← Фикх общий

Фикх общий · id 8356

مجلة مجمع الفقه الإسلامي

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (22 276 стр.). Показаны 14771–14810 · переход к 14776.

стр. 14771

وعلى الرغم من كل هذه الآثار الخطيرة التي ترتبت على العملات الورقية، فإنها لم تفقد بعد قيمتها الاقتصادية وأهميتها في عالم الاقتصاد، فلا تزال شريانه العام الذي يتأثر به جميع فروع التعامل المحلي والعالمي، وتتحمل قسطاً كبيراً من المسؤولية عن الاستقرار المالي، أو زعزعته وعدم استقراره. والذي عقدنا العزم على بحثه هنا ليس إثارة الشك في نقدية هذه العملات الورقية؛ لأن العرف على ذلك قائم، ولا في إيجاب الزكاة فيها؛ لأنها مال (١) ولا في الربا، حيث إن الربا فيها ثابت، وإنما لبحث ما يترتب على تذبذب أسعار النقود من آثار في الحقوق والالتزامات. فهل هي مثل الذهب والفضة في جميع الأحكام أم أنها تختلف عنهما في بعض الأحكام؟ –أي تؤدي بعض وظائف النقود دون بعض- وبعبارة أخرى هل هي مثلية حتى يكون الرد فيها بالمثل دون النظر إلى قيمتها أم أنها قيمية يلاحظ فيها القيمة، ولكن مع وضع معايير لها حتى لا تضطرب الأحوال؟ لا شك في أن النتيجة على كلا الافتراضين لا تخلو من مخاطر، وذلك لأن القول بمثليتها مطلقاً تترتب عليه مشاكل تعتبر –في نظرنا- مظالم يجب الابتعاد عنها، وكذلك القول بقيميتها يؤدي إلى خلخلة النظام النقدي وتذبذبه بشكل خطير، وينتج عنه عدم وجود النقد في عالمنا المعاصر، ولكن هل بالإمكان الوصول إلى حل وسط يحفظ للنقد الورقي نقديته، ويلاحظ فيه قيمته على ضوء معايير مرنة لها ضوابطها وشروطها- كما سيأتي؟ حتى تكون الصورة أكثر وضوحاً نضرب هنا مثالين لهذا التذبذب الخطير في أسعار العملات الورقية. المثال الأول: أقرض شخص عام ١٩٧٠م مبلغاً قدره مائة ألف ليرة لبنانية لآخر يريد الآن (أي في أكتوبر ١٩٨٧) ردها. فما الواجب عليه؟ هل نقول بالمثلية ونقف عند الشك ويكون جوابنا بوجوب رد المبلغ المذكور بالليرة اللبنانية نفسها، أم نقول: نلاحظ القيمة والقوة الشرائية لهذا النقد في وقت القبض، حيث كان المبلغ السابق في وقته يشترى به منزل محترم، أو مطابع، أو عشرات الأطنان من الغذاء، أو عدة آلاف من الذهب، وكان يساوي حوالي خمسين ألف دولار أمريكي، حيث كانت الليرة الواجدة تساوي نصف دولار أمريكي تقريباً، أما الآن فالدولار الواحد يساوي حوالي (٤٠٠ ليرة) (٢) فعلى ضوء ذلك فمائة ألف ليرة تساوي الآن (٢٥٠) دولاراً فقط، فعلى ضوء ذلك فالدائن لم يسترد في مقابل مبلغه الكبير إلا هذا المبلغ الضئيل، الذي لا يساوي أكثر من أن يطعم به عدد محدود من الناس، ولا يشترى به إلا حوالي ستة عشر جراماً من الذهب الخالص، بل إن الصحف نشرت أن بعض اللبنانيين زينوا بيوتهم بهذه العملات الورقية؛ لأنها أرخص حتى من الورق العادي نفسه.

стр. 14772

المثال الثاني: ما حدث للمارك الألماني بعد الحرب العالمية الأولى والثانية، حيث انهارت قيمته وأصبحت عشرات الآلاف منه لا يشترى بها إلا رغيف واحد، فلو أخذ شخص من آخر آنذاك ديناً قدره عشرة آلاف مارك، ليشترى بها رغيفاً أو نصف رغيف، ثم مضت السنون، وارتفع المارك الألماني –كما في وقتنا الحاضر- وطالب الدائن بالاسترداد فكم يرد؟ هل يرد المبلغ السابق رعاية للمثل أم تلاحظ فيه قيمته الشرائية في وقته؟ فالمبلغ السابق اشترى به المدين في وقته نصف رغيف، أما الآن فهو يساوي حوالي (٥٨٩٥) دولاراً أي يشتري به عدة أطنان من المواد الغذائية. ولا يقال: إن هذين المثالين من الأمور النادرة التي تعكس قاعدة عامة، وذلك لأن أغلب العملات قد أصابها تذبذب كبيرة مثل الليرة التركية، والجنيه المصري، والدينار العراقي، والليرة السورية، والروبية، وغيرها من العملات العربية والإسلامية والأجنبية، وإن كانت بنسب متفاوتة، كما أن نسبة الهبوط، أو الارتفاع لم تصل إلى ما بلغته الليرة اللبنانية، والمارك الألماني. ثم إن الآثار التي نجمت عنها لا تقف عند رد القروض، بل تشمل جميع الحقوق والالتزامات المؤجلة، مثل الإيجارات، والرواتب، والمهور، وبدل الطلاق (الخلع) وغير ذلك. وبالنسبة لكثير من الدول الغربية –مصدر نشأة النقود الورقية- تفادوا كثيراً من مشاكلها على مستوى الإجارات، والرواتب، حيث إنها تلاحظ نسبة التضخم، وتراعى القوة الشرائية للعملة، ووضعت بعضها سلة للسلع يقيسون بها القوة الشرائية للنقود، كما أن النظام الغربي الرأسمالي قائم على الفوائد الربوية التي تغطي – في نظره غالباً- تذبذب النقود واضطراب أسعارها، في حين أن نظامنا الإسلامي لا يسمح بذلك قطعاً. وفي الواقع قد بلغت هذه المشكلة ذروتها وترتبت عليها نتائج خطيرة، أدت إلى إعادة النظر في كثير من المسائل المتعلقة بنظام النقد العالمي، لذلك أولاها الاقتصاديون العالميون عناية بالغة، وأدركوا سلبيات نظام الورق النقدي، وما ترتب عليه من صعوبات جمة، ومشاكل خطيرة وقعت في حبائلها الدول والأفراد، فقد عقدت، لأجل وضع الحلول لها، مؤتمرات دولية على مستوى المتخصصين، ورؤساء الدول، والتي كان آخرها مؤتمر صندوق النقد الدولي في شهر سبتمبر ١٩٨٧ الذي كان المندوب الأمريكي قد اقترح فيه ربط الدولار بالذهب، بأن يوافق المؤتمر على أن يكتب عليه أن الدولار يساوي كذا من الذهب، وحينئذ يرتبط الدولار بالذهب، ويستقر سعره ولكن دون أن تضع أمريكا في مقابله غطاءً حقيقيًّا من الذهب، ولذلك تصدى له المندوب البلجيكي وسفه رأيه، واعتبر ذلك غنماً دون أن يكون عليه غرم، ومعنى ذلك لو قدمت أمريكا غطاءً فعليًّا من الذهب، لرضي به المؤتمرون، كما أنه بجانب ذلك هناك اقتصاديون غربيون يعدون بكل ما لديهم من قوة، إلى إعادة الغطاء الذهبي، لكن صوته خافت نتيجة التعتيم الإعلامي.

стр. 14773

ومن الجدير بالتنبيه عليه أن هذه المشاكل جاءت إثر تقرير نظام ورقي ليس لنا –نحن المسلمين- دور في إنشائه، ولا في تطويره وما ترتب عليه من تضخم، حيث ولد هذا النظم الورقي في أحضان الغرب والنظام الرأسمالي، وكانت ولادته بحيلة قانونية –كما نشرحها- ومن هنا فلا بد ألا ننظر إليه نظرة تقديس، بحيث لا يمكن أن يمسها تغيير أو تبديل، أو نعتبره الذي لا يمكن تغييره، أو الاجتهاد فيه، فقد رأينا الاقتراح الأمريكي القائم على ربط الدولار بالذهب مرة أخرى، بعد أن ألغى هذا الربط نتيجة الضغوط الاقتصادية، ولو كان لأمريكا غطاء فعلي من الذهب، لقبله المؤتمرون. ومن جانب آخر إن الدول الغربية الكبرى تستطيع من خلال ربط نقود كثير من الدول بنقودها أن تتحكم حسب ما يحقق مصالحهم، فأمريكا تستطيع من خلال نقدها، الذي ارتبطت به كثير من نقود العالم والمعاملات الدولية، أن تضرب مصالح كثير من الدول من خلال تخفيض سعر الدولار، كما حصل بالنسبة لليابان، حيث قامت بعدة إجراءات أدت إلى خفض سعر الدولار، وبالتالي ارتفع سعر الين الياباني، وترتب على ذلك ارتفاع أسعار المنتجات اليابانية وخفض أسعار المنتجات الأمريكية، أو ثباتها، وبالتالي إقبال الناس عليها، كما نراه الآن، حيث أقبل الناس على شراء السيارات الأمريكية بدلاً من السيارات اليابانية، وأيضاً يمكن للغرب التحكم في عدم الفاعلية في كثير من المساعدات التي تقدم إلى الدول الفقيرة، حيث إن التضخم يقلل من فاعليتها، فلو كانت نقود الدول مرتبطة بالذهب والفضة فهل كان بإمكان أية دولة أن تتحكم بهذه الصورة في مصير الشعوب والأفراد؟ وهل كانت الحروب تؤثر في دخول الأفراد وأموالهم التي جمعوها بعرق الجبين ثم تصبح بين عشية وضحاها شيئاً لا قيمة له؟ وسنتكلم في هذا البحث عن تعريف النقود، والسياسة النقدية في الإسلام بإيجاز، ثم عن نبذة تاريخية عنها، وكيفية ظهور العملات الورقية، والأساس الذي اعتمدت عليه، وعلاقتها بالذهب والفضة، ثم تناول فيه أحكام الذهب والفضة، وأحكام الفلوس، إذا كانت رائجة، أو كاسدة، أو ملغية، ثم نثير موضوع القيميات والمثليات في الفقه الإسلامي، والمعايير التي وضعها الفقهاء لهما، ثم مدى تطبيقها على النقود الورقية، ثم نصل إلى خلاصة البحث والرأي الذي يرجحه الدليل وتأثيره الفقهي، والمعيار الذي نعتمد عليه عند التقويم، ومتى نلجأ إليه؟ وزمن التقويم ومكانه، وما يدور في هذا الفلك بإذن الله تعالى.

стр. 14774

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ المقدمة: قبل أن نخوض في غمار البحث، أرى من الضروري أن نذكر بعض مبادئ تكون ممهدات له وهي: المبدأ الأول: أن ما ورد فيه النص الثابت من الكتاب والسنة، الخالي من المعارض المعتبر، لا يجوز الاجتهاد بخلافه تحت أي غطاء "فلا اجتهاد مع النص" لأنه الأصل وما عداه الفرع، فلا ينبغي أن يعارض الأصل بالفرع، ولكن ذلك لا يمنع من الاجتهاد في النص من حيث الدلالات والمعاني والعلل المعتبرات. ولما كانت النقود الورقية حديثة العهد، لم تكن موجودة في عصر الرسول الكريم ﷺ ، ولا في عصر الصحابة والتابعين والفقهاء، وإنما ظهرت في عصرنا الحاضر، لذلك فباب الاجتهاد فيها مفتوح على ضوء القواعد العامة في فقهنا الإسلامي العظيم، ومن هنا فوجود الآراء السائدة فيها سواء كانت على شكل رأي فردي، أو رأي بعض مجامع فقهية، لا يمنع من طرح هذه القضية مرة أخرى لا سيما إذا صاحبتها ظروف وملابسات جدية لم تكن موجودة، أو لم تظهر بشكلها الحالي من قبل، للوصول إلى تأصيل الرأي المختار من خلال الأطر العامة والقواعد الكلية للشريعة الغراء، مع ملاحظة ما جد فيها من أمور لم تكن موجودة من قبل. المبدأ الثاني: إن الاجتهادات المبنية على المصلحة تدور معها وجوداً وعدماً، وقد عقد ابن القيم لها فصلاً في كتابه القيم: إعلام الموقعين، وسرد لذلك أمثلة كثيرة. المبدأ الثالث: رعاية المقاصد والمبادئ الأساسية والقواعد الكلية التي انبثقت من الشريعة الغراء مقدمة على رعاية الجزئيات والفروع، ولا سيما إذا كانت اجتهادية، فمن هذه المبادئ: مبدأ العدل وعدم الظلم، الذي جاء لأجله الإسلام قال تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾ [الحديد: ٢٥] يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: "والأصل في العقود جميعها هو العدل، فإنه بعثت به الرسل وأنزلت الكتب.. والشارع نهى عن الربا، لما فيه من الظلم، وعن الميسر، لما فيه من الظلم" (١) والإسلام هو العدل المطلق في كل الاعتبارات والأحوال ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآَنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [المائدة: ٨] ، ولذلك أمر بتحقيق العدالة حتى مع المرابين: ﴿لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٧٩] فكيف لا يطبق هذا المبدأ على الدائنين؟

стр. 14775

ومن هذه المبادئ والقواعد العامة قاعدة ((لا ضرر ولا ضرار)) (١) التي هي حديث نبوي شريف تلقته الأمة بالقبول، وأصبح من الكليات التي عليها مدار الفقه الإسلامي. المبدأ الرابع: مراعاة حقيقة الشيء دون الشكل والاسم فقط، ومن هنا لا بد من رعاية الجانب التاريخي، والمراحل التي مرت بها النقود الورقية، والظروف التي أحاطت بكيفية ظهورها، حيث كانت في البداية بمثابة ورقة توثيق وسند بالذهب المودع عند الصراف، أو البنك ثم تبنتها الدولة بغطاء كامل، ثم بغطاء ناقص، ثم ألغت هذا الغطاء –كما سيتضح فيما بعد- ومن هنا، فما قاله العلماء حولها لا بد من رعاية هذا الجانب التأريخي، فلا نحمل قولهم في فترة زمنية محددة بخصوص النقد الورقي على إطلاقه وعمومه، بل لا بد من ملاحظة هذا البعد التاريخي والظروف التي لابسته. فعلى ضوء هذه المبادئ العامة، والمقاصد العامة للشريعة، والنصوص الواردة في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، نسير في إلقاء المزيد من الضوء على هذه المسألة المهمة التي تمس حياتنا المعاصرة، باحثين عن كل مسألة فقهية، تتعلق بها في بطون الكتب الفقهية، مهما كانت متناثرة كي تكون تأصيلاً لها وبمثابة جذور تعتمد عليها. السياسة النقدية في الإسلام: عني العلماء المسلمون بالسياسة النقدية وأولوها عناية كبيرة، وناطوها بالإمام ضمن وظائفه السلطانية قال الإمام أحمد: "لا يصلح ضرب الدراهم إلا في دار الضرب بإذن السلطان؛ لأن الناس إن رخص لهم ركبوا العظائم، فقد منع من الضرب بغير إذن السلطان، لما فيه من الافتيات عليه" (٢) ولما فيه من المخاطر العظيمة، كما أوجبوا على الدولة الإسلامية أن توفر للنقود جوًّا من الاستقرار والثبات، وتبعد عنها كل الوسائل المؤدية إلى اضطرابها وتذبذبها، ولذلك حرم الغش فيها، وشدد في ذلك أكثر من غيره، باعتبار أن النقود معايير للأشياء، فأضرار الغش فيها أكثر خطورة، وأشد ضرراً وإضراراً، يقول ابن خلدون: "ولفظ السكة كان اسماً للطابع، وهي الحديدة المتخذة لذلك، ثم نقل إلى أثرها، وهي النقوش الماثلة على الدنانير والدراهم، ثم نقل إلى القيام على ذلك، والنظر في استيفاء حاجاته وشروطه وهي الوظيفة، فصار علماً عليها في عرف الدول، وهي وظيفة ضرورية للملك، إذ بها يتميز الخالص من المغشوش بين الناس في النقود عند المعاملات، ويتقون في سلامتها من الغش بختم السلطان" (٣)

стр. 14776

وقد نهى القرآن الكريم عن الغش، في الكيل والميزان وبخس النقود فقال تعالى: ﴿وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا﴾ [الأعراف: ٨٥] ، وقال تعالى على لسان شعيب أيضاً: ﴿وَيَا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ [هود: ٨٥] . وقد ذكر المفسرون أن المراد بالبخس هو قطع الدراهم والدنانير والإنقاص منها والغش فيها. يقول القاضي أبو بكر: "قال ابن وهب: قال مالك كانوا –أي قوم شعيب- يكسرون الدنانير والدراهم، وكذلك قال جماعة من المفسرين المتقدمين، وكسر الدنانير والدراهم ذنب عظيم؛ لأنها الواسطة في تقدير قيم الأشياء، والسبيل إلى معرفة كمية الأموال، وتنزيلها في المعاوضات حتى عبر عنها بعض العلماء بأنها القاضي بين الأموال عند اختلاف المقادير أو جهلها، وإن من حبسها ولم يصرفها، فكأنه حبس القاضي وحجبه عن الناس، والدراهم والدنانير إذا كانت صحاحاً قام معناها، وظهرت فائدتها، فإذا كسرت صارت سلعة، وبطلت الفائدة فيها، فأضر ذلك بالناس، فلأجله حرم. وقد قال ابن المسيب: قطع الدنانير والدراهم من الفساد في الأرض، وكذلك قال زيد بن أسلم في هذه الآية، وفسرها به، ومثلها عن يحيى بن سعيد من رواية مالك عنهم كلهم". وقد قيل في قوله تعالى: ﴿وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ﴾ [النمل: ٤٨] . قال زيد بن أسلم: "كانوا يكسرون الدراهم والدنانير" (١) وقد شدد العلماء في عقوبة الغش في النقود، فقد روى عن عمر بن عبد العزيز أنه جعله من الفساد في الأرض (٢) ولذلك نرى مجيء النهي عن الإفساد في الأرض بعد قوله تعالى: ﴿وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ﴾ [الأعراف: ٨٥] في الآيتين السابقتين، بل إن بعض العلماء ذهبوا إلى عدم قبول شهادته، قال ابن العربي: "قال أصبغ: قال عبد الرحمن بن القاسم: من كسرها لم تقبل شهادته، وإن اعتذر بالجهالة لم يعذر.." ثم قال القاضي: "إذا كان هذا معصية وفساداً يرد الشهادة، فإنه يعاقب من فعل ذلك"، واختلف في عقوبته على ثلاثة أقوال: الأول: قال مالك: يعاقبه السلطان على ذلك هكذا مطلقاً، (أي يناط الأمر في عقوبته باجتهاد الإمام، حسب الظروف والملابسات التي تحيط بكل قضية) .

стр. 14777

الثاني: قال ابن المسيب – ونحوه عن سفيان: إنه مر برجل قد جلد، فقال ابن المسيب: ما هذا؟ فقالوا: رجل كان يقطع الدراهم، قال ابن المسيب: هذا من الفساد في الأرض، ولم ينكر جلده. الثالث: قال أبو عبد الرحمن التجبيى: كنت عند عمر بن عبد العزيز قاعداً، وهو إذ ذاك أمير المدينة، فأتى برجل يقطع الدراهم، وقد شهد عليه، فضربه وحلقه، فأمر فطيف به.. ثم قال له: إنه لم يمنعني أن أقطع يدك إلا إني لم أكن قد تقدمت في ذلك قبل اليوم فقد تقدمت في ذلك فمن شاء فليقطع. قال ابن العربي معلقاً على هذا: "وأما قطع يده، فإنما أخذ ذلك عمر –والله أعلم- من فصل السرقة، وذلك أن قرض الدراهم غير كسرها، فإن الكسر إفساد الوصف، والقرض تنقيص القدر، فهو أخذ مال على جهة الاختفاء.. وقد أنفذ ذلك ابن الزبير، وقطع يد رجل في قطع الدراهم والدنانير" ثم قال: "وأرى القطع في قرضها دون كسرها، وقد كنت أفعل ذلك أيام توليتي الحكم" (١) وقد اعتبره أحمد أيضاً في رواية من الفساد في الأرض، حيث سئل عن كسر الدراهم؟ فقال: "هو عندي من الفساد في الأرض" (٢) وذكر القاضي أبو يعلي، أن مروان بن الحكم قطع يد رجل قطع درهماً من دراهم فارس، وروى ابن منصور أنه قال لأحمد: "إن ابن الزبير قدم مكة فوجد بها رجلاً يقرض الدراهم فقطع يده" (٣) كل ذلك يدل على مدى الأهمية والمخاطر التي تنجم عن التلاعب بالنقود التي يترتب عليه الظلم، وهضم الحقوق، واضطراب الأحوال والأسواق. قال الشيخ رشيد رضا: "والبخس أعم من نقص المكيل والموزون، فإنه يشمل غيرهما من المبيعات كالمواشي والمعدودات، ويشمل البخس في المساومة، والغش والحيل التي تنتقص بها الحقوق، وكذا بخس الحقوق المعنوية كالعلوم والفضائل" (٤) وإذا تدبرنا في الآيات الخاصة بمنع البخس نرى أنها تضمنت في المكانين النهي عن الإفساد، والتأكيد على أن التوحيد وعدم البخس هو الخير ففي سورة الأعراف: ﴿قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٨٥) ﴾ [الأعراف: ٨٥-٨٦] .

стр. 14778

وفي سورة هود: ﴿وَيَا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (٨٥) بَقِيَّةُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [هود: ٨٥- ٨٦] حيث يدلان بوضوح على مدى العلاقة الوثيقة بين الإفساد والبخس وعدم الوفاء بالكيل والميزان بالقسط، ثم التأكيد فيهما على أن التوحيد والالتزام بالعدالة والميزان بالقسط، ثم التأكيد فيهما على أن التوحيد والالتزام بالعدالة وعدم بخس الأشياء والنقود، يعود بالنفع والخير على المجتمع وعلى الإنسانية جميعاً، وما نراه الآن من مشاكل التضخم والديون يؤكد ذلك، ويبرهن على إصلاح المجتمع وسعادته، لا يتمان إلا من خلال العدالة والحفاظ على الاستقرار والتوازن المطلوب، هذا من جانب، ومن جانب آخر نرى القرآن الكريم أمر بعبادة الله وحده، ثم دعاهم إلى العدالة وعدم الغش، مما يدل على أن القدرة على الإصلاح لا تتأتى إلا إذا كانت قد سبقها الإعداد الروحي الإيماني، يقول الأستاذ رشيد رضا: "فالتحقيق الذي ثبت بالدلائل العقلية والنقلية والتجارب الدقيقة أن ملكات الفضائل لا تطبع في الأنفس إلا بالتربية الدينية" (١) ويقول ابن رشد: "الدنانير التي قطعها من الفساد في الأرض هي الدنانير الدائمة التي تجوز عدداً بغير وزن، فإذا قطعت، فردت ناقصة، غش بها الناس، فكان ذلك من الفساد في الأرض"، وقد جاء في تفسير قوله تعالى: ﴿قَالُوا يَا شُعَيْبُ أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آَبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ﴾ [هود:٨٧] : "أنهم أرادوا بذلك قطع الدنانير والدراهم؛ لأنه كان قد نهاهم عن ذلك.." (٢) وقد حرم الإسلام الغش في كل شيء، ومنه النقود، فقال ﷺ : ((من غشنا فليس منا)) (٣) كما دلت السنة المشرفة على حرمة كسر سكة المسلمين الجائزة بينهم، إلا إذا كان فيها أمر يقتضي ذلك، فقد روى أحمد والحاكم وأبو داود وابن ماجه بسندهم أن رسول الله ﷺ نهى أن تكسر سكة المسلمين الجائزة بينهم، إلا من بأس (٤) قال الشوكاني: "وفي معنى كسر الدراهم.. كسر الفلوس التي عليهم سكة الإمام، ولا سيما إذا كان التعامل هذا جارياً بين المسلمين كثيراً. والحكمة في النهي: ما في الكسر من الضرر، بإضاعة المال لما يحصل من النقصان في الدراهم ونحوها إذا كسرت، وأبطلت المعاملة بها، ولا يخفى أن الشارع لم يأذن في الكسر إلا إذا كان بها بأس، ومجرد الإبدال، لنفع البعض ربما أفضى إلى الضرر بالكثير من الناس" وقال أبو العباس ابن سريح: "إنهم كانوا يقرضون أطراف الدراهم والدنانير بالمقراض، ويخرجونهما عن السعر الذي يأخذونهما به، ويجمعون من تلك القراضة شيئاً كثيراً بالسبك، كما هو معهود في المملكة الشامية وغيرها، وهذه الفعلة هي التي نهى الله عنها قوم شعيب بقوله: ﴿وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ﴾ [هود: ٨٥] فقالوا: ﴿أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آَبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا﴾ [هود: ٨٧] يعني الدراهم والدنانير ﴿مَا نَشَاءُ﴾ [هود: ٨٧] من القرض –أي القطع- ولم ينتهوا عن ذلك، فأخذتهم الصيحة ". (٥)

стр. 14779

وقد تكلم الفقهاء عن واجبات الإمام نحو إصدار النقود حيث حصروه عليه، ولم يسمحوا لغيره من المؤسسات الخاصة بإصدارها، وترتب على ذلك أن يكون حجم النقود بالقدر المطلوب، بحيث لا يؤدي إلى تضخم، أو انكماش، بالإضافة إلى أن الطلب على النقود في إطار الإسلام ليس في اكتنازها واختزانها، ولا لاستخدامها في إحداث التلاعب في أسعار السلع، وإما هو ينصرف إلى دافع المعاملات، الأمر الذي يحدث قدراً كبيراً من التوازن بين الكمية المعروضة، والكمية المطلوبة من النقود، ويدل على ذلك تحريم الاكتناز، بل إن فرض الزكاة على النقود، يجعل صاحبها لا يفكر في الاختزان المجرد وإلا فتأكلها الصدقة والنفقة، وذلك؛ لأن مهمة النقود أن تتحرك، وتتداول لا أن تكتنز وتحبس، فتؤدي إلى كساد الأعمال وانتشار البطالة، وركود الأسواق، وانكماش الحركة الاقتصادية، (١) ولذلك اقترح بعض علماء الاقتصاد الغربيين أن يحدد للنقود تاريخ للإصدار والانتهاء بحيث تفقد قيمتها بعد مضي مدتها، فحينئذ لا تكون قابلة للاكتناز والادخار. (٢) ولم يكتف الفقهاء بمجرد إناطة إصدار النقود إلى الإمام بل قالوا: "ينبغي ألا يغفل النظر إن ظهر في سوقهم دراهم مبهرجة ومخالطة بالنحاس بأن يشتد فيها، ويبحث عمن أحدثها، فإذا ظفر به أناله من شدة العقوبة، وأمر أن يطاف به الأسواق، لينكله ويشرد به من خلفه، لعلهم يتقون عظيم ما نزل من العقوبة، ويحبسه بعد على قدر ما يرى، ويأمر أوثق من يجد بتعاهد ذلك من السوق حتى تطيب دراهمهم ودنانيرهم، ويحرزوا نقودهم، فإن هذا أفضل ما يحط رعيته فيه ويعمهم نفعه في دينهم ودنياهم". (٣) وقد حذر شيخ الإسلام ابن تيمية من المخاطر الناجمة عن شيوع العملات الزائفة ومسئولية الإمام نحوها فقال: "ولهذا ينبغي للسلطان أن يضرب لهم فلوساً تكون بقيمة العدل في معاملاتهم، من غير ظلم لهم، ولا يتجر ذو السلطان في الفلوس أصلاً.." ولا بأن يحرم عليهم الفلوس التي بأيديهم، ويضرب لهم غيرها، بل يضرب ما يضرب قيمته من غير ربح فيه، للمصلحة العامة، ويعطى أجرة الصناع من بيت المال، فإن التجارة فيها باب عظيم من أبواب ظلم الناس، وأكل أمول الناس بالباطل، فإنه إذا حرم المعاملة بها، حتى صارت عرضاً، وضرب لهم فلوساً أخرى، أفسد ما عندهم من الأموال بنقص أسعارها، فيظلمهم فيها، وظلمهم فيها بصرفها بأغلى سعرها. وأيضاً فإذا اختلفت مقادير الفلوس، صارت ذريعة إلى أن الظلمة يأخذون صغاراً فيصرفونها، وينقلونها إلى بلد آخر، ويخرجون صغارها، فتفسد أموال الناس. (٤)

стр. 14780

وقد ذكر فقهاؤنا الأجلاء أن فساد النقود دليل على فساد السياسة، قال القاضي أبو يعلى: "وقد كان الفرس عند فساد أمورهم، فسدت نقودهم"، ولذلك لم يجوز الحنابلة –في الرواية الراجحة- إنفاق المغشوشة، فقال أحمد في رواية محمد بن إبراهيم، وقد سأله عن المزيفة فقال: "لا يحل" قيل له: إنه يراها ويدري أي شيء هي؟ قال: "الغش حرام وإن بين" هذا إذا كان الغش بيناً أما إذا كان الغش لا يظهر، فلا يجوز رواية واحدة. (١) ويقول السيوطي: يكره للإمام إبطال المعاملة الجارية بين الناس. وقال الشافعي والأصحاب: يكره للإمام ضرب الدراهم المغشوشة، للحديث الصحيح: ((من غشنا فليس منا)) ؛ ولأن فيه إفساداً للنقود وإضراراً بذوي الحقوق وغلاء الأسعار، وغير ذلك من المفاسد، ومن ملك دراهم مغشوشة، كره له إمساكها، بل يسبكها ويصفيها. (٢) وقد اتخذ الفقهاء عدة وسائل عملية، لمنع تداول العملات المغشوشة إضافة إلى تحريمها، وفرض العقوبات على من يقوم بصنعها وتداولها، والترهيب بالعذاب الأخروي عليها.. من هذه الوسائل أن العملات المضروبة الصحيحة السالمة الكاملة، هي التي يقع عليها العقود والحقوق عند ذكرها مطلقة، ومنها امتناع العاملين على الخراج والصدقات والجبايات من أخذ المغشوشة، يقول الماوردي، وأبو يعلى: "وإذا خلص العين والورق من غش كان هو المعتبر في النقود المستحقة، والمطبوع منها بالسكة السلطانية الموثوق بسلامة طبعها، المأمون من تبديلها وتلبيسها، هي المستحقة، ولذلك كان هو الثابت في الذمم فيما يطلق من أثمان المبيعات وقيم المتلفات، فأما مكسور الدراهم والدنانير فلا يلزم آخذه في الخراج، لالتباسه، وجواز اختلاطه، ولذلك نقصت قيمتها عن المضروب الصحيح". (٣)

стр. 14781

ومن مظاهر هذه العناية توحيد المكاييل والموازين: جاء الإسلام ولم يكن للعرب نقود خاصة بهم، وإنما كانت ترد إليهم الدراهم من الإمبراطورية الفارسية، والدنانير من الإمبراطورية الرومية، قال ابن عبد البر: "كانت الدنانير في الجاهلية، وأول الإسلام بالشام وعند عرب الحجاز كلها ورمية تضرب ببلاد الروم عليها صورة الملك، واسم الذي ضربت في أيامه مكتوب بالرومية، ووزن كل دينار منها مثقال كمثقالنا هذا، وكانت الدراهم بالعراق.. كسروية عليها صورة كسرى واسمه فيها مكتوب بالفارسية ووزن كل درهم منها مثقال.." (١) ويقول الرافعي: "وقد ذكر الشيخ أبو حامد وغيره أن المثقال لم يختلف في جاهلية ولا إسلام، وأما الدراهم فإنها كانت مختلفة الأوزان، والذي استقر الأمر عليه، في الإسلام، أن وزن الدرهم الواحد ستة دوانيق، كل عشرة منها بسبعة مثاقيل من ذهب.." (٢) وقال الحافظ ابن حجر: "غالب ما كانوا يتعاملون به من أنواع الدراهم في عصره ﷺ هو أربعة، فأخذوا واحداً من هذه وقسموها إلى نصفين، وجعلوا كل واحد درهما". (٣) ولكن الصحيح هو أن الدراهم أيضاً كانت معلومة الوزن والمقدار في عصر النبي ﷺ وذلك؛ لأنها تعلقت بها أحكام شرعية من زكاة ونحوها، ولا يمكن أن تتعلق الأحكام إلا بشيء معلوم، يقول الإمام النووي: "الصحيح الذي يتعين اعتماده واعتقاده أن الدراهم المطلقة في زمن رسول الله ﷺ كانت معلومة الوزن معروفة المقدار، وهي السابقة إلى الأفهام عند الإطلاق وبها تتعلق الزكاة وغيرها من الحقوق، والمقادير الشرعية، ولا يمنع من هذا كونه كأن هناك دراهم أخرى أقل أو أكثر من هذا القدر، وإطلاق النبي ﷺ الدراهم محمول على المفهوم عند الإطلاق وهو كل درهم ستة دوانق، وكل عشرة سبعة مثاقيل، وأجمع أهل العصر الأول، فمن بعدهم إلى يومنا على هذا، ولا يجوز أن يجمعوا على خلاف ما كان في زمن رسول الله ﷺ ، وخلفائه الراشدين" (٤) ثم نقل عن القاضي عياض قوله: "لا يصح أن تكون الأوقية والدراهم مجهولة في زمن رسول الله ﷺ ، وهو يوجب الزكاة في أعداد منها، وتقع بها البياعات والأنكحة كما ثبت في الأحاديث الصحيحة.. وقول من زعم أن الدراهم لم تكن معلومة إلى زمن عبد الملك بن مروان، وأنه جمعها برأي العلماء.. قول باطل.." (٥) وبهذا قال ابن خلدون في مقدمته، (٦) وأيًّا ما كان فإن الرسول ﷺ قد وحد لأمته الموازين والمكاييل فقال: ((الوزن وزن أهل مكة، والمكيال مكيال أهل المدينة)) (٧) وذلك، " لأن أهل مكة كانوا أهل تجارة، فكانوا يتعاملون بالأوزان من المثاقيل والدراهم والأواقي ونحوها، فيكونون فيها أدق وأضبط، أما أهل المدينة فكانوا فيها أدق، وأضبط فأمر بالرجوع في كل معيار إلى من هم أعلم به، وأضبط له، وأحرص على الدقة فيه" (٨)

стр. 14782

وقد ذكر ابن خلدون أن الدرهم والدينار كانا معلومي المقدار، ولكن مقدارهما غير مشخص في الخارج، وإنما كان متعارفاً بينهم بالحكم الشرعي على المقدار في مقدارهما وزنتهما، حتى استفحل الإسلام وعظمت الدولة، ودعت الحال إلى تشخيصهما في المقدار والوزن كما هو عند الشرع، ليستريحوا من كلفة التقدير، وكان ذلك في عهد عبد الملك، حيث شخص مقدارهما وعينهما في الخارج، كما هو في الذهن، ثم أبدى ابن خلدون أسفه على ما وقع من الدول الإسلامية من عدم اتباعها سياسة موحدة بهذا الاتجاه، فقال: "فهذا هو الحق الذي لا محيد عنه، ومن بعد ذلك وقع اختيار أهل السكة في الدول على مخالفة المقدار الشرعي في الدينار والدرهم، واختلفت في كل الأقطار والآفاق، ورجع الناس إلى تصور مقاديرهما الشرعية ذهناً كما كان في الصدر الأول، وصار أهل كل أفق يستخرجون الحقوق الشرعية من سكتهم بمعرفة النسبة التي بينها وبين مقاديرها الشرعية (١) فقد أشار ابن خلدون إلى هذه الحقيقة الناصعة في عالم الاقتصاد وهي توحيد الأمة في مكاييلها وموازينها وربطها في ذلك أيضاً بدينها، وهذا ما التفتت إليها الدول المتحضرة، وغزتنا بها، فلو قام المسلمون على مكاييل أهل المدينة وموازين أهل مكة كما أمرهم وأرشدهم إليهما رسولنا الكريم ﷺ ، لما وقع كل هذه الاختلافات فيهما، وما كنا نسمع الرطل البغدادي، والرطل المصري، والرطل الشامي وغيرها، بل كانت الموازين والمكاييل ثابتة مستقرة، لما أخذت كل هذه الجهود التي بذلها الفقهاء في هذه الاختلافات فيهما التابعة للبلدان والأزمان، ولكانت مكايلنا وموازيننا هي السائدة في العالم. قال السندي: ".. وكانت الصيعان مختلفة في البلاد.. والدراهم مختلفة في الأوزان في البلاد وكانت دراهم أهل مكة هي الدراهم المعتبرة في باب الزكاة، فأرشدهم النبي ﷺ إلى ذلك بهذا الكلام" (٢) وقد حذر النبي ﷺ من خطورة الاختلاف في الموازين والمكاييل، فقال ﷺ لأصحابهما: ((إنكم قد وليتم أمرين هلكت فيه الأمم السالفة قبلكم)) (٣) كما حذر النبي ﷺ من مغبة التضخية بهذه المكاييل والموازين، حيث جعلها من علامات الساعة فقال: "منعت العراق درهمها وقفيزها، ومنعت الشام مديها، ودينارها، ومنعت مصر إردبها وديناراها" (٤) فقد تحقق ذلك الآن حيث تركت هذه النقود، والمكاييل والموازين في العالم الإسلامي، وسادت المكاييل والموازين الغربية، وفقدت الأمة هذه الذاتية، إذن فلا بد من العودة إليها ومن هذا المنطلق نفسه دعا النبي ﷺ لأهل المدينة بأن يبارك الله تعالى في مكيالهم وصاعهم ومدهم، كما ذكر دعاء إبراهيم لأهل مكة (٥)

стр. 14783

وقد أوضح شيخ الإسلام ابن تيمية خطورة البخس في النقود والمكاييل والموازين، فقال: "أما بخس المكيال والميزان فهو من الأعمال التي أهلك الله بها قوم شعيب. وقص علينا قصتهم في غير موضع من القرآن، لنعتبر بذلك، والإصرار على ذلك من أعظم الكبائر، وصحبه مستوجب تغليظ العقوبة، وينبغي أن يؤخذ منه ما بخس من أموال المسلمين على طول الزمان، ويصرف في مصالح المسلمين إذا لم يمكن إعادته إلى أصحابه" (١) هذا وكانت النسبة بين الدراهم والدينار هي ٧: ١٠ أي كل عشرة دراهم تساوي من حيث الوزن سبعة مثاقيل، في حين أن كل دينار مثقال –كما ذكرنا- والمثقال يساوي (٤.٢٥ جرام) والدرهم يساوي (٢.٩٧٥ جرام) (٢) أما من حيث القيمة، فكانت النسبة العشر تقريباً، حيث كان الدينار يساوي في عصر النبي ﷺ عشرة دراهم.. فقد روى أبو داود بسنده، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده قال: "كانت قيمة الدية على عهد رسول الله ﷺ ثماني مائة دينار، وثمانية آلاف درهم" (٣) ولكن هذه النسبة لم تظل مستمرة، حيث ارتفعت النسبة فصارت ١/١٢ أي كل دينار يساوي اثني عشر درهما، حيث روى أبو داود بسنده السابق: "فكان ذلك كذلك، حتى استخلف عمر فقام خطيباً فقال: ألا أن الإبل قد غلت. قال: ففرضها عمر على أهل الذهب ألف دينار، وعلى أهل الورق اثنى عشر ألفاً" (٤) بل إن هناك بعض الروايات تدل على أن الدية قد بلغت قيمتها في عصر رسول الله ﷺ أيضاً اثنى عشر ألف درهم. (٥) كل ذلك يعني أن الإسلام قد أقر نظام المعدنين، وربط بينهما ربطاً محكماً مما ساعد على ثبات الأثمان، وعدم وقوع الناس في الظلم وهضم الحقوق، كما شدد تشديداً منقطع النظير بخصوص الغش في العملات وكسر سكة المسلمين، وبخسها، لما يترتب عليها من مظالم بشعة، واضطرابات، وهذا ما تنبه إليه بعض علماء الاقتصاد الغربيين أخيراً من خلال قانون (جريشام) القائم على منع وجود العملة الرديئة في الدولة؛ لأنها تطرد العملة الجيدة، وبالتالي تصبح أموال الناس بدون مقابل يذكر (٦) حتى شبه البعض هذه المسألة بأنه: كما أن شرار الناس يطردون خيارهم، فكذلك تطرد العملة الرديئة العملة الجيدة. (٧) ومن هذا العرض الموجز يتبين لنا أن السياسة النقدية في الإسلام تقوم على توفير جو الاستقرار للنقود، والنظر إليها، باعتبارها المعايير للأشياء والحاكم على السلع، ومن هنا شدد في تحريم الغش في النقود، وحرم قطعها وكسرها وكل ما يؤدي إلى ظلم الناس وبخس أشيائهم والإضرار بحقوقهم والتزاماتهم، وقد رأينا أن ابن القيم قد ذكر بوضوح أن على الدولة أن تحافظ على الأسعار المستقرة للنقود وألا تجعلها كالسلع، ومن هنا لا يتصور إذا طبقت هذه السياسة أن يحدث تضخم، وذلك أن التضخم –كما يصوره الاقتصاد الحديث- هو بمثابة قطع جزء من النقد، فلو حصل تضخم بنسبة ٥٠? فإن ذلك يعني أن الدولة اقتطعت من هذا النقد ٥٠?.

стр. 14784

وبالإضافة إلى ذلك، فإن الفقهاء كما رأينا ذكروا أن إصدار النقود من وظائف الدولة، ولا يجوز لغيرها من الأفراد إصدارها إلا بتخويل منها، كما أن السياسة الإسلامية تقتضي جمع المسلمين على موازين ومكاييل ونقود متحدة، لما في ذلك من أهمية ذاتية واقتصادية وسياسية، وعلاوة على ذلك تحريم الإسلام للفوائد على النقود، حيث إن لها تأثيراً كبيراً في قيمة النقود وتذبذبها. التعريف بالنقد: النقد لغة: خلاف النسيئة، فيقال: نقد الدراهم ينقدها نقداً، وانتقدها، وتنقدها، ونقده إياها نقداً: أي أعطاها نقداً معجلاً، فانتقدها أي قبضها، والنقد تمييز الدراهم، فيقال: نقدت الدراهم وانتقدتها إذا أخرجت منه الزيف، ويطلق النقد على الدراهم والدنانير أيضاً، (١) ولذلك نرى الفقهاء يذكرون في كتاب الزكاة: باب زكاة النقدين كما نراهم يطلقون "النقدين" عليهما. (٢) وفي اصطلاح الفقهاء: حصر الفقهاء القدامى مفهوم النقدين، أو النقود، أو النقد في الذهب والفضة، لما لهما من مميزات، حتى قال بعضهم: إنهما قد خلقهما الله تعالى، لأداء هذا الدور (٣) ثم اختلفوا في أن غيرهما إذا راج بين الناس، ونال رضاهم وثقتهم، فهل يلحق بهما في الأحكام أو لا؟ فذهب جماعة منهم المالكية إلى أن العبرة في ذلك بالرواج عند الناس والقبول، حتى قال الإمام مالك: "لو أن الناس قد أجازوا بينهم الجلود، حتى يكون لها سكة وعين، لكراهتها أن تباع بالذهب والورق نظرة" (٤) قال الخرشي: "حكم الفلوس حكم النقد، هي ليست من جزئيات النقد" (٥) وذهب آخرون منهم الشافعي إلى عدم الاعتداد بذلك، ولذلك ظلت الفلوس غير ملحقة بالنقود عنده. (٦)

стр. 14785

وقد ذكر فقهاؤنا عدة وظائف للنقود منها، "أثمان المبيعات، وقيم المتلفات والديات" (١) وشرح الإمام الغزالي بعضها شرحاً رائعاً حيث قال: "ومن نعم الله تعالى خلق الدراهم والدنانير، وبهما قوم الدنيا، وهما حجران، لا منفعة في أعيانهما – (أي من حيث ذاتهما، حيث لا ينفعان للأكل والشرب واللباس، وإنما هما للزينة والجمال) - ولكن يضطر الخلق إليهما من حيث إن كل إنسان محتاج إلى أعيان كثيرة في مطعمه ولملبسه وسائر حاجاته، وقد يعجز عما يحتاج إليه، ويملك ما يستغنى عنه، كمن يملك الزعفران مثلاً وهو محتاج إلى جمل يركبه، (أو بالعكس) فلا بد بينهما من معاوضة، ولا بد في مقدار العوض من تقدير، إذ لا يبذل صاحب الجمل جمله بكل مقدار من الزعفران، ولا مناسبة بين بالزعفران والجمل حتى يقال: يعطى منه مثله في الوزن، أو الصورة، وكذا من يشتري داراً بثياب، أو دقيقاً بحمار، فهذه الأشياء لا تناسب فيها فلا يدرى أن الجمل كم يساويه بالزعفران، فتتعذر المعاملات جدًّا، فافتقرت هذه الأعيان المتنافرة المتباعدة إلى متوسط بينها يحكم فيها بحكم عدل، فيعرف من كل واحد رتبته ومنزلته حتى إذا تقررت المنازل، وترتبت الرتب، علم بعد ذلك المساوي من غير المساوي، فخلق الله تعالى الدنانير والدراهم حاكمين ومتوسطين بين سائر الأحوال، حتى تقدر الأموال بهما، فيقال: هذا الجمل يسوى مائة دينار، وهذا القدر من الزعفران يساوي مائة فهما من حيث إنهما مساويان بشيء واحد، إذن متساويان، وإنما أمكن التعديل بالنقدين إذ لا غرض في أعيانهما ولو كان في أعيانهما غرض، ربما اقتضى خصوص ذلك الغرض في حق صاحب الغرض ترجيحاً، ولم يقتض ذلك في حق من لا غرض له فلا ينتظم الأمر، فإذن خلقهما الله تعالى، لتتداولهما الأيدي، ويكونا حاكمين بين الأموال بالعدل، ولحكمة أخرى، هي التوسل بهما إلى سائر الأشياء؛ لأنهما عزيزان في أنفسهما ولا غرض في أعيانهما، ونسبتهما إلى سائر الأموال نسبة واحدة، فمن ملكها فكأنه ملك كل شيء لا كمن ملك ثوباً فإنه لم يملك إلا الثوب، فلو احتاج إلى طعام ربما لم يرغب صاحب الطعام في الثوب؛ لأن غرضه في دابة مثلاً، فاحتيج إلى شيء هو في صورته، كأنه ليس بشيء وهو معناه كأنه كل الأشياء، والشيء إنما تستوي نسبته إلى المختلفات، إذا لم تكن له صورة خاصة يفيدها بخصوصها، كالمرآة لا لون لها وتحكي كل لون، فكذلك النقد لا غرض فيه وهو وسيلة إلى كل غرض.. فهذه الحكمة الثانية. وما خلقت الدراهم والدنانير لزيد خاصة ولا لعمر خاصة، إذ لا غرض للآحاد في أعيانهما، فإنهما حجران وإنما خلقا، لتتداولهما الأيدي فيكونا حاكمين بين الناس، وعلامة معرفة للمقادير مقومة للمراتب. (٢)

стр. 14786

والذي يظهر لي رجحانه هو أن كل ما ناله ثقة الناس في التعامل به وأصبح ثمناً ومعياراً للأموال فهو نقد يجري فيه الربا وتجب فيه الزكاة ولكن ذلك لا يمنع من رعاية القيمة في حالات خاصة –كما سيتضح إن شاء الله- يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: "والأظهر أن العلة في ذلك هو الثمنية، لا الوزن كما قاله جمهور العلماء. والتعليل بالثمنية تعليل بوصف مناسب، فإن المقصود من الأثمان أن تكون معياراً للأموال، يتوسل بها إلى معرفة مقادير الأموال، ولا يقصد الانتفاع بعينها، فمتى بيع بعضها ببعض إلى أجل قصد بها التجارة التي تناقض مقصود الثمنية، واشتراط الحلول والتقابض فيها، هو تكميل لمقصودها من التوسل بها إلى تحصيل المطالب، فإن ذلك إنما يحصل بقبضها، لا بثبوتها في الذمة مع أنها ثمن من طرفين فنهى الشارع أن يباع ثمن بثمن إلى مؤجل، فإذا صارت الفلوس أثماناً، صار فيها المعنى، فلا يباع ثمن بثمن إلى مؤجل" ثم ذكر بأن العاقل لا يبيع الشيء بمثله إلى أجل، ولكن قد يقرض الشيء، ليأخذ مثله بعد حين أملاً في الأجر والثواب العظيم عند الله تعالى، ولذلك فالقرض هو تبرع من جنس العارية، فهو تبرع من صاحبه، ينتفع آخر منه تلك المدة، والدراهم لا تقصد عينها، ثم أكد على أن المقرض يستحق مثل قرضه في صفته من الثمنية والقوة، فقال: "والمقرض يستحق مثل قرضه في صفته، كما يستحق مثله في الغصب والإتلاف، ومن هنا لا بد من مراعاة الوزن، حتى لا يرد درهماً خفيفاً بدل درهم ثقيل في الوزن" (١) وقد أوضح ذلك ابن القيم، فقال: "فإن الدراهم والدنانير أثمان المبيعات، والثمن هو المعيار الذي به يعرف تقويم الأموال، فيجب أن يكون محدوداً مضبوطاً لا يرتفع، ولا ينخفض. إذ لو كان الثمن يرتفع، وينخفض – كالسلع - لم يكن لنا ثمن نعتبر به المبيعات، بل الجميع سلع، وحاجة الناس إلى ثم يعتبرون به المبيعات، حاجة ضرورية عامة، وذلك لا يمكن إلا بسعر تعرف به القيمة، وذلك لا يكون إلا بثمن تقوم به الأشياء، ويستمر على حالة واحدة، ولا يقوم هو بغيره، إذ يصير سلعة يرتفع وينخفض، فتفسد معاملات الناس، ويقع الخلف، ويشتد الضرر، كما رأيت، من فساد معاملاتهم، والضرر اللاحق بهم حين اتخذت الفلوس سلعة تعد للربح فعم الضرر، وحصل الظلم، ولو جعلت ثمناً واحداً لا يزداد ولا ينقص، بل تقوم به الأشياء، ولا تقوم هي بغيرها لصلح أمر الناس" (٢) فقد أوضح هؤلاء الفقهاء بكل دقة ووضوح وظيفة النقود في هذا الوقت المبكر، قبل أن تظهر الأفكار الاقتصادية الحديثة، وقاموا بالتأصيل النظري لقضية العقود، حيث بينوا بأن النقود وسيط للتبادل بين السلع، حيث قال الغزالي: "فهذه الأشياء لا تناسب فيها، فافتقرت إلى متوسط بينهما يحكم فيها العدل، فيعرف من كل واحد رتبته ومنزلته، حتى إذا تقررت المنازل وترتبت الرتب، علم بعد ذلك المساوى من غير المساوى، فخلق الله الدنانير والدراهم حاكمين ومتوسطين بين سائر الأموال، حتى تقدر الأموال بهما، فيقال: هذا الجمل يساوي مائة من الدينار". كما دل هذا النص أيضاً على أن النقود مقياس للقيم، وأوضح ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية حيث قال: "فإن المقصود من الأثمان أن تكون معياراً للأموال، يتوسل بهما إلى معرفة مقادير الأموال" وقال ابن القيم في توضيح هذه الوظيفة: "والثمن هو المعيار الذي به يعرف تقويم الأموال" (٣)

стр. 14787

ثم إن الإمام الغزالي أوضح لنا وظيفة أخرى للنقود هي: أنها مخزون للثروة، حينما قال: "لأنهما عزيزان في أنفسهما، فيمن ملكهما فكأنه ملك كل شيء، لا كمن ملك ثوباً، فإنهم يملك إلا الثوب". وكل من هؤلاء الفقهاء، وغيرهم أشاروا إلى معيارية النقود، وبذلك اتضح لنا أن كل ما قاله علماء الاقتصاد الحديث لم يخرج عما قاله هؤلاء الفقهاء المسلمون قبل عدة قرون. ومن الجدير بالتنبيه عليه أن النقود الذهبية والفضة تقوم بكل هذه الأدوار، وهذه الوظائف الأربع، وأما نقودها الورقية اليوم، فهل هي تقوم بجميعها؟ هذا ما سنحاول الإجابة عنه في هذا البحث. وأما علماء الاقتصاد الحديث فقد ذكروا عدة تعريفات للنقد، نختار منها تعريفه باعتبار وظائفه، وهو: النقد: ما يستخدم وسيطاً للتبادل، ومقياساً للقيم، ومخزوناً للثروة، ومعياراً للمدفوعات الآجلة من الديون (١) ولنشرح بإيجاز شديد هذه الوظائف. فالمراد بكونه وسيطاً للتبادل: أن عملية التبادل بين السلع تتم من خلال النقود بسهولة، وذلك، لأن نظام مقايضة سلعة بغيرها يستلزم تطابقاً مزدوجاً في الحاجات، وهذا قد يتعسر، بل يتعذر –كما شرح ذلك الإمام الغزالي من قبل. ومعنى كونه مقياساً للقيم: كل سلعة يمكن أن يعبر عنها بالثمن في شكل عدد من الوحدات النقدية المستخدمة، ولا يخفى أن ذلك يسهل كثيراً من مشكلة قياس القيم التبادلية للسلع في السوق، فمثلاً المجتمع القطري يعرف من خلال النقد سعر منزله، وسيارته وهكذا.. فالنقود هي المعيار المشترك بين مختلف السلع التي يمكن قياس قيمتها بعدد من الوحدات النقدية، فهي بمثابة الكيل والوزن للمكيلات والموزونات. والمراد بكونه مخزوناً للقيم والثروة: أن الإنسان يخزن ثروته، أو جزءاً منها لفترة زمنية قد تكون بعيدة المدى، لمواجهة الطوارئ المحتملة في المستقبل ويتم ذلك من خلال اختزان النقود التي لا يطرأ عليها تغيير، أو تلف في الغالب، ولذلك كانت المجتمعات السابقة تدخر ثرواتها من خلال الذهب والفضة. (٢) ومعنى كونه معياراً للمدفوعات الآجلة: أن العادة جارية في أن الناس يتعاقدون في الحقوق والالتزامات الطويلة الآجال عن طريق النقود، وليس عن طريق السلع. ومن الجدير بالتنبيه عليه هو أن هذه الوظائف الأربع مجتمعة ليست بمثابة الأركان التي لو تخلف واحد منها في نقد ما لفقد نقديته، بل إنها كل وظائفه، (٣) ولذلك تكون متكاملة في المجتمع الذي يسوده الاستقرار الاقتصادي، وتكون ناقصة عند الاضطراب والتضخم، بل قد يفقد قيمته بالكامل في بعض الأحيان " فإذا ما عجزت النقود المتعارف عليها عن القيام بإحدى هذه الوظائف، فإنه تفقد خاصيتها، ويلجأ الأفراد إلى وسيلة أخرى، أو وسيط آخر يقوم بهذه الوظائف، ففي حالة الانهيار المفاجئ لقيمة النقود، فإنها تفقد ميزتها، أو وظيفتها كوسيلة للمعاملات الآجلة، ومن ثم تفقد كذلك وظيفتها كوسيلة الاحتفاظ بالثروة، أو لاختزان القيمة" (٤) أما الذهب والفضة فلم يحدث أن فقدا قيمتهما نظراً لما يتمتعان به من خصائص لا توجد في النقود الورقية.

стр. 14788

أنواع النقود: ومن هنا نرى أنواعاً كثيرة من النقود في عصرنا لا تؤدي إلا وظيفة واحدة، كما أن منها ما يؤدي الوظائف الأربع، حسب نوعية الاقتصاد وقوته، أو ضعفه، ولذلك ذكروا أنواعاً كثيرة سميت بالنقود؛ لأنها حازت على ثقة الناس وجرى بها العرف منها: ١- النقود السلعية مثل الجلود والأرز، بل السكاير، كما في ألمانيا عام (١٩٤٥) . (١) ٢- النقود المعدنية، مثل الذهب والفضة. ٣- النقود المساعدة، مثل الفلوس، والنقود المصنوعة من معادن أخرى. ٤- النقود الورقية المستخدمة التي تصدرها البنوك المركزية. ٥- النقود المصرفية، فالمجتمعات المتقدمة اقتصاديًّا، تستخدم النقود المصرفية أو الودائع المصرفية في معاملاتها والتزاماتها. (٢) بل إن التطور في إصدار النقود المختلفة يلاحق التطور الاقتصادي وحاجته إلى السرعة والتسهيلات، ولذلك نرى نقوداً تصدر في صورة البلاستيك تسمى نقوداً بلاستيكية تصلح أن تكون وسيطاً للتبادل، لكنها ليست مخزوناً للثروة وغير ذلك. ومن هنا فنحن أمام أمرين لا ثالث لهما وهما: إما أن نضيق مفهوم النقد، ليصبح خاصًا بالنقود التي تقوم بجميع هذه الوظائف، فحينئذ لا يسمى كثير مما يطلق عليه الآن اسم النقود نقداً، وإما أن نوسع في مفهومه ولا نشترط قيامه بأداء هذه الوظائف الأربع مجتمعة، وإنما نكتفي فيها ببعضها ولا سيما قيامه بدور الوسيط فحينئذ لا بد أن ترتب النتائج على ضوء هذه الوظائف، فما دام الاقتصاد الحديث ومؤسساته يطلق على كل هذه الأنواع اسم النقود، فحينئذ لا يشترط أن يتحد جميعها في أداء هذه الوظائف فلا شك في أن النقود الورقية تختلف عن النقود المصرفية وهكذا. نبذة تاريخية عن النقود: لم يكن الإنسان في مجتمعه البدائي بحاجة كبيرة إلى التداول، إذ كان يكتفى ذاتيًّا بما يتوافر له من خيرات الأرض، ثم لما تكونت المجتمعات الزراعية، وتعدد وسائل الكسب، توافر الفائض من الحاصلات وتبلورت الحاجة الماسة إلى التبادل الذي أخذ شكل المقايضة العينية، غير أنه بمرور الزمن بدت مشاكلها المعقدة إذ أنها تقتضي توافر التوافق المزدوج من الطرفين على السلعتين، بالإضافة إلى افتقارها إلى وجود معيار للقيمة، ومن هنا هدى الله تعالى الإنسان إلى استخدام النقود التي اتخذت في أول أمرها شكل "النقود السلعية"، حيث قام كل مجتمع باتخاذ سلعة معينة تلائم بيئته من صوف، وماشية، وجلود، ونحوها. أ- ظهور النقود الذهبية والفضة: ثم استخدمت الفضة والذهب كنقود، وكان البابليون هم أول من استخدموا الذهب والفضة لهذا الغرض حوالي (٢٠٠٠) قبل الميلاد، وضرب الليديون –في القرن الثامن قبل الميلاد في آسيا الصغرى - سبائك صغيرة بيضاوية الشكل، وبدأت النقود الذهبية والفضة تنتشر، وتهيمن على غيرهما إلى أن استقر التعامل بهما تماماً في القرن الثالث الميلادي، وكان ظهور النقود قد ساعد على تسهيل عمليات التبادل للسلع والخدمات، والتقليل في الوقت والجهد اللازمين لعملية التجارة، كما ساعد على سهولة التقويم والدفع بالآجل، واختزان المدخرات للأفراد والدولة. (٣)

стр. 14789

ثم جاء الإسلام وكان النقد السائد في بلاد الروم هو الدينار الذهبي، والسائد في بلاد الفرس هو الدرهم الفضي، يقول العلامة المقريزي: "وكانت نقود العرب التي تدور بينها: الذهب والفضة لا غير، ترد إليها من الممالك، دنانير الذهب قيصرية من قبل الروم، ودراهم فضة على نوعين: سوداء وافية –أي كل درهم مثقال- وطبرية عتق- أي كل درهم نصف مثقال تقريباً- وكان وزن الدراهم والدنانير في الجاهلية مثل وزنها في الإسلام مرتين.." ولم يكن شيء من ذلك يتعامل به أهل مكة في الجاهلية، وكانوا يتبايعون بأوزان، اصطلحوا عليها فيما بينهم، وهو الرطل الذي هو اثنتا عشرة أوقية، والأوقية هي أربعون درهما.. ولما بعث الله نبينا محمداً ﷺ أقر أهل مكة على ذلك كله وقال: ((الوزن وزن أهل مكة)) . (١) ثم رتب ﷺ على ذلك أحكام الزكاة وغيرها، ولما جاء أبو بكر الصديق –﵁ عمل في ذلك بسنة رسول الله ﷺ ولم يغير منه شيئاً، ولما جاء عمر وفتح الله على يديه مصر والشام والعراق، لم يعترض لشيء من النقود، بل أقرها على حالها، ولكن في سنة ١٨ هـ ضرب الدراهم على نقش الكسروية، غير أنه زاد في بعضها: "الحمد لله" وفي بعضها "محمد رسول الله" وفي بعضها: "لا إله إلا الله وحده"، وفي آخر مدة عمر وزن كل عشرة دراهم ستة مثاقيل، ثم لما وبيع عثمان –﵁ ضرب في خلافته دراهم نقشها: "الله أكبر" وفي عهد معاوية، ضرب تلك الدراهم السود الناقصة من ستة دوانق، وضرب منها زيادة؛ وجعل وزن كل عشرة دراهم سبعة مثاقيل، وضرب معاوية أيضاً دنانير عليها تمثال متقلد سيفاً، ثم لما قام عبد الله بن الزبير –﵄ بمكة ضرب دراهم مدورة، وهو أول من ضرب الدراهم المستديرة، ونقش على أحد وجهي الدرهم: "محمد رسول الله" وعلى الآخر: "أمر الله بالوفاء والعدل"، ولما استقر الأمر لعبد الملك وضع السكة الإسلامية، وأمر الناس أن يضربوا عليها نقودهم، فكان وزن عشرة دراهم سبعة مثاقيل، والدينار اثنين وعشرين قيراطاً إلا حبة بالشام –أي مثقال- وهكذا وكان العالم الإسلامي لديه الاكتفاء الذاتي من الذهب والفضة، ويكمل بعضه بعضاً، فكان المشرق يهيئ الفضة، والمغرب يأتي بالذهب وفيه أكبر معادن التبر في ذلك العهد. (٢)

стр. 14790

ب- الفلوس: وهكذا ظلت النقود الذهبية والفضة هي العملة السائدة في العالم، ولكنها لم تكن هي العملة الوحيدة بل كانت بجنبها نقود مساعدة تسمى بالفلوس. يقول المقريزي، والمناوي: "ولم تزل ملوك مصر أو الشام والعراقيين: العرب والعجم –وفارس والروم في أول الدهر وآخره يجعلون بإزائها نحاساً يضربون منه القليل والكثير صغاراً تسمى فلوساً، وكان للناس بعد الإسلام وقبله أشياء أخرى يتعاملون بها كالبيض والودع وغير ذلك" (١) والفلوس وإن كان لا تعني بالضرورة أن تكون مصنوعة من النحاس لكنه جرى العرف قديماً وحديثاً أن تصنعه منه، وكان لها دورها الكبير في الاضطراب والاستقرار الاقتصاديين، يقول المقريزي، والمناوي: "فلما تسلطن الملك الظاهر برقوق، وأقام الأمير محمود بن علي استاداراً –أي المسئول عن منزل الملك- أكثر من ضرب الفلوس، وأبطل ضرب الدراهم فتناقصت حتى صارت عرضاً ينادى عليه في الأسواق بحراج حراج، وغلبت الفلوس إلى أن قدم الملك المؤيد شيخ من دمشق " حيث جلب معه دراهم نوروزية فتعامل الناس بها وحسن موقعها لبعد العهد بالدراهم (٢) وظل الأمر بين الفلوس وبين الذهب والفضة هكذا بين المد والجذب، فقد نودي في سنة (٧٢٤هـ) على الفلوس أن يتعامل بها بالرطل، كل رطل بدرهمين، ورسم بضرب فلوس زنة الفلس منها درهم، وفي سنة (٧٥٦هـ) رسم السلطان الملك الناصر حسن بضرب فلوس جدد على قدر الدينار ووزنه، وجعل كل أربعة وعشرين فلساً بدرهم، وكان قبله الفلوس العتق كل رطل ونصف بدرهم. (٣)

стр. 14791

وقد قاس فقهاؤنا الكرام النقود بقوتها الشرائية، فاعتبروا قوة الدرهم والدينار بما يشترى به، وقوه الفلوس بما يقابلها من الذهب أو الفضة، بل جعلوا قيمة الدرهم بما يقابله من الذهب، فقد ذكروا أنه في عصر الحاكم بأمر الله تزايد أمر الدراهم في شهر ربيع الأول سنة (٣٩٧هـ) فبلغت أربعة وثلاثين درهماً بدينار، ونزل السعر واضطربت أمور الناس فرفعت تلك الدراهم، وأنزل في القصر عشرون صندوقاً فيها دراهم جدد، ومنع الناس من التعامل بالدراهم الأولى فأخطروا، وبلغت أربعة دراهم تساوى درهماً جديداً، وتقرر أمر الدراهم الجدد على ثمانية عشر درهماً بدينار (١) وذكر الذهبي أنه في سنة (٦٢٢هـ) أمر الخليفة بمصر المستنصر بضرب الدراهم الفضة وسعرت كل عشرة بدينار (٢) وذكر الحافظ ابن حجر في أنباء الغمر في سنة (٧٧٦هـ) أنه قد بيع الأردب القمح بمائة وخمسة وعشرين درهماً نقرة وقيمتها إذ ذاك ستة مثاقيل ذهباً وربع، وبيع إذ ذاك دجاجة واحدة بأربعة دراهم، (٣) وقد علق السيوطي على هذه الحوادث السابقة بأن هذا صريح في أن الدراهم كان سعر كل درهم منها ثلثي رطل من الفلوس، وأن سعره بالنسبة للدينار العشر في سنة ٦٣٢هـ وأما في سنة ٧٧٦هـ، فكان سعره نصف عشر دينار، "أي أن كل عشرين درهماً مثقال" (٤) وقد بلغ الأمر بالفلوس في القاهرة إلى أن جعلت معياراً يقوم به السلع. وذكر المقريزي والمناوي، نقلاً عن الذهبي، أن الأمير محمود الاستادار أكثر ضرب الفلوس بالقاهرة والإسكندرية، فبطلت الدراهم من مصر وصارت معاملة أهلها بالفلوس، وبها يقوم السلع والمبيعات، "قد أدركنا في كل ليلة، من بعد العصر، تجلس الباعة من باب المدرسة الكاملية في باب الناصرية، فيباع لحم الدجاج والأزر كل رطل بدرهم، والعصافير المقلوة، كل عصفور بفلس من كل أربعة وعشرين بدرهم، وذلك في دولة الناصر محمد بن قلاوون" (٥) وفي سنة (٧٩٤هـ) ضربت بالإسكندرية فلوس ناقصة الوزن عن العادة، طمعاً في الربح فآل الأمر إلى أن كانت أعظم الأشرار في فساد الأسعار وفي نقص الأموال وفي سنة (٨٠٦هـ) نودي على الفلوس بأن يتعامل بها بالميزان، وسعر كل رطل بستة دراهم، وكانت فسدت إلى الغاية بحيث صار وزن الفلس ربع درهم وبعد أن كان مثقالاً، وفي عام (٨١٤هـ) أمر الناصر بأن تكون الفلوس كل رطل باثني عشر درهماً، فغضبت التجار، وأغلقوا حوانيتهم، إظهاراً لغضبتهم، فغضب السلطان لذلك وكاد يضع فيهم السيف، لولا شفاعة الأمراء، ولكنهم ضربوا جماعة منهم، "وشنق رجل بسبب الفلوس، ثم انحل أمر الفلوس بعد الفتنة" (٦) وفي سنة (٨٢٦هـ) عقد مجلس بسبب الفلوس، فاستقر أمرها، ونودي على الفلوس أن الخالصة كل رطلين سبعة دراهم والمخلوطة كل رطل بخمسة دراهم، وحصل بين الباعة، بسبب ذلك، منازعات، ثم في آخر رمضان من السنة السابقة، نودي على الفلوس المنقاة بتسعة، ويمنع المعاملة من الفلوس أصلاً، فسكن الحال ومشى، ونتيجة لذلك رخص فيها سعر القمح، حتى انحط إلى ستين درهماً الأردب، بحيث يتحصل بالدينار المختوم أربعة أرادب. (٧)

стр. 14792

وهذه الأمور كلها دليل على مدى تأثير الفلوس في عدم الاستقرار، وأنه كلما كان الاعتماد على الذهب والفضة، كان استقرار السوق أكثر، ويذكر الحافظ ابن حجر، والمقريزي كثيرا من هذه المشاكل الاقتصادية التي نجمت عن الفلوس فذكر ابن حجر أنه في سنة (٨٣٢هـ) "نودي على الفلوس أن يباع الرطل النقي منها بثمانية عشر درهماً، ورسم للشهود ألا يكتبوا وثيقة في معاملة، أو غيرها إلا بأحد النقدين (الذهب والفضة) بسبب شدة اختلاف أحوال الناس، واختلاف أحوال الفلوس التي صارت هي النقد عندهم في عرفهم" (١) ويقول المقريزي: "الفلوس لم يجعلها الله تعالى قط نقداً في قديم الدهر وحديثه إلى أن راجت في أيام أقبح الملوك سيرة، وأرذلهم صريرة، الناصر –البرقوقي- وقد علم كل من رزق فهماً وعلماً أنه حدث في رواجها خراب الأقاليم، وذهاب نعمة أهل مصر، والفضة هي النقد الشرعي لم تزل في العالم" ثم ذكر "أن النقود التي كانت أثماناً وقيماً إنما هي الذهب والفضة فقط، ولا يعلم في خبر صحيح ولا سقيم عن أمة من الأمم، ولا طائفة من الطوائف أنهم اتخذوا أبداً في قديم الزمان ولا حديثه غيرهما إلا أنه لما كانت في المبيعات محقرات تقل أن تباع بدرهم، أو بجزء منه احتيج قديماً وحديثاً إلى شيء سوى النقدين يكون إزاء تلك المحقرات ولم يسم أبداً ذلك الشيء الذي جعل للمحقرات نقداً ولا أقيم قط بمنزله أحد النقدين، واختلفت مذاهب البشر، وآراؤهم فيما يجعلونه إزاء تلك المحقرات" (٢) ج- العملة الورقية في أوربا: ظهرت العملة الورقية (البنكنوت) في أوربا في أواخر القرن السابع عشر الميلادي، ولكنه دون أن تهيمن على النقود المعدنية حيث ظلت تقوم بدورها في معظم دول العالم مع إعطاء حاملي البنكنوت الحق في تحويله إلى عملات ذهبية، غير أنه بقيام الحرب العالمية الأولى فرض السعر الإلزامي للنقود الورقية وأصبحت العملة السائدة، وبالتالي اختفت النقود المعدنية (٣)

стр. 14793

هذا ومن الجدير بالتنبيه عليه أن أهل الصين قد استعملوا النقد الورقي منذ حقب بعيدة، فقد ذكر ابن بطوطة في رحلته العظيمة أن "أهل الصين لا يتبايعون بدينار ولا درهم، وجميع ما يتحصل ببلادهم من ذلك يسبكونه قطعًا، وإنما بيعهم وشراؤهم بقطع كاغذ، كل قطعة منها بقدر الكف مطبوعة بطابع السلطان، وتسمى الخمس والعشرون قطعة منها بالشت، وهي بمعنى الدينار عندنا، وإذا تمزقت تلك الكواغذ في يد إنسان حملها إلى دار كدار السكة عندنا فأخذ عوضها جدداً، ودفع تلك، ولا يعطى على ذلك أجرة ولا سواها؛ لأن الذين يتولون عملها لهم الأرزاق الجارية من قبل السلطان، وإذا مضى الإنسان إلى السوق بدرهم فضة، أو بدينار يريد شراء شيء لم يؤخذ منه، ولا يلتفت إليه حتى يصرفه بالشت، ويشترى به ما أراد" (١) وكانت أكثر الدول الأوربية تستعمل النقود الذهبية، وبعضها النقود الفضية كهولندا، وروسيا، وبعضها الأخرى تتعامل بالنقدين على قدم المساواة مثل أمريكا وفرنسا، والبلجيك وسويسرا، وكان الغش أو البخس في العملة في كثير من الأحيان يؤدي إلى أزمات خطيرة منذ العصر الروماني، وكان يلجأ إليه ملوك أوربا في كثير من الأحايين. (٢) وقد يحصل في بعض الأحيان التنافس بين أنصار الذهب، وأنصار الفضة ولا سيما في أمريكا غير أن النتيجة كانت في الآخر لصالح الأول، حيث صدر قانون وحدة النقود على أساس الدولار الذهب مع استيفاء قوة الإبراء غير المحدودة لدولار الفضة إثر الانتخاب الذي جرى لأجله في عام (١٩٠٠) ولم يبق أيضاً بعد ذلك من الدول التي تسير على نظام المعدن الفضي إلا الصين والهند الصينية، وبعض أنحاء آسيا، وذلك بسبب هبوط قيمة الفضة المستمر أمام الذهب إثر اكتشاف مناجم كبيرة للفضة في أمريكا ونضوب مناجم الذهب في استراليا (٣) وقد أدت الحرب العالمية الأولى ونفقاتها الباهظة إلى اختفاء النقود الذهبية، بل والفضية فقررت فرنسا وبلجيكا وسويسرا، وإيطاليا منذ سنة (١٩١٤) التعامل الجبري بالبنكنوت، وعمدت بنوك الإصدار فيها إلى الإكثار من رصيدها المعدني وبذلك استنزفت أكبر كمية من الذهب، واختفت –تقريباً- العملات الذهبية من التداول، غير أن أنصار المعادن النفيسة قد بذلوا عدة محاولات في سبيل إعادتها، اتخذت أشكالاً منها: نظام السبائك الذي أخذت به بريطانيا منذ مايو عام ١٩٢٥ إلى ١٩٣١، ويقتضى هذا النظام أن توقف السلطات النقدية حرية سك العملات، على أن تظل حرية تصدير واستيراد الذهب قائمة، وألا يحول البنكنوت إلى ذهب، إلا في صورة سبائك وبحد أدنى، ومنها نظام الصرف بالذهب الذي يقضى أن ترتبط العملة المحلية بالذهب بشكل غير مباشر عن طريق عملة أجنبية تسير على نظام الذهب مثل مصر التي ارتبطت في (١٩٢٥-١٩٣١) بالجنيه الاسترليني، (٤) ولا تزال المحاولات في سبيل هذه الإعادة موجودة إلى وقتنا الحاضر، ولكن أصواتهم خافتة، لمعارضتها لمصالح الدول الكبرى.

стр. 14794

بداية فكرة البنكنوت: انطلقت هذه الفكرة أساساً من أحضان الصيارفة، ثم تبنتها الحكومات، حيث وجدت فيها بغيتها، ويعود السبب في ذلك إلى أن أوربا في القرن السابع عشر قد سادتها اضطرابات كبيرة وعدم استقرار شديد، دفع بالأغنياء أن يودعوا نقودهم وسبائكهم الذهبية عند التجار الصيارفة يختلف في أوقات الأزمان (١) لما رأينا بخصوص أمريكا في عام ١٩٧١، ومنها قاعدة السبائك الذهبية، وقاعدة المعدنين (الناقص والكامل) وقاعدة الفضة. أهمية الارتباط والغطاء الحقيقي للنقود: أدى إلغاء ارتباط النقود الورقية بالذهب إلغاء كاملاً، حتى من حيث الاسم –والذي كان آخره في عام ١٩٧١ بالنسبة للدولار- إلى تفسخ النظام الاقتصادي الرأسمالي، وعدم الاستقرار المتزايد، والتضخم، والهبوط الحاد في أسعار العملات، فقد هبطت قيمة الدولار هبوطاً كبيراً حيث بلغ ٨٧? من قيمته في مارس ١٩٧٣، في مقابل أكثر العملات العالمية السائدة. بل إن بعض الاقتصاديين أرجعوا أحد أسباب هذه الأزمة النقدية والاقتصادية العالمية عام (١٩٢٩) إلى عدم وجود غطاء حقيقي للنقود الورقية التي أسرفت الدول في إصدارها، حيث كان النظام النقدي آنذاك قد أسس على افتراض غير حقيقي على أساس أن الدولار، أو الاسترليني يعادل الذهب في حجمه ووظائفه، فلما انكشفت الحقيقة من عدم التعادل بينهما وتبينت الفجوة، وقعت الأزمة. (٢) وتدل التجارب المريرة السابقة أن الرجوع إلى النقود المعدنية كان بمثابة صمام الأمان لإعادة الثقة إلى النقود، فقد أصاب فرنسا فشل ذريع إثر إصدارها النقود الورقية بكميات هائلة من خلال تجربة (جون لو) الفاشلة، بالإضافة إلى التضخم الذي لازم الثورة الفرنسية وما بعدها، حيث ارتبط هذا التضخم بالسندات الورقية التي أصدرتها السلطات العامة بضمان أملاك الكنيسة والنبلاء، ثم بضمان الأموال المحلية، فمنحها القانون قوة الإبراء، غير أنها انخفضت قيمتها كثيراً وفشلت، وفقد الناس الثقة بها، بل أحجموا عن التعامل بها، إزاء ذلك كان لا بد من الإصلاح النقدي، فصدر لهذا الغرض قانون ٢٠/٣/١٨٠٣ والذي استمر حتى عام ١٩١٤، حيث ألغيت النقود الورقية واعتمدت على النقود المعدنية: الفضة والذهب.

стр. 14795

وفي إنجلترا انخفضت قيمة النقود الورقية بما لا يقل عن ٣٠?، واجتمعت لجنة أسهم فيها (ريكاردو) ، لبحث أسباب هذا التضخم واقتراح الحلول المناسبة له، فأوصت برفع السعر الإجباري، وإعادة تنظيم النقد على أساس معدني وبالفعل صدر قانون ٢٢/٦/١٨١٦ قضى بالرجوع إلى قاعدة الذهب أو قاعدة المعدن الفرد، وأصبحت النقود الذهبية وحدها تتمتع بقوة الإبراء القانونية، ثم صدر قانون آخر عام ١٨٤٤ بإعادة تنظيم بنك إنجلترا، وبذلك أصبح الاقتصاد الإنجليزي –وهو أكبر قوة اقتصادية في العالم آنذاك- قائماً على قاعدة الذهب، حيث اعتبرت وحدات النقد الذهبية نقوداً قانونية ونهائية، فوحدة النقد أصبحت تساوي وزناً معيناً من الذهب، ومن هنا روعيت العلاقة والتكافؤ بين قيمة الذهب كسلعة، وقيمته الاسمية كنقد، تلك الازدواجية، يعتبرها أنصار قاعدة الذهب من مميزاتها الأساسية التي تحقق التوازن المطلوب، وهي لا تعني اقتصار التداول على النقود الذهبية، بل اعتماد النقود الورقية على هذا الأساس. (١) فكان الإصلاح النقدي الفرنسي (السابق الإشارة إليه) قائماً على أن مؤسسة الإصدار بالخيار بين ضمان إصدار النقود الورقية بغطاء، أو احتياطي معدني (ذهب، أو فضة) ومن هنا فقاعدة ارتباط النقود الورقية بغطاء أو احتياطي معدني (ذهب، أو فضة) ومن هنا فقاعدة ارتباط النقود الورقية بالمعدن النفيس، يعطى لها كفاءة في المحافظة على القوة الشرائية لها، وهي الوظيفة الأساسية للنقود، كما أنها تؤدي إلى نمو اقتصادي، حيث لا يمكن تحقيق النمو، والازدهار، إلا أن يكون هناك استقرار نسبي في الأسعار ودون توافر نقود قوية تكون مصدر ثقة للأفراد. وقد دافع أنصار قاعدة الذهب، وارتباط النقود به عن هذه النظرية، بأن الذهب يتمتع بصفة العمومية والقبول التام عند جميع الناس، وأنه قد أسهم في تحقيق التوازن بين الاستقرار النقدي، ونمو النشاط الاقتصادي وازدهاره، وأنه قد حال دون التضخم والانهيار، ولم يحدث التضخم في ظله إلا إذا استغلت الدولة ثقة الناس بها، وأصدرت من النقود الورقية أكثر مما لديها من الغطاء الذهبي، كما أنه قد أدى إلى تثبيت أسعار الصرف بين عملات الدول التي تبيع نظامها النقدي قاعدة الذهب، وبالتالي ساهم ثبات سعر الصرف في نمو التجارة العالمية والاستثمار الدولي خلال القرن التاسع عشر، والحقيقة أن قاعدة الذهب في مضمونها النظري والعملي، أفادت كثيراً الاقتصاد الإنجليزي، وحققت له الفاعلية في إدارة النقود في الداخل والسيطرة والسيادة في النظام النقدي الدولي، وتغلبت على جميع قواعد النقد الأخرى، (٢) ولم يتخل عنها الإنجليز، إلا تحت ضغوط اقتصادية أدت إلى عدم قدرتهم على الغطاء، بسبب الحرب العالمية الأولى.

стр. 14796

استغلال الاستعمار الدول النامية في سياسته النقدية: وقد استغل الإنجليز لصالح اقتصادهم، كل الموارد الموجودة في الهند، ولم يكتف بذلك، بل ربط نقودها بنقودهم، حيث كان النقد الهندي مرتبطاً بالجنيه الاسترليني، وهو مرتبط بقاعدة الذهب، وهذا يعني توافر الغطاء الذهبي المطلوب للعملة الهندية في البنوك البريطانية، وهذا النظام يسمى بنظام الحوالات المصرفية الذهبية، وطبق لأول مرة عام ١٨٦٣ في الهند (حيث كانت مستعمرة للإنجليز) ، ثم نادى به الخبراء الإنجليز في مؤتمر جنوة عام ١٩٢٢، وأخذت به الدول الفقيرة في أوربا الوسطى، والشرقية، والمستعمرات في آسيا وإفريقيا، حيث ربطت عملاتها بأوراق أجنبية مضمونة بالذهب، مثل الجنيه، والدولار، وكانت الدول المستعمرة تودع رصيدها من الذهب، أو عملات أجنبية أخرى، في البنك المركزي لدى الدول المتبوعة، ثم تحصل في مقابلها على عملة هذه الدولة المضمونة بالذهب، ثم تكون قيمة عملتها على أساس سعر الصرف الثابت بين عملتها وعملة الدولة المتبوعة، وهي سياسة ماكرة، في ظاهرها تبريرها، بأن إنتاج الذهب لم يعد يكفي لمواجهة جميع العملات، وفي حقيقتها السعي لاستبدال الذهب بالدولار، أو الجنيه الورقيين، والوصول من خلالها إلى استنزاف أكبر قدر ممكن من ثروة الدول الفقيرة والمستعمرة، فقد كانت مواردها تودع في خزائن الدولة المتبوعة، وتتلقى في مقابلها العملة الورقية على أساس أنها مضمونة بالذهب، ولكنه كان افتراضاً غير حقيقي، "وبهذا فإن قاعدة الحوالات الذهبية قامت بدور تجميع وتعبئة الفائض في الاقتصاد التابع، وتسهيل انتقاله إلى البلد المتبوع" (١) إضافة إلى أن الدولة المتبوعة (لإنجلترا) كانت تأخذ المواد الأولية والسلع من الدول الفقيرة والمستعمرة كديون، تسدد بالذهب، ولكنها كانت تسدد بعملات ورقية خضعت لعدة تخفيضات، كانت الخاسرة الوحيدة فيها هي الدولة التابعة. ولا غرو في أننا إذا قلنا: إن كثيراً من الدول النامية لا تزال تخدم مصالح الدولة الكبرى في سياستها المالية أيضاً من خلال ربط نقودها بنقود هؤلاء.

стр. 14797

يذكر مدير معهد الاقتصاديات الدولية في واشنطون (فريد بريستون) "أن الدولار مقيم بأعلى ٢٥?، زيادة عن قوته الحقيقية" (١) وذلك بسبب بيع النفط وكثير من المنتوجات به، إضافة إلى الأضرار الناجمة عن هذه التبعة مثل أن يكون اقتصاد الدولة التابعة قويًّا مع أن اقتصاد أمريكا قد يكون مهزوزاً، فتكون النتيجة أن سعر الصرف ثابت على أساس الدولار، فتتضرر الدولة بخصوص العملات الأخرى، ولذلك حينما اهتز الدولار في الأعوام الأخيرة، تضررت الدول التي ربطت نقودها به كثيراً دون وجود الأسباب التي أدت إلى تخفيض سعر الدولار في تلك الدول. أحكام خاصة بالدنانير والدراهم، لا توجد الفلوس: يراد بالدينار في عرف الفقهاء الدينار الذهبي، الذي يكون وزنه مثقالاً، وبالدرهم عندهم: الدرهم الفضي الذي كل عشرة منه، يساوي سبعة مثاقيل، يقول ابن خلدون: "اعلم أن الإجماع منعقد منذ صدر الإسلام وعهد الصحابة والتابعين أن الدرهم الشرعي هو الذي تزن العشرة منه سبعة مثاقيل من الذهب، والأوقية منه أربعين درهماً، وهو على هذا سبعة أعشار الدينار، ووزن المثقال من الذهب الخالص اثنتان وسبعون حبة من الشعير، فالدرهم الذي هو سبعة أعشاره خمسون حبة وخمسا حبة، وهذه المقادير كلها ثابتة بالإجماع، فإن الدرهم الجاهلي كان بينهم على أنواع" ثم رجح القول –تبعاً للمحققين - بأن وزنه لم يكن مجهولاً، فقال: "وأنكره المحققون من المتأخرين، لما يلزم عليه أن يكون الدينار والدرهم الشرعيان مجهولين في عهد الصحابة ومن بعدهم، مع تعلق الحقوق الشرعية بهما في الزكاة والأنكحة والحدود وغيرها. والحق أنهما كانا معلومي المقدار في ذلك العصر، لجريان الأحكام يومئذ بما يتعلق بهما من الحقوق، وكذا مقدارهما وزنتهما حتى استفحل الإسلام، وعظمت الدولة، ودعت الحال إلى تشخيصهما في المقدار الوزن، كما هو عند الشرع، ليستريحوا من كلفة التقدير، وقورن ذلك أمام عبد الملك، فشخص مقدارهما وعينهما في الخارج، كما هو في الذهن، ونقش عليهما السكة باسمه وتاريخه، إثر الشهادتين الإيمانيتين، وطرح النقود الجاهلية رأساً.. فهذا هو الحق الذي لا محيد عنه، ومن بعد ذلك وقع اختيار أهله السكة في الدول على مخالفة المقدار الشرعي في الدينار والدرهم" (٢) ولما أصبحت هذه الأوزان –مثل المثقال ونحوه- غريبة علينا نتيجة الغزو الثقافي والاصطلاحي لا بد من ذكر الأوزان المعهودة لنا حسب موازيننا المعروفة، وقد حقق الأستاذ الدكتور القرضاوي تحقيقاً رائعاً، وصل من خلاله إلى أن الدينار الذهبي –أي المثقال- يساوي ٤.٢٥ من الجرامات، وأن الدرهم الفضي يساوي ٢.٩٧٥ من الجرامات. (٣)

стр. 14798

والفلس هو عملة غير الذهب والفضة، تضرب من النحاس أو من غيره، تكون مساعدة للعملة السائدة، فكان الفلس في بعض الأحيان يساوي سدس الدرهم، وقد يزيد، أو ينقص كما ذكرنا. وبعد ذلك، نذكر بعض أحكام الخاصة بالدنانير والدراهم، لا توجد في الفلوس، حتى يتبين لنا مدى نظرة الفقهاء إلى هذه المسألة. أولاً: أجمع الفقهاء على أن الدنانير والدراهم هما النقدان الأصليان اللذان يعتبر أن أثماناً للقيم والمتلفات ومعياراً لهما، وترتبت على ذلك أحكام كثيرة في الصرف والربا ونحوهما، لا يتسع المقام لذكرها. (١) وأما الفلوس فقد جرى الخلاف فيها: فهل تلحق بهما في النقدية إذا أصبحت يتعامل بها الناس ونالت ثقتهم أم لا؟ فذهب المالكية إلى إعطائها حكم النقود في الربا في القول الراجح عندهم، (٢) في حين ذهب جماعة آخرون منهم الشافعية إلى منع ذلك، وهذه المسألة في الواقع مرتبطة بأن العلة في الربا في الذهب والفضة هل هي قاصرة أم متعدية؟ ولذلك نذكر أقوالهم. قال المرغيناني: " فالعلة عندما الكيل مع الجنس، والوزن مع الجنس" (٣) ويقول صاحب الدر المختار: "وعلته القدر المعهود بكيل أو وزن مع الجنس فإن وجدا حرم الفضل والنساء، وإن عدما حلًّا، وإن وجد أحدهما، حل الفضل وحرم النساء، وحل بيع تفاحة بتفاحتين وفلس بفلسين، أو أكثر بأعيانهما" ولكن جواز بيع فلس بفلسين، عند أبي حنيفة وأبي يوسف خاص بحالة تعيينهما، حيث إن للعاقدين إبطال ثمنية الفلوس، وحينئذ تصير كالعروض التي يجوز فيها التفاضل، أما في حالة عدم التعيين وجعلها أثماناً، فلا يجوز التفاضل. (٤) وقال العدوي: "واختلف في علة الربا في النقود فقيل: غلبة الثمنية، وقيل: مطلق الثمنية، وعلى الأول، تخرج الفلوس الجدد، فلا يدخلها الربا، ويدخلها على الثاني" (٥) غير أن ابن رشد أسند إلى حذاق المالكية القول بأن العلة هي الصنف الواحد، مع كون الذهب والفضة رؤوساً للأثمان وقيماً للمتلفات، ثم قال: "وهذه العلة هي التي تعرف عندهم بالقاصرة؛ لأنها ليست موجودة عندهم في غير الذهب والفضة" (٦)

стр. 14799

وذهب الشافعية إلى أن العلة في الذهب والفضة هي الثمنية غالباً –أي جنس الأثمان غالباً- وهذه العلة قاصرة عندهم. وعند الزيدية، (١) لا تتعدى إلى غيرهما، وفائدتها هي معرفة أن الحكم مقصور عليها، حتى لا نطمع في القياس. (٢) يقول الإمام الشافعي: "الذهب والفضة بائنات من كل شيء لا يقاس عليهما غيرهما، لمباينتهما ما قيس عليهما" (٣) ويقول النووي: "إذا راجت الفلوس رواج النقود، لم يحرم الربا فيها هذا هو الصحيح المنصوص عليه، وبه قطع المصنف والجمهور (٤) ومعنى ذلك أن الفلوس تكون سلعة مثل الحيوان، حيث يجوز بيع حيوان بحيوانين؛ لأنه من القيميات التي تلاحظ فيها القيمة والجودة والرداءة". وذهب الحنابلة، في المشهور، إلى أن العلة فيهما هي: كونهما موزون جنس. فعلى ضوء ذلك، تدخل الفلوس في الأموال الربوية، قال ابن قدامة: "واتفق المعللون على أن علة الذهب والفضة واحدة، وعلة الأعيان الأربعة واحدة، فروى عن أحمد في ذلك ثلاث روايات أشهرهن: أن علة الربا في الذهب والفضة كونه موزون جنس، والرواية الثانية: أن العلة في الأثمان الثمنية، فيختص بالذهب والفضة" (٥) وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: "والأظهر أن العلة في الدراهم والدنانير هو الثمنية، لا الوزن كما قاله جمهور العلماء، ولا يحرم التفاضل في سائر الموزونات كالرصاص والحديد. والتعليل بالثمنية تعليل بوصف مناسب، فإن المقصود من الأثمان أن تكون معياراً للأموال، يتوسل بها إلى معرفة مقادير الأموال، لا بقصد الانتفاع بعينها". ثم قال في مكان آخر: "لكن من قال: هي أثمان. فهل يجري فيها الربا من هذه الجهة؟ على وجهين في مذهب أحمد وغيره" (٦) والمالكية، وإن كانوا قد وسعوا في مفهوم الثمنية، وأعطوا حكم النقود للفلوس ونحوها، ولكنهم مع ذلك أبقوا بعض الأحكام خاصة بالذهب والفضة، فمثلاً قالوا بوجوب الزكاة في الدرهم والدينار لذاتهما، إذا بلغا النصاب، ولكنهم مع ذلك قالوا بعدم وجوب الزكاة في الفلوس إلا إذا كانت للتجارة.

стр. 14800

يقول الشيخ عليش: " إن الفلوس النحاس المختومة بختم السلطان المتعامل بها، لا زكاة في عينها، لخروجها عن ذلك قال في المدونة: ومن حال الحول على فلوس عنده، قيمتها مئتا درهم، فلا زكاة عليه فيها إلا أن يكون مديراً، فيقومها كالعروض" (١) وذهب الظاهرية إلى عدم الاعتراف بالقياس، وبالتالي بالعلة، ومن هنا حصروا الأموال الربوية على الأنواع الستة التي ورد بها النص من السنة المشرفة، وهذا مروي عن طاووس ومسروق، والشعبي وقتادة وعثمان البتي. (٢) ولا شك أن مبنى قولهم هذا غير مقبول، لا يتفق مع القواعد العامة للشريعة التي جاءت بشمولية وعموم، وراعت الحكم والمصالح، ولذلك قام الجمهور بالرد عليهم في هذا المسلك حتى اعتبر بعضهم خلافهم في هذا الأساس شاذًّا لا يعتد به، ولا يخدش في الإجماع. (٣) وقد عرضت هذه الأقوال لا لأقول: إنه لا يوجد ربا في النقود الورقية، وإنما لأبين الفرق بين الذهب والفضة وبين غيرهما، لنصل إلى الحل الوسط كما سيتضح إن شاء الله. ثانياً: اتفق الفقهاء أيضاً على أن الذهب والفضة من المثليات، وبالتالي يردان بالمثل في حالة القرض، سواء رخص سعرهما أم غلا، أم كسدا وألغيا. أما الفلوس ففيها خلاف، فذهب المالكية إلى أنها مثل الذهب والفضة، جاء في الشرح الكبير: "وإن بطلت فلوس، أو دنانير، أو دراهم، فالمثل، أو عدمت بالكلية، فالقيمة، وتعتبر وقت اجتماع الاستحقاق والعدم، أي العبرة بالمتأخرة منهما على قول، والمعتمد: يوم الحكم". (٤) واختلف الحنفية في الأدلة في القرض، فذهب الإمام أبو حنيفة إلى مثل ما ذهب إليه مالك، حيث أوجب رد المثل في حالات الكساد والانقطاع وتغير العملة، وذهب أبو يوسف إلى وجوب القيمة في الفلوس في الحالات الثلاث السابقة، في حين ذهب محمد إلى وجوب المثل، عند تغير القيمة، ووجوب القيمة، في حالتي الكساد والانقطاع (٥) قال ابن عابدين: "ثم اعلم أن الظاهر من كلامهم أن جميع ما مر إنما هو في الفلوس والدراهم التي غلب غشها، فإنها حيث كانت لا غش فيها لم يظهر للاختلاف معنى، بل كان الواجب رد المثل بلا نزاع أصلاً. (٦)

стр. 14801

وقال الشافعية إن الرد في قرض الفلوس يكون بالمثل فقط في جميع الأحوال، ليس ذلك بناءً على أنها نقود، وإنما على أساس أنها من المثليات؛ لأنها من الموزونات (١) أما في حالة كون الفلوس أو المغشوشة ثمناً في البيع ونحوه فألغيت أو كسدت، فإن العقد يبطل عند أبي حنيفة، وقال أبو يوسف: عليه قيمتها يوم البيع، وقال محمد: عليه قيمتها آخر ما تعامل الناس بها. (٢) وقال الحنابلة: "إن المستقرض يرد المثل في المثليات، سواء رخص سعره أو غلا، أو كان بحاله.. وإن كان القرض فلوساً، أو مكسرة، فحرمها السلطان وتركت المعاملة بها، كان للمقرض قيمتها ولم يلزمه قبولها.. نص عليه أحمد، في الدراهم المكسرة وقال: يقومها كم تساوي يوم أخذها؟ ثم يعطيه. وسواء نقصت قيمتها قليلاً أو كثيراً" (٣) وثالثاً: الدراهم والدنانير ثمن مطلقاً بالإجماع، في حين أن هناك خلافاً كبيراً في ثمنية الفلوس، فالمالكية –كما سبق- وسعوا مفهوم الثمنية، ليشمل كل شيء يعتبره العرف ثمناً، حتى وإن كان من الجلود (٤) على عكس الشافعية والزيدية، وأحمد –في رواية- الذين حصروه في الدراهم والدنانير، (٥) وأما الحنفية فقالوا: إن الدراهم والدنانير أثمان على كل حال، وأما الفلوس إنما تكون ثمناً إذا دخلت عليها حرف الباء، ولم تعين فتكون ثمناً، وإلا فلا. (٦) وذكر ابن عابدين أنه "يستفاد من البحر: أن الفلوس قسم رابع، حيث قال: وثمن بالاصطلاح، وهو سلعة في الأصل، كالفلوس، فإن كانت رائجة، فهي ثمن، وإلا فسلعة". (٧) رابعاً: أن جمهور الفقهاء لم يشترطوا في الفلوس الرائجة عند صرفها بالذهب والفضة الحلول والتقابض، مع أن ذلك شرط أساسي عند صرف الذهب بالفضة، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: "وأما بيع الفضة بالفلوس النافقة: هل يشترط فيها الحلول والتقابض، كصرف الدراهم بالدنانير؟ فيه قولان، هما روايتان عن أحمد.

стр. 14802

إحداهما: لا بد من الحلول والتقابض، فإن هذا من جنس الصرف، فإن الفلوس النافقة تشبه الأثمان، فيكون بيعها بجنس الأثمان صرفاً. والثانية: لا يشترط الحلول والتقابض، فإن ذلك معتبر في جنس الذهب والفضة، سواء كان ثمناً أو صرفاً، أو مكسوراً، بخلاف الفلوس؛ لأنها في الأصل من باب "العروض"، والثمنية عارضة لها، ثم نقل القول بالجواز عن مالك والشافعي أيضاً، وذكر هذه الرواية وحدها في الاختيارات. (١) وقد ذكر شيخ الإسلام أحكاماً كثيرة أخرى تتعلق بالفلوس منها أنها هل هي ثمن أم لا؟ وعلى القول بأنها أثمان فهل يجري فيها الربا؟ على وجهين لهم. وكذلك فيها وجهان في وجوب الزكاة، فيها وفي إخراجها عن الزكاة غير ذلك، والوجهان في مذهب أحمد وغيره (٢) ومنها أنه سئل عمن اشترى الفلوس: أربعة عشر قرطاساً بدرهم ويصرفها ثلاثة عشر بدرهمٍ هل يجوز؟ فأجاب إذا كان يصرفها للناس بالسعر العام، جاز ذلك، وإن اشتراها رخيصة. وأما من باع سلعة بدراهم، فإنه لا يجب عليه أن يقضي عن شيء منها فلوساً إلا باختياره، وكذلك من اشتراها بدراهم، فعليه أن يوفيها دراهم، فإن تراضيا على التعويض عن الثمن، أو بعضه بفلوس بالسعر الواقع جاز. وسئل عن الفلوس، وبيع بعضها ببعض متفاضلاً، وصرفها بالدراهم من غير تقابض في الحال ودفع الدرهم وأخذ بعضه فلوساً، وببعضه قطعة من فضة؟ فأجاب بعد تفصيل كبير بأن هذا كله جائز عند جماعة من الفقهاء. (٣) خامساً: أن فريقاً من الفقهاء –منهم الحنفية (٤) وأحمد في رواية (٥) ذهبوا إلى أن الدراهم والدنانير لا تتعين بالتعيين ولذلك يجوز إبدالها بعد إتمام العقد عليها، ولا يبطل العقد بخروجها مغصوبة، ثم ذهب جمهورهم إلى أن الفلوس تتعين بالتعيين مع اعترافهم بأنها ثمن. (٦) في حين ذهب آخرون منهم المالكية والشافعية وأحمد في رواية إلى أن الدراهم والدنانير أيضاً تتعين بالتعيين. (٧)

стр. 14803

وأخيراً فقد لخص السيوطي الأحكام الخاصة بالذهب والفضة في عدة أحكام منها: أنه لا يكره المشمس –أي الماء الماكث تحت الشمس- في أوانيهما لصفاء جوهرهما. ومنها أنه يحرم استعمال أوانيهما للحديث، والعلة فيه: الخيلاء، أو تضييق النقود؟ قولان: أصحهما الأول: ومنها أنه يحرم الحلي منهما على الرجال ما يستثنى، ومنها اختصاصهما بين المعادن بوجوب الزكاة فيهما –أي نص الشارع عليهما وعلى مقدارهما- ومنها: أن الربا يجري فيهما، دون الفلوس، ولو راجت في الأصح عند الشافعية، ومنها أن المضروب منهما مختص بكونهما قيم الأشياء، فلا تقويم بغيرهما، ولا يبيع القاضي والوكيل والولي مال الغير إلا بهما، ولا يفرض مهر المثل إلا منهما" (١) هل نقودنا الورقية مثلية عند انهيارها؟ أولاً: رأينا، فيما سبق أن المراد بالمثلي والقيمي يختلف من باب فقهي إلى آخر، فقد رأينا أن معنى المثلي في باب الحج يختلف عن معناه في باب الغصب أو القرض، وهكذا مما يدفعنا التفكير فيه إلى القول بأن الدافع وراء هذا التقسيم هو الوصول إلى معيار مرن، وإلى أقرب شيء يحقق العدالة والتوازن بين الشيء المطلوب، والشيء الذي ينبغي أن يرد بدله، فهذا من باب ميزان الشيء بشبهه ونظيره (فقس الأمور بأشباهها) ولذلك، صرحوا بأن "أقرب الشيء إلى الشيء الذي أتلف، هو مثله إذا كان من المثليات أو قيمته إذا لم يكن له مثل" يقول شيخ الإسلام ابن تيمية عند كلامه عن عوض المثل: "وهو أمر لا بد منه في العدل الذي به تتم مصلحة الدنيا والآخرة، فهو ركن من أركان الشريعة.. ومداره على القياس والاعتبار للشيء بمثله، وهو نفس العدل.. وهو معنى القسط الذي أرسل الله له الرسل" (٢) بل إن ابن القيم جعل الوقوف عند التشابه الظاهري، دون الغوص في الحقائق والعلل والمقاصد من الشبه الذي "لم يحكه الله سبحانه إلا عن المبطلين.. الذين لم يجمعوا بين الأصل والفرع بعلة ولا دليل، وإنما ألحقوا أحدهما بالآخر من غير دليل جامع سوى مجرد الشبه الجامع.. والقياس بالصورة المجردة عن العلة المقتضية للتساوي، هو قياس فاسد" (٣) ويؤكد ذلك أن الفقهاء –على الرغم من وضع هذه القاعدة- قاموا باستثناءات كثيرة، تكاد تكون قاعدة، تنصب على أن كل ما لا يحقق هذه العدالة لا تطبق عليه هذه القاعدة. قال السيوطي: "اعلم أن الأصل في المتلفات ضمان المثل بالمثل، والمتقوم بالقيمة، وخرج عن ذلك صور في باب الغصب". إحداها: المثلي، الذي خرج مثله عن أن يكون له قيمة كمن غصب، أو أتلف ماء في مفازة، ثم اجتمعا على شط نهر، أو في بلد، أن أتلف عليه الجمد في الصيف واجتمعا في الشتاء، فليس للمتلف بدل المثل، بل عليه قيمة المثل في تلك المفازة أو في الصيف.

стр. 14804

ثانيتها: الحلي، أصح الأوجه: أنه يضمن مع صنعته بنقد البلد، وإن كان من جنسه، ولا يلزم من ذلك الربا؛ لأنه يجري في العقود لا من الغرامات. ثالثتها: الماشية إذا أتلفها المالك كلها، بعد الحول، وقبل إخراج الزكاة، فإن الفقراء شركاؤه، ويلزمه حيوان آخر، لا قيمته –مع أن الحيوان من القيميات - جزم به الرافعي وغيره، بخلاف ما لو أتلفها أجنبي. رابعتها: طم الأرض، كما جزم به الرافعي. خامستها: إذا هدم الحائط، لزمه إعادته لا قيمته، كما هو مقتضى كلام الرافعي وأجاب به النووي في فتاواه، ونقله عن النص. سادستها: اللحم، فإنه يضمن بالقيمة، كما صححه الرافعي وغيره في باب الأضحية مع أنه مثلي. سابعتها: الفاكهة، فإنها مثلية على ما اقتضاه تصحيحهم في الغصب. والأصح: أنها تضمن بالقيمة، ثم ذكر السيوطي صوراً أخرى في أبواب أخرى، ففي باب البيع، إذا تحالفا وفسخ العقد، وقد تلف المبيع، أطلق الشيخان وجوب القيمة فيه فشمل المثلي وغيره، وهو وجه صححه المارودي، وادعى الروياني الاتفاق عليه.. وفي باب القرض، استثنى المارودي من القاعدة العامة نحو الجوهر، والحنطة المختلطة بالشعير، إن جوزنا قرضهما، فإنهما يضمنان بالقيمة، وصوبه السبكي، وفي باب العارية: أطلق الشيخان وجوب القيمة فيها، فشمل المتقوم والمثلي، وصرح بذلك الشيخ في المهذب، والمارودي، وكذلك المستعار للرهن، يضمن في وجه حكاه الرافعي عن أكثر الأصحاب، بالقيمة، وفي وجه وصححه جماعة، وصوبه النووي في الروضة بما بيع به وهو ما كان أكثر من القيمة، فيستثنى ذلك من ضمان العارية بالقيمة، وفي باب المصراة، يكون البدل عن لبنها التمر –كما ورد في الحديث الصحيح (١) لا مثله، ولا قيمته (٢) كل هذه الاستثناءات وغيرها، لتدل دلالة واضحة على أن محاولات الفقهاء في تحديد المثلي والقيمي ووضع معايير لهما، كل ذلك للوصول إلى تحقيق العدالة، والتوازن بين الحقين، وإذا كان المطلوب في وضع هذه المعايير هو تحقيق العدالة، فلا أعتقد أن من العدالة اعتبار الليرة اللبنانية اليوم –حيث يساوي دولار واحد ٢٧٤ ليرة في شهر ٩/ ٨٧ – مثلاً (٣) – لليرة اللبنانية عام ١٩٧٠ – حيث كانت تساوي اثنتان منها دولاراً – ويدل على ذلك أقوالهم في كثير من الفروع الفقهية التي لها علاقة بالضمان والقيمة، فقد كان رائدهم في ثمن المثل، وأجرة المثل، ومهر المثل، وقيم الأشياء هو تحقيق العدالة بكل الوسائل المتاحة، ولذلك لاحظوا فيها الزمان والمكان والظروف والملابسات المحيطة بالشيء، فعلى سبيل المثال ذكروا ثمن المثل في شراء الماء في التيمم، وشراء الزاد ونحوه في الحج، وفي بيع مال المحجور، وغير ذلك، فقالوا: إنه يختلف باختلاف المواضع، قال السيوطي: "والتحقيق: أنه راجع إلى اختلاف في وقت اعتباره، أو مكانه" (٤) ففي باب التيمم ذكرت ثلاثة أوجه: أحدها: أنه أجرة نقل الماء إلى الموضع الذي هذا المشترى فيه، ويختلف ذلك ببعد المسافة وقربها.

стр. 14805

الثاني: أنه قيمة مثله في ذلك الموضع في غالب الأوقات، فإن الشربة الواحدة في وقت عزت الماء يرغب فيها بدنانير، فلو كلفناه شراءه بقيمة في حال، لحقته المشقة والحرج. الثالث: أنه قيمة مثله في ذلك الموضع في تلك الحالة، فإن ثمن المثل يعتبر حالة التقويم، وهذا هو الصحيح عند جمهور الأصحاب، وبه قطع الدارمي وجماعة من العراقيين، ونقله الإمام عن الأكثرين. والتحقيق: أنه يوجب ذلك على المسافر، ولكن يعتبر الزمان والمكان من غير انتهاء الأمر إلى سد الرمق (١) . وفي باب الحج: جزم الأصحاب، بأن ثمن المثل للزاد والماء هو القدر اللائق به في ذلك المكان والزمان، وكذلك قالوا في الطعام والشراب، حال المخمصة، وفي باب البيع إذا تخالف المتبايعان، وفسخ، وكان المبيع تالفاً، يرجع إلى قيمته وفي وقت اعتبارها قالوا أقوالاً أصحها يوم التلف، والثاني: يوم القبض؛ لأنه وقت دخول المبيع في ضمانه، وما يعرض بعد ذلك من زيادة، أو نقصان فهو في ملكه. وثالثها: أكثر القيم من القبض إلى التلف؛ لأن يده يد ضمان (٢) . وأما اعتبار القيمة في المغصوب المتقوم، فهو أقصى قيمة من الغصب إلى التلف بنقد البلد الذي تلف فيه (٣) . وقد ذكر الفقهاء كثيراً من الأمثلة للمثليات، راعوا فيها القيمة أيضاً منها: ١- فمثلاً الماء مثلي، ولكنه يستثنى من ضمانه بالمثل، إذا غصبه شخص في المفازة، فإنه يضمن بقيمته (٤) . ٢- إذا أعوز المثل، رجعنا إلى القيمة. ٣- إذا كسر آنية قيمتها عشرون، ووزنها عشرة، قال الغزالي في هذه المسألة: "ففيه وجهان أحدهما: أن الوزن يقابل بمثله، والصفة بقيمتها من غير جنس الآنية، وفيه وجه: ألا يبالي بالمقابلة بجنسه، فيكون البعض في مقابلة الصفة، كما لو أفرد الصفة بالإتلاف، وقد رجح الرافعي هذا الوجه الأخير، ومعنى ذلك يجوز أن يأخذ عشرين مثقالاً في مقابلة ما وزنه عشرة، ما دام فيه صنعه " (٥) .

стр. 14806

هذا بالنسبة في ضمان المتلفات، وهذا محل اتفاق، أما في البيع فلم يجوزوه، إلا ما نقل عن مالك، وما روي عن معاوية أنه يجوز بيع مضروب بقيمته من جنسه، كحلي وزنه مائة يشتريه بمائة وعشرة، وتكون الزيادة في الصنعة، وهي الصياغة، وقال الأوزاعي كان أهل الشام يجوزون ذلك فنهاهم عمر (١) وكذلك اعتبر ابن تيمية وابن القيم المصوغ كالحلي يراعى فيه القيمة. ٤- يقول الشوكاني: " فإذا تلفت كان المالك مخيراً بين أخذ مثلها، أو قيمتها يوم الغصب، على وجه يرضى به من غير فرق بين مثلي وقيمي، ولكن إرجاع المثلي من أعلى أنواع الجنس، وقيمة القيمي على هذا الاصطلاح، أقرب إلى دفع التشاجر، وأقطع لمادة النزاع " (٢) . ولم يغفل الفقهاء حتى في الذهب والفضة الوزن، حتى في حالة كونهما نقدين، فقد روى حرب، قال: قلت لأحمد: دفعت ديناراً كوفيًّا ودرهماً وأخذت ديناراً شاميًّا وزنهما سواء لكن الكوفي أوضع؟ قال: لا يجوز، إلا أن ينقص الدينار، فيعطيه بحسابه فضة (٣) فيما يجري فيه الربا، اعتبرت المماثلة فيه في المكيل كيلاً، وفي الموزون وزناً (٤) ، وقد أخذوا ذلك من الحديث الصحيح الذي رواه مسلم بسنده، أن رسول الله ﷺ قال: ((الذهب بالذهب وزناً بوزن)) (٥) . كما أنهم لم يغفلوا عن القيمة، حتى في بعض صور بيع الدراهم بالدينار، حيث اعتبر بعضهم النقص في القيمة عيباً يمنع الرد، يقول الفقيه الحنبلي الخرقي: "وإذا اشترى ذهباً بورق عيناً بعين، فوجد أحدهما فيما اشتراه عيباً، فله الخيار بين أن يرد، أو يقبل إذا كان بصرف يومه.." وعلق ابن قدامة على قوله " إذا كان بصرف يومه" قائلاً: "يعني: الرد جائز ما لم ينقص قيمة ما أخذه من النقد عن قيمته يوم اصطرفا، فإن نقصت قيمته كأن أخذ عشرة –أي من الدراهم- بدينار، فصارت أحد عشر بدينار، فظاهر كلام أحمد والخرقي: أنه لا يملك الرد؛ لأن المبيع تعيب في يده، لنقص قيمته" ثم إن ابن قدامة سلم بأن نقص القيمة عيب وإن كان لا يمنع ذلك من الرد، لوجود العيب القديم في نظره، ولكنه يجب عليه في حالة الرد أرش العيب الحادث عنده، وأخذ الثمن (٦) . وقد أخذوا ذلك، من حديث ابن عمر، حيث قال لرسول الله ﷺ : (رويدك أسألك: إني أبيع الإبل بالبقيع، فأبيع بالدنانير، وآخذ الدراهم، وأبيع بالدراهم وآخذ الدنانير، آخذ هذه من هذه، وأعطى هذه من هذه؟) فقال رسول الله ﷺ : ((لا بأس أن تأخذها بسعر يومها مالم تفترقا وبينكما شيء)) (٧) .

стр. 14807

وذكر ابن نجيم الحنفي أمثلة كثيرة روعيت فيها القيمة في هذا الباب منها: إذا وجب الرجوع بنقصان العيب عند تعذر رده، كيف يرجع به؟ قال قاضيخان: وطريق معرفة النقصان، أن يقوم صحيحاً لا عيب فيه، ويقوم به العيب". ومنها: المغصوب المثلى إذا انقطع، قال أبو حنفية ﵀ تعتبر قيمته يوم الخصومة، وقال أبو يوسف ﵀ : يوم الغصب، وقال محمد ﵀ يوم الانقطاع. ومنها المتلف بلا غصب، تعتبر قيمته يوم التلف، ولا خلاف فيه، ومنها المقبوض بعقد فاسد، تعتبر قيمته يوم القبض. ومنها الرهن إذا هلك بالأقل من قيمته ومن الدين، فالمعتبر قيمته يوم الهلاك، ومنها قيمة اللقطة إذا تصدق بها، أو انتفع بها بعد التعريف، ولم يجد مالكها، فالمعتبر فيها يوم التصدق (١) . ويقول ابن القيم: "إن جميع المتلفات تضمن بالجنس بحسب الإمكان مع مراعاة القيمة، حتى الحيوان فإنه إذا اقترضه رد مثله كما اقترض النبي ﷺ بكراً ورد خيراً منه.. وهذا أحد القولين في مذهب أحمد وغيره، وقصة داود وسليمان ﵉ من هذا الباب، فإن الماشية كانت قد أتلفت حرث القوم، فقضى داود بالغنم لأصحاب الحرث كأن ضمنهم بالقيمة، وأما سليمان، فحكم بأن أصحاب الماشية يقومون على الحرث، حتى يعود كما كان، فضمنهم إياه بالمثل، وأعطاهم الماشية، يأخذون منفعتها عوضاً عن المنفعة التي فاتت من غلة الحرث إلى أن يعود، وبذلك أفتى الزهري لعمر بن عبد العزيز، فيمن أتلف له شجر فقال الزهري: يغرسه حتى يعود كما كان، وقال ربيعة وأبو الزناد: عليه القيمة، ثم قال بأن القاعدة في المثلي هي المساواة في الجنس، والصفة، والمالية، والمقصود والانتفاع، ولذلك فما كان أقرب إلى المماثلة، فهو أولى بالصواب (٢) ومن هنا لنا الحق أن نتسائل: هل النقود الورقية هذه السنة تشبه النقود الصادرة قبل عشرين سنة؟ ! ويقول ابن حجر عند تعليقه على القول برد المثل في القيمي، عند من يقول به: "ومن لازم اعتبار المثل الصوري: اعتبار ما فيه من المعاني التي تزيد بها القيمة " (٣)

стр. 14808

ثانياً: أن جمهور الفقهاء عرفوا المثلي في أبواب القرض والغصب والإتلاف، بما هو مكيل أو موزون، وجعلوا الكيل، أو الميزان معياراً له، فعلى ضوء ذلك، لا يدخل فيه النقود الورقية، فتكون من القيميات التي يلاحظ فيها عند الحقوق والالتزامات قيمتها. وأما على ضوء تعريف إمام الحرمين، والغزالي، الذي جعل تساوي الأجزاء من حيث القيمة والمنفعة معياراً للمثلي، فلا تدخل فيه النقود الورقية، فالليرة اللبنانية الآن هل تساوي الليرة اللبنانية قبل خمس عشرة سنة؟ وكذلك الأمر بالنسبة لتعريف الكاساني الذي أضاف إلى المكيل والموزون: المعدود الذي لا اختلاف بين آحاده؛ وذلك لأن النقود الورقية يوجد بينها اختلاف بيِّن بين آحاده؛ وذلك لأن النظر إلى النقد الورقي ليس باعتبار شكله ورسمه، وإنما اعتبار قيمته الشرائية، فالنقود الورقية ليس فيها نفع ذاتي، فلا تؤكل ولا تشرب، ولا تلبس، وإنما باعتبار ما يشترى بها. وقد رأينا المحققين رجحوا تعريف المثلي بما هو مكيل أو موزون، وشاهدنا دفاع الإمام الجليل الرافعي وغيره عنه، ويقول ابن قدامة: "وإنما تجب المماثلة في المعيار الشرعي، وهو الكيل والوزن" (١) . ويقول صاحب المطالب: "ويجب على المقترض رد قيمة غير المكيل والموزون يوم القبض" (٢) ويقول العلامة البابرتي: "إن المكيلات والموزونات كلها من ذوات الأمثال، دون القيم" (٣) . فعلى ضوء هذا التعريف للمثلي لا تدخل النقود الورقية فيه، فتكون من القيميات التي تلاحظ فيها القيمة كقاعدة عامة. ومن هذا العرض، يمكن القول بأن للفقهاء في باب القروض والغصب معيارين: معياراً ذاتيًّا، وهو رعاية الكيل، أو الوزن، ومعياراً موضوعيًّا مرناً، وهو تساوي الأجزاء مع رعاية القيمة والمنفعة، وهذا ما اختاره إمام الحرمين والغزالي وغيرهما، وهو الذي يظهر رجحانه، إذ أن الوقوف عند الناحية الشكلية، دون رعاية الجوهر والغاية والمقاصد، لا يتفق مع هذه الشريعة التي نزلت لتحقيق العدالة في كل الأمور، ولذلك جعل الماوردي وغيره تساوي القيم بين شيئين معياراً لتحقيق المثلية فيهما فقال: " فإن التماثل بالقدر، غير أن القيمة يعرف بها تماثل القدر وتفاضله" وقد ذكر ابن الهمام أن المماثلة الحقيقية المطلوبة لا تتحقق إلا باعتبار الصورة والمعنى، والمعيار يسوي الذات، أي الصورة، والجنسية تسوي المعنى (٤) .

стр. 14809

ثالثاً: إن قضية المثلي والقيمي واعتبار ما هو مثلي، أو قيمي ليست من الأمور المنصوص عليها في الشرع، بحيث لا يمكن تجاوزها، وإنما كان الغرض منها هو محاولة التقريب والتبسيط والتقعيد الفقهي، والرائد فيها هو تحقيق العدالة، ولذلك قالوا في تعليلهم لوجوب رد المثلي في المثلي: إن المثل هو أقرب الأشياء إليه، وقالوا في رد القيمي في القيمي: أنه نظراً لتفاوت أفراده يمنع رد المثل فيه، ولذلك تجب قيمته، ومن هنا إذا رد المقرض في القيميات شيئاً أحسن مما أخذه يجوز، استناداً إلى ما فعله رسول الله ﷺ حيث استسلف من رجل جملاً بكراً فأمر أن يعطيه رباعيًّا وقال: ((فإن خياركم أحسنكم قضاء)) (١) . وقد أكد الإمام الشوكاني ذلك، وبين بأن قاعدة المثلي والقيمي قاعدة مرنة جدًّا، وأنها ليست منصوصة، فقال: "قوله: وفي تالف المثلي مثله إلخ" أقول: "إطلاقهم على الشيء الذي تساوت أجزاؤه، أنه مثلي، وعلى ما اختلفت أجزاؤه أنه قيمي، هو مجرد اصطلاح لهم، ثم وقوع القطع والبت منهم بأن المثلي يضمن بمثله، والقيمي بقيمته، هو أيضاً مجرد رأي عملوا عليه، وإلا فقد ثبت عن الشارع أنه يضمن المثلي بقيمته" (٢) . ولو استقرينا فروع الشريعة وكلياتها ومبادئها ووسائلها، لوجدناها قائمة على العدل قال تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾ [الحديد: ٢٥] ، وقال: ﴿وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ [النساء: ٥٨] . إلى غير ذلك من الآيات الكثيرة الدالة على ذلك. يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: "والأصل في العقود جميعها هو العدل، فإنه بعثت به الرسل، وأنزلت الكتب.. والشارع نهى عن الربا، لما فيه من الظلم، وعن الميسر لما فيه من الظلم" (٣) .

стр. 14810

هل النقود الورقية مثل الدراهم والدنانير في كل الأحكام؟ هذا هو السؤال الذي يفرض نفسه علينا، والجواب عنه بالسلب، أو بالإيجاب، أو التفصيل، يكون هو الأساس في أي حل يراد. فقد ذهب أكثر العلماء الذين عاصروا مولد النقود الورقية إلى أنها ليست مثل النقود الذهبية والفضية على الإطلاق، بل ذهب بعضهم إلى نفي نقديتها وماليتها، ورتبوا عليها عدم وجوب الزكاة فيها، وعدم جريان الربا فيها، فقد جاء في فتح العلي المالك: ".. ما قولكم في الكاغد، الذي فيه ختم السلطان، ويتعامل به كالدراهم والدنانير.. هل يزكى زكاة العين أو العرض أو لا زكاة فيه؟ " فأجبت بما نصه: ".. لا زكاة فيه، لانحصارها في النعم وأصناف مخصوصة من الحبوب والثمار، والذهب والفضة، ومنهما قيمة عرض المدير وثمن عرض المحتكر، والمذكور ليس داخلاً في شيء منها، ويقرب لك ذلك أن الفلوس النحاس المختومة بختم السلطان المتعامل بها لا زكاة في عينها لخروجها عن ذلك" (١) يقول الأستاذ الدكتور القرضاوي: "لم تعرف النقود الورقية إلا في العصر الحاضر، فلا نطمع أن يكون لعلماء السلف فيها حكم، وكل ما هنالك أن كثيراً من علماء العصر يحاولون أن يجعلوا فتواهم تخريجاً على أقوال السابقين، فمنهم من نظر إلى هذه النقود نظرة فيها كثير من الحرفية والظاهرية، فلم يرد هذه نقوداً؛ لأن النقود الشرعية إنما هي الذهب والفضة، وإذن لا زكاة فيها.. وبهذا أفتى الشيخ عليش وبعض الشافعية.." (٢) . وقد أسند كتاب الفقه على المذاهب الأربعة إلى الحنابلة عدم وجوب الزكاة في الورق النقدي، إلا إذا صرف ذهباً، أو فضة، ووجدت فيه شروط الزكاة السابقة (٣) وهذا الإسناد غير مقبول؛ لأن النقد الورقي لم يكن موجوداً في زمن أحمد ولا أصحابه، وحتى لازم المذهب ليس بمذهب، فكيف تسنى له أن يسند إليهم هذا القول؟ ! وكذلك أفتى كثير من علماء الهند في القرن السابق، بعدم وجوب الزكاة فيها، وعدم أداء الزكاة بها، وعدم جواز شراء الذهب والفضة بها (٤) . وبعكس هذا الاتجاه، ذهب علماء معاصرون كثيرون إلى وجوب الزكاة فيها، منهم العلامة أحمد الساعاتي صاحب ترتيب مسند أحمد وشرحه، حيث قال: "فالذي أراه حقاً، وأدين الله عليه، أن حكم الورق المالي كحكم النقديين في الزكاة سواء بسواء؛ لأنه يتعامل به كالنقدين تماماً" (٥) وأفتى بمثله العلامة الشيخ محمد حسنين مخلوف العدوي، حيث قال: "فتحصل أن الأوراق المالية يصح أن تزكى باعتبارات أربعة" (٦) .
следующие страницы →