← Фикх общий

Фикх общий · id 8356

مجلة مجمع الفقه الإسلامي

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (22 276 стр.). Показаны 14876–14915 · переход к 14881.

стр. 14876

ويقابل هذا المشهور فيما يعطيه كلام المؤلف أن الشاذ القضاء بقيمتها، ولا أدري كيف يتصور القضاء بقيمتها مع وجودها، إلا أن يريد بقيمتها يوم تعلقت بالذمة لا يوم حلول الأجل، وهو مع ذلك مشكل لأنه إلزام لمن هو في ذمته أكثر مما التزم به وإنما حكى هذا عن ابن سحنون إذا انقطعت أي عدمت. وصور المسألة الثانية بقوله: ولو عدمت فالقيمة وقت اجتماع الاستحقاق والعدم يعني إذا لم ينقطع التعامل بها، ولكنها لم توجد وقت اجتماع الاستحقاق والعدم فإنه يجب فيها القيمة يوم حلول الأجل لأنه حينئذ أعني – يوم حلول الأجل - وجب قضاؤها فلم توجد. وإن تأخر طلبها بعد حلول الأجل بشهر مثلًا فقطعت في نصف ذلك الشهر فإنه يجب قيمتها في نصف ذلك الشهر لا في أوله وهو وقت حلول أجل الدين، ولا في آخره يوم التحاكم لأنها لم تزل في ذمته يوم الانقطاع وهذا معنى قول المؤلف: فالقيمة وقت اجتماع الاستحقاق والعدم وهذا القول هو اختيار الشيخ أبي الحسن اللخمي. وقال بعض الشيوخ: عليه قيمتها يوم تحكمهما قال: لأنها لم تزل في ذمته إلى يوم التحاكم فيها والأول أقرب إلى التحقيق. وإن كان قول ابن سحنون جاريًا في هذه الصورة فتكون فيها ثلاثة أقوال. (١) فابن عبد السلام يؤكد أن مشهور المذهب أن الفلوس إذا كانت موجودة بأيدي الناس، ولكن انقطع التعامل بها فقضاء الدين من سلف أو بيع يكون بتلك الفلوس ولو كانت لا تساوي شيئًا يذكر معتبرًا ذلك مصيبة حلت بالدائن. وإن القول الشاذ: هو استحقاق الدائن للقيمة ويتوقف في المراد بالقيمة، فإن كان المراد بالقيمة، قيمتها يوم السداد فإنه يعكر عليه أنها موجودة فكيف تقوم؟ وإن كان المراد قيمتها يوم تعلقها بالذمة أي يوم عقد البيع أو القرض فإنه يشكل عليه أن المدين التزم بأداء ما عليه يوم حلول الأجل مضبوط الصفة والعدد، فإلزامه بقيمة الدين يوم العقد لا يوم الوفاء إلزام بما لم يلتزم به. وناقشه تلميذه ابن عرفة: بأن الفلوس إذا عدمت فإننا نقدر وجودها ونقومها على حسب ذلك التقدير فكذلك إذا كانت موجودة وانقطع التعامل بها فإنا نقدرها على اعتبار ثبوت التعامل بها. والذي يظهر لي أن مناقشة ابن عرفة غير منزلة على كلام ابن عبد السلام، لأن كلام ابن عبد السلام مبناه أن الفلوس من المثليات وهي موجودة فكيف تخرج من دائرة المثلي إلى دائرة التقويم. وأما إذا لم يبطل التعامل بها ولكنها فقدت في السوق، ففيها ثلاثة أقوال: ١- إن الواجب القيمة للدين يوم الاستحقاق وانعدامها فإذا حل أجل الدين يوم غرة المحرم وكانت يومها موجودة ولكنه لم يتقاض دينه فانقطعت في نصف المحرم وتمكن من اقتضاء دينه في نهاية المحرم فإن القيمة هي قيمتها في نصف المحرم. ٢- إن الواجب القيمة يوم التحاكم نهاية المحرم.

стр. 14877

٣- إن الواجب القيمة يوم ثبوت الدين في الذمة يوم القرض أو البيع. وجاء الشيخ خليل بن اسحق، وكان لفظه في مختصره هو لفظ ابن الحاجب إذ قال: "وإن بطلت فلوس فالمثل أو عدمت فالقيمة وقت اجتماع الاستحقاق والعدم". (١) يشرح الزرقاني كلام خليل مسويًّا بين أمرين: ١- قطع التعامل بها بالكلية. ٢- تغيرها بزيادة أو نقص على أنه من باب أولى- ويعلل الزرقاني ذلك بأنه المنصوص في المدونة ولأن الفلوس من المثليات، والمثليات تقضى بأمثالها لا بقيمتها. ويضيف الزرقاني صورة أخرى: وهي أنه إذا ماطل المدين دائنه حتى بطل التعامل فيقول: إن ظاهر المدونة الإطلاق أي التسوية بين حالة المماطلة وعدمها، وينقل عن الوانوغي أنه قيد المدونة بما إذا لم يكن هناك مطل، وأقر تقييد الوانوغي المشذالي وابن غازي في تكميل التقييد قائلًا: هو تقييد حسن غريب، وقال صاحب تكميل المنهاج: وهو ظاهر إذا آل الأمر إلى ما هو أرفع وأحسن. وأما إن آل إلى ما هو أقبح وأردأ فإنه يعطيه ما ترتب في ذمته. (٢) فالمماطل على هذا لا يخول له أن ينتفع من مطله، فإذا سقطت قيمة الفلوس فالواجب الأصل الأعلى، وإن زادت وارتفعت فالواجب الفلوس الرفيعة. وعلق البناني على هذا التقييد بما يدفعه ويوجب السكة الواجبة في الذمة لا غير، موجهًا اعتراضه بأن الدائن قد دخل في معاملته على احتمالات إما أن يقضيه دينه في الأجل وإما أن يماطله فمفزعه إلى الحاكم، وإما أن يفلس فيذهب الدين كله أو بعضه. ولذا فإن هذه حالة مدخول عليها لا توجب أية زيادة على المدين مما ذكرناه من النقول عن كتب المذهب المالكي نتبين أمورًا: أولًا: إن حكم الفلوس هو حكم الذهب والفضة في التعامل، وبناء على ذلك فبيع الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والفلوس بالفلوس، يشترط في كل واحد من هذه الثلاثة التماثل والتناجز. وإن بيع أحد الأصناف الثلاثة بالآخر هو من باب الصرف لا بد أن يكون يدًا بيد وأن الفلوس المختلفة المصدر والقيمة يحكم التبادل بينها قاعدة الصرف كما تشير إليه القرارات المجمعية "٩ – د – ٣" و"٤- د – ٥" و"٦ – د- ٨" وخاصة الفقرة الرابعة منه.

стр. 14878

ثانيًا: إن الفلوس إذا بقيت ثابتة القيمة فالأمر واضح تقضى الديون بأثمانها كما يجوز الاتفاق على اقتضاء القيمة من نقد آخر بسعر اليوم. ثالثًا: إن النقود إذا بطل التعامل بها. أو تغيرت بزيادة أو نقص فقد اختلف فيها الفقهاء: ١- إن العبرة في الأداء هو بعملة يوم التعاقد، ولا ينظر لقوتها الشرائية ويعللون ذلك بما يلي: أ- أن النقود من المثليات، والمثليات تقضى بالمثل لا بالقيمة، وهو التعليل الذي علل به القرار المجمعي رقم "٤- د- ٥" ب- أن النقود لا ثمن لها، وهذا ما علل به البرزلي (١) على معنى أنها وضعت معيارًا لغيرها فلو رجعنا إلى القيمة انقلبت أوضاع التعامل واختلطت، وفقد الناس في تعاملهم المعيار الذي يرجعون إليه. ج– أن النقود إذا كسدت أو انحطت قيمتها فهي مصيبة حلت بمستحقها تقاس على من اشترى دابة فماتت أو على من أسلم في بضاعة فانحط ثمنها يوم القبض وهذا القياس هو الذي وجه به اللخمي. د- ألزم ابن رشد من يقول بالرجوع للقيمة بإلزامات ثلاثة: أولًا: أنه لا يجوز للمتبايعين فسخ العقد إذا كان الثمن والمثمن عروضًا، يعني - والله أعلم - إذا تغيرت القيمة، فإذا تغيرت القيمة كان العائد لأحدهما أكثر مما أعطي وهو ممنوع حسبما ضبط في بيوع الآجال. ثانيًا: أنه إذا أبطل السلطان التعامل بالفلوس وأجرى الذهب والفضة فقط أن على من كان عليه دين بالفلوس أن يجب عليه أن يقضي دينه من الذهب والفضة، معنى هذا أن يكون المدين ملزمًا بدفع دينه بعملة لم يلتزم بها. ثالثًا: أن السلطان إذا أبدل الميزان أو المكيال بأوفى أو أقل إنه يجب على من تعلق بذمته عروض مقدرة بمكيال أو ميزان أو يقضي دينه بالمكيال الجديد. أي أن اعتماد التحول الأخير في العملة يوجب أن يلتزم المدين المكيال الأخير سواء أكان أكبر أم أقل.

стр. 14879

٢- أن العبرة إذا أبطل التعامل بالفلوس فإن القضاء يكون في القيمة. والقيمة قد اختلف فيها هؤلاء: ١- قيمة الفلوس يوم انعقاد البيع أو القرض. ٢- قيمتها يوم انقطاعها ويوم استحقاقها باعتبار أقصى الأجلين. ٣- قيمتها يوم التحاكم وتتنزل منزلته المطالبة إذا قضاه بعد مطالبته. ومن البين أن القيمة يوم الانقطاع لا يعني بها قيمتها عنده ولا بعده ولكن في آخر فترة للتعامل بها. وإذا كان الدين من بيع، رأي رابع: أن القيمة هي قيمة السلعة يوم عقد البيع ويعللون ذلك بما يلي: ١- أن المقرض أو البائع إلى أجل أخرج من يده ماله قيمة وما هو مرغوب فيه ليعود له عند الأجل ما يوازي ما خرج من يديه في العرف العام، وإذا كان الأصل والغالب أن يعود له ما اتفقا عليه صفة ومقدارًا فإنه إذا فرغ هذا العوض من القيمة التي كانت له كان للدائن أن يتقاضى حقه بالقيمة التي لدينه لا بالصورة الفارغة. ٢- أن السلطان إذا أبطل التعامل بالفلوس فقضاء الدين بالفلوس الممنوع التعامل بها فيه خروج عن طاعته وتعريض المتعامل بها نفسه للتأديب. ٣- أن يقاس إبطال التعامل بالفلوس على انعدام المسلم فيه عند الأجل، ولما كان في هذه الحالة يعود للمسلم رأس ماله فكذلك عند إبطال الفلوس يعود للدائن رأس ماله لا السكة المنقطعة. الموازنة بين الاتجاهين: مناقشة أدلة الفريق الأول: ١– أن النقود من المثليات: لا شك أن النقود من المثليات باعتبار أن المثلي هو ما يكال أو يوزن أو يعد، على معنى أن المتعاملين ينظرون إلى الكمية باعتبار أنها تحقق مصالحهم ويتساوى تحقق المصالح بتحقق المقدار، فقفيز من القمح يساويه قفيز من القمح فيما جعل القمح له من الغذاء، غلت قيمته أو رخصت، وقنطار من السكر يساويه قنطار من السكر كذلك ومائة بيضة تساويها مائة بيضة.

стр. 14880

أما في الفلوس فإنها إذا عدم التعامل بها ذهبت المثلية كمائة حاوية من التفاح مملوءة يقابلها مائة حاوية من التفاح مملوءة، ولا يساويها مائة حاوية فارغة أو نصف مملوءة، والفلوس نظر الناس إليها لا باعتبار ذاتها وإنما باعتبار ما تحويه من قيمة، فإذا بطل التعامل بها ذهبت المثلية، إذ ألف فلس رائجة لا يماثلها ألف فلس لا تروج لا في وقت التعامل ولا عند حلول أجل الدين، فإذ كانت لا تساويها وقت التعامل فكيف تساويها وقت الأداء؟! ٢- أن النقود لا قيمة لها هو نفس السابق معبر عنه بصورة مختلفة إذ الحق النقود لها قيمة وقيمتها هي وظيفتها في تحقيق رغبات مالكيها. ٣- قياس كساد النقود على وضع المشتري لدابة فماتت أنها مصيبة نزلت به، وهذا قياس مع وجود الفارق، ذلك أن مشتري الدابة قد وضع عليها يده ودخلت في حوزه وانقطعت علاقة البائع بالمشتري بتمام الصفقة، وملك المشتري خراج ما اشتراه، فله غُنمه وعليه غُرمه شأن المالك، أما في الدين فإن العلاقة بين الدائن والمدين ثابتة وذمة المدين عامرة، نعم لو كسدت الفلوس بعد قبضها لصح القياس وما يكون أقرب في القياس هو أن يقاس هذا الوضع على مشتري الثمرة على رؤوس الأشجار على التبقية، فإذا أجيحت رجع المشتري على البائع بقيمة ما أجيح إن بلغ الثلث يوم الجائحة كما هو مذهب مالك (١) . ٤- ما ألزم به ابن رشد: من يقول بالرجوع للقيمة أنه يلزمه أن لا يجيز فسخ عقد بيع عوضاه عروض، وهذا غير لازم، وذلك لأن فسخ العقد إذا كان عوضاه عروضًا هو من باب الإقالة، والإقالة على الاختيار، فإذا اتفقا على الإقالة بأن يعود لكل ما دفعه ورضي بذلك فلا وجه للمنع منه، وأما في الوفاء بما في الذمة من النقود التي بطل التعامل بها فهو إلزام لأحد الطرفين في مقاطع الحقوق بقبول ما لا قيمة له. وأما الإلزام الثاني: فالقائلون بالنظر إلى القيمة يلتزمونه، بل هم يقولون به ولا مانع منه، وإلزام المدين بأداء ما لم يلتزم به كلمة استعملت في غير حقيقتها، ذلك أن النقود لا تتعين بالتعيين، معنى هذا أن ذات النقد لا أثر له وإنما النظر للوظيفة التي يقوم بها النقد، فإذا بطلت وظيفته كان المساوي له في القيمة هو الذي تبرأ به الذمة. وأما الإلزام الثالث: أنه إذا تغير المكيال والميزان يلزم منه أن يكون الوفاء بالمكيال الجديد، هذا الإلزام غير لازم أصلًا لأن إيجاد مكيال غير المكيال الأول لا ينعدم به المكيال الأول في التقدير ولا في المماثلة، بل يكون المكيال الجديد أو الميزان الجديد يحول الالتزام إلى ما هو أكثر أو أقل، بخلاف الاعتماد على العملة القديمة يفرغ المدين من دينه بشيء لا قيمة له، فالمكيال الجديد والميزان الجديد ظلم، والعدل هو الميزان والمكيال السابق، وذلك عكس الفلوس التي بطل التعامل بها، فالعدل قيمتها أو العملة المساوية لها التي حلت محلها، وهذا لا جور فيه على الدائن ولا على المدين لأنه دفع ما يساوي القيمة المتخلدة بذمته والتي استفاد منها.

стр. 14881

مناقشة أدلة الفريق الثاني: ١- الدليل الأول: يعتمد العدالة التي جاء بها الإسلام، ويعتمد نفي أكل المال بالباطل الذي ظن أصحاب الفريق أنهم اعتمدوه كما جاء في كلام ابن رشد. والعدالة أن يأخذ كل طرف حقه لا أكثر ولا أقل، فإلزام الدائن بأخذ السكة التي بطل التعامل بها فيه ظلم له، لأنه دفع ما له قيمة وأخذ عند الأجل ما لا قيمة له، ولأن المدين لو فرضنا أنه تخلد بذمته ألف فلس وكانت الفلوس يوم التعامل عشرة بدرهم. فيكون ما أخذه مساويًا لمائة درهم لا فارق بين من يملك ألف فلس ومن يملك مائة درهم عندما يدخلان السوق، إذ يتحصل كل منهما على مقدار مساوٍ من البضاعة التي يريد كل منهما أن يتملكها، فإذا بطل التعامل بالفلوس فإن قيمة الفلوس التي بطل التعامل بها لا تتجاوز وزنها من النحاس أو الحديد فتكون المائة فلس تساوي درهمًا. فالمدين يدفع ما قيمته عشرة دراهم فيما قبضه وقيمته مائة درهم، لا يقال هذا هو الأمر لو تسلف قفيزًا من القمح ورخص ثمنه وذلك لأن قفيز القمح يتملك للانتفاع به ومنفعته باقية لم ينقص منها – فيما تراد له عادة وهو التغذية - شيء، إذ هو يعطي وحدات حرارية متساوية، فقيمته الغذائية لا تختلف وحاجة الناس إليه ولا تنقص. بخلاف الفلوس التي بطل التعامل بها فهي كالقمح الذي نخره السوس ولم يبق من وحداته الحرارية إلا الشيء القليل. ٢- الدليل الثاني: قياس إبطال الفلوس على انعدام المسلم فيه أنه يعود للمسلم ما دفعه. وفي هذا الدليل نظر إذ ظاهره أنه لا يثبت المدعى وذلك لأن الذي عاد إلى المسلم عين ما دفعه دون نظر إلى حوالة الأسواق. تغير الفلوس بضعف قدرتها الشرائية: إن التأمل في الاتجاهين الذين سبق ذكرهما يستخلص بواسطته التسوية بين انقطاع الفلوس وبين انخفاض قيمتها الشرائية. ١- فبالنسبة للرأي الأول القائل بأن الديون تقضى بنفس السكة وإن انقطع التعامل بها. نجد: أ- نص مالك في المدونة: أنه إذا رخصت الفلوس حتى على النصف من القيمة أن المدين يدفع نفس السكة التي تسلمها أو تخلدت بذمته ولا يلتفت إلى الزيادة ولا ينفذ الشرط كحكمها عند الانقطاع. ب- الحدة التي ظهرت من ابن رشد على المفتي الذي أفتى بأنه يرجع إلى القيمة عند انقطاعها: فهو يلغي النظر إلى القيمة مطلقًا، فلا فرق بين انخفاضها أو زوال الفلوس من التعامل.

стр. 14882

٢- وبالنسبة للرأي الثاني القائل بالرجوع إلى القيمة عند الانقطاع. أ- رأي ابن سحنون وما فهمه ابن محرز من كلام أشهب وما حكاه أبو الحسن الصغير عن ابن شاس ورأي ابن عتاب. وابن دحون معللًا بأنه أخذ على العوض فله العوض = أي في باب القرض: المقترض استهلك الفلوس التي أخذها ليعوض له بدلها، وبدلها هو ما يساويها، يدل على أنه إذا انخفضت انخفاضًا بينًا أنه يرد القيمة. ٢- تعليل الشيخ عبد الحميد الصائغ: أنه أعطاه منتفعًا به ليأخذ بدله منتفعًا به فلا يظلم بأن يعطى ما لا منفعة له فيه ولا يحصل هذا إلا بأن يأخذ قيمتها، وهذا التعليل يقتضي طبعًا أنه إن نقصت نقصانًا بينًا كان عليه رد القيمة. وأوضح من ذلك توجيه المازري لرأي شيخه عبد الحميد في مناقشته للشيخ أبي الحسن اللخمي: أن السكة لما كانت مما بين فيها جواز المعاملة على اختلاف الأسواق فإن اختلافها اختلافًا يتفاوت تفاوتًا كثيرًا يؤثر في العقد، على معنى أنه إذا تركنا المتخلد في الذمة تنهار قيمته انهيارًا كبيرًا يتضرر منه الدائن، فقد انتهى العقد سواء أكان عقد بيع أو قرض إلى جهالة في العوض عند حلول أجل القبض، جهالة فيها غرر كبير، وهو مما يفسد العقد. ٣- أن أشهب سوى في فوات الفلوس بين حوالة السوق وبطلانها (١) . ٤- أن الرهوني وهو يتابع الأقوال وتوجيهها أحسن بهذا المعنى فقال: وينبغي أن يقيد رأي المالكية: بما إذا لم يكثر جدًّا حتى يصير القابض لها كالقابض لما لا كبير منفعة فيه، لوجود العلة التي علل بها المخالف (٢) . وبهذا يظهر أن جريان التشريع لى منهج واحد يقتضي عدم التفرقة بين كساد الفلوس وانقطاعها، وبين وهن قدرتها الشرائية وهنًا يتضرر منه الدائن، فمن منع في هذا من الرجوع إلى القيمة في الكساد منع أيضًا في نقصان القيمة، ومن اعتبر القيمة في الكساد وجب أن يعتبرها في النقص البين. أما تحديد النقص البين في هذا المقام فإني لم أجد فيه نصًّا فإما أن تلحق بالجائحة وهو الأقرب فيجري فيها الخلاف الوارد في الجائحة، وإما أن يعتبر ما يتضرر منه الدائن، وهنا يختلف التقدير، ففي الديون الكبرى كعشرة ملايين ريال مثلًا، فحتى عشرة في المائة تعتبر خسارة كبيرة للدائن، وفي مائة ريال يتسامح في ١٠? عادة ولهذا يرجع في تقدير ذلك إلى القضاء الذي يعطي لكل حالة ما يناسبها من الحكم وهو من باب تحقيق المناط حسبما بينه الإمام الغزالي. العملة الورقية: العملة الورقية هي كالفلوس تقاس عليها وتأخذ أحكامها، وذلك أنها بعيدة عن الذهب والفضة إذ الذهب والفضة لهما قيمة في أعيانهما، ولا يزيد الدينار المضروب أو الدرهم على مادتها إلا قيمة الضرب إذا لم تقم بالضرب الدولة من بيت المال، وقد تحدث الفقهاء عن أحكام من يأتي بذهبه أو فضته إلى دار الضرب، وإذا أبطل الحاكم التعامل بنقد منهما فإن الناس لا يتضررون من ذلك ضررًا كبيرًا، وقد كان المتعاملون يتعاملون بالوزن إذا اختل عيار النقد بالعد.

стр. 14883

والفلوس قيمتها في التعامل أكثر من قيمتها المادية إذا كانت سكة رائجة ولذا فإذا أبطل العمل بها تهاوت قيمتها، وتعود إلى أصلها من قيمة مادتها المصنوعة منها ولذا فهي أقرب إلى الورق النقدي وإن كانت أفضل منه، فقد كانت وحدة التعامل في بلدي قبل الحرب العالمية الثانية هي الفرنك الموازي الفرنك الفرسي، وكانت السكة الرائجة في مضاعفات الفرنك الورق النقدي – ٥/ ١٠/ ٢٠/ ٥٠/ ١٠٠/ - وكانت وحدة الفرنك من معدن هو خليط من النحاس وغيره، وينقسم الفرنك إلى عشرين وحدة، وكل وحدة منها هي "الصوردي" والصوردي له مضاعفات هي –٢ –٥ –١٠ – وكانت قطع الصوردي من خليط من النحاس أقل جودة من مادة الفرنك – فلما اشتعلت الحرب واحتل المحور البلاد التونسية عمدوا إلى طبع الأوراق النقدية لمجابهة نفقات الجيش، فأخذت ظاهرة التضخم تتسارع وانقطع التوريد أو كاد فكانت المسابك تشترى "الصوردي ومضاعفاته" بثمن أرفع من قيمته الرائجة وانقطع من الوجود في التعامل إذ من كان بيده شيء منه باعه للمسابك. فالأوراق النقدية تتحد مع الفلوس في أن قيمتها أرفع من مادتها، وأنه يمكن للإنسان بواسطتهما إبراء الذمة أو تقديمها كأثمان أو أجور ونحو ذلك، وتختلف عنها، ذلك أن مادة الفلوس لها قيمة بخلاف الأوراق النقدية لا قيمة لها إذا بطل العمل بها، ولكن هذا الفارق قد نص مالك على عدم اعتباره لقوله إن الناس لو أجازوا بينهما لجلود حتى تكون لها سكة وعين لكراهتها أن تباع بالذهب والورق نظرة، فهو قد سوى بين الفلوس التي مادتها معدن والتي مادتها جلد، وليس معنى ذلك أن الفلوس تكون من جلود كاملة، ولكنه يعني أنها تقطع قطعًا صغيرة فيطبع عليها كما يطبع على سكة الفلوس، إذ الجلد يغوص فيه النقش المقلوب المحفور أو البارز على الطابع – كما يشاهد ذلك في تجليد الكتب القديمة.

стр. 14884

وبهذا يظهر صحة إلحاق الأوراق النقدية بالفلوس في أحكام التعامل بها، ولما انتهينا إلى أن الفلوس إذا بطل التعامل بها للفقهاء فيها طريقتان، فكذلك الأوراق النقدية، ولما كان القرن الخامس زمن اهتزازات كبرى في المشرق والمغرب، وقيام دول وسقوط أخرى وانقسام الدولة إلى دول مستقلة متعادية، الأمر الذي عمت به الاضطرابات والفتن وتأثر بذلك الاقتصاد طبعًا، وعمد بعض المتغلبين على التدخل في النقود تدخلًا اختلفت صوره، وخاصة في إبطال الفلوس والأمر بقطعها من التعامل واستبدالها بغيرها إبرازًا للانفصال بين الطور الجديد والطور القديم في هذه الظروف رأينا أن العلماء في الأندلس وإفريقية أحسوا بالمشكلة إحساس من يعيش الأزمة ويتأثر بملابساتها، فذهب من ذهب منهم إلى اعتماد القول بالقيمة في الوفاء بالديون سواء أكانت من قرض أو بيع، وإظهار هذا القول الضعيف والإفتاء به تبعًا لحالة عدم الاستقرار، وإن اختلفوا في الأصل الذي يرجع إليه كمعيار للقيمة هل هو سلعة أو سكة وفي أي ظرف تعتبر القيمة؟ قد يكون هذا الوضع المهتز في تلكم العصور أقرب إلى الاستقرار من الوضع الاقتصادي للعالم في هذا العصر، إذ أن الهيكل الاقتصادي العظيم بفروعه وشعبه وبضخامة الكتلة النقدية التي بلغت حدًّا ما عرفته البشرية في تاريخها الطويل، بما دخل في الدورة الاقتصادية من طاقة وفن وتقنية وعلم، أن هذا الهيكل رغم ذلك قد وقع إفراغ أساسه فنخرته المصالح الفردية والدولية والنظرة القصيرة إلى الغنم العاجل، والأنانية المفرطة، إنه بين الفينة والأخرى تنفجر أزمة انهيار مالي كعاصفة مفاجئة تتكتل الجهود لتجاوزها، ولكنها إن مرت بسلام دون أن ينهار الاقتصاد فإنها تضعف الثقة بالمستقبل، ويهتز الاطمئنان- ذلك: ١- إن الكتلة النقدية اليوم لم تعد مرتبطة لا بالذهب ولا بالناتج القومي وحدهما، ولا هي تعبير عن الأوراق البنكية، بل يدخل فيها زيادة على ذلك الادخار إلى أجل، حساب الدفاتر، مستندات الخزينة، الادخار السكني الذي تقوم عليه الدولة أو البنوك أو المؤسسات.... ثم إن هذه الروافد أصبحت تتضخم يومًا فيومًا حتى تحققت لها الغلبة فبالرجوع إلى تقرير البنك المركزي الفرنسي الصادر سنة ١٩٧٩ نتبين ما يلي: إن نسبة أوراق العملة من الكتلة النقدية في فرنسا كانت تمثل سنة ١٩٧٠ - ٢٣.٣? وانخفضت سنة فسنة حتى وصلت سنة ١٩٧٩- ٣١.٣?. كما أن الموجودات من الذهب ومن الديون على الخارج كانت تمثل بالنسبة للكتلة النقدية ٦.٢٠? سنة ١٩٧٠ وانحدرت شيئًا فشيئًا حتى وصلت سنة ١٩٧٩ إلى ٤.٨?. ٢- إن الدور الذي فرضته الولايات المتحدة على العالم تبعًا لتفردها بالانتصار الحقيقي في الحرب العالمية الثانية، وتبعا لقوتها الاقتصادية والعسكرية والتقنية بلغ أن أصبحت الولايات المتحدة لها امتياز البنك المركزي للعالم، إذ هي تتحكم حسب مصالحها في قيمة العملة في كل بلد من البلدان، فإذا فرضت مصالحها ارتفاع قيمة الدولار زادت في نسبة الفائدة، وأوقفت التدفقات الكبرى منه في الأسواق المالية، حتى إذا ما تحولت مصلحتها إلى العكس من ذلك خفضت من نسبة الفائدة وضخت بكتل كبيرة منه في الأسواق لتشتري العملة التي ترغب في التأثر عليها تأثيرًا يرفع من قيمتها تبعًا للخطة التي تبغي الوصول إليها من غزو الأسواق وانتعاش صادراتها وضرب المزاحمين لها.

стр. 14885

وإذا كانت الدول ذات الاقتصاد المزدهر غير آمنة من الاهتزازات التي تسببها الاختيارات الأميركية، فإن دول العالم الثالث أشد إحساسًا وأكثر تأثرًا بالعوامل الخارجية زيادة عن تأثرها بأوضاعها الداخلية، فالاقتصاد فيها معلق بأرجوحة تتحرك حركة لا يتحكم فيها راكبها! وأقرب مثال على هذا الدور الأميركي الخطير على استقرار أوضاع الاقتصاد، ما حدث في شهر مارس في هذه السنة ١٩٩٥ لما انخفض سعر الدولار في الأسواق، كل المعلقين الاقتصاديين الذين استمعت إليهم يثبتون في تحليلهم أن هذا الانخفاض ليس نتيجة واقع فرض نفسه على الدولار لتنخفض قيمته، وإنما هو إرادة لخفض قيمته. جاء في خاتمة تعليق الفيقارو (le Figaro) عدد ١١-١٢ مارس ١٩٩٥ على انهيار سعر الدولار في الأسواق: إن العالم لا يمكنه أن يعيش إلى الأبد في الفوضى النقدية وتحت تهديد الانهيار الاقتصادي، المؤسسات غير الأميركية وأجراؤها والمساهمون فيها ليس من المعقول أن يتحملوا التقلبات المفاجئة لمزاج الورقة الخضراء، عندما ينخفض الدولار فإن المصدر الفرنسي أو الإيطالي لا يمكنه أن يضيف بذلك المقدار قيمة مبيعاته في السوق الأميركية، وأيضًا فإن الذين يبيعون المواد الأولية "وهي بصفة عامة الدول في طريق النماء" خاسرون لأن مبيعاتهم مقدرة دائمًا بالدولار وحده، ما فائدة هذه المفاوضات التي لا نهاية لها؟ وهذا التمثيل النفساني (psycho drame) للتجارة العالمية، إذا كان بين ساعة وأخرى يمكن لبلد أن يغير لفائدته ميزان المعيار.... في هذا العالم الذي يكتنفه الخطر، الدول غنية والدول فقيرة عليها أن تواجه نفس الأزمات النقدية هي في غالب الأحيان نفس الأزمات النقدية، وهي في الغالب مكلفة للدول الغنية وهي دائمًا مؤلمة بالنسبة للدول السائرة في طريق النمو. ٣- إنه بجانب هذه الهيمنة الأميركية المعلنة هناك هيمنة أخرى أشد مكرًا ودهاء هي القوة الخفية التي لا يهمها إلا أن تحقق لنهمها في الثراء ما يتجاوز كل حد، هي لا يهمها مصلحة الدولة التي تنتسب إليها، ولا مصالح البشرية، إنهم بعبثهم بالأسواق يحققون لأنفسهم أرباحًا خيالية تزيد في سيطرتهم على الأسواق فتخضع التحركات المالية علوًّا وانخفاضًا لشرههم المالي، وبذلك يكون تأرجح العملات قنوات تحول لجيوبهم ملايين الدولارات في اليوم الواحد! ٤- القرارات التي يتخذها مجلس الأمن وخاصة الدول الكبار الخمس. في فرض عقوبات اقتصادية على بلد من البلدان، فإذا بعملته تنهار ويحدث التضخم الكبير الحلزوني، كما وقع في ليبيا والعراق.

стр. 14886

إنه بجانب هذه العوامل الخارجية قد تحدث عوامل داخلية فتؤثر في البلد الذي حدثت فيه انهيارًا اقتصاديًّا كبيرًا، وذلك ما يحدث من فتن داخل الحدود القومية يصحبها عجز الحكومة القائمة عن ضمان أمن المواطنين على أنفسهم وأموالهم ويتبع ضعف سلطة الدولة عن القيام بواجباتها ضعف الثقة بالنقد فتهبط قوى الإنتاج وتفتح أسواق الظلام لتزيد الحالة سوءًا أو الأزمة استفحالًا كما حدث في لبنان، أو ما يحدث من تحول سريع من اقتصاد مسير إلى اقتصاد حر، فتتسارع إلى السوق قوى يحمل أصحابها الخوف من فوات الفرصة بما ترسب في نفوسهم من اقتصاد مسير فهم لا يبنون نشاطهم على نظرة بعيدة المدى خوفًا من الارتداد إلى الوراء والحالة التي كانوا عليها، يحملهم ذلك على استعجال الربح وتهتز البنى الاقتصادية وتحدث زيادة سريعة في تكليف الإنتاج، فيحدث التضخم المتسارع. العدالة أساس سلامة المعاملات: لم تسلم الدول ذات الاقتصاد المزدهر من آفة تقلبات العملة، فإذا كانت العملة الألمانية واليابانية آخذة في الصعود المتواصل في هذه الأيام فإن العملة الإيطالية والأسبانية والدنماركية قد هبطت والجنيه الإسترليني عرف هو أيضًا اهتزازات فماذا صنعت هذه الدول؟ لحد الآن لم تربط هذه الدول أداء الديون والالتزامات الآجلة بما طرأ على النقود من انخفاض أو ارتفاع، رغم أن أثره الأصلي أو التراكمي يبلغ نسبًا كبيرة. وهذا ما جعل الاقتصاديين يلفتون النظر إلى وجوب القيام بالإصلاح. يقول الأستاذ موريس إليي في محاضرته الشروط النقدية لاقتصاد الأسواق من دروس الأمس إلى إصلاحات الغد: "إن عمل اقتصاد الأسواق يعتمد على عدد كبير من الالتزامات المؤجلة، فهذا المشروع يلتزم بتقديم إنتاج معين بثمن معين، وهذا المشروع هو يشغل عاملًا يؤمن له مستوى معينًا من الأجر والقائم عليه يقترض الأموال اللازمة له لتنفيذه مع التزامه بسداد القروض وفوائدها، إن كفاءة الاقتصاد كالعدالة تستلزم الوفاء بهذه الالتزامات. كما تستلزم أن لا ينهب الدائنون ولا المدينون، فمن المناسب إذن أن نحمي المتعاقدين جميعًا من تغيرات القوة الشرائية للنقود ". إن تقلبات القيمة الحقيقية للنقود باعتبارها لا تمكن من أي حساب اقتصادي صحيح إنما تشكل مصدرًا كبيرًا لعدم الكفاءة، وتؤدي في النهاية إلى إضعاف مركز الضعفاء، وإلى استحالة تطبيق أي سياسة اجتماعية فتلك التقلبات إذ تحقق الثراء لبعض الفئات الاجتماعية على حساب الفئات الأخرى، إنما تجلب مظالم تصير مع الزمن غير محتملة ولا مغتفرة أخلاقيًّا، إن متطلبات الكفاءة هنا تلحق بمتطلبات العدالة.

стр. 14887

الواقع إن هذه التقلبات تتطلب ربطًا قياسيًّا إلزاميًّا بالقيمة الحقيقية لكل الالتزامات المؤجلة، وبصورة خاصة لكل القروض والافتراضات وعقود العمل المحدودة المدة، وهذا ما يؤمن للاقتصاد سيرًا كفئًا عادلًا (١) . فالأستاذ يربط بين العدالة وكفاءة الاقتصاد، ويؤكد أن الاندفاع في المجهول الذي لا يتحكم فيه الإنسان ولا يستطيع أن يعد له حساب مضر بالاقتصاد ومثبط لتطوره. كما أن العدالة تقتضي أن يكون هناك مقياس متفق عليه في الالتزامات الآجلة لا ينتفع أحد الطرفين انتفاعًا غير مشروع على حساب الطرف الآخر. والناظرون في قضية انخفاض القدرة الشرائية نظرهم مشدود إلى الأمثلة الطافية على السطح، وهي أمثلة بلغت من التشوه حدًّا صارخًا هي ما وصلت إليه العملة اللبنانية والتركية والمكسيكية مما ينطق كل لسان بأن أداء الديون بأمثالها ظلم لا يقبله عقل راشد ولا يمكن أن تقره شريعة نزلت بالميزان القسط، وكيف تلزم من له دين تساوي قيمته عمارة أن يقبض ما لا يكفي لكراء شقة. وهذه الصورة هي كقميص سيدنا عثمان ﵁ تثير المشاعر أو تعجل بالحكم ولا تتعمق في أبعاد المشكلة. ما يقتضيه الربط القياسي: لما كانت القاعدة التي استندت إليها الدعوة للربط القياسي هي العدالة، فإن العدالة لا تفرق بين دين ودين، ولا بين وضع ووضع، ولذلك لا بد من التفصيل في الالتزامات الآجلة حتى نتصور ما يترتب على هذا الأساس. ١- الديون التي منشؤها القرض بلا ربا: وهو عمل خير قصد به وجه الله، ثم حدث أن ضعفت القوة الشرائية للنقود التي تم بها القرض: فاعتمادًا على قاعدة العدالة يجب أن يضاف إلى الدين نسبة النقص، فإذا فرضنا أن التآكل للقيمة هو ٨? في السنة، ومضى على الدين خمس سنوات مما يفرض على المدين أن يضيف حوالي ٥٠? والمدين قد يكون نشاطه يوفر له التعويض عن التآكل، وقد لا يوفر له ذلك. فالأجراء والموظفون في معظم بلاد العالم لا يوجد ربط قياسي ينطبق بصفة آلية على أجورهم ورواتبهم، بل إن الزيادات التي تتحقق بعد مفاوضات طويلة مقصودة غالبًا لا يقبضها أصحابها إلا بعد أن يكون مفعول التضخم قد تجاوزها، فهذه الشريحة من المجتمع وهي الأكثر نكون قد ظلمناها لو طبقنا مبدأ الربط القياسي، لنضمن للجهة الأقوى الدائن كامل حقوقه، هذا من ناحية ومن ناحية أخرى، فإنه إذا تم هذا بين مسلمين من ألمانيا وارتفعت قيمة المارك الألماني فإن تطبيق مبدأ العدالة يقتضي أن لا يطلب الدائن عدد الماركات التي أقرضها وإنما يتقاضى أقل منها على نسبة القوة الشرائية التي حصل عليها المارك.

стр. 14888

٢- الديون الناشئة عن بيع آجل: هذا البيع الأصل أن يتكايس فيه المتبايعان، ويحسب كل طرف ما يرضاه لنفسه في هذا العقد، ويحصل بينهما الرضا بشروط العقد وطريقة الخلاص، ويكون البائع قد قدر في حسابه من جملة المعطيات عامل التضخم، فإذا ألزمنا المشتري بدفع زائد التضخم نكون قد ظلمناه بدفعه للفارق مرتين – مرة تقديريًّا حسبما ظنه البائع - ومرة واقعيًّا حسبما أثبته المعيار الذي قد يكون مساويًا لتقديرات البائع أو أرفع أو أخفض. ٣- الودائع في البنوك: الحساب تحت الطلب، هذه الودائع لا يختم عليها وإنما يتصرف فيها البنك في مشاريعه الاستثمارية تبعًا للضوابط التي يلزم بها البنك المركزي جميع البنوك، فهي إذن قروض مستحقة الأداء عند طلب المقرض، فلو ألزمنا المقرض بأن يضيف إلى المال المقرض ما تآكل من قيمة القرض أو أن ينقص من القرض ما زاد من القيمة يحدث اختلال في المصارف كبير. ٤- القراض: قد يكون نشاط عمل القراض يطول سنوات يحدث فيها التضخم أو العكس، فعند التنضيض، القاعدة أن ما زاد على رأس المال هو ربح، فهل نعتبر رأس المال هو العدد الذي قبضه العامل يوم عقد القراض؟ أو أن رأس المال هو باعتبار ما طرأ على قيمة رأس المال من تآكل أو قوة؟ معنى هذا أنه لو كان القراض بمائة ألف جنيه واستمر خمس سنوات، وكان التضخم يساوي ٨? وبعد التنضيض وجد العامل بين يديه ٢٠٠ ألف جنيه وقسطه من الربح هو ٥٠? حسب العقد فهل يستحق ٥٠ ألف جنيه؟ ويرد على صاحب المال المائة التي هي رأس المال والخمسين الربح؟ أو هو ملزم بأن يرد عليه قيمة ما أخذ فيكون حظه من الربح حوالي ٢٦ ألف ويعطي لرب المال ١٧٤ ألفًا، والعكس فلو حدث في رأس المال قوة شرائية زائدة فهل يرد عليه رأس ماله عدًّا أو ينقص له بمقدار ما قويت به العملة ويعتبر ذلك ربحًا له حظه منه؟ ٥- أن قضايا النزاع في الديون كثيرًا ما يطول أمد التقاضي فيها، فلو فرضنا أن المالك قام مدَّعيًا أن المكتري ماطله سنتين ولم يدفع له كراء الباخرة، وادعى المكتري أنه قام بأداء ما عليه إلا أن وثائقه قد احترقت في الحريق الذي أتى على مكتبه، واستعان كل منهما بما يرجح وجهة نظره، فهذه القضية محل اشتباه، ثم إن الحاكم حكم بعد نشر القضية بأن على المكتري أن يدفع للمالك ما تخلد بذمته، وطال أمد التقاضي ٣ سنوات: فهل يحكم الحاكم بمائتي ألف جنيه حسبما جاء في العقد أو يضيف إلى تلكم القيمة ما دخل من تآكل أو ينقص ما طرأ من قوة؟

стр. 14889

٦- الدولة لها حقوق على المواطنين وللمواطنين حقوق عليها، فهل تقضى هذه الحقوق بأمثالها أو يراعى فيها ضعف القدرة الشرائية أو قوتها؟ فإذا عقدت الدولة مع مقاول عقدًا بمائة مليون دولار، ووجدت نفسها غير قادرة على دفع ما تخلد بذمتها حالًا حسب بنود العقد، إما لأن الأموال المخصصة في الميزان قد نفذت لطوارئ اقتضت المصلحة العامة مواجهتها أو لأنها عقدت قرضًا مع ممول خارجي فحصل من الطوارئ ما عطل تنفيذ العقد في أمده، ثم إنها بعد سنة دعت المقاول لتسلمه حقوقه، فهل تدفع له ما قدمه في بياناته أو هي ملزمة بأن تضيف إليه نسبة التضخم أو تنقص منه نسبة القوة عند الأجل؟ ٧- الشراءات المؤجلة على أقساط: كشراء سيارة مقسط ثمنها على خمس سنوات فهل يطبق على هذا الدين مقياس الربط الآلي قوة وضعفًا؟ ٨- تحدث كثير من الباحثين عن الكالئ من الصداق، والذي يترجح عندي أن الكالئ من الصداق يبقى على ما حدد في العقد لأن النكاح مبني على المكارمة، ويجوز فيه ما لا يجوز في البيع من الجهالة. هذه ما حضرني الآن من الصور التي لو أخذنا فيها مبدأ العدالة لحصل اضطراب قوي تبعًا لتعقد المشاكل تعقدًا بلغ حد استعصائها عن الحل، وأعتقد أن منشأ ذلك هو أن النظام العالمي لا يقوم على أسس منطقية ولا عادلة، وأن ترقيع ما تهرأ لا يعطي نتيجة، إذ كلما جذبت الخيط الجامع تمزق الأصل واتسع الخرق على الراقع، إن العالم الإسلامي كما هو تابع للحضارات الغربية في منجزاتها العلمية والتقنية هو واقع تحت سيطرتها الاقتصادية وآليات العمل في هذا الاقتصاد، فهو لا يستطيع تبعًا لذلك أن يحدث نظرة استقلالية في ناحية من النواحي في الوقت الذي هو مشدود إلى عربة القيادة يسير في سكتها مستقيمًا إن سارت على ذلك النحو أو ينعطف يمنة أو يسرة إذا هي انعطفت، ولذا فإن الوضع الاقتصادي يعالج بالعناية للقضاء على أصل الداء لا محاولة تغطية بعض أعراضه، هوهو ما يفرض أن ترتبط العقيدة والاقتصاد والاجتماع والتربية والسلوك كلها فتسير في موكب واحد مستقل ومترابط.

стр. 14890

اشتراط الربط القياسي: إذا كنت قد وصلت إلى أنه لا بد من حل جذري يقوم على أساس استقلالية المنهج الإسلامي نظريًّا تطبيقيًّا، فإن هذا الحل البعيد المنال لا يمكن أن يحدث بين عشية وضحاها، ولكن علينا أن ندعو إليه وأن نذكر به وأن نحييه في القلوب والعقول. وأن سنن الله في الكون جرت على قاعدة التغير لا الثبات التي من مقتضياتها التطور من القوة إلى الفعل، ومن الكمون إلى الظهور ومن التبعية إلى الاستقلال. وسؤال يقوم: هل نجد ما يلطف من شراسة هذا الوضع الاقتصادي الجائر ويقيم أوضاعه المختلفة في هذه الناحية؟ أعني الربط القياسي للالتزامات المؤجلة؟ الجواب عن هذا في نظري: إما أن يكون ربطًا آليًّا في جميع القضايا فقد لمسنا ما يترتب عليه من اضطراب، وإما أن يكون هذا الربط ربطًا بالشرط، بأن يشترط المتعاقدان في الالتزامات الآجلة بمقياس هو معيار ثابت أو أقرب إلى الثبات. رأينا في طالعة البحث أن مالكًا يرى هذا الشرط شرطًا باطلًا لا يصح؛ وهذا لأنه أجرى الفلوس مجرى الذهب والفضة في باب التعامل اعتمادًا على القياس بعلة أن دورها في التعامل واحد، ورأينا بعض فقهاء المالكية يجيزون أن تعتبر القيمة للفلوس إذا ما تغيرت فإذا جاز عندهم الرجوع إلى القيمة بدون شرط فلأن يجوز بالشرط من باب أولى. ولذا فإن الذي اطمأننت إليه أنه يجوز للمتعاقدين في الالتزامات الآجلة أن يضبطا قيمة الالتزام بمعيار هو المرجع عند الأداء، وبهذا يكون كل منهما على بينة من أمره، وعليه أن يأخذ من الاحتياطات للوفاء بالتزامه ما لا يدخل منه عليه ضرر كبير، أما إذا تعاقدا دون شرط فإن الالتزامات الآجلة تقضى بما وقع عليه الاتفاق من العملة في العقد. أما المعيار الذي يرجع إليه المتعاقدان، فهو ما يتفقان عليه: سواء أجعلوا المعيار الذهب أو عملة بلد اقتصادها سليم يصمد على الاهتزازات أو سلة عملات، فعلى أية طريقة واضحة ومحددة من البداية يكون الاعتماد. والله أعلم وأحكم وهو حسبي ونعم الوكيل. كتبه فقير ربه محمد المختار السلامي

стр. 14891

ملخص البحث ضعف القدرة الشرائية للنقود الورقية هذا البحث قد درس في الدورة الثالثة والخامسة لمجمع الفقه الإسلامي، وكانت جملة البحوث وما لحقها من مناقشات وقرارين دونت في المجلة فبلغت خمسًا وستين وتسعمائة صفحة واقتصرت في بحثي على مذهب مالك. للمالكية رأيان في كساد النقود: الرأي الأول: أن الديون تقضى بأمثالها ولا ينظر للقيمة لا عند الانقطاع ولا عند الرخص والغلاء بناء على أن المثلي يقضى بمثله؛ ولأن النقود أثمان فلو جعلناها مقومة لاختل الميزان، وأنها إن انحطت قيمتها فهي مصيبة نزلت بالدائن. الرأي الثاني: أنه ينظر إلى القيمة إما يوم تعلق الدين بالذمة أو يوم انقطاع السكة أو يوم الأداء، أو هما معًا، ولكل من حدد المرجع وجهة، اعتمادًا على العدالة وأن النقود لا تراد لذاتها ولكن لما يمكن حاملها من التحصيل عليه. ولم يوجد نص من علماء المالكية يتحدث في صراحة عن حكم انهيار القدرة الشرائية للفلوس، لكن يفهم من كلامهم التسوية بين انقطاع الفلوس ورخصها صراحة في كلام مالك في المدونة ومن تابعه، وتأملًا في تعليل أهل الرأي الثاني وما صرح به الرهوني في فهمه لكلام أصحاب هذا الرأي. إلا أن ضبط الرخص الذي يكون معتبرًا عند أهل الرأي الثاني لم تنجد لهم تصريحًا به، ولكن يؤخذ إما قياسًا على الجائحة في الثمار أو يعتمد فيه رأي القضاء الذي ينظر في الواقع وملابساتها تبعًا لمقدار الدين وتأثر صاحبه بما طرأ من نقض هل هو مما مدخول عليه حسب العرف ويتسامح فيه أو هو مؤثر؟ العملة الورقية: العملة الورقية حادثة فليس للفقهاء السابقين فيها رأي تبعًا لذلك، ولكن الاتجاه العام للفقهاء المعاصرين أنها تجري عليها أحكام التعامل المقررة في النقود؛ لأنها قامت مقامها وحظيت بالقبول العام اختزانًا للعمل ولتقديمها أثمانًا ومهرًا ونحو ذلك. ويلاحظ أنه تأخذ شبهًا بالنقدين الذهب والفضة في أنها تقضى بها الديون قليلة كانت أو كثيرة، وتختلف عنها في أن مادتها لا قيمة لها بخلاف الذهب والفضة فإن مادة النقود تبقى على قيمة ما تحويه من وزن، وجودة في المعدن المكونة منه. وتأخذ شبهًا بالفلوس في أن الفارق بين مادتها وبين قيمتها كبيرًا جدًّا، ومن ناحية أخرى تختلف عنها، ذلك أن الفلوس الشأن فيها ألا تدخل في التعامل إلا في الأشياء البسيطة التي لا كبير قيمة لها، ولذا جاء في القانون الفرنسي أن قضاء الديون بالنقود المعدنية لا يقبل إلا في حدود تافهة.

стр. 14892

اهتزاز العملة الورقية والارتباط بمعيار: بلغ اهتزاز العملة الورقية في عصرنا الحاضر ما غطى على ما وقع في الفلوس قديمًا وتجاوزه، ذلك: ١- أن الارتباط بينها وبين الذهب قد تم إلغاؤه. ٢- أن الولايات المتحدة تبعًا لقوتها الاقتصادية والعلمية والتقنية فرضت الدولار على العالم كعملة للمبادلات، وامتازت بإصداره، فأخذت دور البنوك المركزية، ونتج عن هذا أنها تتحكم في التقلبات للقيمة النقدية حسب مصالحها. ٣- أنه بجانب الهيمنة الأميركية تقوم هيمنة أخرى، هذه التي تعبث بقيم النقود وتدخل في مبادلات وهمية في سوق البورصة وتزعزع الاقتصاد العالمي؛ لأنها مفرغة من القيم الخلقية، ومن الشعور بالانتساب إلى أوطانها أو إلى العائلة الإنسانية ويقتصر همها على الاستحواذ بشتى الطرق على المال. ٤- ما يمكن أن يحدث داخل حدود البلد الواحد من حروب أو فتن، أو تحول من انتهاج طريق اقتصادي إلى منهج آخر يختلف عنه. هذه العوامل مجتمعة أو مفترقة ما تزال تهدد سلامة الاقتصاد العالمي ولم تسلم الدول العظمى من آثاره، فكيف بالدول السائرة في طريق النمو؟! وترتب على ذلك أن الالتزامات الآجلة سيطر عليها عاملان مخربان: فقدان العدالة. وقلة الكفاءة. إن الناظرين إلى اهتزاز قيمة العملة يطغى عليهم ما حدث في لبنان والعراق وتركيا والمكسيك ولا شك أنها مظاهر مفزعة. ولكنا إذا قلنا باعتماد الارتباط القياسي فإن العدالة تفرض أن يكون ذلك شاملًا لجميع الالتزامات، ولو عممنا لدخل على التعامل اضطرابات أشد من تلك التي حدثت، ولا بد أن يشمل القوة كما يشمل الضعف. الديون لو ربطناها بمعيار، فإنها يجب أن تشمل كل الديون، حتى الحسابات التي تحت الطلب؛ لأنها قروض في الحقيقة، وأن ينقص منها إذا حصل غلاء في القيمة النقدية، ولا يقتصر ذلك على النسب المرتفعة فإنه حتى النسب الضعيفة في الديون الطويلة الأمد تعظم بسبب التضخم التراكمي، وكذلك القراض، ما هو رأس المال؟ هل هو الكمية التي قبضها العامل أو يراعى فيه التضخم فيقسم الربح الزائد على رأس المال بعد إضافة نسبة التضخم لرأس المال؟ الديون التي للدولة على المواطنين وللمواطنين على الدولة الديون التي دخلت ميدان التقاضي كيف تحسب؟ الشراءات المؤجلة على أقساط تطول!! الاقتراح: أن يكون الربط القياسي لا ينطبق آليًّا على جميع المعاملات الآجل ولكن للطرفين أن يشترطا عند العقد الربط، وإذا شرطاه عمل به ويكون المعيار بناء على ذلك هو ما يتفقان عليه سواء أكان الذهب أو مجموعة سلع معينة أو سلة عملات، والله أعلم. كتبه فقير ربه محمد المختار السلامي

стр. 14893

كساد النقود الورقية وانقطاعها وغلاؤها ورخصها وأثر ذلك في تعيين الحقوق والالتزامات إعداد الدكتور محمد علي القري بن عيد الأستاذ المشارك في جامعة الملك عبد العزيز بجدة بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده محمد وعلى آله وصحبه ومن استن بسنته واهتدى بهديه. اللهم ألهمنا الصواب وآتنا الحكمة وفصل الخطاب. ١ - مقدمة: في طبيعة النقود المعاصرة ونظم الإصدار النقدي: تنقسم النقود عند الاقتصاديين بحسب نظام الإصدار إلى نوعين: نقود سلعية ونقود ائتمانية. * وللنقود عندهم قيمتان ملازمتان للنقود دائمًا: الأولى: تلك المستمدة من منافع الاستعمال، والثانية: من منافع التبادل؛ وتكون النقود سلعية إذا كانت الأولى (القيمة الاستعمالية) كبيرة حتى لو كانت غير غالبة على الثانية، أما إذا كانت قيمة الاستعمال ضئيلة لا تكاد توجد أضحت النقود في تعريفهم ائتمانية، ولتوضيح ذلك نعرض ما يلي: الذهب والفضة نقود سلعية (١) لسببين: الأول: أنها وإن استخدمت كوسيط للتبادل بالوزن (المراطلة) أو بالعد (السكة مثل الدرهم والدينار) ، فليس لها استقلال عن أصلها المعدني، فمثلًا دينار من الذهب وزنه مثقال وسعر صرفه عشرة دراهم، لا يختلف في قيمته، عن مثقال من الذهب على شكل سبيكة، فهو وإن كان نقودًا فهو يبقى سلعة كسائر السلع. والثاني: أن لها منافع استعمالية كبيرة، فالذهب والفضة تكون حليًّا وتتزين بهما النساء وترصع بهما السيوف ... إلخ. قيمة هذا النوع من النقود مستمدة في أعين الناس من مصدرين الأول: هو قيمتها الاستعمالية، والثاني: قبولها العام عند الناس وتبني الحكومة لها كنقد، فإذا أبطلها السلطان فلم تعد وسيطًا للتبادل لم تتأثر كثيرًا؛ لأنها تبقى سلعة نافعة تباع وتشترى لأغراضها الأخرى مثل الذهب والفضة (٢) .

стр. 14894

أما النقود الورقية والفلوس (لا سيما ما كان منها من معادن خسيسة) فهي نقود ائتمانية، ومعنى ذلك أن تلك ليس لها أصل تنسب إليه أو تتصل به، فإن كانت مصنوعة من الورق، فإن رقعة تساوي في حجمها وألوانها الدولار ليس لها قيمته التبادلية أو قوته الشرائية، وكذلك الفلوس، فالفلس المصنوع من "النيكل" له قيمة تبادلية مستقلة عن معدنه فلا تكون قيمة وزنه من النيكل كقيمة ذلك الفلس، ثم إن هذا النوع من النقود (الائتمانية) ليس له قيمة استعمالية فالورق النقدي لا يؤكل ولا يتزين به ولا يستخدم لأي غرض نافع في الاستهلاك المباشر (١) . وتستمد النقود الائتمانية قيمتها من مصدرين: الأول: ختم السلطان؛ لأنها صادرة من المصرف المركزي في الدولة التي تلزم قوانينها المواطنين باستخدام تلك العملة وسيطًا للتبادل وأداة للمدفوعات الآجلة (٢) . الثاني: ثقة الناس بها، فربما يكون عليها ختم السلطان إلا أن الناس لا يثقون بأن تلك العملة ستحافظ على قوتها الشرائية في المستقبل فيحجمون بقدر الطاقة (لأن في ذلك مخالفة للقانون) عن التعامل بها، وعكس ذلك صحيح، وقد سجل المؤرخون أن البلشفيك عندما استولوا على الحكم في روسيا ألغوا عملة القياصرة وأصدروا نقودًا خاصة بالحكومة الثورية، لكنهم أسرفوا في طباعة النقود حتى فقدت قوتها الشرائية لارتفاع معدلات التضخم، فصار الناس يعودون إلى استخدام عملة القياصرة رغم علمهم بأن الحكومة المخلوعة لن تعود أبدًا إلى الحكم، لكنهم ارتضوا تلك لعلمهم بأن الكمية الكلية منها لن تزيد ومن ثم ستحافظ نسبيًّا على قيمتها في التبادل مستقبلًا. بعد هذا نقول: إن النقود التي نتعامل بها في يوم الناس هذا في كل أنحاء العالم (بلا استثناء) هي نقود ائتمانية تتميز بما يلي: ١- أن قيمتها مستمدة من قبول الناس لها وثقتهم أنها ستحافظ على قيمتها في المستقبل، ومن ختم السلطان عليها. ٢- ليس لها قيمة استعمالية البته، لا سيما عندما تكون على صفة حسابات في المصارف وأرقام في دفاتر البنوك. ٣- ليس لها معدن أو أصل تنسب إليه، فهي معنوية حتى لو طبعت على الورق أو على رقائق معدنية، ولم يعد لمفهوم "غطاء العملة" أي معنى أو فائدة عملية. ٤- أنها غير مرتبطة بالذهب أو الفضة، وإن نصت تعليمات صندوق النقد الدولي على أن أعضاءه يعرفون عملاتهم بوزن من المعدن النفيس (٣) . ٥- أن هناك جهة حكومية محددة (هي المصرف المركزي) تصدر العملة وتعلن لها سعر صرف تحرص على استقراره وعلى الدفاع عنه وتتبنى السياسات التي تدعمه، ولم يكن هذا معروفًا أو معهودًا أبدًا فيما مضى، فهو من سمات نظم الإصدار النقدي الحديثة ولهذا التطور آثار بالغة الأهمية كما سيظهر فيما بعد.

стр. 14895

٢- انقطاع النقد وكساده وغلاؤه ورخصه: أما وقد ظهر أن النقود السلعية ومنها الدرهم والدينار لم تعد موجودة في زمننا الحاضر، وإنما الناس يتعاملون بالورق النقدي (الائتماني) . فكيف تكون حالات النقود التي تحدث عنها الفقهاء مثل الانقطاع والكساد والغلاء والرخص؟ أ- انقطاع النقود: وقد عرفه الفقهاء بمثل التعريف التالي أو قريبًا منه: "عدم وجود مثل الشيء في الأسواق ولو وجد ذلك المثل في البيوت فإنه ما لم يوجد في الأسواق فيعد منقطعًا" (١) . وقد كان هذا يحدث كثيرًا في الأزمنة القديمة عندما كان الناس يتعاملون بأنواع من النقود، في نفس الوقت، مثل أنواع الدراهم والدنانير والفلوس المختلفة، وقبل ما لا يزيد عن خمسين سنة كانت أكثر مجتمعات الإسلام، لا سيما في الشرق الأوسط، لا تزال تتعامل بما لا يقل عن خمس أو ست عملات في نفس الوقت (٢) . ولذلك يحدث في كثير من الأحيان أن يتعاقد الناس، وتترتب لبعضهم على بعض الحقوق والديون بعملة محددة ثم تنقطع تلك العملة لأسباب كثيرة، منها: توقف سكها في بلد المصدر، ارتفاع قيمة معدنها مقابل العملات الأخرى (إذا ارتفع الطلب على الذهب اختفى من الأسواق) ... إلخ فهي تختفي من الأسواق ولكنها تبقى لدى بعض الأفراد في البيوت. وقد عرفت البلدان التي كانت تتبنى نظام المعدنين (الذهب والفضة) في إصدارها النقدي هذه الظاهرة في العصور الحديثة. فالمملكة العربية السعودية قبل سنة ١٩٥٤ م كانت تعاني من مثل ذلك إذ كانت نقودها الريال (الفضي) والجنيه (الذهبي) فكان ارتفاع أسعار الذهب في خارج المملكة يؤدي إلى اختفائه من الأسواق لاتجاه الناس لتصديره فيختفي من الأسواق وما بقي منه يحتفظ به الناس في منازلهم، ومثل ذلك يحدث عند ارتفاع سعر الفضة، تلك هي حالات الانقطاع التي تحدث عنها الفقهاء. وقد كانت ملاحظة الفقهاء في هذا الموضوع دقيقة، إذ كانت النقود تختفي من الأسواق (أي في التبادل) ولكنها تبقى في البيوت؛ لأن ارتفاع قيمتها يدفع الناس إلى الاحتفاظ بها وادخارها، وهذا شبيه بما يسمى عند الاقتصاديين بقانون قريشام (٣) وواضح أن هذه الظاهرة مردها أن للنقود من ذاتها قيمة لذلك يميل الناس إلى سحبها من التبادل مطمئنين إلى بقاء تلك القيمة فيها؛ لأنها مستمدة من محتواها من المعدن.

стр. 14896

وقد ذكرنا آنفًا طبيعة النظام النقدي المعاصر وأنه يقوم على النقود الائتمانية. فهذا الانقطاع عندئذٍ لا يتصور في ظل النقود الائتمانية. والنتيجة: أن كل ما ذكره الفقهاء من أحكام في موضوع الانقطاع ليس له مناط في زمننا الحاضر. والله أعلم. ب- كساد النقود (١) : وقد عرفه الفقهاء بأنه إبطال التداول بنوع من العملة وسقوط رواجها في البلاد كافة، من ذلك إيقاف حكومة ما إصدار النقد الذي كان متداولًا في البلاد، يحدث هذا في الوقت الحاضر في حالات كثيرة لا سيما في البلاد النامية التي تحدث فيها الانقلابات العسكرية، أو عند تغير السياسة النقدية أو المالية للحكومة ... إلخ، كما كان يحدث قديمًا عند تغير السلاطين والملوك والحكومات. وقد اعتادت الدول في العصر الحديث على خلاف ما كان في الماضي، أن تضرب للناس عندما تقدم على تغير العملة، أجلًا تسمح لهم فيه أن يستبدلوا العملة الجديدة بالقديمة، ثم هي – دائمًا - تحدد لهم سعر الصرف بين العملتين، مثل أن تقول: كل جنيه جديد يساوي في الصرف خمسة قديمة..إلخ، ولا نعرف دولة حديثة أقدمت على إلغاء عملتها القديمة وإصدار عملة جديدة بدون أن تفعل ما ذكر من الاستبدال وتحديد سعر الصرف، وقد أشرنا آنفًا أن تحديد الحكومات لسعر صرف لعملاتها تسعى إلى استقراره، وتدافع عنه وتحرص على استمراره وهو أمر حديث ما كان معروفًا إلا في أنظمة الإصدار النقدية القديمة. إذن فإن الحقوق والالتزامات والديون والقروض لن تتأثر كثيرًا بإبطال النقود، ولما كان سعر الصرف بين العلميتين قد حدد بمرسوم فلا خلاف –في نظر الكتاب- بين حالة الكساد هذه وبين أن يقترض الرجل من أخيه ألفًا من الريالات فيقبض منه ورقتين من فئة ٥٠٠ ريال، ثم إذا حان الأجل وجد أن الحكومة قد ألغت فئة الـ ٥٠٠ ريال، فقضاه عشر ورقات من فئة ١٠٠ ريال، لا فرق بين الحالتين، والله أعلم. (٢) .

стр. 14897

يمكن القول إذن أن مسألة كساد النقود غير متصورة في العصر الحاضر وإن تغيرت العملات وحل الحديد منها محل القديم. ويستثنى من ذلك الحالات التالية: ١- احتلال جيش بلد ما لقطر آخر وإسقاط نظامه السياسي وإلغاء عملته وفرض عملة الغازي على الناس في البلد المحتل (١) . ٢- انهيارالنظام السياسي بسبب الحرب الأهلية وذهاب سلطة الحكومة ووجودها المؤثر في البلاد، فعندئذٍ يحل بنقودها الكساد وتصبح عملتها غير ذات قيمة (٢) . وحتى في الحالتين المذكورتين آنفًا فإن الحكومة التي سيستتب لها الأمر ستعلن عند إصدارها لعملة جديدة (٣) سعر الصرف بين عملتها الجديدة وعملة البلد القديمة. وفي الحالتين المذكورتين فقط نرى أن كلام الفقهاء في موضوع كساد النقود له اتصال بالنقود المعاصرة. ويرى الكاتب أن الحالة الأولى –فقط- تقتضي فيها العدالة وتحقيق مقاصد الشرع العمل على الربط بالقيمة لاحتمال أن المحتل سوف يحدد لعملة البلد القديمة سعرًا مجحفًا لا يراعي فيه مصالح أهل البلد المحتل. والنتيجة: أن الكساد وإن كان مما يصيب النقود في الحاضر كما كان يصيبها في الماضي إلا أن ما يترتب عليه من مشكلات شديدة الاختلاف عبر الزمان القديم، بل إن فتاوى الفقهاء القدامى إنما تعالج مشاكل غير موجودة في عالم اليوم فليس لها (أي تلك الفتاوى) عندئذٍ –في نظر الكاتب- مناط في عالمنا المعاصر، والله اعلم. ج- الغلاء والرخص: إذا كان الانقطاع والكساد لم يعد –في نظر الكاتب- من التغيرات التي تصيب النقود المعاصرة، فإن الغلاء والرخص هو مما تتعرض له النقود في الزمن الحاضر كثيرًا، وتتولد عن ذلك مشكلات متعددة تدخل ضمن ما تعارف الاقتصاديون على تسميته بالتضخم.

стр. 14898

وقد تحدث الفقهاء القدامى عن الغلاء والرخص وما يترتب على ذلك من أثر على الديون والمهور المؤجلة والقروض..إلخ، والغلاء والرخص عندهم إنما هو مسألة تتعلق بالديون المعقودة بالفلوس أو الدراهم والدنانير المغشوشة وليس بالذهب والفضة، ذلك أنهم قد أجمعوا على أن الديون بالدرهم والدينار لا تتأثر بالغلاء والرخص، فليس للدائن إلا ما ثبت في ذمة المدين ولم يشذ عن ذلك أحد بمن فيهم أبو يوسف –﵀ (١) هذا مع أنهم كانوا يعرفون التضخم كما سيأتي تفصيله. وانقسموا في موضوع الديون والالتزامات المعقودة بالفلوس أو الدراهم المغشوشة في حالات الغلاء والرخص إلى أقوال ثلاثة: أ- فمنهم من قال: ليس للدائن إلا ما ثبت في ذمة المدين كالحنابلة، جاء في المغني "قد ذكرنا أن المستقرض يرد المثل في المثليات سواء رخص سعره أو غلا أو كان بحاله، ولو كان ما أقرضه موجودًا بعينه فرده من غير عيب يحدث فيه لزم قبوله سواء تغير سعره أو لم يتغير.." (٢) والشافعية، قال في الأم: "ومن سلف فلوسًا أو دراهم أو باع بها ثم أبطلها السلطان فليس له إلا مثل فلوسه أو دراهمه التي سلف أو باع بها" (٣) . والمالكية: جاء في المدونة "قلت: أرأيت إن أتيت إلى رجل فقلت له أسلفني درهم فلوس، ففعل، والفلوس يومئذٍ مائة فلس بدرهم ثم حالت الفلوس ورخصت حتى صارت مائتا فلس بدرهم، قال: إنما يرد ما أخذ لا يلتفت إلى الزيادة" (٤) . ب- ومنهم من قال: يجب على المدين أن يؤدي قيمة النقد الذي طرأ عليه الغلاء أو الرخص يوم ثبوته في ذمة المدين يؤديه دراهم أو دنانير، وهذا رأي أبي يوسف (٥) .

стр. 14899

ج- ومنهم من قال: يقيد رد القيمة بأن يكون التغير فاحشًا وإلا فالمثل، وهذا ما ذكره الرهوني في حاشيته على شرح الزرقاني لمختصر خليل (١) . وهنا يجب ملاحظة النقاط التالية: إن الفقهاء عندما يتحدثون عن الغلاء والرخص في النقود، فإنهم يشيرون إلى علاقة النقود الرائجة بالذهب والفضة؛ لأنها هي عندهم النقود بالخلقة، وهي الأثمان التي إليها تنسب النقود وتقاس عليها، ولم يتحدثوا أبدًا عن علاقة بين النقود (التي أصابها الغلاء والرخص) والمستوى العام للأسعار، أي أثمان جميع الأشياء. أما الغلاء والرخص للنقود في زمننا الحاضر فمفهومها مختلف عما سبق، وهي لا تخلو أن تكون أحد أمرين بينهما اتصال كبير: أ- أنها تشير إلى علاقة العملة المحلية بسلة من العملات الدولية أو بعملة خارجية، مثل أن يتغير سعر صرف العملة المحلية مقابل الدولار أو المارك.. إلخ، أو علاقتها بحقوق السحب الخاصة، فيقال كانت الليرة تساوي دولارًا واحدًا في سنة كذا وهي اليوم ألف ليرة بدولار.. إلخ. ب- أنها تشير إلى التغيرات التي تطرأ على ما يسمى بمؤشر تكاليف المعيشة (CPI) والذي يفترض أنه يقيس التغير في القوة الشرائية للنقود أو المستوى العام للأسعار فيقال: كان يكفي المواطن في سنة كذا راتب مقداره مائة ليرة في الشهر واليوم لا يكفيه عشر آلاف.

стр. 14900

عليه نقول: إن كلام الفقهاء القدامى في مسالة غلاء ورخص النقود لا يتعلق أبدًا بالمستوى العام للأسعار بل بعلاقة الفلوس والدراهم المغشوشة بالذهب والفضة. إذن فإن بين مفهوم الفقهاء القدامى للغلاء والرخص والمفهوم المعاصر للتغيرات في القوة الشرائية للنقود فروقًا كبيرة تؤثر في نظرنا في الحكم، منها: ١- أن التغيرات التي تطرأ على الذهب أو الفضة ليست تحت سيطرة أو إرادة الحكومة أو أي فرد من أفراد المجتمع، فلا يمكن والحال هذه أن توجه المصلحة جهة بعينها، فمن المعلوم أن سعر هذين المعدنين (حتى يوم الناس هذا) معتمد على تفاعل قوى العرض والطلب في السوق العالمية والتي –وإن تأثرت مؤقتًا بقرارات من حكومات معينة- فهي مستقلة عن أي جهة، ومن ثم فإن الارتفاع أو الانخفاض فيها لا يحدث بطريقة منتظمة (Systimatic) يمكن توقعها أو التنبؤ بها بدقة، وإنما هي تغيرات أشبه ما تكون بالأنواء والأحوال الجوية فهي كضرب عشواء (١) هذا على خلاف مؤشر تكاليف المعيشة الذي يقيس القوة الشرائية للنقود، والنقود في يد الحكومة يصدرها مصرفها المركزي وتؤثر عليها وعلى قوتها الشرائية سياساتها النقدية والمالية. فربما زادت الحكومة من عرض النقود حتى ترخص، فإذا رخصت وأصبحت السلع والخدمات أغلى مما سبق ارتفع مؤشر تكاليف المعيشة والمذكور فلا تستطيع الحكومة عندئذٍ دفع ما عليها إلا بمزيد من النقود، فتصدر مزيدًا منها، فإذا أصدرت المزيد زادت النقود رخصًا.. وهكذا يدور الاقتصاد في حلقة مفرغة، ويصبح تغير النقود بالرخص جزءًا من نظام نقدي معتمد من الحكومة، ويضحي الانخفاض في القوة الشرائية للنقود معروفًا للجميع (٢) .ويشهد على ذلك أن العالم برمته لم يشهد منذ نحو ٥٠ عامًا إلا الارتفاع في الأسعار، وربما اختلفت نسبة الارتفاع من سنة إلى أخرى ومن بلد إلى ثانية وربما شذ عن ذلك آحاد السلع، ولكن الظاهرة العامة هي الارتفاع المستمر في تكاليف المعيشة، أليست هذه الظاهرة أبين وأثبت وأرسى وأشد تأثيرًا من العرف الذي إذا ساد لم تصح معه الزيادة في القروض؟ فإذا سمح بأن تقتضي الديون بالقيمة لا بالمثل فإن ما في ذمة المدين "سيزيد" (وليس له اتجاه إلا الزيادة) بنسبة كذا في السنة، لا فرق عندي بين هذا الربط وبين المتعارف أو التشارط على زيادة في القرض (أو الدين الذي ثبت في الذمة) كنسبة من الفائدة المتغيرة، ذلك هو عين ربا بالنسيئة؛ لأن الزيادة لا تختلف في حقيقتها وأثرها وحكمها الشرعي عن ذلك العرف والشرط والله أعلم.

стр. 14901

٣ - التضخم وارتفاع الأسعار ليس جديدًا على العالم بل كان معروفًا عند القدماء: يعرف التضخم بأنه الارتفاع الملموس للمستوى العام للأسعار في بلد خلال فترة زمنية معينة، وهو يعني انخفاض القوة الشرائية للنقود، وهي المشكلة التي يعاني منها كل مجتمعات اليوم تقريبًا، هذا التضخم ليس جديدًا على العالم بل عرف حتى في الأزمنة القديمة، وقد حدثت كثيرًا في بلاد المسلمين في الماضي، وحاصرها أكثر الفقهاء القدامى، وقد سجلت كتب التاريخ الإسلامي أمثلة كثيرة على ذلك منها على سبيل المثال لا الحصر ما ذكرت بعض كتب التاريخ: "ودخلت سنة ست ومائتين.. قيل وكان فيها رخص حتى بلغ الطعام ثمنًا خسيسًا فأخبرني سعيد ... قال: جاء رجل من أهل المرج.. ليطحن في رحاها وكان السعر رخيصًا جدًّا، فلم يطحن له من كثرة الطعام وهوانه فجاع وقال لطحان: خذ مني الحنطة، وأعطني دقيقًا فلم يفعل، قال: فأعطني رغيفين آكلهما وخذ من الحنطة ما تريد قال: ما بي حاجة إلى ذلك وكلم غيره في مثل ذلك فلم يفعل ... " (١) . "ودخلت سنة سبع ومائتين ارتفع السعر وغلا بالموصل وسائر بلاد الجزيرة والبصرة والكوفة حتى بلغ الكر (٤٠ أردب) نيفًا وثلاثة آلاف درهم ... " (٢) . وخلال القرن السادس عشر الميلادي شهد العالم كله ارتفاعًا ملموسًا في مستويات الأسار جاء بسبب تدفق الذهب على أوربا بعد اكتشاف العالم الجديد ثم انتقل الذهب حاملًا معه التضخم إلى أنحاء العالم المختلفة بعد ذلك. ومنتفٍ أن يكون الفقهاء القدامى على غير علم بهذا الغلاء ولم يعرفوا بحدوث التضخم، كيف يكون ذلك وأشهر الرسائل التي ألفت في مسألة الغلاء والرخص إنما جاءت في نحو هذه الفترة (أي في القرن السادس عشر الميلادي، العاشر الهجري وما بعده) (٣) ، ومع هذا فقد وجدنا أنهم كانوا دائمًا يتحدثون عن القيمة لتعني الذهب والفضة ولم يعبأوا أبدًا بمسألة انخفاض أو ارتفاع القوة الرائية لهذين المعدنين، ولم يروا أن لها تأثيرا على الديون الثابتة في الذمة بالدرهم والدينار، مع أنك ترى أن القوة الشرائية للدرهم والدينار تتغير وكانوا يدركون ذلك تمامًا.

стр. 14902

ورب قائل: إن السبب في ذلك إنما يعود إلى أنهم لم يطوروا مقياسًا يمكن من خلاله التعرف على القوة الشرائية للنقود (CPI) ولو كانوا عرفوه، لما وسعهم إلا الفتوى بجواز تبينه والقول بملاءمته في حالات الغلاء والرخص. والجواب عن هذا: أ- أنهم لم يكونوا بحاجة إلى مثله لإدراك أن التضخم يجتاح البلاد، ذلك أن السلع والخدمات في زمنهم كانت قليلة محدودة ومستويات المعيشة متقاربة والحاجات الأساسية للناس معروفة: هي القمح والزيت واللحم والتمر وما إلى ذلك، فإذا ارتفع سعر حتى واحد منها لمس ذلك بشكل واضح لدى جميع الناس، وهي أدق في قياس المستوى العام للأسعار من المؤشر لأن الأخير يعتمد على عينات قليلة من مجموعة كبيرة جدًّا من السلع والخدمات ثم يعمم النتيجة على تكاليف المعيشة، وإنما احتاج الناس إلى المؤشر لما تعددت الحاجات وكثرت السلع وأنواعها وأشكالها حتى صارت تعد بآلاف، وظهرت الخدمات جزء مهم في النشاط الاقتصادي وتوسعت المناطق وكثر سكان البلاد، والأهم من هذا كله هو أن هذه المؤشرات إنما ظهرت عند ظهور نموذج الدولة الحديثة التي تتبنى سياسة نقدية تهدف إلى تحقيق استقرار في الأسعار، وثبات لصرف العملة، وتحتاج إلى طريقة لاتخاذ القرارات المتناسقة. ب - إن مؤشر تكاليف المعيشة لا يصلح إن يكون مقياسًا للعدل أو الظلم أو أداء لحفظ الحقوق فهو لا يعول عليه، كيف وهو مقياس تقريبي جدًّا تؤثر عليه الأهوال وتتحكم فيه السياسة – وقد بسطنا جوانب أخرى من أسباب القول بعدم صلاحيته في الملحق رقم (١) . ٤ - الفروق الأساسية بين الربط بالذهب والربط بمؤشر تكاليف المعيشة: سبق أن ذكرنا أن بعض الكتاب المعاصرين قد فهم –خطأً- كلام الفقهاء عن "الرد بالقيمة" (وهو كثير) أنه مرادف للقول بالربط بالمستوى العام للأسعار، وقد رأينا أن ذلك غير صحيح إذ إن القيمة عند الفقهاء هي الذهب والفضة، ونحن الآن نزيد في إيضاح أن الربط بالذهب مختلف في حقيقته وفي آثاره عن الربط بمؤشر تكاليف المعيشة، فالقول بجواز الربط بالذهب يختلف في مآلاته وفي حقيقته عن القول بجواز الربط بالمؤشر. أ- منها، أن مؤشر تكاليف المعيشة هو مقياس تقريبي (جدًّا) يقيس بطريقة مبسطة ظاهرة بالغة التعقيد سريعة التغير عظيمة الخطورة، وهو لا يعتمد على عناصر موضوعية فقط بل تؤثر فيه الأهواء وتوجهه الأغراض السياسية وتصدره وتشرف عليه الجهة الوحيدة التي تستفيد دائمًا من التضخم وهي الحكومة، فلذلك نجد أن لها – أبدًا - مصلحة في زيادة (التضخم بإصدارها النقود بلا حدود) ثم إخفاء الآثار السيئة لهذه الفعلة المشينة بالتلاعب بمؤشر تكاليف المعيشة، ولذلك لا غرابة أن نجد أن هذا المؤشر في جميع الدول النامية تقريبًا لا قيمة له ولا يعول عليه ولا يستمد منه أية منفعة عملية، أما الربط بالذهب فهو يعيد النقود إلى أصلها الصحيح وهي الارتباط بالمعدن النفيس.

стр. 14903

ب- إن الربط بمؤشر تكاليف المعيشة سياسة ثبت فشلها عمليًّا في دول أميركا اللاتينية وهي لا تعالج التضخم بل تؤدي إلى تفاقمه وتسارعه كما ثبت من التجربة، ذلك لأن مستوى الأسعار إذا زاد ارتفع مؤشر تكاليف المعيشة، الأمر الذي يعني أن جميع القروض والديون والالتزامات المالية المؤجلة المربوطة ستزيد بنفس النسبة مما يزيد من تكاليف الإنتاج، الأمر الذي سينعكس على زيادة في معدلات الأسعار فيرتفع المؤشر مرة أخرى وهكذا يدور الاقتصاد في حلقة مفرغة، أما الربط بالذهب فلا يؤدي مثل ذلك لأن ارتفاع سعره ربما تبعه ارتفاع في القيمة النقدية للديون والالتزامات ومن ثم ارتفاع التكاليف مثل المؤشر ولكن ذلك لن يؤدي بحال إلى ارتفاع سعر الذهب مرة أخرى لأنه مستقل عن كل بلد. ج- إن أكثر المطالبين بإيجاد صيغة "شرعية" للربط بمؤشر تكاليف المعيشة هي الحكومات الإسلامية التي تقترض من مواطنيها بإصدار السندات بالفائدة وتلاقي الضغوط الكثيرة من جهات متعددة في بلادها تنادي بالامتناع عن التعامل بالربا، وأنه لا سبيل إلى اجتثاث داء الربا من معاملات الأفراد إذا كانت الحكومة هي أكبر المتعاملين به، وهذه الحكومات لا ترى سبيلًا لتمويل عملياتها إلا بالاقتراض وتراكم الدين، والاقتراض في زمننا الحاضر غير متصور بدون اشتراط الزيادة للمقرض، فكان الربط القياسي المخرج الذي يريدون من خلاله الوصول إلى ما يريدون وما أيسر ذلك إذا كانت الحكومة التي تقترض بإصدار سندات مربوطة هي ذاتها التي تصدر النقود وتولد التضخم، وهي عينها التي تصدر الإحصاءات التي يحسب المؤشر بناء عليها، وما على تلك الحكومات إذن إلا أن تتأكد أن جميع ذلك يتجه دائمًا إلى الارتفاع المستمر. ولكن لو قيل لهذه الحكومات: فلتربط تلك السندات بالذهب وليس المؤشر (ولا يعني هذا أني أنادي بذلك) لوجدت أن الأمر قد اختلف لأنها عندئذٍ سوف تضطر إلى إصلاح أمورها المالية وإلا فستجد نفسها في يوم من الأيام غير قادرة على الاقتراض، وسوف ترى أنه ليس من مصلحتها أن تتوسع بدون حدود في إصدار النقود الورقية والاستدانة من الجمهور بلاد حدود. ٥ - ليس صحيحًا أن "النقدية" قد زالت عن الذهب: يعتقد كثير من الناس أن معدن الذهب ليس – الآن - أكثر من سلعة كسائر السلع ليس لها خصوصية، ومن ثم فإن ارتباط النقود بها ليس له مبرر إلا كمبرر ارتباطها بالبترول أو القمح أو أية سلعة من السلع المتداولة في الأسواق العالمية، وأن الزمن الذي كان الذهب فيه نقودًا قد مضى وانقضى، وأن التعلق بالذهب في هذا المجال ليس أكثر من شعور "عاطفي" لا مبرر له.

стр. 14904

وهذا غير صحيح (على إطلاقه) إذ لا يزال الذهب هو أصل النقود ومنه استمدت أكثر العملات رواجًا في العالم قيمتها (في الأصل) وإن انتهت صلتها المباشرة به في الوقت الحاضر. واليوم، لا يزال للذهب مكانته الخاصة وطبيعته المتميزة التي يختلف فيها عن أي معدن آخر، وهو ينتسب إلى النقود والمالية أكثر من انتمائه إلى السلع الاستهلاكية والصناعية، خذ على سبيل المثال: أ- استعمل الناس الذهب كوسيط للتبادل قبل أكثر من ٣٠٠٠ سنة. وبقي بصورة أو بأخرى، هو عملة العالم حتى سنة ١٩٧١ عندما ألغت الولايات المتحدة قابلية تحويل الدولار إلى الذهب، لكن مع ذلك يبقى الذهب كأفضل مقياس للقيمة وإن كان مقياسًا غير مباشر في المعاملات المعاصرة. وبقدر ما يتعلق الأمر بقياس القيمة فإننا في واقع الأمر لم نخرج عن نظام الذهب حتى اليوم فمن ذلك: - أن سعر أوقية الذهب عندما خرجت الولايات المتحدة عن نظام الذهب سنة ١٩٧١ كان ٣٥ دولارًا، واليوم تضاعف هذا السعر عشر مرات ليصبح ٣٥٠ دولارًا تقريبًا، ولكن الملفت للنظر أن كثيرًا من المؤشرات النقدية قد تضاعفت أيضا عشر مرات، فمثلًا تضاعف الدين العام في الولايات المتحدة عشرة أضعاف، وزادت تكاليف الدين العام عشر مرات، وارتفعت أسعار الفائدة الحقيقية عشرة أضعاف ... إلخ، كل ذلك دليل على أن الذهب لا يزال في الحقيقة هو "النقود بالخلقة". - أقوى العملات في العالم اليوم هي تلك التي حافظت على علاقة مستقرة مع الذهب (١) فعلى الرغم من عدم وجود ربط رسمي فإن اليابان تحرص دائمًا على استقرار علاقة الين بالذهب، لذلك فقد تضاعفت قيمة الذهب بالين ثلاث مرات منذ سنة ١٩٧١، بل إن سياسة اليابان النقدية معتمدة على تحديد أهداف تتعلق بالمحافظة على علاقة مستقرة للين بالذهب (٢) . - لا يزال الذهب هو أفضل المؤشرات الدالة على اتجاه الأسعار في المستقبل، وبينما تمتلئ كتب الاقتصاد بالتحليلات الاقتصادية المعقدة عن علاقة مستوى الأسعار في المستقبل بالكمية النقدية إلا أن الواقع يدل على أن الذهب هو أفضل المؤشرات، ولقد نجحت الولايات المتحدة في السنوات الأخيرة في تحقيق الاستقرار في مستوى الأسعار بعد أن تبنى بنكها المركزي (نظام الاحتياط الفدرالي) الذهب كأساس لسياسته النقدية.

стр. 14905

ب- يعتقد كثير من الخبراء النقديين لاسيما بعض أعضاء مجلس المصرف المركزي الأمريكي (نظام الاحتياطي الفدرالي) أنه لا سبيل إلى إيجاد نظام نقدي دولي مستقر إلا بارتباط العملات الدولية الرئيسية بطريقة أو بأخرى بالذهب، وقد انضم حاكم المصرف المركزي الأمريكي مؤخرًا إلى مثل هذا الرأي. كل ذلك دليل على أن الذهب لا يزال هو النقود الطبيعية. ج- تمنع القوانين المصرفية في أكثر دول العالم البنوك من التجارة في السلع مثل القمح أو البترول أو الفوسفات أو النحاس أو الألمونيوم ... إلخ إذ تحصر نشاطها في النقود بأنواعها، وتدخل هذه القوانين الذهب في معية النقود لا السلع ولذلك فهي تجيز للبنوك المتاجرة به والاستثمار فيه. د- يتميز الذهب –بخلاف سائر المؤشرات وجميع السلع- باستقلاله عن القوى المؤثرة من دول وبنوك وشركات استثمار وأفراد، وسبب ذلك أن السلع الأخرى مثل البترول أو القمح وما شاكلها تهلك بالاستعمال، ولذلك فإن العرض الكلي لها هو العرض المعد للبيع لغرض الاستهلاك اليوم أما إنتاج الأمس فقد انتهى، لكن أمر الذهب مختلف، فهو لا يتعرض لمثل هذا. لذلك فإن العرض الكلي للذهب اليوم هو جميع الذهب الموجود في كل أنحاء العالم منذ أن اكتشف الإنسان الذهب، ولا يستبعد الخبراء أن ذهب الفراعنة وذلك الذي استخرج في زمن حامورابي جميعها تتداول في أيدي الناس اليوم بعد أن تغيرت في أشكالها مرات كثيرة، ولما كان الذهب في تزايد من جهة الإنتاج وجدت أنه كلما مر الوقت أدى ذلك إلى زيادة "استقلال" الذهب عن سيطرة جهة بعينها. هب أن دولة ما قررت تخفيض قيمة الذهب (مع أننا لا نتصور مصلحة أو قدرة لأية دولة في مثل هذا العمل) بزيادة المعروض منه، يجب على مثل تلك الدولة أن تنتج كميات كبيرة جدًّا تؤثر على المعروض الكلي منه وهذا أمر عسير على أية دولة لاسيما إذا علمت أن ذلك يعني أنها ستمنى بخسارة لأن إنتاجها من الذهب –إن كانت منتجة- سيكون ذا قيمة أقل بقدر ما تزيد من البيع وتنجح في خفض الأسعار، ولا نعرف دولة اليوم عندها مثل هذه القدرة، افترض أن دولة رغبت في رفع أسعار الذهب (ولا نتصور مصلحة لأية دولة في أن تقوم بمثل ذلك) . عليها عندئذٍ أن تشتري منه كميات كبيرة، وهي عندما تفعل ذلك ستدفع الثمن بعملتها الورقية مما يؤدي إلى تدهور قيمة الأخيرة وهو أمر لا ترغب في حصوله الدول. وغير متوقع أن دولة ما لديها من الذهب ما يؤدي إلى مثل ذلك. وحتى على افتراض حصول ذلك، فإن الدولة التي تفعل مثل هذا ستفعله مرة واحدة فلا تستطيع الاستمرار فيه بطريقة منتظمة كالنقد الورقي الذي لا يكلف إلا الحبر والورق.

стр. 14906

هـ- والإنتاج العالمي من الذهب لا يضيف إلى الكمية الكلية الموجودة منه أكثر من ٢? سنويًّا، الأمر الذي يعني استقرار العرض الكلي منه ومن ثم استقرار النقود المعتمدة عليه، بخلاف النقود الورقية التي يمكن للحكومة والبنوك أن تولد منها كميات لا تكاد تكون محدودة. ٦ - الذهب أفضل الوسائل لاستقرار الأسعار: قد حدث في الماضي كما ذكرنا أعلاه أن ارتفعت الأسعار وانخفضت حتى في ظل النظام الذهبي، لكن الثابت أن التقلبات في الأسعار في ظل الذهب إنما هي في المدى القصير فحسب، أما على المدى الطويل فإن الذهب هو أفضل وسيلة لتحقيق الاستقرار في الأسعار لأجيال بل لقرون، فمثلًا في الفترة التي اعتمدت فيها بريطانيا نظام قاعدة الذهب وهي من ١٧١٧م حتى ١٩٣٤م كان المستوى العام للأسعار ثابتًا تقريبًا، وكذلك الحال في الولايات المتحدة فقد استقرت الأسعار بدون تغير يذكر منذ سنة ١٧٩١ م عندما تبنت الحكومة نظام الذهب حتى الحرب العالمية الثانية (١) . ٧ - المآلات الشرعية والاقتصادية للقول بجواز الربط بالمؤشر: الأمور بمآلاتها، وما أدى إلى الحرام فهو حرام.. هذه جميعًا قواعد معروفة، ولذلك وجب علينا عند الاختلاف حول مسألة الربط أن نسترشد بمآلات إذا خفي علينا الدليل وعسر القياس، ومآل القول بجواز الربط هو أولًا: استباحة الفائدة الربوية بحيلة مشينة، بل إني أقول إنه لا معنى للقول بحرمة الفائدة إذا قلنا بجواز الربط القياسي، لأن تحريمها لا يعدو عندئذٍ أن يكون لغوًا، ذلك أن المحصلة واحدة والنتيجة واحدة بين القول بجواز الربط بمؤشر تكاليف المعيشة والقول بجواز الفوائد المصرفية للأسباب التالية: - معلوم أن مؤشر تكاليف المعيشة هو في اتجاه مستمر إلى الارتفاع لا إلى الانخفاض (إلا في النادر جدًّا) ، هو ربما ارتفع قليلًا وربما زاد كثيرًا ولكن اتجاهه معروف، يترتب على القول بجواز الربط إذًا: أولًا: أن رأس المال في جميع القروض والديون سوف يكون مضمونًا لأنه لا يتصور انخفاض الأسعار بطريقة تأتي على جزء منه. ثانيًا: إن الزيادة حاصلة بشكل مؤكد (بسبب ما ذكرنا) وإن كانت غير معروفة بالنسبة عند التعاقد بين الأفراد لأنها لا تعلن إلا في نهاية العام، (ولكنها معروفة بصفة شبه مؤكدة عند الحكومة) . فلا اختلاف بين الربط إذن وبين الفائدة المتغيرة، فالقول بجواز الربط مآله التعامل بالربا واستباحته بأدنى الحيل.

стр. 14907

-ومنها، أن الربط يؤدي إلى مزيد من الظلم وليس إلى استتباب أركان العدل في المجتمع، ذلك أن الربط إنما يحمي الدائنين على حساب المدينين الذين هم أبرياء من اقتراف "جريمة" التضخم، والدائنون هم الأثرياء الموسرون والمدينون هم في غالب الأحوال المستثمرون الذين ينفعون المجتمع بتوليد الثروة وإيجاد فرص العمل للناس، وهم الأفراد ذوو الدخول المتدنية الذين يشترون حاجاتهم الأساسية بالتقسيط والدفع الآجل، يؤدي الربط عندئذ إلى إعادة توزيع الدخل في المجتمع لصالح تلك الفئة الغنية فيضحى الحال كما حذرت منه الآية الكريمة ﴿كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ﴾ [الحشر: ٧] . -والربا إنما حرم لما فيه من الظلم كما قال تعالى: ﴿لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٧٩] فهذا الربط لما ثبت فيه من الظلم آل إلى ما يؤول إليه الربا فاستحق ما أوجب الله عليه من حكم، فالظلم صفة مشتركة بين الربا والربط. -ومنها، أن ربط ديون لحكومة بمؤشر تكاليف المعيشة يزيد من تكلفة الدين الحكومي، ذلك أن الفائدة التي تدفع على السندات الحكومية تقل (في كل دول العالم تقريبًا) عن معدل التضخم نظرًا إلى تدني مستوى المخاطرة في تلك السندات، فإذا ربطت هذه الأسناد بمؤشر تكاليف المعيشة زاد ما تدفعه الحكومة من ربا على هذه الديون، فمن أين ستأتي الحكومة بمثل تكل الزيادة؟ لا مصدر لذلك إلا: أ- زيادة الضرائب على الناس، وهذا مؤداه اقتطاع مزيد من دخول الأفراد يحول إلى دائني الحكومة وهم الأثرياء وجلي ما في ذلك من الظلم أو: ب- التوسع في الإصدار النقدي بطريقة تؤدي إلى تفاقم مشكلة التضخم وتدهور القوة الشرائية للنقود وواضح ما في ذلك من ظلم أو: ج- توجيه ما كان من الممكن أن يستخدم في بناء المدارس والمستشفيات التي يستفيد منها جميع الناس، توجيهًا إلى دائني الحكومة من حملة الأسناد وهو ظلم لأولئك الذين لا يحملون سندات الدين، وهذا في الحالات التي يكون للحكومة موارد غير الضرائب.

стр. 14908

-ومنها، أن انتشار العمل بالربط في القطاع المصرفي يعني أن الودائع بكل أنواعها (حتى الحسابات الجارية) ستزيد بمقدار ارتفاع الأسعار، هذه الزيادة النقدية من أين ستأتي بها البنوك؟ أ- أما بالنسبة للبنوك التقليدية فهي ستضطر إلى رفع سعر الفائدة على القروض بأنواعها. وهذا يعني: * بالنسبة للمستثمرين أن تكاليف الإنتاج ستزيد مما يدفعهم إلى زيادة الأسعار على جميع الناس. * ويعني بالنسبة للمستهلكين أن فائدة القروض سترتفع فلا يستطيع الاقتراض من البنك إلا ذوو اليسار، كما أن أولئك الذين سيقترضون سيدفعون جزءًا أكبر من دخولهم لحماية المودعين المربوطة ودائعهم بالمبشر، (الذين ستتصل بهم تلك الزيادة) من آثار التضخم. ب- وبالنسبة للبنوك الإسلامية. فإنها ستضطر إلى رفع هامش المرابحة الأمر الذي يعني أن عددًا أقل من الأفراد سيستفيد من هذه الخدمة، ومن استفاد منها فإنه سيدفع مبلغًا إضافيًّا لحماية المودعين في البنك وأصحابه من آثار التضخم، ثم كما أن ذلك سيدفع في البنوك الإسلامية إلى اختصاص نفسها بنصيب أكبر من الربح في المشاركات والمضاربات، الأمر الذي يجعلها غير مجدية لكثير من رجال الأعمال وسيرجح عندهم في الميزان صيغة الديون والتمويل بالقرض والمرابحة على أنواع المشاركات وجلي ما في ذلك من المفاسد على الاقتصاد الإسلامي. ٨ - سوابق المسلمين في الربط بالذهب: فكرة الربط بالذهب ليست مما تعارف عليه الناس في البلاد الغربية، بل هي لا تكاد توجد، والذي ينتشر عندهم هو الربط بمؤشر تكاليف المعيشة. أما المسلمون فالأمر عندهم يختلف، فرغم أن مسألة الربط لا تزال من الأمور التي هي محل نظر عند الفقهاء المعاصرين، إلا أن المسلمين قد عرفوا قديمًا وفي العصر الحديث نماذج للربط يعملون بها ويمارسونها وقد أجمع الفقهاء على قبولها وتبنيها، منها: أ- ربط نصاب زكاة النقود بالذهب: معلوم أن كثيرًا من أحكام الإسلام فيما يتعلق بالمال مثل الزكاة والدية والربا والصرف..إلخ جاءت مفصلة بالدرهم والدينار، فلما انتشر العمل بالنقود الورقية أخذت هذه النقود أحكام الدرهم والدينار من حيث ربا الفضل وأحكام الصرف..إلخ، أما الزكاة: نصاب زكاة النقود فقد بقي محسوبًا بما يقابل النصاب من الذهب من العملة الورقية – وهو نوع من الربط.

стр. 14909

ب- نصاب القطع في السرقة: يشترط لإقامة حد السرقة أن يكون المال المسروق متقومًا وأن يكون محرزًا وأن يبلغ النصاب، وقد ذهب الحنفية إلى أن النصاب الذي يجب القطع بسرقته هو عشرة دراهم مضروبة لقوله ﷺ : ((لا تقطع اليد إلا في دينار أو عشرة دراهم)) (١) وعند المالكية والحنابلة أن النصاب ربع دينار أو ثلاثة دراهم خالصة من الغش لما روى البخاري عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ : ((قطع في مجن قيمته ثلاثة دراهم)) . وعند الشافعية أن النصاب ربع دينار من الذهب، لأن الأصل عندهم تقويم الأشياء بالذهب لما أخرج البخاري ومسلم عن عائشة ﵂: ((لا تقطع يد السارق إلا في ربع دينار فصاعدًا)) . وفي البلاد التي لا تزال تقيم الحدود ومنها قطع يد السارق، فإنها تعتمد النصاب الذهب أو الفضة بحسب الرأي الفقهي السائد، ثم تنظر إلى ما يقابل ذلك من النقود الورقية المعاصرة لتحديد نصاب القطع، وهذا نوع من الربط بالذهب. ج- تحديد مقدار الدية: الدية هي المال الذي يدفع في الجناية على النفس أو ما دونها كما قال تعالى: ﴿وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾ [النساء: ٩٢] وما ثبت في السنة عنه ﷺ (( ... وأن في النفس الدية مائة من الإبل)) وقوله ﷺ (( ... وعلى أهل الذهب ألف دينار)) (٢) . واختلف الفقهاء في مقدار الذهب والفضة، ولكنهم اتفقوا جميعًا على أن الدية في الذكر الحر المسلم هي مائة من الإبل، فإذا لم توجد كانت الدية ما تساويه من الدينار أو الدرهم أو النقود التي يتعامل بها الناس. وهذا أيضًا نوع من الربط القياسي. رأي الكاتب في مسألة كساد النقود الورقية وانقطاعها وغلائها ورخصها: بعد كل ما ذكر فإننا رأينا في هذا الموضوع: أ- أن كلام الفقهاء حول كساد النقود وانقطاعها وغلائها ورخصها لا ينطبق على النظام النقدي المعتمد على النقود الورقية غير المرتبطة بالذهب. ب- أن تدهور القوة الشرائية للنقود يؤدي إلى تظالم الناس وإلى بخس المدين لمال الدائن. ج- أن الحل الجذري هو إصلاح الأنظمة النقدية في بلاد المسلمين. د- ولكن حتى يتحقق ذلك – وهو بعيد - فإن حفظ الحقوق في حالات غلاء النقد يجب أن يكون بالربط بالذهب. هـ- وأن علينا أن نسعى إلى تصميم الوسائل والأدوات المقبولة من الناحية الشرعية لتحقيق هذا الغرض. الدكتور محمد علي القري بن عيد

стр. 14910

كساد النقود وانقطاعها بين الفقه والاقتصاد إعداد الدكتور منذر قحف المعهد الإسلامي للبحوث والتدريب البنك الإسلامي للتنمية بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ كساد النقود وانقطاعها بين الفقه والاقتصاد يقصد من ورقة العمل هذه، الإجابة على تساؤلات السادة العلماء المتعلقة بكساد النقود وانقطاعها، ومن وجهة النظر الاقتصادية، ومقارنة هذه المفاهيم مع ما ورد في تراثنا الفقهي، لعل ذلك يعين –بحول الله وعونه - على فهم آثار تغير أسعار العملة نتيجة للتضخم الاقتصادي. وتأتي ورقة العمل هذه، بناء على طلب كريم، من أستاذ مكرم هو فضيلة الشيخ محمد الحبيب بن الخوجة، الأمين العام لمجمع الفقه الإسلامي، بجدة. وقد خص في طلبه البحث في مسألتين: ١- مفهوم كساد النقود الورقية، وأثره في تعيين الحقوق والالتزامات الآجلة. ٢- حدود التضخم التي يمكن أن تعتبر معه النقود الورقية "نقودًا كاسدة". وهاتان المسألتان هما جزءان من أربعة أجزاء رغب المجمع الموقر تفصيلًا وتعمقًا في دراستها. وستتألف ورقة العمل هذه من ثلاثة أقسام، أعرض في القسم الأول المفهوم الفقهي للكساد والانقطاع في العملة وصورهما، وأخصص القسم الثاني لعرض سريع للنقود المعاصرة والتضخم، أما القسم الثالث فيسعى لبيان صور كساد النقود المعاصرة، وانقطاعها وما لذلك من آثار على الحقوق والالتزامات الآجلة.

стр. 14911

القسم الأول صور كساد العملة وانقطاعها عند الفقهاء تعريف الكساد والانقطاع عند الفقهاء: يعرف الأحناف كساد العملة بأنه ترك المعاملة بها في جميع البلاد، أما انقطاع العملة فإنه عدم وجودها في السوق وإن وجدت عند الصيارفة وفي البيوت (١) . فالكساد، إذن، ترك الناس التعامل بالنقد سواءً كان النقد قائما موجودًا في أيدي الناس أو لا. وقد تنقطع العملة دون أن تكون كاسدة، وذلك بأن لا توجد في الأسواق، رغم أن الناس لم يتركوا التعامل بها برغبتهم، ولكن واقعة عدم وجودها تفرض عدم التعامل بها (٢) . وكذلك، قد تكسد العملة، دون أن تنقطع، بأن يرغب الناس عن التعامل بها، زهدًا بها من أنفسهم، أو تنفيذًا لنهي السلطان عنها. ويشترك الكساد والانقطاع، إذن، بأن كليهما يعني، أن المعاملات بين الناس تعترضها مشكلات إذا أريد أن يتم تنفيذها بالنقد، إما لعدم توفره في السوق، أو لعدم رغبة الناس به عزوفًا منهم عنه، أو لمنع السلطان التعامل به، رغم وجوده في السوق في الحالتين الأخيرتين. ولم أجد عند غير الأحناف تعريفًا للكساد أو الانقطاع وإن كان كل منهما مذكورًا ومعروفًا عند الفقهاء كلهم. فالرهوني مثلًا يتحدث في حاشيته عن "بطلان الفلوس"، "وعن قطع السكة في الدراهم والدنانير" و"إبدالها بسكة غيرها" و"إهمالها جملة" و"السكة المقطوعة" وقد فرق بين "ما إذا عدمت السكة" وما إذا "قطع التعامل بها مع وجودها" (٣) مما يدل على أن "عدم التعامل بالسكة رغم وجودها" عند الرهوني هو ما يقابل صورة الكساد المتميزة عن صورة الانقطاع عند الأحناف، ولكن الرهوني يشير أيضًا إلى "قطع السكة وإبدالها بغيرها" وهي أيضًا صورة للكساد عند الأحناف. كما أن "تبديل السكة بأخرى وإهمال الأولى جملة" قد يكون بعزوف الناس عن القديمة وليس بمنعها من قبل السلطان. الأمر الذي يجعل تعابير الرهوني تغطي حالتي الكساد عند الأحناف وكذلك حالة الانقطاع أيضًا، لأنه يضمن في صور فساد الفلوس أو قطعها (وقد استعمل اللفظتين في جملة واحدة) حالتي وجود الفلوس رغم انقطاعها، وانعدامها كلية (٤) . ويلاحظ عند الرهوني استعمال كلمات الفساد، والكساد، والبطلان، والانقطاع دون تمييز لمعانيها عن بعضها البعض، ولا يخرج عن ذلك ما جاء في المعيار المعرب للونشريسي (٥) .

стр. 14912

أما صاحب المغني، فيتحدث عن تحريم السلطان للفلوس والدراهم المكسرة، وترك المعاملة بها، واتفاق الناس على تركها. وتعامل الناس بها رغم تحريم السلطان لها، أو عدمه (١) ويذكر بعض هذه المصطلحات صاحب مجلة الأحكام الشرعية على المذهب الحنلبي (٢) . أما المرداوي فقد ذكر أيضًا تحريم السلطان للفلوس، أو الدراهم المكسرة، سواءً تعامل الناس بها رغم التحريم، أو لم يتعاملوا، وقد سمى ذلك بطلانًا للعملة بأمر السلطان أو كسادًا فيها (٣) . ومن الواضح أنه لم يشر إلى حالة عدم وجود العملة في الأسواق. ويفهم من مناقشة النووي أن حالة إبطال السلطان المعاملة بالعملة لا تقتضي عدم وجودها في السوق، فهو يذكر أن المعقود عليه (أي النقد المبطل) باق مقدور على تسليمه (٤) ، وهذه هي إحدى صورتي الكساد عند الأحناف، ثم يستعمل كلمة الانقطاع بمعنى عدم وجود النقد مطلقًا فيقول ببطلان العقد إذا جرى بنقد قد انقطع من أيدي الناس "لعدم القدرة على التسليم" أما إذا توفرت القدرة على التسليم – ولو بنقل النقد من بلد آخر- فالعقد صحيح مما يدل على أن النووي لا يعتبر عدم توفر العملة في بلد العقد انقطاعًا إذا وجدت في البيوت أو عند الصيارفة، لأن وجودها هذا أولى من وجودها في بلد آخر (٥) . وكذلك نجده يتحدث أيضًا عن صحة العقد إذا كان النقد عزيزًا على قول من يجيز الاستبدال على الثمن لإمكان سداد بدل الثمن مما هو رائج، ولا يصح البيع على القول بعدم الاستبدال (٦) . ونخلص من كل ما مضى إلى أن هنالك تداخلًا كبيرًا في معاني مصطلحي الكساد والانقطاع في العملة عند الفقهاء وأن كثيرًا منهم قد استعمل ألفاظًا أخرى، كالبطلان، والفساد، وغيرها، لبعض هذه المعاني، وبذلك فإننا نرى أنه للخروج من مأزق المصطلحات هذا لابد لنا من النظر في الصور نفسها التي ذكرها الفقهاء في باب الكساد والانقطاع، وأن تصنف اجتهادات العلماء في أحكامها، ونوقعها على تلك الصور، لأن ذلك – في نظري - هو أفضل السبل للتوصل إلى فهم كيفية معالجة النقود المعاصرة، على ضوء ما عولجت به مشكلات النقود التي تحدث عنها الفقهاء. صور الكساد والانقطاع: ويمكن حصر صور الكساد والانقطاع التي تحدث عنها الفقهاء بحالتين كليتين، يتفرع عن كل منهما عدد من الصور كما يلي: أ- الحالة الأولى: منع السلطان التعامل بالنقد: ويتأسس على هذه الحالة الصور التالية: ١- منع التعامل بالنقد واستبداله بنقد جديد، بنفس القيمة مع عدم وجود القديم في جميع البلاد، وعدمه عند الصيارفة.

стр. 14913

٢- منع التعامل بالنقد، واستبداله بنقد جديد بقيمة مختلفة، مع عدم وجود القديم في جميع البلدان، وعدمه عند الصيارفة. ٣- منع التعامل بالنقد، مع وجوده في بلدان أخرى وعدمه عند الصيارفة. ٤- منع التعامل بالنقد، مع وجوده في بلدان أخرى، وفي البيوت، وعند الصيارفة. ٥- منع التعامل بالنقد مع عدم وجوده، في البلدان الأخرى، ولا في البيوت، ولا عند الصيارفة، ولا في الأسواق. ٦- فرض السلطان لنقد جديد مع بقاء القديم في أيدي الناس. ويلحق بهذه الحالة صورة سابعة، وهي: ٧- تغيير السلطان قيمة النقد. ب- الحالة الثانية: ترك الناس التعامل بالنقد من أنفسهم دون أمر من السلطان: ويتأسس عليها: ٨- رغبة الناس عن التعامل به، مع وجوده في الأسواق. ٩- ترك الناس التعامل به، مع عدم وجوده في الأسواق. وسندرس هذه الصورة، وأسبابها. وسنحاول وضع أقوال العلماء وفتاواهم فيما يناسبها من هذه الحالات، ثم ننتقل في القسم الثاني للكلام عن النقود المعاصرة، ودراسة ما ينطبق عليها من صور الكساد والانقطاع، وعلاقة ذلك بالتضخم النقدي. ١ - الصورة الأولى: منع السلطان التعامل بالنقد، واستبداله بنقد جديد، بنفس القيمة، مع عدم وجود النقد القديم في جميع البلدان، وعدمه عند الصيارفة. ويمكن أن يحصل ذلك عندما ترغب الحكومة – لسبب من الأسباب غير الاقتصادية عادة - في محو آثار الحكومة السابقة على النقود، دون أن تغير من قيمتها. ولكنها – للأسباب غير الاقتصادية نفسها - تتشدد في منع الناس من التعامل بالعملة القديمة. ويمكن أن يحدث ذلك بالنسبة لكل أنواع العملات، سواء كانت من الفلوس، أو الدراهم، أو الدنانير، وسواء كانت مغشوشة، أو غير مغشوشة. وقد تغير الحكومة اسم العملة أيضًا، فتكون محمدية وتصبح مجيدية، أو تكون ريالًا فتصبح درهمًا.

стр. 14914

وأما عدم تغيير قيمة العملة، فيكون بالأمر السلطان نفسه، بحيث يجعل الدرهم الجديد مثلًا مساويًا للدرهم القديم وعندئذٍ، سيقبل الناس في معاملاتهم على الدرهم الجديد، مثل إقبالهم على القديم عندما كان هو الرائج، ولن يؤثر تغيير الدرهم على المستوى العام للأسعار، ولا على سعر أي من السلع والخدمات في السوق. ولكننا ينبغي أن نلاحظ هنا أنه بالنسبة للعملات المعدنية، فإن أي اختلاف في قيمتها كمعدن سيؤثر على سلوك الناس نحوها، قبولًا، أو رفضًا، وسيظهر معنى القبول أو الرفض هذين في شكل فروق في الأسعار، بين النقد الجديد والقديم. فلو احتوى الدرهم الجديد على كمية من المعدن تنقص (أو تزيد) عن الدرهم القديم، فما أن يعلم الناس بذلك، حتى ينقصوا (أو يزيدوا) من سعر الجديد في مبادلتهم له بالقديم (١) وسينعكس ذلك تبعًا على المستوى العام للأسعار. أما آراء الفقهاء في الديون التي التزم بها الناس بالنقد القديم، التي تنطبق على هذه الصورة (في نظر الكاتب) ، فيبدو لي – والله أعلم - أنه يصح فيها ما تحدث عنه الفقهاء عند اعتبارهم أن النقد لو أطلق فهو نقد البلد (٢) ، لأن النقد إذا أطلق لا يقصد به أعيانه، "وإن النقد لا يتعين في المعاوضات" (٣) . ٢ - الصورة الثانية: منع التعامل بالنقد، واستبداله بنقد جديد، بقيمة مختلفة، مع عدم وجود القديم في جميع البلدان، وعدمه عند الصيارفة. ويحصل ذلك لأسباب تشبه الأسباب التي تحصل فيها الصورة الأولى، ويضاف إليها سبب آخر، وهو رخص (أو غلاء) العملة القديمة، فتصدر الجديدة عن السلطان بسعر أكبر (أو أقل) من العملة القديمة، ويحدد الأمر السلطاني سعر العملة الجديدة بالنسبة للقديمة، وقد تحمل العملة الجديدة نفس اسم العملة القديمة، فيقال القرش القديم والقرش الجديد، أو اسمًا آخر كالريال والليرة، ويلاحظ أن اختلاف القيمة بين العملتين هنا هو اختلاف محدد معروف، كأن يكون القرش الجديد مساويًا للقرشين من القديم مثلًا.

стр. 14915

وإقبال الناس على التعامل بالعملة الجديدة هنا، هو مثل إقبالهم في الصورة الأولى مع ملاحظة أن جميع الأسعار، وكذا المستوى العام للأسعار، ستتغير بنسبة في سعر الصرف بين العملتين، وفي مثالنا (قرش جديد بقرشين من القديم) ، سيصبح سعر كل شيء نصف ما كان عليه بالعملة القديمة، وكذا يصبح المستوى العام للأسعار نصف ما كان عليه. وإذا كانت العملة سلعية، فإن تسعيرها من قبل الحكومة، بأقل من قيمتها في السوق كسلعة، يجعل الناس يعدلون عن استعمالها النقدي، إلى استعمالها السلعي، فإذا لم يكن هنالك نقد غيرها - كما هي الفرضية في هذه الصورة - فإن أسعار السلع والخدمات سترتفع بالنسبة للعملة السلعية، إلى أن تصبح قيمتها السلعية مساوية لقيمتها الاصطلاحية، المفروضة من السلطان. ويبدو – والله أعلم - أن ما ثبت في الذمة من ديون والتزامات، ثم حصلت له هذه الصورة من التغير في النقد، هو ما ينطبق عليه ما نقله الرهوني عن ابن رشد الجد، من أن الواجب هو المثل من العملة القديمة التي ثبتت في الذمة، وأن القول بغير ذلك لا يلتفت إليه لأنه "نقض لأحكام الإسلام، ومخالفة لكتاب الله وسنة نبيه ﷺ في النهي عن أكل المال بالباطل، ويلزم هذا القائل أن يقول ... إن السلطان إذا أبدل المكاييل، بأصغر أو أكبر، والموازين، بأنقص أو أوفى، وقد وقعت المعادلة بينهما بالمكيال الأول، أو بالميزان الأول، أنه ليس للمبتاع إلا بالكيل الأخير، وإن كان أصغر، وأن على البائع الدفع بالثاني أيضًا، وإن كان أكبر، وهذا مما لا خفاء في بطلانه، وبالله التوفيق" (١) . ويتضح من ذلك، أن سداد الديون والالتزامات السابقة سيتم بالعملة الجديدة، لعدم وجود القديمة، ولكن بنسبتها من القديمة، فلو كان الدين في مثالنا بألف من القروش القديمة، لزم المدين خمسمائة من الجديدة، لأن القرش القديم يعدل نصف قرش جديد، وذكر ابن عابدين نحو ذلك على أنه من العرف الذي يعتبر كالمشروط.. وهكذا شاع في عرفهم، ولا يفهم أحد منه، أنه إذا اشترى بالقروش "أن الواجب عليه دفع عينها.. فيدفع مصاري، كل قرش بأربعين".. وكذا "يشترون سلعة بدينار ثم ينقدون ثلثي دينار محمودية أو ثلثي دينار وطسوج نيسابورية، قال يجري على المواضعة، ولا يبقى الزيادة دينًا عليهم" (٢) . ٣ - الصورة الثالثة: منع السلطان التعامل بالنقد، مع وجوده في بلدان أخرى، وعدمه في البيوت وعند الصيارفة. وتحصل هذه الصورة، بأن تكون عملة بلد معين رائجة، بين الناس، في بلد آخر، ثم يعمد سلطان البلد الآخر إلى منعها في بلده، وإصدار عملة خاصة به، أو الاكتفاء بعملة أخرى سابقة موجودة في التداول في ذلك البلد، مع شمول المنع للصيارفة والناس في بيوتهم، ولكن استمرار وجود العملة في بلدان أخرى يبقي على وجود قيمة سوقية لها، مما يجعل بعض الناس يتعاملون بها سرًا، رغم منع السلطان ذلك. وهنا نلاحظ عدم وجود العملة، في التعامل بين الناس، رغم أنها ما تزال قائمة ومقبولة في بلد منشئها، وربما في بلدان أخرى أيضًا.
следующие страницы →