية من فرق حيث إن النقد الورقي لا قيمة له في ذاته وإنما قيمته الثمنية في أمر خارج عن ذاته، فمتى بطل التعامل به انعدمت قيمته انعداماً كاملاً بخلاف النقد المعدني فلئن كان له قيمة ثمنية في اعتباره ثمناً فإن في ذاته قيمة معتبرة كجزء من مادة معدنه، ولهذا قال جمهورهم بلزوم قبول رد المثل منه ولو أبطل السلطان التعامل به؛ لأن الضرر بأخذه قد يكون يسيراً لوجود القيمة الذاتية فيه نفسه، ولو كانت النقود الورقية موجودة في عصور فقهائنا الأقدمين لما قال أحد منهم بقبول ردها ولو أبطلها السلطان، كيف وقد كان من بعضهم القول برد القيمة في حال تغير السعر بنقص أو زيادة مع بقاء التعامل بها ووجود قيمة ذاتية فيها؟
ولهذا أرى أن الاحتجاج من فقهائنا المعاصرين على القول بلزوم قبول رد المثل بما عليه فقهاؤنا الأقدمون احتجاج في غير محله وتقويل لهم بما لم يقولوه. والله أعلم.
الوقفة الثانية:
جاء في البحث القيم الذي قدمه فضيلة البروفيسور الصديق الضرير لمجمع الفقه الإسلامي بجدة في الصفحة الرابعة منه أن القول بربط القرض بمستوى الأسعار يؤدي حتماً في حال ارتفاع الأسعار إلى أن يدفع المقترض إلى المقرض أكثر مما أخذ منه وهذا ربا (١)
وتعليقي على هذا القول بأنه ربا، هذا القول غير صحيح. فلئن كان زيادة في الظاهر فهو في حقيقة الأمر وباطنه ليس زيادة وإنما هو التماثل في قدر الالتزام والحق الموجب له، فقد أخذ الدائن وقت الالتزام هذا القدر فلا بد أن يؤديه كما أخذه قدراً. وعليه فإن روح النصوص ومقاصدها لا تنطبق على هذا القول ولا تسعفه بتأييد، والملحظ الذي لحظه فضيلة أخينا الكريم الدكتور الصديق وهو الجانب الشكلي للتقاضي الذي وصفه بالربا، هذا الملحظ لحظه غيره من القائلين برد القيمة وقالوا: وله الطلب بقيمة ذلك يوم القرض وتكون من غير جنس النقد إن أفضى إلى ربا الفضل فإذا كان دراهم أعطى دنانير وبالعكس لئلا يؤدي إلى الربا (٢)
стр. 14751
الوقفة الثالثة:
جاء في بحث شيخنا الصديق في معرض رده القول بالقيمة أن المقرض في حال إعطائه حق المطالبة بقيمة قرضه يوم القرض بعد أن تغيرت قوته الشرائية بانخفاض، قال حفظه الله ما معناه: بأن المقترض سيتضرر من هذا التقاضي أكثر من تضرره بالمراباة مع المرابين، وسيجد المقترض من هذا الطريق جانباً استثماريًّا قد لا يجد ربحيته به في طرق الاستثمار المباحة.
هذا القول يحتاج إلى من فضيلته إلى إعادة نظر فهل يعتبر مقرض أقرض أخاه السوداني مثلاً مليون جنيه سوداني في وقت كانت قيمة المليون الجنيه عشرة آلاف دولار ثم كانت قيمة المليون الجنيه وقت السداد ألفي دولار هل يعتبر هذا المقرض حينما نحكم له بقيمة قرضه وقت القرض وهو عشرة آلاف دولار هل يعتبر رابحاً وقد أخذ قدر قرضه من غير زيادة ولا نقصان؟ وما هي ربحيته في هذا الصنيع؟ وإذا قلنا: ليس للمقرض إلا مثل ما أقرضه فأين المثلية في ذلك وقد نقص عليه لتحقيق المثلية خمسمائة في المائة؟ فالمثلية الشكلية لا قيمة لها ولا اعتبار إذا تخلفت عنها المثلية الجوهرية فالنقود لا تقصد لذاتها وإنما يقصد منها ما تحققه من قوة شرائية.
الوقفة الرابعة:
وبعد ففي بحث شيخنا الفاضل الدكتور الصديق العزيز ما يستدعي أكثر من وقفة ولكنها تزول إن شاء الله إذا أعاد شيخنا الكريم نظره في معنى المثلية التي يتمسك بظاهرها دون النظر إلى حقيقتها وباطن أمرها. فالاعتبار بمآل الأمور وحقائقها. ولعل أحداً من الإخوة يعترض على تعرضي لبحث شيخنا دون غيره ومع احترامي لجميع إخوتي الباحثين في هذا الموضوع والمتجهين في بحوثهم إلى ما اتجه إليه الشيخ فإن للشيخ عندي مكانة متميزة من حيث تقاه وورعه ودقة نظره ومراجعته الحق دون الأخذ بأي اعتبار مع احترامي الكامل لإخوتي الأعزاء واعترافي بما يتمتعون به من صلاح وتقى وحب للعلم والحرص على تحصيله وفقني الله وإياهم لما يحبه ويرضاه والله المستعان.
وفي ختام بحثي أسأل الله أن يجمع الكلمة على ما يتحقق به العدل والنصف ونفي الضرر عن الدائن والمدين فلا ضرر ولا ضرار. والله من وراء القصد، وصلى الله وسلم على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين والحمد لله رب العالمين.
الشيخ عبد الله بن سليمان بن منيع
стр. 14752
أهم مراجع البحث
١- القرآن الكريم
٢- تفسير الشيخ عبد الرحمن بن سعدي
٣- أحكام القرآن لابن العربي
٤- نيل الأوطار للشوكاني
٥- بدائع الصنائع للكاساني
٦- حاشية ابن عابدين
٧- تنبيه الرقود في مسائل النقود –رسائل ابن عابدين
٨- المدونة الكبرى
٩- الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي
١٠- الزرقاني على مختصر خليل
١١- حاشية الرهوني
١٢- حاشية ابن المدني
١٣- قطع المجادلة عند تغير المعاملة للسيوطي
١٤- الأم للشافعي
١٥- المغني لابن قدامة
١٦- كشاف القناع عن متن الإقناع للبهوتي
١٧- الروض المربع ومعه حاشية الشيخ عبد الرحمن بن قاسم
١٨- مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية
١٩- الدرر السنية في الأجوبة النجدية جمع الشيخ عبد الرحمن بن قاسم
٢٠- فتاوى ورسائل الشيخ محمد بن إبراهيم
٢١- الفتاوى السعدية للشيخ عبد الرحمن بن سعدي
٢٢- الاختيارات الجلية في المسائل الخلافية للشيخ عبد الله البسام
٢٣- القاموس المحيط
٢٤- تاج العروس
٢٥- لسان العرب
стр. 14753
أثر التضخم والكساد
في الحقوق والالتزامات الآجلة
وموقف الفقه الإسلامي منه
إعداد
الدكتور علي محيي الدين القره داغي
الأستاذ بكلية الشريعة
جامعة قطر
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه إلى يوم الدين.. وبعد:
فلا شك أن النقود تعتبر العمود الفقري للاقتصاد العالمي اليوم، فهي الوسيلة للتداول والتقويم، والمعيار للسلع والبضائع، ومن خلالها تعرف قوة الدولة الاقتصادية، أو ضعفها..
وحينما كانت النقود معدنية (ذهباً وفضة) لم تكن هناك المشاكل التي يعاني منها العالم اليوم سواء كانت على مستوى الأفراد، أم على مستوى الحكومات؛ وذلك لأنها كانت تحمل في طياتها قيمتها حتى لو ألغيت قيمتها النقدية لظلت لها قيمتها الذاتية كمعدن نفيس يستعمل في التزيين وغيره، أما نقودنا الورقية لو ألغيت، أو انهارت لم تبق لها أي قيمة تذكر، بل حتى لا يستفاد منها كورق يستعمل للكتابة ونحوها..
وخلال مسيرة النقود الورقية حدثت أزمات اقتصادية عالمية، ومشاكل كبرى كان لها دورها الكبير فيها، وخسر معها الكثيرون، بل تحول الغني فقيراً في كثير من الأحوال، ومن سوء الحظ أن نصيب العالم الإسلامي من التضخم وانهيار النقود كان كبيراً فالليرة اللبنانية كانت في عام ١٩٧٠م تساوي نصف دولار تقريباً، واليوم يساوي ألف وخمسمائة منها دولاراً واحداً، والليرة التركية نسبة التضخم فيها أكثر من ثلاثين مرة خلال ١٥ سنة، وكذلك الليرة السورية، والجنيه السوداني، وأما الدينار العراقي فكان سعره الرسمي عام ١٩٩٠م (قبل الاحتلال) يساوي أكثر من ثلاثة دولارات، حيث الدولار يساوي (٣١٠ فلساً) أما اليوم فالدولار الواحد يساوي ألفاً وخمسمائة دينار.
стр. 14754
فعلى سبيل المثال (حتى تتضح الصورة) كان الشخص الذي يملك ٣٠.٠٠٠ دينار عراقي عام ١٩٩٠م كان غنيًّا حيث كان يساوي أكثر من ٩٠.٠٠٠ دولار، وكان بإمكانه أن يشتري به منزلاً وسيارة، أما اليوم فهو يساوي عشرين دولاراً فقط، وهو لا يكفي لاستضافة شخصين من الأكل العادي.
وأمام هذه الهزات العنيفة للنقود الورقية، والمشاكل الكبرى التي تحدث بين حين وآخر حاول مجمع الفقه الموقر التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي الوصول إلى حلول ناجعة لحماية أصحاب الحقوق منذ فترة مبكرة، ولخطورة الموضوع ظلت هذه المسألة تناقش في المجمع الموقر عدة مرات في دورته الخامسة، ثم السادسة والسابعة والثامنة، وقد كان القرار الصادر الذي صدر من المجمع الموقر في دورته الخامسة والذي ينص على مثلية النقود.. قراراً صدر بالأكثرية، ولم يكن بالإجماع، ولذلك ظل مثار نقاش وعرض وطلب، حيث قدمت مذكرة إلى مجمع الفقه في دورته السادسة، وهكذا..
وفي هذه الدورة التاسعة للمجمع الموقر تناقش قضيتان هما روح المشكلة وجوهرها وأساسها، وأما وجوب الزكاة في النقود، وجريان الربا فيها فمحل إجماع بين جميع العلماء المعتمدين المعاصرين.
وبناء على طلب الأمين العام لمجمع الفقه الموقر سعادة الشيخ الجليل الأستاذ الدكتور محمد الحبيب ابن الخوجة، وحرصه الشديد على الوصول إلى الحق أو القريب منه (إن شاء الله) استجبت لهذا الطلب لنعرض الموضوع من هذه الزاوية فقط دون الخوض في تفصيلات قد لا تخدم القضية، ولا سيما أنني قد درست في السابق هذا الموضوع في أكثر من بحث وكتاب..
وغرض الجميع هو الوصول إلى الحق، وخدمة الإسلام، والله نسأل أن يجعل أعمالنا كلها خالصة لوجهه الكريم، وأن يعصمنا من الخطأ والزلل في العقيدة والقول والعمل..
стр. 14755
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
التعريف بالتضخم والكساد:
التضخم في اللغة مصدر باب تفعل يعني قبول الشيء للضخامة، وجاء في معظم الوسيط "ضخم-بضم الخاء-ضخامة: عظم وغلظ..، التضخم: (في الاقتصاد) زيادة النقود، أو وسائل الدفع الأخرى على حاجة المعاملات" (مج) . (١)
وفي الاقتصاد الحديث نرى أن أولى النظريات التي حاولت تفسير التضخم وربطه بالنقود هي نظرية البروفيسور (إفنج فشر) في مطلع القرن الحالي، حيث ربطت بين كمية النقود في المجتمع، وسرعة تداول النقود، وحجم الناتج القومي، والمستوى العام للأسعار (٢) وذلك بأن تصدر الدولة قدراً زائداً من النقود الورقية لتغطية بعض نفقاتها حينما لا تكفي الموارد العادية لذلك، وهذا يعني وجود عجز بسبب عدم كفاية الموارد الاقتصادية لتغطية النفقات العامة، وهذا المعنى ينشغل به علم المالية العامة، بينما ينشغل علم الاقتصاد السياسي بالتضخم من ناحية ارتفاع متواصل للأسعار بسبب زيادة الطلب فيؤدي إلى إصدار النقود بكميات أكبر (٣)
غير أن هذه النظرية قد وجهت إليها عدة انتقادات؛ لأنها تقوم على علاقة ميكانيكية لتأثير التغير في كمية النقود على مستوى الأسعار في الاقتصاد القومي مع أن هذا التلازم بينهما غير مسلم، حيث قد ترتفع الأسعار لأسباب لا دخل لتغير كمية النقود فيها، لذلك لا يمكن أن ينظر فيها على أنها ظاهرة نقدية بحتة (٤) فالمشكلة أكبر من أن تكون أحادية الظاهرة والسبب والتفسير، فهي متعددة الأبعاد، وأسبابها تتوزع على الجوانب النقدية والاجتماعية والدولية، وهيكلة النظام الرأسمالي، ولكن آثار هذه المشكلة تظهر مباشرة على النقود من حيث القوة والضعف والقدرة الشرائية، فتزداد الأسعار زيادة كبيرة تستتبعها زيادة مماثلة في الأجور وزيادة نفقات الإنتاج وخفض معدل الربح.
ومن جانب آخر فإنه قد يكون هناك فعلاً تضخم، ولكن الدولة تتدخل فتمنع زيادة الأسعار من خلال الدعم ونحوه، أو يسمى هذا النوع التضخم المكبوت.
стр. 14756
أسباب التضخم:
ودراستنا هذه وإن لم تكن مخصصة لبيان أسباب التضخم ومعالمه، وكيفية علاجه، ولكننا نوجز القول في هذه المسائل حتى تكون على تصور متكامل للوصول إلى حكم مناسب؛ لأن الحكم على الشيء فرع من تصوره.
فللتضخم أسباب كثيرة يمكن حصرها في تطبيق النظام الاقتصادي الرأسمالي الذي يعيش منذ عدة عقود أزمة هيكلية حادة أدت إلى تدهور معدلات النمو الاقتصادي، وتعايش البطالة مع التضخم، وتزايد العجز في موازين المدفوعات، وركود التجارة الدولية، وانهيار نظام النقد الدولي، وبروز أزمة الطاقة، وتفاقم مشكلة الديون الخارجية وتقلبات أسعار المواد الاستهلاكية والإنتاجية، وتقلبات الإنتاج نفسه والعجز في ميزان المدفوعات، وارتفاع المديونية الخارجية الأمريكية لتصل على سبيل المثال في عام ١٩٨٠ م إلى رقم ١٧٥ مليار دولار.
كما أن نظام النقد الدولي الحالي يتحمل كثيراً من أسباب هذا التضخم، وذلك لأن النظام النقدي الدولي الحالي قد أرسيت دعائمه في اتفاقية بريتون وودز عام١٩٤٤ م على أساس المشروع الأمريكي الذي قدمه ريتشارد هوايت مندوب أمريكا بعد أن فشل مشروع اللورد كينز، واستطاعت أمريكا أن تلعب دور القائد في صياغة نظام النقد الدولي الجديد، وتجديد قواعد اللعبة فيه طبقاً لمصالحها الخاصة، نظراً لما كانت عليه حينئذ من قوة اقتصادية وسياسية وعسكرية حيث كانت الدولة الأولى إضافة إلى أنها كانت تملك ٥/٤ من حجم الذهب في العالم، لذلك تمكنت من أن تجعل الدولار العملة الدولية في النظام في مقابل التزامها بقابلية تحويله إلى ذهب على أساس ٣٥ دولاراً للأوقية من الذهب الخالص دون أية عوائق، وذلك اكتسب الدولار ميزة لم تتحقق لغيره من العملات حيث أصبح الدولار الورقي يعني الذهب الخالص، حتى حرصت البنوك المركزية في مختلف دول العالم على اقتنائه ضمن احتياطياتها النقدية جنباً إلى جنب مع الذهب، بل إن حيازته تجلب لحائزه دخلاً في صورة فائدة ما كانت تعطى على الذهب، وهكذا غدا الدولار الورقي هو الصورة الرئيسية المجسدة للاحتياطيات الدولية في الاقتصاد الرأسمالي العالمي. (١)
стр. 14757
وكانت اتفاقية بريتون وودز تتجه إلى تحقيق هدفين:
١- تحديد قابلية العملات للتحويل على أساس الذهب.
٢- عدم لجوء أية دولة عضو إلى تخفيض سعر الصرف إلا بعد موافقة الصندوق.
والخلاصة: أن النظام النقدي الدولي قد صيغ بما يضمن مصالح أمريكا، وأصبح يتوقف استقراره على الطريقة التي تحدد بها أمريكا سياستها النقدية وأحوالها الاقتصادية، أو على حد قول ميلتون فريد مان: " أنه في ظل النظام القائم على الدولار.. تتحدد السياسات النقدية في العالم بالسياسة النقدية التي يرسمها بنك الاحتياط الفيدرالي في واشنطون" (١)
ولذلك لما أصبحت أمريكا عاجزة عن توفير الغطاء الذهبي للدولار أعلن الرئيس الأمريكي نيكسون في أغسطس عام ١٩٧١ م إيقاف قابلية تحويل الدولار إلى ذهب، وهكذا، وبقرار منفرد سقطت أهم دعامة كان يقوم عليها نظام بريتون وودز، حيث تلاه تخفيض في الدولار في عام ١٩٧١ م نفسه، فتلاه الإفراط في حجم السيولة النقدية، بل ظهرت السوق الأوربية للدولارات التي بلغ حجم الموارد التي استخدمت في هذه السوق عام ١٩٨٠ م حوالي ٥٧٥ بليون دولار، حيث أصبحت أحد مصادر التضخم العالمي، وعائقاً ضد السياسات النقدية الداخلية التي تستهدف محاربة التضخم، إضافة إلى العجز في ميزان المدفوعات الأمريكي.
ثم انعكست آثار هذا التضخم على معظم البلاد الإسلامية (والعالم الثالث) بسبب تبعيتها اقتصاديًّا للنظام الرأسمالي العالمي حتى ولو كانت بعض هذه الدول لها مواردها الكثيرة فإن ظاهرة التضخم تعتبر أحد المحاور الهامة التي يستند إليها الاقتصاد الرأسمالي الغربي في نهب خيرات بلادنا، وزيادة في تخلفها وتعميق تبعيتها (٢)
стр. 14758
ويمكن أن نفصل أسباب التضخم في بلادنا حيث إنها تعود إلى ما يأتي:
١- الحروب الطاحنة التي وقعت في العالم الإسلامي التي أكلت الأخضر واليابس، وحطمت البنية الاقتصادية من أساسها، كما في الصومال، ولبنان وأفغانستان وغيرها، بل إن الحرب الخليجية الأولى (بين إيران والعراق لمدة ثماني سنوات) والثانية (الاحتلال العراقي للكويت، وما تبع ذلك) قد كلفت المسلمين تريلون وأربعمائة مليار دولار، كما في بعض الإحصائيات الأخيرة، ولذلك انهارت نقود هذه الدولة انهياراً كاملاً.
٢- قلة الإنتاج، أو عدمه في بعض الأحيان، حيث تدهورت معدلات نمو الإنتاجية على مستوى العالم الرأسمالي وغيره، منذ عام ١٩٧٣ م، وقد نوقش أسباب هذا التدهور أو الانخفاض الحادث في نمو الإنتاجية في الاجتماع الدولي الذي عقده خبراء منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية في عام ١٩٨٠ م، وتوصلوا إلى رصد أهم العوامل الكامنة وراء هذه الظاهرة، وهي:
أ- الانخفاض الذي حدث في مجالات أبحاث التطوير.
ب- انخفاض معدلات التكوين الرأسمالي.
ج- التضخم المرتفع، وبالذات بعد ارتفاع أسعار مواد الطاقة.
د- التغيرات التي حدثت في هيكل العمالة.
والإنتاج في عالمنا الإسلامي قد تدهور ولا سيما الإنتاج الزراعي والصناعي حتى أصبح يستورد أكثر من ٧٠? على الرغم من كل هذه المواد الخام التي حبانا الله تعالى بها.
٣- تناقص معدل الربح بشكل كبير.
٤- تدهور معدلات استغلال الطاقة الإنتاجية، حيث تؤكد البيانات إلى الانخفاض، بل إلى أن الطاقات العاطلة هي ظاهرة ذات حجم كبير حتى وصلت نسبتها في ١٩٨٣ م إلى أكثر من ربع الطاقات القصوى الممكنة في قطاع الصناعات التحويلية في كل من كندا وفرنسا والنرويج، في حين وصلت إلى حوالي ٢٠? في أمريكا وبريطانيا (١)
стр. 14759
أما في عالمنا الإسلامي فإن معدلات الطاقة الإنتاجية لمصانعه –على الرغم من أن دورها لا يتجاوز التجميع- تكاد تكون منهارة في كثير من البلاد والأحيان.
٥- الاستهلاك الحكومي والنفقات الباهظة في عالمنا الإسلامي دون ما يقابله من الإنتاج والنمو الاقتصادي المطلوب.
٦- الديون الخارجية وفوائدها وخدماتها الباهظة مع عدم استغلالها الاستغلال المطلوب، فقد بلغت في بعض الدول عشرات المليارات.
٧- زيادة إصدار أوراق البنكنوت، وتخفيض سعر الصرف للعملة الوطنية، وتدخل صندوق النقد الدولي في هذا المجال.
٨- زيادة العجز في ميزان المدفوعات بسبب اتساع الفجوة بين الموارد المحلية، والاستيراد الخارجي، ويكفي أن نشير إلى أن نسبة العجز قد تصل في بعض الدول إلى ٩٤? في عام ١٩٨٢م.
٩- ارتفاع الاستيراد، وقلة التصدير.
١٠- قلة الادخارات اللازمة للتوسع المستمر في الأعمال فأصبح التمويل يتم عن طرق التضخم. (١)
١١- التضخم المستورد: وعلى الرغم من الأسباب الداخلية للتضخم، فإن للتضخم العالمي وبالأخص الغربي تأثيراً على الاقتصاد القومي في العالم الإسلامي، وبالأخص الدولة المصدرة للبترول، فقد أثبتت الدراسات العلمية أن ظاهرة التضخم بالبلاد الإسلامية المصدرة للبترول يعود الجزء الأكبر منها إلى تأثير العوامل الخارجية، وأن تأثيره في هذه البلاد أكثر من تأثيره على البلاد غير النفطية، فالتضخم المستورد قد ساهم في عام ١٩٧٩م بحوالي ١٠? في التضخم في السودان وبين ١٤ و٣٧? في مصر، وبأقل من ٢٠? في سوريا، في حين ساهم التضخم المستورد بنحو ٢٧٨? في السعودية، و٨٢? في الكويت و٦٤? في قطر وبنحو ٨٩٢? في ليبيا (٢)
стр. 14760
آثار التضخم: ثم ومن المتضرر؟!:
لا شك أن المتضرر الأول على مستوى الدول: هي الدول النامية (العالم الثالث) ونحن لا نتحدث عن هذا الجانب، وإنما نتحدث عن آثار التضخم على الأفراد. فالمتضررون هم:
أولاً: أصحاب الدخول الثابتة مثل الموظفين والعمال ومستحقي الإعانات ونحوهم.
وثانياً: مؤجرو الدور والمحلات والعمارات ونحوها.
ثالثاً: أصحاب الديون المؤجلة الذي تتآكل حقوقهم بسبب التضخم، فيخرجون بلا شيء يذكر مع مرور السنوات على ديونهم.
فهؤلاء الأصناف يتضررون أكثر من غيرهم، وإلا فجميع أفراد الشعب متضررون بسبب ارتفاع الأسعار وانتقاص قيمة النقود، وانهيارها وتدهورها (١)
وأن أهم آثار التضخم إضافة إلى ما ذكر تكمن فيما يأتي:
أولاً: يؤدي التضخم إلى إعادة توزيع الدخل فرديًّا وقوميًّا بصورة عشوائية وتنتفي معه أسس العدالة، أو تتضاءل، وفي تقرير لوزارة التخطيط المصرية جاء فيه: " أن التضخم قد أدى إلى امتصاص القوة الشرائية من الطبقات ذات الدخل الثابت وتحويلها في صورة أرباح وفوائد لدى كبار التجار، وذوي الدخل غير الثابت.. وأن أخطر مضاعفات التضخم هو أن القوة الشرائية لدى الجماهير العريضة قد تم امتصاصها بالفعل، وأن توزيع الدخل القومي أصبح لغير صالح هذه الطبقات" (٢)
ثانيًّا: يؤدي التضخم إلى تخفيض حجم المدخرات الاختيارية الممكنة في ظل استقرار النقود، كما أنه سيؤدي إلى سوء استخدام المدخرات الإجبارية مما يؤثر في معدل النمو الاقتصادي وبالأخص في ظل أوضاع البلدان النامية.
ثالثاً: يؤدي التضخم إلى التأثير السلبي على الاستثمار وأنماطه، واتجاه المستثمرين إلى الامتناع عن الاستثمار الداخلي، والتوجه نحو الاستثمار في الدول التي تتمتع نقودها بنوع الاستقرار.
وحينئذ يكون الخاسر في هذه المعادلة هو الدول النامية. (٣)
стр. 14761
رابعاً: يلعب التضخم دوراً كبيراً في التغيرات الاجتماعية ليس على الصعيد الاقتصادي فحسب، بل على صعيد الأبعاد الاجتماعية من حيث التمايز الاجتماعي، والتغير في القيم والمثل العليا، وتكوين الطبقات، والتأثير على الشرائح المتوسطة التي هي كانت أكثر عدداً لتقل بسبب التآكل المطرد في مستويات معيشتها، وتلتحق معظمها بالطبقة الفقيرة أو المعدمة، مما يهدد بأزمة حادة تمس جوهر الاستقرار والسلام الاجتماعي.
كما أنه بسبب التضخم (وأسباب أخرى) انتشر في ظله الرشوة والفساد الاجتماعي والإداري، وتدهور قيمة العمل والإنتاج، والنمط الاستهلاكي الترفي والتضخمي (١)
الكساد:
الكساد: فهو مصدر "كسد الشيء كساداً وكسوداً، أي لم يرج، لقلة الرغبة فيه، فهو كاسد، ويقال: كسدت السوق أي لم تنفق فهي كاسد، وكاسدة، ويقال: سلعة كاسدة " (٢)
وفي الاصطلاح يقصد بالكساد الانخفاض في مستوى الأسعار بحيث يصل إلى مرحلة خطيرة.
فالكساد هو آخر مرحلة الانكماش الذي يعني انخفاض المستوى العام للأسعار، وارتفاع قيمة النقود، ولقد شهد العالم أسوأ صورة للكساد في الفترة ما بين (١٩٢٩-١٩٣٣م) .
وكل من الانكماش والكساد له آثار كبيرة على توزيع الدخل القومي، والثروة القومية، ويتضرر به أرباب الأعمال، والمدينون بديون مؤجلة سابقة بصورة خاصة، كما أنه يؤدي إلى انتشار البطالة وعدم وجود فرص للتوظيف، فمثلاً بلغ عدد العمال العاطلين عام ١٩٣٣م في أمريكا وحدها ثلاثة عشر مليوناً أي حوالي ٢٥? من حجم القوى العاملة (٣)
стр. 14762
كيف العلاج؟ وما موقف الفقه الإسلامي؟
والخلاصة أن أضرار التضخم والانكماش كبيرة جدًّا على الفرد والمجتمع، والدولة، وأن علاجهما يحتاج إلى خطة طموحة محكمة، واستراتيجية بعيدة المدى تتوافر فيها كل عناصر النجاح من حيث التنظير والعمل والإخلاص.
وإذا كان تطبيق ذلك ليس بأيدينا، بل يحتاج إلى سياسات دولة اقتصادية ناجحة تشترك فيها جميع الدول المؤثرة، وإن كنا نتمناه، فهل يعني ذلك أن نترك علاج الواقع لما بعد عشرات السنين؟ وهل نقول لهؤلاء الذين لهم حقوق والتزامات: عليكم بالصبر إلى ذلك الأجل؟ أو نقول لهم: إن النقود مثلية، فعليكم بأخذ نقودكم التي ثبتت لكم منذ سنوات والتي كانت لها القيمة.. فعليكم أن تأخذوا مثلها من الأوراق التي لم تبق لها قيمة تذكر؟
والذي أراه واجباً على أهل العلم النظر والاجتهاد أن ينظروا في هذه المسألة نظرة واقعية واعية فيجدوا لها حلًّا للأمور اليومية مع الحث على إيجاد حل دائم بعيد المدى.
إن استقرار النظام النقدي شرط أساسي لإقامة نظام اقتصادي إسلامي، وأنه هدف لا غنى عنه، حيث دلت الآيات والأحاديث الكثيرة على ذلك وأكدت بوضوح على وجوب رعاية المكاييل والموازين بكل عدالة وقسط، ومن المعلوم أن هذه الموازين ليست لوزن الأمور المادية فقط، وإنما هي مقاييس للقيمة.
وحينما يوجد التضخم فإنه يعني أن النقود لم تعد قادرة أن تكون مقياساً عادلاً، بل هو مقياس غير عادل يؤدي إلى عدم التوازن.
يقول الدكتور محمد عمر شابرا: "فإن التضخم يتعارض مع الاقتصادي الخالي من الربا، أنه يأكل بالتدريج سبب وجوده المتمثل في تحقيق العدالة الاجتماعية، ومع أن الإسلام يحث على إنصاف المقترض، فإنه لا يوافق على ظلم المقرض، والتضخم بلا شك يظلم المقرض في نطاق النظام الاقتصادي اللاربوي، وذلك من خلال التآكل التدريجي للقيمة الحقيقية للقرض الحسن الذي يقدم دون أي فائدة، أو حصة في الربح" (١)
ونحن نقترح للعلاج الوقتي ما يأتي:
أولاً: بيان معيار التضخم والانكماش: وأرى أن المعيار لذلك هو ربط النقود الورقية بسلة الذهب والفضة، أو السلع الأساسية، أي بمتوسط أسعارها عند نشأة الالتزام إلى قضائه، فإذا كان الفارق هو نسبة ٣٠? فيكون هناك تضخم إذا زادت الأسعار، أو انكماش إذا قلت الأسعار.
стр. 14763
ثانياً: الربط القياسي (في مجال الديون والأجور والرواتب) وذلك بأن ترتبط قيمة النقود الورقية بأهم السلع الأساسية (الذهب والفضة) .
معايير لمعرفة الأسعار، والتغيرات في قيمة النقود:
وبما أن القيمة الحقيقية للنقود الورقية تكمن في قوتها الشرائية وقدرتها على أن يتبادل بها مقدار من السلع والخدمات، فإننا نحتاج للوصول إلى الحل السليم إلى معرفة أمرين:
١- مفهوم الأسعار التي ترتبط بها قيمة النقود.
٢- معايير لقياس التغييرات في قيمة النقود.
أما الأمر الأول –فهناك نظريات حوله، ولكن الذي عليه معظم الاقتصاديين هو النظر إلى المستوى العام لأسعار أهم السلع المنتشرة في المجتمع، بحيث ينظر إلى قيمة السلعة بالنظر إلى وحدات النقود، فمثلاً لو كان سعر كيلو واحد من الأرز ريالين في عام ١٩٩٠م في حين بلغ سعره من نفس النوع عام ١٩٩١م ثلاثة ريالات، وهكذا الأمر في القمح، ومعظم السلع الأساسية، فإنه حينئذ يقال بوجود التضخم في ذلك النقد بنسبة الثلث مثلاً وهكذا.
وهناك معيار آخر وهو ما يسمى بالقياس النسبي الذي يعتد بنسبة مبادلة سلعة بسلعة أخرى، ثم ينظر إلى علاقاتها التبادلية والفروق بينهما، فمثلاً حينما نبادل كمية معينة من القمح بكمية معينة من الأرز دون أن توسط النقود، فقد عرفنا السعر النسبي للقمح بالنسبة للأرز وبالعكس، وهكذا الأمر في بقية السلع، وحينئذ تكون مجموع القيم، أو العلاقات الناشئة عن المبادلات بين السلع والخدمات المختلفة في فترة معينة، هيكل الأسعار في الاقتصاد القومي غير أن هذا المقياس قد انتقد؛ لأنه يؤدي إلى ما يقترب من نظام المقايضة (١)
وعلى أي حال فإن النظر إلى المستوى العام للأسعار، أو ما يسمى بالأسعار النسبية يتطلب معرفة معايير لقياس التغيرات في قيمة النقود، وهي تعتمد على عدة أسس وقواعد ينبغي مراعاتها عند تكوين هذه المعايير، وهي:
١- اختيار سنة الأساس، وهي الفترة التي نرجع إليها عند المقارنة، حيث يكون الرقم القياسي فيها ١٠٠?.
٢- اختيار السلع التي يتكون منها الرقم القياسي، وإعطاء كل سلعة داخلة في تركيب الرقم القياسي الوزن الحقيقي لها عند الحساب (٢)
стр. 14764
٣- ثم استخدام طريقة النسبة والتناسب بين السلع بعضها إلى بعض، وبينها وبين النقود وملاحظاً فيها سنة الأساس، والسنة الحالية، والمستوى العام السنوي والمستوى العام الكلي، كما سبق.
وأما المعايير المستخدمة للتعريف على التغيرات في قيمة النقود فهي:
١- معيار الجملة أي النظر إلى سعر الجملة، باعتبار أنه يمكن حسابه بسهولة، فننظر إلى قيمة البضاعة بالجملة عام ١٩٩٠م، ثم في عام ١٩٩٥م فيظهر الفرق.
٢- معيار نفقات المعيشة من المأكل والمشرب، والمسكن، وسائر المصروفات العادية، أو حسب تعبيرات فقهاؤنا: الضروريات، والحاجيات، والمحسنات، أي ما يحتاج إليه الفرد من السلع الضرورية لحفظ الضروريات الخمس، والسلع الحاجية من مواصلات، وتعليم، والسلع الكمالية المباحة شرعاً (دون إسراف ولا تبذير ولا تقتير) ، فينظر إلى الفرد العادي في عام ١٩٩٠م وما يكفيه من النقود ليعيش عيشة متوسطة، فيحسب أنه يكفيه مثلاً ثلاثمائة دينار، ثم ينظر إلى مثل هذا الشخص وكم يكفيه عام ١٩٩٥م مع ملاحظة نفس المستوى؟ فإذا كان يكفيه الآن خمسمائة فإن نسبة التضخم إذن هي عالية جدًّا أي ٦٠? وهكذا.
٣- معيار العمل من خلال سوق العمل حيث ينظر إلى معدل الأجر في عام ١٩٩٠م –مثلاً- مع ملاحظة معدل الأجر في عام ١٩٩٥م فيظهر الفرق، والتضخم (١)
فقهاؤنا القدامى فرقوا بين النقود الاصطلاحية، والنقود الذاتية.
فقد بين العلامة ابن عابدين أن الخلاف الجاري بين أبي حنيفة ومحمد وبين أبي يوسف في رد المثل، أو القيمة عند اقتراض النقود إنما هو في النقود الاصطلاحية مثل الفلوس، والدنانير والدراهم اللتين غلب الغش عليهما، أما النقود الذاتية –كالدنانير والدراهم الخالصة- فيكون الرد فيها بالمثل بالإجماع، حيث يقول: "ثم اعلم أن الظاهر من كلامهم أن جميع ما مر إنما هو في الفلوس، والدراهم التي غلب غشها.. ويدل عليه تعليلهم لقول أبي حنيفة بعد حكايتهم الخلاف بأن الثمنية بطلت بالكساد؛ لأن الدراهم التي غلب غشها إنما جعلت ثمناً بالاصطلاح، فإذا ترك الناس المعاملة بها بطل الاصطلاح فلم تبق ثمناً.. وكذا اختلافهم في أن الواجب رد المثل أو القيمة، فإنه حيث كانت لا غش فيها لم يظهر للاختلاف فيها معنى، بل كان الواجب رد المثل بلا نزاع أصلاً (٢)
وقد أشار ابن عابدين إلى ما نحن نسميه اليوم بمعيار تغيير قيمة النقود من خلال تقويم النقود بالسلع، فذكر أن النقود الاصطلاحية "تقوم بغيرها" في حين أن النقود الذاتية يقوم بها غيرها" (٣)
وهذا النص الفقهي يستأنس به في عملية التقويم الذي ذكرناه.
стр. 14765
الآراء الفقهية في تغير قيمة النقود:
منذ اشتغالي بهذا الموضوع في عام ١٩٨٦م إلى يومنا هذا أجد أن آراء المعاصرين تدور حول نقطتين.
أولاهما: أن نقودنا الورقية هل هي مثلية مثل الذهب والفضة، أم أنها يمكن أن تتحول إلى قيمة عند تغير قيمتها، أو انهيارها؟ وأن الذين يقولون بعدم الاعتناء بتغيرها قالوا: إنها مثلية مثل نقود الذهب والفضة.
ولذلك عالجت في بحثي الذي قدمته للمؤتمر الخامس لمجمع الفقه الإسلامي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي عام ١٩٨٨م هذا الموضوع من خلال قاعدة المثلي والقيمي، وأثبت بالأدلة المعتبرة أن نقودنا الورقية ليست مثل النقود الذهبية أو الفضة في كل شيء وأن الذهب نفسه قد تدخل فيه صنعة أو تغيير فيتحول إلى قيمي.
ثانيتهما: أن هؤلاء الذين قالوا بأن نقودنا الورقية يجب الرد فيها بالمثل اعتمدوا على آراء جمهور الفقهاء السابقين في أن تغير قيمة النقود ليس له أثر في الحقوق والالتزامات.
ومع أن في هذه المسألة خلاف أبي يوسف، ولكني أرى أنه لا ينبغي تنزيل آراء فقهائنا القدامى على نقودنا الورقية.
إذن: فالخلاف هنا الآن في فقه التنزيل، ولو نظرنا جميعاً نظرة واقعية لتبين لنا أننا لو قسنا النقود الورقية على النقود الذهبية والفضية في الرد بالمثل مهما تغيرت قيمتها لحكمنا بظلم بين على الدائن، ومن المعروف أن هذه الشريعة خالية عن الظلم، وقائمة على العدل، وأن أي مسألة خرجت من العدل إلى الظلم، فليست من هذه الشريعة، "وحيث ظهرت دلائل العدل وسفر وجهه فثم شرع الله، وأمره".
لذلك فالذي نراه راجحاً هو أن الأصل في النقود الورقية أيضاً أنها مثلية، ولا نخرجها عن المثلية إلا إذا زالت عنها هذه المثلية من انهيار قيمتها، أو وقع غبن فاحش فيها، وهذا إنما يظهر في الحقوق الآجلة، لا الحقوق العاجلة.
نظرية الظروف الطارئة تدعم هذا التوجه:
هذه النظرية التي تنبثق من قواعد العدالة والمصالح العامة وقاعدة وحديث ((لا ضرر ولا ضرار)) تتفق تماماً مع العلاج الذي ذكرناه والذي ذهب إليه بعض المالكية، ورجحوه.
وقد أقر المجمع الفقهي التابع لرابطة العالم الإسلامي في دورته الرابعة المنعقدة في ١٤٠٢هـ قواعد ومسائل في غاية من الأهمية انبثقت من نظرية الظروف الطارئة، نذكرها لأهميتها في الملحق.
стр. 14766
وهذا الربط بين هذه النظرية، وبين تغير قيمة النقود والحكم بقيمتها يوم التعاقد نجده في بعض الأحكام التي صدرت في مصر إثر سقوط الفرنك والمارك في العقد الثاني من هذا القرن، حيث صدر حكم محكمة الاستئناف المختلطة الصادر في ٤/٣/١٩٢٥م وحكمها الآخر في ٥/٩/١٩٢٥م، وحكمها الثالث في ١٨/٣/١٩٢٦م حيث حكمت في جميعها بأن يكون السداد طبقاً لسعر المارك يوم التعاقد. (١)
وقد ربط بعض الباحثين بين هذه النظرية وبين تغير قيمة النقود، وأصلها، فقال: "على أن تطبيق نظرية الظروف الطارئة في مسائل النقد في الفقه الإسلامي يظهر واضحاً فيما قرره ابن عابدين في العقود المعقودة بالقروش، إذا هبطت قيم العملات التي كان يحصل بها الوفاء هبوطاً متفاوتاً، فقد رأى أن الضرر الناشئ من هذا الهبوط لا يجوز أن يتحمله أحد العاقدين وحده، وإنما يجب أن يتحمله الاثنان معاً، وذلك بالوفاء من الأوسط من تلك العملات، وقد بنى رأيه على نية المتعاقدين وعلى حديث ((لا ضرر ولا ضرار)) وهو من قواعد نظرية الضرورة التي قامت على مبدأ العدالة، وهذا الرأي يطابق ما أخذ به القانون المصري والسوري من رد الالتزام المرهق إلى الحد المعقول".
وخلاصة ما ننهي به هذا الفصل أن نظرية الضرورة في الفقه الإسلامي بتطبيقاتها التي عرضنا لها، تتسع لنظرية الظروف الطارئة، بل يمكننا القول بأن هذه الأخيرة تعد من جملة تطبيقات نظرية الضرورة، ما دامت النظريتان قائمتين على أساس واحد وهو مبدأ العدالة (٢)
стр. 14767
فهل يبقى المتعاقد الملتزم على حدود عقده وأسعاره قبل أن تبدل الظروف وطروء التغييرات الكبيرة المشار إليها مهما تكبد في ذلك من خسائر ماحقة أو ساحقة، تمسكاً بمقتضى العقد وحدوده في الأسعار والكميات، أو له مخرج وعلاج من فقه الشريعة الحكيمة السمحة العادلة يعيد كفتي الميزان إلى التعادل، ويحقق الإنصاف بقدر الإمكان بين الطرفين؟
وقد نظر مجلس المجمع في النظائر الفقهية ذات الصلة بهذا الموضوع من فقه المذاهب واستعراض قواعد الشريعة ذات العلاقة مما يستأنس به ويمكن أن يوصى بالحكم القياسي والاجتهاد الواجب فقهاً في الشأن كما رجع إلى آراء فقهاء المذاهب فوجد ما يلي:
١- إن الإجارة يجوز للمستأجر فسخها بالطوارئ العامة التي يتعذر فيها استيفاء المنفعة كالحرب والطوفان ونحو ذلك، بل الحنفية يسوغون فسخ الإجارة أيضا بالأعذار الخاصة بالمستأجر مما يدل على أن جواز فسخها بالطوارئ العامة مقبول لديهم أيضاً بطريق الأولوية فيمكن القول أنه محل اتفاق وذكر ابن رشد في بداية المجتهد (ص ١٩٢ من طبعة الخانجي الأولى بالمطبعة الجمالية بمصر) تحت عنوان: (أحكام الطوارئ) أنه: (عند مالك أن أرض المطر –أي البعلية التي تشرب من ماء السماء فقط- إذا كريت فمنع القحط من زراعتها، أو إذا زرعها المكتري فلم ينبت الزرع لمكان القحط –أي بسببه- أن الكراء ينفسخ، وكذلك إذا استعذرت بالمطر حتى انقضى زمن الزراعة فلم يتمكن المكتري من زرعها) انتهى كلام ابن رشد.
٢- وذكر ابن قدامة المقدسي في كتاب الإجارة من المغني (المطبوع مع الشرح الكبير ج٦/ص٣٠) إنه: (إذا حدث خوف عام يمنع من سكنى ذلك المكان الذي فيه العين المستأجرة، أو تحصر البلد فامتنع الخروج إلى الأرض المستأجرة للزرع أو نحو ذلك، فهذا يثبت للمستأجر خيار الفسخ؛ لأنه أمر غالب يمنع المستأجر من استيفاء المنفعة، فأما إذا كان الخوف خاصًّا بالمستأجر، من أن يخاف وحده لقرب أعدائه ... لم يملك الفسخ؛ لأنه عذر يختص به لا يمنع استيفاء المنفعة بالكلية فأشبه مرضه) .
стр. 14768
ومما لا شك فيه أن العقد الذي يعقد وفقاً لنظامه الشرعي يكون ملزماً لعاقديه قضاء عملاً بقوله تعالى في كتابه العزيز: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: ١] .
ولكن قوة العقد الملزمة ليست أقوى من النص الشرعي الملزم للمخاطبين به كافة وقد وجد المجمع في مقاييس التكاليف الشرعية، ومعايير حكمة التشريع أن المشقة لا ينفك عنها التكليف عادة بحسب طبيعته، كمشقة القيام في الصلاة، ومشقة الجوع والعطش في الصيام، لا تسقط التكليف، ولا توجب فيه التخفيف، ولكنها إذا جاوزت الحدود الطبيعية للمشقة المعتادة في كل تكليف بحسبه، أسقطته أو خففته، كمشقة المريض في قيامه في الصلاة ومشقته في الصيام وكمشقة الأعمى والأعرج في الجهاد، فإن المشقة المرهقة عندئذ بالسبب الطارئ الاستثنائي توجب تدبيراً استثنائيًّا يدفع الحد المرهق منها، وقد نص على ذلك وأسهب في بيانه، وأتى عليه بكثير من الأمثلة في أحكام الشريعة الإمام أبو إسحاق الشاطبي ﵀ في كتابه (الموافقات في أصول الشريعة) .
فيتضح من ذلك أن الخسارة المعتادة في تقلبات التجارة لا تأثير لها في العقود؛ لأنها من طبيعة التجارة وتقلباتها لا تنفك عنها، ولكنها إذا جاوزت المعتاد المألوف كثيرا بمثل تلك الأسباب الطارئة الآنفة الذكر توجب عندئذ تدبيراً استثنائيًّا.
ويقول ابن القيم ﵀ في كتابه (إعلام الموقعين) :
(إن الله أرسل رسله وأنزل كتبه بالعدل الذي قامت به السماوات والأرض وكل أمر أخرج من العدل إلى الجور، ومن المصلحة إلى عكسها فليس من شرع الله في شيء وحيثما ظهرت دلائل العدل وسفر وجهه فثم شرع الله وأمره) (إعلام الموقعين) وقصر العاقدين إنما تكشف عنه وتحدده ظروف العقد، وهذا القصر لا يمكن تجاهله والأخذ بحرفية العقد مهما كانت النتائج فمن القواعد المقررة في فقه الشريعة أن العبرة في العقود للمقاصد والمعاني لا للألفاظ والمباني.
ولا يخفى أن طريق التدخل في مثل تلك الأحوال المعروضة آنفاً في العقود المتراخية التنفيذ لأجل إيجاد الحل العادل الذي يزيل الجور إنما هو من اختصاص القضاء ففي ضوء هذه القواعد والنصوص المعروضة التي تنير طريق الحل الفقهي السديد في هذه القضية المستجدة الأهمية، يقرر الفقه الإسلامي ما يلي:
١- في العقود المتراخية التنفيذ (كعقود التوريد والتعهدات والمقاولات) إذا تبدلت الظروف التي تم فيها التعاقد تبدلاً غير الأوضاع والتكاليف والأسعار تغييراً كبيراً بأسباب طارئة عامة لم تكن متوقعة حين التعاقد، فأصبح بها تنفيذ الالتزام العقدي يلحق بالملتزم خسائر جسيمة غير معتادة من تقلبات الأسعار في طرق التجارة، ولم يكن ذلك نتيجة تقصير أو إهمال من الملتزم في تنفيذ التزاماته، فإنه يحق للقاضي في هذه الحالة عند التنازع وبناء على الطلب تعديل الحقوق والالتزامات العقدية بصورة توزع القدر المتجاوز للمتعاقد من الخسارة على الطرفين المتعاقدين، كما يجوز له أن يفسخ العقد فيما لم يتم تنفيذه منه إذا رأى أن فسخه أصلح وأسهل في القضية المعروضة عليه، وذلك مع تعويض عادل للملتزم له صاحب الحق في التنفيذ، يجبر له جانباً معقولاً من الخسارة التي تلحقه من فسخ العقد بحيث يتحقق عدل بينهما دون إرهاق للملتزم ويعتمد القاضي في هذه الموازنات جميعاً رأي أهل الخبرة الثقات.
стр. 14769
٢- ويحق للقاضي أيضاً أن يمهل الملتزم إذا وجد أن السبب الطارئ قابل للزوال في وقت قصير، ولا يتضرر الملتزم له كثيراً بهذا الإهمال.
هذا وإن مجلس المجمع الفقهي يرى في هذا الحل المستمد من أصول الشريعة تحقيقاً للعدل الواجب بين طرفي العقد، ومنعاً للضرر المرهق لأحد العاقدين بسبب لا يد له فيه، وأن هذا الحل أشبه بالفقه الشرعي الحكيم، وأقرب إلى قواعد الشريعة ومقاصدها العامة وعدلها، والله ولي التوفيق وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه.
[توقيع] [اعتذر لمرضه]
نائب الرئيس رئيس مجلس المجمع الفقهي
محمد علي الحركان عبد الله بن حميد
الأعضاء
[توقيع] [توقيع] [توقيع]
عبد العزيز بن عبد الله بن باز محمد محمود الصواف صالح بن عثيمين
[توقيع] [تخلف عن الحضور] [توقيع]
محمد بن عبد الله بن السبيل مبروك العوادي محمد الشاذلي النيفر
[توقيع] [توقيع] [توقيع]
مصطفى أحمد الزرقاء عبد القدوس الهاشمي محمد رشيدي
[تخلف عن الحضور] [توقيع] [تخلف عن الحضور]
أبو الحسن علي الحسني الندوي أبو بكر محمود جومي حسنين محمد مخلوف
[توقيع] [تخلف عن الحضور] [توقيع]
محمد رشيد قباني محمود شيت خطاب محمد سالم عدود
مقرر المجمع الفقهي الإسلامي
محمد عبد الرحيم الخالي
[مقرر المجمع الفقهي الإسلامي]
محمد عبد الرحيم الخالد
стр. 14770
تمهيد
لا شك في أن قضية النقود الورقية، وما يصاحبها من تذبذب في أسعارها لا تزال تشغل بال المهتمين بالقضايا الاقتصادية، حيث إن لها أثراً كبيراً على الالتزامات والحقوق.
ولذلك ارتأيت أن أبحث هذا الموضوع (١) على ضوء قواعد الفقه الإسلامي، ولا سيما قاعدتا المثلي والقيمي، وأن أقدم خلاصة هذا الموضوع على شكل بحث إلى مجمع الفقه الإسلامي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي في دورته الخامسة التي انعقدت بالكويت في يناير ١٩٨٨، ونوقش البحث، ضمن مجموعة من البحوث المقدمة من السادة العلماء، ثم اتخذ قراراً بالأغلبية ضمنه فيه أن "العبرة في وفاء الديون الثابتة بعملية ما، هي بالمثل، وليس بالقيمة" ولم يرتض بهذا القرار جماعة من الحاضرين حتى قدموا مذكرة إلى الدورة السادسة المنعقدة بجدة وكان المجمع نفسه قد اتخذ قراراً في دورته الثالثة بعمان في أكتوبر ١٩٨٦ ضمنه فيه: أن العملات الورقية نقود اعتبارية، فيها صفة الثمنية كاملة، ولها الأحكام الشرعية المقررة للذهب والفضة من حيث أحكام الربا، والزكاة، والسلم وسائر أحكامهما.
وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على أهمية الموضوع، وحيويته، ولذلك لم يقتنع به مجموعة من أعضاء المؤتمر، فقدموا مذكرة للمجمع في دورته السادسة التي انعقدت بجدة في الفترة من ١٣-٢١ مارس ١٩٩٠ وقام المجمع فعلاً بتشكيل لجنة، فقررت إحالة هذا الموضوع إلى ندوة موسعة، يشترك فيها مجموعة من الفقهاء والاقتصاديين؛ ليصلوا إلى التوصيات المطلوبة بصدده.
وقد اكتنف العملات الورقية منذ ظهورها في أوربا اضطراب شديد وتذبذب في معظم الأوقات، ونالت قسطاً كبيراً من التقلبات: صعوداً ونزولاً، قوة وضعفاً وتضخماً وتدهوراً في قيمتها، بل انهياراً وانخفاضاً حادًّا قد يصل في بعض الأحيان إلى أن تفقد قوتها الشرائية ومعياريتها للسلع، بحيث تصبح السلع لها معياراً، كما حصل في ألمانيا بعد الحرب العالمية الأولى، والثانية، وقد أصبحت أصابع الاتهام تمتد نحو العملات الورقية بأنها السبب الأهم في التضخم، الذي تعاني منه معظم الدول، ويؤكد ذلك أن مثل هذا التضخم والتذبذب لم يشهد مثلهما العالم حينما كانت النقود الذهبية والفضية سائدة فيه.
стр. 14771
وعلى الرغم من كل هذه الآثار الخطيرة التي ترتبت على العملات الورقية، فإنها لم تفقد بعد قيمتها الاقتصادية وأهميتها في عالم الاقتصاد، فلا تزال شريانه العام الذي يتأثر به جميع فروع التعامل المحلي والعالمي، وتتحمل قسطاً كبيراً من المسؤولية عن الاستقرار المالي، أو زعزعته وعدم استقراره.
والذي عقدنا العزم على بحثه هنا ليس إثارة الشك في نقدية هذه العملات الورقية؛ لأن العرف على ذلك قائم، ولا في إيجاب الزكاة فيها؛ لأنها مال (١) ولا في الربا، حيث إن الربا فيها ثابت، وإنما لبحث ما يترتب على تذبذب أسعار النقود من آثار في الحقوق والالتزامات.
فهل هي مثل الذهب والفضة في جميع الأحكام أم أنها تختلف عنهما في بعض الأحكام؟ –أي تؤدي بعض وظائف النقود دون بعض- وبعبارة أخرى هل هي مثلية حتى يكون الرد فيها بالمثل دون النظر إلى قيمتها أم أنها قيمية يلاحظ فيها القيمة، ولكن مع وضع معايير لها حتى لا تضطرب الأحوال؟
لا شك في أن النتيجة على كلا الافتراضين لا تخلو من مخاطر، وذلك لأن القول بمثليتها مطلقاً تترتب عليه مشاكل تعتبر –في نظرنا- مظالم يجب الابتعاد عنها، وكذلك القول بقيميتها يؤدي إلى خلخلة النظام النقدي وتذبذبه بشكل خطير، وينتج عنه عدم وجود النقد في عالمنا المعاصر، ولكن هل بالإمكان الوصول إلى حل وسط يحفظ للنقد الورقي نقديته، ويلاحظ فيه قيمته على ضوء معايير مرنة لها ضوابطها وشروطها- كما سيأتي؟
حتى تكون الصورة أكثر وضوحاً نضرب هنا مثالين لهذا التذبذب الخطير في أسعار العملات الورقية.
المثال الأول:
أقرض شخص عام ١٩٧٠م مبلغاً قدره مائة ألف ليرة لبنانية لآخر يريد الآن (أي في أكتوبر ١٩٨٧) ردها. فما الواجب عليه؟ هل نقول بالمثلية ونقف عند الشك ويكون جوابنا بوجوب رد المبلغ المذكور بالليرة اللبنانية نفسها، أم نقول: نلاحظ القيمة والقوة الشرائية لهذا النقد في وقت القبض، حيث كان المبلغ السابق في وقته يشترى به منزل محترم، أو مطابع، أو عشرات الأطنان من الغذاء، أو عدة آلاف من الذهب، وكان يساوي حوالي خمسين ألف دولار أمريكي، حيث كانت الليرة الواجدة تساوي نصف دولار أمريكي تقريباً، أما الآن فالدولار الواحد يساوي حوالي (٤٠٠ ليرة) (٢) فعلى ضوء ذلك فمائة ألف ليرة تساوي الآن (٢٥٠) دولاراً فقط، فعلى ضوء ذلك فالدائن لم يسترد في مقابل مبلغه الكبير إلا هذا المبلغ الضئيل، الذي لا يساوي أكثر من أن يطعم به عدد محدود من الناس، ولا يشترى به إلا حوالي ستة عشر جراماً من الذهب الخالص، بل إن الصحف نشرت أن بعض اللبنانيين زينوا بيوتهم بهذه العملات الورقية؛ لأنها أرخص حتى من الورق العادي نفسه.
стр. 14772
المثال الثاني:
ما حدث للمارك الألماني بعد الحرب العالمية الأولى والثانية، حيث انهارت قيمته وأصبحت عشرات الآلاف منه لا يشترى بها إلا رغيف واحد، فلو أخذ شخص من آخر آنذاك ديناً قدره عشرة آلاف مارك، ليشترى بها رغيفاً أو نصف رغيف، ثم مضت السنون، وارتفع المارك الألماني –كما في وقتنا الحاضر- وطالب الدائن بالاسترداد فكم يرد؟ هل يرد المبلغ السابق رعاية للمثل أم تلاحظ فيه قيمته الشرائية في وقته؟ فالمبلغ السابق اشترى به المدين في وقته نصف رغيف، أما الآن فهو يساوي حوالي (٥٨٩٥) دولاراً أي يشتري به عدة أطنان من المواد الغذائية.
ولا يقال: إن هذين المثالين من الأمور النادرة التي تعكس قاعدة عامة، وذلك لأن أغلب العملات قد أصابها تذبذب كبيرة مثل الليرة التركية، والجنيه المصري، والدينار العراقي، والليرة السورية، والروبية، وغيرها من العملات العربية والإسلامية والأجنبية، وإن كانت بنسب متفاوتة، كما أن نسبة الهبوط، أو الارتفاع لم تصل إلى ما بلغته الليرة اللبنانية، والمارك الألماني.
ثم إن الآثار التي نجمت عنها لا تقف عند رد القروض، بل تشمل جميع الحقوق والالتزامات المؤجلة، مثل الإيجارات، والرواتب، والمهور، وبدل الطلاق (الخلع) وغير ذلك.
وبالنسبة لكثير من الدول الغربية –مصدر نشأة النقود الورقية- تفادوا كثيراً من مشاكلها على مستوى الإجارات، والرواتب، حيث إنها تلاحظ نسبة التضخم، وتراعى القوة الشرائية للعملة، ووضعت بعضها سلة للسلع يقيسون بها القوة الشرائية للنقود، كما أن النظام الغربي الرأسمالي قائم على الفوائد الربوية التي تغطي – في نظره غالباً- تذبذب النقود واضطراب أسعارها، في حين أن نظامنا الإسلامي لا يسمح بذلك قطعاً.
وفي الواقع قد بلغت هذه المشكلة ذروتها وترتبت عليها نتائج خطيرة، أدت إلى إعادة النظر في كثير من المسائل المتعلقة بنظام النقد العالمي، لذلك أولاها الاقتصاديون العالميون عناية بالغة، وأدركوا سلبيات نظام الورق النقدي، وما ترتب عليه من صعوبات جمة، ومشاكل خطيرة وقعت في حبائلها الدول والأفراد، فقد عقدت، لأجل وضع الحلول لها، مؤتمرات دولية على مستوى المتخصصين، ورؤساء الدول، والتي كان آخرها مؤتمر صندوق النقد الدولي في شهر سبتمبر ١٩٨٧ الذي كان المندوب الأمريكي قد اقترح فيه ربط الدولار بالذهب، بأن يوافق المؤتمر على أن يكتب عليه أن الدولار يساوي كذا من الذهب، وحينئذ يرتبط الدولار بالذهب، ويستقر سعره ولكن دون أن تضع أمريكا في مقابله غطاءً حقيقيًّا من الذهب، ولذلك تصدى له المندوب البلجيكي وسفه رأيه، واعتبر ذلك غنماً دون أن يكون عليه غرم، ومعنى ذلك لو قدمت أمريكا غطاءً فعليًّا من الذهب، لرضي به المؤتمرون، كما أنه بجانب ذلك هناك اقتصاديون غربيون يعدون بكل ما لديهم من قوة، إلى إعادة الغطاء الذهبي، لكن صوته خافت نتيجة التعتيم الإعلامي.
стр. 14773
ومن الجدير بالتنبيه عليه أن هذه المشاكل جاءت إثر تقرير نظام ورقي ليس لنا –نحن المسلمين- دور في إنشائه، ولا في تطويره وما ترتب عليه من تضخم، حيث ولد هذا النظم الورقي في أحضان الغرب والنظام الرأسمالي، وكانت ولادته بحيلة قانونية –كما نشرحها- ومن هنا فلا بد ألا ننظر إليه نظرة تقديس، بحيث لا يمكن أن يمسها تغيير أو تبديل، أو نعتبره الذي لا يمكن تغييره، أو الاجتهاد فيه، فقد رأينا الاقتراح الأمريكي القائم على ربط الدولار بالذهب مرة أخرى، بعد أن ألغى هذا الربط نتيجة الضغوط الاقتصادية، ولو كان لأمريكا غطاء فعلي من الذهب، لقبله المؤتمرون.
ومن جانب آخر إن الدول الغربية الكبرى تستطيع من خلال ربط نقود كثير من الدول بنقودها أن تتحكم حسب ما يحقق مصالحهم، فأمريكا تستطيع من خلال نقدها، الذي ارتبطت به كثير من نقود العالم والمعاملات الدولية، أن تضرب مصالح كثير من الدول من خلال تخفيض سعر الدولار، كما حصل بالنسبة لليابان، حيث قامت بعدة إجراءات أدت إلى خفض سعر الدولار، وبالتالي ارتفع سعر الين الياباني، وترتب على ذلك ارتفاع أسعار المنتجات اليابانية وخفض أسعار المنتجات الأمريكية، أو ثباتها، وبالتالي إقبال الناس عليها، كما نراه الآن، حيث أقبل الناس على شراء السيارات الأمريكية بدلاً من السيارات اليابانية، وأيضاً يمكن للغرب التحكم في عدم الفاعلية في كثير من المساعدات التي تقدم إلى الدول الفقيرة، حيث إن التضخم يقلل من فاعليتها، فلو كانت نقود الدول مرتبطة بالذهب والفضة فهل كان بإمكان أية دولة أن تتحكم بهذه الصورة في مصير الشعوب والأفراد؟ وهل كانت الحروب تؤثر في دخول الأفراد وأموالهم التي جمعوها بعرق الجبين ثم تصبح بين عشية وضحاها شيئاً لا قيمة له؟
وسنتكلم في هذا البحث عن تعريف النقود، والسياسة النقدية في الإسلام بإيجاز، ثم عن نبذة تاريخية عنها، وكيفية ظهور العملات الورقية، والأساس الذي اعتمدت عليه، وعلاقتها بالذهب والفضة، ثم تناول فيه أحكام الذهب والفضة، وأحكام الفلوس، إذا كانت رائجة، أو كاسدة، أو ملغية، ثم نثير موضوع القيميات والمثليات في الفقه الإسلامي، والمعايير التي وضعها الفقهاء لهما، ثم مدى تطبيقها على النقود الورقية، ثم نصل إلى خلاصة البحث والرأي الذي يرجحه الدليل وتأثيره الفقهي، والمعيار الذي نعتمد عليه عند التقويم، ومتى نلجأ إليه؟ وزمن التقويم ومكانه، وما يدور في هذا الفلك بإذن الله تعالى.
стр. 14774
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
المقدمة:
قبل أن نخوض في غمار البحث، أرى من الضروري أن نذكر بعض مبادئ تكون ممهدات له وهي:
المبدأ الأول:
أن ما ورد فيه النص الثابت من الكتاب والسنة، الخالي من المعارض المعتبر، لا يجوز الاجتهاد بخلافه تحت أي غطاء "فلا اجتهاد مع النص" لأنه الأصل وما عداه الفرع، فلا ينبغي أن يعارض الأصل بالفرع، ولكن ذلك لا يمنع من الاجتهاد في النص من حيث الدلالات والمعاني والعلل المعتبرات.
ولما كانت النقود الورقية حديثة العهد، لم تكن موجودة في عصر الرسول الكريم ﷺ ، ولا في عصر الصحابة والتابعين والفقهاء، وإنما ظهرت في عصرنا الحاضر، لذلك فباب الاجتهاد فيها مفتوح على ضوء القواعد العامة في فقهنا الإسلامي العظيم، ومن هنا فوجود الآراء السائدة فيها سواء كانت على شكل رأي فردي، أو رأي بعض مجامع فقهية، لا يمنع من طرح هذه القضية مرة أخرى لا سيما إذا صاحبتها ظروف وملابسات جدية لم تكن موجودة، أو لم تظهر بشكلها الحالي من قبل، للوصول إلى تأصيل الرأي المختار من خلال الأطر العامة والقواعد الكلية للشريعة الغراء، مع ملاحظة ما جد فيها من أمور لم تكن موجودة من قبل.
المبدأ الثاني:
إن الاجتهادات المبنية على المصلحة تدور معها وجوداً وعدماً، وقد عقد ابن القيم لها فصلاً في كتابه القيم: إعلام الموقعين، وسرد لذلك أمثلة كثيرة.
المبدأ الثالث:
رعاية المقاصد والمبادئ الأساسية والقواعد الكلية التي انبثقت من الشريعة الغراء مقدمة على رعاية الجزئيات والفروع، ولا سيما إذا كانت اجتهادية، فمن هذه المبادئ: مبدأ العدل وعدم الظلم، الذي جاء لأجله الإسلام قال تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾ [الحديد: ٢٥] يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: "والأصل في العقود جميعها هو العدل، فإنه بعثت به الرسل وأنزلت الكتب.. والشارع نهى عن الربا، لما فيه من الظلم، وعن الميسر، لما فيه من الظلم" (١) والإسلام هو العدل المطلق في كل الاعتبارات والأحوال ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآَنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [المائدة: ٨] ، ولذلك أمر بتحقيق العدالة حتى مع المرابين: ﴿لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٧٩] فكيف لا يطبق هذا المبدأ على الدائنين؟
стр. 14775
ومن هذه المبادئ والقواعد العامة قاعدة ((لا ضرر ولا ضرار)) (١) التي هي حديث نبوي شريف تلقته الأمة بالقبول، وأصبح من الكليات التي عليها مدار الفقه الإسلامي.
المبدأ الرابع:
مراعاة حقيقة الشيء دون الشكل والاسم فقط، ومن هنا لا بد من رعاية الجانب التاريخي، والمراحل التي مرت بها النقود الورقية، والظروف التي أحاطت بكيفية ظهورها، حيث كانت في البداية بمثابة ورقة توثيق وسند بالذهب المودع عند الصراف، أو البنك ثم تبنتها الدولة بغطاء كامل، ثم بغطاء ناقص، ثم ألغت هذا الغطاء –كما سيتضح فيما بعد- ومن هنا، فما قاله العلماء حولها لا بد من رعاية هذا الجانب التأريخي، فلا نحمل قولهم في فترة زمنية محددة بخصوص النقد الورقي على إطلاقه وعمومه، بل لا بد من ملاحظة هذا البعد التاريخي والظروف التي لابسته.
فعلى ضوء هذه المبادئ العامة، والمقاصد العامة للشريعة، والنصوص الواردة في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، نسير في إلقاء المزيد من الضوء على هذه المسألة المهمة التي تمس حياتنا المعاصرة، باحثين عن كل مسألة فقهية، تتعلق بها في بطون الكتب الفقهية، مهما كانت متناثرة كي تكون تأصيلاً لها وبمثابة جذور تعتمد عليها.
السياسة النقدية في الإسلام:
عني العلماء المسلمون بالسياسة النقدية وأولوها عناية كبيرة، وناطوها بالإمام ضمن وظائفه السلطانية قال الإمام أحمد: "لا يصلح ضرب الدراهم إلا في دار الضرب بإذن السلطان؛ لأن الناس إن رخص لهم ركبوا العظائم، فقد منع من الضرب بغير إذن السلطان، لما فيه من الافتيات عليه" (٢) ولما فيه من المخاطر العظيمة، كما أوجبوا على الدولة الإسلامية أن توفر للنقود جوًّا من الاستقرار والثبات، وتبعد عنها كل الوسائل المؤدية إلى اضطرابها وتذبذبها، ولذلك حرم الغش فيها، وشدد في ذلك أكثر من غيره، باعتبار أن النقود معايير للأشياء، فأضرار الغش فيها أكثر خطورة، وأشد ضرراً وإضراراً، يقول ابن خلدون: "ولفظ السكة كان اسماً للطابع، وهي الحديدة المتخذة لذلك، ثم نقل إلى أثرها، وهي النقوش الماثلة على الدنانير والدراهم، ثم نقل إلى القيام على ذلك، والنظر في استيفاء حاجاته وشروطه وهي الوظيفة، فصار علماً عليها في عرف الدول، وهي وظيفة ضرورية للملك، إذ بها يتميز الخالص من المغشوش بين الناس في النقود عند المعاملات، ويتقون في سلامتها من الغش بختم السلطان" (٣)