القسم الأول
صور كساد العملة وانقطاعها عند الفقهاء
تعريف الكساد والانقطاع عند الفقهاء:
يعرف الأحناف كساد العملة بأنه ترك المعاملة بها في جميع البلاد، أما انقطاع العملة فإنه عدم وجودها في السوق وإن وجدت عند الصيارفة وفي البيوت (١) .
فالكساد، إذن، ترك الناس التعامل بالنقد سواءً كان النقد قائما موجودًا في أيدي الناس أو لا. وقد تنقطع العملة دون أن تكون كاسدة، وذلك بأن لا توجد في الأسواق، رغم أن الناس لم يتركوا التعامل بها برغبتهم، ولكن واقعة عدم وجودها تفرض عدم التعامل بها (٢) . وكذلك، قد تكسد العملة، دون أن تنقطع، بأن يرغب الناس عن التعامل بها، زهدًا بها من أنفسهم، أو تنفيذًا لنهي السلطان عنها.
ويشترك الكساد والانقطاع، إذن، بأن كليهما يعني، أن المعاملات بين الناس تعترضها مشكلات إذا أريد أن يتم تنفيذها بالنقد، إما لعدم توفره في السوق، أو لعدم رغبة الناس به عزوفًا منهم عنه، أو لمنع السلطان التعامل به، رغم وجوده في السوق في الحالتين الأخيرتين.
ولم أجد عند غير الأحناف تعريفًا للكساد أو الانقطاع وإن كان كل منهما مذكورًا ومعروفًا عند الفقهاء كلهم.
فالرهوني مثلًا يتحدث في حاشيته عن "بطلان الفلوس"، "وعن قطع السكة في الدراهم والدنانير" و"إبدالها بسكة غيرها" و"إهمالها جملة" و"السكة المقطوعة" وقد فرق بين "ما إذا عدمت السكة" وما إذا "قطع التعامل بها مع وجودها" (٣) مما يدل على أن "عدم التعامل بالسكة رغم وجودها" عند الرهوني هو ما يقابل صورة الكساد المتميزة عن صورة الانقطاع عند الأحناف، ولكن الرهوني يشير أيضًا إلى "قطع السكة وإبدالها بغيرها" وهي أيضًا صورة للكساد عند الأحناف. كما أن "تبديل السكة بأخرى وإهمال الأولى جملة" قد يكون بعزوف الناس عن القديمة وليس بمنعها من قبل السلطان. الأمر الذي يجعل تعابير الرهوني تغطي حالتي الكساد عند الأحناف وكذلك حالة الانقطاع أيضًا، لأنه يضمن في صور فساد الفلوس أو قطعها (وقد استعمل اللفظتين في جملة واحدة) حالتي وجود الفلوس رغم انقطاعها، وانعدامها كلية (٤) .
ويلاحظ عند الرهوني استعمال كلمات الفساد، والكساد، والبطلان، والانقطاع دون تمييز لمعانيها عن بعضها البعض، ولا يخرج عن ذلك ما جاء في المعيار المعرب للونشريسي (٥) .
стр. 14912
أما صاحب المغني، فيتحدث عن تحريم السلطان للفلوس والدراهم المكسرة، وترك المعاملة بها، واتفاق الناس على تركها. وتعامل الناس بها رغم تحريم السلطان لها، أو عدمه (١) ويذكر بعض هذه المصطلحات صاحب مجلة الأحكام الشرعية على المذهب الحنلبي (٢) .
أما المرداوي فقد ذكر أيضًا تحريم السلطان للفلوس، أو الدراهم المكسرة، سواءً تعامل الناس بها رغم التحريم، أو لم يتعاملوا، وقد سمى ذلك بطلانًا للعملة بأمر السلطان أو كسادًا فيها (٣) . ومن الواضح أنه لم يشر إلى حالة عدم وجود العملة في الأسواق.
ويفهم من مناقشة النووي أن حالة إبطال السلطان المعاملة بالعملة لا تقتضي عدم وجودها في السوق، فهو يذكر أن المعقود عليه (أي النقد المبطل) باق مقدور على تسليمه (٤) ، وهذه هي إحدى صورتي الكساد عند الأحناف، ثم يستعمل كلمة الانقطاع بمعنى عدم وجود النقد مطلقًا فيقول ببطلان العقد إذا جرى بنقد قد انقطع من أيدي الناس "لعدم القدرة على التسليم" أما إذا توفرت القدرة على التسليم – ولو بنقل النقد من بلد آخر- فالعقد صحيح مما يدل على أن النووي لا يعتبر عدم توفر العملة في بلد العقد انقطاعًا إذا وجدت في البيوت أو عند الصيارفة، لأن وجودها هذا أولى من وجودها في بلد آخر (٥) .
وكذلك نجده يتحدث أيضًا عن صحة العقد إذا كان النقد عزيزًا على قول من يجيز الاستبدال على الثمن لإمكان سداد بدل الثمن مما هو رائج، ولا يصح البيع على القول بعدم الاستبدال (٦) .
ونخلص من كل ما مضى إلى أن هنالك تداخلًا كبيرًا في معاني مصطلحي الكساد والانقطاع في العملة عند الفقهاء وأن كثيرًا منهم قد استعمل ألفاظًا أخرى، كالبطلان، والفساد، وغيرها، لبعض هذه المعاني، وبذلك فإننا نرى أنه للخروج من مأزق المصطلحات هذا لابد لنا من النظر في الصور نفسها التي ذكرها الفقهاء في باب الكساد والانقطاع، وأن تصنف اجتهادات العلماء في أحكامها، ونوقعها على تلك الصور، لأن ذلك – في نظري - هو أفضل السبل للتوصل إلى فهم كيفية معالجة النقود المعاصرة، على ضوء ما عولجت به مشكلات النقود التي تحدث عنها الفقهاء.
صور الكساد والانقطاع:
ويمكن حصر صور الكساد والانقطاع التي تحدث عنها الفقهاء بحالتين كليتين، يتفرع عن كل منهما عدد من الصور كما يلي:
أ- الحالة الأولى: منع السلطان التعامل بالنقد:
ويتأسس على هذه الحالة الصور التالية:
١- منع التعامل بالنقد واستبداله بنقد جديد، بنفس القيمة مع عدم وجود القديم في جميع البلاد، وعدمه عند الصيارفة.
стр. 14913
٢- منع التعامل بالنقد، واستبداله بنقد جديد بقيمة مختلفة، مع عدم وجود القديم في جميع البلدان، وعدمه عند الصيارفة.
٣- منع التعامل بالنقد، مع وجوده في بلدان أخرى وعدمه عند الصيارفة.
٤- منع التعامل بالنقد، مع وجوده في بلدان أخرى، وفي البيوت، وعند الصيارفة.
٥- منع التعامل بالنقد مع عدم وجوده، في البلدان الأخرى، ولا في البيوت، ولا عند الصيارفة، ولا في الأسواق.
٦- فرض السلطان لنقد جديد مع بقاء القديم في أيدي الناس.
ويلحق بهذه الحالة صورة سابعة، وهي:
٧- تغيير السلطان قيمة النقد.
ب- الحالة الثانية: ترك الناس التعامل بالنقد من أنفسهم دون أمر من السلطان:
ويتأسس عليها:
٨- رغبة الناس عن التعامل به، مع وجوده في الأسواق.
٩- ترك الناس التعامل به، مع عدم وجوده في الأسواق.
وسندرس هذه الصورة، وأسبابها. وسنحاول وضع أقوال العلماء وفتاواهم فيما يناسبها من هذه الحالات، ثم ننتقل في القسم الثاني للكلام عن النقود المعاصرة، ودراسة ما ينطبق عليها من صور الكساد والانقطاع، وعلاقة ذلك بالتضخم النقدي.
١ - الصورة الأولى:
منع السلطان التعامل بالنقد، واستبداله بنقد جديد، بنفس القيمة، مع عدم وجود النقد القديم في جميع البلدان، وعدمه عند الصيارفة.
ويمكن أن يحصل ذلك عندما ترغب الحكومة – لسبب من الأسباب غير الاقتصادية عادة - في محو آثار الحكومة السابقة على النقود، دون أن تغير من قيمتها. ولكنها – للأسباب غير الاقتصادية نفسها - تتشدد في منع الناس من التعامل بالعملة القديمة.
ويمكن أن يحدث ذلك بالنسبة لكل أنواع العملات، سواء كانت من الفلوس، أو الدراهم، أو الدنانير، وسواء كانت مغشوشة، أو غير مغشوشة. وقد تغير الحكومة اسم العملة أيضًا، فتكون محمدية وتصبح مجيدية، أو تكون ريالًا فتصبح درهمًا.
стр. 14914
وأما عدم تغيير قيمة العملة، فيكون بالأمر السلطان نفسه، بحيث يجعل الدرهم الجديد مثلًا مساويًا للدرهم القديم وعندئذٍ، سيقبل الناس في معاملاتهم على الدرهم الجديد، مثل إقبالهم على القديم عندما كان هو الرائج، ولن يؤثر تغيير الدرهم على المستوى العام للأسعار، ولا على سعر أي من السلع والخدمات في السوق.
ولكننا ينبغي أن نلاحظ هنا أنه بالنسبة للعملات المعدنية، فإن أي اختلاف في قيمتها كمعدن سيؤثر على سلوك الناس نحوها، قبولًا، أو رفضًا، وسيظهر معنى القبول أو الرفض هذين في شكل فروق في الأسعار، بين النقد الجديد والقديم. فلو احتوى الدرهم الجديد على كمية من المعدن تنقص (أو تزيد) عن الدرهم القديم، فما أن يعلم الناس بذلك، حتى ينقصوا (أو يزيدوا) من سعر الجديد في مبادلتهم له بالقديم (١) وسينعكس ذلك تبعًا على المستوى العام للأسعار.
أما آراء الفقهاء في الديون التي التزم بها الناس بالنقد القديم، التي تنطبق على هذه الصورة (في نظر الكاتب) ، فيبدو لي – والله أعلم - أنه يصح فيها ما تحدث عنه الفقهاء عند اعتبارهم أن النقد لو أطلق فهو نقد البلد (٢) ، لأن النقد إذا أطلق لا يقصد به أعيانه، "وإن النقد لا يتعين في المعاوضات" (٣) .
٢ - الصورة الثانية:
منع التعامل بالنقد، واستبداله بنقد جديد، بقيمة مختلفة، مع عدم وجود القديم في جميع البلدان، وعدمه عند الصيارفة.
ويحصل ذلك لأسباب تشبه الأسباب التي تحصل فيها الصورة الأولى، ويضاف إليها سبب آخر، وهو رخص (أو غلاء) العملة القديمة، فتصدر الجديدة عن السلطان بسعر أكبر (أو أقل) من العملة القديمة، ويحدد الأمر السلطاني سعر العملة الجديدة بالنسبة للقديمة، وقد تحمل العملة الجديدة نفس اسم العملة القديمة، فيقال القرش القديم والقرش الجديد، أو اسمًا آخر كالريال والليرة، ويلاحظ أن اختلاف القيمة بين العملتين هنا هو اختلاف محدد معروف، كأن يكون القرش الجديد مساويًا للقرشين من القديم مثلًا.
стр. 14915
وإقبال الناس على التعامل بالعملة الجديدة هنا، هو مثل إقبالهم في الصورة الأولى مع ملاحظة أن جميع الأسعار، وكذا المستوى العام للأسعار، ستتغير بنسبة في سعر الصرف بين العملتين، وفي مثالنا (قرش جديد بقرشين من القديم) ، سيصبح سعر كل شيء نصف ما كان عليه بالعملة القديمة، وكذا يصبح المستوى العام للأسعار نصف ما كان عليه.
وإذا كانت العملة سلعية، فإن تسعيرها من قبل الحكومة، بأقل من قيمتها في السوق كسلعة، يجعل الناس يعدلون عن استعمالها النقدي، إلى استعمالها السلعي، فإذا لم يكن هنالك نقد غيرها - كما هي الفرضية في هذه الصورة - فإن أسعار السلع والخدمات سترتفع بالنسبة للعملة السلعية، إلى أن تصبح قيمتها السلعية مساوية لقيمتها الاصطلاحية، المفروضة من السلطان.
ويبدو – والله أعلم - أن ما ثبت في الذمة من ديون والتزامات، ثم حصلت له هذه الصورة من التغير في النقد، هو ما ينطبق عليه ما نقله الرهوني عن ابن رشد الجد، من أن الواجب هو المثل من العملة القديمة التي ثبتت في الذمة، وأن القول بغير ذلك لا يلتفت إليه لأنه "نقض لأحكام الإسلام، ومخالفة لكتاب الله وسنة نبيه ﷺ في النهي عن أكل المال بالباطل، ويلزم هذا القائل أن يقول ... إن السلطان إذا أبدل المكاييل، بأصغر أو أكبر، والموازين، بأنقص أو أوفى، وقد وقعت المعادلة بينهما بالمكيال الأول، أو بالميزان الأول، أنه ليس للمبتاع إلا بالكيل الأخير، وإن كان أصغر، وأن على البائع الدفع بالثاني أيضًا، وإن كان أكبر، وهذا مما لا خفاء في بطلانه، وبالله التوفيق" (١) .
ويتضح من ذلك، أن سداد الديون والالتزامات السابقة سيتم بالعملة الجديدة، لعدم وجود القديمة، ولكن بنسبتها من القديمة، فلو كان الدين في مثالنا بألف من القروش القديمة، لزم المدين خمسمائة من الجديدة، لأن القرش القديم يعدل نصف قرش جديد، وذكر ابن عابدين نحو ذلك على أنه من العرف الذي يعتبر كالمشروط.. وهكذا شاع في عرفهم، ولا يفهم أحد منه، أنه إذا اشترى بالقروش "أن الواجب عليه دفع عينها.. فيدفع مصاري، كل قرش بأربعين".. وكذا "يشترون سلعة بدينار ثم ينقدون ثلثي دينار محمودية أو ثلثي دينار وطسوج نيسابورية، قال يجري على المواضعة، ولا يبقى الزيادة دينًا عليهم" (٢) .
٣ - الصورة الثالثة:
منع السلطان التعامل بالنقد، مع وجوده في بلدان أخرى، وعدمه في البيوت وعند الصيارفة.
وتحصل هذه الصورة، بأن تكون عملة بلد معين رائجة، بين الناس، في بلد آخر، ثم يعمد سلطان البلد الآخر إلى منعها في بلده، وإصدار عملة خاصة به، أو الاكتفاء بعملة أخرى سابقة موجودة في التداول في ذلك البلد، مع شمول المنع للصيارفة والناس في بيوتهم، ولكن استمرار وجود العملة في بلدان أخرى يبقي على وجود قيمة سوقية لها، مما يجعل بعض الناس يتعاملون بها سرًا، رغم منع السلطان ذلك.
وهنا نلاحظ عدم وجود العملة، في التعامل بين الناس، رغم أنها ما تزال قائمة ومقبولة في بلد منشئها، وربما في بلدان أخرى أيضًا.
стр. 14916
وهذا ما اعتبره فقهاء الأحناف عيبًا في المعاملة. فقد قال ابن عابدين: "فلو في بعضها (أي الكساد في بعض البلدان) لا يبطل (البيع) ، لكنه يتعيب إذا لم ترج في بلدهم، فيتخير البائع، إن شاء أخذه، وإن شاء أخذ قيمته" (١) ويبدو أن إعطاء الخيار للبائع هو على فرض أن سعر العملة الممنوعة قد رخص، ولكنه يمكن أن يحصل العكس أيضًا، فترتفع قيمة العملة الممنوعة لندرتها في البيوت وعند الصيارفة، أو لضخامة العقوبة التي يفرضها السلطان على من يحوزونها، فتكون المخاطرة بذلك كبيرة، فيرتفع السعر على قدر المخاطرة.
وفي هذه الحالة، فإن المسألة تحتاج إلى نظر فقهي، لبيان إمكان القول بتخيير البائع في حال رخص العملة المعقود عليها، أو تخيير المشتري في حال غلائها، وفي الحالتين، كلتيهما، فإن البدائل المخير بينهما هما: أخذ العملة، أو أخذ قيمتها يوم منعها، أو يوم الدفع، أو الشيء المبيع، أو قيمته، فسواء كان التخيير للبائع، أو للمشتري، فإن بديل القيمة يبقى أحد البدائل المطروحة للنظر.
٤ - الصورة الرابعة:
منع السلطان التعامل بالنقد مع وجوده في البيوت، وعند الصيارفة، وفي بلدان أخرى.
وهذه تشبه الصورة الثالثة، مع فارق السماح بالتعامل بالعملة الممنوعة عند الصيارفة، وهي ما ينطبق عليه – حرفيًّا - تعريف الأحناف للانقطاع، كما نقله ابن عابدين في حاشيته (٢) وهذه الصورة طبق عليها ابن عابدين نفس حكم الكساد، بالنسبة للفلوس، والدراهم التي غلب عليها الغش، فقال ببطلان العقد على رأي أبي حنيفة، ووجوب رد المبيع، لانعدام الثمن، وبوجوب القيمة (أي قيمة النقد، لا قيمة المبيع) ، من الذهب والفضة مع عدم بطلان البيع، عند محمد وأبي يوسف، ومع تحديد زمن القيمة بيوم الانقطاع عند محمد، وبيوم البيع، أو القبض في حالة القرض، عند أبي يوسف (٣) .
стр. 14917
أما حجة محمد بن الحسن، فلأن المشتري لو دفع الثمن يوم الانقطاع لأجزأه، فوجب عليه قيمته يوم الانقطاع، قال ابن عابدين، نقلًا عن أصحاب المضمرات، والبحر، والحقائق "إنه هو المختار " في المذهب، لأنه أرفق بالناس (١) .
ولم يبين وجه الرفق هذا، وهو في نظري مهم لفهم تأثير التضخم.
وأرى وجه الرفق، أن المتعاملين، قد لحظا ما طرأ من تغير على قيمة الثمن، وتابعا ذلك يومًا فيوم، من زمن العقد، حتى يوم الانقطاع، وكان كل منهما يتوقع أن يتم الدفع، بالنقود المعقود عليها نفسها، أي يوم من هذه الأيام، فكان البائع يعرف أن حقه متعلق بالثمن بالنقد المعقود عليه، مهما كان سعره في السوق، إلى أن انقطع، ويوم الانقطاع توقفت توقعاته هذه، فكان الرفق بالمتعاملين أن تكون قيمة النقد الواجبة هي آخر ما علماه من السوق، وليكن المترتب في الذمة ثمن مبيع، فلا يخفى على العاقدين أن قيمة النقد قد ترتفع أو تهبط، لأن ذلك أمر يعرفه كل من في السوق، ومع ذلك فقد اتفقا على أجل محدد، وحددا الثمن –عددًا من الفلوس- على ما يرضيهما (٢) . ولكن معنى الإرفاق بالناس، قد لا يكون بهذا الوضوح، في حالة حدوث أمر طارئ، غير متوقع، مثل منع السلطان لنقد معين، كان رائجًا قبل ذلك التحريم
وثمة وجه آخر للإرفاق بالناس، فقد يكون عدم وجود العملة في الأسواق، مع وجودها عند الصيارفة مما يجعلها عزيزة، غالية الثمن، لا لقيمتها كعملة، وإنما لقيمتها كقطعة أثرية، نادرة. مما يجعل دفع المثل شاقًّاعلى المشتري، فاقتضى الرفق به، اعتبار سعرها في آخر يوم كانت فيه نقدًا يتداول في السوق، تجنبًا للارتفاع في سعرها الناتج عن أسباب غير نقدية.
ومن جهة أخرى، فإن وجود العملة الممنوعة عند الصيارفة، وفي البيوت، وفي بلدان أخرى، يعني أن منع السلطان التعامل بها ليس صارمًا، فقد منع التعامل بها في العقود، والمبايعات في الأسواق دون أن يمنع الصيارفة من التعامل بها، مما جعل للناس حرية الاحتفاظ بها في بيوتهم، الأمر الذي يعني أن لهذه العملة سعرًا في سوق الصيرفة، كما أنها موجودة، بحيث يمكن لمن يريدها أن يحصل عليها، فما هو إذن مقتضى منع السلطان للتعامل بها في هذه الصورة؟ إن التأمل في هذا السؤال يوحي بأن الإجابة عليه ليست بالمسألة الصعبة. فانعدامها من الأسواق – مع وجودها عند الصيارفة وفي البيوت - يدل على أن الثمن غير معدوم، إذ يمكن للمشتري، أن يشتريها من الصيارفة – وهو أمر غير مخالف لأمر السلطان - وينقدها للبائع، فما هو إذن أثر منعها من الأسواق؟ إن منعها من الأسواق سيؤدي إلى واحد من أمرين: إما أن يرتفع سعرها، لأنها تصبح بالمنع عزيزة، وبخاصة إذا كانت العملة قوية في البلدان الأخرى، وإما أن ينخفض سعرها لكثرة المعروض منها عند الصيارفة، مع زهد الناس بها بسبب عزوف التعامل عنها، الناتج عن المنع، ويحدث هذا بخاصة، إذا لم تكن قوية في بلدان أخرى.
стр. 14918
وبمعنى آخر، فإن منع السلطان للتعامل بالنقد، مع وجوده عند الصيارفة، وفي البيوت، يؤدي إلى رخص أو غلاء العملة، وليس إلى انعدام الثمن، ومع ذلك فلنلاحظ أن الأحناف، قد فرقوا في الفتوى بين هذا النوع من الرخص أو الغلاء، باعتباره انقطاعًا تجري فيه أحكام الكساد، وبين نوع آخر من الرخص والغلاء توجد فيه العملة عند الصيارفة، وفي البيوت، وفي الأسواق أيضًا! ولا أجد ما يبرر مثل هذا التمييز، فيما اطلعت عليه من أقوالهم، إلا أن يقال: سببه هو تدخل السلطان بالمنع، وهو مما يناقض قولهم بأن تدخله بالإرخاص لا يوجب إلا المثل، كما سنرى في الصورة السابعة.
ولعل الصورة الرابعة هذه، هي التي كانت في أذهان الشافعية وجمهور المالكية، الذين يصرون على وجوب المثل – لا القيمة - عند انقطاع الفلوس والدراهم المغشوشة (١) .
٥- الصورة الخامسة:
منع السلطان التعامل بالنقد، مع عدم وجوده مطلقًا، لا في البلدان الأخرى، ولا عند الصيارفة، ولا في البيوت.
ويحصل هذا عندما توجد عدة أنواع من النقود، في بلد، ولا توجد في غيره، فيبطل السلطان واحدًا منها.
ومن الواضح أن هذه الصورة ينعدم فيها الثمن، فلا يوجد في مكان، ولا ينشأ للنقد الممنوع سعر في السوق، أي سوق، وبالتالي، فلا مناص من العدول عن القول بسداد المثل إلى أي قول آخر، يتسم بأي نوع من الإمكان والواقعية. ولعل هذه الصورة، هي التي استدعت قول أبي حنيفة ببطلان البيع، وضرورة رد المبيع لعدم الثمن، وفي القرض باستحقاق المثل فقط (٢) ولا شك أن استحقاق المثل في القرض – في هذه الصورة - غير عادل البتة (٣) لأن النقد الذي قبض عند القرض كانت له قيمة، وكان ينتفع به، أما بعد أمر السلطان، فلم تعد له أية قيمة في أي مكان، وصار لا ينتفع به بالكلية، ولابد من معالجة هذا الوضع، بنظر فقهي جديد، لعدم العدل الظاهر فيه، وإذا كان لابن عابدين رأي في الصورة السابعة – وهي تخفيض القيمة، بأمر سلطاني - كما سنشير إليه بعد قليل – وهو رأي يقوم على العدل، وعدم تحميل واحد من طرفي العقد كل الضرر الحاصل نتيجة لظروف خارجة عن إرادتهما، وتوقعاتهما، فإنه من باب أولى أن يقال هنا بقول ينصف المقرض، وهو محسن، ﴿مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ﴾ [التوبة: ٩١] .
стр. 14919
٦ - الصورة السادسة:
فرض السلطان لنقد جديد، مع بقاء القديم في أيدي الناس.
وهذه الصورة كانت كثيرة الحدوث فعلًا، فكثيرًا ما كان السلطان يفرض نقدًا جديدًا، من الذهب، أو الفضة، أو الفلوس، مغشوشة، أو خالصة، ويترك، في الوقت نفسه، العملات السابقة في السوق، وبين أيدي الناس، ولقد أدى ذلك في كثير من الأوقات، إلى وجود عملات كثيرة في السوق، إذ يكاد كل واحد من الفقهاء، يذكر أمثلة، وأسماء لعملات، على أنها موجودة بوقت واحد مع بعضها.
ولاشك أن قاعدة غريشام (هروب كل عملة تزيد قيمتها كسلعة عن قيمتها الاصطلاحية من السوق) تنطبق في هذه الحالة، إذ كلما ارتفعت القيمة السوقية للسلعة التي تتركب منها عملة من العملات، عن قيمة العملة المرسومة، كلما عمد الناس إلى إذابة معدنها، وبيعه بدلًا من إمساكها عملة.
ومن الواضح أيضًا أن هذه الصورة ينطبق عليها حكم "المثل" إذا كان النقد معينًا في العقد، كأن يقول بمائة درهم مملوكي مثلًا، أما إذا لم يكن معينًا في العقد فينصرف إلى ما كان متعارفًا زمن العقد، يقول ابن عابدين: "وأما إذا أطلق، كأن قال بمائة ريال أو مائة ذهبًا، فإن لم يكن إلا نوع واحد من هذا الجنس، ينصرف إليه، وصار المسمى، فإن كان منه أنواع، إن كان أحدها أروج من الآخر، وغلب تعاملًا، ينصرف إليه، لأنه المتعارف، فينصرف المطلق إليه، وصار كالمسمى أيضًا (سواء اتفقت ماليتها أو اختلفت) . وإن اتفقت رواجًا، فإن اختلفت مالية، فسد البيع، ما لم يبين في المجلس ويرضى الآخر (١) وإذا استوت في المالية والرواج، كان الخيار للدافع ولا يؤبه لتعنت البائع".
٧ - الصورة السابعة:
تغيير السلطان قيمة النقد.
وقد أشار ابن عابدين إلى هذه الصورة بقوله: "ثم اعلم، أنه تعدد في زماننا، ورود الأمر السلطاني، بتغيير سعر بعض من النقود الرائجة، بالنقص، واختلف الإفتاء فيه" (٢) فمن الواضح إذن أن متأخري الأحناف قد عرفوا ما نسميه اليوم بتخفيض القيمة الرسمية للنقد، الذي يحصل بقرار من الحكومة، ويتابع ابن عابدين فيذكر أن الفتوى قد استقرت، في زمانه، على أمرين:
١- إذا كان العقد قد عين عملة بذاتها، فإن سداد الدين يكون بها رغم رخصها، ويبدو أنه بذلك يعتبر الانخفاض في قيمة النقد مصيبة أصابت صاحبها، كما يبتلى المرء بماله، رخصًا، أو هلاكًا، أو ضياعًا.
стр. 14920
٢- إذا لم يعين العقد نقدًا معينًا، فالخيار للمشتري في دفع أي نوع بالقيمة التي كانت وقت العقد.
ويعترض ابن عابدين على الجزء الثاني من الفتوى، ويقول: إنه يؤدي إلى الظلم، لأن المشتري سيختار "ما هو أكثر رخصًا وأضر للبائع" وهو يجزم في هذه الصورة، أنه لا يصح تخيير المشتري، وأنه يفتى بالصلح لأنه أحوط "كي لا يتناهى الضرر على البائع أو على المشتري" (١) .
ووقوع هذه الصورة في زمانه يفترض خلفية مهمة، وهي أن الناس تعارفوا على التعامل بعملة، لم يقصدوها إلا لبيان مقدار الثمن، وقصدوا أن يكون الدفع بغيرها، وهو بذلك يفترض استعمال نوع من الوحدة الحسابية، جرى العرف على أن لا ينفذ الدفع بها، يشرح ذلك ابن عابدين، فيقول: "وإنما الشبهة فيما تعارفه الناس من الشراء بالقروض ودفع غيرها بالقيمة، فليس هنا شيء معين، حتى نلزمه به، سواء غلا أو رخص ... [و] القروش في زماننا بيان لمقدار الثمن، لا لبيان نوعه، ولا جنسه.. " (٢) ويشرح ذلك بمثال، شخص باع سلعة بمائة قرش، رضي بها لأنها تعادل مقدارًا معلومًا من كل من العملات الرائجة، فكان الريال بمائة قرش مثلًا، ثم رخصت – بالنسبة للقروش - عملة معينة منها، أو رخصت كلها ولكن بنسب متفاوتة، بأمر من السلطان، فإن البائع يتضرر لو ترك الخيار للمشتري ليدفع بالعملة التي رخصت، أو بأكثر العملات رخصًا "فإن ألزمنا البائع بأخذ ما يساوي التسعين [أي الريال حسب سعره الجديد] بمائة [وهي السعر القديم للريال] ، فقد اختص به الضرر، وإن ألزمنا المشتري بدفعه [أي الريال الجديد] بتسعين، اختص به الضرر". لأنه سيدفع عندئذٍ ريالًا وتسع ريال سدادًا لدينه. "فينبغي وقوع الصلح على الأوسط، والله تعالى أعلم" (٣) .
أما إذا تساوت كل العملات في الإرخاص من قبل السلطان (ويبدو أن مثلها لو كانت هناك عملة واحدة فأرخصت) فإن ابن عابدين يقول: "لما قلنا إلا بلزوم العيار، الذي كان وقت العقد، كأن صار مثلًا ما كان قيمته مائة قرش من الريال، يساوي تسعين قرشًا" (٤) ويلاحظ هنا أن تخفيض أسعار جميع العملات الرائجة يجعل هذه الصورة مثل الصورة الثانية، فهي إذن مثل مسألة تغيير الموازين والمكاييل، يجب فيها ما تم التعاقد عليه، وهو العيار الذي كان وقت العقد، ويعتبر غير ذلك أكلًا لأموال الناس بالباطل.
стр. 14921
٨ - الصورة الثامنة:
رغبة الناس عن التعامل بالنقد، مع وجوده في الأسواق.
وهنا يعرض الناس عن النقد، دون أمر من السلطان ودون فقدانه من الأسواق ولا أجد سببًا لإعراضهم، إلا أن يصبح النقد رخيصًا جدًّا (١) ، أو يتعرض النقد لفقدان ثقة الناس بثباته، ولعدم اطمئنانهم لمستقبل قيمته، مع توقعهم لانخفاض كبير، غير معلوم المعيار، ولكنهم يقيسون على تجاربهم الماضية في التعامل بالنقد، وهي تجارب تنبئ بالتوقع المذكور، وهنا يحرص المتعاملون على التخلص منه بأكبر سرعة ممكنة، فهم يقبلونه بالتعامل، ولكنهم لا يرغبون بقاءه في أيديهم، أي أن النقد لم يفقد وظيفته كمعيار للقيم الحالية، ولكنه فقد وظيفة استيداعه للقيمة، فهو لا يصلح مخزنًا للقيمة، كل ذلك يجعل النقد قليل الأهمية في المعاملات الآجلة، فهو متروك في كل البلدان فيما يتعلق بوظيفته كمخزن للقيمة وكمعيار للمعاملات الآجلة، ومع ذلك، فإن لهذه العملة، المعزوف عنها، سعرًا في السوق، كل يوم، لأن الناس يتعاملون بها ويبادلونها بعملة أخرى، رائجة فيما بينهم، فهي موجودة في الأسواق، ولكنها مرغوب عنها، يسعى الناس إلى التخلص منها، كلما وقعت في أيديهم.
والمشكلة لا تنشأ عن إحجام الناس عن إجراء المعاملات الآجلة بهذه العملة المعزوف عنها (٢) ، ولكن المسألة موضع البحث هي كيفية معالجة التزامات سابقة تعاقد عليها الناس، يوم أن كانت تلك العملة رائجة، وقد تركها الناس الآن في المعاملات المهمة، وبخاصة الآجلة منها، أو ذات العلاقة بوظيفة النقد كمخزن للقيمة.
وإذا كان النقد سلعيًّا، فإنه يصعب تصور عزوف الناس عنه، إلا إذا كان الفارق كبيرًا بين قيمته كسلعة تباع في الأسواق وتشترى، وبين قيمته النقدية في الاصطلاح الرسمي الذي يفرضه السلطان، لأن رغبة الناس عن هذا النقد، تؤدي إلى هبوط قيمته الاصطلاحية إلى أن تصل هذه القيمة إلى مستوى قيمته السلعية، عندئذ لا معنى لأي هبوط في القيمة الاصطلاحية دون ذلك المستوى، لأن هذا سيخرجه من الأسواق كنقد إلى إذابته واستعماله سلعة، أو مادة أولية خام، وبالتالي، فإن النقود السلعية تضع حدًّا أدنى لهبوط القيمة – الذي تبقى معه العملة في التعامل - هو القيمة السلعية للنقد.
стр. 14922
ويمكن للمرء أن يتساءل، عما إذا كان من الممكن تصور نقود سلعية، تهبط فيها قيمتها الاصطلاحية، بغير أمر السلطان، ففي ظل نظام نقدي، توجد فيه عملات سلعية متعددة – ولتكن من الذهب والفضة والنحاس مثلًا - يمكن للعملة المكونة من سلعة رخيصة أن تهبط قيمتها الاصطلاحية، إذا كثر العرض منها، ولم يدعمها السلطان، بأن يفرض لها قوة إبرائية تعادل قيمتها الاصطلاحية، أو بقبول مبادلتها بالعملة المكونة من المعدن الثمين، حسب سعر الصرف الاصطلاحي، أو الرسمي، الذي يفرضه السلطان نفسه، فإذا حصل هبوط في القيمة الاصطلاحية لنقد سلعي، مكون من معدن رخيص، في ظل الظروف المذكورة، فإن رغبة الناس عن التعامل بها، سيؤدي إلى انعدامها من الأسواق، إلى أن يصل سعرها الاصطلاحي إلى ما يعادل سعرها النقدي وعندئذ ستعود إلى الرواج بالسعر الجديد ولعل هذا هو ما يفسر قول بعض الفقهاء باحتمال عودتها إلى الرواج (١) .
٩ - الصورة التاسعة:
ترك الناس التعامل بالعملة، مع عدم وجودها في الأسواق.
وهذه الصورة هي أشبه بحالة منع السلطان التعامل بالعملة، ولكنها تحصل لعزوف الناس عن العملة، بسبب ضعفها، أو بسبب توقع رخصها في المستقبل، وبخاصة إذا كان مع الرخص عدم اطمئنان إلى مقدار الرخص المتوقع (٢) . والعملة التي يتركها الناس، تنعدم من الأسواق، وقد تبقى عند الصيارفة وفي البيوت وفي بلدان أخرى، ووجودها في البلدان الأخرى يبقي لها على سعر نقدي، إذ يمكن بواسطتها شراء سلع وخدمات من بلدان رواجها.
أما إذا انعدمت من جميع البلدان، وبقيت عند الصيارفة وفي البيوت، فإن سعرها كنقد ينعدم أيضًا، فيتكون لها سعر سلعي يرتبط بعوامل عديدة، منها الندرة، والقيمة الأثرية التاريخية، ومقدار ما فيها من معدن، وسعره في السوق.. إلخ. وهذه الصورة تمثل حالة الكساد النموذجية كما وصفها ابن عابدين. وتستدعي المعالجة الفقهية المعروفة، كما هي مفصلة في بطلان العقد على قول الإمام، أو استحقاق قيمة النقد الكاسد عند كساده، أو عند العقد أو القبض، على قولي الصاحبين.
стр. 14923
القسم الثاني
النقود المعاصرة والتضخم
استعرضنا في القسم الأول صور الكساد والانقطاع، وبعض أقوال الفقهاء، في الوفاء بالالتزامات، التي ترتبت في الذمة بالنقد القديم، قبل كساده، أو انقطاعه. وقبل البدء بعرض ما يتحقق في النقود المعاصرة، من هذه الصور، أو من صور أخرى، قريبة منها، في القسم الثالث من البحث، لا بد لنا من مقدمات في تعريف النقود المعاصرة، وفي التضخم وقياسه، وما يلحق به من مسائل، وذلك حتى تتضح الخلفية، التي تتأسس عليها صور الكساد، والانقطاع، والرخص، والغلاء، التي تطرأ على النقود المعاصرة. لذلك سيتكون القسم الثاني هذا من خمس نقاط هي:
١- ماهية النقود المعاصرة.
٢- التضخم ومقياسه.
٣- أنواع التضخم وأسبابه.
٤- السلطة النقدية والنظم النقدية.
٥- تعامل الناس والحكومات مع التضخم.
أولًا: ماهية النقود المعاصرة.
بدأت النقود المعاصرة بوثائق، أو شهادات، تثبت إيداع القطع الذهبية، والفضية، لدى الصرافين، فصارت هذه الشهادات تتداول بين الناس، كوسيلة دفع، وقد يحتفظ بها الواحد منهم، لحين الحاجة إلى الدفع، فتكون في تلك الفترة مستودعًا للقيمة، ثم بدأت الحكومات تصدر شهادات أو أوراق مماثلة، تتعهد فيها بتسليم مقدار محدد من الذهب أو الفضة مقابل الشهادة عند إبرازها، ثم أصدرت أوراقًا ذات قوة إبرائية في الدفوع، ألزمت الناس باستعمالها في تعاملهم، مع الإبقاء على الالتزام، باستبدال الورقة بالمقدار المحدد عليها، من المعدن الثمين، ثم ألغت ذلك التعهد، فكانت لدينا النقود الورقية الإلزامية دون المقابل، وهي ما نراه شائعًا اليوم في جميع البلدان.
وقد رافق هذا التطور، نمو في الودائع الجارية لدى البنوك، ونمو مماثل في الودائع ذات الأجل، والودائع بالعملات الأجنبية، والودائع ذات القيود على السحب (وهي قيود من أشكال متعددة) ، وصار الدفع في كثير من المعاملات يتم بتحويل حسابي، من حساب إلى آخر، في سجلات المصارف، وصارت البنوك تقرض الناس فائض السيولة لديها، ثم تعود المبالغ المقرضة إلى المصارف من قبل من تصل إلى أيديهم على شكل ودائع جديدة في الحسابات الجارية الدائنة، وذلك دون زيادة في كمية النقود الورقية نفسها، وهكذا تتزايد الحسابات الجارية الدائنة من عدم، بسبب الإقراض المصرفي (عملية إيجاد أو خلق النقود) ، كل ذلك جعل الودائع الجارية تؤدي نفس الوظائف التي تقوم بها النقود الورقية، فاعتبرت الودائع الجارية نقودًا أيضًا، وهي بنوعيها –الناشئ عن عملية إيداع من المتعامل مع البنك والناشئ عن إقراض من البنك- ليست أكثر من قيود في سجلات المصارف، وتعتبر اليوم الجزء الأكبر من الكتلة النقدية في المجتمع، وبما أن الودائع الأخرى، سواء كانت آجلة، أو ذات حق مقيد في السحب، أو بعملات أجنبية، تقوم ببعض وظائف النقود، فقد صارت تسمى "شبه النقود" (١) .
стр. 14924
ثم بدأت بطاقات الائتمان، فصار الناس يدفعون بواسطتها، بحيث توجد وسيلة الدفع – من عدم - عند لحظة تقديم البطاقة الائتمانية، والتوقيع على صك الأمر بالدفع بواسطتها، أي أن ما يسمى بعملية إيجاد النقود (وكثيرًا ما يستعمل تعبير خلق النقود) صار يقوم بها المشتري، عند استعماله لبطاقة الائتمان في سداد ثمن مشترياته. فظهر بذلك نوع جديد من النقود، يوجد عند التوقيع على صك الأمر بالدفع ثم يتحول إلى قيد في سجلات المصارف، شأنه شأن قيود الودائع الجارية.
ويمكننا أن نتخيل مستقبلًا تنعدم فيه الأوراق النقدية تمامًا، وتوجد فيه مصارف، تقوم بوظيفتين: حفظ الحسابات، وإصدار الائتمان، أو ما يسمى بخلق النقود، ولدى هذه المصارف أجهزة كمبيوتر، تقوم بإجراء القيود في الحسابات الجارية للناس، وتوجد أيضًا بطاقات إلكترونية تصدر باستعماله الأوامر، لأجهزة الكمبيوتر، بإجراء هذه القيود الحسابية، وهي أوامر من نوعين، تحويلي بين الحسابات، لا يولد نقودًا، وإيداعي يوجد وسيلة الدفع من عدم (١) عندئذ يكون النقد كله إلكترونيًّا، موجودًا فقط في ضمائر الكمبيوترات، فتصبح النقود وحدات حسابية فقط، ليس لها أي وجود مادي، ولا توجد في واقع الحياة خارج ديسكات وذاكرات الكمبيوترات.
وتقوم هذه النقود المعنوية، بجميع الوظائف المعروفة للنقود، حيث تكون مقياسًا للقيمة، ووسيلة للدفع في المبادلات، ومستودعًا للقيمة، ومعيارًا للدفوع الآجلة، تمامًا كما يقوم بها النقد الورقي، والنقود المعدنية قبله.
وبما أن للنقود أهمية كبيرة في الحياة الاقتصادية، فقد حرصت الحكومات على احتكار إدارتها، ومراقبة المصارف، وتوجيه نشاطاتها النقدية بشكل دقيقة وصارم.
ولدى معظم البلدان نقد وطني خاص بها، لا يمنح القانون لغيره القوة الإبرائية التي تمنح له، وتوجد بين الدول أنظمة معقدة للصرف، فمن الدول من يضع سعرًا رسميًا لنقدها بالعملات الأجنبية، ومنها من يترك سعر نقده الوطني بالعمات الأجنبية عائمًا، تحدده عوامل السوق، ومنها ما هو بين بين، كما أن بعض الدول تسمح بالتعامل غير المقيد بالعملات الأجنبية، فتنشأ لدى هذه الدول سوق محلية للصرف، ومنها من يضع قيودًا على ذلك من أنواع متفاوتة.
стр. 14925
ثانيًا: التضخم ومقياسه:
يعرف التضخم بأنه ارتفاع في المستوى العام للأسعار، ومعنى ذلك أننا لو تصورنا أن المجتمع، أو البلد، كله ينتج سلعة واحدة فإن معنى التضخم، هو ارتفاع سعر هذه السلعة، دون أي تحسن – مقابل زيادة السعر - في كمية أو نوعية السلعة، فمعنى التضخم إذن، أن وحدة النقود نفسها لم تعد تقوى على شراء ما كانت تستطيع شراءه قبل التضخم، فهو إذن انخفاض في القوة الشرائية للنقود.
وبما أن المجتمع ينتج كثيرًا من السلع والخدمات، وليس سلعة واحدة فريدة، فإنه لا بد من تعريف معنى كلمة "المستوى العام للأسعار". لذلك نقول: لو أمكن حصر جميع السلع والخدمات، التي يتم تداولها، في المجتمع كله، ومعرفة الكميات التي تباع من كل منها، والأسعار التي تباع بها، ثم حسبنا مجموع أثمان كل الكميات المتداولة، من جميع السلع والخدمات، وقسمنا مجموع الأثمان على مجموع الكميات المباعة، فالرقم الذي نحصل عليه هو المستوى العام للأسعار، وإذا كررنا هذه العملية كل سنة مثلًا، ثم قسمنا مستوى أسعار سنة ما على التي سبقتها، لعرفنا نسبة التغير السنوي، فلو كان المستوى العام لأسعار سنة ١٩٨٥ مثلًا، سبعين، ومستوى أسعار سنة ١٩٨٦ أربعًا وثمانين، فإن نسبة التضخم، من عام ١٩٨٥ إلى عام ١٩٨٦م، هي (٨٤-٧٠/٧٠) = ٠.٢٠ أو ٢٠ %.
ومن الواضح، أن صعوبة هذه العملية في أي مجتمع يقوم على اقتصاد السوق، بالغة جدًّا، إذ لا يمكن حصر جميع السلع والخدمات، التي تباع في الاقتصاد كله، خلال العام كله، كما أن السلعة الواحدة قد تباع مرات عدة، حتى تصل إلى يد مستهلكها، أو مشتريها الأخير، لذلك لم يكن بد من الاعتماد على أسلوب العينات Sampling، ثم التمييز بين مجموعات من السلع والخدمات، كل ذلك من أجل إيجاد أسلوب حسابي عملي للتعبير عن فكرة المستوى العام للأسعار، بشكل مقبول ومفيد. فنجمع عينة من عدد من السلع والخدمات الاستهلاكية، ونطلق على الرقم الذي نصل إليه اسم مقياس الأسعار الاستهلاكية، ونجمع عينة من أسعار الأسهم، ونطلق عليه اسم: مقياس أسعار الأسهم، ونجمع عينة من أسعار السلع والخدمات الوسيطة، التي يشتريها الصناع والتجار، لا المستهلكون، ونطلق على ما نصل إليه اسم "مقياس الأسعار الصناعية". ومثل ذلك لما يسمى "مقياس أسعار الجملة للسلع الاستهلاكية" (١) وغيره.
وبما أنه لا يمكن حصر جميع السلع، والخدمات، في أي من هذه الزمر أيضًا، لأسباب عديدة – معروفة لدى أهل الاختصاص - فإنه لا بد من اختيار عدد معين من السلع والخدمات في كل زمرة، وتحديد موقع جغرافي، وفترة زمنية للأسعار والكميات. فنختار مثلًا مائتي صنف، مما نعتقد أنه يشمل أهم ما يشتريه المستهلكون، من سلع وخدمات، في مدينة فاس في شهر يناير، من عام ١٩٩٥م، ونرسل الباحثين في المدينة ليسجلوا الكميات والأسعار خلال ذلك الشهر، وبتكرار ذلك، كل شهر يناير نحصل على مقياس الأسعار الاستهلاكية لمدينة فاس محسوبًا في يناير من كل عام، (مع ملاحظة تطوير المائتي صنف بإدخال الجديد، وإلغاء القديم) وكثيرًا ما يؤخذ طريق السهولة في تسجيل الأسعار، فتجرى دراسات تحدد وزن كل صنف في مجموع ما يشتريه المستهلك في المدينة، وتؤخذ أسعار يوم واحد من الشهر، أو متوسط السعر لكل صنف خلال أيام الشهر كلها، ثم تضرب هذه الأسعار بالأوزان المحددة لكل صنف، لنصل إلى رقم هو "مقياس الأسعار الاستهلاكية" (٢)
ونطلق على السنة التي نعتبرها سنة أولى في حسابات المقياس اسم سنة الأساس، ونعتبر رقمها مائة، ثم تنسب إليها السنوات الأخرى. فنصل مثلًا إلى قائمة تشبه التالية:
стр. 14926
مقياس الأسعار الاستهلاكية لمدينة معينة محسوبة
في يناير من كل عام (سنة الأساس ١٩٨٥م)
(الأرقام جميعًا افتراضية)
السنة مقياس الأسعار الاستهلاكية نسبة التضخم بالنسبة لسنة الأساس نسبة التضخم من سنة إلى أخرى
١٩٨٥ ١٠٠ - -
١٩٨٦ ١٠٨ ٨ % ٨ %
١٩٨٧ ١١٧ ١٧ % ٨ %
١٩٨٨ ١٢٢ ٢٢ % ٣ %
١٩٨٩ ١٣٢ ٣٢ % ٨ %
١٩٩٠ ١٤٤ ٤٤ % ٩ %
١٩٩١ ١٥٩ ٥٩ % ١٠ %
١٩٩٢ ١٧٥ ٧٥ % ١٠ %
١٩٩٣ ١٨٩ ٨٩ % ٦ %
١٩٩٤ ٢٠٥ ١٠٥ % ٨ %
ولنلاحظ من هذه الأرقام الافتراضية، أنه على الرغم من أن معدل التضخم السنوي لم يتجاوز ١٠ % في أية سنة، فإن معدل التضخم في الأسعار الاستهلاكية قد بلغ ١٠٥ % خلال تسع سنوات، بمعنى أن قيمة وحدة النقود قد انخفضت إلى أقل من نصف قيمتها، أي أن القوة الشرائية للنقود هبطت إلى ما دون النصف.
ولنأخذ الآن أرقامًا واقعية لإحدى البلدان الإسلامية، تركيا.
стр. 14927
السنة مقياس الأسعار الاستهلاكية لكل مناطق المدن معًا نسبة التضخم بالنسبة لسنة الأساس نسبة التضخم من سنة إلى أخرى
١٩٨٧ ١٠٠ - -
١٩٨٨ ١٧٣.٧ ٧٣.٧ % ٧٣.٧ %
١٩٨٩ ٢٨٣.٦ ١٨٣.٦ % ٦٣ %
١٩٩٠ ٤٥٤.٦ ٣٥٤.٦ % ٦٠ %
١٩٩١ ٧٥٤.٤ ٦٥٤.٤ % ٦٦ %
١٩٩٢ ١٢٨٣.١ ١١٨٣.١ % ٧٠ %
١٩٩٣ ٢١٣١.٢ ٢٠٣١.٢ % ٦٦ %
المصدر: كتاب المؤشرات الاقتصادية الرئيسية، هيئة تخطيط الدولة، في رئاسة الوزراء تركيا – شهر أغسطس ١٩٩٤م.
وهنا نلاحظ أيضًا، أن معلد التضخم كان يترواح سنويًّا بين ٦٣ % و٧٣ %، في حين أن معدل التضخم بالنسبة لسنة الأساس، وهو ما نسميه بالمعدل التراكمي، قد بلغ ٢٠٣١ % مما يعني أن قيمة الوحدة من النقود هبطت خلال ست سنوات إلى أقل من ٥ % مما كانت عليه عام ١٩٨٧م.
وأخيرًا، فإنه لا بد من ذكر ملحوظة على غاية من الأهمية، بالنسبة لفهم التضخم. وهي أن التضخم لا يعني ارتفاع سعر كل سلعة. فإذا قلنا إن مقياس أسعار سلع الاستهلاك قد ارتفع بنسبة ٢٠ %، فإن ذلك ينبغي أن يفهم على أنه معيار وسطي مرجح weighted Average، وقد ترتفع أسعار بعض السلع بنسبة ٤٠ %، وقد لا يرتفع بعضها، وقد يرتفع بعضها الآخر بنسبة ٥ %، كما قد ينخفض فعلًا بعض الأسعار.
стр. 14928
وإن أهم أضرار التضخم، يأتي من هذا التفاوت في نسبة ارتفاع أسعار السلع والخدمات المتعددة، سواء ضمن الأصناف المعتبرة في حساب المقياس، أو خارجها. وكثيرًا ما يشاهد، في فترات التضخم أن الأجور لا تزيد إلا أقل من معدل التضخم، في حين أن أسعار الأراضي والعقارات، قد تزيد أضعاف معدل التضخم، ويلاحظ أيضًا أن أسعار المواد الغذائية قد تزيد بأكثر، بقليل من زيادة المعدل العام للأسعار، وأن أسعار بعض الخدمات العامة، كالكهرباء المائية مثلًا، قد تزيد بأقل من زيادة المعدل العام للأسعار. وهذا التفاوت في زيادات الأسعار الفردية للسلع المختلفة، هو الذي يؤدي إلى الظلم، أو عدم العدالة.
ويلاحظ أيضًا أن جميع الديون النقدية، وجميع القيم الأخرى التي يعبر عنها بعدد محدد من الوحدات النقدية، تنقص قيمتها الحقيقية بسبب نقص القوة الشرائية للنقود، ولكن هذا النقص نفسه يتأثر به الأشخاص بحسب تركيب مشترياتهم من السلع والخدمات، فلو كانت معظم مشتريات، شخص ما هي من السلع، التي لم ترتفع أسعارها إلا قليلًا، فإن تأثر ذلك الشخص بالتضخم أقل من آخر، معظم مشترياته يتألف من سلع زادت أسعارها أكثر من معدل التضخم.
ثالثًا: أنواع التضخم وأسبابه:
لن يكون بالإمكان دراسة كل أسباب التضخم، وبخاصة في عجالة سريعة، فهي تتعلق بمسائل اقتصادية معقدة جدًّا، وهي متداخلة مع بعضها، فكثيرًا ما يصعب عزو التضخم إلى سبب واحد منها دون غيره، ولكن المصطلحات والتعابير التالية تفيد معرفتها.
أ- التضخم بسبب ارتفاع التكاليف: وهو ينشأ بسبب ارتفاع تكاليف الإنتاج، وبخاصة الأجور، حيث تتمكن نقابات العمال من فرض زيادات في الأجور، لا تبررها الزيادة في مستوى الإنتاجية. وقد ينشأ أيضًا عن زيادة قيمة بعض المواد الأولية، وبخاصة المستوردة، كالبترول مثلًا.
стр. 14929
ب- التضخم بسبب زيادة الطلب: وهو ينشأ عن زيادة الطلب على الإنتاج المحلي، مع عدم وجود طاقة إنتاجية تمكن من زيادة الإنتاج بالسرعة المناسبة، وقد ينشأ هذا عند زيادة الاستثمار، أو ارتفاع معدلات الاستهلاك الخاص، أو زيادة الطلب الخارجي، أو زيادة الاستثمارات الأجنبية في الاقتصاد المحلي، أو زيادة الاستهلاك العام (الحكومي) ، وبخاصة العسكري وغير ذلك من الأسباب.
ج- التضخم بسبب التمويل بالعجز: وهو ينشأ عن طبع الأوراق النقدية من قبل السلطة الحكومية، واستعمالها في الاستهلاك العام للسلع والخدمات، أو في سداد الدين العام. ويتزايد تأثير كمية النقود الورقية التي تضخها الدولة في التضخم بسبب قدرة البنوك، على استعمالها كاحتياطي، تزيد بالاستناد إليه، الحسابات الجارية الدائنة، أي عملية إصدار الائتمان المصرفي، مما يعني تصارعًا في زيادة كمية النقود في المجتمع.
د- التضخم بسبب فائض التصدير: قد يرتفع المعدل العام للأسعار بسبب وجود فائض تصدير كبير، يزيد عما يستوعبه الاقتصاد المحلي، فتشكل قيمة الفائض إيداعات نقدية لدى المصارف. ويزداد، استنادًا إليها، إصدار الائتمان من قبل المصارف.
هـ- التضخم المستورد: ويحصل في البلدان التي تعتمد كثيرًا على الاستيراد، بحيث تكون نسبة الاستيراد إلى مجموع الدخل القومي عالية فيها، ويقع كثير من البلدان الإسلامية في هذه الزمرة.
فإذا حصلت زيادات في أسعار السلع المستوردة (في بلدانها الأصلية) فإن هذه الزيادات تنعكس بشكل ارتفاع في الأسعار داخل البلد، مما يدفع المعدل العام للأسعار إلى الارتفاع.
ومن جهة أخرى يتحدث الاقتصاديون عن تصنيف التضخم إلى نوعين، من وجهة نظر معدله، وسرعة ازدياد الأسعار، وإلى نوعين آخرين، من وجهة نظر توقعات الناس لمستقبل الأسعار.
فمن حيث معدل التضخم وسرعته، يمكن التفريق بين التضخم البطيء أو الزاحف Creeping Inflation والتضخم العالي أو الحلزوني Hiper Or Spiraling Inflation. فالتضخم البطيء هو الذي لا تزيد نسبته عن بضعة نقاط مئوية. فإذا كان معدل التضخم بين الصفر و ٣ % أو ٤ % مثلًا، فهو من النوع البطيء، هذا وعلى الرغم من الاتفاق على أن التضخم كله ضار مهما كان معدله ضئيلًا، إلا أن بعض الاقتصاديين يتساهلون مع حالات التضخم البطيء، بل إن منهم من يرى فيه شيئًا مفيدًا؛ لأنه يوهم رجال الأعمال بارتفاع أسعار بضائعهم، مما يجعلهم يقبلون على زيادة إنتاجهم، ولعل لهذه الإيهام النقدي Money Illusion ما يبرره؛ لأننا قلنا: إن التضخم لا يصيب جميع الناس بالتساوي، ولا شك أن مالكي البضائع، والمصانع، وغيرها من العروض، هم أقل الناس تضررًا منه؛ لأن معنى التضخم زيادة أسعار ما يملكون، ولكن التضخم سيؤثر –في واقع الأمر- على تكلفة الإنتاج، وسيدركون بعد حين أن الزيادة في الأرباح ليست ناشئة إلا عن ذلك السراب، أو الوهم النقدي.
стр. 14930
أما التضخم العالي، ويسمى بالحلزوني لتزايد سرعته، بحيث تكون كل حلقة فيه أكبر بكثير من سابقتها، فهو الذي ترتفع فيه النسبة السنوية زيادة الأسعار، كما لاحظنا ذلك في مثال تركيا، ويحذر الاقتصاديون من كل تضخم تبلغ نسبته الرقم الثنائي، أي العشرة بالمائة فما فوق، ويؤكدون أضراره الكثيرة على الإنتاج، والتوزيع والتصدير، والتنمية. كما يخافون أيضًا من التضخم الذي يقل عن العشرة بالمائة إذا أصبح مزمنًا ومستمرًّا، فتضخم بنسبة ٧.٢ % سنويًّا يعني مضاعفة المعدل العام للأسعار، أو نقص القوة الشرائية للنقود إلى النصف، خلال عشر سنوات، وهو أمر لا يمكن اعتباره يسيرًا، أو متحملًا.
وفي نفس الوقت نجد بلدانًا كثيرة تتعايش مع تضخم عال أو حلزوني، قد تصل نسبته إلى أكثر من ١٠٠ % سنويًّا في بعضها، وسنعرض لكيفية التعامل مع هذا النوع من التضخم، في بعض البلدان، في الفقرة التالية، من هذا القسم.
ومن حيث توقعات الناس حول التضخم، يميز الاقتصاديون، في أبحاثهم بين التضخم المتوقع، والتضخم غير المتوقع، ومن الواضح أن التضخم المتوقع هو ما يعتقد الناس أنه سيحصل في المستقبل، وبالتالي، فإنهم يبنون تصرفاتهم المستقبلية على أساس من هذه التوقعات، ولا شك أن هذه التوقعات، قد تتحقق بنسبة كبيرة، كما أنها قد تفشل في التحقق، في عالم الواقع، ومن البدهي أنه لا يوجد –في هذا المجال- توقع صادق تمامًا، يقع كفلق الصبح.
رابعًا- السلطة النقدية والنظم النقدية:
إذا أنعمنا النظر في النقود المعاصرة، وكيفية إصدارها، وأسباب ارتفاع، وهبوط قيمتها، تكشف لنا مجموعة مسائل جدير بالملاحظة والتأمل.
١- فالنقود المعاصرة، قليلة الكلفة، من حيث إنتاجها، ونقلها، وتخزينها، فإنتاج المقادير الكبيرة من النقود الورقية، لا يكلف أكثر من طباعة أرقام، وصور على قطع صغيرة من الأوراق، أما الحسابات الدائنة لدى المصارف، فإنها أيضًا قليلة التكاليف جدًّا، وكذا إصدار النقود من قبل المستهلكين، أو حاملي بطاقات الائتمان، وكذلك فإن كلفة نقل وتخزين النقود المعاصرة قليلة جدًّا، وبخاصة خلال التحويلات الإلكترونية، كل ذلك يجعل افتراض أنها تكاد تكون معدومة الكلفة افتراضًا معقولًا، ومقبولًا من الناحية التحليلية، وهذا يختلف اختلافًا كثيرًا جدًّا عن النقود المعدنية التي هي مكلفة في كل من إنتاجها، ونقلها، وتخزينها.
стр. 14931
٢- إن سهولة إصدار النقود المعاصرة، والدور الكبير للمصارف في ذلك جعل الحكومات ترغب بلعب دور كبير فيما يتعلق بالنقود، إصدار، وإدارة، ورقابة، وتنظيمًا. فالحكومات التي كان دورها في الماضي ينحصر بتقديم الخدمات العامة، الإدارية والأمنية، وكانت تراقب دار السكة فقط، صارت تصدر النقود الورقية، وتغير قيمتها، وتزيد في كمياتها أو تنقص، وتراقب الإصدار المصرفي للنقود، وتفرض القيود والقواعد، مما يقيد قدرة المصارف في الزيادة والإنقاص من كمية النقود، ونشأت عن ذلك إجراءات وسياسات طويلة، عريضة، هي ما نسمه بالسياسات النقدية، وهي عبارة عن إجراءات وأعمال تستند كلها إلى السلطة على كمية النقود، واستعمالاتها، بحيث صارت الدولة تملك القدرة عن طريق الفعل، أو الامتناع عن الفعل، على التأثير على كمية النقود في المجتمع، وعلى الكثير من مناحي استعمالاتها.
٣- نلاحظ من النظر في أنواع التضخم، وأسبابه، أن بعض هذه الأسباب ترجع إلى أوضاع وأحوال اقتصادية من نوع عناصر العرض والطلب، وهذه قد تؤدي إلى ارتفاع قيمة العملة داخل البلد (أي قوتها الشرائية) ، عند زيادة الطلب عليها أكثر من عرضها، أو إلى انخفاض قوتها الشرائية (أي التضخم) ، عند زيادة عرضها، وهذه القوى الاقتصادية الحقيقية تتمثل في الزيادة والنقص في الطلب على السلع والخدمات من قبل القطاعين الخاص والعام، أو الزيادة والنقص في عرض السلع والخدمات. وهذا النوع من الأسباب هو ما يتضح في الفقرات: أ، وب، وهـ (وهو في هـ زيادة أسعار سلع خارجية وليس زيادة طلب) .
ومن جهة أخرى، فإن التضخم الناشئ عن إصدار النقود من قبل الحكومة، ومن قبل القطاع المصرفي، وهو ما ذكرته الفقرتان: ج، ود من أنواع التضخم، يرتبط بالسلطة، بشكل من الأشكال، وليس بالعوامل السوقية المعروفة، فهو ينشأ عن ممارسة الدولة لسلطتها في إصدار النقود، بشكل يزيد عن الحاجة، من أجل تمويل عجز الميزانية، أو ممارسة البنوك لسلطة إصدار النقود، بسبب طبيعة النظام المصرفي، الذي يمنح البنوك مثل هذه السلطة، مع عدم منع الدولة للمصارف من فعل ذلك.
ونلاحظ أخيرًا، أن ارتفاع وانخفاض قيمة النقد الناشئين عن عوامل السوق، هما من نوع الرخص والغلاء في قيمة الذهب والفضة اللذين كانا يحصلان في ظل النقود السلعية. فكان سعر المعدن الثمين يرتفع، أو ينخفض، بسبب تغيرات في تكلفة إنتاجه، ونقله، أو بسبب تغيرات في الطلب على النقود، وفي عرضها، وهذه بدورها تعكس تغيرات في عرض السلع والخدمات، والطلب عليها، وسائر التغيرات في الظروف المحيطة بذلك، مما يزيد، أو ينقص الرغبة في الاحتفاظ بالنقود (أو بالقيمة) إلى المستقبل، كالحروب، وتوقعات التغيرات في السياسية والاقتصادية، وغير ذلك.
стр. 14932
أما الأسباب السلطوية، وهي الناشئة عن ممارسة السلطة، بفعل شيء، أو بعدم فعل شيء، فلم يكن لها وجود في ظل النقود القائم على المعادن الثمينة، فهي أسباب ترجع إلى طبيعة النظام النقدي الجديد، وتتعلق بخصائص النقود المعاصرة، وهذا أمر لم يكن موجودًا في الماضي، ويختلف اختلافًا جوهريًّا عن الرخص والغلاء في الذهب والفضة. مما يجعله يحتاج إلى نظر فقهي جديد، وحكم شرعي جديد، قد يختلف، أو لا يختلف، عن حكم الرخص والغلاء، الذي نجده في تراثنا الفقهي. (١)
٤- بعد الانتهاء من التزام الدولة بمقدار معين من الذهب، لقاء وحدة النقود التي تصدرها، ظهر في العالم نظامان رئيسيان، لتحديد علاقة النقد الوطني بالنقود الأخرى، نظام يقوم على حرية التحويل بين النقد الوطني والنقود الأجنبية، مع تدخل الدولة بشكل مباشر، أو غير مباشر، للاتجاه نحو سعر للصرف، تراه مناسبًا، ونظام يقوم على فرض سعر صرف رسمي، وعدم السماح بحرية التحويل، حيث تقوم السلطات النقدية بإدارة العلاقات النقدية الخارجية مباشرة.
ونجد أشكالًا متعددة من المواقف الحكومية في ظل كل من النظامين. ففي ظل حرية التحويل، قد تضع الحكومة سعرًا رسميًّا للصرف، بواحدة، أو أكثر من العملات الأجنبية، ثم تعمد إلى دعم هذا السعر، الذي قد تغيره من زمن لآخر، من خلال بيع وشراء العملة الأجنبية التي ربط بها النقد الوطني، وقد لا تضع الحكومة سعرًا رسميًّا على الإطلاق، فتترك لعوامل السوق وحدها تحديد السعر، وتعمد كثير من الحكومات أيضًا إلى وضع حدين، أعلى وأدنى، لأسعار الصرف وتسعى إلى المحافظة على هذه الأسعار، ضمن هذين الحدين، من خلال سياستها النقدية الخارجية.
أما عوامل السوق، التي تؤثر في تحديد سعر صرف نقد ما بآخر، فهي الاستيراد والتصدير لسلع، والخدمات، ورؤوس الأموال، إضافة إلى مدى استعمال النقد الوطني كعملة احتياطيات نقدية عالمية، كما هو الشأن بالنسبة للدولار الأمريكي.
стр. 14933
خامسًا: تعامل الناس والحكومات مع التضخم البطيء والعالي:
وهنا أيضًا يصعب التعميم، ولا يتسع المجال للتفصيل؛ لأن سياسات التعامل مع التضخم تختلف اختلافًا كبيرًا جدًّا، حسب أسبابه، والظروف الاقتصادية، الداخلية والخارجية، والأوضاع السياسية، والاجتماعية، والأمنية، والأوضاع النقدية، وغير ذلك من عوامل تؤثر على كل بلد.
أما بالنسبة للتضخم البطيء، فإن الحكومات تتعامل معه، من خلال السياسات الاقتصادية عامة، والمالية والنقدية خاصة، حتى تزيل أسباب التضخم، أو تحدث تغييرات اقتصادية تقابلها. فمثلًا، قد تضغط على نقابات العمال للتخفيف من مطالبها بزيادات الأجور، أو قد ترفع الحد الإلزامي للاحتياطات، والحد الأدنى للسيولة لدى البنوك، أو تخفف، أو تمنع الحكومة من التمويل بالعجز (طبع أوراق نقدية) ، أو تضع القيود على الاستيراد، أو على التصدير، أو على صناعة البناء، أو ترفع معدلات الفائدة، أو تحد من المضاربات في الأسواق المالية، أو تزيد الضرائب، أو تسحب كميات من النقود من السوق ببيع سندات خزينة، أو تقيد استعمال الأرصدة المصرفية بالعملات الأجنبية، أو غير ذلك من لائحة طويلة من السياسات، والأغلب من مجموعة من الإجراءات المتعددة الاتجاهات.
أما تعامل الناس مع التضخم البطيء، فقلما يكون واضحًا إلا من خلال ردود فعلهم لملاحظة تدهور القوة الشرائية في أيديهم، وتتسم ردود الفعل هذه –في العادة- بسمة التأخر الزمني. فنرى العمال يطالبون بزيادة الأجور، وأصحاب البضائع يرفعون أسعار بضائعهم، وبائعي خدماتهم المباشرة يزيدون أسعار هذه الخدمات وغير ذلك من ردود الأفعال.
فإذا كان التضخم البطيء متوقعًا، فإن الناس – بدافع من الرشد الاقتصادي، وهو فرضية لا تتسم بالواقعية الكاملة- يضعون برامجهم المستقبلية حسبما يتوقعون. فنجد نسبة الربح ترتفع مثلًا في المرابحات الآجلة، كلما طال زمن استحقاق الدين، ونجد الناس يزيدون من مقدار الالتزامات الآجلة، كلما طال زمن استحقاق الدين، ونجد الناس يزيدون من مقدار الالتزامات الآجلة كالمهور ونحوها، ويرفعون الأجور في عقود الإجارة، وبخاصة الطويلة الأجل منها، وغير ذلك.
стр. 14934
وأما بالنسبة للتضخم العالي، فإن جميع الإجراءات السابقة يلجأ إليها أيضًا إضافة إلى أربعة أنواع محددة من الممارسات هي:
١ - الربط بمستوى الأسعار Indexation: ويعني أن تتزايد الالتزامات الآجلة بصورة آنية مع ارتفاع المستوى العام للأسعار، ويمكن أن يكون الربط شرطًا من شروط العقد، فيحدد أجر العامل مثلًا بمقدار معين مضروبًا بمقياس مستوى الأسعار الذي يتم اختياره بالاتفاق، وليكن مقياس أسعار السلع والخدمات الاستهلاكية، وذلك بصورة دورية كل شهر مثلًا. وتحدد الودائع المصرفية، وغيرها من الديون الآجلة بشرط مماثل في العقد.
كما يمكن أن يكون الربط الآني هذا سياسة عامة تفرضها الدولة. علمًا بأنه لم تلجأ دولة ما في العالم إلى الربط الكامل، لكل ما هو آجل، من عقود والتزامات، وإن لجأت كثير من الدول إلى نوع من أنواع الربط، كربط الأجور مثلًا، أو ربط شرائح الضريبة التصاعدية، وقد وصل هذا الربط في بعض الدول إلى معظم – وليس كل- أنواع المعاملات.
٢ - رفع قيم الالتزامات والعقود الآجلة، بقرار حكومي، بصورة دورية، أو غير دورية، وهنا تعمد الدولة إلى زيادة الأجور، ورفع سعر الفائدة على الودائع، والقروض المصرفية، والفائدة التي تفرضها المحاكم على المداينات وغير ذلك كل ثلاثة شهور، أو كل ستة شهور مثلًا، ولا تلتزم الدولة عادة بأن تكون الزيادة معادلة لمعدل التضخم. فكثيرًا ما نجد أن سعر الفائدة على الودائع المصرفية يصبح سالبًا إذا طرحنا منه معدل التضخم، وكثيرًا ما نجد القوة الشرائية لأجور العمال مثلًا تتناقص فعلًا على الرغم من الزيادات الدورية التي فرضتها الدولة؛ لأن نسبة الزيادة المفروضة تقل عن معدل التضخم، وقد تقصد الدولة من وراء ذلك تحقيق أهداف اقتصادية، واجتماعية، وسياسية معينة.
٣ - التعامل بعملة أجنبية: حيث يعمد الأفراد، وأحيانًا الحكومة نفسها، إلى استعمال عملة أجنبية أكثر استقرارًا، في معاملاتهم وعقودهم، وهذا لا يخلص المعاملات الآجلة من كل التضخم؛ لأنه يبقي على التضخم الذي يقع في بلد تلك العملة نفسها، هذا من جهة، ومن جهة أخرى، فإنه يدخل أيضًا التغيرات الناشئة عن مضاربات الأسواق العالمية للعملات في الالتزامات الآجلة. يضاف إلى ذلك، أن الاحتفاظ بكميات كبيرة من النقود الأجنبية في البلد، يعني أن البلد يصدر إلى الخارج سلعًا حقيقية مقابل وسائل الدفع هذه، وأن كل تزايد في الكميات التي يحتفظ بها داخليًّا منها، هو إنضاب لموارد داخلية مقابل هذه الأرصدة.
٤ - التسوية القضائية لآثار التضخم: حيث يترك للمحاكم أمر الحكم في معالجة سداد الديون والالتزامات، عند سدادها، فتقوم المحاكم بتحديد الواجب سداده لقاء الالتزام، في كل حالة على حدة.
стр. 14935
القسم الثالث
صور الكساد والانقطاع في النقود المعاصرة
من استعراض الصور التي ذكرناها، في القسم الأول من ورقة العمل هذه، وبعد وضوح واقع النقود المعاصرة، وما يطرأ عليها من تضخم، يمكننا الآن التفكير فيما قد تقع فيه النقود المعاصرة من صور الكساد والانقطاع المذكورة.
١ - فالصورة الأولى: وهي منع الحكومة التعامل بنقد معين واستبداله بنقد جديد، بنفس القيمة، مع عدم وجود القديم في جميع البلدان، ولا عند الصيارفة أو في البيوت، قد حصلت في بلدان كثيرة، وبخاصة عندما يتغير نظام الحكومة بكامله، كأن تكون ملكية فتصبح جمهورية، فتصدر الحكومة عملة جديدة، وتعطي الحكومة –في العادة- مهلة لتبديل النقد القديم، أما النقود المتمثلة في الحسابات المصرفية، فتتقمص الاسم الجديد، أو النقد الجديد بصورة تلقائية.
ولا شك أن جميع الالتزامات السابقة تتحول إلى النقد الجديد، حتى ولو تغير اسمه، طالما أن القيمة للوحدة النقدية هي نفسها، ولا مجال هنا للقول بالسداد بالعملة القديمة، لانعدام وجودها، وانعدام ثمنيتها، ولا يستطيع شخص، لم يبدل عملته بالجديدة، خلال الوقت المضروب، أن يحاول إلقاء خسارته على دائنه، بالوفاء بالعملة القديمة، فإن الدين لم يكن متمثلًا بأعيان أوراق، أو أشكالها، أو أسمائها، وإنما ثمنيتها، والتي انتقلت تلقائيًّا إلى الوحدات النقدية الجديدة. (١)
٢ - والصورة الثانية: وهي مثل الصورة الأولى، مع اختلاف واحد، هو أن قيمة العملة الجديدة وتختلف عن القيمة القديمة، مثال ذلك إلغاء الفرنك الفرنسي القديم، وإصدار فرنك جديد يعادل مائة فرنك قديم، وحكم هذه الصورة هو حكم الصورة الأولى أيضًا، حيث تنتقل الالتزامات الآجلة إلى العملة الجديدة بنفس نسبة مائة من القديم إلى واحد من الجديد.
стр. 14936
وقد يقال: إنما قامت الحكومة بهذا الاستبدال بسبب التضخم الشديد، الذي انهارت معه القيمة الشرائية للعملة القديمة إلى واحدة بالمائة مما كانت عليه. وهذا هو –في العادة- السبب الأهم لهذا النوع من تغيير النقود، ولكن يمكن الإجابة على ذلك، بأن التغيير نفسه لم يلحق أي هبوط في الورقة الشرائية؛ لأنه عند لحظة التغيير كان الهبوط قائمًا موجودًا، وعلى فرض أن سعر المبادلة بين العملتين الذي اختارته الحكومة يعكس ذلك التغير تمامًا، فإن تبديل العملة لا يعدو كونه إجراء لفظيًّا بحتًا لحظة إجرائه، بمعنى أنه، بنفسه، لم يحدث أي إنقاص في قيمة العملة، فكل ما كان عند التغيير مثمنًا بمائة فرنك قديم، صار ثمنه فرنكًا جديدًا واحدًا، فاستبدال العملة هذا لا يعدو في الواقع إلغاء فئة الفرنك القديم، وتغيير اسم المائة فرنك قديم إلى اسم جديد هو فرنك جديد، فلا يؤثر إذن على الالتزامات القديمة. فتتحول إلى العملة الجديدة بنفس النسبة، ولا يستطيع دائن بمائة فرنك قديم مطالبة مدينه بأكثر من فرنك واحد جديد.
٣ - والصورة الثالثة: منع التعامل بالنقد القديم، مع وجوده في بلدان أخرى، وعدمه عند الصيارفة، وقد حصل هذا في الجزائر مثلًا. فبعد الاستقلال أصدرت الحكومة الدينار الجزائري ومنعت التعامل بالفرنك الفرنسي الذي ما زال يتداول في فرنسا، ومنعت الدولة الصيارفة من عرضه للناس إلا بقيود وإجراءات مشددة، كما منعت الناس من حيازته في البيوت؛ لأن الجزائر تبنت –في ذلك الوقت- نظامًا متشددًا في إدارة العملات الأجنبية. وأعلنت الحكومة سعرًا رسميًّا للمعادلة بين الدينار والفرنك، وفترة معينة لتبديل العملة.
فأما الجزء من الكتلة النقدية، المتمثل في الحسابات الجارية الدائنة لدى المصارف، فقد تم تغييره –تلقائيًّا- إلى العملة الجديدة، وأما الالتزامات والديون الآجلة بين الناس، فإن المحاكم لا تحكم إلا بالعملة الجديدة.
إن هذا النوع من إبطال نقد، وإصدار نقد جديد، يطرح مسألتين هما:
١- هل تدفع الالتزامات التي انعقدت بالنقد القديم بنفس ذلك النقد، أم بالنقد الجديد، وبأي سعر صرف: وهل يلزم المدين ديانة بدفع النقد الذي منعت الحكومة التعامل به؟
٢- هل يجوز الدخول في عقود جديدة –بعد تغيير النقد-بالنقد الذي منعت الحكومة التعامل به؟ ولو دخل الناس بعقود جديدة بالنقد الأجنبي، فهل يجب السداد بالنقد الأجنبي ديانة، على الرغم من منع السلطان، وتعذره قضاء؟
وقد تساعد ملاحظة النقاط التالية في الإجابة على هذين السؤالين:
أ- جواز البيع بنقد والدفع بنقد آخر، بسعر يوم الدفع، شريطة أن لا يبقى مما صرف شيء في الذمة، وبالتالي، فهل يجوز العقد بالعملة الأجنبية (الممنوعة) ، ثم الدفع بالعملة الوطنية بسعر يومه؟
стр. 14937
ب- إن الالتزامات الناشئة قبل المنع، لم يكن مقصودًا بها عين النقد القديم، وهي إنما حصلت به؛ لأنه كان النقد الجاري بين الناس، والتبديل الذي فرضته الحكومة، بسعر حددته، لم يكن يقصد إلى تغيير قيم الالتزامات والمعاملات بين الناس، فهو أشبه بتغيير النقد في الصورة الثانية، وبخاصة أن أي تغير حصل في سعر الصرف بين النقدين بعد فترة التبديل، التي فرضتها الحكومة، يمكن أن يكون في أي اتجاه، أي أنه لم يكن من مقاصد المعاملة أن يحمي طرف نفسه من مخاطر تغير سعر النقد، كل ذلك يرجح أن سعر التعادل الذي فرضته الحكومة هو الذي ينطبق على جميع الحقوق والالتزامات القائمة عند التبديل.
ج- إن تقييد الحاكم لحرية تصرف المالك بملكه دون وجه مصلحة عامة واضحة بينة أمر لا تقره أصول الشريعة وأحكامها، وإن تعسف الحاكم بتقييد حريات الناس يبقى على قدر ضئيل جدًّا من المبررات العقلية والشرعية لطاعته، وبالتالي، فهل يلزم معرفة وجه مصلحة الأمة في تصرف ولي الأمر، أم أن المصلحة مفترضة حكمًا في هذا التصرف؟ وبالتالي فهل تجب طاعته بعدم استخدام النقد الأجنبي، حتى في حالة عدم وضوح مصلحة الأمة في ذلك؟
د- يتحدث الفقهاء عن بطلان البيع إذا كان الثمن غير مقدور على تسليمه، وكذلك في القرض، فيشترطون فيه أن يكون في المثليات المقدور على الوفاء بها، فهل تدخل هذه الصورة تحت أي من هاتين الحالتين؟
هـ- هل تعتبر شريعتنا الغراء إصدار النقد من مسائل السيادة للدولة الإسلامية، بحيث لا يجوز لها السماح بالتعامل بنقود أجنبية، في بلاد الإسلام؟ أم أن القضية ت دور حسب المصلحة، فيتصرف ولي الأمر في إصدار النقد الوطني، أو عدمه، حسبما يرى مصلحة الأمة؟
٤ - والصورة الرابعة: من الحكومة التعامل بالنقد، مع وجوده في بلدان أخرى، وعند الصيارفة، وفي البيوت. ويحصل ذلك عند فرض نقود وطنية، بدل الأجنبية، في المعاملات داخل البلد، دون فرض رقابة على العملات الأجنبية، بما فيها النقد الذي كانت تجري به المعاملات قبل ذلك، بحيث يتوفر ذلك النقد عند الصيارفة.
وعلى الرغم من أن هذه هي صورة من صور الانقطاع التي تحدث عنها الأحناف، فإن تأثيرها على الحقوق والالتزامات غير ظاهر؛ لأن النقد القديم لم يبطل، ولم يفقد قيمته، وما زال موجودًا، كما أن تأثر قيمته بهذه التغيير قليل، إن لم يكن معدومًا، وبالتالي، فالذي يظهر هنا أنه لا وجه للقول بغير المثل في القروض، والبيوع، والديون، وسائر الالتزامات، والحقوق.
стр. 14938
٥- والصورة الخامسة: وهي منع الحكومة التعامل بنقد، مع انعدامه مطلقًا.
وقد تحصل هذه الصورة، بأن يكون نقد قديم –بطل في بلده ولكنه بقي مستعملًا في بلد آخر. فيصدر البلد الآخر أمرًا يمنعه في التعامل.
وعند ذلك، يفقد هذا النقد كل ثمنية له، ويصبح القول ببطلان البيع، واستحقاق المبيع للبائع، لانعدام الثمن بالكلية، أمرًا معقولًا، ولكن حالات القرض، واستهلاك المبيع، أو زواله من يد المشتري، والمهر المؤجل مثلًا، لا يمكن فيها تطبيق ذلك. فلا مناص، إذن، من القول بالقيمة.
٦ - والصورة السادسة: وهي تشبه الصورة الرابعة؛ لأن النقد القديم لم ينعدم من التداول في الأسواق، فهي إذن أولى من الرابعة بالقول بالمثل في الحقوق والالتزامات الآجلة.
٧ - والصورة السابعة: وهي تغيير الحكومة لقيمة النقد، بالنسبة لعملة، أو عملات أجنبية، وهذا أمر كثيرًا ما تفعله الحكومات التي تتبنى سياسة تحديد سعر صرف لنقدها بنقد أجنبي واحد، أو أكثر وأكثر ما يحصل هو تخفيض لقيمة النقد الوطني، وقد يحصل أحيانًا رفع لهذه القيمة. ويهدف هذا الإجراء إلى تشجيع (أو تثبيط) التصدير ودخول رؤوس الأموال، وتثبيط (أو تشجيع) الاستيراد وخروج رؤوس الأموال. وهو يؤثر على المستوى العام للأسعار في البلد من خلال المكونات الخارجية للمستوى العام للأسعار. ولا يرتفع المستوى العام للأسعار –عادة- إلا بمقدار جزء فقط، كبير أو صغير، من التخفيض في سعر صرف النقد الوطني.
وهذه الصورة تحتاج إلى دقيق نظر؛ لأنها تغيير في القوة الشرائية ناشئ عن ممارسة سلطة نقدية، تتيحها النقود المعاصرة للحكومة، وقد تحدث ابن عابدين عن إرهاصاتها الأولى بتمييزه بين تغيير الحاكم لسعر نقد واحد من عدة نقود، وبين تساوي الرخص لجميع النقود المستعملة. (١) ولا شك أن تساوي الرخص، لجميع النقود، بالأمر السلطاني، يشبه تخفيض سعر صرف النقد الوطني بالنسبة للنقود الأجنبية، ولكن يختفي هنا "قصد الإضرار" عند دفع المدين بالنقد الذي رخص صرفه، وهو ما ذكره ابن عابدين كمبرر للصلح بينهما؛ لأنه لا اختبار للمدين لنوع نقد الوفاء.
٨ - والصورة الثامنة: وهي عزوف الناس عن التعامل بالنقد، وهو موجود في الأسواق. ويحصل ذلك في حالات التضخم المرتفع، ولا شك أنه لا توجد نقطة محددة يمكن عندها القول بأن الناس يتركون كلية التعامل بالنقد الذي هبطت قوته الشرائية؛ لأن طبيعة ذلك أن يكون تدريجيًّا، وأن يتفاوت مع إحساس الناس بالتضخم، وتوفر المعلومات لديهم.
стр. 14939
ففي أحوال التضخم، تنشط توقعات الناس حول المستقبل، ودرجة التضخم فيه، فيبدأ الناس يعرفون عدد الوحدات النقدية المستحقة في المستقبل مقابل قيمة حاضرة، فيرتفع الفارق، أو الزيادة في السعر المقابلة للزمن، في عقود البيع الآجل، وسائر عقود الديون الآجلة، مثل مؤخر المهر، ثم يعرضون عن استخدام النقد الخاضع للتضخم في عقودهم الآجلة، فيستعملون الذهب، أو عملة أجنبية يشعرون أنها أكثر استقرارًا، أو سلعة من السلع، أو مجموعة سلع، ثم تزداد هذه الممارسات، وتكثر، وتستعمل هذه المقاييس للقيمة في العقود القصيرة الأجل، حتى يصل الأمر إلى استعمال العملة الأجنبية في البيوع والعقود اليومية، وإلى عدم استعمال النقد الوطني كمستودع للقيمة، فيدخر الناس العملات الأجنبية، والذهب، والسلع العينية. كما يشاهد فعلًا في بعض البلدان الإسلامية وغير الإسلامية.
ولا شك أن دقة وسرعة ردود الأفعال هذه تقومان على فرضية ضمنية، هي فرضية الرشد الاقتصادي، وهي فرضية ليست سهلة الحصول في الواقع، بجميع متطلباتها، وبخاصة توفر المعلومات الكاملة، وآنية ردة الفعل، وهي كذلك صعبة التعميم، بدرجة واحدة، على جميع الناس. فيبقى الكثير من "المخدوعين اقتصاديًّا" قليلي الإحساس بالخسارة الناجمة عن التضخم، فلا يعزفون عن استعمال النقد ذي القوة الشرائية المتدهورة، كما أن هناك أحوال التضخم غير المتوقع، الذي يقع كالجائحة تعم الجميع في بلد معين، كما يحصل في بعض الدولة نتيجة لحرب، أو حصار اقتصادي، أو غليان اجتماعي، أو اضطراب سياسي.
وفي هذه الصورة الثامنة، ينبغي لنا أن نميز بين أنواع التضخم. فالتضخم الناشئ عن عوامل السوق بتفاعلها الطبيعي، دون أن يكون متأثرًا بتدخل من الحكومة، يمكن أن يعامل معاملة التغير في أسعار الذهب والفضة، ومثل هذا التضخم لا يحتمل أن يكون كبيرًا ولا عاليًا، وكثيرًا ما يكون لردود فعل العوامل السوقية نفسها دور كبير في كبح جماحه، والتقليل من نسبته.
أم التضخم الناشئ عن ممارسة السلطة الحكومية على النقد، سواء بطباعة الورق النقدي، أو بترك البنوك تصدر النقد الائتماني، أو بغير ذلك من الأعمال السلطوية فشيء آخر، قد يختلف اختلافًا كثيرًا عن النوع الأول، في ارتفاع معدلاته، وتسارع تأثيره على القيم، والحقوق، والالتزامات الآجلة، وبخاصة مع النظر إلى المعدل التراكمي لهذا النوع من التضخم، وهذا مما يستدعي نظرًا فقهيًّا جديدًا، للكشف عن موقف الشريعة منه. ولعل في إثارة النقاط التالية ما يعين على هذا النظر:
١- هل نميز بين البيوع، أو المعاوضات عمومًا، وغيرها من المعاملات كالقروض مثلًا؟
ذلك لأن البيع بثمن آجل، يمكن فيه قبول فرضية الرشد، إذا كان التضخم متوقعًا، يمكن الافتراض بأن البائع قد أدخل عنصر التضخم المتوقع، ضمن ربحه، عند تحديد الثمن الآجل، وهذه أمر مشاهد ملحوظ، في البلاد التي يعم فيها التضخم، وقد يقال مثل ذلك، عن مؤجل المهر، والإجارة الطويلة، وغيرهما من المعاوضات (على التجوز بقول المالكية: إن عقد الزواج من المعاوضات) . ويمكن عندئذ التجاوز عن الفرق بين المعدل المتوقع للتضخم عند العقد، والمعدل الفعلي عند السداد، باعتبار ذلك من المخاطر، التي يتحملها المتعاملون في المعاوضات.
стр. 14940
أما إذا كانت التضخم غير متوقع، بحيث حصل مثل الجائحة، نتيجة لحرب مثلًا، فيصعب الزعم، بأن الرشد الاقتصادي، قد أخذه في الاعتبار، عند تحديد الثمن الآجل. وفي هذه الحالة، لا بد من تدخل الفقيه، ليجد الحل الذي يرفع الظلم.
ومن جهة أخرى، فإن القرض إرفاق بحت، وإن القول بالمثل فيه ظلم واضح، لا تقبله الشريعة، ففي القرض، لا بد من نظر فقهي يقرر العدل بين الناس، وبخاصة، أن الإرفاق في القرض هو في إتاحة المال للمقترض، ليستعمله، وينتفع به، وليس في القول بنقصانه بالتضخم. ولو كان التضخم متوقعًا، لامتنع الناس عن الإقراض بالنقد المتوقع تضخمه، ولاستعملوا غيره من المثليات في عروضهم، نقودًا أو غير نقود، أما إذا كان التضخم غير متوقع، فلا بد من نظر فقهي يقيم العدل. (١)
٢- إن وسائل استثمار المال وتنميته، التي تقرها الشريعة الإسلامية، تعالج مسألة آثار التضخم، إذا ما طبقت بالطريقة الصحيحة، التي رسمتها الشريعة الغراء، فوسائل الاستثمار الإسلامية تقوم على مبدأ تملك العين، وأن الربح يستحق بالملك بالنسبة للمال. وبالتالي فإن التضخم يرفع ثمن الأعيان بالنسبة للنقد، فيحمي ذلك المالك من خلال ارتفاع معدل الربح، ينطبق ذلك سواء أكان التضخم متوقعًا، أم غير متوقع.
ولكن هنالك حالتين، تستثنيان من ذلك، إذا كان التضخم غير متوقع:
الحالة الأولى، إذا وقع التضخم غير المتوقع بعد العقد في البيع الآجل، أي بعد ترتب الدين في ذمة المشتري.
والثانية، إذا وقع بعد الاتفاق على نسبة توزيع الأرباح في المضاربة؛ لأنه قد لا تسلم القيمة الحقيقية لرأس المال، عند اقتسام الربح، مع وجود تضخم غير متوقع، فتكبر حصة المضارب؛ لأن أثر التضخم على ثمن الأعيان، قد دخل ضمن مقدار الربح.
стр. 14941
وبالتالي، فإذا تعاملت كل المصارف بالوسائل الإسلامية، فإن مسألة تأثير التضخم تكون غير مطروحة، إلا في هاتين الحالتين فقط. (١) وهما مما يستدعي نظر الفقيه، بقصد تقرير العدل، الذي لا ترضى غيره الشريعة.
٣- قد يمكن التجاوز عن كثير من أحوال التضخم القليل أو البطيء؛ لأنه مما يتغابن الناس بمثله، وبخاصة في الآجال القصيرة، حتى في القروض، ولكن التضخم العالي يصعب غض النظر عنه. وبخاصة، أننا في مسألة الحقوق والالتزامات الآجلة، لا بد لنا من النظر إلى المعدل التراكمي للتضخم بين نقطتين زمنيتين، هما: تاريخ العقد، وتاريخ السداد، وبالتالي، ففي كل حالة تحتاج إلى نظر فقهي، قد يمكن التجاوز عن المعدل التراكمي القليل، والتركيز فقط على المعدلات التراكمية العالية.
أما ما هو المعدل الذي يتسامح فيه، فهو أمر ينبغي أن يحدد على ضوء ما يمكن القياس عليه، من حالات الغبن الفاحش، والربح الفاحش، وما شابههما.
٤- إن طول المدة بين العقد والسداد، لا تؤثر فقط في ارتفاع المعدل التراكمي للتضخم، وإنما تؤثر أيضًا على التوقعات. لأنه، حتى مع فرضية الرشد الاقتصادي، فإن توقعات المتعاملين تكون أكثر جزافية، كلما بعد الأفق الزمني للتوقع، وبالتالي فإن طول المدة، يصعب معها اعتبار التوقع في التضخم. ففي آجل المهر، إذا استحق بعد وقت طويل من العقد، يصعب افتراض رشد التوقع في التضخم في تحديد مقدار الجزء المؤجل من المهر.
ويضاف إلى ذلك بأن أنواع المعاملات، تختلف درجة مرونتها، بالنسبة للتضخم المتوقع، بسبب وجود عوامل اجتماعية كثيرة فيها. فالزواج أقل مرونة من البيع بثمن آجل، بالنسبة للتضخم المتوقع. وبالتالي، ففي حين يمكن الافتراض بأن الثمن الآجل يتحدد، مع اعتبار التضخم المتوقع عند العقد، في كل آن، نجد أن المهور تتزايد بأسلوب القفزات، وليس بشكل تدريجي، أي أن الناس يحتاجون لفترات زمنية طويلة حتى يعدلوا من المهر الذي يرغبون بالتعاقد عليه.
ويضاف إلى ذلك أيضًا المصاعب، المتضمنة في فرضية الرشد الاقتصادي نفسها، مما أشير إليه سابقًا.
стр. 14942
٥- التمييز بين حالتي الدين والمطل، ففي حالة الدين، قد يمكن القول بأن الثمن الآجل قد تضمن فعلًا التضخم المتوقع، ولكن حالة المطل تختلف عن ذلك فالمطل في الدين أو في القرض يضيف مدة زمنية لم تؤخذ في الحسبان عند العقد. وبالتالي فإن المطل يثير مشكلة حقيقية تتعلق بالعدل بين الطرفين إذا وجد التضخم المتوقع أو غير المتوقع. مما يستدعي النظر الفقهي.
٦- بما أن التضخم، بطبيعته، يعني أن السلع والخدمات ترتفع أسعارها بنسب متفاوتة، فإن تأثيره على أصحاب الأموال، والحقوق والالتزامات متفاوت أيضًا. ويعني ذلك أنه لا يمكن أن يتساوى تأثير التضخم على شخصين أبدًا، مهما كان ما يتشابهان فيه كثيرًا، طالما بقيت فروق بينهما، في أنواع ما يملكان، أو يشتريان، أو يبيعان، أو يدخلان طرفًا في عقود أخرى، كالزواج، والقرض، والصلح، والمخارجة، وغير ذلك.
مؤدى ذلك، أن أي قاعدة عامة للربط، ستؤدي إلى بعض العدل، وبعض الظلم معًا. فلو ربطنا رأس مال القرض، بتغير المعدل العام للأسعار مثلًا، وكان المقرض ممن يحتفظ بماله نقدًا، فإن الربط سيعطي هذا الأخير أكثر مما يستحق؛ لأن البديل لديه –وهو الاحتفاظ بالمال نقدًا- سيعرضه لهبوط قيمته بسبب التضخم حتى دون الإقراض، فلم نحمل غيره خسارته؟ ولو كان المقترض صاحب دخل نقدي، مما لا يزداد مع التضخم، وهو يدفع دينه منه، لكان في ذلك ظلم عليه، ولتجاوز مقدار دينه جميع قدرته على الوفاء بأضعاف.. ولو أردنا احتساب المهر المؤجل، بالقيمة الحقيقية، أي مع احتساب عنصر التضخم، لبعض الزيجات، لتجاوز مقدار الواجب أضعاف طاقة الزواج على الدفع، وأضعاف مهر المثل، في وقت استحقاق دفع مؤجل المهر. ومن جهة أخرى، فلو لم ندخل عنصر التضخم في حسباننا، في أوضاع أخرى، لما كفى مؤجل المهر أجرة سيارة إلى المحكمة للمطالبة به..
ومثل ذلك يقال عن استعمال عملة أجنبية، أقل تضخمًا، أو وحدات حسابية ذات قيمة حسابية ثابتة، طالما أن المشكلة الحقيقية هي أن أسعار السلع والخدمات لا تتغير بنفس النسبة تمامًا.
стр. 14943
كل ذلك يؤدي بنا إلى القول: إنه لا توجد قاعدة ذهبية تطبق مسبقًا –منذ العقد- في جميع الحالات، وتحقق العدل، دون ظلم أو إجحاف، على واحد من الطرفين. لذلك فإنما اقترحه ابن عابدين، من ضرورة الصلح، بعد الحدث، وبعد معرفة تأثيره، قد يكون هو الحل الأمثل لتأثير التضخم السلطوي، وربما غير السلطوي أيضًا، على الحقوق والالتزامات الآجلة وهذا الحل يقرره القاضي، أو الطرفان باتفاقهما عند السداد، مع أخذ عدة عوامل بعين الاعتبار، وأهم هذه العوامل ما يلي:
أ- السلة الشخصية لاستعمالات أموال، أو دخول، كل من طرفي العلاقة، ويشمل ذلك عناصر تركيب الثروة، وعناصر سلة المشتريات لكل منهما، وتأثر كل منها بذلك التضخم.
ب- دخل كل من الطرفين، ومصادره، ومدى تأثره التضخم.
ج- الفئة الاجتماعية الاقتصادية لكل منهما، وتأثرها بالتضخم.
د- معدل التضخم التراكمي.
هـ- أسعار المثل، عند السداد، ويدخل في ذلك مهر المثل، وغيره.
٩ - والصورة التاسعة: وهي ترك الناس التعامل بالنقد، مع عدم وجوده في الأسواق. وهي حالة لا تتعلق –في نظري- بمسألة التضخم. إذ هي تحصل في حالة زوال نقد من الوجود، لبعد الزمن عنه كما حصل مثلًا للدرهم المجيدي في الشام، حيث هرب من أيدي الناس لعومل سياسية واقتصادية متعددة.
وإن وجود حقوق والتزامات آجلة بذلك النقد يتطلب –دون شك- حلًّا فقهيًّا اجتهاديًّا عند استحقاقها. وهو حل قضائي، أو صلحي، لا يعدو في أساسه الخيارات، أو البدائل التي ذكرها الفقهاء، من بطلان العقد، واستحقاق المبيع أو قيمته، أو استحقاق قيمة الثمن يوم العقد (وهو في الواقع مثل استحقاق قيمة المبيع؛ لأن قيمة المبيع هي خير تعبير رضائي عن قيمة ثمنه) ، أو استحقاق قيمة الثمن في آخر يوم رواجه، أو الصلح على قيمة ينظر فيها إلى عوامل متعددة بآن واحد، ويمكن أن يضاف إلى ذلك أيضًا بديل آخر هو ثمن المثل يوم الوفاء وهذا قد يكون الأكثر عدلًا في المهور المؤجلة، وفي الإجارة الطويلة، التي تستوفى فيها المنفعة قريبًا من زمن الدفع.
стр. 14944
الخاتمة
إن النقود المعاصرة تقوم بجميع وظائف النقود التي عرفها عهد التشريع الإسلامي الأول، والتي تحدث عنها الفقهاء حديثًا مفصلًا، فيما بعد، فهي ثمن تجري فيه أحكام الذهب والفضة، فتجب فيها زكاة الذهب والفضة، وتجري فيها أحكام الربا.
ولكنها في الوقت نفسه تختلف عن المعدنين الثمينين، اختلافًا كبيرًا، حاولت بيانه في هذه الورقة. وهو اختلاف لم يره حتى متأخرو الفقهاء مثل ابن عابدين، وهي وإن كانت اصطلاحية مثل الفلوس، والدراهم المغشوشة، إلا أنها تفترق عنها، افتراقًا جوهريًّا أيضًا. فالنقود المعاصرة يمكن اعتبارها عديمة الكلفة من حيث إصدارها، ونقلها، وخزنها، وللسلطة فيها دور كبير لم تكن للحاكم، فيما يتعلق بالفلوس، ولا بالدراهم المغشوشة.
كل ذلك يترتب عليه أن التضخم النقدي المعاصر يختلف اختلافًا جوهريًّا عن رخص الفلوس والدراهم، وكسادها، وانقطاعها الذي تحدث عنه الفقهاء، سلفهم وخلفهم على حد سواء، وإذا كانت بعض صور الرخص والغلاء، في النقود المعاصرة، تشبه في أسبابها، وأغراضها بعض الصور التي حصلت في الماضي، فإن هنالك صورًا جديدة للتضخم، لم تعرف في الماضي، لا من حيث نسبة ارتفاع المستوى العام للأسعار، ولا من حيث الأسباب الراجعة إلى السلطة الحكومية، فعلًا وامتناعًا، ولا من حيث تشعب وتعقد الظاهرة التضخمية، وآثارها الاجتماعية والاقتصادية.
وإذا كان ابن عابدين يعتبر من الضرر، الذي لا يقبل، إلزام المشتري بدفع فرق ٣٠ % في سعر صرف، بين نقد كاسد ورائج، (١) فإن معدلات التضخم صارت اليوم كبيرة جدًّا.
والأهم من ذلك أننا، عندما نتحدث عن ارتفاع الأسعار، فإن الاقتصاديين كثيرًا ما يذكرون المعدل السنوي للتضخم، في حين أن ما يتعلق بالالتزامات والحقوق الآجلة، هو المعدل التراكمي بين تاريخ العقد أو القبض وتاريخ السداد. وقد لاحظنا الفرق الكبير بين هذين المعدلين.
وإذا رأينا بعض الفقهاء يمنعون القرض بالدراهم المزيفة، أو الزرنيخية، ولو تعامل الناس بها، باعتبارها مالًا غير معلوم، لا يمكن المقترض من القضاء، (٢) فإن النقود الورقية، في حالة التضخم العالي، متوقعًا أو غير متوقع، أقل معلومية من الدراهم المزيفة بكثير.
стр. 14945
وإذا منع ابن تيمية السلطان من الاتجار بالفلوس، (١) والاتجار بها هو تقليل ما فيها من معدن، عن قيمتها الاصطلاحية، فإن النقود المعاصرة واقعة بكاملها تحت رحمة، أو قل: تحت عسف أو قسوة، السلطة النقدية، والمصارف أيضًا. والتغييرات السلطوية التي تجري في النقود المعاصرة، أكبر، وأبعد أثرًا من الاتجار بالفلوس، الذي كان يقع في الماضي، من قبل بعض السلاطين.
وإذا افترضنا أن الفلوس التي تحدث عنها الفقهاء كان فيها من المعدن ما يساوي قيمتها الاصطلاحية، عند صكها، فإن استمرار وجود الفلوس في السوق، وتعامل الناس بها، وهو ما سماه الفقهاء بالرواج، يعني أن قيمتها السلعية بقيت تتراوح حول قيمتها الاصطلاحية، إذ لو زادت قيمتها السلعية عن قيمتها النقدية، لأذابها الناس، واستعملوها سلعة، ولو نقصت لتهرب الناس من التعامل بها إلى أن يتغير سعر الصرف، فتعود المعادلة، أو المقارنة بين سعرها النقدي وسعرها السلعي، يحصل ذلك بسبب وجود نقود أخرى إلى جانبها، وعلى ضوء ذلك، أرى أن عبارات بعض الفقهاء ينبغي أن تفهم ضمن هذه الأوضاع والفرضيات التي كانت هي السائدة في عصرهم، ومن هذه العبارات أن الفلوس كانت من أفضل النقود، وأكثرها رواجًا في بعض البلدان، كما أن منها وجوب المثل رغم عدم وجود النقد، وانعدامه؛ لأن للمثل قيمة سلعية، وإن انعدمت قيمته النقدية، وما طرأ من رخص أو غلاء بين العقد أو القبض، والسداد، هو من المخاطر العادية التي يتعرض لها الناس دائمًا، حتى لو كانت سلعته ليست نقدًا (ومن هنا نجد المقارنة مع دين السلم الذي هو سلعة بالتعريف) . ومن دون هذه الفرضيات، كيف يعقل أن يفتي الفقيه بمثل لا وجود له مطلقًا؟
وتؤكد هنا أن هذه الفرضيات، لا توجد في النقود المعاصرة.
إذ ليس لهذه النقود أية قيمة البتة، إذا فقدت ثمنيتها، فهي ليست ثمنًا بالخلقة كالذهب والفضة، وليست سلعة بالخلقة كالفلوس، والزيوف.
وأخيرًا، أرجو الله العلي القدير، أن أكون قد أجبت على أهم التساؤلات المتعلقة بما طلب إلي من بحث، وأن أكون قد قدمت ما يوضح الموضوع، ويسهل مهمة الوصول إلى الفتوى الشرعية الواعية.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين
الدكتور منذر قحف
стр. 14946
مراجع استفدت منها في ورقة العمل
١- البهوتي، كشاف القناع مكتبة النصر الحديثة، الرياض ج ٣.
٢- داماد أفندي، مجمع الأنهر في شرح ملتقى الأبحر، دار إحياء التراث العربي، بيروت ج ٢.
٣- الشيخ محمد عرفة الدسوقي، حاشية الدسوقي على الشرح الكبير، دار الفكر، ج ١ و٢.
٤- علي حيدر، درر الحكام شرح مجلة الأحكام، دار الجيل، بيروت ج ٣.
٥- الخرشي، حاشية الخرشي على مختصر خليل، دار الكتاب الإسلامي، القاهرة، ج ٥.
٦- الرهوني، حاشية الرهوني على شرح الزرقاني لمختصر خليل، دار الفكر، ج ٥.
٧- الكاساني، بدائع الصنائع، دار الكتاب العربي، بيروت ج ٥ و٦.
٨- ابن عابدين، حاشية رد المحتار، ج ٤ طبعة دار الفكر بيروت ١٩٧٩ م.
٩- ابن عابدين "رسالة تنبيه الرقود في مسائل النقود" ضمن مجموعة رسائل ابن عابدين، دار إحياء التراث العربي، بيروت.
١٠- أحمد القاري، مجلة الأحكام الشرعية على المذهب الحنبلي، تهامة، جدة، ١٩٨١م.
١١- ابن قدامة، المغني ومعه الشرح الكبير، دار الكتاب العربي، ج ٤.
١٢- المرداوي، الإنصاف، دار إحياء التراث العربي، بيروت، ج ٥.
١٣- مجمع الفقه الإسلامي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي بجدة، مجلة مجمع الفقه الإسلامي، العدد الخامس، الجزء الخامس.
١٤- موسى آدم عيسى، آثار التغيرات في قيمة النقود، دلة البركة ١٩٩٣م.
١٥- الشيخ نظام وجماعة في علماء الهند، الفتاوى العالمكيرية، طبعة باكستان، ١٤٠٣ هـ.
١٦- النووي، روضة الطالبين، المكتب الإسلامي، بيروت، ج ٤.
١٧- النووي، المجموع، مطبعة الإمام، ج ٩.
١٨- ابن الهمام، شرح فتح القدير، مع شرح العناية للبايرني، دار الفكر، بيروت، ج ٥.
١٩- الهيثمي، تحفة المنهاج، مع حواشي ابن قاسم، دار إحياء التراث العربي، بيروت، ج ٥.
٢٠- الونشريسي، المعيار المعرب، دار الغرب الإسلامي، بيروت ج ٦.
стр. 14947
المناقشة
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
قضايا العملة المناقشة
الرئيس:
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
قضايا العملة، هي موضوع هذه الجلسة المسائية والعارض هو فضيلة الشيخ علي محيي الدين القره داغي والمقرر هو الأستاذ محمد علي القري بن عيد.
الشيخ الصديق الضرير:
بسم الله الرحمن الرحيم،
نقطة نظام يا سيادة الرئيس. هذا الموضوع لم يكن في جدول الأعمال الذي أرسل إلينا وطلب منا الكتابة في موضوعاته، وهذا الموضوع بحث في ندوات سابقة وأصدر فيه المجمع قرارًا، والبحوث التي قدمت فيه عشرة، ولا أدري كيف تمت الكتابة فيه؟! وكلها وزعت علينا هذا الصباح وقد اطلعت على بحث واحد منها وجاء فيه بالنص: (وفي نظري أن قرار المجمع إذ ذاك كان فيه شيء من التسرع يجعله في حاجة إلى إعادة النظر في موضوعه) ، فهل المطلوب من المجلس الآن إعادة النظر في هذا الموضوع؟ وشكرًا.
الأمين العام:
بسم الله الرحمن الرحيم، صلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
أما الاستكتاب فقد كان في عدة موضوعات من بينها هذا الموضوع، وإذا كانت قد وصلت أوراق أخرى قبل هذا فإنها لا بد أن تكون قد أتبعت بأوراق أخرى ثانية. ذلك أن شعبة التخطيط اجتمعت بجدة وراجعت القرار الذي صدر عن الدورة الماضية ووجدته يوصي ببحث الموضوع من جانبين. جانب التضخم وجانب الكساد وأثرهما على أداء ما في الذمة من الالتزامات. ولهذا استكتبنا عددًا كبيرًا من الناس ووصل إلينا ما وصل من البحوث. وشكرًا.
الدكتور علي محيي الدين القره داغي:
بسم الله الرحمن الرحيم،
رب اشرح لي صدري، ويسر لي أمري، احلل عقدة من لساني يفقهوا قولي.
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه إلى يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم.
اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، واجعلنا من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه، واجعل يومنا هذا خيرًا من أمسنا، وغدنا خيرًا من يومنا، واقبلنا في عبادك المخلصين يا رب العالمين.
أيها الأساتذة الأجلاء، وأيها الإخوة الكرام،
موضوعنا اليوم هو موضوع " التضخم والكساد " وعلاقتهما بالكساد والانقطاع، وأثر ذلك على الحقوق والالتزامات. والبحوث الواردة فيه تسعة بحوث للأساتذة الأجلاء: فضيلة الأستاذ الجليل الشيخ مصطفى الزرقا، والدكتور حسن الشاذلي، ولشيخنا محمد المختار السلامي، ولفضيلة الدكتور علي السالوس، ولفضيلة الشيخ عبد الله بن سليمان بن منيع، ولأخي الدكتور محمد علي القري، وأخي الأستاذ الدكتور منذر قحف ولأخي الدكتور ناجي محمد شفيق. ونحن –إن شاء الله – أو أنا –بإذن الله تعالى- أحاول تلخيصها بإيجاز على ضوء النقاط التي طلبتها أمانة المجمع الموقر، وأحاول الإيجاز بقدر الإمكان حتى نعطي المجال للمناقشة:
بناء على توصية من الدورة الثامنة للمجمع الفقهي الموقر طلبت الأمانة العامة للمجمع الموقر من الباحثين أن يكتبوا حول موضوعين هما: مفهوم كساد النقود الورقية وأثره في تعيين الحقوق والالتزامات الآجلة، وحدود التضخم التي يمكن أن تعتبر معه النقود الورقية نقودًا كاسدة. وعلى ضوء ذلك لم تخرج الأمانة الموقرة كعادتها من إطار القرار السابق لمجمع الفقه الإسلامي في دورته الخامسة الذي نقدره –أي نقدر هذا القرار وغيره من القرارات- ونحترمه. وإنما يكون الحديث حول جعل القرار السابق القاضي بمثلية النقود قاعدة عامة وأصلًا عامًّا في النقود بحث يكون رد الالتزامات والحقوق بالمثل إلا في حالات التضخم الخطير والكساد الكبير.
стр. 14948
ثم إن بحث المجمع الموقر قضية لا يعني أن باب الاجتهاد قد أغلق تمامًا وبالأخص في القضايا الاجتهادية التي تتجدد صورها يومًا بعد يوم وتتضح أبعادها يومًا بعد يوم، وإنما علينا أن نحترم قرار المجمع ثم نناقشه في المجمع نفسه لنصل إلى رأي آخر إن كانت الاجتهادات الجديدة تفضي إلى ذلك ونقول كما قال الخليفة الثاني عمر –﵁ وأرضاه- ذلك على ما علمنا وهذا على ما نعلم.
يقول سماحة الشيخ الجليل محمد المختار السلامي: إن هذا الموضوع قد نظر فيه المجمع في دورته الثلاثة وقدم فيه تسعة من الباحثين الجلة دراسات قيمة، ثم عرض الموضوع في الدورة الخامسة وقدم فيه اثنا عشر بحثًا، ورغم الجهد المبذول فإن المسألة –الكلام لفضيلة الشيخ- ما تزال مطروحة وما زال الاقتناع العام بقرارات المجمع لم ينفذ نفاذ القبول العام. انتهى.
بعض البحوث أولت عنايتها بتعريف التضخم والكساد وفصلت فيه، ولكن الخلاصة هي أن التضخم هو أن تقل قيمة النقود فتزداد الأسعار بسبب زيادة النقود أو غيرها. وأما الكساد فيقصد به الانخفاض في مستوى الأسعار وتزداد قيمة النقود زيادة خطيرة، والكساد يأتي من الناحية الاقتصادية كآخر مرحلة للانكماش الذي يعني انخفاض المستوى العام للأسعار وارتفاع قيمة النقود. لا نخوض فيها في الفكر الاقتصادي المعاصر، والبحوث أمامكم فيها هذه التفاصيل. وأما في الفقه الإسلامي فلدينا مصطلحات خاصة قد يختلف معناها عن ما هو اليوم، حيث نجد أمامنا هذه المصطلحات الآتية: رواج العملة، كسادها وانقطاعها. كما نجد عند ابن عابدين مصطلح النقود الذاتية والنقود الاصطلاحية. والتذكير بمعاني هذه المصطلحات هنا على الرغم من يقيني بأن أصحاب الفضيلة والسعادة لديهم العلم الكامل بهذه الأمور ولكني من باب التذكير أذكر بعض هذه المعاني، فرواج العملة في الفقه الإسلامي يعني أن العملة لها قيمتها المرسومة بصك السلطان وأن الناس يتعاملون بها. وأما المراد بكساد العملة في كتب الفقه الإسلامي القديمة ولا سيما عند الحنفية هو أن تترك المعاملة بهذا النقد في جميع البلاد. فالمراد بكساد العملة هو ترك المعاملة بها في جميع البلاد. وأما انقطاع العملة فهو عدم وجوها في السوق وإن وجدت عند الصيارفة وفي البيوت هذان المصطلحان يستعملان عند الحنفية بكثرة، في حين أن العلامة المالكي الرهوني يستعمل بطلان الفلوس أو فسادها، وكلمة الكساد والانقطاع دون ذكر تعريفات محددة لها. والإمام النووي الشافعي يستعمل كلمة الانقطاع بمعنى عدم وجود النقد مطلقًا، كما يذكر حالة إبطال السلطان المعاملة بالعملة حيث إنها لا تقتضي عدم وجودها في السوق.
стр. 14949
والعلامة ابن قدامة يستعمل تحريم السلطان للفلوس وللدراهم المكسرة. وللكساد والانقطاع حالات كثيرة وصور كثيرة تناولتها بعض البحوث وهي في متناول الأيدي لمن يريد الاطلاع عليها. ومقصدنا من ذلك أن المراد في دراستنا هنا التضخم والكساد بمعناهما اليوم، أي بمعناهما الاقتصادي المعاصر وليس بمعناهما في السابق، إذ كلام علمائنا السابقين –﵏ معظمه على نقودهم المعدنية ولا سيما الفلوس والنقود المغشوشة. ونحن اليوم نعيش عصر النقود الورقية بما لها من آثار سلبية. وكذلك ذكرت بعض البحوث أسباب التضخم والكساد وآرثارهما على الفرد والمجتمع، وكيفية العلاج الحكومية لهما. لا نذكر هذه المسائل في هذا الملخص وإنما يكون كلامنا في النقاط التالية:
أولًا: لا خلاف بين جميع الباحثين أن النقود تجب فيها الزكاة ويجري فيها الربا ويكون ثمنًا ومهرًا وبدلًا عن الحقوق، كما لا خلاف في أن النقود الورقية يكون الرد فيها بالمثل كقاعدة عامة وكأصل عام. وإنما الخلاف بينهم في أنه هل يراعى التضخم والكساد في جميع الحقوق والالتزامات الآجلة من رد الديون ونحوها، ومن الأجور والرواتب ونحوها، أو لا؟ وبالنظر في آراء الباحثين التسعة نجدهم على رأيين:
يرى فضيلة الدكتور علي السالوس وحده من بين الباحثين أن الرد في الديون لا بد أن يكون بالمثل، وقد سمعته الآن حينما ناقشت فضيلته أن التضخم ليس له أي تأثير حتى وإن بلغت أكثر من ثلاثة آلاف مرة، وحينما قلت إن الدينار العراقي قد ازداد التضخم فيه بنسبة أربعة آلاف وخمسمائة مرة أصر على قوله بأن النقد ما دام مستعملًا فلا بد أن يرد بالمثل، وله أدلة سوف نذكرها، ولأدلته وجاهتها وقوتها لا شك في ذلك.
وكذلك يرى الفريق الثاني وهم فضيلة الشيخ الجليل مصطفى الزرقا، والشيخ محمد المختار، والشيخ عبد الله بن سليمان، والدكتور ناجي محمد شفيق، والدكتور محمد علي القري، والدكتور منذر قحف، والفقير إلى الله وحده، ذهب هؤلاء إلى أن رد الحقوق الآجلة من دين ونحوه يرد –كقاعدة عامة- بالمثل، ولكنه في حالة التضخم الكبير أو الانكماش والكساد فيكون رده ملاحظًا فيه القيمة يوم العقد. ولأهمية الموضوع نذكر بإيجاز أهم أدلة الفريقين دون مناقشة وترجيح، وإنما أكون عارضًا فقط دون أي إضافة.
стр. 14950
استدل فضيلة أخي الحبيب الأستاذ الدكتور علي السالوس بما يأتي:
أولًا: بما ورد في السنة المطهرة حيث أورد حديث ابن عمر –﵄ حين قال ابن عمر –﵄ إني أبيع الإبل بالنقيع فأبيع بالدنانير وآخذ الدراهم، وأبيع بالدراهم وآخذ الدنانير، فقال: "لا بأس أن تأخذ بسعر يومها ما لم تفترقا وبينكما شيء". والحديث هذا خرجه بأنه رواه الحاكم وأحمد، وذكر بأن الشيخ الألباني ضعفه مرفوعًا وقوى وقفه، ولكن فضيلة الدكتور السالوس رد على هذا التضعيف بقوله: (ولكن تضعيفه ليس بحجة) . ووجه الاستدلال به أن رسول الله ﷺ اعتبر بسعر الصرف يوم الأداء فيكون الأصل هو أن الدين يؤدي بمثله لا بقيمته. وأورد كذلك الحديث الوارد في خيبر المشهور في ضرورة الصاع بالصاع في قضية التمر دون زيادة، ولكن هذا الحديث في باب الربا.
ثانيًا: استدل فضيلته بنصوص الفقهاء من المالكية، والشافعية، والحنابلة، والحنفية، حيث أطال النفس في ذكر هذه النصوص الدالة على وجوب رد المدين بمثله عند تغير القيمة ونحوها. ولا داعي لذكر هذه النصوص؛ لأنها موجودة في البحث. وختم فضيلته بحثه بقوله: من المسؤول عن علاج التضخم؟ فقال: إن المسؤول عن علاج التضخم هي الدولة. إن الدولة هي المسؤولة عن ذلك، ولذلك لا ينبغي لنا أن نحمل المدين آثار هذا التضخم. فلا شك أن الدولة هي المسؤولة أولًا عن هذا العلاج وعليها أن تتخذ من الوسائل الممكنة ما يحد من خطر هذا المرض، فالدولة هي المسؤولة عن إصدار النقود وهي التي تضع السياسة النقدية.. إلخ.
واستدل الآخرون أيضًا بما يأتي:
أولًا: بالنصوص والمبادئ العامة التي تقتضي العدالة وعدم الظلم، وأن هذه الشريعة خالية من الظلم فهي عدل كلها، ورحمة كلها، وخير كلها، ومصلحة كلها، وأنه حيثما تكون المصلحة فثم شرع الله، كما أنه حينما تكن الشريعة فثم المصلحة الحقيقية. وإذا كان الله – يقول في حق المرابين ﴿فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٧٩] فكيف بالمدين المسكين الذي دفع قبل ست سنوات –مثلًا- عشرة آلاف دينار عراقي لشخص اشترى به بيتًا " أو سيارة وهي كانت تساوي آنذاك أكثر من ثلاثين ألف دولار، واليوم عشرة آلاف دينار تساوي سبعة دولارات فقط؟