مصادر البحث
القرآن الكريم:
١- أصول التشريع الإسلامي ـ أثر الأدلة المختلف فيها مصادر التشريع التبعية في الفقه الإسلامي ـ للدكتور مصطفى ديب البغا. دار الإمام البخاري ـ دمشق
٢- أصول الفقه الإسلامي ـ الجزء الأول ـ المقدمة التعريفية بالأصول وأدلة الأحكام وقواعد الاستنباط ـ للدكتور محمد مصطفى شلبي ـ الطبعة الرابعة ١٤٠٣ هـ ـ ١٩٨٣ م الدار الجامعية للطباعة والنشر ـ بيروت.
٣- أصول الفقه الإسلامي للدكتور وهبة الزحيلي ـ الجزء الثاني الطبعة الأولى ١٤٠٦ هـ ـ ١٩٨٦ م دار الفكر للطباعة والتوزيع والنشر بدمشق.
٤-المغني لابن قدامة المقدسي على مختصر أبي القاسم الخرقي ـ الناشر ـ مكتبة الكليات الأزهرية.
٥-بداية المجتهد ونهاية المقتصد ـ لأبي الوليد محمد بن أحمد بن رشد القرطبي ـ الطبعة الأولى ١٤٠٨ هـ ١٩٨٨ م، دار القلم ـ بيروت.
٦-الوجيز في أصول الفقه الإسلامي ـ للدكتور عبد الكريم زيدان الطبعة السادسة ١٣٩٧ م الدار العربية للطباعة ـ بغداد.
٧-الفقه الإسلامي في ثوبه الجديد ـ المدخل الفقهي العام ـ للأستاذ مصطفى الزرقا ـ دار الفكر بيروت.
٨-الفروق ـ للعلامة شهاب الدين أبي العابس الصنهاجي المشهور بالقرافي ـ دار المعرفة والنشر بيروت.
٩-الموافقات في أصول الشريعة ـ لأبي إسحاق الشاطبي ـ المكتبة التجارية الكبرى بالقاهرة
١٠-إعلام الموقعين عن رب العالمين ـ للإمام شمس الدين أبي عبد الله محمد بن أبي بكر الشهير بابن القيم الجوزية إدارة الطباعة المنيرية بالقاهرة.
١١-الإحكام في أصول الأحكام ـ لابن حزم الظاهري الطبعة الأولى ١٣٤٧ هـ مطبعة السعادة بمصر.
١٢-الهداية شرح بداية المبتدي ـ برهان الدين علي بن أبي بكر المرغيناني والمطبوع مع فتح القدير ـ الطبعة الأولى ـ المطبعة الكبرى الأميرية ببولاق. والمأخوذ بالأوفسيت.
١٣-شرح العناية على الهداية ـ للإمام أكمل الدين محمد بن محمود البابرتي والمطبوع مع الهداية.
١٤-تنقيح الفصول ـ للقرافي.
١٥-إرشاد الفحول ـ للشوكاني.
١٦-كتاب الأم ـ للإمام الشافعي برواية الربيع بن سليمان المرادي الناشر دار الشعب المصرية ١٣٨٨ هـ ١٩٨٦ م.
١٧-لسان العرب ـ لأبي الفضل جمال الدين محمد بن مكرم بن منظور الأفريقي ـ دار صادر في بيروت.
стр. 15017
سد الذرائع
إعداد
الشيخ خليل محي الدين الميس
مفتي البقاع ومدير أزهر لبنان
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
المقدمة
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده محمد ﷺ ورضي الله عن الصحابة أجمعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. وبعد:
إن سد الذرائع من مظاهر الاجتهاد بالرأي في الشريعة الإسلامية، حيث لا نص من كتاب أو سنة أو إجماع، وهو من المصادر المختلف فيها ... وتراوح وصفه ما بين القاعدة ... والأصل والمبدأ، وعلى أي حال فهو دليل من الأدلة الشرعية ... وأصل من الأصول عند فقهاء المالكية بالذات؛ لذلك أسهب الشاطبي في موافقاته في الحديث عنها، وكذلك الشأن عند متأخري فقهاء الحنابلة وبوجه خاص كل من شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم ... وأورده القرافي في تنقيحه وفروقه، وكتب الفروع حافلة بالمسائل التي اعتبر الدليل فيها (سد الذرائع) .
والله تعالى نسأل أن يلهمنا الصواب في القول والعمل للكتابة في هذا الموضوع الذي وقع الاختيار عليه ضمن موضوعات الدورة التاسعة لمجمع الفقه الإسلامي.
والله ولي التوفيق.
стр. 15018
المبحث الأول
تعريف سد الذرائع وبيان معنى سدها
تعريفه: الذرائع جمع ذريعة، والذريعة لها استعمالات كثيرة ويدل أصلها على الامتداد والتحرك.
والذريعة في اللغة: من ذرع وهو أصل يدل على الامتداد والتحرك إلى الأمام وكل ما تفرع عن هذا الأصل يرجع إليه (١) .
فالذرائع: العضو الممتد من طرف المرفق إلى طرف الإصبع الوسطى، وذرع الرجل في سباحته تذريعًا: اتسع ومد ذراعيه.
والذرع والذراع: الطاقة والوسع، ومنه قولهم ضاق بالأمر ذرعه وذراعه وضاق به ذرعاَ وذراعًا ضعفت طاقته ولم يجد من المكروه فيه مخلصًا (٢) .
وأصل الذرع كما يقول الجوهري: إنما يرجع إلى بسط اليد فكأنك تريد أن تقول: مددت يدي إلى الشيء فلم أنله ... فقلت: ضقت ذرعًا.
واستعملت الذريعة بمعنى السبب تقول: فلان ذريعتي إليك ... بمعنى سببي ووصلتي الذي أتسبب به إليك.
وأصل السبب في اللغة يدل على الطول والامتداد.
واستعملت الذريعة بمعنى الوسيلة إلى الشيء فمن تذرع بذريعة أو توسل بوسيلة والجمع ذرائع.
ومعنى الوسيلة في اللغة: الدرجة والقربة وما يتوصل به إلى الشيء.
تقول: توسل إليه بوسيلة، إذا تقرب إليه بعمل. وتوسل إليه بكذا: إذا تقرب إليه بحرمة آصرة تعطفه عليه.
واستعملت الذريعة بمعنى الناقة التي يستتر بها رامي الصيد ليظفر بصيده عن قرب.
وبالتأمل في هذه التعريفات يتبين أنه، لا تطلق الذريعة إلا بعد أن تتوافر عناصر ثلاثة.
العنصر الأول: أمر ماـ من فعل أو شيء أو حالة، أي ما يتخذ وسيلة وهو غير ممنوع لنفسه.
العنصر الثاني: تحرك، وامتداد، وانتقال ولكن قويت التهمة في التطرق به.
العنصر الثالث: أمر آخر غير الأول ـ مقصود إليه أو ما يتوسل إليه وهو ما يفضي إلى الممنوع.
وبناء على ما تقدم نخلص إلى القول: بأن الذريعة كل ما يتخذ وسيلة إلى غيره.
وبقيد الاتخاذ: يخرج ما يؤدي عفويًا إلى أمر، فلا يكون ذريعة إليه في عرف اللغة (٣)
стр. 15019
سد الذرائع ومرتبته التشريعية:
تتفاوت عبارات العلماء القائلين بسد الذرائع.. هل هو أصل ودليل؟ أم قاعدة ومبدأ؟ فمنهم من جعله دليلًا وأدخله في عدد مصادر الفقه وأصوله التشريعية.
ومنهم الإمام القرافي المالكي، حيث يقول: أدلة المجتهدين بالاستقراء تسعة عشر وهي: الكتاب والسنة والإجماع ... وسد الذرائع.
وفي البهجة نقلًا عن راشد يعد الأدلة التي بني عليها مالك مذهبه، ستة عشر دليلًا، عد منها سد الذرائع (١) .
لكن ابن تيمية اعتبرها: قاعدة حيث قال: أما شواهد هذه القاعدة ـ يعني سد الذرائع ـ فأكثر من أن تحصر. فنذكر منها ما حضر (٢) .
وكذلك الشاطبي في الموافقات، حيث قال: وجميع ما مر في (تحقيق المناط) الخاص مما فيه هذا المعنى حيث يكون العمل في الأصل مشروعًا لكن ينهي عنه لما يؤول إليه من المفسدة ممنوعًا، لكن يترك النهي عنه لما في ذلك من المصلحة إلى أن قال: وهذا الأصل ينبني عليه قواعد منها: قاعدة الذرائع، التي حكمها مالك في أكثر أبواب الفقه ... ومنها قاعدة الحيل.
стр. 15020
أما المرحوم الشيخ أبو زهرة سماه (أصلاً) حيث قال: الذرائع أصل من الأصول التي ذكرتها كتب المالكية وكتب الحنبلية (١) .
كما سماه (مبدأ) حيث قال فمبدأ سد الذرائع لا ينظر فقط إلى النيات والمقاصد الشخصية (٢) .
ويقول: ولقد أخذ المذهب الحنبلي بمبدأ سد الذرائع (٣) .
وكذلك الشأن عند الشيخ على حسب الله، في أصول التشريع، والشيخ مصطفى الزرقا في المدخل الفقهي العام.
وبإمعان النظر: نجد: أن سد الذرائع أصل يعني الدليل لأن بعض الصور الداخلة ضمن نطاق سد الذرائع، إنما ثبت حكمها بالمنع بالنظر إلى المصلحة وحماية للذريعة، وليس لهذا المنع دليل غير ذلك.
كما حكموا على الصانع المشترك بالضمان، سواء عمل بأجر أو بغير أجر، وليس لمن ذهب إلى هذا إلا النظر إلى المصلحة.
وسد الذرائع: أصل يعني القاعدة المستمرة؛ لأنه يعني حسم وسائل الفساد وهذا هو الأصل والقاعدة المستمرة في الشريعة القائمة، مع جلب المصالح ودرء المفاسد.
وسد الذرائع أصل: بمعنى أنه الراجح حين نقطع بوجوب المنع سدًا للذريعة.
أما سد الذرائع بمعنى الدليل: فإنه دليل يتضمن الدلالة والإرشاد.
يستعين بها الناظر فيه للتوصل إلى المطلوب.
стр. 15021
والوجه في اعتبار سد الذرائع، قاعدة أصولية.
يمكن وصف سد الذرائع قاعدة أصولية لأمور:
١- أنها قاعدة كلية مطردة ولا تخلو قاعدة فقهية من الاستثناءات.
٢- أن القواعد الأصولية ليست كلها ناشئة من الألفاظ ومما يعرض لها، بل من أفرادها ما لم يرجع إلى اللفظ.
ولا يعني كونها لم ترجع إلى اللفظ أنها خارجة عن إطار القواعد الأصولية.
٣- أن جميع الذين تكلموا عن سد الذرائع، رتبوا الكتابة فيه ضمن مباحث الأصول.
هذا والذين اعتبروا سد الذرائع دليلًا، تكلموا عنه ضمن الكلام عن الأدلة الشرعية، أو عند الكلام على الاستدلال على أنه نوع منه.
أما الذين أنكروه وردوه، تكلموا عنه على أنه واحد من الأدلة الفاسدة أو المختلف فيها (١) .
أما أن سد الذرائع دليل باصطلاح الفقهاء والأصوليين فيرجع للأسباب التالية:
١- لأن سد الذرائع علامة معروفة للدلالة يتمكن الناظر فيها من التوصل إلى المطلوب.
٢- لأن سد الذرائع لا يقتضي مدلوله، ولا يوجبه بنفسه، بل لا بد فيه من نظر المجتهد ليحكم بالمنع.
٣- لأنه إن كان يؤدي إلى حكم قطعي، فقد دخل في مفهوم الدليل عند الجميع، وإن كان يؤدي إلى حكم ظني، فقد دخل في مفهوم الدليل عند الجمهور؛ لأن الدليل مما يؤدي إلى حكم قطعي أو ظني.
وجملة القول: إن سد الذرائع من الأدلة الشرعية التبعية؛ لأنه لم يرد في نصوص الشرع اعتباره صراحة، وإنما جرى الحكم على وفقه في كثير من القضايا، فقرره العلماء دليلًا على هذه الجهة.
معنى سد الذرائع:
المراد بسد الذريعة، منعها على المكلف حتى لا يتوصل بسببها إلى المحرم فهي وإن كانت جائزة بحد ذاتها، لكنها تحرم لما تفضي إليه، ولو تجردت عن ذلك الإفضاء، لبقيت على جوازها ولما منع المكلف منها (٢) .
стр. 15022
المبحث الثاني
الفرق بين الذريعة والسبب
والفرق بين الذريعة والوسيلة المستلزمة للمتوسل إليه
الوسيلة:
قال الكفوي: الوسيلة: التوسل إلى الشيء برغبة أخص من الوسيلة لتضمنها معنى الرغبة (١) .
قال تعالى ﴿وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾ [المائدة: ٣٥] .
قال صاحب اللسان نقلًا عن الجوهري: الوسيلة ما يتقرب به إلى الغير.
والوسيلة كالوصلة والقربى وجمعها الوسائل قال الله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ﴾ [الإسراء ٥٧] .
والتوسيل والتوسل واحد، وفي حديث الآذان: اللهم آت محمدًا الوسيلة، وهي في الأصل: ما يتوصل به إلى الشيء ويتقرب به (٢) .
وحقيقة الوسيلة إلى الله: مراعاة سبيله بالعلم والعبادة وتحري مكارم الشريعة وهي كالقربة.
قال صاحب العباب: الوسيلة والواسلة: المنزلة عند الملك والدرجة والقربى.
ووسل إلى الله وسيلة: عمل عملًا تقرب به إليه كتوسل، والواسل: الواجب والراغب (٣) .
وتنبني المعاني لعبارة الوسيلة بأنها القرب وبمثابة الوصل ما بين البداية والنهاية، كما تشعر بأنها المرحلة ما بين المرحلتين المباشرة والغاية، المتوسل والمتوسل إليه من مباشرة الفعل.
стр. 15023
أما الذريعة:
قلنا إن الذريعة عبارة عن أمر غير ممنوع لنفسه قويت التهمة في التطرق به إلى الممنوع، فالأمر غير الممنوع لنفسه هو الوسيلة.
وما قويت التهمة في التطرق به هو الإفضاء، وكون الأمر غير الممنوع يفضي إلى الممنوع يسمى التوسل إليه (١) .
والذرائع: إما أن تكون منصوصا عليها بالكتاب أو السنة، أما مجمعًا على منعها لقطعية الإفضاء فيها أو لغلبة ذلك على الظن غلبة تقارب اليقين.
أو يكثر الإفضاء فيها بحيث يقوم مقام الدليل الظاهر على قصد الإفضاء.
أو تتعلق الذريعة ولو لم يكن إفضاؤها كثيرًا بمحظور خطير يقتضي الاحتياط درءًا لمفسدة فيه (٢) .
ونخلص من ذلك القول إلى أن الذريعة تنبئ عن تهمة مباشرة بغير ما وضعت له.
بينما الوسيلة هي الوصلة والمرحلة المتوسطة ما بين المباشرة والغاية من الفعل هذا، والوسيلة هي الركن الأول من أركان الذريعة وعنصر من عناصرها.
ويلاحظ في هذا الركن:
أولًا: أنه قد يكون مقصودًا لغيره بمعنى أنه وسيلة لمقصود ... وهذا هو الأصل كمن يبيع شيئًا بمائة إلى أجل ثم يشتريه بثمانين حالًا.
فقد آل الأمر من ذلك إلى أنه أقرض ثمانين في الحال ليأخذ عند الأجل بدلها مائة.
لأنه لما عاد الشيء نفسه إليه اعتبر كأن لم يكن موجودًا ولم يجر عليه عقد بالمرة على حين بقيت صورة بينهم لقرض جر نفعًا وهو عين الربا المحرم، فكانت ضمرة عقد البيع ثم الشراء وسيلة مشروعة الظاهر للدخول عليه.
ثانيًا: أنه قد يكون مقصودًا لذاته وذلك حين يتجه الفاعل إليه بالفعل من غير أن يقصد المتوسل إليه فيعد كأنه وسيلة ويأخذ بذلك حكم المقصود بالمنع.
مثاله: من يسب آلهة المشركين غيرة لله وانتصارًا له فيسبون الله تعالى عدوا بغير علم فإنه يمنع من ذلك.
ثالثًا: أنه الأساس الأول الذي تقوم عليه الذريعة لأن وجوده يستتبع بالضرورة وجود الأركان التالية فبمجرد وجوده بالفعل تنتظم معه الأركان التالية وجودًا بالفعل أو تقديرًا.
كالمرأة التي تضرب برجليها ذات الخلاخيل مع قصد الافتتان ثم حصل الافتتان فقد توافرت الأركان الثلاثة. فالضرب وهو الفعل هو الركن الأول والأساس من الأركان الثلاثة ... ومن هنا يكون سابقًا في الوجود على الركنين، قصد الافتتان، وحصول الافتتان وهو الإفضاء، وقصد الإفضاء غير الإفضاء نفسه إذ لا يعدو أن يكون باعثًا على التذرع (٣) .
стр. 15024
الفرق بين الذريعة والسبب:
سبق وذكرنا الذريعة: كل ما يتخذ وسيلة إلى غيره، وأنها عبارة عن أمر غير ممنوع لنفسه قويت التهمة في التطرق به إلى ممنوع.
أما السبب:
في اللغة: بفتح السين والموحدة له عدة إطلاقات:
١- عبارة عن الطريق: قال تعالى ﴿ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا﴾ [الكهف: ٨٩ ـ ٩٢] أي الطريق، فالمعنى آتاه الله من كل شيء معرفة وذريعة يتوصل بها، فاتبع واحدة من تلك الأسباب.
٢- عبارة عن الباب: قال تعالى خبرًا عن فرعون ﴿لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ (٣٦) أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ﴾ [غافر: ٣٦ ـ ٣٧] أي أبوابها. والذرائع الحادثة في السماء، فأتوصل بها إلى معرفة ما يدعيه موسى.
٣- ويطلق ويراد به الحبل؛ لأنه طريق يتوصل به إلى الماء.
ويسمى الطريق سببًا أيضا؛ لأنه يتوصل به إلى الموضع المقصود.
في عرف الفقهاء:
وأما في عرف الفقهاء، فهو مستعمل فيما هو موضوع في اللغة، وهو: ما يتوصل به إلى الحكم من غير أن يثبت به.
وبتعبير آخر: عبارة عما يكون طريقًا للوصول إلى الحكم غير مؤثر فيه.
كالحبل الذي هو سبب يتوصل به إلى الماء، وإن كان يحسن الوصول بالاستقاء.
وكذلك الطريق: يتوصل به إلى المقصود، وإن كان الوصول يحصل بالمشي لا به.
стр. 15025
أقسام السبب: قسم الأصوليون السبب إلى أربعة أقسام:
١- سبب اسمًا وحقيقة ومعنى، وهو: السبب المحض، وهو ما يتوصل به إلى الحكم من غير أن يثبت به ... كدلالة السارق على سرقة مال الإنسان فسرق، فإن الدلالة سبب محض لأنه اعترض عليه فعل فعل مختار (١) .
٢- ما هو سبب اسمًا وصورة، لا معنى وحقيقة: نحو الطلاق المعلق، واليمين في حق وجوب الكفارة.
فإن التعليق سبب لوقوع الطلاق عند الشرط، وكذلك اليمين سبب لصيرورته علة عند الحنث، ولكن من حيث الصورة دون المعنى، فإنه ليس فيه الإفضاء والتوصل، بل هو المانع عن الحكم للحال (٢) .
٣- السبب الذي هو علة العلة: وهو في الحقيقة موجب للحكم، إلا أنه إنما يوجب بواسطة العلة الأخيرة، والحكم وجب بالأخيرة فصارت العلة الأخيرة مع حكمها حكمين للعلة الأولى:
أ- فمن حيث إن العلة الأخيرة، مع حكمها حصلت بالأولى كانت هي العلة الموجبة حقيقة.
ب- ومن حيث أنها لا تعمل في ثبوت الحكم لا بواسطة العلة الأخيرة سميت سببًا.
نظيره: الرمي إذا اتصل به الموت، فإن الموت يضاف إلى الرمي بوسائط (٣) .
٤- السبب الذي هو علة معنى: وهو الذي يوجب الحكم بنفسه بلا واسطة علة، لكن الحكم في حال وجوده، لم يثبت لعدم تمامه بانعدام وصفه، لا يعدم بعضه، كعلة ذات أوصاف فإذا وجد الوصف ـ والوصف لا يقوم بنفسه فيقوم بالعلة ـ فيجب الحكم عند وجود وصفه مستندًا إلى العلة بوصفه ويكون هو الموجب دون وصفه.
فيكون علة من حيث هو الموجب.
ويكون سببًا من حيث أنه لم يوجب للحال ما لم يوجد وصفه، وهو كالنصاب علة الوجوب للزكاة، لكن لا يوجب بدون صفة النماء.
فمتى وجد وصف النماء، صار علة للحكم من الأصل، لاستناد الوصف إلى الأصل (٤) .
стр. 15026
هذا من وجه آخر:
إن ما يترتب عليه الحكم إن كان شيئًا لا يدرك العقل تأثيره، ولا يكون بصنع المكلف، كالوقت للصلاة، يخص باسم السبب.
وإن كان بصنعه، فإن كان الفرض من وضعه ذلك الحكم كالبيع للملك فهو علة ويطلق عليه اسم السبب مجازًا.
وأن لم يكن هو الفرض كالشراء لملك المتعة، فإن العقل لا يدرك تأثير (لفظ اشتريت) في هذا الحكم، وهو بصنع المكلف، وليس الغرض من الشراء ملك المتعة بل ملك الرقبة، فهو سبب.
وإن أدرك العقل تأثيره، يخص باسم العلة (١) .
وقال الإمام الشاطبي: الأفعال الواقعة في الوجود المقتضية لأمور تشرع لأجلها أو توضع فتقتضيها على الجملة ضربان:
١- خارج عن مقدور المكلف.
٢- ما يصح دخوله تحت مقدوره.
فما يكون خارجًا عن مقدور المكلف: قد يكون سببًا ويكون شرطًا ويكون مانعًا.
فالسبب: مثل كون الاضطرار سببًا في إباحة الميتة.
- وخوف العنت سببًا في إباحة نكاح الإماء.
- والسلس سببًا في إسقاط وجوب الوضوء لكل صلاة، مع وجود الخارج.
- وزوال الشمس أو غروبها أو طلوع الفجر سببًا في إيجاب تلك الصلوات وما أشبه ذلك (٢) .
سؤال: هل مشروعية الأسباب تستلزم مشروعية المسببات؟؟
- ويجيب الشاطبي قائلًا: مشروعية الأسباب لا تستلزم مشروعية المسببات، وإن صح التلازم بينهما عادة.
ومعنى ذلك أن الأسباب إذا تعلق بها حكم شرعي من إباحة أو ندب أو منع أو غيرها من أحكام التكليف، فلا يلزم أن تتعلق تلك الأحكام بمسبباتها.
فإذا أمر بالسبب لم يستلزم الأمر بالمسبب.
وإذا نهى عن السبب، لم يستلزم النهي عن المسبب.
وإذا خير فيه، لم يلزم أن يخير في مسببه.
والأمر بالنكاح لا يستلزم الأمر بحلية البضع.. والأمر بالقتل في القصاص لا يستلزم الأمر بإزهاق الروح ... والنهي عن القتل العدوان، لا يسلتزم النهي عن الإزهاق ...
إلى أن قال: فصارت الأسباب هي التي تعلقت بها مكاسب العباد دون المسببات.
فإذا لا يتعلق التكليف وخطابه إلا بمكتسب ... فخرجت المسببات عن خطاب التكليف، لأنها ليست بمقدورهم، ولو تعلق بها لكان تكليفًا بما لا يطاق وهو غير واقع كما تبين في الأصول (٣) .
стр. 15027
مسألة: لا يلزم من تعاطي الأسباب من جهة المكلف الالتفات إلى المسببات ولا القصد إليها: بل المقصود من تعاطي الأسباب الجريان تحت الأحكام الموضوعة لا غير ـ أسبابا كانت أو غير أسباب معللة كانت أو غير معللة (١) .
وجاء في (المسألة الثامنة) : قوله: إيقاع السبب بمنزلة إيقاع المسبب قصد بذلك المسبب أولًا؛ لأنه لما جعل مسببًا عنه في مجرى العادات، وعد كأنه فاعل له مباشرة، ويشهد لهذا قاعدة مجاري العادات، إذا أجري فيها نسبة المسببات إلى أسبابها، كنسبة الشبع إلى الطعام والإرواء إلى الماء ... وسائر المسببات إلى أسبابها، فكذلك الأفعال التي تتسبب عن كسبنا منسوبة إلينا، وإن لم تكن من كسبنا، وإن كان هذا معهودًا معلومًا، جرى عرف الشرع في الأسباب الشرعية مع مسبباتها على ذلك الوزن.
- فإذا كان كذلك، فالداخل في السبب، إنما يدخل فيه مقتضيًا لمسببه، لكن تارة يكون مقتضيًا له على الجملة والتفصيل، وإن كان غير محيط بجميع التفاصيل.
وتارة يدخل فيه مقتضيًا له على الجملة لا على التفصيل، وذلك أن أمر الله به، فإنما أمر به لمصلحة يقتضيها فعله، وما نهى عنه فإنما نهى عنه لمفسدة يقتضيها فعله، فإذا فعل فقد دخل على شرط أنه يتسبب فيما تحت المسبب من المصالح والمفاسد (٢)
стр. 15028
الفرق بين الذريعة والسبب:
يتحصل لدينا مما سبق والحقائق والفروق التالية:
أولًا: أن الأسباب الممنوعة، أسباب للمقاصد لا للمصالح.
ثانيًا: أن الأسباب المشروعة، أسباب للمصالح لا للمفاسد.
ثالثًا: أن الأسباب المشروعة، لا تكون أسبابًا للمفاسد.
رابعًا: أن الأسباب الممنوعة، لا تكون أسبابًا للمصالح.
خامسًا: أن السبب ما وضع شرعًا لحكم لحكمة يقتضيها ذلك السبب.
كما كان حول النصاب سببا لوجوب الزكاة.
والزوال سببًا في وجوب الصلاة.
والسرقة سببا في وجوب القطع.
والعقود أسباب في إباحة الامتناع أو انتقال الأملاك وما أشبه ذلك.
أما الذريعة: كما سبق كل ما يتخذ وسيلة إلى غيره، وإنها عبارة عن أمر غير ممنوع لنفسه قويت التهمة في التطرق به إلى ممنوع.
بينما الذريعة تحكم من المباشر في الوصول إلى ما هو وراء السبب من المباشرة.
والله أعلم.
стр. 15029
المبحث الثالث
المقارنة بين الذرائع الحيل الفقهية
ومدى الوفاق أو الخلاق بينهما
تعريف الحيل:
الحيل جميع حيلة، وهي إظهار أمر جائز ليتوصل به إلى محرم يبطله.
قال ابن تيمية: والحيلة مشتقة من التحول، وهو النوع من الحول، كالجلسة والقعدة من الجلوس والقعود، وكالأكلة والشربة، من الأكل والشرب (١) .
وقال الشاطبي: وحقيقتها المشهورة، تقديم عمل ظاهر الجواز لإبطال حكم شرعي، وتحويله في الظاهر إلى حكم آخر (٢) .
وقال ابن تيمية: هي نوع مخصوص من التصرف والفعل الذي هو التحول من حال إلى حال، هذا مقتضاه من اللغة.
ثم غلبت بعرف الاستعمال على ما يكون من الطرق الخفية موصلًا إلى حصول الغرض بحيث لا يتفطن له إلا بنوع من الذكاء والفطنة، فإذا كان المقصود أمرًا حسنًا، كانت حيلة حسنة، وإن كان قبيحًا كانت قبيحة، إلى أن قال: وصارت في عرف الفقهاء إذا أطلقت قصد بها الحيل التي يستحل بها المحارم كحيل اليهود، كما أطلقت الحيل على: ما يخرج من المضائق بوجه شرعي لتكون مخلصًا شرعيًا لمن ابتلي بحادثة دينية، على اعتباره نوعا من الحذق وجودة النظر وكل حيلة تضمنت إسقاط حق الله تعالى أو الآدمي، تندرج فيما يستحل بما المحارم (٣) .
الحيلة: أن يقصد فاعلها سقوط الواجب أو حل الحرام، بفعل لم يقصد به جعل ذلك الفعل له أو ما شرع، فهو يريد تغيير الأحكام الشرعية، لأسباب لم يقصد بها ما جعلت تلك الأسباب له (٤) .
وقال ابن القيم: المخادعة هي الاحتيال والمرواغة لإظهار أمر جائز ليتوصل به إلى أمر محرم يبطله (٥) .
ونخلص من ذلك كله إلى القول بأن الحيلة، وإن كانت في اللغة التحول من حال إلى حال، لقد غلب استعمالها على ما يكون من الطرق الخفية موصلا إلى حصول الغرض، بحيث لا يفطن له إلا بنوع ذكاء سواء أكان الغرض حسنا أو قبيحًا ... ثم صارت في عرف الفقهاء يقصد بها الطرق التي يستحل بها المحارم (٦) .
ونقول: أطلق الفقهاء الحيل على ما يخرج من المضائق بوجه شرعي لتكون مخلصًا شرعيًا لمن ابتلي بحادثة دينية على اعتباره نوعًا من الحذق وجودة النظر.
стр. 15030
الحيل الشرعية الممنوعة:
وهي التي يقصد منها التحيل على قلب الأحكام الثابتة شرعًا إلى أحكام أخر، بفعل صحيح الظاهر، لغو في الباطن.
مثل الحيل الموضوعة لإسقاط الشفعة، وتخصيص بعض الورثة بالوصية لإسقاط حق الورثة (١) .
قال الشاطبي: فإن حقيقتها تقديم عمل ظاهر الجواز لإبطال حكم شرعي وتحويله في الظاهر إلى حكم آخر، فمآل العمل خرم قواعد الشرعية في الواقع، كالواهب ماله عند رأس الحول فرارًا من الزكاة.
فإن أصل الهبة الجواز، ولو منع الزكاة من غير هبة لكان ممنوعا، فإن كل واحد منهما ظاهر أمره في المصلحة أو المفسدة، فإن جمع بينهما على هذا القصد صار مآل الهبة المنع من أداء الزكاة، وهو مفسدة ـ لكن هذا بشرط القصد لإبطال الأحكام الشرعية (٢) .
ويمكن تقسيم الحيل المحرمة إلى ثلاثة أنواع:
١- أن تكون الحيلة محرمة، ويقصد بها محرم: مثاله من طلق زوجته ثلاثًا وأراد التخلص من عار التحليل، فإنه يحتال لذلك بالقدح في صحة النكاح بفسق الولي، أو الشهود، فلا يصح الطلاق في النكاح الفاسد.
٢- أن تكون الحيلة مباحة في نفسها ويقصد بها محرم، مثاله: كمن يسافر لقطع الطريق أو قتل النفس المعصومة.
٣- أن تكون الحيلة لم توضع وسيلة إلى المحرم بل إلى المشروع، فيتخذها المحتال وسيلة إلى المحرم.
مثاله: كمن يريد أن يوصي لورثته، فيحتال لذلك بأن يقر له ـ فيتخذ الإقرار وسيلة للوصية للوارث- (٣) .
стр. 15031
حكم الحيلة: وأما حكم الحيلة، فهو إن قصد بها الوصول إلى المحرم فهي حرام وإلا فالحيلة قسمان:
حيلة شرعية مباحة: وهي التحيل على قلب طريقة مشروعة وضعت لأمر معين، واستعمالها في حالة أخرى بقصد التوصل إلى إثبات حق أو دفع مظلمة، أو إلى التيسير بسبب الحاجة.
حكمه: فهذا النوع من الحيل لا يهدم مصلحة شرعية، فهو إذًا جائز شرعًا.
وجه هذا القول: لأنه ليس المقصود بهذا التحيل إبطال الحق، وإنما هو تخريج فقهي للخروج من مأزق، ولا يقصد به إبطال أحكام الشرع أو التعدي على أحد في ماله أو نفسه.
مثاله: إن أهالي بخارى اعتادوا الإجارة الطويلة، وبما أن هذه الإجارة لا تجوز عند الحنفية في الأشجار، اضطروا إلى وضع حيلة بيع الكرم وفاء (١) .
فالبيع الوفائي: حيلة شرعية، اتخذت بسبب حاجة الناس، وبسب التخلص من قاعدة منع الإجارة الطويلة في الأشجار.
ومثال آخر: الرجل الذي: يحلف ليقربن امرأته نهارًا في رمضان، فيفتيه أبو حنيفة أن يسافر فيفطر ويقربها نهارًا في رمضان (٢) .
стр. 15032
حكم الحيل
الدليل على مشروعية الحيل:
أولًا: من الكتاب: قوله تعالى ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ﴾ [ص: ٤٤] هذا تعليم المخرج أيوب ﵇ عن يمينه التي حلف ليضربن زوجته مائة، فإنه حين قالت له: لو ذبحت عناقًا باسم الشيطان ... في قصة طويلة أوردها أهل التفسير رحمهم الله تعالى.
وقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ جَعَلَ السِّقَايَةَ فِي رَحْلِ أَخِيهِ﴾ [يوسف: ٧٠] إلى قوله تعالى ﴿ثُمَّ اسْتَخْرَجَهَا مِنْ وِعَاءِ أَخِيهِ كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ﴾ [يوسف: ٧٦] وذلك منه حيلة لإمساك أخيه عنده حينئذ، ليوقف إخوته على قصده.
قال الرازي الجصاص: وفيما حكى الله تعالى من أمر يوسف وما عامل به إخوته في قوله ﴿فَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ﴾ [يوسف: ٧٠] إلى قوله ﴿كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ﴾ [يوسف: ٧٦] دلالة على إجازة الحيلة في التوصل إلى المباح واستخراج الحقوق لأن الله تعالى رضي ذلك من فعله ولم ينكره، وقال في آخر القصة ﴿كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ﴾ [يوسف: ٧٦] .
ومن نحو ذلك قوله تعالى ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ﴾ [ص: ٤٤] وكان حلف أن يضربها عددًا، فأمره تعالى بأخذ الضغث، وضربها به ليبر في يمينه من غير إيصال ألم كبير إليها.
ومن نحوه: النهي عن التصريح بالخطبة وإباحة التوصل إلى إعلامها رغبته بالتعويض (١) .
وقال تعالى حكاية عن موسي ﵇: ﴿قَالَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا﴾ [الكهف: ٦٩] ولم يقل (على ذلك) ... لأنه قيد سلامته بالاستثناء وهو مخرج صحيح، قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (٢٣) إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الكهف: ٢٣ ـ ٢٤] .
стр. 15033
ثانيًا: من السنة: فما روي أن رسول الله ﷺ قال يوم الأحزاب لعروة بن مسعود في شأن بني قريظة: (فلعلنا أمرناهم بذلك) فلما قال له عمر ﵁ في ذلك قال ﵊: (الحرب خدعة) . وكان ذلك من اكتساب حيلة ومخرج من الإثم بتقييد الكلام (بلعل) (١) . ولما أتاه رجل وأخبره بأنه حلف بطلاق امرأته ثلاثًا أن لا يكلم أخاه قال له: طلقها واحدة ... فإذا انقضت عدتها، فكلم أخاك ثم تزوجها وهذا تعليم الحيلة والآثار فيه كثيرة.
ومنها:
حديث أبي سعيد الخدري وأبي هريرة ((عن النبي ﷺ أنه استعمل رجلًا على خيبر، فأتاه بتمر فقال رسول الله ﷺ : أكل تمر خيبر هكذا؟ فقال: لا والله، إنما نأخذ الصاع بالصاعين، والصاعين بثلاثة، قال: لا تفعل بع الجميع بالدراهم ثم اشتر بالدراهم تمرًا)) .
كذا روي ذلك مالك بن أنس عن عبد المجيد بن سهيل عن سعيد بن المسيب، عن أبي سعيد وأبي هريرة
وجه الاستدلال: أن رسول الله ﷺ حظر على الرجل التفاضل في التمر، وعلمه كيف يحتال في التوصل لأن يأخذ هذا التمر.
ويدل عليه قوله ﷺ : ((خذي من مال أبي سفيان ما يكفيك وولدك بالمعروف)) .
وجه الاستدلال: أنه أمرها بالتوصل إلى أخذ حقها وحق ولدها (٢) .
والحاصل: أن ما يتخلص به الرجل من الحرام أو يتوصل إلى الحلال من الحيل فهو حسن.
стр. 15034
وإنما يكره ذلك أن يحتال في حق لرجل حتى يبطله، أو في باطل حتى يموهه، أو في حق حتى يدخل فيه شبهه، فما كان على هذا السبيل فهو مكروه، وما كان على السبيل الذي قلنا أولًا فلا بأس به؛ لأن الله تعالى قال: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: ٢] .
ففي النوع الأول معنى التعاون على البر والتقوى.
وفي النوع الثاني معنى التعاون على الإثم والعدوان (١) .
وذكر عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه قال: من معاريض الكلام ما يغني المسلم عن الكذب.
وفيه دليل: على أنه لا بأس في استعمال المعاريض للتحرز عن الكذب، فإن الكذب حرام لا رخصة فيه.
وقال ابن عباس: ما يسرني بمعاريض الكلام حمر النعم.
فإنما يريد به أن بمعاريض الكلام يتخلص المرء من الإثم ويحصل مقصوده فهو خير من حمر النعم (٢) .
والأصل في جواز المعاريض قوله تعالى: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ﴾ [البقرة: ٢٣٥] فقد جوز الله المعاريض ونهى عن التصريح بالخطبة بقوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا إِلَّا أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾ [البقرة: ٢٣٥] وقال إبراهيم ﵇ للملك حين سأله عن سارة، فقال من هي منك؟ قال:
هي أختي لئلا يأخذها. وإنما أراد أختي في الدين،وقال للكفار إني سقيم حين تخلف ليكسر آلهتهم، معناه إني سأسقم، يعني أموت (٣) .
ثم بيان استعمال المعاريض من أوجه:
стр. 15035
١- أن يقيد المتكلم كلامه بلعل وعسى، كما قال ﵇: (فلعلنا أمرناهم بذلك) ولم يكن أمر به، ولم يكن ذلك كذبًا منه لتقييد كلامه بلعل.
٢- أنه يضمر في لفظه معنى سوى ما يظهر ويفهمه السامع من كلامه، وبيانه: في ما روي أن النبي ﷺ قال لتلك العجوز: ((إن الجنة لا يدخلها العجائز)) فجعلت تبكي، فقال لها رسول الله ﷺ : ((أهل الجنة مرد مكملون)) ، أخبرها بلفظ أضمر فيه سوى ما فهمت من كلامه، فدل أن ذلك لا بأس به.
ومما ورد عن السلف من المعاريض: ما روي عن عبيدة السلماني ﵁ قال: خطب علي ﵁ فقال: والله ما قتلت عثمان ولا كرهت قتله وما أمرت وما نهيت، فدخل عليه بعض من ـ الله أعلم بحاله ـ فقال له في ذلك قولًا. فلما كان في موضع آخر قال: من سائلي عن قتل عثمان ﵁، فالله قتله وأنا معه؟
فقال ابن سيرين: هذه كلمة قرشية ذات وجوه:
أما قوله: ما قتلت عثمان ﵁، فهو صدق حقيقة.
وقوله: ولا كرهت قتله، أي قتله بقضاء الله تعالى، ونال الشهادة فما كرهت له هذه الدرجة، وما كرهت قضاء الله وقدره.
وأما قوله: فالله قتله وأنا معه مقتول أقتل كما قتل عثمان ﵁.
فقد كان رسول الله ﷺ ، أخبر أنه يستشهد بقوله: ((إن أشقى الأولين والآخرين من خضب بدمك)) وهذه من هذه وأشار إلى عنقه ولحيته، وقد كان علي ﵁، ابتلى بصحبة قوم على همم متفرقة، فقد كان يحتاج إلى أن يتكلم بمثل هذا الكلام الموجه.
стр. 15036
فدل بذلك أن كبار الصحابة ﵃، كانوا يستعملون معاريض الكلام في حوائجهم. وكذلك من بعدهم من التابعين ﵏.
يحكى عن رجل قال: كنت عند إبراهيم ﵀ وامرأته تعاتبه في جاريته وبيده مروحة فقال أشهدكم أنها لها. فلما خرجنا قال علي: على ما أشهدتكم؟
قلنا شهدنا أنك جعلت الجارية لها. فقال: أما رأيتموني أشير إلى المروحة إنما قلت لكم اشهدوا أنها لها وأنا أعني المروحة التي كنت أشير بها.
وكان التابعون يعلمون غيرهم ذلك ـ الحيل الجائزة ـ أيضًا، على ما ذكره في الكتاب عن إبراهيم ﵀ في رجل أخذه رجل فقال: إن لي معك حق قال: لا فقال احلف لي بالمشي إلى بيت الله تعالى، فقال: احلف وأعني مسجد حيك (١) وإنما يحمل هذا على أن إبراهيم ﵀، علم أن المدعي مبطل ... وإنما المدعي عليه بريء، وهو أن يحلف بالمشي إلى بيت الله تعالى يعني مسجد حيه فإن المساجد كلها بيوت الله تعالى، أذن الله أن يذكر فيها اسمه.
قال تعالى ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ . [الجن: ١٨] .
стр. 15037
وذكر عن ابن سيرين ﵀ أنه قال: كان رجل من باهلة عيونًا، فرأى بغلة لشريح ﵀، فأعجبته فقال له شريح: أما إنها إذا ربضت لم تقم حتى تقام ـ أي أن الله هو الذي يقيمها بقدرته ـ فقال الرجل أف أف.
وفي هذا الحديث زيادة، فإن الرجل لما أبصر البغلة أعجبته، ربضت من ساعتها فقال شريح ما قال، فلما قال الرجل أف أف قامت.
وفي هذا دليل أن العين حق، وقد كان رسول الله ﷺ يتعوذ من عين السوء ... فأراد شريح أن يرد عينه بأن يحقرها في عينه، وقال ما قال، وأضمر فيه معنى صحيحًا وهو: أن الله تعالى يقيمها بقدرته.
وعن عقبة بن غرار ﵀ قال: كنا نأتي إبراهيم ﵀ وهو خائف من الحجاج، فكنا إذا خرجنا من عنده يقول لنا: إن سئلتم عني وحلفتم، فاحلفوا بالله ما تدرون أين أنا ولا لكم علم بمكاني ولا في أي موضع أنا، واعنوا أنكم لا تدرون في موضع قاعد أو قائم، فتكونون قد صدقتم (١) .
هذا: وجملة القول ما صرح به صاحب أحكام القرآن قال الرازي الجصاص: فمن أنكر التوصل إلى استباحة ما كان محظورًا من الجهة التي أباحته الشريعة، فإنما يرد أصول الدين وما قد ثبتت به الشريعة (٢) .
стр. 15038
وجاء في الحموي على الأشباه ما نصه:
قال في التتار خانية: مذهب علمائنا، أن كل حيلة يحتال بها الرجل لإبطال حق الغير أو لإدخال شبهة فيه فهي مكروهة ـ يعني تحريمًا.
وفي العيون وجامع الفتاوي: لا يسعه ذلك، وكل حيلة يحتال بها الرجل ليتخلص بها عن حرام أو يتوصل بها إلى حلال فهي حسنة. وهي معنى ما نقل عن الشعبي: لا بأس في الحيلة فيما يحل (١) .
وقال محمد بن الحسن عن عمرو بن دينار عن الشعبي: لا بأس في الحيل فيما يحل ويجوز، وإنما الحيل شيء يتخلص به الرجل من الحرام ويخرج به إلى الحلال فما كان من هذا فلا بأس.
وإنما يكره من ذلك أن يحتال الرجل في حق الرجل حتى يبطله أو يحتال في باطل حتى يتوهم أنه حق.
أو يحتال في شيء حتى يدخل فيه شبهة.
وأما ما كان على سبيل الذي قلنا فلا بأس في ذلك، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ [الطلاق: ٢] قال غير واحد من المفسرين: إن هذه الحيل مخارج لما ضاق على الناس وقواعد الفقه لا تحرم مثل ذلك (٢) .
стр. 15039
المقارنة بين الذرائع والحيل الفقهية
ومدى الوفاق والخلاف بينهم
الذرائع والحيل قاعدتان متشابهتان، والكلام فيهما متداخل، وهما يلتقيان أحيانًا ويفترقان أحيانًا ... لذلك يستدل لأحدهما بأدلة الأخرى، وأوفى من تكلم فيهما فقهاء ثلاثة، ابن تيمية، ابن القيم، والشاطبي.
فابن تيمية، وهو يتكلم عن الحيل ... وهو مقصود بحثه تكلم عن الذرائع بالتبع، واعتبر الذريعة إذا كان إفضاؤها إلى المحرم بقصد فاعلها من باب الحيل وبناء على تقسيمه تحصل الآتي:
١- توجد ذريعة ليست حيلة.
٢- توجد حيلة ليست ذريعة.
٣- توجد ذريعة هي حيلة.
فالحيلة تجتمع مع الذرائع عند القصد ... وكل منهما تفترق عن الأخرى بما عدا ذلك. وعليه فعنده باب الذرائع واسع من باب الحيل، بل الكلام في سد الذرائع واسع لا يكاد ينضبط.
وقال: والغرض هنا أن الذرائع حرمها الشارع، وإن لم يقصد بها محرم خشية إفضائها إلى المحرم، فإذا قصد بالشيء نفس المحرم كان أولى بالتحريم من الذرائع (١) .
أما ابن القيم: فجعل الحيل تابعة للذرائع ... وقدر أن العبرة في الشرائع بالمقاصد والنيات ... تكلم عن سد الذرائع وقرر أن اعتبارها بناء الأحكام عليها.
стр. 15040
وبعد أن استدل على وجوب سد الذرائع بـ ٩٩ دليلًا قال: (وتجويز الحيل يناقض سد الذرائع مناقضة تامة، فإن الشارع يسد الطريق إلى المفاسد بكل ممكن والمحتال يفتح الطريق إليها بكل حيلة) . ثم بين أن الأدلة التي تذكر في وجوب سد الذرائع هي نفسها تدل على تحريم الحيل، بل وزاد أدلة أخرى، هذا وإن اعتبر الحيل تابعة للذرائع فقد اشترط القصد في الحيل ... قال: ومدار الخداع على أصلين:
١- إظهار فعل لغير مقصوده الذي جعل له.
٢- إظهار قول لغير مقصوده الذي وضع له.
ففي الأصلين ينص على إظهار الفعل والقول غير المقصود وهو معنى القصد (١) .
أما الشاطبي: ففي بحثه تداخل بين الذرائع والحيل، فحيث يتكلم عن الذرائع يذكر الحيل، وفي كلامه عن الحيل يذكر الذرائع، حتى الأمثلة يسوقها أحيانًا للقاعدتين. فمرة يعتبر الحيلة نوعًا من الذرائع (٢) . وذلك في المسألة الخامسة، أما في المسألة العاشرة من مقاصد المكلف تكلم عن الحيل ومثل بمسائل بيوع الآجال وقال: إنها من الذرائع (٣) .
стр. 15041
الفرق بين الحيل والذارئع عند الشاطبي:
عرف الشاطبي الحيل: أنها تقديم عمل ظاهر الجواز لإبطال حكم شرعي وتحويله في الظاهر إلى حكم آخر.
يفهم من هذا التعريف أن الحيل يشترط فيها القصد من المكلف، وقد نص فيما بعد على ذلك حيث قال: ولكن هذا بشرط القصد إلى إبطال الأحكام الشرعية (١) . وعليه: أن الفرق واضح عن الشاطبي بين الحيل والذرائع، إذا اشترط القصد في الحيل، كما اعتبر الشاطبي الذرائع أوسع دائرة من الحيل وأعم وذلك بإدراجه الحيل في الذرائع (٢) . وهناك فرقان آخران بين الحيلة والذريعة:
فالذريعة لا يلزم فيها أن تكون مقصودة والحيلة لا بد من قصدها للتخلص من المحرم.
والحيلة تجري في العقود خاصة ـ والذريعة أعم.
ونخلص من ذلك كله إلى النتيجة التالية:
فحيث يشترط القصد في الحيل، أي أن يقصد المكلف المحرم ابتداء، ومع ذلك الحيل والذرائع، يلتقي كل منهما مع الآخر في صورة ... ويفترق في صور.
١- فمثال ما كان ذريعة وليس حيلة: سب الأوثان فإنه ذريعة إلى سب الله تعالى وكذلك سب الرجل والد غيره، فإنه ذريعة إلى أن يسب والده.
٢- ومثال ما كان حيلة وليس ذريعة ما يحتال من المباحات في الأصل كبيع النصاب في أثناء الحول فراره من الزكاة.
٣- ومثال ما كان ذريعة وحيلة: اشتراء البائع السلعة من مشتريها بأقل من الثمن وكالاعتياض عن ثمن الربوي بربوي لا يباع بالأول نساء.
هذا: والمراد بسد الذريعة: منعها على المكلف حتى لا يتوصل بسببها إلى المحرم، فهي وإن كانت جائزة بحد ذاتها لكنها تحرم لما تفضي إليه، ولو تجردت عن ذلك الإفضاء، لبقيت على جوازها، ولما منع المكلف منها.
والمراد بإبطال الحيل: إلغاؤها وعدم الاعتداد بها، فإذا عرف أن المكلف محتال فتصرفه لاغ، ويعامل بنقيض قصده، فهو حينما سلك مسلك الحيل، أراد أن تكون مخرجًا له ومفرًا من حكم المسألة الشرعي الذي يريد أن يهرب منه، فهذا التصرف لا يخرجه عن الحكم الشرعي بل تبطل حيلته، ولا يكون لها الأثر الذي يريد (٣) .
стр. 15042
المبحث الرابع
أقسام الذرائع بحسب القطع بتوصيلها إلى الحرام
وعدم القطع ومدى الوفاق أو الخلاف بينها
أحكامها وشروطها:
لما كانت المقاصد لا يتوصل إليها إلا بأسباب وطرق تفضي إليها كانت طرقها وأسبابها تابعة لها مقيدة بها.
فوسائل المحرمات والمعاصي في كراهتها والمنع منها بحسب إفضائها إلى غاياتها وارتباطاتها بها ... وسيلة المقصود تابعة للمقصود وكلاهما مقصود.. لكنه مقصود قصد الغايات وهي مقصودة قصد الوسائل.
هذا والفعل أو القول المفضي إلى المفسدة قسمان:
أحدهما: أن يكون وضعه للإفضاء إليها كشرب الخمر المفضي إلى مفسدة السكر. وكالقذف المفضي إلى مفسدة الفرية. والزنى المفضي إلى اختلاط المياه وفساد الفراش ونحو ذلك. فهذه أفعال وأقوال وضعت مفضية لهذه المفاسد وليس لها ظاهر غيرها.
والثاني: أن تكون موضوعة للإفضاء إلى أمر جائز أو مستحب فيتخذ وسيلة إلى المحرم وإما بقصده أو بغير قصد منه.
فالأول: كمن يعقد النكاح قاصدًا به التحليل.
والثاني: كمن يصلي تطوعًا بغير سبب في أوقات النهي، أو يسب أرباب المشركين بين أظهرهم ... ونحو ذلك. إلى أن قال فهاهنا أربعة:
الأول: وسيلة موضوعة للإفضاء إلى المفسدة.
الثاني: وسيلة موضوعة للمباح قصد بها التوسل إلى المفسدة.
الثالث: وسيلة موضوعة للمباح لم يقصد بها التوسل إلى المفسدة لكنها مفضية إليها غالبًا ومفسدتها أرجح من مصلحتها. كالصلاة في أوقات النهي ومسبة آلهة المشركين بين أظهرهم.
الرابع: وسيلة موضوعة للمباح وقد تفضي إلى المفسدة ومصلحتها أرجح من مفسدتها. ومثاله النظر إلى المخطوبة، والمستامة والمشهود عليها وفعل ذوات الأسباب في أوقات النهي (١) .
حكم هذا القسم: إن الشريعة جاءت بإباحة هذا القسم أو استحبابه أو إيجابه بحسب درجاته في المصلحة. وجاءت بالمنع من القسم الأول كراهة أو تحريمًا بحسب درجاته في المفسدة.
стр. 15043
ونخلص من ذلك إلى القول: بأن الذرائع المفضية إلى المفاسد أربعة أقسام:
الأول: ما يفضي إلى المحرم غالبًا.
الثاني: ما يحتمل الإفضاء وعدمه ولكن الطبع يميل إليه.
الثالث: ما يفضي أحيانًا ومصلحته راجحة على مفسدته.
الرابع: ما يفضي أحيانًا وليس فيه مصلحة راجحة على مفسدته.
وهنالك تقسيم للشوكاني نقلًا عن ابن الرفعة قال: الذريعة ثلاثة أقسام:
أحدها: ما يقطع بتوصيله إلى الحرام فهو حرام عند المالكية والشافعية.
والثاني: ما يقطع بأنه لا يوصل ولكنه اختلط بما يوصل فكان من الاحتياط سد الباب وإلحاق الصورة النادرة ـ التي قطع بأنها لا توصل إلى الحرام ـ بالغالب منها الموصل إليه وهذا غلو في القول بسد الذرائع.
стр. 15044
والثالث: ما يحتمل ويحتمل وفيه مراتب ويختلف الترجيح عندهم بحسب تفاوتها (١) . لكن الإمام الشاطبي تناول هذا الموضوع بالتفصيل تحت عنوان:
فيما يرجع إلى مقاصد المكلف في التكليف.
حيث قال: إن الأعمال بالنيات والمقاصد معتبرة في التصرفات من العبادات والعادات (٢) .
ثم قال: إن قصد الشارع من المكلف أن يكون قصده في العمل موافقًا لقصده في التشريع.. والمطلوب من المكلف أن يجري على ذلك في أفعاله وأن لا يقصد خلاف ما قصد الشارع ولأن المكلف خلق لعبادة الله وذلك راجع إلى العمل على وفق القصد في وضع الشريعة.
إلى أن قال: كل من ابتغى في تكاليف الشريعة غير ما شرعت له فقد ناقض الشريعة وكل من ناقضها فعمله في المناقضة باطل، فمن ابتغى في التكاليف ما لم تشرع له فعمله باطل.
ووصل به الكلام إلى القسم الخامس فقال: وهو أن لا يلحق الجالب أو الدافع ـ لكن أداءه إلى المفسدة قطعي عادة فله نظران: نظر من حيث كونه قاصدًا لما يجوز أن يقصد شرعًا من غير إضرار بأحد فهذا من هذه الجهة جائز لا محظور فيه ونظر من حيث كونه عالمًا بلزوم مضرة الغير لهذا العمل المقصود مع عدم استضراره بتركه ـ فإنه من هذه الوجه مظنة لقصد الإضرار.
ثم قال: أما السادس: وهو ما يكون أداؤه إلى المفسدة نادرا فهو على أصله من الإذن.
وجهه لأن المصلحة إذا كانت غالبة فلا اعتبار بالنذور في انخرامها إذ لا توجد في العادة مصلحة عارية عن المفسدة جملة، كالقضاء بالشهادة في الدماء والأموال والفروج ... مع إمكان الوهم والغلط.
ثم قال: والسابع: هو ما يكون أداؤه إلى المفسدة ظنيًا فيحتمل الخلاف، أما أن الأصل: الإباحة والإذن فظاهر.
стр. 15045
وأما أن الضرر والمفسدة تلحق ظنيًا.
وقال: لكن اعتبار الظن هو الأرجح لأن الظن في أبواب العمليات جار مجرى العلم.
ولأن المنصوص عليه من سد الذرائع داخل في هذا القسم ولأنه داخل في التعاون على الإثم والعدوان المنهي عنه.
ثم وصل به القول إلى بيان حكم الفعل الذي يكون أداؤه إلى المفسدة كثيرًا لا غالبًا ولا نادرًا فهو موضوع نظر والتباس، والأصل فيه الحمل على الأصل من صحة الإذن كمذهب الشافعي وغيره.
وجه هذا القول: أن احتمال القصد للمفسدة والإضرار لا يقوم مقام نفس القصد ولا يقتضيه (١) .
وحاصله:
أن التصرف المأذون فيه بالنظر لما يلزم عنه من إضرار أربعة أقسام:
الأول: ما يكون أداؤه إلى المفسدة نادرا كحفر البئر في موضع لا يؤدي غالبًا إلى وقوع أحد فيه، وبيع الأغذية التي غالبًا لا تضر أحدًا.
الثالث: ما يكون داؤه إلى المفسدة كثيرًا بحيث يغلب على الظن الراجح أنه يؤدي إليها كبيع السلاح في وقت الفتن وبيع العنب ممن يتخذه خمرًا ونحو ذلك مما يقع في غالبًا الظن لا على سبيل القطع أداؤه إلى المفسدة.
الرابع: أن يكون أداؤه إلى المفسدة كثيرًا لكن كثرته لم تبلغ مبلغ أن تحمل العقل على ظن المفسدة فيه دائمًا كمسائل البيوع الربوية التي تفضي إلى الربا (٢) .
стр. 15046
المبحث الخامس
موقف أئمة الفقه من الاحتجاج والأخذ بسد الذرائع
مع تحرير محل النزاع في ذلك
يذكر الأصوليون أن الإمام مالكا هو الذي يمنع من الذرائع وأن أبا حنيفة والشافعي لا يجيزان منعها.
فهل هذا على إطلاقه بالنسبة لجميع الذرائع أو لا؟
قال الإمام الباجي: ذهب مالك ﵀ إلى المنع من الذرائع، وقال أبو حنيفة والشافعي: لا يجوز المنع من الذرائع (١) .
لكن الإمام الشاطبي اعتبرها من القواعد المبنية على أصل اعتبار مآلات الأفعال ودلل على صحته، ثم تكلم على ما ينبني عليها من قواعد ومنها: سد الذرائع.
وقال: إن مالكًا حكمها في أكثر أبواب الفقه لأن حقيقتها التوصل بما هو مصلحة إلى مفسدة.
وقال: إن من أسقط الذرائع كالشافعي فإنه اعتبر المآل أيضًا.
стр. 15047
وقال القرافي: مالك لم ينفرد بذلك بل كل أحد يقول بها ولا خصوصية للمالكية بها إلا من حيث زيادتهم فيها.
فإن من الذرائع ما هو معتبر بالإجماع كالمنع من حفر الآبار في طريق المسلمين وإلقاء السم في طعامهم وسب الأصنام عند من يعلم من حاله أنه يسب الله تعالى.
ومنها ما هو ملغي إجماعا كزرع العنب خشية الخمر وإن كانت وسيلة إلى المحرم ومنها ما هو مختلف فيه كبيوع الآجال فنحن لا نغتفر الذريعة فيها.
وخالفنا غيرنا في أصل القضية إنا قلنا بسد الذرائع أكثر من غيرنا لا أنها خاصة بنا. وبهذا تعلم بطلان استدلال أصحابنا على الشافعية في هذه المسألة بقوله تعالى: ﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [الأنعام ١٠٨] وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ﴾ [البقرة ٦٥] .
فقد ذمهم بكونهم تذرعوا للصيد يوم السبت المحرم عليهم لحبس الصيد يوم الجمعة (١) .
وقوله ﵊: ((لا تقبل شهادة خصم ولا ظنين)) (٢) .
قال: وإنما قلنا إن هذه الأدلة لا تفيد محل النزاع لأنها تدل على اعتبار الشرع سد الذرائع في الجملة وهذا أمر مجمع عليه، وإنما النزاع في ذريعة خاصة وهو: بيع الآجال ونحوها.
فينبغي أن يذكروا أدلة خاصة بمحل النزاع وإن قصدوا القياس على هذه الذرائع المجمع عليها فينبغي أن تكون حجتهم القياس.
ويقول الإمام القرطبي بسد الذرائع: ذهب إليه مالك وأصحابه وخالفه أكثر الناس تأصيلًا، وعملوا عليه في أكثر من فروعه تفصيلًا (٣) .
стр. 15048
وإذا ألقينا نظرة على ما تقدم نخلص إلى النتيجة التالية: أن أصل سد الذرائع قال به العلماء بالجملة وليس خاصًا بالملكية فقط كما تقدم عن القرافي إلا أن المالكية قالوا به أكثر من غيرهم (١) .
وقال الشاطبي: فقد ظهر أن قاعدة الذرائع متفق على اعتبارها في الجملة وإنما الخلاف في أمر آخر. قال المرحوم عبد الله دراز معلقًا: وهو في الحقيقة اختلاف في المناط (٢) .
وجاء في مختصر الروضة: إن أصل سد الذرائع قال به العلماء بالجملة وليس خاصا بالمالكية فقط، إلا أن المالكية قالوا به أكثر من غيرهم (٣) .
وهكذا يتقرر لدينا أن القول بسد الذرائع أصل معتمد في الفقه المالكي والفقه الحنبلي.
قال أبو زهرة: هذا أصل من الأصول التي أكثر من الاعتماد عليها في استنباطه الفقهي الإمام مالك ﵁ وقاربه في ذلك الإمام أحمد ابن حنبل ﵁ (٤) .
стр. 15049
وأما أبو حنيفة والشافعي رحمهما الله تعالى فلم تذكر كتب أصول مذهبهما شيئًا عن رأيهما في ذلك ... وكتب أصول الحنفية والشافعية لا تتعرض للبحث في هذا الأصل.
وقال ابن رشد: ووافقنا أبو حنيفة وأحمد ابن حنبل في سد الذرائع (بيوع الآجال) التي هي صورة النزاع وإن خالفنا في تفصيل بعضها.
قال أبو حنيفة: يمتنع بيع السلعة من أبي البائع بما تمتنع به من البائع، وخالفنا الشافعي ﵁ (١) .
ويقرر أبو زهرة ﵀ قائلًا:
ونحن نميل إلى أن العلماء جميعًا يأخذون بأصل الذرائع وإن لم يسموه بذلك الاسم. ولكن أكثرهم يعطون الوسيلة حكم الغاية إذا تعينت طريقًا لهذه الغاية، فلم تكن طريقًا لغيرها على وجه القطع أو غلبة الظن.
وأما إذا لم تكن الوسيلة متعينة لا بطريق العلم ولا بطريق الظن فهذا يختص مالك بالأخذ بأصل الذرائع فيه، إذا كثر ترتب الغاية على الوسيلة كبيوع الآجال (٢) .
стр. 15050
المعنى الخاص للذريعة ـ تحرير محل النزاع:
قال القرطبي في تحرير موضع الخلاف: اعلم أن ما يفضي إلى الوقوع في المحظور إما أن يلزم منه الوقوع قطعًا أو لا.
والأول: ليس من هذا الباب بل من باب ما لا خلاص من الحرام إلا باجتنابه ففعله حرام من باب: ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.
والذي لا يلزم: إما أن يفضي إلى المحظور غالبًا أو ينفك عنه غالبًا أو يتساوى الأمران وهو المسمى بالذرائع عندنا.
فالأول لا بد من مراعاته والثاني والثالث اختلف الأصحاب فيه. فمنهم من يراعيه، ومنهم من لا يراعيه وربما يسميه التهمة البعيدة والذرائع الضعيفة، وقريب من هذا التقرير قول القرافي: ـ آنف الذكر ـ إن مالكًا لم ينفرد بذلك، فإن الذرائع ما هو معتبر إجماعًا ومنها ما هو ملغي إجماعًا ومنها ما هو مختلف فيه.
إلى أن قال: إن من أدلة محل النزاع حديث زيد بن أرقم أن أمه قالت لعائشة: إني بعت منه عبدًا بثمانمائة إلى العطاء واشتريته نقدًا بستمائة فقالت عائشة: بئس ما اشتريت وأخبري زيد بن أرقم أنه أبطل جهاده مع رسول الله ﷺ إلا أن يتوب (١) .
موقف الإمام الشافعي ﵁ من الذرائع:
أنكر الشافعية صحة أصل سد الذرائع وأبطلوا العمل به لسببين:
أولاهما: أن سد الذرائع مظهر من مظاهر الاجتهاد بالرأي وهم لا يأخذون منها إلا بالقياس، حيث جاء في الأم: ولا يصار إلى شيء غير الكتاب والسنة وهما موجودان وإنما يؤخذ العلم عن أعلى (٢) .
وجاء عنه قوله: ولا يجوز القول إلا بالقياس (٣) .
وقال: ولا يجوز أن يفتي بالاستحسان (٤) .
ويستفاد من مجمل قوله في كتبه أن الاجتهاد بالاستحسان وغيره من الوسائل كسد الذرائع اجتهاد باطل.
والثاني: أن الشريعة تبنى على الظاهر لقوله: الأحكام على الظاهر والله ولي الغيب ... وكلف العباد أن يأخذوا من العباد بالظاهر (٥) .
стр. 15051
ولما كانت الشريعة تبنى على الظاهر وجب ألا تناط أحكامها بأسباب قد تخفى ولذلك يحكم على العقود بحسب ما تدل عليه ألفاظها وما يستفاد منها في اللغة وعرف العاقدين في الخطاب.
ويقول: لا يفسد العقود نية العاقدين: لذلك إذا اشترى الرجل طعامًا فقبضه فلا بأس أن يبيعه ممن اشتراه منه ومن غيره بنقد وإلى أجل وسواء في المعين وغير المعين (١) .
هذا ولعل ما نسب إلى الشافعي من القول بسد الذرائع إنما هو من باب تحريم الوسائل التي تستلزم المتوسل إليه لا من باب الذرائع.
وقال السبكي: إن ما ذكر أن الأمة أجمعت عليه ليس من مسمى الذرائع في شيء نعم حاول ابن الرفعة تخريج قول الشافعي في باب: إحياء الموات من الأم: عند النهي عن منع الماء ليمنع الكلأ: إن ما كان ذريعة إلى منع ما أحل الله لم يحل.
وكذا ما كان ذريعة إلى إحلال ما حرم الله. فقال: في هذا ما يثبت أن الذرائع إلى الحرام والحلال تشبه معاني الحرام والحلال.
قال السبكي: نقلًا عن والده إنما أراد الشافعي تحريم الوسائل لا سد الذرائع.
والوسائل تستلزم المتوسل إليه ومن هذا منع الماء فإنه يستلزم منع الكلأ الذي هو حرام ونحن لا ننازع فيما يستلزم من الوسائل ولذلك نقول: من حبس شخصًا ومنعه من الطعام والشراب فهو قاتل له وما هذا من سد الذرائع في شيء.
وكلام الشافعي في نفس الذرائع لا في سدها، وأصل النزاع بيننا وبين المالكية إنما هو في سدها.
стр. 15052
هذا والقول بتحريم الوسائل التي تستلزم المتوسل إليه قائم في أغلب صوره في الظن والتوهم والتخمين وشتان بينهما.
ولذلك كان مسلك الشافعي ﵀ في عدم أخذ الناس بالتهم وإفساد تصرفاتهم بالظن مسلكًا صحيحًا وسليمًا يتفق مع ما دلت عليه نصوص الشريعة السمحة من أخذ المكلفين بظواهرهم وترك سرائرهم إلى الله تعالى (١) . لكن الإمام الشاطبي له وجهة نظر أخرى حيث يقول:
إن الشافعي يأخذ بمبدأ سد الذرائع إذا ظهر القصد إلى المآل الممنوع حيث يقول عند كلامه على مذهب الشافعي: ولكن هذا بشرط ألا يظهر قصد إلى المآل الممنوع ولأجل ذلك يتفق الفريقان على أنه لا يجوز التعاون على الإثم والعدوان بإطلاقه.
وقال: لا يصح أن يقول الشافعي: إنه يجوز التذرع إلى الربا بحال، إلا أنه لا يتهم من لم يظهر منه قصد الممنوع (٢) .
يتحرر لدينا مما تقدم: أن الذرائع التي هي محل الخلاف إنما هي الوسائل التي ظاهرها الجواز إذا قويت التهمة في التطرق بها إلى الممنوع، وهذا ما أشار إليه الشاطبي في القسم الرابع المستخلص من تقسيماته وهو:
كل فعل مأذون فيه بالأصل ولكنه طرأ عليه ما جعله يؤدي إلى المفسدة كثيرًا لا غالبًا.
ويدخل في ذلك ما عده ابن القيم قسمًا وسطًا بين ما جاءت الشريعة في طلبه وما جاءت بمنعه، وهي: كل وسيلة مباحة قصد التوصل بها إلى المفسدة، أو لم يقصد التوصل إلى المفسدة لكنها تفضي إليها غالبًا ومفسدتها أرجح من مصلحتها.
وهذا المعنى الخاص للذريعة هو المراد لدى الأصوليين والفقهاء عند بحثهم في الذرائع وسدها، ولقد عبر الشاطبي عن هذا المعنى بقوله: إن حقيقتها التوصل بما هو مصلحة إلى مفسدة. وسد الذرائع على هذا المعنى هو حسم مادة أو وسائل الفساد بمنع هذه الوسائل ودفعها (٣) .
стр. 15053
المبحث السادس
هل الأخذ بالذرائع مما اختص به المذهب المالكي؟
إن المذاهب الأربعة استندت في ميدان التطبيق إلى الأخذ بسد الذرائع في الجملة وإن اختلفوا في التفاصيل وهذا مما يؤكد ما صرح به علماء المالكية وغيرهم من أن سد الذرائع ليس من خواص مذهب الإمام مالك ﵁ (١) .
وأن أصل سد الذرائع مجمع عليه لكن الخلاف فيما يرجع إليه من الجزئيات (٢) .
فقد تلتقي الأنظار على إعمال حكم الذرائع فمنعها كسب آلهة المشركين وإلقاء السم في أطعمة المسلمين وغير ذلك.
وقد تلتقي على إهمال حكمها كإباحة التجاور في البيوت ولو احتمل وقوع الزنى وإباحة النظر إلى المخطوبة.
وقد تختلف الأنظار فيعمل البعض حكم الذرائع فتلتحق عنده بالذرائع الممنوعة ويهملها الآخر فتلتحق عنده بالذرائع المتفق على إهمالها.
ولا يعني الاتفاق بين المذاهب على الأخذ بها في ميدان التطبيق أن تكون على درجة واحدة من حيث الأخذ به. بل هي على مستويات مختلفة.
فعلى حين نجد المالكية يحكمون هذا الأصل في آلاف المسائل نجد الشافعية على النقيض من ذلك، كما أننا نجد الحنابلة أقرب في هذا المجال إلى المالكية وفقهاء الأحناف أقرب إلى الشافعية.
стр. 15054
أما النظر في الأصول فيشهد لتقدم المالكية والحنابلة حيث ذكروا سد الذرائع ضمن أصولهم خلافًا للحنفية والشافعية.
أما الحنفية فقد ولجوا من باب الاستحسان إلى ساحة المصالح التي يعد سد الذرائع أحد وجوه العمل بها.
على حين يصرح الشافعية برد كل من سد الذرائع والاستحسان بل ولا يأخذون من المصالح إلا ما كان قطعيًّا عامًّا ولهذا جاء دورهم في هذا الميدان آخِرًا (١) .
وأما النظر في الفروع: فيشهد فعلًا لتقدم المالكية في هذا الميدان أيضًا إنهم يقفون في كثير من المسائل وحدهم يسدون الذريعة فيها على حين يقف الأئمة الثلاثة على الطرف الآخر أيضًا.
وإنما كان الإمام مالك ﵁ اعتمد الذرائع أصلًا أصيلًا في مذهبه لأن مذهبه أوسع المذاهب الاجتهادية اعتمادًا على رعاية مصالح الناس وأعرافهم، ولهذا كان العمل بالمصلحة المرسلة أصلًا مستقلًا من أصول التشريع عندهم، وما سد الذرائع إلا تطبيقًا عمليًا من تطبيقات العمل بالمصلحة، ولذلك عدوه ضمن أصولهم وأعملوه في استنباطاتهم وتخريجاتهم في جميع أبواب الفقه وفي كثير من المسائل العملية، وبالغوا في ذلك حتى عد بعض الفقهاء سد الذرائع من خصوصيات إمام دار الهجرة (٢) .
стр. 15055
تطبيقات المالكية لهذا الأصل: من أبرز تطبيقات المالكية لسد الذرائع منعهم للعقود أن تتخذ ذريعة إلى أكل الربا ومن ذلك:
-بيوع الآجال: وهي بيوع ظاهرة الجواز لكنها تؤدي إلى ممنوع كاجتماع بيع وسلف أو أنظرني أزدك، أو إلى بيع ما لا يجوز متفاضلًا.
-ومثال ما يؤدي إلى اجتماع بيع وسلف أن يبيع سلعتين بدينارين لشهرين ثم يشتري إحداهما بدينار نقدًا فقد خرجت السلعة من يد البائع أولًا ثم عادت إليه فاعتبرت ملغاة وآل أمره إلى أنه دفع دينارًا أو سلعة ونقدًا ليأخذ عنهما بعد شهر دينارين.
الأول منهما: عن الدينار الذي دفعه نقدًا وهذه صورة.
والثاني منهما: ثمن السلعة التي خرجت من يده ولم تعد وهذه صورة البيع (١) .
-ومثال ما يؤدي إلى سلف بمنفعة: أن يبيع سلعة بعشرة دراهم لشهر ثم يشتريها بخمسة نقدًا فقد عادت السلعة إلى بائعها الأول فاعتبرت ملغاة وآل أمر العقدين إلى عقد واحد هو: دفع خمسة دراهم نقدًا ليأخذ عنها بعد شهر عشرة دراهم نسيئة.
وقالوا: إن فروع بيوع الآجال تصل إلى ألف مسألة متولدة من الأحوال المختلفة لكل من الآجل والثمن والسلعة والبائع والمشتري.