← Фикх общий

Фикх общий · id 8356

مجلة مجمع الفقه الإسلامي

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (22 276 стр.). Показаны 14981–15020 · переход к 14986.

стр. 14981

أيضًا فكرة الربا هي تظهر لنا واضحة؛ لأنه حينما يكون مبلغًا من النقود في ذمة إنسان ثم بعد ذلك يختلف ما نأخذه منه عما وجب في ذمته، حينئذ نكون أمام قضية ما، هو اختراق هذه الدائرة حتى يمكن ألا ندخل في دائرة الربا. هذه هي بعض الصعوبات التي جالت في ذهني في أثناء سماعي أو قراءتي أو كتابتي في هذا البحث. أما من حيث العلاج –وهي النقطة الثانية- قد عرضت علينا بعض الأمور: الأول: فكرة الجائحة وآثارها. والجائحة –طبعًا- سبق للمجمع كما علمت أن تناول هذه القضية وهي أيضًا محتاجة إلى إعادة نظر من حيث إن الجائحة كما نعلم وما هو اختلاف الفقهاء فيها، إنما جاءت إذا كانت سماوية، وبعض الفقهاء عمم فجعل أنه إذا كان هناك جيش أو حرب أو ما إلى ذلك يكون في هذه الحالة يمكن أن تقاس على الجائحة السماوية ويظهر أثرها عند بعض الفقهاء في الواجب أداؤه على المدين. إذن نبحث لكي نتخطى هذه الدائرة ونصبح أمام قضيتنا المعروضة الآن؛ لأنه قد يكون التضخم لا إثر آفة سماوية ولا إثر جائحة وإنما قد يكون في غير ذلك. الحل الثاني: وهو الشرط المذكور في العقد، وقد تفضل فضيلة الأخ الكريم سماحة الشيخ المختار بذكر هذا الموضوع وهو طبعًا أشار إلى صعوبة مثل هذا الشرط وموقف الفقهاء منه، وهو أن يربط –كما فهمت- العملة الواجبة في الذمة معها عملة أخرى بأن يكون الأداء بكذا في كذا، وقد يستدل له –يعني بمثل ذلك- بما ورد وفي نفس الخلاف حينما ورد فيه عند بعض العلماء ومنهم ابن عابدين حينما اشترط إنسان دانق فلوس، ربط الدانق وهو جزء من الدرهم بفلوس ثم بعد ذلك تغير سعر الفلوس وهل يجب عليه حينئذ ما يساوي هذا الدانق –يعني الفلوس التي كانت موجودة في هذا الوقت- أم من الفلوس التي بعد ذلك؟ قال: نجعل إن هذا ليس شرطًا، ولكنه ربط بين نوع من العملة بنوع آخر عن طريق الإضافة كما رأينا وإن كانت العملتان هنا هما في مكان واحد معترف بهما ومقران. وهذا الطريق الثاني يكون حينئذ عرفنا أن الشرط في العقد يحتاج إلى تخريج دقيق حتى يمكن أن نخلص من أنه يجعل الثمن مترددًا بين أمرين، ونحن نريد في العقد دائمًا أن يكون محددًا كما أن المبيع محدد، فكذلك لا بد أن يكون الثمن محددًا لا يعتوره احتمال، أو لا يعتوره شك، ولذلك نكون قد خلصنا من ذلك إلى صحة هذا الشرط إذا كان الأمر كذلك.

стр. 14982

الثالث: ما ورد عن الصلح، وقد ورد الصلح هذا أيضًا عند الحنفية فيما أورده ابن عابدين في (تنبيه الرقود) وكذلك في حاشيته، وورد عند بعض علماء الحنابلة أيضًا فكرة الصلح. والصلح نعلم أنه عقد اختياري بين اثنين ينهي خصومة بينهما. فإذا كان عقدًا إراديًّا فسمعت أنه قد نجعله جبريًّا. تحوله من عقد إرادي إلى عقد جبري نلزم به المتعاقدين أيضًا يحتاج إلى تخريج وإلا ما كان صلحًا، يكون حينئذ قرارًا من الحاكم أو من القاضي بإجبارهما، وتدخل الحاكم في هذه الحالة يكون محتاجًا إلى تخريج في هذه الحالة. الرابع: أقول إن تدخل الدولة بتقويم عملتها حينما تنخفض القيمة أو يحدث فيها انهيار قد يكون ذلك بمثابة حل من الحلول. حينما ترى أن القيمة انحدرت تبدأ الدولة تتدخل، وقد أورد ابن عابدين بعض الأشياء التي حدث فيها مثل ذلك. فأقول: إن تدخل الدولة بتقويم عملتها أو تخفيض القيمة إذا حدث فيها انهيار أو ما إلى ذلك، وثم بعد ذلك يكون الوفاء بهذه الحقوق عن هذا الطريق، كل ذلك يضع أمامنا عدة أفكار للخلاص من هذه الظروف التي تحيط بموضوعنا الذي نبحثه. وشكرًا لكم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. الشيخ الصديق الضرير: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد خاتم النبيين وعلى سائر الأنبياء والمرسلين. اللهم أرنا الحق حقًّا وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلًا وارزقنا اجتنابه. في الواقع أنا عندما تقدمت في أول الجلسة بنقطة النظام ما كنت أعني مطلقًا معارضة إعادة النظر في أي موضوع، هذا أمر بدهي، لكن إعادة النظر يجب أن تبنى على أسباب وعلى جديد يقدم. في أي لجنة أو مجمع إذا اتخذ قرارًا وطلب إعادة النظر فيه فلا بد أن يبنى على أسباب وجيهة وإلا أصبح الأمر فوضى. فاعتراضي كان على الطريقة وقد ذكر الأمين العام أن هذه البحوث وأن الموضوع لم يكن في جدول الأعمال الأول ولكنه أحلق به ولعله لم يصلني، فقبلنا منه هذا التفسير، لكن لا يزال باقيًا. الأمين العام: نقطة نظام من فضلك. الموضوع هذا طرحناه بالأمس وذكرت ما ذكرت وأجبناك عنه وكثير من الإخوة تحدثوا فيه وقد وصلتهم هذه الورقة، ثم ذكرت بأن شعبة التخطيط هي التي قررت أن نتناول الموضوع من الجهتين اللتين عرفت بهما وهي قضية الكساد وقضية التضخم، فحينئذ إن كان لكم حديث في نفس الموضوع فلتتفضلوا مشكورين وإن كان لإثارة هذه القضية التنظيمية فلا حق لكم فيها؛ لأن الأمر قد بت فيه.

стр. 14983

الشيخ الصديق الضرير: يا سيد الأمين العام أنا قلت: قبلت ما قاله وليس في نيتي أن أستمر في هذا الموضوع فلا أظن أن هناك محلًا لنقطة النظام. أنا قبلت قولك. الذي أريد أن أتحدث فيه هو أن بعض الباحثين ذكر من الأسباب وهذا مما قلته من قبل وأود أن أقوله مرة أخرى أن قرار المجمع كان فيه شيء من التسرع يجعله في حاجة إلى إعادة النظر، فهل يقبل الأمين العام وتقبل الرئاسة أن يكون هذا سببًا لإعادة النظر؟ إن هذا الموضوع قد بحثناه وذكر الإخوة أنه قد بحث في أكثر من ندوة وبحث في المجمع فلم يكن هناك تسرع وإذا كان فيما اتخذناه من قرار سابق تسرع فكيف نقول بالقرار الذي إذا اتخذناه في هذه الجلسة مع أننا لم نطلع على هذه البحوث إلا في هذا الاجتماع؟ كيف أحكم على إعادة نظر في موضوع بناء على بحوث لم أقرأها؟ هذه هي وجهة نظري في الموضوع، ومع ذلك فإن في هذه المداولات لعلها يكون فيها خير ولكن أنا أرى أنه لو اتخذ قرار مخالف للقرار الأول في هذه الجلسة فإنه يكون هو القرار المتسرع. أعود إلى الكلام في الموضوع. العارض ذكر أدلة الطرفين ولكنه لم يذكر من أدلة المانعين ... ذكرت أدلة نقلية، وأدلة عقلية، وذكرت البديل لهذه المصيبة. ثم إن العارض كان يقول لنا في كل مرة البحوث في أيديكم، صحيح البحوث كانت في أيدينا لكننا لم نقرأها!! أريد أن أركز على الأدلة التي ذكرها العارض ولم أقرأها في البحوث لأنني اعتمدت على ما قاله. ذكر ثلاثة أدلة: العدالة، نصوص الفقهاء، نظرية الظروف الطارئة. فيما يتعلق بالعدالة تكلم عدد من الإخوة في هذا الموضوع، وفندوا هذا الدليل تفنيدًا واضحًا لا مجال للحديث فيه. وهي ليست عدالة وإنما هي ظلم للمدين الذي سيلزم بدفع أضعاف أضعاف ما اقترضه. ثم إن هذه العدالة تقتضي أن يطبق هذا الحكم على جميع الدائنين والمدينين. ومن المدينين البنوك وقد أشار السيد الرئيس إلى هذا وأؤكد لكم أننا لو طبقناه على البنوك لا يستطيع أي بنك أن يستمر أسبوعًا. ما يتعلق بنصوص الفقهاء. في بحثي ذكرت نصوصًا كثيرة وتعرضت للنصوص التي يشير إليها أصحاب البحوث التي قدمت هنا وبعضها قدم من قبل، وبينت ما فيها من خطأ. ومن هذه البحوث بحث للشيخ ابن بيه، تعلق فيه هو ومن وافقه وكانوا ثلاثة بكلام الرهوني، وقد تحادثت مع الشيخ ابن بيه في هذا الموضوع ورجع عن رأيه الذي تبعه فيه اثنان من الإخوة الأعضاء لم أسمع منهم رجوعًا، وإنما رجع الشيخ ابن بيه عما أخذوه من كلام الرهوني وفي الجلسة التالية اتصل بي تلفونيًّا وقال لي: أرجو أن تخبر الأعضاء بأني رجعت عن رأيي وهو موجود أمامكم. فكلامهم الذي أخذوه من المالكية غير صحيح، وتمسكوا أيضًا برأي أبي يوسف وهو رأي خطأ، التمسك به خطأ؛ لأن أبا يوسف يتكلم عن الفلوس وليس عن النقود. وقد نقلت لهم عبارة ابن عابدين: إياك أن تظن أن كلام أبي يوسف في الدراهم والدنانير هو في الفلوس فقط.

стр. 14984

وبينت في بحثي أن المذاهب الأربعة أجمعت على أن القروض ترد بأمثالها، لم يشذ أحد منهم، وليس في ذلك خلاف إلا ما أشار إليه بعض الإخوة من أن بعضهم فرق بين ما إذا كان مماطلًا – المدين مماطلًا- أو غير مماطل وهذا تفريق وجيه. فهناك إجماع –فيما ظهر لي- بين الفقهاء المتقدمين على أنه لا عبرة بغلاء النقود أو رخصها مهما كان، حتى لو وصل إلى درجة الكساد الجامح كما يعبر إخواننا الاقتصاديون، بل ولو زاد عليه. وقد سمعنا عبارة أنه لو كان بمائة وصار بألف لا يؤثر هذا ما دام النقد موجودًا ومتعاملًا به يرد المثل مهما بلغ. هذه هي نصوص الفقهاء –في رأيي- لا لبس فيها. نظرية الظروف الطارئة، وهذا الدليل الثالث وهو دليل عجيب في رأيي؛ لأن الظروف الطارئة كما يعرفها صاحب هذا البحث، يعرف علماء القانون الظروف الطارئة بأنه ظرف يحصل بعد التعاقد بصورة مفاجئة لم تكن في حسبان العاقدين، فهل التضخم الجامح يحصل بصورة مفاجئة لم تكن في حسبان العاقدين؟ التضخم يبدأ بـ ١? ويسير إلى أن يصل ٣٠? فيصبح تضخمًا جامحًا. وإذا قالوا: إن التضخم الجامح هذا قد ينطبق على صورة فقط فيما إذا كانت الدولة هي التي خفضت سعر العملة مفاجأة وكان هناك دائن ومدين، ماذا نفعل؟ هل نحمل المدين قرار الحكومة هذا، ونطالبه بأن يدفع ما استدانه أضعافًا مضاعفة؟ لنفرض أنني استدنت اليوم مائة ألف من شخص من عملة ما، وأصدرت الدولة غدًا قرارًا بتخفيض هذه العملة، والمبلغ الذي استدنته موجود عندي وكان من الممكن لو انتظرت إلى الغد أن يكون موجودًا عند الدائن فكيف أحمل أنا هذه المصيبة؟ أليس هذا هو الظلم بنفسه؟ يقول أحد الإخوة عن التضخم وعن حكومة السودان وهل ترضى بهذا التضخم؟ نعم حكومة السودان لا ترضى بالتضخم ولكنها تفعله وقد اعترفوا بهذا، إن لم يكونوا يفعلون كل التضخم، فالسبب الأساسي والرئيسي يرجع إلى الحكومات وليس حكومة السودان وحدها. وقد طلب من هيئة الرقابة الشرعية في بنك السودان معاجلة هذه المسألة. اتضح أن هناك عزوفًا عن الإيداع في البنوك فأرادت الدولة أن تشجع الناس على وضع أموالهم في البنوك فاتضح أن نسبة كبيرة جدًّا في أيدي أصحابها فتقدموا باستفتاء للهيئة، هو في موضوعنا، بأن تضمن الدولة فرق التضخم كله أو جزءًا منه للمودعين في البنوك، وأن تضمن أيضًا فرق التضخم لمن يودعون ودائع واستثمار، فأفتت الهيئة بأنه لا يجوز أن تضمن ما يتعلق بالقرض؛ لأن هذا ربا. ولكن بالنسبة لودائع الاستثمار وافقت الهيئة على أن تضمن فرق التضخم أو جزءًا منه من غير أن تضمن رأس مال المضاربة ولا أن تضمن ربحًا. المضاربة بين رب المال وبين البنك، هو الذي يضارب قد تربح هذه أو تخسر بحسب رأس المال الذي دفعه، لكن عمل الدولة (ضمانة) لا يكون لرأس المال هذا ولا لربحه، وإنما إذا ربح رأس المال فأصبحت المائة مائة وعشرة تضمن فرق التضخم لهذه المائة وعشرة، أو إذا خسر البنك وأصبحت المائة تسعين تضمن فرق التضخم لهذه التسعين، فوافقت الهيئة على هذا على أن تكون تجربة وإلى الآن لم تظهر نتيجتها؛ لأنه كان بعض الاقتصاديين يعتقد أنه قد يكون في هذا علاج للتضخم. ثم قلنا للذين قدموا هذا: إذا كنتم تعترفون بأنكم سبب في هذا التضخم وتريدون أن تضمنوه لهاتين الفئتين والتضخم يصيب عامة الناس فلم لا تضمنونه للجميع؟ فلم يكن عندهم رد سوى أن هذا لا يمكن وأن عمليتنا هذه قد تؤدي إلى انخفاض التضخم فينتفع به الناس عامة.

стр. 14985

ثانيًا: إنني قدمت في بحثي بدائل. بالنسبة للقرض، المقرض الذي يريد ألا يقع في هذه الخاسرة ينبغي أن يطلب قرضًا بعملة مستقرة. يطلب من المقرض أن يقرضه دولارات أو أي عملة أخرى ويتجنب هذه المشاكل. وهذا معمول به الآن، كثير من الناس في السودان لا يقرضون بالجنيهات السودانية. والبديل بالنسبة للدين في حالة البيع هو أن البائع يقدر نسبة التضخم التي ستحصل، وهذا أمر مشاهد وواقع، فهو لا يتضرر؛ لأنه إذا كان الثمن الحال مائة يبيع بمائتين ولا حرج في هذا، فيتفادى ضرر التضخم أما المدين لا يستطيع مطلقًا أن يتفادى ضرر التضخم لو ألزمناه به. الشيخ السلامي قدم حلًّا وهو اتفاق بين المتعاملين على القضاء بعملة. الواقع أنه إذا كان المراد بهذا الحل أنه إذا كان القرض مثلًا بالجنيهات السودانية يتفق الدائن والمدين على أن يقضي بدولارات بقيمة الجنيهات السودانية يوم القرض، فهذا في رأيي لا يجوز؛ لأن هذا سيكون صرفًا مؤجلًا، لكن الذي يجوز هو أنه إذا أقرض بهذه الجنيهات ثم حل الأجل وأراد أن يقضيه دولارات يجب أن يقضيه بسعر يومه كما جاء في الحديث، لكن المثال الذي ذكرته إذا كان هذا المراد وهذا قد عرضه بعض الإخوة في السودان أنه يقترض عملة سودانية ويتم تقديرها بأنها تساوي كذا دولار ويقول له هذا هو.. مع أنه اقترض بعملة سودانية ولم يقترض بالدولار، يقول: إنه كذا سوداني هذه تعادل كذا دولارًا، وسأدفع لك كذا دولار عند حلول الأجل، فرضنا هذا لأن هذا صرف مؤجل. أكتفي بهذا، وشكرًا جزيلًا. الشيخ العماري: بسم الله الرحمن الرحيم: لا أريد أن أطيل في هذه المداخلة ولكن أريد أن أقول: إن مسألة التضخم أيضًا، وهو أن الفجور في هذا العالم، فجور المستغلين. وعندنا في التراث تحدث للناس أقضية بمقدار ما يحدث من فجور، فلا بد أن يفكر المسلمون في الحلول التي تنقذهم من هذه الأوضاع السيئة في بلدانهم؛ لأنه هناك أناس آخرون هم الذين يتحكمون فيهم. ماذا نعمل نحن؟ والفتوى كما هو معروف لا ينكر تغير الفتوى بتغير الزمان والمكان. ونحن نعرف أن فقهاءنا –رضوان الله عليهم- أفتوا في بيئة وأوضاع لم تكن موجودة الآن، ولذلك اختلفت وجهات النظر. أنا أرى باختصار أن على المجمع الفقهي أن يحاول دراسة القضية مع الخبراء ومع كل المختصين حتى يطلع بقرار ناضج ولا مانع أن يرجع ذلك على ما قضينا وهذا على ما نقضي كما يقول سيدنا عمر. لا يمكن أن نتمسك ونعتبر كل قرار كأنه منزل من السماء كما يرى بعض الإخوة. لا بد أننا نبحث أكثر ونتطلع إلى الصواب وإلى ما هو أقرب إلى الصواب حتى نصدر القرار المناسب في حياتنا.

стр. 14986

كانت العملة الرائجة في ذلك الوقت الذهب والفضة وهي عملة لها قيمة ذاتية كما قال الإخوة، والفلوس التي كانت من الناس ما كان يستدان بها في مبالغ ضخمة وكان لها معيار هو الذهب والفضة، وهنا الآن نحن في ورق، الحكومة تضرب ولا ندري ما وراء ذلك. ولا بد أن نفكر، ولا أقول: إن عندي رأيًا معينًا في موضوع التضخم وكيف نعالجه. بل علينا نحن أن نترك أولًا الصناعة الفقهية البحتة حتى ننزل كل الأمور عليها، هذه يجب أن نتركها ونفكر في مقاصد الشريعة العامة، هذا إذا أردنا أن نحل مشاكلنا حسب ما هي واقعة. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. الشيخ وهبة الزحيلي: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وبعد، هذا الموضوع الذي أثير في الكويت وكنت في ذلك الوقت قد تقدمت ببحث وافٍ وجلي وهو مطبوع في مجلتكم المتداولة فيما بينكم، ومنذ ذلك الوقت كان رأيي هو الأخذ بما عليه بعض الفقهاء نم مراعاة قضية الكساد أو التضخم والانتقال من المثلية إلى القيمة للاعتبارات التالية: أولًا: من ناحية التكييف الفقهي لقضية الربا ومعناه. ثانيًا: قضية سك أو طبع النقود الورقية في الوقت الحاضر. ثالثًا: ما يتعلق بأقوال الفقهاء. ثم أعرض خلاصة لما يمكن أن نعالج به هذا الموضوع. أما ما يتعلق بالتكييف الفقهي. مما لا شك فيه أن الإسلام دين العدل، ودين الرحمة، ودين يحارب الجور والظلم بمختلف أشكاله، وما تحريمه للربا إلا من أجل هذا، وهو إحقاق الحق ومحاربة الباطل، وإنصاف الناس، وسد كل الذرائع المؤدية إلى التلاعب بالأسعار، والادعاءات التي تعصف بأصل النظرة إلى معنى التعامل والمبادلات فيما بين الناس.

стр. 14987

فمن المعروف أن قضايا العقود ينبغي أن تكون قائمة على مبدأ التعادل في التبادل ومبدأ الموازاة في العوضين، ومبدأ الأخذ بمعيار المماثلة والمساواة. وهذا صحيح، ولذلك كان الشرع في هذا حكيمًا في تقرير المثلية (الذهب بالذهب، إلى أن قال: مثلًا بمثل ويدًا بيد) ويريد من فرض معنى المثلية هو تحقيق الحق وسد كل أوجه التلاعب والادعاءات حتى لا يفتح مجالًا للناس في منافذ يصلون بها إلى الربا بنواحٍ مختلفة أو مفتعلة أو لها بصيص من الأمل في السوق الحاضرة. فلذلك المثلية في الحقيقة هي يراد بها إحقاق الحق وإلزام الناس بالعدل. والمثلية ذات معنى وليست مجرد شكل أجوف، والعبرة دائمًا في العقود للمقاصد والمعاني لا للألفاظ والمباني. ومن هنا أنا أصر على أن معنى المثلية التي يجب فيها أداء المقترض للمقرض إنما هو من أجل تحقيق العدل ومنع الجور، ومنع الاستغلال. وإذا كان هذا هو المعنى الذي يقوم عليه تحريم الربا، وهذا هو المعنى الذي –أيضًا- ورد النص في الربا على هذا النحو، لذلك فإن الفقهاء –في الحقيقة- وجمهورهم لا شك، أن المذاهب الأربعة تقرر ضرورة أداء المقترض للمقرض أن يؤدي ما أخذه جنسًا ونوعًا مقدارًا وصفة. هذا لا اعتراض لنا عليه، وإنما هناك أيضًا جانب آخر من القضايا وهي أن الفقهاء في الواقع اختلفوا حول هذه المسألة، ونحن صدرت لنا قرارات في هذا المجمع وأخذنا برأي بعض الفقهاء وتركنا الجمهور. فإذا الغضاضة في احتمال أن نخالف رأي الجمهور؛ لأنه لم يكن سائرًا على وتيرة واحدة في منهج قرارات هذا المجمع، وأخيرًا منها مثلًا قضية العربون في بروني. الذي يقر هذا المبدأ هم الحنابلة وأخذ بذلك وترك مذهب جمهور العلماء. كذلك قضية (ضع وتعجل) أخذ برأي الحنابلة وترك ما عليه أغلب العلماء من أن هذا يعد منفذًا للربا. فإذن نحن لا ضير علينا ولا نغض من شأن الفقهاء واعتباراتهم ولا نحاول أن ننقلها بشكل متعسف، فالفقهاء قرروا هذا وهم الأغلبية إلا أن هناك أيضًا بعض الفقهاء في المذاهب المعتمدة، في مذهب المالكية وفي مذهب الحنابلة وفي –أيضًا- رأي أبي يوسف في الكساد فيها واضح وإن لم ير بعض إخواننا أن هذا ينطبق على النقود الورقية، في الحقيقة هذا نخالف فيه والواقع أن هذا المعنى الذي يراه أبو حنيفة وهو كان قاضي القضاة في عصره ويرعى ويعرف ما عليه حال المسلمين وحال الناس، هذا كان بحثي في الماضي وليس جديدًا الآن، هو ضرورة الأخذ بهذا الاتجاه الثاني. وإن لم يكن رأي الأغلبية. المسألة الثانية: ما معنى النقود الورقية في الوقت الحاضر؟ النقود الورقية في الوقت الحاضر ما هي إلا قيام هذه الدولة بطبع أوراق مراعية في ذلك في الماضي ما كان عندها من رصيد ذهبي والآن سحب الرصيد الذهبي في أن يكون غطاء للأوراق النقدية وأصبح جملة الإنتاج في الدولة وصادراتها وإنتاجها هو المقوم لعملة هذه الدولة. فهذا معنى النقود الورقية. وحينئذ ما دام هذا هو المعنى فالواقع نحن مع معالجة قضية التضخم ولكن بالاعتماد على ما تقوم به البنوك المركزية من تسعير هذه العملة الورقية المحلية في هذه الدولة. هذا التسعير في الواقع هو ملزم. فالقضية اعتبارية وليست قضية ذاتية في قضية النقود الورقية ونقيسها على الذهب والفضة.

стр. 14988

فالنقود الورقية هي اعتبارية. الدولة تقول الآن: عملتي تساوي خمسين بالمائة –مثلًا- من ما يوازيها من الدولار أو غير ذلك، وهذا ما تصرح به البنوك المركزية. فحينئذ إذا كان هذا هو شأن النقود الورقية فلم لا نسير مع قرار الدولة، طبعًا نسد الباب أمام ما يجري في السوق السوداء من التلاعب بالأسعار ومحاولة تخفيضها بافتعالات يقوم بها الصرافون، هذا نحن ينبغي ألا نتأثر بهذا الاتجاه وهو ما عليه السوق السوداء، إنما نلتزم بما عليه التسعير الرسمي الذي تصدره البنوك المركزية لعملتها بين فترة وأخرى. وما دام هذا هو الذي ينبغي أن نفهمه عن النقود الورقية وأظن أن إخواننا الاقتصاديين وقد درسنا الاقتصاد أيضًا يقرون هذا المعنى وبالتالي يكون علاج التضخم في تقديري ينبني على هذه الأسس الثلاثة. الأساس الأول: ينبغي إذا اعتبرنا مسألة معالجة التضخم أن يكون ذلك في ضوء التسعير الرسمي للعملة المحلية دون أن نترك مجالًا لما عليه حال الناس في السوق السوداء. الأساس الثاني: ينبغي أن نكون أيضًا محققين لمبدأ العدالة فنراعي هذا المبدأ في جانبيه الإيجابي والسلبي وهي حالة الارتفاع والانخفاض في آن واحد حتى يكون قرارنا سليمًا. الأساس الثالث: ينبغي –أيضًا- ألا نتأثر بما هو معروف لدى فقهاؤنا من أن الغبن اليسير لا يعول عليه في المبادلات، وإنما المعول على الغبن الفاحش هو الذي لا يدخل تحت تقويم المقومين وقدره المالكية بالثلث، وقدره –أيضًا- الحنفية بثلاثة من عشرة يعني الثلث أو أزيد قليلًا. فكل هذا معيار يجعلنا نعالج هذه المسألة إذا كان ارتفاع أو انخفاض العملة يعادل الثلث فأكثر فهذا ضابط سليم. وحينئذ نرفع الضرر في هذه الضوابط عن كل من الدائن والمدين. وأخيرًا ينبغي ألا نتأثر بما يقال ويفتي بعض إخواننا من العلماء من أن قضية الفائدة الربوية وسمعنا هذه الفتوى أخيرًا، أن هذه الفائدة الربوية ما هي إلا تجسيد لنزول وهبوط العملة، يعني التضخم فالسبعة بالمائة التي تدفعها الدولة أو تعطي أربعة بالمائة يقول: هذا حلال، لماذا لأن العملة انخفضت فيكون لي حق أصيل في أن آخذ هذه الفائدة لتغطية انهيار العملة المحلية. الحقيقة هذا منفذ خطير؛ لأننا إذا لجأنا إليه يؤدي إلى مشكلات كثيرة واضطرابات في موازين الناس وتصرفاتهم، مثل هذا في الحقيقة لا يصح أن نعول عليه.

стр. 14989

أخيرًا قضية قياس هذا الموضوع على الجائحة. سمعنا أن الجائحة سماوية، وهل هناك تعبير أرقى من هذا التعبير الذي ذكره فقهاؤنا؟ الأزمة الاقتصادية التي تحل بالدولة هي أشد عتوًّا وتأثيرًا وتهديدًا لاقتصاد الدولة من الجائحة السماوية. الجائحة السماوية تصيب جانبًا –مثلًا- من المزارع، في بعض البساتين دون البعض الآخر، أما هذا فهو بلاء عام هو يسري أثره على كل وضع الدولة وقد تهدد بالإفلاس في أزمتها الاقتصادية الخانقة. فإذن هو أخطر من الجائحة السماوية، والماليكة والحنابلة صرحوا بأن الجائحة السماوية إذا كانت في مقدار الثلث –وهو الضابط الذي ذكرته- يعد مفتاحًا لحل المشكلة وإن كان الشافعية –مثلًا- لا يأخذون بهذا الاتجاه. فالقضية قضية اختيار لأحد رأيين، لنمنع السخرية التي وجهت والهزء لقرارنا السابق والتهكم الذي لقيه هذا القرار السابق من الناس قاطبة وهو أن مجمع الفقه في الحقيقة ما هم إلا جماعة مخلدون للنصوص القديمة وليس عندهم تفتح، واتهمونا في عقولنا وفي أفكارنا وفي جملنا وفي تقديراتنا. فإذن الحقيقة نحن ينبغي أن نكون واعين لحل هذه المشكلة ولا مانع عندي من أن توضع هذه الضوابط وغيرها وتحل هذه القضية على نحو سليم لنخرج بقرارات تتفق مع ما يتقبله الناس، نحن لا نصادم الشريعة كما قلت وإنما علينا أن نوازي ونحقق معنى العدل. الرئيس: نقطة بسيطة يا شيخ وهبة. قضية سخرية الناس واستهزائهم، المبطلون ما يزالون يسخرون بالحق فليست هذه حجة ولا أود أن تثار في مثل هذه الموضوعات؛ لأنه قرار صدر عن قناعة شرعية ولا نعتقد في جميع الإخوان إلا أنهم مقتنعون به حسبما يريدون به الله شرعًا. صار خطأ، صار صوابًا، ما زال يخطئون ويصيبون، وما زال الناس يستمرون على قرار أو يؤثرون على قرار بالنقض أو بنقض جزئية منه وما إلى ذلك، أما الذين يسخرون ويستهزئون فهم بين أحد رجلين، إما رجل مغرض أو أنه لا يفقه ولا يعرف حتى ولو كان ذا شأن؛ لأنه لا يجوز أن يسخر بقرار إلا إذا بناه على سوء الظن، وهذا أرجو أن يكون –إن شاء الله- مرفوعًا عن أهل العلم وأهل الرأي ومن يقصد الحق فيما يقرره. وشكرًا.

стр. 14990

الدكتور سامي حسن حمود: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ أبدأ أولًا بأن أقول كل الثقة والاحترام والتقدير لقرارات المجمع فهذه كلها نتيجة ثلاث فضائل: اجتهاد ويؤجر المرء عليه. الموضوع في ذاته أن الاتفاق شامل في النظر إلى المثلية، ولكن الاختلاف بين الباحثين في حقيقة المثلية المقصودة، هل هو الشكل أم الأصل في تماثل الأشياء بمعنى قيمتها؟ فلو نظرنا إلى.... تجنبنا النقود وأخذنا قياسًا على القمح، أخذت صاع قمح وأريد أن أرده، صاع القمح الذي أخذته نقي، هل يكون المثل صحيحًا إذا رددته بصاع من القمح الذي ينخره السوس؟ فإذا انتقلنا إلى النقود من هذه النظرة نلاحظ أن النقود عندما كانت ذهبًا وفضة كانت لها قيمتان، قيمة ذاتية لكونها معدنًا نفيسًا، وقيمة اصطلاحية باعتبارها سكة. فإذا سقطت من التداول كعملة بقيت القيمة كمعدن له ثمنه، أما النقود الورقية فرغم أنها تقاس على الذهب والفضة كوسيط للتبادل ومقياس للأثمان إلا أن هذا القياس لا يصل إلى درجة اعتبارها قيمة ذاتية. فالمستفاد من الأبحاث المقدمة أن المطلوب ليس أن يبتعد النظر عن قاعدة المثلية بل أن يتجه النظر إلى إظهار حقيقة التماثل، ومتى يكفي العدد؟ ومتى يصار إلى القيمة عندما يختل التماثل؟ وبناءً على ذلك فإن الأبحاث المقدمة يكمل بعضها بعضًا رغم ما قد يتبين أنه تناقض في الآراء ويمكن الاستعانة بما قدمه الباحثون في النقاط التالية: أولًا: ملاحظة أن النقود الورقية ليست ثمنًا بالخلقة كالذهب والفضة كما أوضح ذلك في بحثه الأخ الدكتور منذر والدكتور ناجي عجم. ثانيًا: الإفادة من التأصيل الفقهي الذي حفل به بحث فضيلة الشيخ ابن منيع. ثالثًا: عدم إخضاع التغيرات المعتبرة للقرارات الاقتصادية الموجهة غالبًا، بل الاعتماد في ذلك إلى توجه النظر لاعتبار القيمة على أساس أقوى ثباتًا مثل قاعدة سعر الذهب حسب ما يتضمنه بحث الدكتور القري. رابعًا: ألا يكون الربط في التغير ربطًا آليًّا، وإنما يكون ذلك مسموحًا به إذا اتفق عليه أطرافه عند التعاقد، وأن يكون هذا الاتفاق مسموحًا به حيث إنهم يتراضون وهم يرون الحال ويركنون إلى وسيط يرجع إليه بالزيادة والنقصان في جانبيهما، كما تضمن ذلك بحث فضيلة الشيخ السلامي.

стр. 14991

خامسًا: النظر إلى اعتبار تنصيف الفرق الفاحش في الأسعار إذا لم يكن هناك اتفاق مسبق وذلك حسب ما ورد في بحث فضيلة الشيخ الزرقا. سادسًا: أن تكون المعالجة شاملة لكل حالات الالتزام وعدم الاقتصار على أداء المدينين للدائنين، كما بحث ذلك الأخ الدكتور السالوس وفضيلة الدكتور الشاذلي. النقطة الأخيرة هنا، من واقع المناقشات أن التفرقة يجب أن تكون منظورًا لها بين القرض الحال الذي يملك فيه المقرض أن يأخذ أو يسترد أمواله كالحساب الجاري وبين القرض المرتبط بزمن. ففي القرض الحال هناك تراخ من صاحب الحق في أنه لا يسترد ماله ويعيده إلى القيمة أو يحافظ على قيمته أما القرض الزمني فهو مرتبط بأن يستوفى بعد مرور مدة من الزمن. وشكرًا لكم. الأمين العام: بسم الله الرحمن الرحيم، صلى الله على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، أشكر لكم الإخوة الذين تقدموا بعروضهم في هذا الموضوع وإن كان للمرة الثالثة بالإضافة إلى الندوات التي عقدناها في هذا الغرض ولم تنته إلى نتيجة، وسوف يكون هذا الموضوع مستمرًا معنا ما دام التضخم قائمًا. والذي أريد أن أشير إليه أن كل إخواننا من الذين تفضلوا بالمناقشة على حق، ولا أقول لأحد منهم بأنه قد أخطأ، هذا لا يجوز لا فقهًا ولا عقلًا ولا تدبيرًا، ولكني ألاحظ أن أكثر الأوراق أشارت إلى منهجين في حل هذه القضية، المنهج الأول هو الرأي الذي يقول برد المثل من غير التفات إلى ما حصل من انقطاع العملة أو كسادها، وهذا الرأي لا يمكن القياس عليه بحسب ما استمعنا من الملاحظات والمناقشات إلى آخره، لا يمكن أن يقاس عليه حكم النقود الورقية لاختلافها عن النقود الذاتية من وجوه كثيرة وقع شرحها والتنويه بها. وأما الرأي الثاني فقد وقفنا في هذه الأوراق المقدمة إلينا على أن طائفة من العلماء ومن الفقهاء في مختلف المذاهب أخذت به، فأقل هؤلاء في الاتجاه الذي مالوا إليه: إن انقطعت فلوس قضى قيمتها. وهذا كلام سحنون وكلام أشهب، وقال ابن شاس: إذا كانت الفلوس من بيع فعلى المبتاع قيمة السلعة. وهذا الرأي اشتهر في القرن الخامس كما جاء في ورقة فضيلة الشيخ محمد المختار السلامي، اشتهر في القرن الخامس وكانت به الفتوى في بعض الأمصار، ذلك أن الدائن عمر ذمة المدين بشيء منتفع به –أي له قيمة- وقت العقد، فإذا تلفت قيمته فإنه يكون من العدل أن يعيد للدائن نظير ما أخذه منه، ولا يتحقق ذلك بالعدد الظاهر ولكن بالقيمة النفعية التي كانت وقت العقد، فإذا بقيت السكة رائجة على حالها بمعنى على قيمتها كان العدل أن يأخذ بنفس السكة، وإذا انقطعت وحولت أو تحولت أخذ قيمتها من السكة الجديدة حتى تكون هذه السكة المحدثة التي يتقاضاها عن دينه تمكنه مما كان يتمكن منه من السكة القديمة. ثم وجدنا أن الأوراق التي عرضت علينا تناولت من طرف الاقتصاديين والفقهاء جميعًا اعتبار النقود الورقية التي أصابها تغيير فاحش محمولة في اعتقادهم وفيما قرروه بما يلحق النقود من الكساد، ونبهوا على مواقف كثير من علماء المذاهب من هذه المسألة، فقالوا بالقيمة وبمراعاتها في المتماثلات؛ لأن المثلية لا تتحقق على الوجه الصحيح إلا بالتساوي فإن المالين إنما يتماثلان إذا استوت قيمتهما، وأما مع اختلاف القيمة فلا تماثل، وأوردوا في هذا المجال كلام الرهوني من المالكية وكلام ابن تيمية وابن القيم من الحنابلة، وأقوال أبي يوسف ومحمد من الحنفية، وتبين من مجموع ذلك أن القول بوجوب أداء قيمة النقد الذي طرأ عليه الغلاء أو الرخص يوم ثبوته في الذمة هو الأولى بالاعتبار؛ لأنه الأقرب للعدالة والإنصاف، ولأن فيه رفع ضرر عن كل من الدائن والمدين ولاحظ هؤلاء الإخوان بأن هذا الحكم أو هذا الاتجاه يرجع بنا إلى تحكيم القاعدة العامة الشرعية التي تقول: " لا ضرر ولا ضرار " ورغم جموح غالب الدراسات إلى هذا الرأي والاتجاه الذي لاحظنا فإن بعض الإخوان خلطوا هذا الموضوع بقضايا أخرى تتصل بأسباب التضخم وأرادوا أن يبحثوها ولكن الوقت لا يتسع لذلك، وأنا أعلم وأتأكد بأن الحكم لا يكون حكمًا نهائيًّا إلا بربطها بهذه الأسباب ومعرفة طريق الخروج من هذه النتائج السلبية التي حصلت للتضخم، وقد طرحت بعد ذلك أوجه كثيرة في التقويم. إذا نحن ملنا إلى القيمة فما هو طريق تقويم هذا الفارق إذا كان كبيرًا، إذا كان فاحشًا؟ فعرضت علينا صور متعددة، وهذه الصور المتعددة تناولت بغير شك في المحل الأول الرجوع إلى الذهب باعتباره هو الأكثر استقرارا وثباتا، والرجوع إلى سلة السلعة وهذا معتمد في كثير من الدول، وبعضهم يقول: ينبغي الاتفاق على طريقة في البيوعات أو المعاملات المستقبلية حتى لا يكون الطرفان على رضا بما يريدان أن يصلا إليه عند الحكم في هذه القضايا. ثم جاءتنا الورقة التي وقع التنويه بها كثيرًا والتي أشار إليها أكثر من واحد وهي قضية الطوارئ العارضة التي تقتضي في نظرهم أن الأمر ينبغي أن يكون مناصفة بين الدائن والمدين حتى لا يتضرر أحدهما. وهذه الفتوى التي صدرت في الظروف الطارئة التي أخذ بها مجمع الفقه الإسلامي بمكة المكرمة في دورته الرابعة، وذلك من نحو ثلاثة عشر عامًا اعتمادًا على ما استند إليه من الأدلة الشرعية في ذلك الوقت.

стр. 14992

قلت: هذا وأريد أن أضيف إليه شيئًا واحدًا هو أن هذا الحديث أفادنا فوائد كثيرة من أهمها وجوب التفكير –كما قال فضيلة الشيخ الفرفور- في عقد ندوة تبحث هذه القضايا، هذا ما فكر فيه المجمع من أيام عديدة منذ أكثر من شهرين ونحن نتابع هذه القضية، ووقع الاتفاق بين مجمع الفقه الإسلامي وبين مصرف فيصل الإسلامي بالبحرين على عقد ندوة بل ندوات حول هذا الموضوع وأكثركم من الإخوان الفقهاء والاقتصاديين مدعوون للمشاركة فيها، وترتيب هذه الندوات بحسب الموضوعات: ندوة أولى في التضخم، تعريفه وأسبابه وطرق قياسه. الندوة الثانية في الآثار الاقتصادية والاجتماعية للتضخم. والندوة الثالثة في الحل الإسلامي لمعالجة الآثار السلبية للتضخم. لهذا أردت أن أحيط حضراتكم به لنكون على بينة من أن الأمر يحتاج دائمًا إلى زيادة التفكير والتروي في إصدار القرارات والأحكام، ولهذا لا سبيل إلى اللجوء إلى طريق الحكم إلا باعتبار القيمة لا باعتبار المثلية؛ لأن المثلية لا تكون متحققة تمام التحقق إلا إذا تساوى المثل مع المثل الآخر في قيمته الحقيقية لا في صورته الشكلية. وشكرًا لكم. الرئيس: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. نعتذر عن بقية كلمات أصحاب الفضيلة والأساتذة لانتهاء الوقت ونختم هذه الجلسة بما يلي: وهو أنه يستخلص من المداولات أن هناك أربعة اتجاهات: الأول: الرد إلى المثل كما صدر به القرار في الدورة الخامسة بالأكثرية من أعضاء هذا المجمع. الثاني: الرد إلى المثل لكن في حال التضخم والكساد الجامح يكون التقدير بالقيمة. الثالث: اللجوء إلى الصلح الواجب. الرابع: جعل حد أعلى للغبن ... على القول بالمثل والآثار السلبية على القول بالقيمة أو على كل قول من هذه الأقوال، ثم بعد التحرير الكامل من الاقتصاديين والفقهاء تحال إلى هذا المجمع في دورة لاحقة. وعلى كل يتبين كذلك أنه ليس هناك أكثرية إلى رأي من هذه الآراء، لكن ممكن أنكم ترون أن تؤلف لجنة من وجهات النظر بعد سماع هذه الخلاصة إثر المداولات من أصحاب الفضيلة والأساتذة: العارض، المقرر، الشيخ تقي، الشيخ ابن بيه، الشيخ ابن منيع، الشيخ علي السالوس، مناسب. وبهذا ترفع الجلسة، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.

стр. 14993

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد خاتم النبيين وعلى آله وصحبه وسلم. قرار رقم: ٩٣/٦/د٩ بشأن: "قضايا العملة" إن مجلس مجمع الفقه الإسلامي المنعقد في دورة مؤتمره التاسع بأبو ظبي بدولة الإمارات العربية المتحدة من ١ إلى ٦ ذي القعدة ١٤١٥ هـ، الموافق ١-٦ أبريل ١٩٩٥ م. بعد اطلاعه على البحوث الواردة إلى المجمع بخصوص موضوع: "قضايا العملة" وبعد استماعه إلى المناقشات التي دلت على أن هناك اتجاهات عديدة بشأن معالجة حالات التضخم الجامح الذي يؤدي إلى الانهيار الكبير للقوة الشرائية لبعض العملات منها: أ- أن تكون هذه الحالات الاستثنائية مشمولة أيضاً بتطبيق قرار المجمع الصادر في الدورة الخامسة، ونصه "العبرة في وفاء الديون الثابتة بعملة ما هي بالمثل وليس بالقيمة؛ لأن الديون تقضى بأمثالها، فلا يجوز ربط الديون الثابتة في الذمة أيًّا كان مصدرها بمستوى الأسعار". ب- أن يطبق في تلك الأحوال الاستثنائية مبدأ الربط بمؤشر تكاليف المعيشة (مراعاة القوة الشرائية للنقود) . ج- أن يطبق مبدأ ربط النقود الورقية بالذهب (مراعاة قيمة هذه النقود بالذهب عند نشوء الالتزام) . د- أن يؤخذ في مثل هذه الحالات بمبدأ الصلح الواجب، بعد تقرير إضرار الطرفين (الدائن والمدين) . هـ- التفرقة بين انخفاض قيمة العملة عن طريق العرض والطلب في السوق، وبين تخفيض الدولة عملتها بإصدار قرار صريح في ذلك بما قد يؤدي إلى تغير اعتبار قيمة العملات الورقية التي أخذت قوتها بالاعتبار والاصطلاح.

стр. 14994

و التفرقة بين انخفاض القوة الشرائية للنقود الذي يكون ناتجاً عن سياسات تتبناها الحكومات وبين الانخفاض الذي يكون بعوامل خارجية. ز- الأخذ في هذه الأحوال الاستثنائية بمبدأ (وضع الجوائح) الذي هو من قبيل مراعاة الظروف الطارئة. وفي ضوء هذه الاتجاهات المتباينة المحتاجة للبحث والتمحيص. قرر ما يلي: أولاً: أن تعقد الأمانة العامة للمجمع –بالتعاون مع إحدى المؤسسات المالية الإسلامية - ندوة متخصصة يشارك فيها عدد من ذوي الاختصاص في الاقتصاد والفقه، وتضم بعض أعضاء وخبراء المجمع، وذلك للنظر في الطريق الأقوم والأصلح الذي يقع الاتفاق عليه للوفاء بما في الذمة من الديون والالتزامات في الأحوال الاستثنائية المشار إليها أعلاه. ثانياً: أن يشتمل جدول الندوة على: أ- دراسة ماهية التضخم وأنواعه، وجميع التصورات الفنية المتعلقة به. ب- دراسة آثار التضخم الاقتصادية والاجتماعية وكيفية معالجتها اقتصاديًّا. ج- طرح الحلول الفقهية لمعالجة التضخم من مثل ما سبقت الإشارة إليه في ديباجة القرار. ثالثاً: ترفع نتائج الندوة –مع أوراقها ومناقشتها- إلى مجلس المجمع في الدورة القادمة.

стр. 14995

سد الذرائع إعداد الدكتور إبراهيم فاضل الدبو الأستاذ بجامعة العلوم التطبيقية بالأردن بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ سد الذرائع المقدمة: الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسوله محمد الأمين، وعلى آله وصحبه الطيبين الطاهرين، وبعد: بطلب من أمانة مجمع الفقه الإسلامي الموقر، أقدم بحثي هذا المتواضع الموسوم بـ (سد الذرائع) ، سائلا المولى أن أكون قد وفقت فيما كتبته. إنه حسبي وعليه التكلان. الذرائع: جمع ذريعة، والذريعة في اللغة تستعمل لعدة معان، منها كل ما يتخذ وسيلة يتوصل بها إلى الشيء سواء كان حسيًّا أو معنويًّا، خيرًا كان أو شرًّا (١) . الذرائع وأما الاصطلاح الشرعي، فقد استعملت اللفظة بمعنيين، عام وخاص. المعنى العام للذريعة: يراد بالذريعة ـ على هذا المعنى ـ كل مسلك أو طريق اتخذ للتوصل إلى شيء آخر، بصرف النظر عن كون الوسيلة أو المتوسل إليه مقيدًا بوصف الجواز أو المنع (٢) وهي بهذا المعنى تشمل ما اتفق عليه وما اختلف فيه، ويتصور فيها الفتح كما يتصور فيها السد، وذلك أن موارد الأحكام قسمان: مقاصد، وهي الأمور المكونة للمصالح والمفاسد في أنفسهم، أي التي هي مصالح أو مفاسد في ذاتها. ووسائل، وهي الطرق المفضية إلى المقاصد. وحكم الوسائل كحكم ما أفضت إليه من المقاصد، فوسيلة الواجب واجبة، كما أن وسيلة المحرم محرمة. وإلى هذا المعنى أشار ابن القيم حيث قال: " لما كانت المقاصد لا يتوصل إليها إلا بأسباب وطرق تفضي إليها، كانت طرقها وأسبابها تابعة لها معتبرة بها، فوسائل المحرمات، والمعاصي ـ في كراهتها والمنع منها ـ بحسب إفضائها إلى غاياتها وارتباطها بها، ووسائل الطاعات والقربات ـ في محبتها والإذن فيها، بحسب إفضائها إلى غاياتها، فوسيلة المقصود تابعة للمقصود وكلاهما مقصود، لكنه مقصود قصد الغايات، وهي مقصودة قصد الوسائل (٣) ".

стр. 14996

ما المقصود بسد الذرائع؟ يراد بسد الذرائع، منع الطرق التي تؤدي إلى إهمال أوامر الشريعة أو الاحتيال عليها، أو تؤدي إلى الوقوع في محاذير شرعية ولو عن غير قصد (١) . الذريعة والسبب: قد تأتي الذريعة بمعنى السبب في اللغة، من ذلك ما قاله ابن منظور: " والذريعة السبب إلى الشيء، يقال فلان ذريعتي إليك، أي سببي ووصلتي الذي أتسبب به إليك" وفي نوادر الإعراب، يقال: أنت ذرعت هذا بيننا وأنت سجلته، بمعنى سببته (٢) . إلا أن الذريعة تختلف عن السبب في الاصطلاح؛ لأن السبب اصطلاحًا هو ما جعله الشارع علامة على وجود الحكم الشرعي بحيث يوجد هذا الحكم عند وجوده وينعدم عند عدمه (٣) . فالزنى مثلًا: سبب لإقامة الحد على الزاني، والسرقة لقطع يد السارق، فالسبب لا يعدو عن كونه أمارة لوجود الحكم وعلامة لظهوره، وقد يكون بفعل المكلف وفي قدرته كالسفر لإباحة الفطر، وقد يكون خارجًا عن إرادته ومقدوره كدلوك الشمس لوجوب الصلاة. في حين أن المقصود بالذرائع هنا، هي الوسائل التي يسلكها المكلف باختياره، أي نفس الفعل، والوسيلة غير العلامة والأمارة، ومن هنا كان الفرق بين الذريعة والسبب. ولا فرق بين أن تكون هذه الوسيلة مستلزمة للمتوسل إليه أو غير مستلزمة.

стр. 14997

أقسام الذرائع بمعناها العام: يمكن تقسيم الذرائع بالمعنى العام إلى قسمين: القسم الأول: الذرائع التي تفضي إلى المصلحة، وهي على نوعين: ١- أن تكون الذريعة والوسيلة مصلحة أيضًا بحد ذاتها، وعندما تكون مباحة أو واجبة حسب قوة وحال ما تؤدي إليه، وقد قال ابن القيم عن هذا النوع: (فالشريعة جاءت بإباحة هذا القسم أو استحبابه أو إيجابه بحسب درجاته في المصلحة) . (١) فالمباحة كالكسب الحلال المؤدي إلى التمتع بالطيبات، والمندوبة كالكسب لدفع الهلاك من الجوع، والواجبة كستر العورة بالنسبة للصلاة. ٢- أن تكون الذريعة المفضية إلى المصلحة مفسدة في حد ذاتها، كالسرقة من أجل الإنفاق على العيال، هنا محظورة شرعًا وإن كانت تفضي إلى المصلحة، إلا إذا رافقتها ضرورة ملجئة، فعندئذ تباح بقدر الضرورة عملًا بما قاله الفقهاء رحمهم الله تعالى: " الضرورات تبيح المحظورات، والضرورات تقدر بقدرها " والنوعان المذكوران محل اتفاق عند علماء المسلمين؛ للنصوص الواردة بهذا الخصوص من الكتاب والسنة والإجماع. القسم الثاني: الذرائع المفضية إلى المفاسد: وهذا القسم يتضمن نوعين أيضًا: ١- أن تكون الذريعة مفسدة في ذاتها وتفضي إلى المفسدة بطبعها، وذلك كشرب الخمر المفضي إلى مفسدة السكر، والقذف المفضي إلى مفسدة الفرية، والزنى المفضي إلى اختلاط الأنساب، ونحو ذلك. فهذه أفعال وأقوال وضعت مفضية لهذه المفاسد وليس لها ظاهر غيرها. ولا خلاف بين العلماء في حرمة هذا النوع أو كراهته، بحسب مقدار المفسدة منه، وقد قال ابن القيم عن هذا القسم: إن الشريعة جاءت بالمنع من هذا القسم من الوسائل كراهة أو تحريمًا بحسب درجاته فيما يؤدي إليه من المفسدة (٢) .

стр. 14998

٢- أن تكون الذريعة المؤدية إلى المفسدة مصلحة في حد ذاتها ومشروعة. وهذا النوع من الذرائع على مراتب بقدر المفسدة التي قد تفضي إليها، واعتبار قصد الفاعل للمفسدة وعدمه، وبالتالي يختلف بالنظر الفقهي إليها سدًا وفتحًا، وقد فصل ابن القيم مراتب هذا النوع من الذرائع وأقسامه وذكر حكم كل مرتبة منها، فهو بعد أن ذكر حكم الوسائل التي تفضي إلى المفاسد وحكمها، تكلم عن النوع الثاني من الذرائع، والتي تكون موضوعة للإفضاء إلى أمر جائز أو مستحب، فيتخذ وسيلة إلى المحرم إما بقصد من الفاعل أو غير قصد منه، ورتبها كما يلي: ١- ما كان موضوعًا للإفضاء إلى أمر جائز فيتخذه الفاعل وسيلة للمحرم، وذلك كمن يعقد النكاح قصدًا به التحليل أو بعقد البيع قاصدًا به الربا أو يخالع قاصدًا به الحنث ونحو ذلك. ٢- ما كان موضوعًا للإفضاء إلى أمر مستحب فيؤدي إلى محرم، كمن يصلي تطوعًا بغير سبب في أوقات النهي أويسَبِّ أرباب المشركين بين أظهرهم، ونحو ذلك. وهذا النوع من الذرائع يتفرع إلى فرعين: أحدهما أن تكون مصلحة الفعل أرجح من مفسدته. والثاني أن تكون مفسدته راجحة على مصلحته. ثم يمضي ابن القيم قائلًا: إن الشريعة قد منعت كل وسيلة مفضية إلى مفسدة سواء كانت بحد ذاتها مفسدة أو مباحة، وأجازت الوسيلة المباحة وإن كانت تفضي إلى المفسدة أحيانًا إلا أن مصلحتها أرجح من مفسدتها، وذلك كالنظر إلى المخطوبة والمستامة والمشهود عليها، فإن النظر وإن كان يؤدي إلى محرم أحيانًا بأن تصاحبه الفتنة، إلا أن مصلحة الخاطب والمشتري والشاهد تستدعي النظر إلى المرأة فمصلحة النظر هنا أرجح من مفسدته، ثم بقي النظر والخلاف قائمًا في الوسيلة الموضوعة للمباح ويقصد بها التوصل إلى المفسدة، وكذا بالنسبة للوسيلة الموضوعة للمباح أيضًا من غير قصد التوصل بها إلى المفسدة لكنها مفضية إليها غالبًا ومفسدتها أرجح من مصلحتها (١) .

стр. 14999

سد الذرائع ومن وجهة نظر الشاطبي: تناول الشاطبي سد الذرائع من خلال كلامه عن مقاصد المكلف والفعل الذي يكون مصلحة للنفس وفيه مضرة بالغير، نستخلص مما ذكره ما يلي: ١- الوسائل التي تفضي إلى المفسدة على وجه القطع، وذلك كحفر الرجل بئرًا في مدخل داره وهو يعلم أن شخصًا يزوره في ظلام الليل، وهذا النوع من الذرائع ممنوع قطعًا؛ لأنه يؤدي إلى المحظور شرعًا. ٢- أن يكون الفعل يؤدي إلى المفسدة في أغلب الظن، كبيع السلاح في وقت الفتن أو من أهل الحرب، وبيع العنب لمن يعصره خمرًا، ونحو ذلك مما يقع في غالب الظن أداؤه إلى المفسدة لا على سبيل القطع، وهذا النوع ممنوع أيضا؛ لوجوب الأخذ بالاحتياط عند غلبة الظن. ٣- أن يندر أداء الوسيلة إلى المفسدة، كالمنع من زراعة العنب لمن يعصره خمرًا، ونحو ذلك مما يقع في غالب الظن أداؤه إلى المفسدة لا على سبيل القطع، وهذا النوع ممنوع أيضًا؛ لوجوب الأخذ بالاحتياط عند غلبة الظن. ٤- أن يكون الفعل مؤديًا إلى المفسدة كثيرًا لا غالبًا، بحيث إن هذه الكثرة لا تبلغ مبلغًا يحمل العقل على ظن المفسدة فيه دائمًا، وذلك مثل بيوع الآجال والبيوع الربوية، وهذا النوع من الذرائع كما يقول الشاطبي: هو موضع نظر والتباس (١) .

стр. 15000

المعنى الخاص للذريعة: لقد تبين لنا من خلال ما حكيناه عن ابن القيم والشاطبي رحمهما الله تعالى، أن الذرائع التي هي محل خلاف عند العلماء في الوسائل التي ظاهرها الجواز إذا قويت التهمة في التطرق بها إلى الممنوع، وهو ما أشار إليه الشاطبي في القسم الرابع، وهو كل فعل مأذون فيه بالأصل ولكنه طرأ عليه ما جعله يؤدي إلى المفسدة كثيرًا لا غالبًا، ويدخل في هذا ما أشار إليه ابن القيم بالقسم الوسط بين ما جاءت الشريعة بطلبه وما جاءت بمنعه، وملخصها: كل وسيلة مباحة قصد التوصل بها إلى المفسدة أو لم يقصد بها التوصل إلى المفسدة، لكنها مفضية إليها غالبًا ومفسدتها أرجح من مصلحتها. وهذا المعنى الخاص للذريعة هو المراد عند الأصوليين والفقهاء عند بحثهم في الذرائع وسدها، ولقد عبر الشاطبي عن هذا المعنى بقوله: إن حقيقتها التوصل بما هو مصلحة إلى مفسدة (١) .

стр. 15001

المقارنة بين الذرائع والحيل الفقهية: قلنا فيما مضى إن الذريعة بالمعنى الخاص، تعني التوسل بما هو مصلحة إلى مفسدة. أما الحيلة فكما عرفها ابن القيم هي (نوع مخصوص من التصرف والعمل الذي يتحول به فاعله من حال إلى حال) (١) . وقد غلب استعمالها عرفا في سلوك الطرق الخفية التي يتوصل بها الرجل إلى حصول غرضه، بحيث لا يفطن له إلا بنوع من الذكاء والفطنة. كما أن الغالب على الحيلة في عرف الناس هو استعمالها في التوصل إلى الغرض الممنوع منه شرعاَ أو عقلًا أو عادة، وهذا في استعمال المطلق في بعض أنواعه كالدابة والحيوان وغيرها (٢) . وحقيقة الحيلة عند الشاطبي هي: " تقديم عمل ظاهر الجواز لإبطال حكم شرعي وتحويله في الظاهر إلى حكم آخر (٣) " ويضيف قائلًا: " إن مآل العمل في الحيلة خرم قواعد الشريعة في الواقع". ولدى النظر في تعريف ابن القيم للحيلة وتعريف الشاطبي لها، يتضح لنا أن الحيلة بالمعنى العام لها تلتقي مع الذريعة من حيث إنه يتوصل بكل منهما إلى غرض معين، دون أن يحدد نوع هذا الغرض، ويختلفان عند ما تخص الحيلة في استعمالها العرفي على نوع خاص التصرف وهو استعمالها في التوصل إلى الغرض الممنوع منه شرعًا أو عقلًا أو عادة. فاختصاص الحيل بخرم قواعد الشريعة خاصة، تكون أخص من الذريعة على هذا الاعتبار، كما يظهر الفرق بين الاثنين، أن الذريعة لا يلزم فيها أن تكون مقصودة، والحيلة لا بد من قصدها للتخلص من المحرم. والحيلة تجري في العقود خاصة، والذريعة أعم، على أن المتتبع لما ذكره ابن القيم، يجد أن هناك تداخلًا بين الاثنين، فهو عند ضربه مثلًا لنوع معين من بيوع العينة يذكره أحيانًا في باب سد الذرائع ويذكره في باب الحيل مرة أخرى، والحيل منها ما هو جائز شرعًا، كالنطق بكلمة الكفر إكراهًا عليها. ومنها ما هو المحرم شرعًا، كالواهب ماله عند رأس الحول فرارًا من الزكاة، وهذا هو المعنى الخاص للحيلة الذي تفترق به عن الذريعة.

стр. 15002

موقف العلماء من سد الذرائع: لا خلاف بين العلماء، أن ما جاء به نص من قرآن أو سنة أو ثبت فيه إجماع من هذا الأصل، فلا كلام فيه لثبوته بدليل صحيح، وعلى كل فقيه أن يعمل به. من ذلك قول الله تعالى: ﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [الأنعام: ١٠٨] . فقد نهى الله المؤمنين أن يسبوا أصنام المشركين، وهو في ذاته أمر جائز، بل مطلوب لأنه تحقير لشأن المشركين وإذلال لهم بتهوين ما عظموا، نهاهم عن ذلك لئلا يكون ذريعة إلى سب المولى سبحانه وهو من أكبر المفاسد. وقوله تعالى ﴿وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ﴾ [النور: ٣١] . فقد نهى الله النساء أن يضربن بأرجلهن في مشيتهن ليسمع الرجال صوت خلخالهن؛ لأن هذا ذريعة للفت نظر الرجال إليهن, فيكون ذلك مدعاة لإثارة الشهوة. ويقاس عليه كل فعل يثير الفتنة كالتزين الفاضح وترقيق الصوت والتعطر عند الخروج من المنزل. وفي ذلك قوله ﵊ لعائشة أم المؤمنين: ((لولا حداثة قومك بالكفر، لنقضت البيت ثم بنيته على أساس إبراهيم)) ، فقد امتنع عن هدم البيت وبنائه على قواعد إبراهيم الأولى التي رسمت له بطريق الوحي مع ما فيه من المصلحة؛ لما يترتب عليه من نفرة العرب في هذا العمل لقرب عهدهم بالجاهلية. ولما طلب من رسول الله قتل بعض المنافقين وقد بدا منهم ما يوجب القتل، قال: " أكره أن يتحدث العرب عنا أن محمدًا قاتل بقوم حتى أظهره الله تعالى بهم ثم أقبل عليهم بقتلهم" وفي رواية " أخشى أن يتحدث الناس أن محمدًا يقتل أصحابه ". فقد امتنع رسول الله عن قتلهم مع أنه مباح وفيه خلاص الأمة من جماعة طالما آذت المسلمين، ولكنه تركه لما يترتب عليه من مفسدة أكبر، وهي أن قتلهم ينفر الناس من الإسلام إذا سمعوا أن رسول الله يقتل أصحابه، وقد عمل أصحاب رسول الله ﷺ بعده بهذا الأصل فأجمعوا على قتل الجماعة بالواحد، وقد حكموا بتوريث المطلقة بائنا في مرض الموت (١) . فما كان من هذا القبيل من الذرائع فلا نزاع فيه بين العلماء، ولكن هل نقف عند هذا الحد ونبقي الباب مفتوحًا للمجتهدين ليعملوا به فيما استجد من مسائل؟.

стр. 15003

أقول: لا خلاف في أن الظاهرية الذين يقفون عند ظواهر النصوص ومن سلك مسلكهم لا يعملون به؛ لأنهم رفضوا قبل ذلك العمل بالقياس والمصلحة، وما عداهم من الأئمة، فالمشهور أن مالكًا وأحمد رحمهما الله تعالى هما اللذان يقولان بسد الذرائع، بينما يخالفهما أبو حنيفة والشافعي رحمهما الله تعالى. يقول الشاطبي وهو يقرر أن النظر في مآلات الأفعال معتبر ومقصود شرعًا: وهذا الأصل ينبني عليه قواعد، ومنها الذرائع التي حكمها مالك في أكثر أبواب الفقه (١) . وقال القرافي في معرض كلامه عن الوسائل التي منعها الشرع لإفضائها إلى شبهة: إن مالكًا لم ينفرد بذلك، بل كل أحد يقول بها، ولا خصوصية للمالكية بها إلا من حيث زيادتهم فيها (٢) . وذكر ابن القيم وهو حنبلي المذهب: " وباب سد الذرائع أحد أرباع التكليف فإنه أمر ونهي، والأمر نوعان: أحدهما مقصود لنفسه، والثاني وسيلة إلى المقصود، والنهي نوعان: أحدهما ما يكون المنهي عنه مفسدة في نفسه، والثاني ما يكون وسيلة إلى المفسدة، فصار سد الذرائع المفضية إلى الحرام أحد أرباع الدين (٣) " وهكذا يتضح لنا أن القول بسد الذرائع أصل معتمد في الفقه المالكي والفقه الحنبلي. وأما أبو حنيفة والشافعي رحمهما الله تعالى فلم تذكر كتب أصول مذهبهما شيئًا عن رأيهما في هذا، وذلك أن الباحث في هذا الموضوع يجد أن كتب أصول الحنفية والشافعية لا تتعرض للبحث في هذا الأصل، إلا أن المتتبع لأقوالهما يجد أنهما يقولان بسد الذرائع في كثير من المسائل، كما سنذكر ذلك عنهما فيما بعد.

стр. 15004

ويبدو أن أبا حنيفة والشافعي لا يعتبران سد الذرائع أصلًا قائمًا بذاته، بل هو داخل في الأصول المقررة كالقياس والاستحسان، يدل على ذلك ما قاله القرافي رحمه الله تعالى: " وأما الذرائع فقد أجمع العلماء على أنها ثلاثة أقسام، أحدها معتبر إجماعًا كحفر الآبار في طرق المسلمين وإلقاء السم في أطعمتهم وسب الأصنام عند من يعلم من حاله أنه يسب الله تعالى. وثانيها ملغي إجماعًا كزراعة العنب فإنه لا يمنع خشية الخمر. وثالثها مختلف فيه كبيوع الآجال، اعتبرنا نحن الذريعة فيها، وخالفنا غيرنا، فحاصل القضية أننا قلنا بسد الذرائع أكثر من غيرنا لا أنها خاصة بنا " (١) . ومما يدل على ذلك أيضًا ما قاله الشاطبي: " أما الشافعي فالظن به أنه تم له الاستقرار في سد الذرائع على العموم، ويدل عليه قوله بترك الأضحية إعلامًا بعدم وجوبها وليس في ذلك دليل صريح من كتاب أو سنة وإنما فيه عمل جملة من الصحابة، وذلك عند الشافعي ليس بحجة، وأما أبو حنيفة فإنه ثبت عنه جواز إعمال الحيل، لم يكن من أصله في بيوع الآجال إلا الجواز، ولا يلزم من ذلك تركه لأصل سد الذرائع، وهذا واضح، إلا أنه نقل عنه موافقة مالك في سد الذرائع فيها وإن خالفه في بعض التفاصيل.. " (٢) . ومن هنا نستطيع القول كما يقول المرحوم أبو زهرة: " إن العلماء جميعًا يأخذون بأصل الذرائع وإن لم يسموه بذلك الاسم" (٣) .

стр. 15005

أمثلة على سد الذرائع: قلنا فيما مضى: إن الفقهاء متفقون على القول بسد الذرائع، إلا أنهم متفاوتون في الأخذ بها قلة وكثرة وبين اعتبارها أحد المصادر التبعية في الشريعة الإسلامية أو عدم اعتبارها، يجدر بنا أن نذكر شواهد في إعمال سد الذرائع عند الفقهاء رحمهم الله تعالى. الفقه المالكي: شواهد إعمال سد الذرائع عند المالكية أكثر من أن تحصى، حيث إنهم أعملوه في استنباطاتهم وتخريجاتهم في جميع أبواب الفقه، وبالغوا في ذلك حتى عد سد الذرائع من خصوصيات هذا المذهب، ومن أبرز تطبيقات سد الذرائع عند المالكية منعهم للعقود التي تتخذ ذريعة إلى أكل الربا، وهو ما يعرف عندهم ببيوع الآجال، من ذلك ما إذا باع رجل سلعة لآخر إلى أجل، ثم اشتراها منه قبل الأجل نقدًا بأقل من الثمن أو إلى أبعد من ذلك الأجل بأكثر من ذلك الثمن، فعند مالك وجمهور أهل المدينة أن ذلك لا يجوز، وجه منعه اعتبار البيع الثاني بالبيع الأول، فيتهم المتعاقدان من أن يكونا قد قصدًا بذلك دنانير في أكثر منها إلى أجل، وهو الربا المنهي عنه فزورًا لذلك هذه الصورة ليتوصلًا بها إلى الحرام، وصار العقد بمثابة ما لو قال رجل لآخر: أسلفني عشرة دنانير إلى شهر وأرد إليك عشرين دينارًا، فكما أن الصيغة هنا صيغة ربا، كذلك الحال في الصيغة الأولى (١) . ومن ذلك منعهم بيع مدّين من تمر وسط بمُدّين من تمر أحدهما أعلى من الوسط والآخر أدون منه، فإن الإمام مالكًا يمنع مثل هذا البيع؛ لأنه يتهم البائع أن يكون قد قصد من ذلك أن يدفع مُدّين من الوسط في مدّ من التمر الجيد، فجعل معه الرديء ذريعة إلى تحليل ما لا يجب من ذلك (٢) .

стр. 15006

الفقه الحنبلي: ومن الشواهد التي اعتمد فيها الحنابلة على القول بسد الذرائع عندهم، ما قاله ابن قدامة: من أنه لو باع شخص سلعة بنقد ثم اشتراها بأكثر منه نسيئة، فقال أحمد في رواية حرب: إن ذلك غير جائز، إلا أن يغير السلعة؛ لأن ذلك يتخذه وسيلة إلى الربا، فأشبه مسألة العينة (١) . ومن ذلك أيضًا ما حكاه ابن القيم عن الإمام أحمد أنه قال: ((نهى رسول الله ﷺ عن بيع السلاح في الفتنة)) ، ولا ريب أن هذا سد لذريعة الإعانة على المعصية، ويلزم من لم يسد الذرائع أن يجوز هذا البيع كما صرحوا به. ومن المعلوم أن هذا البيع يتضمن الإعانة على الإثم والعدوان (٢) .

стр. 15007

الفقه الشافعي: ومما يدل على أن الشافعي ﵀ أخذ بالذرائع ما قاله في كتاب الأم: وفي منع الماء ليمنع به الكلأ الذي هو من رحمة الله عام يحتمل معنيين: أحدهما أن ما كان ذريعة إلى إحلال ما حرم الله لم يحل، وكذلك ما كان ذريعة إلى تحريم ما أحل الله، ثم أضاف قائلًا: " فإن كان هذا هكذا ففي هذا ما يثبت أن الذرائع إلى الحلال والحرام تشبه معاني الحلال والحرام" (١) . ومن ذلك أيضًا ما قاله الشافعية من أن المعذورين في ترك الجمعة كالمرضى والمسافرين، يصلون الظهر مكانها جماعة أو فرادى، واستحب الشافعي ﵀ لهم إخفاء الجماعة سدًا لذريعة التهمة في تركهم لصلاة الجمعة (٢) . ويدل على أخذ الشافعية بالذرائع أيضًا ما قاله الشيرازي من أن المسافر والمريض إذا أفطرا في رمضان بسبب السفر والمرض، يستحب لهما أن لا يأكلا عند من يجهل عذرهما سدًا لذريعة التهمة بالفسوق والمعصية (٣) .

стр. 15008

الفقه الحنفي: ومما يدل على أخذ الحنفية بالذرائع ما ذهبوا إليه من توريث مطلقة المريض مرض الموت منه؛ لئلا يكون الطلاق ذريعة إلى حرمانها من الميراث وهو مذهب الجمهور أيضًا، وأساسه ما أفتى به بعض مجتهدي الصحابة. وعمدة هؤلاء الفقهاء ﵏ هو أصل سد الذرائع المشهود له بالصحة بنصوص القرآن والسنة (١) . وكذلك ما قالوه: إن المبتوتة والمتوفى عنها زوجها إذا كانت بالغة مسلمة، عليها الحداد، وهو ترك الطيب والزينة والكحل والدهن المطيب وغير المطيب إلا من عذر. وقد عللوا الوجوب بسببين: أحدهما: إظهار التأسف على فقدان زوجها. والثاني: أن هذه الأشياء دواعي الرغبة فيها؛ لأن المرأة إن كانت متزينة متطيبة تزيد رغبة الرجل فيها، وهي ممنوعة عن النكاح ما دامت في عدة الوفاة أو الطلاق، فتجتنبها كي لا تصير ذريعة، أي وسيلة إلى الوقوع في المحرم وهو النكاح (٢) .

стр. 15009

أثر القول بسد الذرائع: لقد انبنى على الخلاف في اعتبار الذرائع والقول بسدها وعدم اعتبارها، وعلى التوسع بالأخذ بها والتضييق في اعتبارها، خلاف بين الفقهاء في كثير من الفروع الفقهية، إذ يحكم بعضهم على تصرفات بدرت من المكلف بالبطلان والفساد، ويمنع ترتب آثارها عليها، نجد البعض الآخر يحكم عليها بالصحة والجواز، ويبني عليها آثارها المعتبرة شرعًا. وهكذا نجد أثر هذا الدليل والاختلاف فيه ظاهرًا في كثير من أبواب الفقه الإسلامي، وها أنا أضرب بعض الأمثلة على خلاف الفقهاء في القول باعتبار هذا الدليل أو عدم اعتباره. ١ -من ذلك اختلاف الفقهاء ـ رحمهم الله تعالى ـ فيمن اشترى طعامًا بثمن إلى أجل معلوم، فلما حل الأجل لم يكن لدى البائع طعام يدفعه إلى المشتري، فاشترى من المشتري طعامًا بثمن يدفعه إليه مكان طعامه الذي وجب له. أجاز ذلك الشافعي وقال: لا فرق بين أن يشتري الطعام من غير المشتري الذي وجب عليه أو من المشتري نفسه، وجهة نظره ﵀ مبنية على أصل من أصول مذهبه، وهو أنه ينظر إلى الصيغة التي تم بها العقد دون النظر إلى نية المتعاقدين، ولما كانت الصيغة سليمة من الشروط الفاسدة، فلا عبرة بالنية كما قلنا. ولم يجز الإمام مالك صورة البيع هذه واعتبرها من الذريعة إلى بيع الطعام قبل قبضه؛ لأن البائع قد رد إلى المشتري الطعام الذي كان قد ترتب في ذمته، فيكون قد باعه منه قبل أن يستوفيه، وصورة الذريعة في ذلك ما ذكرها ابن رشد " أن يشتري رجل من آخر طعامًا إلى أجل معلوم، فإذا حل الأجل قال الذي عليه الطعام: ليس عندي طعام، ولكن أشتري منك الطعام الذي وجب لك علي، فقال: هذا لا يصح؛ لأنه بيع الطعام قبل أن يستوفى " (١) . ٢- بيع الحيوان بالحيوان: اتفق الأئمة على جواز بيع الحيوان بالحيوان متفاضلًا إذا كان يدا بيد، واختلفوا في بيع الحيوان بالحيوان نسيئة، أي إلى أجل، وذلك على النحو التالي: أ- ذهب مالك ﵀ إلى أنه لا يجوز النساء فيما اتفقت منافعه وتشابه مع التفاضل، ويجوز فيما عدا هذا، قال ابن رشد: " وأما الأشياء التي ليس يحرم التفاضل فيها عند مالك، فإنها صنفان: إما مطعومة وإما غير مطعومة، فأما المطعومة فالنساء عنده لا يجوز فيها، وعلة المنع الطعم، وأما غير المطعومة فإنه لا يجوز عنده شاة واحدًا بشاتين إلى أجل إلا أن تكون إحداهما حلوبة والأخرى أكولة، هذا هو المشهور عنه" (٢) .

стр. 15010

وعمدة مالك ﵀ في منع النساء فيما اتفقت فيه الأغراض مع التفاضل، سد الذريعة، وذلك أنه ما دامت المنافع والأغراض متفقة فلا فائدة من بيعه متفاضلًا إلى أجل، إلا أن يكون من باب سلف يجر نفعًا، وهو محرم، فكذلك ما يؤدي إليه، فأما إذا اختلفت المنافع، فالتفاضل والنسيئة عنده جائزان، وإن كان الصنف واحدًا، مستدلًا " بما رواه عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄، ((أن رسول الله ﷺ أمره أن يجهز جيشًا، فنفدت الإبل، فأمره أن يأخذ في قلائص الصدقة، فكان يأخذ البعير بالبعيرين إلى إبل الصدقة)) " (١) . فحمل الإمام مالك الحديث هذا على ما اختلفت أغراضه ومنافعه. ب - وعند الشافعي ﵀ يجوز ذلك كله، فلا مانع عنده من أن يبيع الرجل البعير بالبعيرين، مثله أو أكثر، يدًا بيد وإلى أجل (٢) . مستشهدًا بحديث عبد الله بن عمرو بن العاص وغيره من الروايات التي تشير إلى جواز ذلك. جـ- وهذه أصح الروايات عن الإمام أحمد ﵀، حكى ذلك ابن قدامة عنه حيث قال: " اختلفت الرواية في تحريم النساء في غير المكيل والموزونات على أربع روايات. إحداهن لا يحرم النساء في شيء من ذلك، سواء بيع بجنسه أو بغيره متساويًا أو متفاضلاً" (٣) . ثم أضاف قائلًا: وهذه هي أصح الروايات.

стр. 15011

د- وذهب الحنفية إلى القول: بمنع بيع الحيوان بالحيوان نسيئة مطلقاً (١) . وعمدتهم في منع النساء مطلقا، أن العلة في تحريم الزيادة في الربا هي وصفان، الجنس والقدر من كيل أو وزن، فإذا وجدا حرم التفاضل والنساء، وإذا فقدا التفاضل والنساء، وإذا وجد أحدهما وعدم الآخر، حل التفاضل وحرم النساء. وبيع الحيوان بالحيوان إذا اتفق الجنس، فقد وجد فيه أحد وصفي العلة، فحل التفاضل وحرم النساء مطلقًا. وقد عززوا رأيهم هذا ببعض الآثار، منها ما أخرجه أبو داود من حديث سمرة عن النبي ﷺ ((أنه نهى عن بيع الحيوان بالحيوان نسيئة)) . فقد قام الدليل على أن وجود أحد وصفي علة الربا، علة لتحريم النساء. ٣- ومن أثر خلاف الفقهاء في اعتبار الذرائع كدليل يؤخذ به أو عدم اعتبارها: نكاح المريض مرض الموت! فقد اختلف الفقهاء على قولين: أ- ذهب الإمام مالك ﵀ في المشهور عنه إلى أن النكاح غير صحيح. ودليله في ذلك هو سد الذرائع، وذلك أنه يتهم المريض هنا بالقصد في إلحاق الضرر بالورثة، حيث يدخل وارثًا جديدًا عليهم، فيمنع منه، حتى لا يتخذ ذريعة للتشفي من الورثة وإدخال الضرر عليهم" (٢) . ب- في حين ذهب جمهور الفقهاء وهم الحنفية والشافعية والحنابلة إلى صحة نكاح المريض على أن يتجاوز صداق المرأة المنكوحة مهر مثلها.

стр. 15012

دليل الجمهور: استدل جمهور الفقهاء على صحة نكاح المريض بأدلة من المنقول وبالقياس والمعقول: من المنقول ما رواه نافع مولى ابن عمر ﵄ أنه قال: " كانت ابنة حفص بن المغيرة عند عبد الله بن أبي ربيعة، فطلقها تطليقة، ثم إن عمر بن الخطاب تزوجها بعده، فحدث أنها عاقر لا تلد، فطلقها قبل أن يجامعها، فمكثت حياة عمر وبعض خلافة عثمان بن عفان، ثم تزوجها عبد الله بن أبي ربيعة وهو مريض؛ لتشرك نساءه في الميراث، وكان بينها وبينه قرابة". واحتج القائلون بصحته، بقياسه على البيع والشراء، فكما أن بيعه وشراءه صحيح فكذلك نكاحه، بجامع أن كلا منهما عقد معاوضة وبقياسه أيضًا على حال الصحة، فكما يصح هنا يصح نكاحه في مرضه مرض الموت، وإنما منعت الزيادة على مهر المثل، لأنها في حكم الوصية، ولا وصية لوارث، ومن استدلالهم بالمعقول قولهم: إن النكاح من الحوائج الأصلية؛ لأن بقاء النسل البشري يتوقف على النكاح، والمرء غير ممنوع عن صرف ماله إلى حوائجه الأصلية (١) . وهكذا تبين لنا من الأمثلة السابقة أثر القول بالأخذ بالذرائع أو عدم الأخذ بها في كثير من الفروع الفقهية التي من العسير حصرها والإحاطة بجميعها.

стр. 15013

أمثلة فتح الذرائع: المقصود بفتح الذرائع، هو الأخذ بالذرائع إذا كانت النتيجة مصلحة؛ لأن المصحلة مطلوبة (١) . وكما يقول القرافي: "اعلم أن الذريعة كما يجب سدها يجب فتحها وتكره وتندب وتباح، فإن الذريعة هي الوسيلة، فكما أن وسيلة المحرم محرمة، فوسيلة الواجب واجبة كالسعي للجمعة والحج" (٢) . أ -أباحت الشريعة دفع المال للعدو لتخليص الأسري مع أن في دفع المال إليه تقوية له، وهو حرام لأنه إضرار بالمسلمين، لكن مصلحة الأسارى أعظم نفعًا لأنه تقوية للمسلمين من ناحية أخرى. ب -أجاز كثير من فقهاء المالكية والحنابلة دفع المال لشخص على سبيل الرشوة مع أنه حرام؛ ليتقي به معصية يريد المرتشي إيقاعها به، وضررها أشد من دفع المال إليه، وذلك إذا عجز الرجل المعطي للرشوة عن دفع المرتشي إلا عن طريق الرشوة. جـ- إذا خشي المسلمون من دولة محاربة أذاها وخطرها، وليس عند جماعة المسلمين قوة يستطيعون بها دفع خطر العدو، فلهم الحق في بذل المال لاتقاء شر العدو وإن كان فيه معصية، إلا أنه أجيز منعًا لضرر أكبر وجلبًا لمصلحة أعظم. وهذه الأمثلة وغيرها لا تخرج في الواقع عما قرره الفقهاء في قواعدهم من أن " الضرورات تبيح المحظورات " ثم زادوا ذلك فقالوا: " الحاجة تنزل منزلة الضرورة ".

стр. 15014

أمثلة على سد الذرائع: ضرب علماء الأصول أمثلة كثيرة على سد الذرائع منها (١) . أ - ((نهى النبي ﷺ أن يجمع الرجل بين سلف وبيع)) ومعلوم أنه لو أفرد أحدهما عن الآخر، صح، وإنما جاء النهي؛ لأن اقتران أحدهما بالآخر ذريعة لأن يقرضه ألفًا ويبيعه سلعة تساوي ثمانمائة بألف أخرى، فيكون قد أعطاه ألفا وسلعة بثمانمائة ليأخذ منه ألفين، وهذا هو معنى الربا، فخوفًا من التحايل على أكل الربا أمر الشارع بسد الذريعة هنا. ب -منع النبي ﷺ المقرض من قبول الهدية وكذلك ورد النهي على لسان صحابته ﷺ حتى تحسب من الدين وما ذاك إلا لئلا يتخذ ذلك ذريعة إلى تأخير الدين لأجل الهدية فيكون ربا، فإنه يعود إليه ماله ويأخذ الفضل الذي استفاده بسبب القرض. جـ- قال الإمام أحمد: نهى رسول الله ﷺ عن بيع السلاح في الفتنة، ولا ريب أن هذا سد لذريعة الإعانة على المعصية. ومن هذا القبيل عصر العنب لمن يتخذه خمرًا وقد لعنه رسول الله ﷺ هو والمعتصر معا. د- تحريم قضاء القاضي بعلمه؛ لأنه وسيلة للقضاء من طريق قضاة السوء. فهذه الأحكام ونحوها روعي فيها قصد الفاعل من اتخاذ الذريعة لتحقيق مطلبه، فحرم الشارع عليه الوسيلة ليفوت عليه قصده السيئ، وهذا ما عناه العلماء بقولهم " سد الذرائع".

стр. 15015

خلاصة البحث الذرائع جمع ذريعة وهي لغة الوسيلة التي يتوصل بها إلى شيء آخر مطلقًا، وفي الاصطلاح الشرعي هي ما تكون وسيلة وطريقًا إلى الشيء الممنوع شرعًا، وهذا هو الغالب المشهور في استعمالها، ومعنى سدها منعها بالنهي عنها، وقد تطلق على ما هو أعم من ذلك، فنعرف بأنها تكون وسيلة وطريقًا إلى شيء آخر حلالا كان أو حرامًا، وهي بهذا المعنى قد تسد إذا كانت طريقًا إلى مفسدة، وقد تفتح إذا كانت طريقًا إلى مصلحة، ولكنها أكثر ما تستعمل في الأول، ومن هنا جاء عنوان الدليل (سد الذرائع) . موقف العلماء من سد الذرائع: ما ورد في كتب المالكية أن أصل الذرائع متفق عليه، وإنما الخلاف في التسمية ومجال التطبيق في الجزئيات، يؤكد هذا ما ذكره القرافي: أن الذرائع ثلاثة أقسام: قسم أجمعت الأمة على سده ومنعه، كحفر الآبار في طرق المسلمين فإنه وسيلة إلى إهلاكهم فيها، وقسم أجمعت الأمة على عدم منعه، وأنه ذريعة لا تسد ووسيلة لا تمنع، كالمنع من زراعة العنب خشية اتخاذه خمرا، فإنه لم يقل به أحد، وقسم اختلف فيه العلماء هل يسد أم لا، كبيوع الآجال عندنا، اعتبرنا نحن الذريعة فيها وخالفنا غيرنا، وحاصل القضية: أننا قلنا بسد الذرائع أكثر من غيرنا لا أنها خاصة بنا (١) . واعتبار الذرائع سدًا وفتحا دليل على مرونة الشريعة الإسلامية، وأنها بحق نزلت رحمة للعالمين تساير واقع الناس في كل جديد نافع. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين. الدكتور إبراهيم فاضل الدبو

стр. 15016

مصادر البحث القرآن الكريم: ١- أصول التشريع الإسلامي ـ أثر الأدلة المختلف فيها مصادر التشريع التبعية في الفقه الإسلامي ـ للدكتور مصطفى ديب البغا. دار الإمام البخاري ـ دمشق ٢- أصول الفقه الإسلامي ـ الجزء الأول ـ المقدمة التعريفية بالأصول وأدلة الأحكام وقواعد الاستنباط ـ للدكتور محمد مصطفى شلبي ـ الطبعة الرابعة ١٤٠٣ هـ ـ ١٩٨٣ م الدار الجامعية للطباعة والنشر ـ بيروت. ٣- أصول الفقه الإسلامي للدكتور وهبة الزحيلي ـ الجزء الثاني الطبعة الأولى ١٤٠٦ هـ ـ ١٩٨٦ م دار الفكر للطباعة والتوزيع والنشر بدمشق. ٤-المغني لابن قدامة المقدسي على مختصر أبي القاسم الخرقي ـ الناشر ـ مكتبة الكليات الأزهرية. ٥-بداية المجتهد ونهاية المقتصد ـ لأبي الوليد محمد بن أحمد بن رشد القرطبي ـ الطبعة الأولى ١٤٠٨ هـ ١٩٨٨ م، دار القلم ـ بيروت. ٦-الوجيز في أصول الفقه الإسلامي ـ للدكتور عبد الكريم زيدان الطبعة السادسة ١٣٩٧ م الدار العربية للطباعة ـ بغداد. ٧-الفقه الإسلامي في ثوبه الجديد ـ المدخل الفقهي العام ـ للأستاذ مصطفى الزرقا ـ دار الفكر بيروت. ٨-الفروق ـ للعلامة شهاب الدين أبي العابس الصنهاجي المشهور بالقرافي ـ دار المعرفة والنشر بيروت. ٩-الموافقات في أصول الشريعة ـ لأبي إسحاق الشاطبي ـ المكتبة التجارية الكبرى بالقاهرة ١٠-إعلام الموقعين عن رب العالمين ـ للإمام شمس الدين أبي عبد الله محمد بن أبي بكر الشهير بابن القيم الجوزية إدارة الطباعة المنيرية بالقاهرة. ١١-الإحكام في أصول الأحكام ـ لابن حزم الظاهري الطبعة الأولى ١٣٤٧ هـ مطبعة السعادة بمصر. ١٢-الهداية شرح بداية المبتدي ـ برهان الدين علي بن أبي بكر المرغيناني والمطبوع مع فتح القدير ـ الطبعة الأولى ـ المطبعة الكبرى الأميرية ببولاق. والمأخوذ بالأوفسيت. ١٣-شرح العناية على الهداية ـ للإمام أكمل الدين محمد بن محمود البابرتي والمطبوع مع الهداية. ١٤-تنقيح الفصول ـ للقرافي. ١٥-إرشاد الفحول ـ للشوكاني. ١٦-كتاب الأم ـ للإمام الشافعي برواية الربيع بن سليمان المرادي الناشر دار الشعب المصرية ١٣٨٨ هـ ١٩٨٦ م. ١٧-لسان العرب ـ لأبي الفضل جمال الدين محمد بن مكرم بن منظور الأفريقي ـ دار صادر في بيروت.

стр. 15017

سد الذرائع إعداد الشيخ خليل محي الدين الميس مفتي البقاع ومدير أزهر لبنان بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ المقدمة الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده محمد ﷺ ورضي الله عن الصحابة أجمعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. وبعد: إن سد الذرائع من مظاهر الاجتهاد بالرأي في الشريعة الإسلامية، حيث لا نص من كتاب أو سنة أو إجماع، وهو من المصادر المختلف فيها ... وتراوح وصفه ما بين القاعدة ... والأصل والمبدأ، وعلى أي حال فهو دليل من الأدلة الشرعية ... وأصل من الأصول عند فقهاء المالكية بالذات؛ لذلك أسهب الشاطبي في موافقاته في الحديث عنها، وكذلك الشأن عند متأخري فقهاء الحنابلة وبوجه خاص كل من شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم ... وأورده القرافي في تنقيحه وفروقه، وكتب الفروع حافلة بالمسائل التي اعتبر الدليل فيها (سد الذرائع) . والله تعالى نسأل أن يلهمنا الصواب في القول والعمل للكتابة في هذا الموضوع الذي وقع الاختيار عليه ضمن موضوعات الدورة التاسعة لمجمع الفقه الإسلامي. والله ولي التوفيق.

стр. 15018

المبحث الأول تعريف سد الذرائع وبيان معنى سدها تعريفه: الذرائع جمع ذريعة، والذريعة لها استعمالات كثيرة ويدل أصلها على الامتداد والتحرك. والذريعة في اللغة: من ذرع وهو أصل يدل على الامتداد والتحرك إلى الأمام وكل ما تفرع عن هذا الأصل يرجع إليه (١) . فالذرائع: العضو الممتد من طرف المرفق إلى طرف الإصبع الوسطى، وذرع الرجل في سباحته تذريعًا: اتسع ومد ذراعيه. والذرع والذراع: الطاقة والوسع، ومنه قولهم ضاق بالأمر ذرعه وذراعه وضاق به ذرعاَ وذراعًا ضعفت طاقته ولم يجد من المكروه فيه مخلصًا (٢) . وأصل الذرع كما يقول الجوهري: إنما يرجع إلى بسط اليد فكأنك تريد أن تقول: مددت يدي إلى الشيء فلم أنله ... فقلت: ضقت ذرعًا. واستعملت الذريعة بمعنى السبب تقول: فلان ذريعتي إليك ... بمعنى سببي ووصلتي الذي أتسبب به إليك. وأصل السبب في اللغة يدل على الطول والامتداد. واستعملت الذريعة بمعنى الوسيلة إلى الشيء فمن تذرع بذريعة أو توسل بوسيلة والجمع ذرائع. ومعنى الوسيلة في اللغة: الدرجة والقربة وما يتوصل به إلى الشيء. تقول: توسل إليه بوسيلة، إذا تقرب إليه بعمل. وتوسل إليه بكذا: إذا تقرب إليه بحرمة آصرة تعطفه عليه. واستعملت الذريعة بمعنى الناقة التي يستتر بها رامي الصيد ليظفر بصيده عن قرب. وبالتأمل في هذه التعريفات يتبين أنه، لا تطلق الذريعة إلا بعد أن تتوافر عناصر ثلاثة. العنصر الأول: أمر ماـ من فعل أو شيء أو حالة، أي ما يتخذ وسيلة وهو غير ممنوع لنفسه. العنصر الثاني: تحرك، وامتداد، وانتقال ولكن قويت التهمة في التطرق به. العنصر الثالث: أمر آخر غير الأول ـ مقصود إليه أو ما يتوسل إليه وهو ما يفضي إلى الممنوع. وبناء على ما تقدم نخلص إلى القول: بأن الذريعة كل ما يتخذ وسيلة إلى غيره. وبقيد الاتخاذ: يخرج ما يؤدي عفويًا إلى أمر، فلا يكون ذريعة إليه في عرف اللغة (٣)

стр. 15019

سد الذرائع ومرتبته التشريعية: تتفاوت عبارات العلماء القائلين بسد الذرائع.. هل هو أصل ودليل؟ أم قاعدة ومبدأ؟ فمنهم من جعله دليلًا وأدخله في عدد مصادر الفقه وأصوله التشريعية. ومنهم الإمام القرافي المالكي، حيث يقول: أدلة المجتهدين بالاستقراء تسعة عشر وهي: الكتاب والسنة والإجماع ... وسد الذرائع. وفي البهجة نقلًا عن راشد يعد الأدلة التي بني عليها مالك مذهبه، ستة عشر دليلًا، عد منها سد الذرائع (١) . لكن ابن تيمية اعتبرها: قاعدة حيث قال: أما شواهد هذه القاعدة ـ يعني سد الذرائع ـ فأكثر من أن تحصر. فنذكر منها ما حضر (٢) . وكذلك الشاطبي في الموافقات، حيث قال: وجميع ما مر في (تحقيق المناط) الخاص مما فيه هذا المعنى حيث يكون العمل في الأصل مشروعًا لكن ينهي عنه لما يؤول إليه من المفسدة ممنوعًا، لكن يترك النهي عنه لما في ذلك من المصلحة إلى أن قال: وهذا الأصل ينبني عليه قواعد منها: قاعدة الذرائع، التي حكمها مالك في أكثر أبواب الفقه ... ومنها قاعدة الحيل.

стр. 15020

أما المرحوم الشيخ أبو زهرة سماه (أصلاً) حيث قال: الذرائع أصل من الأصول التي ذكرتها كتب المالكية وكتب الحنبلية (١) . كما سماه (مبدأ) حيث قال فمبدأ سد الذرائع لا ينظر فقط إلى النيات والمقاصد الشخصية (٢) . ويقول: ولقد أخذ المذهب الحنبلي بمبدأ سد الذرائع (٣) . وكذلك الشأن عند الشيخ على حسب الله، في أصول التشريع، والشيخ مصطفى الزرقا في المدخل الفقهي العام. وبإمعان النظر: نجد: أن سد الذرائع أصل يعني الدليل لأن بعض الصور الداخلة ضمن نطاق سد الذرائع، إنما ثبت حكمها بالمنع بالنظر إلى المصلحة وحماية للذريعة، وليس لهذا المنع دليل غير ذلك. كما حكموا على الصانع المشترك بالضمان، سواء عمل بأجر أو بغير أجر، وليس لمن ذهب إلى هذا إلا النظر إلى المصلحة. وسد الذرائع: أصل يعني القاعدة المستمرة؛ لأنه يعني حسم وسائل الفساد وهذا هو الأصل والقاعدة المستمرة في الشريعة القائمة، مع جلب المصالح ودرء المفاسد. وسد الذرائع أصل: بمعنى أنه الراجح حين نقطع بوجوب المنع سدًا للذريعة. أما سد الذرائع بمعنى الدليل: فإنه دليل يتضمن الدلالة والإرشاد. يستعين بها الناظر فيه للتوصل إلى المطلوب.
следующие страницы →