← Фикх общий

Фикх общий · id 8356

مجلة مجمع الفقه الإسلامي

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (22 276 стр.). Показаны 1471–1510 · переход к 1476.

стр. 1471

نهاية الحياة الإنسانية في نظر الإسلام للشيخ بدر المتولي عبد الباسط باطلاعي على ما كتبه إخواننا الأطباء يكاد إجماعهم ينعقد على أن الحياة الإنسانية تنتهي بتوقف المخ عن العمل، ورتبوا على ذلك أحكامًا في غاية الخطورة، وهي جواز الانتفاع بأعضاء من هذا الشخص لآخرين حتى ولو كانت أجهزته الأساسية يقوم بعضها بأداء مهمته كالجهاز الهضمي والتنفسي والدموي، سواء أكان قيام هذه الأجهزة بنفسها أم بواسطة أجهزة من صنع الإنسان. وقبل أن أبين رأيي أسائل السادة الأطباء عن أمرين: أولهما: لو مات الجهاز التنفسي مثلًا هل كان يستجيب لأداء وظيفته بالأجهزة المستحدثة؟ ثانيهما: هل الجسم الميت يكون فيه عامل الهدم والبناء معًا.. أم لا يبقى إلا عامل الهدم دون غيره؟ وعلى ضوء الإجابة يتضح هذا الأمر الخطير.. فإن كان الجواب عن الأول بأن الأجهزة البشرية إذا ماتت حقيقة لا تستجيب للأجهزة الحديثة، فيكون الموت بموت هذه الأجهزة وليس بتوقف المخ وحده. وإن كانت هذه الأجهزة البشرية لا تستجيب إلا إذا كانت بها حياة فكيف يقال بأن الموت إنما هو بتوقف المخ فقط؟ أما السؤال الثاني: فإن توقف المخ مع بقاء الأجهزة البشرية لأداء وظيفتها بوسائل حديثة يبقى هناك عامل الهدم والبناء في الجسم البشري وهذا دليل على وجود الحياة، فكيف يقال بأن الموت يعتبر بتوقف المخ وحده مع بقاء الجسم في حالة هدم وبناء؟ والإسلام رتب على انتهاء الحياة الإنسانية أحكامًا كثيرة منها: وجوب غسله وتكفينه ودفنه وانتقال عدة المرأة إلى عدة المتوفي عنها زوجها إن لم تكن حاملًا.. كما رتب على ذلك وجوب القصاص أو الدية إذا كان انتهاء الحياة بسبب جناية، كما رتب على ذلك أيضًا أحكام الميراث والوصية فكان لا بد من تحديد الموت الحقيقي المعتبر شرعًا والذي يترتب عليه هذه الأحكام وغيرها. وبالرجوع إلى المصادر الفقهية تبين ما يأتي: يكاد يجمع الفقهاء على أنه إذا شق شخص بطن إنسان ولم يخرج حشوته، فجاء آخر وذفف عليه أي ذبحه فالقصاص على الثاني دون الأول؛ لأن شق البطن يمكن أن يعيش الإنسان معه ما لم تفصل حشوته من أمعاء ومعدة وكبد وغير ذلك.

стр. 1472

أما إذا شق إنسان بطن آخر وأخرج حشوته وبقي فيه حياة وجاء من ذفف عليه أي ذبحه فالقصاص على الأول، والثاني يجب تعزيره، لأن ما بقي من الحياة بعد إخراج الحشوة هي حياة غير مستقرة، ولكن لكرامة الإنسان وجب أن يحافظ على هذا القدر ولا يعتدي عليه. كما أن الفقهاء قرروا أنه لا توارث بين شخصين نفذ فيهما القتل في لحظة واحدة، إلا أنه بقي أحدهما يضطرب أكثر من الثاني، فاشترطوا أن تكون الحياة التي بموجبها يستحق الحي الميراث أن تكون حياة فوق حياة المذبوح. وبهذا يمكنني أن أقول: إن الحياة الإنسانية تنتهي –بالنسبة لبعض الأحكام كالميراث- بمباشرة سبب الوفاة وأنه لا بد في الميراث من أن تكون حياة الوارث فوق حياة المذبوح. ولكن هل يعقل أن تُجْرَى على من توقف مخه الأحكامُ الأخرى من غسل وتكفين وأن تُزَوَّجَ امرأته وهو لا يزال تحت الأجهزة يتنفس ويتغذى؟ !!! وقد وقع ما يكاد يبطل نظرية توقف المخ فقط، فقد نشرت جريدة الأهرام في صفحتها الخامسة بتاريخ: ٣٠/ ٩/ ١٩٨٤ م هذا الخبر أنقله حرفيًا وعنوانه: "حالة فريدة من نوعها: أم في غيبوبة تضع طفلًا مكتمل النمو ... "حالة وضع غريبة أثارت اهتمام العلماء في العالم أجمع، تلك حالة السيدة الفنلندية انجاليتالو ٣٢ عامًا التي وضعت طفلها الرابع وهي في غيبوبة تامة منذ شهرين ونصف، وقد دخلت الأم في هذه الغيبوبة إثر إصابتها بنزيف في المخ، والغريب أن الأم قد توفيت بعد أن وضعت طفلها ماركو بيومين.. ويؤكد د. جورما هيكينين الطبيب الذي باشر حالة السيدة أن هذه الحالة تعتبر نادرة للغاية، فقد كانت الأم تتنفس صناعيًا وتتغذى بالأنابيب وينقل لها دم مرة أسبوعيًا، وذلك لمدة عشرة أسابيع. أما الشيء الذي حير الأطباء فهو كيف أمكن اكتمال نمو الطفل بطريقة طبيعية تحت هذه الظروف؟ بل إن الطفل ولد بصحة طيبة ووزن طبيعي.. يقول الأب: إنه يعتقد أن ولادة ابنه ماركو تعتبر شيئًا من قبيل المعجزة إذ إنه كان قد فقد الأمل في أن يعيش الجنين بعد الغيبوبة التي دخلت فيها الأم، غير أن عناية الله كانت تفوق كل توقع، وكان الأطباء يباشرون حالة الجنين بانتظام عن طريق الموجات الصوتية.. وفي الأسبوع الـ ٢٢ كان على الأطباء أن يتموا عملية الوضع لكنهم تركوا القرار الأخير للأب الذي وافقه على الفور، وكان لمولد الطفل ماركو وقع مهدئ على الأسرة لتعويضهم عن الصدمة المؤلمة التي شعروا بها بعد موت الأم وللطفل ماركو ثلاثة إخوة تتراوح أعمارهم بين ٥، و ١١ عامًا.

стр. 1473

فما يدرينا لعل الله أن يوفق بعض الباحثين إلى ما يعيد للمخ حياته بعد توقفه، كما وفق الأطباء بعض الباحثين إلى ما يعيد للمخ حياته بعد توقفه، كما وفق الأطباء إلى زرع الكلى والقلوب والأعضاء الأخرى. وما أفتى به بعض العلماء من جواز الانتفاع ببعض أعضاء الميت لإنقاذ حياة حي فإن ذلك لا يكون إلا بعد التحقق من وفاة المأخوذ منه عضوا يعيش إلا به، كالقلب والكبد، ويحفظ بالوسائل العلمية الحديثة لينتفع به.. ولا أعتقد أن عالمًا في الشريعة يستطيع أن يفتي بجواز نزع قلب شخص لا تزال به حياة –مهما كانت هذه الحياة ضئيلة- لينقل إلى شخص آخر. ومما ينبغي أن يعلم أن فقهاء الإسلام جميعًا مجمعون على أنه لو كان شخص في النزع الأخير – من غير جناية - فجاء من قتله وجب القصاص إذا كان القتل عمدًا والدية إذا كان خطأ. والذي يستريح له ضميري بعد مراجعة النصوص الفقهية، أن مثل هذه المسألة يفتى فيها بالأحوط أخذًا بقاعدة (اليقين لا يزول بالشك) . فبناء على هذا إذا كانت الحياة بعد توقف المخ مثل حياة المذبوح، فإن هذا الشخص لا يرث غيره، لأن شرط الميراث تحقق حياة الوارث بعد المورث، وحياة مثل هذا الشخص حياة مشكوك فيها، والشك لا يعارض اليقين. كما أن هذا الشخص إذا كان بهذه الحال لا يورث حتى تتحقق وفاته، لأن حياته كانت ثابتة بيقين، وحياته في هذه الحال مشكوك فيها، كما يجب أن لا تجرى عليه الأعمال التي تجرى في الوفاة من غسل وتكفين ودفن. أما عن زوجته فالذي أطمئن إليه أنه لا تبدأ عدتها إلا بعد التحقق من وفاته، بحيث لا يكون هناك شك في حياة أي جهاز من أجهزته الحيوية.

стр. 1474

تنبيه: جاء في بعض ما كتبه إخواننا الأطباء العبارة الآتية "إذا وجدت المصلحة فثم شرع الله". وهذه العبارة تحتاج إلى توضيح فأقول وبالله التوفيق: إن المصالح التي جاء بها الشرع خمس: ١- مصلحة الدين. ٢- مصلحة النفس. ٣- مصلحة العقل. ٤- مصلحة النسل. ٥- مصلحة المال. وهذه المصالح منها ما هو ضروري بحيث تفوت المصلحة بفوته، ومنها ما هو حاجي بحيث تبقى المصلحة ولكن مع الحرج الشديد، ومنها ما هو تحسيني.. وقد تتعارض هذه المصالح فتقدم مصلحة الدين على مصلحة النفس، ومصلحة النفس على مصلحة العقل، ومصلحة العقل على مصلحة النسل.. وكل هذه المصالح تتقدم على مصلحة المال.. كما يقدم الضروري منها على الحاجي.. والحاجي على التحسيني، ثم إن المصالح بالنسبة لاعتبار الشارع ثلاث: ١- مصلحة معتبرة شرعًا. ٢- مصلحة ملغاة شرعًا. ٣- مصلحة سكت عنها الشارع فلم يعتبرها ولم يلغها. فأما المصالح التي ألغاها الشارع فهي كالمصلحة في الخمر والميسر فالله يقول ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا﴾ وكالمصلحة في الربا كما كان يزعم المرابون قديمًا بقولهم "إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا" فألغى الله ما في الربا من مصلحة بقوله ﴿وَمَا آَتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ﴾ وكالمصلحة في التبني فقد ألغاها الله بقوله ﴿وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ ذَلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهِكُمْ﴾ فكل مصلحة ألغاها الشارع لا ينبغي أن نبني عليها حكمًا بل هي مهدرة وهي من تخييل الهوى. وأما المصالح التي سكت عنها الشارع فلم يعتبرها ولم يلغها، وهي ما يعرف عند العلماء بالمصالح المرسلة فالأمر فيها موسع، ويؤخذ فيها برأي المختصين. بعد هذا البيان ينبغي أن يفهم ما قالوه من أنه إذا وجدت المصلحة فثم شرع الله.. أن المراد بالمصلحة التي تتفق مع شرع الله هي التي لم يلغها الشارع ولم يملها الهوى وقديمًا قيل: وعين الرضا عن كل عيب كليلة كما أن عين السخط تبدي المساويا ولعله بعد هذا البيان يجب أن لا نحكم أولًا ثم نلتمس الأسباب والعلل والمسوغات التي لا يعجز العقل البشري عن التماسها عندما يكون خاضعًا للأهواء والأغراض. هذا ما بدا لي في هذا الموضوع الخطير حتى لا ننساق وراء كل جديد. والله من وراء القصد ...

стр. 1475

متى تنتهي الحياة للشيخ محمد المختار السلامي مفتي تونس إن انتهاء الحياة له حالتان – حالة ظرفية وحالة مطلقة. الحالة الظرفية: هي حالة توقف الأجهزة الأساسية عن العمل توقفًا نهائيًا لا يمكن للعلم حسب إمكاناته ومستواه أن يعيدها إلى العمل من جديد، والأجهزة الأساسية هي القلب باعتباره المغذي لكل الأجهزة البشرية وجذع الدماغ باعتباره المنظم وبرج القيادة لكل الأجهزة فإذا امتنع الغذاء أو خربت القيادة أبديًا كان الموت. ثم إن عمل هذين قد يكون عملًا طبيعيًا ولا إشكال في هذا، وقد يكون العمل غير طبيعي كتركيب آلات بوظائف القسم المعطل، فهل يعتبر الإنسان ما دامت فيه الحياة ولو كانت حياة خلوية أو آلية هل يعتبر حيًا له حكم الأحياء؟ يقول خليل بن إسحاق: ولا سقط ما لم يستهل ولو تحرك أو بال أو رضع. إن هذه الفقرة تجعل مقياس الحياة الصوت، وقد فصل اللخمي ما تكون به الحياة فقال: اختلف في الحركة والرضاع والعطاس فقال مالك: لا يكون له بذلك حكم الحياة، قال ابن حبيب: وإن أقام يومًا يتنفس ويفتح عينيه ويتحرك حتى يسمع له صوت، وإن كان خفيًا، قال إسماعيل: وحركته كحركته في البطن لا يحكم له فيها بحياة، قال عبد الوهاب: وقد يتحرك المقتول، وعارض هذا المازري وقال: لا معنى لإنكار دلالة الرضاع على الحياة لأنا نعلم علمًا يقينيًا أنه محال بالعادة أن يرضع الميت، وليس الرضاع من الأفعال التي تكون بين الطبيعية والاختيارية، كما قال ابن الماجشون: إن العطاس يكون من الريح، والبول من استرخاء المواسك، لأن الرضاع لا يكون إلا من القصد إليه، والتشكك في دلالته على الحياة يطرق إلى هدم قواعد ضرورية –والصواب ما قاله ابن وهب وغيره إنه كالاستهلاك بالصراخ (١) ويقول المواق معلقًا على هذا البحث انظر هذا البحث من الإمام فقد كان عمر ﵁ لما طعن معدودًا في الأموات لو مات له مورث لما ورثه، وهو قول ابن القاسم، ولو قتل رجل عمر ﵁ لما قتل به وإن كان عمر حينئذ يتكلم ويعهد، وفرق بين ولد البقرة مثلًا تزلقه ومثله يعيش وبين المريضة التي أيس من حياتها، هذه يراعى الاستصحاب فتحسب حية وتتعلق بها الذكاة بخلاف المزلق (٢)

стр. 1476

لقد نقلت هذا النص بطوله لبيان أن المجتهدين قد اختلفوا متى تعتبر الحياة منتهية فينتفي تبعًا لذلك ترتب أحكام الحياة، لقد رأينا أنهم لم يعتبروا الحياة تثبت إلا بالصوت والصوت حركة مرتبطة بالدماغ، فإذا كان الدماغ هامدًا لا يعطي أوامره ولا يضبط الإرجاع عن المؤاثرات فإنه لا حياة، ولذلك قدروا أن العطاس والبول والرضاع لا يعبر عن الحياة، وتنبه المازري إلى أن الرضاع حركة إرادية يعني أن الدماغ هو الذي يتدخل ليرضع الإنسان، فالامتصاص ليس عملية طبيعية وإنما هو عملية إرادية لا تكون إلا إذا كان الدماغ عاملًا. ولكن حتى عمل الدماغ لم يعتبره المواق دليل حياة ما لم يكن عمله محكومًا عليه بالدمار القريب، فإذا حصل في أجزاء الجسم ما يدمر الطاقة الذهنية وحركة الدماغ كان في حكم الميت لا يرث غيره في هذه الحالة. الرأي عندي: بعد هذا العرض من الاختلاف في تحديد حياة الإنسان واعتباره ميتًا إذا كانت الحياة السارية ليست حياة بالمعنى الكامل كحياة الذي نفذت مقاتله، أو حياة الموضوع تحت الأجهزة الآلية التي تبقى على الدورة الدموية، أقول: إن هذا الرأي يبدو لي أنه رأي غير وجيه ويترجح عندي أنه ما دامت الأجهزة الأساسية حية فالإنسان حي يأخذ كل أحكام الأحياء. إن الذي رجح عندي هذا هو أنه في السنة الماضية قرأت فصلًا في إحدى الجرائد جاء فيه أن فتاة أمريكية تعيش اصطناعيًا لمدة سنوات وطلب أبواها أن تراح من هذا العذاب المتواصل، وأن يقطع الأطباء أجهزتهم عن العمل لفائدتها، وبعد تدخل القضاء ورضا الأطباء بذلك كانت المفاجأة، إذ استمرت الحياة فيها غير معتمدة على الأجهزة، وأيضًا فإنه قبل سنوات كان المريض الذي يتوقف قلبه عن النبض تمامًا يعتبر قد انتقل من حالة المرض إلى حالة الموت، لكن توقف القلب بعد تقدم الجراحة الطبية أصبح لا يدل على موت صاحبه، بل إن عملية القلب المفتوح تقتضي توقيف القلب.

стр. 1477

الحالة المطلقة: أعتقد جازمًا أنه لا يمكن إعطاء تحديد مطلق للموت لأن العلم يتطور تطورًا مبدعًا، وإذا أمكنه اليوم أن يعيد للقلب نبضه وانتظامه، فما المانع من أن يتمكن في يوم من الأيام من أن يعيد إلى جذع الدماغ قدرته ودوره؟ خاصة وقد دخل الدماغ الإلكتروني في الساحة الطبية، ويسر على الجراحين العمليات المعقدة والخطيرة وحقق نجاحًا مذهلًا ولذا يكون إعطاء تعريف مطلق للموت فيه من التجني على المستقبل ما لا يمكن قبوله بحال. طريقة طرح السؤال: إنه بناء على ما تقدم يكون من الخير أن يقدم السؤال لا على أساس تحديد الموت والمقياس الضابط لذلك، ولكن على أساس هل يجوز شرعًا نقل أعضاء حية إلى المصابين والذين حياتهم في خطر إذا لم يسعفوا بهذا العضو الذي لا بد أن ينقل في حالة حياة قبل أن تدمر خلاياه. إن التكييف الشرعي لنقل الأعضاء لا يرتبط بتحديد الحياة والموت ولكنه يرتبط بأمرين آخرين: الأول: المضطر لما حرم عليه المضطر: هو الإنسان الذي يبلغ درجة الاختيار بين أمرين لا ثالث لهما؛ الموت المحقق أو تناول ما يحرم عليه وقد جاءت الآية صريحة في جواز الإقدام على المحرم حفاظًا على الحياة قال تعالى ﴿وَمَا آَتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ﴾ (١) وقال تعالى ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ (٢) ونص الفقهاء على أن المضطر يجب عليه أن يبقى على حياته بتناوله للمحرم، والخلاف بينهم إنما هو في تفصيلات كالبيع والتزود وأمور أخرى يهمنا منها: أ- هل التداوي كالأكل؟ يقول ابن تيمية: والتداوي بالمحرم ليس مثل أكل المضطر للميتة فإن ذلك يحصل به المقصود قطعًا وليس له عنه عوض، والأكل منها واجب فمن اضطر إلى الميتة ولم يأكل حتى مات دخل النار، وهنا لا يعلم حصول الشفاء ولا يتعين هذا الدواء، بل الله تعالى يعافي العبد بأسباب متعددة والتداوي ليس بواجب عند جمهور العلماء ولا يقاس هذا بهذا (٣)

стр. 1478

ويقول الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور: ومما اختلفوا في قياسه على ضرورة الجوع ضرورة التداوي، فقيل لا يتداوى بهذه المحرمات ولا بشيء مما حرم الله كالخمر، وهو قول مالك والجمهور ولم يزل الناس يستشكلونه لاتحاد العلة وهي حفظ الحياة، وعندي أن وجهة أن تحقق العلة فيه منتف إن لم يبلغ العلم بخصائص الأدوية ظن نفعها كلها إلا ما جرب منها وكم من أغلاط كانت للمتطببين في خصائص الدواء؟ ونقل الفخر عن بعضهم إباحة تناول المحرمات من الأدوية، وعندي أنه إذا وقع قوة ظن الأطباء الثقات بنفع الدواء المحرم من مرض عظيم وتعينه أو غلب ذلك في التجربة فالجواز قياسًا على الأكل للمضطر وإلا فلا (١) ملاحظة: إن المتتبع لكلام الفقهاء يتبين له أن سبب الخلاف هو مقدار ثقة الفقيه في وصف الأطباء، إذ الطب لم يكن واثقًا من كثير من العقاقير، ولا من تشخيص المرض ولا من ملاءمتها للمريض، والمرض كما يدل عليه تعليل ابن تيمية وهنا لا يعلم حصول الشفاء ولا يتعين هذا الدواء، لذا ولأنه بمقدار ما تزيد الثقة في الصحة بالتجربة يزداد الاطمئنان إلى جواز تناول الدواء وإن ركب من محرم. أكل الميتة: إذا اضطر الإنسان لأكل الميتة جاز له الأكل منها بلا خلاف، وذلك بنص القرآن لكنهم اختلفوا رغم ذلك في أمور: أ- هل يجوز للمضطر أن يأكل ميتة الإنسان؟ يقول خليل للضرورة ما يسد (أي الرمق) غير آدمي وخمر. يقول شارحه الزرقاني واستثناؤه الآدمي مسلمًا أو كافرًا موافق للمشهود الذي صدر به في الجنائز، ثم ذكر مقابلة –ونصه "والنص عدم جواز أكله لمضطر وصحح أكله، وهل علة الحرمة التعبد وهو المشهور أو الإذاية لأنه قيل إذا جافت صارت سما. وهو لابن عمران الجورائي، ثم قوله وصحح أكله وما قبلاه من المنع شامل لأكله من نفسه كيده أو رجله. ولا يبعد القول بإباحة أكله من بعض أعضائه حفاظًا لنفسه كما ذكروه فيمن لدغته أفعى في يده وكان يرجو الحياة بقطعها قبل سريان السم فيه، أو طولها فإنه يجب". (٢)

стр. 1479

ومذهب أحمد كما فصله المغني. وإن لم يجد المضطر شيئًا لم يبح له أكل بعض أعضائه. وقال بعض أصحاب الشافعي له ذلك لأن له أن يحفظ الجملة بقطع عضو كما لو وقعت فيه الأكلة. ولنا أن أكله من نفسه ربما قتله فيكون قاتلًا لنفسه، ولا يتيقن حصول البقاء بأكله، أما قطع الأكلة فإنه يخاف الهلاك بذلك العضو فأبيح له إبعاده ودفع ضرره المتوجه منه بتركه كما أبيح قتل الصائل عليه. ولم يبح له قتله لمأكله. وإن لم يجد إلا آدميًا محقون الدم لم يبح له قتله إجماعًا ولا إتلاف عضو منه مسلمًا كان أو كافرًا لأنه مثله: فلا يجوز أن يبقى نفسه بإتلافه. وهذا لا خلاف فيه وإن كان مباح الدم كالحربي والمرتد فذكر القاضي أن له قتله وأكله لأن قتله مباح. وهكذا قال أصحاب الشافعي لأنه لا حرمة له فهو بمنزلة السباع. وإن وجد ميتًا أبيح أكله لأن أكله مباح بعد قتله فكذلك بعد موته. وإن وجد معصومًا ميتًا لم يبح أكله في قول أصحابنا. قال الشافعية وبعض الحنفية يباح، وهو أولى لأن حرمة الحي أعظم ومذهب الشافعي كما ذكره الهيثمي في التحفة. وله أي المعصوم بل عليه أكل آدمي ميت محرم إذا لم يجد ميتة غيره ولو مغلطة، لأن حرمة الحي أعظم، ومن ثم لو كانت ميتة نبي امتنع الأكل منها قطعًا. وكذا ميتة مسلم والمضطر ذمي. وظاهر كلامهما أنهما حيث اتحدا إسلامًا وعصمة لم ينظر لأفضلية الميت، وإذا جاز أكله حرم طبخه وقيده شارح الأذرعي بما إذا أمكن أكله نيئًا. وله بل عليه قتل مهدر نحو مرتد وحربي وزان محصن ومحارب وتارك صلاة بشرطه ومن عليه قود بغير إذن الإمام للضرورة لا ذمي ومستأمن لعصمتهما. وصبي وحربي وامرأة حربية لحرمة قتلهما قلت الأصح قتل الصبي والمرأة الحربيين، وكذا الخنثى والمجنون ورفيقهم للأكل والله أعلم لعدم عصمتهم. وحرمة قتلهم إنما هي لحق الغانمين ومن ثم لم تجب فيه كفارة. (١)

стр. 1480

إن هذه النصوص الثلاثة يمكننا أن نستخلص منها ما يلي: أ- أكل الميت مذهب مالك أن الأكل من الإنسان الميت للضرورة مختلف فيه المشهور عدم الجواز والصحيح الجواز. مذهب أحمد أن الأكل من الإنسان الميت للضرورة مختلف فيه محترم الدم جاز أكله وإن كان محترم الدم فالأولى الجواز. مذهب الشافعي جواز الأكل من الميت إلا إذا كان المضطر ذميًا أو الميت مسلمًا. ب- قتل الحي لأكله مذهب مالك الحرمة مذهب أحمد إن كان محقون الدم فلا يجوز له قتله لأكله، وإن كان غير محقون الدم جاز قتله وأكله. مذهب الشافعي أنه يجب عليه قتل الحربي والمسلم المرتكب ما يوجب قتله، وكذا الحربي المحقون الدم كالمرأة والصبي. جـ – أكل بعض أعضائه مذهب مالك ترجيح أكله بعض أعضائه. مذهب أحمد ترجيح عدم الجواز. مذهب الشافعي جواز أكل بعض أجزائه النتائج بناء على هذا فإن نقل بعض أعضاء من إنسان إلى آخر مع بقاء حياة كل منهما لا مانع منه، لأنه حتى على مذهب أحمد هو معلل بأن الانتفاع ببعض الأعضاء ربما يؤدي إلى الموت فمتى اطمأننا إلى السلامة فلا مانع. - أنه بناء على ما ذكر صاحب التحفة فإنه يجوز أكل كل من أجزاء المحكوم عليهم بالإعدام وكذا كل من لم يكن معصوم الدم. - إذا جاز الأكل لاستبقاء الحياة فإنه يجوز الانتفاع بالعضو لاستبقاء الحياة أيضًا بواسطة زرعه.

стр. 1481

- بناء على أن أولياء الميت يملكون العفو فإذا كان الإنسان في حالة جيدة اصطناعية فلا مانع من الاستفادة ببعض أعضائه لإنقاذ حياة غيره. الثاني: الوجه الثاني من التكييف الشرعي – الإيثار. يقول الزركشي قال الإمام في باب صول الفحل لا خلاف في استحباب الإيثار وإن أدى إلى هلاك المؤثر وهو من شيم الصالحين، فإذا اضطر وانتهى إلى المخمصة ومعه ما يسد جوعه وفي رفقته مضطر فآثره بالطعام فهو حسن، وكذا القول في سائر الإيثارات التي يتدارك بها المهج. قال والده في باب التيمم من الفروق، المضطر إن أراد الإيثار بما معه لاستحياء مهجة أخرى كان له الإيثار وإن خاف فوات مهجته. (١) هذا وإنه أثناء كتابة هذا البحث اطلعت في النشرة الإخبارية لوكالات الأنباء السعودية على الخبر التالي: يستضيف مستشفى القوات المسلحة بالرياض خلال الفترة من ٢٥ إلى ٢٧ ربيع الأول الحالي الموافق ١٧/ ٩ – ٥ ديسمبر ١٩٨٤ مؤتمر الشرق الأوسط الدولي الثاني عن زراعة الأعضاء. وفي الصفحة التالية ودعا الفريق المواطنين للاستعداد للتبرع بكلاهم وذلك بعد الموت حتى يستفاد منها، مشيرًا إلى أن ذلك واجب ديني قبل أن يكون وطنيًا، مشيرين بذلك إلى قرار هيئة كبار العلماء رقم ٩٩ وتاريخ ٦/١١/١٤٠٢ وقرار مجلس الوزراء رقم ٤/ ٢٩٢٢١ اللذين أجازا التبرع بالأعضاء. (٢) إني سأعمل للتحصيل على الفتوى التي تفضلت بإصدارها الهيئة الموقرة لكبار علماء المملكة المشار إليها بالخبر أعلاه. وإني أدعو بهذه المناسبة رجال الإعلام أن يتوخوا الدقة فيما يكتبون وأن لا ينساقوا مع أقلامهم المغموسة بالعواطف ففرق كبير بين أن التبرع بالكلى واجب ديني وبين قولهم بعد الذي أجاز التبرع إن معنى أنه واجب ديني أن كل من لم يتبرع آثم لأنه ترك واجبًا ومعنى جائز أنه مختار له أن يفعل وأن يترك. وأنهي كلمتي هذه التي كتبتها معجلًا إذ لم يرد علي عرض المشاركة إلا في نهاية شهر نوفمبر أنهيها بالتأكيد على أن القضية اجتهادية لا مطمع في اليقين لأي عالم ولا باحث، وإنه من الخير أن يقع التنسيق أفضل بين مؤسسات العالم الإسلامي في تبادل المعلومات، فكلما بحثت دائرة أو هيئة قضية من القضايا فإنه يكون من المتأكد أن تتولى نشرها في الجهات المختصة تعميمًا للفائدة. والله من وراء القصد والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

стр. 1482

حقيقة الموت والحياة في القرآن والأحكام الشرعية للدكتور توفيق الواعي كلية الشريعة والدراسات الإسلامية يجب أولًا أن نعرف أن الحياة والموت بيد الله سبحانه، مصداقًا لقوله تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ فكما أن الحياة سر من أسرار الله سبحانه، كذلك الموت، كل بقدر، وميعاد. وقد تتنوع معاني الحياة، ويتنوع معاني الموت، واللغة العربية، والدلالات القرآنية تستوعب هذا التنوع. والمعروف أن الحياة مقابلة للموت، والموت مقابل للحياة، فإذا عرفنا الحياة كان ما يخرج عن التعريف ميت، وإذا عرفنا الموت كان ما يخرج عن التعريف حي. تعريف الموت: إذا أردنا أن نعرف الموت لغة وجدنا أن الميم، والواو، والتاء. تشير إلى ذهاب القوة من الشيء سواء كان حيوانًا أو نباتًا. قال ﷺ : ((من أكل من هذه الشجرة الخبيثة)) يعني الثوم ((فلا يقربن مصلانا إلا إذا أماتها بالطبخ)) . فأصل الكلمة في اللغة إذن تدل على ذهاب القوة النامية. وقد تستعمل في ذهاب القوة الحسية، أو النفسية. وعلى هذا تنوعت دلالات الكلمة، من هذه الدلالات إطلاقها على، ١- السكون. فكل ما سكن فقد مات، يقال: ماتت النار إذا برد رمادها فلم يبق من الجمر شيء، وماتت الريح ركدت وسكنت. ٢- النوم. يطلق على النوم أنه موت حيث يقال في الدعاء المعروف: الحمد الله الذي أحيانا بعد ما أماتنا وإليه النشور. ٣- ذهاب القوة النامية. فيطلق على ذهاب القوة النامية الموجودة في الحيوان والنبات كقوله تعالى: ﴿فَانْظُرْ إِلَى آَثَارِ رَحْمَةِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ [الروم: ٥٠] ﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَيُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ﴾ [الروم:١٩] .

стр. 1483

٤- يطلق على زوال القوة الحسية كقوله تعالى: ﴿يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا﴾ . [مريم: ٢٣] . ٥- الجهالة. فيطلق على الجهالة موت: كقوله تعالى ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ﴾ [الأنعام: ١٢٢] كقول القائل: ليس مات فاستراح بميت إنما الميت ميت الأحياء إنما الميت من يعيش ذليلًا كاسفًا باله قليل الرحاء ٦- مقدمات الموت "الاحتضار" كقوله تعالى ﴿أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ﴾ [البقرة: ١٣٣] . ٧- باعتبار ما سيكون: يطلق الموت على الشيء باعتبار ما سيكون، كقوله تعالى: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَاَنٍ﴾ . ٨- فقدان الحياة: كما يطلق الموت على فقدان الحياة ومغادرة الروح للجسد الإنساني كقوله تعالى ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ﴾ ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكُكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾ [النساء: ٧٨] . (١) الروح: للروح في اللغة العربية إطلاقات ومعاني منها: ١- يطلق على جبريل أنه روح لقوله تعالى: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (١٩٤) ﴾ [الشعراء: ١٦٣] . ٢- يطلق على الوحي أنه روح: لقوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا﴾ [الشورى: ٥٢] . ٣- وتطلق على السر الذي أودعه الله في آدم لقوله تعالى: ﴿وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي﴾ كما تكون بمعنى اللطيفة الربانية التي أودعها الله في الإنسان والتي أشار إليها الحق سبحانه بقوله: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٨٥] .

стр. 1484

وإذا أردنا نلقي الضوء على الروح التي هي اللطيفة الربانية التي أودعها الله في الإنسان، وجدنا أنفسنا أمام تعريفات عدة، ولكن حسبنا أن نذكر التعريف المعول عليه عند المحققين من العلماء، وهو: "الروح عبارة عن جسم نوراني علوي حي متحرك مخالف بالماهية لهذا الجسم المحسوس" سرى فيه سريان الماء في الورد، والدهن في الزيت، والنار في الفحم، لا تقبل التحلل والتبدل والتفريق والتمزق، تعطي الجسم المحسوس الحياة وتوابعها إذا كان الجسم قد تم استعداده لها، وهو المراد بقوله تعالى: ﴿فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي﴾ وتظل هذه ملازمة له ما دام صالحًا لقبولها، لعدم حدوث ما يمنع من السريان كالأخلاط الغليظة، أو التلف والفساد، ومتى حدث ذلك حصل الموت لعدم صلاحية الجسم" وهذا هو رأي ابن سينا، والفخر الرازي وابن القيم وجمهور العلماء. إذن فالروح هي التي تعطي الجسد الحياة، والجسد هو الذي يكون به الإنسان إنسانًا يتحرك وتجري عليه الأحكام، فبدونه أو بدون صلاحه لا روح ولا حياة. والإنسان لا يصير إنسانًا إلا بالروح والحياة معًا. لقوله تعالى ﴿فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ﴾ فما أمر الله الملائكة بالسجود لآدم إلا بعد أن استكمل خلقه جسدًا وروحًا. الجسم الإنساني: يعرف الفخر الرازي الإنسان فيقول: الإنسان جسم موصوف متولد عن امتزاجات أجزاء العناصر بمقدار مخصوص. والفخر الرازي بهذا يعرف الإنسان بجسمه المادي الموجود أمامه يراه ويحسه ويسميه الجسم الأرضي، كما يسميه الناس اليوم الجسم العضوي. ثم يزيد الفخر الرازي تعريف الجسم إيضاحًا فيقول: الجسم الذي تغلب عليه الأرضية هو: الأعضاء الصلبة الكثيفة كالعظم والغضروف والعصب والوتر والرباط والشحم واللحم والجلد والدم، ثم قال: ولم يقل أحد من العقلاء أن الإنسان مغاير لهذا الجسم، ولم يقل أحد من العقلاء كذلك: إن الجسم عبارة عن عضو معين من هذه الأعضاء" (١) انتهى كلام الفخر.

стр. 1485

علاقة الجسد والروح بالإنسان. صرح المعتزلة بأن الإنسان جسم مخصوص بشرط كونه موصوفًا بصفة الحياة والعلم والقدرة، والحياة عرض قائم بالجسم. أي أن الروح عرض قائم بذلك الجسم،وهم بذلك قد جعلوا الروح غير منفصلة عن الجسم، وليس لها ذات مستقلة. فالإنسان على رأيهم عبارة عن جسم مخصوص بشرط كونه موصوفًا بصفة الحياة والعلم والقدرة، ويمتاز عن سائر الحيوانات بشكل جسده، وهيئة أعضائه وأجزائه وبما أوتي من تمييز وعقل. أما أهل السنة: فيقولون: إن الإنسان مكون من جسد، وروح تحل في هذا الجسد ما دام صالحًا لاستقبال الروح. فإذا فقد صلاحيته فقد روحه. وكل من الرأيين يلتقي مع الآخر في أن الإنسان جسم يفترق عن الحيوان، لأن فيه إحساسًا وعقلًا وعلمًا وقدرة، وصفات عليا. ويفترق الرأيان في الروح فيقول المعتزلة له: الروح عرض قائم بالجسم ولا يفترق عنه والجسد، والروح شيء واحد ولا انفصال بينهما. أما أهل السنة فيقولون: إن الروح شيء والجسد شيء آخر، فهي منفصلة عنه بدليل قوله تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ فهذا دليل على أن النفس لا تموت بموت البدن. لأن القرآن جعل النفوس ذائقة للموت. والذائق لا بد أن يكون حيًا حال الذوق. والمعنى كل نفس ذائقة موت البدن. وهذا يدل على أن النفس غير البدن، وعلى أن النفس لا تموت بموت البدن. وأيضًا فيه تنبيه على أن ضرورة الموت مختص بالحياة الجسمانية" (١) لقوله تعالى: ﴿فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي﴾ "فالجسد إذا غير الروح المنفوخة فيه".

стр. 1486

الإشارة إلى الإنسان بالجسد والروح: تكلم القرآن عن الإنسان مشيرًا إليه بالجسد وحده، وأعلم الخلق أن هذا الجسد ليس بخالد، وذلك مثل قوله في الأنبياء ﵈: ﴿وَمَا جَعَلْنَاهُمْ جَسَدًا لَا يَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَمَا كَانُوا خَالِدِينَ﴾ . فقد اقتضت حكمة الله أن يكون الرسل من البشر، يلتقون الوحي، وما كان الرسل من قبل إلا رجالًا ذوي أجساد، وما جعلهم الله أصحاب أجساد، ثم جعلهم لا يأكلون الطعام. فأكل الطعام من مقتضيات الجسدية، والجسدية من مقتضيات البشرية، والموت من مقتضيات تلك الجسدية، فهم إذن غير خالدين في هذه الحياة. وأشار القرآن أيضًا إلى الإنسان بالروح والنفس فقال تعالى: ﴿وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا﴾ ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (٧) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (٨) ﴾ [الشمس: ٧] إذا فالقرآن يخاطب الإنسان بالجسد مرة وبالروح أخرى. وهذا دلالة واضحة على أن الإنسان بجسده وروحه يشار إليه بكل منهما. الموت في القرآن: ذكر الموت في القرآن بمعانيه المختلفة التي سبقت الإشارة إليها. والذي نعنيه هنا من هذه المعاني، هو حديث القرآن عن موت الإنسان، وعن صفة هذا الموت، وحالة الإنسان بعده فنجد أن القرآن دائمًا يركز على موت الجسد، ثم يتبع ذلك بذكر صفة هذا الجسد الميت سواء ذكر مع هذا الجسد الروح أو لم تذكر. فالقرآن مثلًا يقول في وصف هلاك العصاة: ﴿إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ (٢٩) ﴾ [يس: ٢٩] . والخمود: هو سكون الجسد وخلوه من الحركة أو التنفس أو أي علامة للحياة الجسدية ثم يقول في آية أخرى: ﴿فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٧] ويقول ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ (١٩) تَنْزِعُ النَّاسَ كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ (٢٠) ﴾ [القمر: ٢٠] . يصف القرآن بذلك أجساد الهلكى بأنها صرعى لا حراك بها، قد تحللت ولم يبق إلا هياكلها كأنها أعجاز نخل خاوية منقعرة لا حراك بها ولا حياة.

стр. 1487

ثم نجد أن القرآن يأتي بصورة أخرى للموت تخمد فيها الحياة والحس والنفس والحركة فيقول: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزًا﴾ [مريم: ٩٨] حياة لا حركة ولا همس لا نبض لا تنفس، بل خمود وزوال. تصور لك الآية فقد الحياة بكل معانيها ودلالتها وإحساساتها. ويتحدث القرآن في آيات أخرى على موت الإنسان ويحكي منظر مشاهدة الناس لهذا الوداع الأخير فيركز على أمرين، أمر غير مشاهد للناس وإنما هو معلوم لله سبحانه وأمر مشاهد للناس ومعلوم لهم وبه يعرف الحياة والموت. فيقول: ﴿فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ (٨٣) وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ (٨٤) وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لَا تُبْصِرُونَ (٨٥) ﴾ فالناس لا يبصرون خروج الروح وهم جلوس حول الميت، إذا فبماذا يعرفون الموت؟ بعلامات جسدية تأتي في الآية اللاحقة. فيقول القرآن: ﴿كَلَّا إِذَا بَلَغَتِ التَّرَاقِيَ (٢٦) وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ (٢٧) وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِرَاقُ (٢٨) وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ (٢٩) إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ (٣٠) ﴾ قال المفسرون: بردت وماتت وفقدت حرارتها وكان عليها جوالًا" الماوردي ٤/ ٣٦٢. وقال الفخر الرازي: يبست ساقاه والتصقت إحداهما بالأخرى فاقدة الحركة. الفخر الرازي ٣٠/ ٢٣٢. موت القلب: أشار القرآن في بعض آياته إلى أن توقف القلب من علامات الموت، فقال تعالى: ﴿لَا يَزَالُ بُنْيَانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ إِلَّا أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ﴾ . [التوبة: ١١٠] .

стр. 1488

المعجزة القرآنية في الإحياء والإماتة: نجد القرآن ينبه ويلفت دائمًا إلى الإعجاز الباهر في خلق هذا الإنسان وفي تكوينه وتصويره على أحسن صورة وأفضلها، فيقول في سورة المؤمنين: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ (١٢) ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ (١٣) ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آَخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ (١٤) ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ (١٥) ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ (١٦) ﴾ أي أن هذا الجسد البديع الخلق ينحل ويزول ويخمد ويتلاشى ثم يحييه الله سبحانه يوم القيامة. والإماتة والإحياء ينصب على تلاشي الجسد وخموده بكل يقين نسمع في ذلك القرآن الكريم في كثير من الآيات التي تقرر ذلك. ﴿أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ﴾ ﴿أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَدِينُونَ﴾ ﴿وَكَانُوا يَقُولُونَ أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ﴾ ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ (٧٨) قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ (٧٩) ﴾ . إذًا فحياة الجسد سواء كانت حياة خلوية أو حياة متحركة هي حياة تدل على إبداع الخالق وعلى عظيم صنعه. فما زالت الكلية تعمل وهذا إعجاز وما زال القلب يعمل وهذا إعجاز، وما زال الكبد والطحال والأمعاء وسائر أجهزة الجسم تعمل بإعجاز تام مع الحياة الخلوية التي يقال عنها. فهل يكون هذا حياة أو موت، تلك الأجهزة الإلهية العاملة هي صناعة إنسان أم خلق خالق. وإن كان الأطباء يمدون الجسد ببعض ما يحتاجه من غذاء أو أشياء منشطة وإن كان، ولكن هذا يديم الحياة لا يديم الموت أو يلغي الحياة. القصص القرآني يوضح الفرق بين الجسد الميت وبين الجسد الحي. نرى القرآن في قصصه عن الموت والحياة يسير حسب القاعدة العامة في حديثه عن الإحياء والإماتة، فيوضح لنا الفرق بين إنسان مات ثم بعث وبين إنسان فقد إحساسه ثم أيقظ وكان الفرق الوحيد بينهما، انحلال الجسد في الموت، وعدم انحلاله في الإيقاظ. ولنأخذ مثلًا من القصص القرآني الذي يتكلم عن موت الجسد وحياته فنذكر قصتين.

стр. 1489

الأولى: عن الرجل الذي مر على قرية وهي خاوية على عروشها. والثانية: قصة إبراهيم ﵇ وطلبه من الله أن يريه إحياء الموتى" فأما عن القصة الأولى فهي قصة عزير كما يسميها بعض المفسرين فقد قال الله تعالى: ﴿أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِئَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَلْ لَبِثْتَ مِئَةَ عَامٍ فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آَيَةً لِلنَّاسِ وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٥٩) ﴾ . قال ابن كثير أحياه الله: فأول ما أحيا منه أحيا عينيه ليرى بهما كيف تسري الحياة إلى جسده ويرى بهما صنع الله في خلق الحياة في الجسد. ثم لفته الله سبحانه إلى حياة حماره فنظر إلى العظام التي تجمع واللحم الذي يكسو تلك العظام. يقول الفخر الرازي: انضمت أجزاء العظام بعضها إلى بعض، ثم التصق كل عضو بما يليق به، الضلع إلى الضلع والذراع إلى مكانه، ثم الرأس ثم العصب والعروق ثم أنبت اللحم عليهما ثم الجلد ثم نبت الشعر على الجلد، ثم نفخ فيه فإذا هو قائم". وأما القصة الثانية فهي قصة إراءة إبراهيم ﵇ إحياء الموتى إذا قال: ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا﴾ . قال المفسرون: قطع إبراهيم ﵇ أجساد الطيور الأربعة ثم فرقها على جبال أربعة ثم أمسك برؤوسهن في يده، ثم دعاهن فتجمعت الأجزاء المتفرقة وجاءت الأجساد تسعى إليه كل يعرف رأسه التي مع إبراهيم ﵇. فقال إبراهيم: أعلم أن الله عزيز حكيم. من هذا نعرف أن حياة الجسد حياة قد ركز القرآن عليها ولفت إليها الأنظار؛ لأنها محل الإعجاز والدلالة على قدرة الله سبحانه. وسائل الإنسان نفسه قائلًا: إذا لم تسم حياة الجسد حياة، فبماذا تسمى، وإذا كان في الدماغ حياة تستطيع أن تؤثر على باقي الجسم، ففي الجسم كذلك أعضاء تفعل نفس الشيء مثل القلب والرئتين والكبد والأمعاء وكثير من الأشياء في جسم الإنسان، بدونه لا تستمر حياة الإنسان، فلماذا التركيز على عضو معين وترك باقي الأعضاء. ولماذا إضافة الحياة والموت إليه فقط.

стр. 1490

القرآن لا يعد تعطل الإحساس موتًا. إن تعطل الإحساس لا يدل على فقد الحياة اللهم إلا إذا كان ذلك على سبيل المجاز أو التشبيه، فلا يقول عاقل مثلًا أن النائم ميت، ولا يقول أن المجنون فاقد للحياة، كما لا يقال ذلك لناقص الأهلية كالصبي غير المميز، لا يقال إن هؤلاء يعاملون معاملة الأموات، كما لا يقال أن المريض حين يكون في غيبوبة طالت أم قصرت تحت أي ظروف يعامل معاملة الأموات، إلا إذا كان الموت والحياة أصبح بيد البشر وحاشا لله أن يدعي أحد ذلك. ولهذا نرى القرآن الكريم يقص علينا قصة غيبوبة طويلة ظلت ثلاثمائة عام، وظل الجسد فيها صالحًا ثم عاد إليه الإحساس بعد تلك المدة الطويلة وبعد هذه الغيبوبة الكبيرة ولم يسم ذلك القرآن موتًا. مع العلم أن تسمية ذلك موتًا كان سهلًا وميسورًا ويدل في نظر البعض على معجزة تساوي حفظ الأجساد حية. وهي المعجزة التي أظهرتها القصة الآتية. قال تعالى ﴿أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آَيَاتِنَا عَجَبًا (٩) إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ فَقَالُوا رَبَّنَا آَتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا (١٠) فَضَرَبْنَا عَلَى آَذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَدًا (١١) ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى لِمَا لَبِثُوا أَمَدًا (١٢) ﴾ أجمع الفقهاء والمفسرون على أن كلمة بعثناهم معناها أيقظناهم لأن أجسامهم كانت حية وفيها الحياة ولم تفقدها بدليل قول الله في الآيات بعد ذلك ﴿وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَتْ تَزَاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَإِذَا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِّمَالِ وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِنْهُ﴾ إلى أن قال: ﴿وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ﴾ . فرق بين موت وحياة: والناظر في القصتين قصة عزير السابقة وقصة أصحاب الكهف هذه يلاحظ في النظرة العجلى أمورًا منها: ١- عبر القرآن في قصة أصحاب الكهف بقوله ﴿فَضَرَبْنَا عَلَى آَذَانِهِمْ﴾ ولم يقل فأمتناهم أو ألقينا عليهم الموت، مثلًا وإنما خلت القصة من ذكر الموت تمامًا لأنه فقدان للإحساس فقط، والحياة مستمرة، ولهذا حرص القرآن على أن ينبهنا إلى سلامة الجسد وعلى عدم تحلله، بل وعلى نماء شعورهم في تلك الفترة الطويلة التي ذكرها القرآن على خلاف العادة وهي ﴿ثَلَاثَ مِئَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا (٢٥) ﴾ ونماء ما ينمو في الجسد مثل الأظافر وغيرها وذلك مشار إليه في القصة بقوله ﴿لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَارًا وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْبًا﴾ وذلك لطول شعورهم ونمو أظافرهم ولحاهم إلى غير ذلك مما يغير الملامح ويخيف عند زيادته عن المألوف والمتعارف.

стр. 1491

أما في قصة عزير فقد تحلل الجسد وذهب وصرحت القصة بالموت صراحة ثم البعث بعد جمع العظام والأشلاء، فقالت ﴿فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِئَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ﴾ إلى أن قالت ﴿وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا﴾ . ٢- حرص القرآن في القصة على أن يعلمنا كيف نحفظ الأجساد حين ذهاب العقل حتى لا يتلف الجسد ويفقد الحياة إلى أن يقضي الله أمرًا كان مفعولًا، ويفيق الإنسان أو ترد إليه الحياة الشعورية، وذلك بأمرين: أولهما: التدفئة المناسبة. ثانيهما: التقليب المستمر. وكأن القصة بهذا تعلمنا صورة من صور التمريض المتقدم، والتي تقول: يستمر الإنسان في الحياة بدون القوى العاقلة فترات طويلة، بشرط كفاءات التمريض، وعلاج الأمراض العارضة وانتظام الغذاء الأنبوبي والعناية المستمرة بالجلد وتقليبه، أو تغيير أوضاع المريض كل ساعتين بصفة مستمرة، لمنع قرح الفراش، مع العناية بتصريف البول والبراز وإذا تم ذلك بعناية يمكن أن يعيش الإنسان حياة عادية حتى سن الستين "ونلحظ في القصة أن القرآن يركز على عنصرين أساسيين: التدفئة والتقليب الجسدي المستمر، أما الغذاء فهو غذاء رباني تولاه الله، ومثل هذا الغذاء لا بول معه ولا براز فبقي ما ذكرته القصة من التقليب والتدفئة المشار إليهما في القصة بقوله تعالى ﴿وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَتْ تَزَاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَإِذَا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِّمَالِ وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِنْهُ﴾ هذه هي التدفئة، وقوله تعالى ﴿وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ﴾ هذه هي العناية السريرية. إذن فقصة أصحاب الكهف قصة فقدان للإحساس والشعور استمر ثلاثمائة عام ولم يسم هذا القرآن موتًا وإنما سماه إيقاظًا لأن الجسد لم يفقد طبيعته أو يتحلل أما في قصة عزير فالأمر مختلف ولهذا سماه القرآن موتًا وبعثًا. فلماذا نسمي من يفقد الإحساس لبضعة أيام ميت، ولم يسمه القرآن كذلك في ثلاثمائة عام وازدادوا تسعًا".

стр. 1492

الحياة والموت عند فقهاء المسلمين: تكلم الفقهاء في الموت والحياة في أبواب عدة من كتب الفقه، في الجنائز، وفي الميراث وفي الجنايات وفي الجهاد "الاستشهاد" وغير ذلك من الأبواب التي تتعلق بهذا الإنسان الميت. فمثلًا تكلم الفقهاء في تحديد الحياة والموت، في بدء حياة الإنسان، لما يترتب على ذلك من حقوق كالميراث، لقول الرسول ﷺ ((إذا استهل المولود ورث)) (١) وقوله: ((لا يصلي عليه ولا يرث ولا يورث حتى يستهل)) (٢) لهذا احتاج الفقهاء أن يعرفوا الحياة والموت، بعلامات الحياة التي تظهر على جسد الجنين في حركاته وسكناته وصوته إلى غير ذلك مما سنتعرض إليه، لأن الحياة لا تعرف إلا بدلالاتها وآثارها، قال تعالى: ﴿فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ﴾ [سبأ: ١٤] علامات الحياة: تكلم الفقهاء على علامات الحياة مثل الصياح –الصوت الخارج من جسد الطفل- أو العطاس أو التنفس، أو الحركة طويلة كانت أم يسيرة، كحركة القلب، أو التنفس أو الجسد، ويناسبنا في هذا المقام أن نتكلم على قسمين من هذه العلامات وهما: التنفس: قرر الحنفية والشافعية والحنابلة (٣) أن التنفس يأخذ حكم الحركة في إثبات الحياة لأن التنفس حياة وحركة ذاتية يتحرك فيها الصدر وينبض بها القلب تلقائيًا في الجسد فكان ذلك دلالة حياة صاحب الجسد. الحركة: اتفقت المذاهب على أن الحركة في الجسد من علامات الحياة، غير أن بعضهم اعتبر الحركة الطويلة –أي التي تستمر دقيقة أو أكثر- وبعضهم اعتبر مطلق الحركة في الجسد، ومن هذا يتبين أمران:

стр. 1493

الأول: أن الجسد هو المعول عليه في معرفة الحياة والموت حيث إن الحركة تنبعث منه. الثاني: اعتبر العلماء مطلق الحركة، أو الحركة الطويلة التي تدل على الحياة، وهل هناك مثلًا حركة تدل على الحياة أكثر من حركة القلب ونبض الدم في العروق والتنفس وحركة الصدر وعمل باقي الأعضاء من كبد وكلية وأمعاء وغير ذلك، ولهذا نجد أن الفقهاء لم يجعلوا أبدًا العقل أو الإحساس هو مصدر الحياة، وإلا فكيف يعرف ذلك في الوليد حتى يقولوا به؟ أقوال الفقهاء في نهاية الحياة: تكلم الفقهاء عن نهاية الحياة في الإنسان، وما يجب أن يتبعها من أعمال خاصة بتجهيزه وقبره، لأن الموت دائمًا يعقبه قبر الميت مباشرة مصداقًا لقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ﴾ وما يلزم ذلك المقبور من تغسيل وتكفين وصلاة وغير ذلك. فقالوا: إذا تيقن الحاضرون من موت الميت، وعلامة ذلك، انقطاع نفسه وانفراج شفتيه، وأضاف بعضهم أوصافًا أخرى مثل انخساف صدغيه أو ميل أنفه واسترخاء أعصابه ورجليه، وامتداد جلد وجهه، وتقلص خصيتيه إلى فوق مع تدلي الجلدة (١) ثم يتبعون تلك الأوصاف بشروط أخرى، فيقول النووي في روضة الطالبين جـ ٢ ص ٩٨: فإن شك في موته بأن يكون به علة، واحتمل أن يكون له سكتة، أو ظهرت عليه أمارات فزع أو غيره، كأن يكون هناك احتمال إغماء أو خلافه آخر حتى اليقين بتغير الرائحة أو غيره". بعد هذا البيان في علامات الموت عند الفقهاء، نرى أنهم حرصوا على أنه لا يحكم بالموت إلا بعد فقدان الجسم للحياة، أي حياة فقدانًا كاملًا، واشترطوا اليقين في ذلك والتأكد الذي لا يخالطه شك، فإذا كان هناك أدنى ريبة، ترك الجسد حتى تتغير رائحته وينتفي معه أي شك في الموت، هذا هو ما عليه إجماع الفقهاء من لدن الصدر الأول إلى اليوم.

стр. 1494

لكن أن يكون الجسد حي والصدر يعلو وينخفض والنَّفَسُ يتردد والقلب ينبض والأعضاء والغدد تعمل وكل شيء حي، ما عدا المخ كما يقال، ثم يأتي من يقول: إن الإنسان قد مات، وهو ما زال راقدًا وفيه ما فيه من الحياة هذا أمر غريب لم يقل به فقيه أو حتى طبيب إلى اليوم احترامًا للحياة وللإنسان وللآدمية، إلا إذا أطلق عليه أنه ميت باعتبار ما يؤول إليه، وما يكون من أمره بعد وقت بعينه. والأحكام الإسلامية دائمًا تبنى على التحري لا على الشك وخصوصًا في مثل هذه الحالات فنرى مثلًا في إجراء أحكام الميت على المفقود في سفر أو في جهاد أو حرب أو غير ذلك، فإنه ينتظر مدة معينة حددها الفقهاء للتأكد من موته أو لغلبة الظن بحسب عادة الناس أنه لا يعيش بعد هذه المدة، ثم يعلنون موته، فتعتد امرأته ويقسم ماله ويؤخذ فيه العزاء إلى غير ذلك. الشريعة وكرامة النفس الآدمية: قررت الشريعة الإسلامية في كثير من النصوص حرمة النفس البشرية، كما أعلت شأنها ورفعت قدرها، فقال سبحانه ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آَدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا﴾ . وقد أكدت الشريعة حرمة الاعتداء على النفس البشرية بما لم يسبق إليه فقال تعالى: ﴿مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾ . ورتب الإسلام عقوبات رادعة لكل من تخول له نفسه الجناية عليها، ولم يكتف بمضاعفة الإثم والوعيد بالعذاب الأليم والخلود في الجحيم لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾ النساء ٩٣، وإنما رتب على ذلك عقوبات دنيوية رادعة أيضًا، وهذه العقوبات وإن اختلفت حسب العمد أو الخطأ أو النية إلا أنها مغلظة في كل أحوالها ويصاحبها مع ذلك القصاص أو الدية، كل ذلك حفاظًا على النفس لما لها من كرامة وحقوق وحرمة. ومما يجب أن يذكر في هذا المجال اتفاق فقهاء المسلمين على أن للجنين حرمة من حين نفخ الروح فيه، لما في ذلك من إزهاق نفس محترمة بغير حق، هذا وقد ارتفعت شفافية بعض الفقهاء فقالوا بحرمة البويضة الملقحة وحرمة النطفة حتى قبل نفخ الروح فيها، لأنها بويضة وبذرة آدمي له حرمته وكرامته.

стр. 1495

ولهذا ينبغي أن نلفت النظر إلى ما يلي: ١- إذا كان هذا هو منطق الشريعة الإسلامية، وهذه هي أقوال فقهائها، أفلا يكون من الأولى والأجدر حفظ حياة إنسان مازالت فيه حياة نابضة منظورة قوية، واحترام حياة تتنفس وتنمو؟ ٢- الإنسان ما زال موطن الأسرار، وحياته وموته ما زالت يكتنفها الغموض وإن كان العلم قد بدأ يزيح الستار عن بعض هذه المجاهيل، إلا أنه كل يوم يظهر تقدم جديد في مجال خدمة الحياة الإنسانية، فالحكم على حياة الإنسان وموته بدون تحقق وتأكد، يكون حكمًا مبنيًا على المجازفة. ٣- من الأدلة الشرعية المعترف بها الاستصحاب، وهو الحكم على الشيء بما كان ثابتًا له ما دام لم يقم دليل قطعي بغيره، فمن عرف إنسانًا حيًا حكم بحياته وبنى تصرفاته على هذه الحياة، حتى يقوم الدليل الأكيد على وفاته، ومن عرف فلانة زوجة فلان شهد بالزوجية ما دام لم يقم دليل له على إنهائه، فأين هو الدليل الشرعي على انتهاء الحياة الإنسانية والجسد حي وما زال يقبل الغذاء ويبول وجسده لم يتغير بل ينمو؟ وكيف يحكم بالموت في هذه الحالة والقاعدة الشرعية المعروفة تقول: "الأصل بقاء ما كان حتى يثبت ما يغيره" وكذلك قاعدة "ما يثبت باليقين لا يزول بالشك" فكيف يدعى اليقين والجسد ينبض والحياة مليئة بالأسرار؟ وما ثبت اليوم ينقص غدًا "وما هو مستحيلًا اليوم هو حقائق الغد". الأحكام الشرعية لفاقد الحياة العاقلة: قد يكون الإنسان فاقد للحياة العاقلة فيكون فاقدًا للأهلية، كالطفل في زمن طفولته وكالمجنون في أي سن كان، فكل منهما لكونه لا عقل له فلا يكون له أهلية للأداء ولا تترتب آثار شرعية على أقواله وأفعاله. قال ﷺ : ((رفع القلم عن ثلاث: عن النائم حتى يستيقظ وعن المبتلي حتى يبرأ، وعن الصبي حتى يكبر)) حديث صحيح، أخرجه أبو داود من حديث عائشة بهذا اللفظ، وأخرجه من حديث علي وعمر بلفظ ((عن المجنون)) حتى يبرأ وعن النائم حتى يعقل، وأخرجه أيضًا عنهما ((عن المجنون حتى يفيق)) وبلفظ ((عن الصبي حتى يحتلم)) فلا يجب إذن على المجنون صلاة ولا صوم ولا حج، وإذا بريء لا يقضي صلاة ولا صومًا وإذا صلى أو صام أو حج لا يقبل منه.

стр. 1496

كما يكون له أحكام شرعية في غير العبادات فعقوده وتصرفاته باطلة، غاية ما في الأمر إذا جنى أحدهما أي المجنون أو الطفل على نفس أو مال يؤاخذ ماليًا لا بدنيًا فإذا قتل الطفل أو المجنون أو أتلف مال غيره ضمن دية القتيل أو ما أتلفه ولكنه لا يقتص منه وهذا معنى قول الفقهاء "عمد الطفل أو المجنون خطأ" لأنه ما دام لا يوجد العقل لا يوجد القصد فلا يوجد العمر. ومع أن فاقد الأهلية يكون فاقدًا للأداء كما قدمنا إلا أنه تكون له أهلية وجوب كاملة. فتثبت له الحقوق، فيصح أن يوهب وأن يرث ويورث، وأن تفرض له نفقة ويكون عليه واجبات كذلك من ماله من نفقة زوجته وأولاده وما عليه من حقوق، أو تلف في مال الغير، إذن فتثبت له حقوق ويجب عليه واجبات، وهذه تثبت لكل إنسان من حين ولادته، فهو في طفولته وفي سن عدم تمييزه وبعد التمييز وبعد البلوغ وفي حالة العقل وفي حالة زواله - على أي حال كان وفي أي طور من أطوار الحياة - له أهلية وجوب كاملة بوصفه أنه إنسان سواء كان ذكرًا أم أنثى وسواء كان جنينًا أم طفلًا، مميزًا أم بالغًا أم رشيدًا أم سفيهًا، عاقلًا أو مجنونًا صحيحًا أو مريضًا؛ لأنها مبنية على خاصية فطرية في الإنسان فأهليته للوجوب هي إنسانيته، أي بمعنى أوضح هي حياته الجسدية لا حياته العقلية، فما دام له جسد حي فله أهلية وجوب كاملة. إذن فالحياة الجسدية هي المعتبرة في هذه الحالة لا الحياة العقلية وقد اعتبرت الحياة العقلية في الأداء كما قدمنا، وغالب ذلك مختص بالعبادات والتكاليف الشرعية بين العبد وربه، فكيف يأتي من يقول: لا اعتبار للحياة الجسدية ولا حرمة لها ويخالف الكتاب والسنة وإجماع المسلمين في ذلك؟ الحياة غير المستقرة: الحياة غير المستقرة في عرف الفقهاء هي اللحظات التي تسبق خمود الجسد، وهي ما يسميها الناس بحركة خروج الروح.

стр. 1497

وهذه وإن كان لها أحكامها الخاصة من حيث حل الذبح في الحيوان وعدمه، فلها أحكامها، كذلك عند الإنسان في إثبات الفعل المؤثر في إنهاء الحياة الإنسانية، إذا تعددت المؤثرات، لما يترتب عليه من عقاب للمتسبب الحقيقي، ولما يترتب عليه من تحديد حجم الجناية والعقوبة إذا لم تتعدد المؤثرات على أثر واحد. ومما تجدر الإشارة إليه أن هذه الحياة غير المستقرة سماها الفقهاء حياة لا يجوز تخطيها أو إعلان حالة الوفاة إلا بعد الانتهاء من أي حياة والتحقق من ذلك بجمود الجسد وسكونه سكونًا أبديًا. والسؤال الذي يطرح الآن: وهو اعتداء الطبيب على الإنسان في هذه الحالة بوقف الأجهزة المنشطة أو بنزع الأنابيب المغذية ما حكمه؟ نقول: إذا كان الاعتداء بدون سبب ضروري فله حكمه المعروف، وهو قتل بالتسبب ولذلك عقوبته المعروفة. أما إذا كان لا يوجد إلا جهاز واحد في المستشفى وهناك من يتحقق شفاؤه إذا وضع له هذا الجهاز فنقول: أولًا: يجب على أولي الأمر أن يوفروا الأجهزة اللازمة لذلك وإلا أثموا لأن ذلك من الضروريات، فإذا لم تتوفر لقلة ذات اليد أو لعدم العثور عليها أو عدم توفرها أو إمكان الحصول عليها فلا بأس بنزع الجهاز ممن يتأكد أنها لا تجدي معه، وتركب للذي يحتاجها لإنقاذ حياته، وهذا يشبه في نظري إجهاض الأم وإخراج الجنين للإبقاء على حياة الأم المريضة التي لا تتحمل الحمل أو تستطيعه لما فيه من التضحية بحياة مشكوك فيها لبقاء حياة مؤكدة. وقد أجازت لجنة الفتوى بوزارة الأوقاف الكويتية بتاريخ ١٤/ ١٢/ ٨١ نزع الأجهزة من شخص يتحقق موته بعد قليل إلى شخص تتحقق حياته في نظر الأطباء إذا ركبت له هذه الأجهزة. نقل الأعضاء: أفتى العلماء بجواز نقل الأعضاء من حيوان إلى إنسان ولا شيء في ذلك ومن إنسان إلى إنسان بشروط:

стр. 1498

فإن كان من إنسان حي يشترط لذلك شروط: ١- أن يكون المتبرع بالعضو المنقول عاقلًا بالغًا راشدًا حيا يستطيع الحكم على الأشياء ويكون أدرى بمصلحته. ٢- يشترط ألا تتعرض حياة المتبرع للخطر المحقق. ٣- أن تكون هناك ضرورة لذلك كأن يكون هناك إنسان يحتاج ذلك العضو للإبقاء على حياته. ٤- أن يكون البديل معدومًا أو لا يؤدي إلى الغاية المطلوبة. أما نقل الأعضاء من الميت عند موته لإحياء نفس معرضة للهلاك فهذا لا بأس به لقول الله ﵎: ﴿مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾ ولأن هذا يدخل في إغاثة الملهوف وهي واجبة لإنقاذ نفس مشرفة على الهلاك، ولأن هذا ليس فيه انتهاك لحرمة الميت، لأن المصلحة الراجحة في إنقاذ إنسان مشرف على الهلاك والموت أولى، أما عن استئذان الأهل فهذا شيء للترضية وتطيب الخاطر ولمنع حدوث فتنة، فهم لا يملكون بذل شيء من الميت أو عدمه وبهذا يكون لا مشكلة في نظري حتى تستبقي الأجساد حية للأخذ منها، فالأعضاء التي تؤخذ من الميت حال الوفاة، تحفظ وتثلج وتنقل اليوم من قطر إلى قطر دون تلف فما هو الداعي لترك الإنسان حيًا والحكم عليه بالموت، حتى تؤخذ منه قطع غيار بدون حاجة فورية إلى هذا؟ ثم ما هو الضمان حتى لا تكون هناك تجاوزات بأن تكون هذه وسيلة أخرى لبيع الأعضاء وإنشاء سوق معينة لبيعها؟ كما يلاحظ بعض التجاوزات في بعض الدول التي يباع فيها جثث أو أعضاء الموتى للطلاب ولغيرهم دون ضوابط، أو زواجر مما لا يكون في أي مجتمع يحترم نفسه فضلًا عن المجتمعات الإسلامية التي تجعل للميت حرمة كحرمة الحي، يشهد لذلك ما روته السيدة عائشة ﵂ فيما أخرجه الموطأ والترمذي بسند صحيح "كسر عظام المؤمن ككسره وهو حي" وهذا معروف بأن يكون هذا للتعدي أو الاستهجان أو بغير ضرورة أو لمجرد التسيب أما إذا كان لضرورة ومنفعة كما بينا، فلا بأس.

стр. 1499

ما يترتب على إعلان الوفاة: تترتب على الوفاة أمور معينة في الدين والدنيا منها: ١- ثبات عقود معينة كان قد أبرمها الميت، وانفساخ عقود أخرى كالقراض وغيره. ٢- نفاذ الوصية حيث تخرج من ماله بقدر معين منه، أو من الشريعة، وتدخل في ملك الموصى له. ٣- خروج ماله عن ملكه وذهابه إلى الورثة ومن يستحقون التركة من الورثة. ٤- إخراج ديونه، ما حل منها وما لم يحل. ٥- آثار الموت في الكفالة والحوالة. ٦- سقوط النفقة التي كانت تجب عليه لأربابها زمن حياته. ٧- ارتفاع النكاح –وبدء العدة للمرأة- ولزوم ما تأخر من مهر. ٨- رد الأمانات إلى أصحابها. ٩- تولية خليفة أو تنصيب إمام أو قاضي بدلًا عن الميت. ١٠- عزل بعض الولاة بموت الإمام. ١١- نقض الهدنة والنظر في العهود وما إلى ذلك. هذه مثلًا بعض الأمور الدنيوية التي تلزم بإعلان الوفاة. وهناك أمور أخرى يجب أن تتم وأحكام يجب أن تتبع ديانة منها: ١- غسل الميت ودفنه لما ورد من عدم تأخير دفن الميت إذا تحقق موته. ٢- الصلاة عليه –حيث يجب الصلاة على الميت قبل الدفن، فهل يصلى عليه ويغسل فور إعلان توقف مخه أو دماغه، أم بعد وفاة الأعضاء، وغسله والقصد إلى دفنه؟ أم لا صلاة ولا دفن ما دام الميت سيفتت قطعًا ويوزع على المرضى كما يقول بعض الإخوة الأطباء؟ ٣- العزاء: هل سيؤخذ العزاء بعد الدفن أم قبله والمريض يرقد في المستشفى؟ وهل هذه الأحكام الدنيوية السابقة يبدأ فيها فور إعلان وفاة المخ أم بعد وفاة الجسد؟ تطلق المرأة وتعتد وتوزع التركة إلى غير ذلك. وهل سيستبقى شيء للتكفين والتجهيز أم ماذا؟ يجب أن يُلقى الضوء على ذلك..

стр. 1500

أسئلة: ١- لقد استطاع العلماء أن يوجدوا بديلًا للمخ في إدارة حركة الدورة الدموية والجهاز التنفسي والجهاز الهضمي والإبقاء على صلاحية الجسد والحياة فيه وذلك هو الأجهزة فلم يعتبرون الإنسان ميتًا والبديل يعمل. ٢- ركز القائلون بالموت إذا فقد المخ الحياة على فقدان الشعور، وهذا لا ينهض دليلًا على الموت. وإلا كان المجنون والمغمى عليه والمشلول ميتًا، وهذا ما لم يقل به إنسان إلى اليوم. ٣- ما حكم من وقف قلبه وتنفسه وحركته، ثم عولج بالتدليك أو بالصدمة الكهربائية وعاد القلب إلى النبض من جديد هل يسمى في عرف الأطباء أنه مات ثم رجعت له الحياة من جديد أم لا يعتبر هذا في الحياة والموت وإنما يعتبر الدماغ فقط وما قولهم فيمن يموت اليوم ومن مات أمس ولم تقاس لهم موجات الدماغ أماتوا أحياء، أم أن هناك موت وموت، موت إذا وجد الجهاز وموت بدونه. ٤- تدحرجت بعض الأمم حتى اعتبرت الإنسان في الشيخوخة عبء يستحسن التخلص منه، إما بإيداعه في مصلحة، أو دار للعجزة، أو ملجأ للرعاية مادام قد أصبح عديم التأثير أو النفع، فهل ستعمم تلك الفكر وتتطور حتى تنسحب على الناس كافة في حالة عجزهم أو فقدهم للقوى المؤثرة؟ إذا كان هذا اليوم شعار يسري في الأمم التي جنحت إلى الالتفات إلى المادة فقط فنحن والحمد لله ما زلنا نتمسك بتعاليم الإسلام التي تعتز بالإنسان قويًا كان أو ضعيفًا وصدق رسول الله ﷺ ((هل ترزقون وتنصرون إلا بضعفائكم؟)) ..

стр. 1501

نهاية الحياة للأستاذ عبد القادر بن محمد العماوي القاضي بالمحكمة الشرعية الأولى بقطر الموت: لا ريب أن الموت الطبيعي يكون تدريجيًا، فتموت الخلايا أولًا ثم الأنسجة ثم الأعضاء والأجهزة الحيوية، وبعد ذلك يتوقف الجسم بكامله عن العمل، ولكن هناك موتًا غير طبيعي، فإذا قطع الوتين مثلًا مات الشخص، ولذلك قال الله ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ (٤٤) لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (٤٥) ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ (٤٦) فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ (٤٧) ﴾ (١) وقالوا: إن الوتين هو نياط القلب وهو عرق يجري في الظهر حتى يتصل بالقلب إذا انقطع بطلت القوى ومات صاحبه، قال ابن تيمية: ولم يرد أنا نقطع ذلك العرق بعينه، ولكنه أراد لو كذب علينا لأمتناه، لكان كمن قطع وتينه، ومثله قوله ﷺ ((مازالت أكلة خيبر تعاودني وهذا أوان قطع أبهري)) ، وقالوا: إن الأبهر عرق يتصل بالقلب فإذا انقطع مات صاحبه فكأنه قال هذا وإن قتلي بالسم فكنت كمن انقطع أبهره. وقال الفقهاء في أمارات الموت في الذي يموت من علة باسترخاء قدميه ولا ينتصبان ويميل أنفه أو ينخسف صدغاه أو تمتد جلدة وجهه أو ينخلع كتفاه عن ذراعيه، أو تتقلص خصيتاه إلى فوق مع تدلي الجلدة، وقال الفقهاء: فإن كان هذا شك واحتمل أن يكون به سكتة لعدم العلة، أو ظهرت أمارات فزع أو غيره أحرى إلى اليقين بتغير الرائحة أو غيرها. وقال بعض الفقهاء: إن حقيقة الموت تعتبر بجس العرق الذي بين الكعب والعرقوب وبجس عرق في الدبر، وقالوا أيضًا: إن من علامات الموت سكون الحركة في البدن كله وتغير لونه وانقطاع نفسه، ولذلك يعتبر موت الحامل بوضع كفة الميزان أو ما أشبهها على سرتها، فما دامت الكفة تتحرك فهي حية وهذا إذا تبين حملها إما بقولها أو بقول غيرها مما لا يتهم على ذلك، وهم يقولون ذلك لأنهم عاجزون عن الكشف عن الحقيقة إذ لم يكن في متناول أيديهم أجهزة كما هي الآن. والواقع أننا لا نستطيع أن نحدد الحد الفاصل بين الحياة والموت، وإذا كان الأطباء قد قالوا سابقًا: إن توقف القلب عن العمل هو الحد الفاصل، وقالوا الآن: إن موت الدماغ هو الحد الفاصل، فما يدرينا أن يكتشف العلم وسائل لإنعاش المريض وتنشيط الدماغ مثل ما حصل للقلب؟

стр. 1502

لذلك فنرى ألا نعتبر الحياة شرعيًا قد انتهت ونحكم على الشخص إنه في عداد الموتى إلا إذا كانت هناك أمارات ظاهرة كما قررها الفقهاء، فنرتب على ذلك الإرث وانتهاء العدة وغيرها من الأحكام الشرعية، أما مسألة ما توصل إليه الطب من أن موت المخ هو الموت الحقيقي للشخص، فيكون ذلك في حكم الميئوس من حياته فلا يلزم الطبيب أن يبقى عليه الأجهزة التي تطيل عليه حالة النزع والاحتضار بما لا فائدة فيها، وقد قال الفقهاء إن حكم من هو في النزع حكم الميت فلا حرج على الطبيب إن هو مد يده إلى إطفاء الجهاز؛ لأن الحياة المتوقفة على جهاز غير طبيعي، ليست حياة في الحقيقة. وهم يقولون ذلك لأنهم عاجزون عن الكشف عن الحقيقة إذا لم يكن في متناول أيديهم أجهزة كما هي الآن. غير أن ترتيب الأحكام الشرعية على أمور واضحة يطلع عليها أكبر عدد من الناس العاديين أولى من ترتيبها على أشياء لا يطلع عليها إلا المختصون أو عدد محدود، ولذلك فنرى أن التقيد بما قاله الفقهاء في مسألة إرث الجنين وغير ذلك من الأحكام سيمنع كثيرًا من المشاكل لو أننا رتبنا الأحكام هذه على الحياة في بطن الأم اعتمادًا على قول الطبيب، وكذلك في مسألة علامات الموت الظاهرة فنرى التقيد بها عند ترتيب الأحكام الشرعية.

стр. 1503

نهاية حياة الإنسان للشيخ صالح موسى شرف عضو مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر عرف الإمام الغزالي وغيره الموت، بأنه إزهاق الروح أي خروجها بعد البدء ولهذا الخروج أسباب كثيرة كما قال القائل: تنوعت الأسباب والموت واحد، فمن الأسباب: القتل ومرض القلب وتلف أجهزة المخ وغير ذلك من الأسباب التي تؤدي إلى الموت. فإذا وجد في شخص واحد من هذه الأسباب التي شوهدت وجربت استحالت حياته، ولذلك يقول الإمام الغزالي في التوفيق بين من يقول المقتول ميت بأجله أو بغير أجله: للموت أسباب كثيرة منها القتل وغيره من الأمراض التي تؤدي للموت، فإذا تجمعت هذه الأسباب كلها في المقتول مات بأجله لأنه لو لم يقتل لمات. أما إذا لم يوجد غير القتل فقط وباقي الجسم سليم فإنه يكون ميتًا بغير أجله وعندئذ تضاعف العقوبة، ولذلك قال بعض المفسرين في قصة سيدنا موسى ﵇ حينما وكزه فقضى عليه: إن موسى ﵇ لم يقصد قتله، وإنما كانت هناك أمراض لهذا الشخص تؤدي إلى موته، ومن أجل هذا حينما يحصل حادث لشخص يستدعى الطبيب الشرعي لمعرفة هل هذا الحادث هو الذي أدى إلى الموت أم هناك أسباب أخرى مع الحادث أدت إلى الوفاة؟ بقي سؤال: هل يكفي في انتهاء حياة الإنسان تلف جميع أجهزة المخ مع أي نوع من الأسباب التي تؤدي إلى الموت أم يكتفى بأي نوع من أنواع المقاتل الأخرى؟ وأيضًا فإن المشاهد من التجارب هو الثاني. فإن ذبح الإنسان مثلًا فيه إتلاف للأوردة الموصلة للدم لجميع أجزاء الجسم اللهم إلا أن يقال: إن في هذا الذبح إتلافًا لأجهزة المخ الذي انقطع عنه الشريان الذي يوصل إليه الدم بسبب الذبح. لكن تلف المخ قد توجد معه الحياة زمنًا كما تحدث للمريض غيبوبة طويلة مع بقاء الأجهزة الأخرى سليمة كما حدث للمريضة في فنلندا فإنها كانت في غيبوبة طويلة ثم ماتت ووضعت طفلًا كامل النمو، فلو كانت بعض أجهزة المخ كافية في نهاية حياة الإنسان لماتت هذه المرأة.

стр. 1504

بقي سؤال آخر حاصله: أنه إذا وجد بعض أسباب الموت مثل تلف المخ أو القلب أو الكبد ثم وجدت معه اضطرابات وحركات كالمذبوح فكيف مع هذا يقال: إنه قد مات؟ وقد نشاهد في الحيوان بعد هذا اضطرابًا وطيرانًا مما يتنافى مع الموت الذي هو سكون للجسم. والجواب على ذلك: أن هذه الاضطرابات والحركات ناشئة من بطء خروج الروح وكل عضو من أعضاء الجسم يتنازع مع خروج الروح، ويقال: إن هذا الاضطراب أثر من آثار الحياة السابقة على الذبح. والأحوط في هذا المقام الانتظار حتى يهدأ المذبوح ويتبين موته، ومن ثم تطبق الأحكام الشرعية المترتبة على الموت. ثم إن المذبوح يتحرك ويضطرب إذا جاء شخص وأجهز عليه ينظر في الذبح فإذا كان الذبح كاملًا بأن قطع الأول الودجين فالمجهز الثاني لا يعد قاتلًا إنما عليه الإثم والتعزير حتى لا يجر ذلك لكثير من الناس للتعدي على المذبوح بحجة أنه يريحه ما دام أنه لا يقصد؛ لأن للميت حرمة وكرامة، أما إذا كان الذبح غير كامل فإن المجهز عليه يعد قاتلًا وعليه القصاص كالأول الذابح. بقي أن يقال: إن إتلاف المخ وحده هو السبب الوحيد للقتل وأن الحياة تبقى في جميع بدن الجسم، واستدل القائل على هذه النظرية بزرع القلب في بدن آخر قلبه تالف فيحيا. فما ذاك إلا أن أعضاء الجسم فيها حياة. وللرد عليها نقول وبالله التوفيق: أولًا: إن الموت والحياة متضادان فكيف يجتمعان في شخص واحد؟ ثانيًا: إن القرآن الكريم دل على إبطال هذه النظرية حيث يقول الله تعالى وقوله صدق: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ .

стр. 1505

فقوله تعالى: ﴿فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا﴾ يمسك التي قضى عليها دليل على موت جميع أجزاء الجسم؛ لأن النفس بها الحياة والإدراك والوعي، فما دام قد أمسكها الله عنده فقد انقطعت الحياة عن جميع أجزاء البدن. ثالثًا: إن الإنسان إذا دخل على مريض محتضر يرى أن الروح تخرج منه شيئًا فشيئًا والعضو الذي خرجت منه لا يتحرك وأصبح كالثلج باردًا لا حرارة فيه. أما الاستدلال بزرع الأعضاء في جسم حي فإن الحياة لهذا العضو المزروع قد استمدت من جسم الحي، فهو قد أفاض عليه حياة جديدة بعد أن قد مات، كالبذرة التي تضعها في الأرض ولا تتعهدها بالسقي فتموت، ثم إذا أرسلت إليها الماء عادت إليها الحياة، ولو أخذنا هذا القلب من إنسان ميت وزرعناه لإنسان آخر ميت فهل يحيا هذا القلب المزروع؟ طبعًا لا يحيا. أما الحديث عن أخذ عضو من ميت ليوضع في آخر أشرف على الموت فقد أجاز ذلك العلماء بشرط أن يتحقق موت صاحب القلب، وبأن يأذن أهله في ذلك، لأن للميت حرمته ولا يجوز التمثيل به. وقد نهى النبي ﷺ عن التمثيل بجثث أعداء الإسلام فكيف بجثث المسلمين؟ ولكن للضرورة وهي أن الحي أبقى من الميت أجاز الشارع ذلك، إذا أذن جميع أهله. والله ولي التوفيق.

стр. 1506

توصيات مؤتمر الطب الإسلامي بالكويت التوصيات بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ بحمد الله ورعايته عقدت المنظمة الإسلامية للعلوم الطبية بالاشتراك مع وزارة الصحة بدولة الكويت ندوتها الثانية من سلسلة ندواتها حول (الإسلام والمشكلات الطبية المعاصرة) وذلك تحت عنوان " الحياة الإنسانية: بدايتها ونهايتها في المفهوم الإسلامي" في الفترة ما بين ٢٤- ٢٦ ربيع الآخر ١٤٠٥هـ التي توافقها الفترة من ١٥- ١٧ يناير ١٩٨٥ م بفندق هيلتون بدولة الكويت. وقد كان ذلك استجابة للشعور العام بأن مشكلات العصر قد تعقدت فلم تعد الإحاطة بها في وسع المجتهد الواحد، فلزم أن تحشد لها جهود علماء المسلمين المتخصصين مع جهود الفقهاء حتى يكفل للرأي الشرعي أن يبنى على إحاطة وافية بالموضوع المطروح. وقد دعي إلى الندوة نخبة من الفقهاء والأطباء ورجال القانون والعلوم الإنسانية، وخصص اليوم الأول لبحث موضوع بدء الحياة، واليوم الثاني لبحث موضوع نهايتها، بينما انعقدت لجنة الصياغة في صبح اليوم الثالث لتصوغ حصيلة ما اتجهت إليه المداولات. وبعد تدارس ما تم عرضه في جلسات الندوة، وما قدمه مقررو الجلسات من مذكرات وما تقدم به – كتابة - بعض المشاركين في الندوة من اقتراحات وافقت الندوة على ما يلي: أولًا: بداية الحياة بداية الحياة تكون منذ التحام حيوان منوي ببويضة ليكونا البويضة الملقحة التي تحتوي الحقيبة الوراثية الكاملة للجنس البشري عامة وللكائن الفرد بذاته المتميز عن كل كائن آخر –على مدى الأزمنة- وتشرع في الانقسام لتعطي الجنين النامي المتطور المتجه خلال مراحل الحمل إلى الميلاد. ثانيًا: منذ يستقر الحمل في بدن المرأة فله احترام متفق عليه ويترتب عليه أحكام شرعية معلومة. ثالثًا: إذا بلغ الجنين مرحلة نفخ الروح (على خلاف في توقيته فإما مائة وعشرون يومًا وإما أربعون يومًا) تعاظمت حرمته باتفاق وترتبت على ذلك أحكام شرعية أخرى. رابعًا: من أهم تلك الأحكام أحكام الإجهاض التي وردت في الفقرة السابعة من توصيات "ندوة الإنجاب في ضوء الإسلام".

стр. 1507

ثانيًا: نهاية الحياة أولًا: رأت الندوة أنه في أكثر الأحوال عندما يقع الموت فلا تقوم صعوبة في معرفته استنادًا إلى ما تعارف عليه الناس من أمارات، أو اعتمادًا على الكشف الطبي الظاهري الذي يستبين غياب العلامات التي تميز الحي من الميت. ثانيًا: تبين للندوة أن هناك حالات قليلة العدد، وهي عادة تكون تحت ملاحظة طبية شاملة ودقيقة في المستشفيات والمراكز الطبية المتخصصة ووحدات العناية المركزة، تكتسب أهميتها الخاصة من وجود الحاجة الماسة إلى تشخيص الوفاة فيها، ولو بقيت في الجسم علامات تعارف الناس من قديم على أنها من علامات الحياة، سواء أكانت هذه العلامات تلقائية في بعض أعضاء الجسم أم كانت أثرًا من آثار أجهزة الإنعاش الموصولة بالجسم. ثالثًا: وقد تدارست الندوة ما ورد في كتب التراث الفقهي من الأمارات التي تدل على الموت واتضح لها أنه في غيبة نص شرعي يحدد الموت تمثل هذه الاجتهادات ما توفر آنذاك من معرفة طبية، ونظرًا لأن تشخيص الموت والعلامات الدالة عليها كان على الدوام أمرًا طبيًا يبني بمقتضاه الفقهاء أحكامهم الشرعية، فقد عرض الأطباء في الندوة الرأي الطبي المعاصر فيما يختص بحدوث الموت. رابعًا: وضح للندوة بعد ما عرضه الأطباء: أن المعتمد عليه عندهم في تشخيص موت الإنسان، هو خمود منطقة المخ المنوطة بها الوظائف الحياتية الأساسية، وهو ما يعبر عنه بموت جذع المخ. إن تشخيص موت جذع المخ له شروطه الواضحة بعد استبعاد حالات بعينها قد تكون فيها شبهة، وإن في وسع الأطباء إصدار تشخيص مستقر يطمأن إليه بموت جذع المخ.

стр. 1508

إن أيًا من الأعضاء أو الوظائف الرئيسية الأخرى كالقلب والتنفس قد يتوقف مؤقتًا، ولكن يمكن إسعافه واستنقاذ عدد من المرضى ما دام جذع المخ حيًا.. أما إن كان جذع المخ قد مات فلا أمل في إنقاذه وإنما يكون المريض قد انتهت حياته، ولو ظلت في أجهزة أخرى من الجسم بقية من حركة أو وظيفة هي بلا شك بعد موت جذع المخ صائرة إلى توقف وخمود تام. خامسًا: اتجه رأي الفقهاء تأسيسًا على هذا العرض من الأطباء، إلى أن الإنسان الذي يصل إلى مرحلة مستيقنة هي موت جذع المخ يعتبر قد استدبر الحياة، وأصبح صالحًا لأن تجري عليه بعض أحكام الموت، قياسًا –مع فارق معروف- على ما ورد في الفقه خاصًا بالمصاب الذي وصل إلى حركة المذبوح. أما تطبيق بقية أحكام الموت عليه فقد اتجه الفقهاء الحاضرون إلى تأجيله حتى تتوقف الأجهزة الرئيسية. وتوصي الندوة بأن تجرى دراسة تفصيلية أخرى لتحديد ما يعجل وما يؤجل من الأحكام. سادسًا: بناء على ما تقدم اتفق الرأي على أنه إذا تحقق موت جذع المخ بتقرير لجنة طبية مختصة جاز حينئذ إيقاف أجهزة الإنعاش الصناعية.

стр. 1509

(٢) دراسة وزارة الصحة بالمملكة العربية السعودية مقدمة الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده وبعد.. فلقد قمنا بتكليف من وزارة الصحة بالمملكة العربية السعودية بإعداد الدراسة المرفقة حول موضوع "تشخيص الوفاة في أقسام العناية الطبية المركزة، وبنينا ما جاء بهذه الدراسة من آراء على عدة مراجع عربية وأجنبية إضافة إلى ما لدينا من تجربة وخبرة في هذا المجال. والذي نود تأكيده هنا هو أننا نظرنا إلى الموضوع من الوجهة العلمية الطبية البحتة تاركين النواحي الشرعية والقانونية إلى رجال الفقه والشرع من علمائنا الأفاضل. والله نسأل أن يهدينا جميعًا إلى طريق الخير والصواب.. إنه سميع مجيب. د/ جاسر الحربش د/ محمد سعيد أبو ملحة جامعة الملك سعود مستشفى القوات المسلحة بالرياض د/ زهير القاوي د/ صالح الأسود مستشفى الملك فيصل التخصصي وزارة الصحة د/ محمد العمر الصايغ وزارة الصحة

стр. 1510

الهدف من الدراسة: (تشخيص حدوث الوفاة بغرض تحديد متى ترفع أجهزة الإنعاش) دواعي البحث: قال الله تعالى في محكم كتابه: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ وكمال الدين يعني صلاحيته لكل زمان.. لذلك فعندما تعرض للناس قضية لا بد من أن يكون للشريعة السمحاء حكم فيها بنص أو اجتهاد. ولقد أنعم الله على البشرية في هذا العصر بتقدم هائل في العلوم وبخاصة العلوم الطبية، واستطاع الإنسان أن يعرف الكثير من دقائق الحياة والكثير من ظواهر الوفاة، وذلك من خلال استخدام الأجهزة الحديثة في أقسام العناية المركزة، ومنها أجهزة التنفس الصناعي، ومراقبة عمل القلب، وكذلك أجهزة قياس عمل المخ وقياس وظائف محددة بالمخ واختبار هذه الأجزاء المختلفة. ومن خلال فهم هذه الحقائق العلمية الجديدة أصبح تشخيص نهاية الحياة الإنسانية ممكنًا على درجة كبيرة من الدقة.. ولهذا التشخيص أهميته البالغة من النواحي الشرعية والقانونية.. كما أنه يفتح آفاقًا علمية كبيرة في نقل وزراعة الأعضاء البشرية.. وهو بالنسبة لبعض المرضى أمل في الحياة من جديد عندما يصل العلاج إلى طريق مسدود. والمخ هو مكان استقبال جميع الحواس من سمع وبصر وشم وذوق ولمس.. كما أنه المكان الوحيد للاتصال بالعالم الخارجي فهو يحتوي على مخازن الذاكرة، كما يحتوي على أنماط الطباع والعادات والمثل المكتسبة وهو مكمن الغرائز.. كما أنه مصدر الأفعال المترتبة على ما يستقبله من معلومات.. وعرف الأطباء ذلك كله لأن تلف أجزاء محددة من الدماغ ينتج عنه فقد قدرات معينة اختصت بها هذه الأجزاء. أما القلب بمعناه العضوي فهو مضخة عضلية في الجزء الأيسر من التجويف الصدري للإنسان تقوم بدفع الدم في العروق لإمداد الجسم بالغذاء والأكسجين ويمكن استبداله بقلب حي آخر أو بمضخة صناعية وتستمر حياة المنقول إليه بجسده وفكره وعاطفته وحواسه وإدراكه، كما ثبت من خلال عمليات زراعة القلب البشري والصناعي.. وأصبح حقيقة علمية لا جدال فيها.
следующие страницы →