-شروط الذرائع:
للذرائع شروط تفهم من تقسيمات العلماء لها كالشاطبي وابن القيم (١) . فإذا كانت الذريعة جائزة يشترط فيها شرطان.
١- أن يكون الوقوع في المفسدة نادرًا: ففي حال الندرة لا يمنع الفعل؛ لأنه ليس في الأشياء خير محض ولا شر محض، والنادر لا حكم له.
٢- أن تكون مصلحة الفعل أرجح من مفسدته، كالنظر إلى المخطوبة، والمشهود عليها. والمصلحة: غرض الشارع في كل أوامره ونواهيه وفي كل تشريعاته وأحكامه، والمفسدة: هي التي اعتبرها الشرع ضررًا، لا ما يراه الإنسان مفسدة.
وإذا كانت الذريعة ممنوعة فيشترط فيها ثلاثة شروط:
١- أن تكون من شأنها الإفضاء إلى المفسدة لا محالة (قطعاً) أو غالبًا أو كثيرًا، فإن لم تتحقق المفسدة أو كانت قليلة أو نادرة فلا تمنع الوسيلة، مثلا (شرب المسكر مفض) لا محالة إلى مفسدة السكر، والزنى مفض إلى اختلاط الماء وفساد الفراش.
٢- أن تكون المفسدة أرجح مما قد يترتب على الوسيلة من المصلحة، وإن كانت الوسيلة مباحة لم يقصد بها التوصل إلى مفسدة، مثل سب آلهة المشركين بين ظهرانيهم، أي في ديارهم أو أمامهم.
٣- أن يقصد بالمباح التوصل إلى مفسدة، كعقد الزواج المقصود به التحليل، وعقد البيع الذي قصد به التوصل إلى الربا.
стр. 15087
٥- موقف أئمة الفقه من الاحتجاج والأخذ بسد الذرائع، من تحرير محل النزاع في ذلك:
انقسم العلماء في الظاهر بالنسبة للأخذ بالذرائع فريقين:
الاتجاه الأول للمثبتين: وهم المالكية والحنابلة والشيعة والإمامية (١) : اعتبر هؤلاء مبدأ الذرائع أصلًا من أصول الفقه.
الاتجاه الثاني للمانعين: وهم الحنفية والشافعية والظاهرية (٢) : لم يأخذ هؤلاء بالذرائع الاجتهادية غير النصية المصرح بها في الكتاب والسنة. وقد صرح الإمام الشافعي في كتابه الأم (٣) . في الأخذ بالذرائع النصية ـ كما تقدم ـ فقال: وفي منع الماء ليمنع به الكلأ الذي هو من رحمة الله عام يحتمل معنيين: أحدهما ـ أن ما كان ذريعة إلى إحلال ما حرم الله لم يحل، وكذلك ما كان ذريعة إلى تحريم ما أحل الله لم يحرم.
فإن كان هذا هكذا ففي هذا ما يثبت أن الذرائع إلى الحلال والحرام تشبه معاني الحلال والحرام.
стр. 15088
أدلة المثبتين: استدل أصحاب الاتجاه الأول لإثبات حجية الذرائع وكونها أحد أصول التشريع بأدلة واضحة من القرآن والسنة (١) . فمن القرآن الكريم قوله تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا وَاسْمَعُوا﴾ [البقرة: ١٠٤] ، والمراد من كلمة (راعنا) المنهي عنها أنها اسم فاعل من الرعونة، كان اليهود يستعملون هذه الكلمة بقصد سب النبي ﷺ ، وقوله سبحانه في حيلة اصطياد السمك من اليهود موبخًا لهم: ﴿وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ لَا تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾ [الأعراف: ١٦٣] .
وأدلتهم في السنة النبوية: قوله ﷺ : ((دع ما يريبك إلى ما لا يريبك)) (٢) . وقوله: ((إن الحلال بين وإن الحرام بين، وبينهما أمور مشتبهات)) (٣) . ((المؤمنون وقافون عند الشبهات)) (٤) . ((من حام حول الحمى يوشك أن يواقعه)) (٥) . ((الإثم ما حاك في صدرك، وكرهت أن يطلع عليه الناس)) (٦) . ((استفت قلبك وإن أفتاك المفتون)) (٧) . ((إن من أكبر الكبائر أن يلعن الرجل والديه)) ، قيل: يا رسول الله، كيف يلعن الرجل والديه؟ قال: ((يسب أبا الرجل فيسب أباه، ويسب أمه فيسب أمه)) (٨) .
стр. 15089
واستدل ابن تيمية ﵀ على سد الذرائع بشواهد قولية وعملية من السنة، وهي ما يأتي:
١- الحديث السابق الذي ينهي عن شتم الرجل أبوي غيره، حتى لا يكون ذريعة إلى سب أبوي نفسه؛ لأن سب الغير يؤدي إليه.
٢- إن الشارع نهي عن خطبة المعتدة؛ لأنه قد يجر إلى ما هو أكبر منه، وهو الزواج في العدة.
٣- نهيه ﵊ عن بيع وسلف (١) ، مع أنه لو أفرد أحدهما عن الآخر يصح، لئلا يؤدي إلى الربا.
٤- نهى النبي ﷺ وأصحابه المقرض عن قبول هدية المقترض (٢) ، حتى يحسبها من دينه، لئلا يتخذ ذريعة إلى تأخير الدين لأجل الهدية، فيكون ربا.
٥- إن الشارع منع أن يكون للقاتل ميراث (٣) ، لكيلا يتخذ القتل سبيلا لتعجيل الميراث.
٦- اتفق الصحابة على قتل الجماعة بالواحد، مع ما فيه من عدم المساواة، وذلك كيلا يكون ذريعة إلى الإجرام، ولا عقاب عليه.
٧- إن الله منع رسول الله ﷺ ، لما كان بمكة، من الجهر بالقرآن، فيسبون القرآن ومن أنزله ومن جاء به.
قال ابن تيمية بعد هذه الشواهد: والكلام في سد الذرائع واسع لا يكاد ينضبط، ولم نذكر من شواهد هذا الأصل إلا ما هو متفق عليه أو منصوص عليه، أو مأثور عن الصدر الأول شائع عنهم، إذ الفروع المختلف فيها، منها ما يحتج لها بهذه الأصول، ولا يحتج بها.
والأدلة عدا هذه كثيرة، وأفاض ابن القيم في سردها، حتى إنه أورد تسعًا وتسعين وجهًا للدلالة على سد الذرائع والمنع منها (٤) .
стр. 15090
-تحرير محل النزاع في الذرائع:
اتفق العلماء على أنه لا يجوز التعاون على الإثم والعدوان مطلقًا، وأن ما يؤدي إلى إيذاء جماعة المسلمين ممنوع، كحفر الآبار في الطريق العامة، أو إلقاء السم في طعامهم.
واتفقوا على أنه لا يجوز سب الأصنام، حيث يكون سببا في سب الله، عملًا بمقتضى قوله تعالى: ﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [الأنعام: ١٠٨] .
واتفقوا على أن ما يكون طريقا للخير والشر، وفي فعله منفعة للناس، لا يكون محظورًا، كغرس العنب فإنه يؤدي إلى صنع الخمر، ولكن لم يكن غرسه لهذا الغرض بأصله، وإنما الانتفاع بغرسه أكبر من حصول الإضرار به، والعبرة للغالب (١) . ومثله أيضًا: المجاورة في البيوت خشية الزنى. وأما موضع الخلاف فهو في بيوع الآجال أو بيع العينة (٢) ، قال الشاطبي (٣) : قامت الأدلة على اعتبار الشرع سد الذرائع في الجملة، وهذا مجمع عليه، وإنما النزاع في ذرائع خاصة، وهي بيوع الآجال.
من أمثلة بيوع الآجال: أن يبيع البائع سلعة بعشرة دراهم إلى أجل، ثم يشتريها من المشتري بخمسة نقدًا. وهذه البيوع يقال: إنها تصل إلى ألف مسألة. ومن أشباهها في الحكم: كل مباح تذرع به إلى مفسدة كالنظر للضرورة إلى المرأة الأجنبية والتحدث معها من حيث إنه ذريعة للزنى.
стр. 15091
وموطن النزاع أو الخلاف ـ على الوجه الأدق في الذرائع ـ ليس في البيوع التي يظهر فيها القصد إلى الربا، فإن ذلك لا يجوز بحال، وإنما الخلاف هو في الحالة التي لم يظهر منها القصد إلى الممنوع.
فالمالكية والحنابلة: يبطلون هذه البيوع؛ لأن العقد نفسه يحمل الدليل على قصد الربا، إذ إن مآل هذا التعاقد هو بيع خمسة نقدًا بعشرة إلى أجل، والسلعة فيما بين ذلك لغو لا معنى له.
وأما أبو حنيفة: فهو وإن لم يقل بحكم الذرائع، إلا أنه يبطل هذه البيوع على أساس آخر، وهو أن الثمن إذا لم يستوف وتم قبض السلعة لم يتم البيع الأول، فيصير الثاني مبنيًا عليه، أي إنه ليس للبائع الأول أن يشتري شيئًا ممن لم يتملكه، فيكون البيع الثاني فاسدًا، ويؤول الأمر إلى بيع خمسة في عشرة لأجل، وهو ربا فضل ونساء معا، فيصبح العقد الثاني فاسدًا؛ لأن فيه معنى الربا. كما أن أبا حنيفة في غير العقار لا يجيز بيع الشيء قبل قبضه، فليس للمشتري أولا أن يبيع الشيء إلى البائع أو لا أو إلى غيره قبل قبض المبيع في حالة البيع قبل القبض.
وأما الشافعي: فيصحح هذه البيوع في الظاهر قضاء، لاكتمال الأركان والشروط، ويترك ناحية القصد الباطن (أي النية الخبيثة والباعث السيئ) إلى الإثم والعقاب الأخروي إلى الله الذي يحاسب العباد على السرائر والنيات الأئمة، بمعنى أن العقد حرام للنهي عنه، لكن النهي لا يبطل العقد في كل بيع يؤدي إلى مفسدة، وكذا كل تصرف يفضي إلى معصية، ما دام مستوفيًا أركانه وشروطه الصحيحة، فالعقدان صحيحان في الظاهر، حتى يقوم الدليل على قصد الربا المحرم (١) .
стр. 15092
والخلاصة: ينظر الشافعي إلى صورة البيع، ويحمل الأمر على ظاهره فيجوز ذلك، فكل ما لم يكن مشروطًا في العقد، فهو جائز عند الشافعية. ويؤيد هذا التحقيق لموضع الخلاف ما قاله القرطبي والقرافي المالكيان. قال القرطبي (١) . سد الذرائع ذهب إليه مالك وأصحابه، وخالفه أكثر الناس تأصيلًا، وعملوا عليه في أكثر فروعهم تفصيلًا.
ثم قرر موضع الخلاف فقال: اعلم أن ما يفضي إلى الوقوع في المحظور، إما أن يفضي إلى الوقوع قطعًا أولا، الأول: ليس من هذا الباب، بل من باب ما لا خلاص من الحرام إلا باجتنابه، ففعله حرام من باب: ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب. والذي لا يلزم (أي إفضاؤه إلى الوقوع في المحظور قطعاً) : إما أن يفضي إلى المحظور غالبًا أو ينفك عنه، أو يتساوى الأمران، وهو المسمى بالذرائع عندنا، فالأول: لا بد من مراعاته والثاني والثالث: اختلف الأصحاب فيه، فمنهم من يراعيه، وربما يسميه: التهمة البعيدة، والذرائع الضعيفة.
وقال القرافي (٢) : مالك لم ينفرد بذلك ـ أي بسد الذرائع ـ بل كل أحد يقول بها، ولا خصوصية للمالكية بها إلا من حيث زيادتهم فيها. وأضاف قائلًا: فإن من الذرائع ما هو معتبرة بالإجماع، كالمنع من حفر الآبار في طريق المسلمين، وإلقاء السم في طعامهم، وسب الأصنام عند من يعلم من حاله أنه يسب الله تعالى حينئذ.
ومنها: ما هو ملغي إجماعًا، كزراعة العنب، فإنها لا تمنع خشية الخمر، وإن كان وسيلة إلى المحرم.
ومنها: ما هو مختلف فيه، كبيوع الآجال، فنحن لا نغتفر الذريعة فيها، وخالفنا غيرنا في أصل القضية أنا قلنا بسد الذرائع أكثر من غيرنا، لا أنها خاصة بنا.
وقال: وبهذا تعلم بطلان استدلال أصحابنا على الشافعية وفي هذه المسألة بقوله تعالى: ﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [الأنعام: ١٠٨] وقوله: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ﴾ [البقرة: ٦٥] فقد ذمهم لكونهم تذرعوا للصيد يوم السبت المحرم عليهم بحبس الصيد يوم الجمعة. وقوله ﷺ : ((لا تقبل شهادة خصم وظنين)) (٣) . خشية الشهادة بالباطل، ومنع شهادة الآباء للأبناء (٤) .
ثم قال وإنما قلنا: إن هذه الأدلة لا تفيد في محل النزاع، لأنها تدل على اعتبار الشرع سد الذرائع في الجملة، وهذا أمر مجمع عليه، وإنما النزاع في ذريعة خاصة، وهو بيوع الآجال ونحوها، فينبغي أن يذكروا أدلة خاصة بمحل النزاع.
стр. 15093
-أدلة البيوع الربوية:
البيوع الربوية أو بيوع الآجال تسمى أيضًا بيوع العينة، وإن فرق بينها المالكية في الاصطلاح كما تقدم؛ لأنه يتوسط في التعامل بالربا عين (سلعة) كأن يبيع الشخص عينا، كأرز أو سكر بثمن مؤجل، ثم يبيعها المشتري لبائعها بثمن معجل أقل، فيكون الفرق ربا، وقد استدلوا على تحريم هذه البيوع بسد الذرائع للربا، وبحديث تكلم بعض العلماء في سنده، وهو ما روي عن النبي ﷺ أنه قال: ((إذا ضمن الناس بالدينار والدرهم وتبايعوا بالعينة، واتبعوا أذناب البقر ـ أي اشتغلوا بالزراعة ـ وتركوا الجهاد في سبيل الله، أنزل الله عليهم بلاء، فلا يرفعه، حتى يراجعوا دينهم)) (١) .
وأضاف المالكية دليلين آخرين وهما:
١- إن هذه البيوع، وإن كانت على صورة بيع جائز في الظاهر، إلا أنها لما كثر قصد الناس التوصل إلى ممنوع في الباطن، كبيع بسلف، وسلف بمنفعة، منعت قياسًا إلى الذرائع المجمع على منعها، بجامع أن الأغراض الفاسدة في كل، هي الباعثة على عقدها؛ لأنه المحصل لها.
٢- بحديث ذكره مالك في الموطأ، وهو (أن أم ولد زيد بن أرقم قالت لعائشة ﵂: يا أم المؤمنين إني بعت من زيد بن أرقم عبدًا بثمانمائة درهم إلى العطاء، واشتريته منه بستمائة نقدًا، فقالت عائشة ﵂: بئس ما شريت، وبئس ما اشتريت، أخبري زيد بن أرقم أنه أبطل جهاده مع رسول الله ﷺ إلا أن يتوب، قالت: أرأيتني إن أخذته برأس مالي؟ فقالت عائشة ﵂: فمن جاءه موعظة من ربه، فانتهى فله ما سلف، وأمره إلى الله) (٢) .
فهذه صورة النزاع (٣) ، قال القرافي: وهذا التغليظ العظيم لا تقوله ﵂ إلا عن توقيف، فتكون هذه الذرائع واجبة السد، وهو المقصود.
وقال ابن رشد في المقدمات الممهدات: وهذه المبايعة كانت بين أم ولد زيد بن أرقم ومولاها قبل العتق، فيخرج قول عائشة على تحريم الربا بين السيد وعبده مع القول بتحريم هذه الذرائع، ولعل زيدا لا يعتقد تحريم الربا بين السيد وعبده (٤) .
стр. 15094
-أدلة الشافعية:
أجاب الزركشي من الشافعية على أدلة المالكية بأن عائشة قالت ذلك باجتهاد، واجتهاد واحد من الصحابة لا يكون حجة على الآخر بالإجماع، ثم قولها معارض بفعل زيد بن أرقم، ثم إنها أنكرت البيع لفساد التعيين، فإن البيع الأول فاسد بجهالة الأجل؛ لأن وقت العطاء غير معلوم، والثاني بناء على الأول، فيكون فاسدًا (١) .
ثم انتقل الشافعية من منع أدلة المالكية في الجملة إلى إثبات مدعاهم، فقالوا: وإذا اختلف الصحابة كما ذكر، فمذهبنا القياس، واحتجوا بثلاثة أدلة:
١- قوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥] فهذا يقتضي إباحة البيع الصحيح ومشروعيته. وأجابهم القرافي (٢) . بأن هذا النص عام، وما استدل به المالكية من حديث عائشة خاص، والخاص مقدم على العام، على ما تقرر في علم الأصول.
٢- ثبت في السنة أن رسول الله ﷺ : ((أتى بتمر جنيب ـ نوع جيد من أنواع التمر ـ فقال: أتمر خيبر كله هكذا؟ فقالوا: إنا نبتاع الصاع بالصاعين من تمر الجمع، فقال ﵊: لا تفعلوا هذا، ولكن بيعوا تمر الجمع بالدراهم، واشتروا بالدراهم جنيبًا)) (٣) فهذا بيع صاع بصاعين، وإنما توسط بينهما عقد الدراهم، فأبيح.
وأجاب القرافي: بأن المالكية يمنعون أن يكون العقد الثاني من البائع الأول، وليس ذلك مذكور في الخبر، مع أن بيع العقد إذا تقابضا فيه ضعفت التهمة، وإنما المنع حيث تقوى التهمة.
٣- إن العقد المفضي للفساد لا يكون فاسدًا إذا صحت أركانه، كبيع السيف من قاطع الطريق، والعنب من الخمار، مع أن الفساد في قطع الطريق أعظم من سلف جر نفعًا، لما فيه من ذهاب النفوس.
وأجاب القرافي: بأن محل ذلك إذا لم تكن الأغراض الفاسدة هي الباعثة على العقد، وإلا منع كما في عقود صور النزاع، وهناك فرق بين هذه البيوع وبيع السيف من قاطع الطريق ونحوه، فإن البيع للقاطع ليس محصلًا لقطع الطريق وعمل الخمر، إذ الفساد ليس مقصودًا مع البيع بالذات، حتى يكون باعثًا على عقده كصورة النزاع.
стр. 15095
الترجيح:
إن الموضوع المختلف فيه، وهو المباح الذي يتذرع به إلى المفسدة، أرى أنه ينبغي فيه سد الباب أمام المحتالين والمفسدين الذين يحاولون التحلل من قيود الشريعة وأحكامها، فإن الشريعة جاءت لتحصيل المصالح ودرء المفاسد، وهي إنما تنظر في الحقيقة إلى غايات الأشياء ومآلاتها، فإن كانت هذه الغايات مفاسد وأضرار منعت من أسبابها وسدت الوسائل والطرق التي يتذرع بها إليها ولو كانت هذه الوسائل في نفسها جائزة.
وبهذا يكون مذهب المالكية والحنابلة، ويقاربهم الحنفية في هذه المسألة أسد وأحكم، والعمل به أوجب وألزم.
وفيما عدا البيوع الربوية يتفق العلماء على الأخذ بأصل الذارئع، وإن لم يسمه بعضهم بهذا الاسم، ولكن على اختلاف في المقدار وتباين في طريقة الوصول إلى الحكم، فأكثرهم أخذ بها الإمامان: مالك وأحمد، ويليهم الإمام أبو حنيفة، وأقلهم أخذًا بها الإمام الشافعي ﵃، وهو يتفق مع ما نقل عن الشافعي من تحريم الحيل. ولكن أبا حنيفة والشافعي لم يعتبراه أصلًا قائمًا بذاته، بل كان داخلًا في الأصول المقررة عندهما كالقياس، والاستحسان الخفي الذي لا يبتعد عما يقرره الشافعي إلا في العرف القائم بين الناس.
стр. 15096
والخلاصة ـ الذرائع ثلاثة أقسام:
أحدها: ما يقطع بتوصله إلى الحرام، فهو حرام بالاتفاق بين العلماء.
والثاني: ما يقطع بأنها لا توصل، ولكن اختلطت بما يوصل، فكان من الاحتياط سد الباب وإلحاق الصورة النادرة التي قطع بأنها لا توصل إلى الحرام بالغالب منها الموصل إليه.
والثالث: ما يحتمل ويحتمل، وفيه مراتب متفاوتة، ويختلف الترجيح عند المالكية بسبب تفاوتها.
ويخالف الشافعية في القسمين الثاني والثالث فلا يأخذان بسد الذرائع فيها، ويقولون بسد الذرائع في القسم الأول لانضباطه وقيام الدليل (١) .
لكن يلاحظ أن الأخذ بالذرائع لا تصح المبالغة فيه، فإن المغرق فيه قد يمتنع عن أمر مباح أو مندوب أو واجب، خشية الوقوع في ظلم، كامتناع بعض العادلين عن تولي أموال اليتامى أو أموال الأوقاف، خشية التهمة من الناس، أو خشية على أنفسهم من أن يقعوا في ظلم، ولأنه لوحظ أن بعض الناس قد يمتنع عن أمور كثيرة خشية الوقوع في الحرام (٢) .
стр. 15097
٦- هل الأخذ بالذرائع مما اختص به المذهب المالكي أو أن الأخذ بها ثابت في كل المذاهب وإن لم تصرح به؟ شواهد من فقه الأئمة الأربعة على العمل بسد الذرائع.
إن سد الذرائع معمول به في الاجتهاد في فقه الصحابة والتابعين، وفي المذاهب الاجتهادية الأربعة على تفاوت في مدى الأخذ به، أو درجة الأخذ، فمن عمل الصحابة بسد الذرائع: منع نكاح الكتابيات، وتضمين صاحب الدابة عما تتلفه، وتضمين الصناع، وإمضاء الطلاق الثلاث بلفظ واحد ثلاثا، وتحريم المرأة أبدًا على متزوجها في العدة، وقتل الجماعة بالواحد، وتوريث المبتوتة في مرض الموت من زوجها، لو مات في مرضه الذي طلق فيه (١) .
واستمر هذا العمل في عصر التابعين، مثل القول بمجانبة أهل الهوى والفساد، وترك بعض الأفعال المباحة حتى لا تتخذ سنة، مثل خلع الخليفة نفسه بطلب المعارضة، وترك تطويل الصلاة سدا لزريعة الوسواس وكراهية بعض التابعين صوم ست من شوال، حتى لا يلحق برمضان ما ليس منه، وترك الترفه في المطعم والشرب والمركب والمسكن (٢) .
وصرح المالكية كالقرطبي والقرافي وابن رشد الجد كما تقدم بأنهم لم ينفردوا في الأخذ بالذرائع، وشاركهم أئمة المذاهب الأخرى بها، ولا خصوصية للمالكية بها إلا من حيث زيادتهم فيها، فهناك ذرائع مجمع على حكمها، كسب آلهة المشركين، وحفر الآبار في طريق المسلمين، وإلقاء السم في أطعمتهم وأشربتهم، وهناك ذرائع مهمل حكمها كزراعة العنب خشية الخمر، وإباحة التجاور في البيوت، ولو احتمل وقوع الزنا، وإباحة النظر إلى المخطوبة، والتعريض بالخطبة أثناء عدة الوفاء، ونحو ذلك مما يندر إفضاؤه إلى المفسدة، أو استثني من أصل المنع بالنص، لما فيه من المصلحة الراجحة على المفسدة المحتملة، وهناك ذرائع مختلف فيها كبيوع الآجال، منهم من ألحقها بالذرائع الممنوعة، لأنها ذريعة يتحيل بها آكل الربا إلى بيع درهم نقدًا بدرهمين إلى أجل، ومنهم من ألحقها بالذرائع المهملة، لأنها عبارة عن عقدين صحيحين، كلاهما مقصود شرعًا، ولا فرق في القصد بين حصول ذلك مع عاقد واحد أو عاقدين؛ لأن النبي ﷺ في إباحة بيع تمر الجمع بالدراهم، ثم الشراء بها تمرا جيدًا، لم يفصل.
لكن اتفاق المذاهب الأربعة على الأخذ بسد الذرائع ليس بدرجة واحدة في مجال التطبيقات الفعلية، فالمالكية في أعلى درجة، والشافعية عكسهم، والحنابلة أقرب للمالكية، والحنفية أقرب للشافعية، وهناك شواهد من فقه أئمة المذاهب الأربعة على العمل بسد الذرائع.
стр. 15098
-شواهد المالكية في الأخذ بالذرائع:
من أبرز أمثلة القول بسد الذرائع عند المالكية، بيوع الآجال وبيوع السلم التي تؤدي إلى ممنوع (١) .
أما بيوع الآجال: فهي بيوع ظاهرها الجواز، لكنها تؤدي إلى ممنوع، وهو أكل الربا، وصورتها الأساسية التي تتفرع عنها صورة أخرى، قيل: إنها تصل إلى ألف مسألة: هي أن يبيع شخص لآخر شيئًا لأجل، ثم يشتريه منه إلى أجل آخر، أو نقدًا. والصور المتفرعة عنها هي أصول الربا، مثل أنظرني أزدك، وبيع ما لا يجوز متفاضلًا، وبيع ما لا يجوز نساء، وبيع وسلف، وذهب وعرض بذهب، وضع وتعجل، وبيع الطعام قبل أن يستوفي، وبيع وصرف.
مثال: " أنظرني أزدك " أن يشتري ثوبًا بعشرة إلى شهر، ولما حل الأجل، ولم يكن عند المشتري ما يوفي البائع، طالب ببيع سلعة أخرى ثمنها عشرة نقدًا بخمسة عشرة مؤجلة.
ومثال: " بيع ما لا يجوز متفاضلًا ": شراء ما باعه بعشرة دنانير إلى أجل بثمانية نقدًا، وهذا كربا الجاهلية.
ومثال: (بيع ما لا يجوز نساء بيع ذهب إلى أجل، ثم شراؤه بفضة، وهذا ممنوع لأنه يؤدي إلى بيع الذهب بالفضة إلى أجل) .
ومثال: " بيع وسلف " بيع سلعتين بدينارين لشهر، ثم شراء إحداهما بدينار نقدًا، ومنعه؛ لأنه يؤول إلى أنه دفع دينارًا وسلعة نقدًا ليأخذ عنها بعد شهر دينارين.
ومثال: " بيع ذهب وعرض بذهب ": بيع ثوب بعشرة دنانير إلى أجل، ثم شراؤه مع سلعة أخرى كشاة مثلًا بمثل الثمن الأول أو أقل نقدًا أو لدون الأجل، ومنعه؛ لأن العقد الثاني أعاد للبائع الأول سلعته، ودفع عنها للمشتري عشرة دنانير، يأخذ عنها من المشتري الأول عند حلول الأجل عشرة وشاة.
ومثال: " ضع وتعجل" بيع سلعة بعشرة دنانير إلى أجل كشهر، ثم شراؤها في الحال باثني عشر، يدفع له منها دينارين، وتجري المقاصة في الباقي، فكأنه قال له: أعطني من ثمن السلعة ثمانية وأسامحك بالباقي.
ومثال: " بيع الطعام قبل استيفائه ": الإقالة من الطعام (قمح أو شعير) المسلم فيه، بزيادة أو نقصان، قبل حلول الأجل ومنعه؛ لأن ذلك بيع جديد، فيكون المسلم (رب السلم) قد باع الطعام قبل قبضه.
ومثال: " بيع وصرف ": بيع ثوب بعشرة دراهم محمدية إلى شهر، ثم شراؤه بثوب نقدًا وبخمسة دراهم يزيدية، فكأن صورة البيع على أن يبدل له، إذا حل الأجل، خمسة يزيدية بخمسة محمدية.
стр. 15099
وأما عقود السلم التي تؤدي إلى ممنوع: وهو ربا الفضل والنساء، فتكون في حل كون رأس مال السلم (الثمن) والمسلم فيه طعامين متماثلين كقمح في قمح، أو مختلفين كقمح في فول، أو نقدين كذهب بذهب أو بفضة أو بالعكس، أو شيء في أكثر منه، كثوب في ثوبين أو عكسه، أو شيء في أجود منه، كثوب رديئ في جيد وعكسه، كل ذلك حذرًا من الوقوع في الممنوع، وهو سلف بزيادة، أو ضمان بجعل، فإذا كان السلم بطعامين أو نقدين، أدى إلى ربا الفضل والنساء عند تحقق الزيادة بين عوضي السلم، وإلى ربا النساء عند تماثلهما، وكذا يتحقق السلف بزيادة الشيء في غير الطعامين والنقدين إذا أسلم في أكثر منه أو أجود. ومن أسلم شيئًا في أقل أو أردأ منه، يقع في ضمان بجعل، كمن أسلم ثوبين في ثوب، فكأنه يعطي المسلم إليه ثوبين، ليكون أحدهما في ضمانه، ويكون الآخر في نظير هذا الضمان.
ومن المثلة الأخرى عند المالكية لسد الذرائع (١) : كراهية صوم ست من شوال عقب رمضان، وترك قراءة السجدة فجر يوم الجمعة، وترك قراءة السجدة في الفريضة ولو كان المصلي منفردًا، والدعاء بهئية الاجتماع في أدبار الصلوات، والتفريق بين رجل وامرأة تزوجها في عدتها ودخل بها وتحريمها عليه أبدًا، وتوريث المبتوتة في مرض الموت.
стр. 15100
-شواهد الحنابلة في سد الذرائع:
الحنابلة كالمالكية في القول بسد الذرائع، ولكنهم في التطبيقات أقل منهم، من الأمثلة عندهم (١) اتفاقهم مع المالكية في المنع من بيوع الآجال وهي كما تقدم: أن يبيع السلعة بنسيئة ثم يشتريها نقدًا، ومنع بيع العينة كأن يبيع سلعة بنقد، ثم يشتريها بأكثر منه نسيئة إلا أن يغير السلعة؛ لأن ذلك يتخذ وسيلة إلى السلف بزيادة. ومن ذلك: لو أقرضه شيئًا، وباعه سلعة بأكثر من قيمتها، أو اشترى منه سلعة بأقل من قيمتها، توصلًا إلى أخذ عوض عن القرض، فكل ما كان من هذا على وجه الحيلة فهو خبيث محرم، ومنع بيع العنب لمن يعصره خمرا، وبيع السلاح لأهل الحرب أو لقطاع الطرق أو في الفتنة وكراهية الشراء ممن يرخص في سلعته ليمنع الناس من الشراء من جاره، ونحو ذلك مما هو ذريعة الإثم.
وتحريم الحيل لمناقضتها سد الذرائع، كشراء ثمرة قبل بدو صلاحها، واشتراط قطعها في الحال، ثم تركها حتى يبدو صلاحها، في رواية عن الإمام أحمد، وكبيع رطلي تمر بدرهم، ثم شراء رطل تمر جيد بذلك الدرهم، في حال التواطؤ على ذلك والحيلة.
وسد ذرائع الابتداع في الدين فيما هو مشروع في أصله، لكنه يؤدي مع الجهل وطول الزمن إلى تغيير المشروعات وقلب الأحكام.
وإيقاع طلاق الثلاثة بلفظ واحد ثلاثًا، فإنه ذريعة إلى نكاح التحليل، فيكون المختار في رأي ابن تيمية وابن القيم إيقاعه طلقة واحدة.
وعدم قبول توبة الزنديق المشهود بالزندقة، إذا ارتد، استثناء من حكم استتابة المرتد.
ومنع الوكيل بالبيع من شراء الشيء لنفسه، سد للذريعة، وفي رواية عن أحمد. وضمان من منع الطعام أو الشراب عن غيره، مع غناء عنه، فتجب عليه الدية في ماله، وإجارة الأرض بطعام معلوم، من جنس ما يزرع فيها في رواية عن أحمد؛ لأنه يجعل ذريعة إلى المزارعة عليها، بشيء معلوم من الخارج منها.
стр. 15101
-شواهد الحنفية في سد الذرائع:
يأخذ الحنفية (١) بمبدأ سد الذرائع من خلال الاستحسان المصلحي، فهو وجه من وجوه العمل بالمصلحة، أو من طريق اجتهادات أخرى، كقولهم بمنع بيوع الآجال مثل المالكية والحنابلة، كأن يشتري شخص سلعة بألف حالة أو نسيئة، ثم يقبضها، فلا يجوز له أن يبيعها من البائع بخمسمائة، قبل أن ينقد الثمن الأول كله أو بعضه، لما فيه من شبهة الربا، والشبهة ملحقة بالحقيقة في باب المحرمات احتياطًا.
ومن الأمثلة عندهم: استحباب صوم المفتي يوم الشك سرًا، حتى لا يتهم بالعصيان، مع إفتائه العام بالانتظار بدون طعام وشراب إلى وقت الزوال، ثم يأمرهم عند الزوال بالإفطار، منعا من اعتقاد الزيادة.
وتحريم مقدمات الوقاع (الوطء) على المعتكف كاللمس والقبلة، دون الصائم الذي يأمن على نفسه؛ لأن الوطء محرم على الأول بالنص قصدًا في قوله تعالى: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ [البقرة: ١٨٧] ، وعلى الثاني ضمنا، من الأمر بالإمساك عن المفطرات فالتحقت المقدمات بالتحريم في الأول، ولم تلتحق في الثاني. ونصوا (أي الحنفية) على أن الوسيلة إلى الشيء حكمها حكم ذلك الشيء (٢) . ومنع الفتيات الشابات من الخروج إلى الجماعات؛ لأن خروجهن إلى الجماعة سبب الفتنة، والفتنة حرام، وما أدى إلى الحرام، فهو حرام (٣) .
ومنع الاستمتاع بالحائض بما يقرب الفرج؛ لأنه سبب للوقوع في الحرام، وحرم ابن عابدين إحداث الغرف والخلوات في المساجد، ولو كان الأصل في إحداثها معاونة طلاب العلم الفقراء على الدرس والتحصيل؛ لأن أكثر المنتفعين بها اليوم معرضون عن طلب العلم، لاهون بالطبخ والأكل والشرب والغسيل وغير ذلك، مما يؤدي إلى تقذير المسجد (٤) .
وكره الحنفية اتباع رمضان بست من شوال، من غير فصل بإفطار يوم العيد؛ خوفًا أن يلحق بالفريضة، وقدم الحنفية ديون الصحة على ديون مرض الموت، وديون المرض المعلومة الأسباب كبدل مال ملكه أو استهلكه أو مهر امرأة تزوجها، على الديون المقر بها من غير علم بأسبابها، منعا من تهمة الإقرار ولأن حق غرماء الصحة تعلق بمال المدين (٥) .
стр. 15102
-شواهد الشافعية في سد الذرائع:
أخذ الشافعية بمبدأ سد الذرائع كما تقدم إذا كان منصوصًا عليها في القرآن أو السنة، كما أخذوا بالمبدأ وهو الذريعة إذا تحقق أداؤها للمفسدة، فما يقطع بتوصله إلى الحرام فهو حرام، وفرقوا في هذا بين سد الذرائع وتحريم الوسائل المستلزمة للمتوسل إليه، أي المفضية إليه بصورة قطعية، وهم أشبه بالحنفية الذين ينكرون اعتبار سد الذرائع أصلًا من أصول التشريع لكنهم من جانب آخر يتفقون مع بقية الأئمة في بعض تطبيقات المبدأ، ويصرحون في تعليل الأحكام به، عملًا بأصول اجتهادية أخرى، مثل قاعدة: " ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب " ومثل الأخذ بمبدأ الضرورة أو الحاجة في استثناء بعض الأحكام من تطبيق قاعدة الحكم العام، ويظهر من الأمثلة التالية أخذهم بالذرائع لكن دون غيرهم في الكثرة والقلة (١) .
من ذلك استحباب أداء المعذورين في ترك الجمعة كالمرضى والمسافرين صلاة الظهر، في حال السر أو الخفاء، سدا لذريعة التهمة في تركهم صلاة الجمعة، ومثل قول الإمام الشافعي بأنه لا ضمان على الأجير المشترك كالقصار والملاح ولكنه لا يفتي به لفساد الناس، وكذلك قوله بقضاء القاضي بعلمه الشخصي في الحوادث.
وقول الشافعية بمنع المفطر بعذر من الأكل، عند من لا يعرف عذره، سدًا لذريعة التهمة بالفسوق والمعصية (٢) .
وقولهم بعدم لزوم إقرار المحجور عليه بدين لزمه قبل الحجر، في حق الغرماء؛ لأنه قد يتخذ إقراره ذريعة إلى التصرف بأمواله بتواطؤ وحيلة (٣) .
وقولهم بمنع الوكيل بالبيع من بيع السلعة لنفسه، حتى لا يتهم بنقص الثمن (٤) . وقولهم المشهور بحرمان القاتل من الميراث، بمختلف أنواع القتل، سواء كان القاتل متهمًا بتعجيل الإرث أو غير متهم حسما للباب، وسدًا للذريعة (٥) . وإجازتهم قتل من يتترس به الكفار من أطفال ونساء وأسرى مسلمين، حتى لا يتخذ التترس ذريعة إلى ترك الجهاد أو استيلاء الكفار على ديار المسلمين (٦) . وكراهيتهم كل ما يكون ذريعة إلى الإثم، من باب التعاون عليه، كبيع العنب لمن يعصره خمرًا، والتمر ممن يعمل النبيذ وبيع السلاح ممن يعصى الله تعالى به؛ لأنه لا يأمن أن يكون معونة على المعصية.
وإبطالهم شراء الحربي سلاحًا كدرع وترس في الماضي؛ لأنه يستعين به على قتالنا (٧) .
стр. 15103
٧- أثر القول بسد الذرائع، اعتبارها وعدم اعتبارها في الفروع الفقهية:
تبين من شواهد سد الذرائع عند العلماء أن الحكم قد يتغير ويختلف فيما بينهم، فيكون حرامًا أو مكروهًا عند جماعة خلافًا لغيرهم، وقد يوصف العقد بالبطلان أو الفساد كبيوع الآجال عند جماعة وهم الجمهور والصحة عند آخرين وهم الشافعية، وقد يكون العقد مع صحته مكروهًا كما ذكر الشافعية في طائفة من العقود كبيع العنب لعاصره خمرًا، وبيع الحربي أو الذمي في دار الحرب حديدًا ونحوه مما يتأتى أو يصنع منه السلاح إذا كان يغلب على الظن أنه يعمله سلاحًا واكتفوا بالقول بالكراهة؛ لأنه لا يتعين جعل الحديد عدة حرب.
والخلاف في بيوع الآجال وهي محل النزاع الشهير في اعتبار الذرائع وعدم اعتبارها محصور في دائرة ضيقة، وذلك فيما إذا لم تنكشف نية المتعاقد، ولم يدل على قصد الربا فيها دليل من تكرار أو غيره.
قال القرافي (١) : من باع سلعة بعشرة دراهم إلى شهر، ثم اشتراها بخمسة، وأخذ عشرة إلى آخر الشهر، فهذه وسيلة السلف: خمسة بعشرة إلى أجل، بإظهار صورة البيع لذلك، والشافعي ينظر إلى صورة البيع، ويحمل الأمر على ظاهره، فيجوز ذلك. وهذه البيوع يقال: إنها تصل إلى ألف مسألة اختص بها مالك (ومعه أحمد) وخالفه الشافعي، ويجيز الحنفية بيع الأجل إن توسط شخص ثالث، وإلا فسد العقد، ومنشأ الخلاف يرجع إلى مسألة مهمة في الشريعة الإسلامية، وهي مسألة " النية واللفظ في العقود ". وفي هذه المسألة اتجه الفقه الإسلامي اتجاهين (٢) .
стр. 15104
-الأول ـ مذهب الشافعي، وقريب منه مذهب أبي حنيفة:
الاعتداد بالألفاظ في العقود دون النيات والقصود إذ إن نية السبب والغرض غير المباح شرعًا مستترة، فيترك أمرها لله وحده، يعاقب صاحبها عليها، ما دام أتم بنيته، ومن هنا قرروا أن (المعتبر في أوامر الله المعنى والمعتبر في أمور العباد الاسم واللفظ) أي فيما إذا لم يكن في العقد ما يدل على النية والقصد صراحة، فإن ظهر القصد في العقد صراحة أو ضمنًا بقرائن، فيعمل بقاعدة: (العبرة بالمعاني لا بالألفاظ والمباني) (١) . وهكذا فكل عقد عند الشافعي تؤخذ أحكامه من صيغته ومما لابسه واقترن به، ففساده يكون من صيغته، وصحته تكون منها، ولا يفسد لأمور خارجة عنه، ولو كانت نيات ومقاصد لها أمارات، أو ولو كانت مآلات مؤكدة ونهايات ثابتة، فهم يصححون بيوع الآجال لنظراتهم الظاهرية.
ومعنى هذا الاتجاه أن الشافعية لا يأخذون بنظرية الباعث في العقود، وإنما يعتمدون على ظواهر الصيغة أو ألفاظ التعاقد، كما أنهم لا يحكمون على التصرف بالصحة أو بالبطلان بحسب الغاية أو المآل، ويقولون: إن الشريعة تبنى على الظاهر، وسد الذرائع من مظاهر الاجتهاد بالرأي، وهم لا يصرحون بالأخذ منها إلا بالقياس، لكنهم في الواقع يرون أن سد الذرائع معتبر عندهم كالاستحسان، ضمن المصادر الأصلية الأخرى.
стр. 15105
ويستند عندهم إلى أصول معتبرة وهي عشرة (١) .
الأول: أصل جلب المصالح ودرء المفاسد.
الثاني: اعتبار المآل مع قرينة.
الثالث: ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.
الرابع: لا يجيزون التذرع بأمر ظاهر الجواز لغرض غير مشروع.
الخامس: اعتبار الشبهات والاحتياط.
السادس: اعتبار التهم.
السابع: قاعدة (من استعجل شيئًا قبل أوانه عوقب بحرمانه) .
الثامن: إذا اجتمع الحلال والحرام غلب الحرام الحلال.
التاسع: ما حرم استعماله حرم اتخاذه، وما حرم أخذه حرم إعطاؤه.
العاشر: اعتبار الأهم ورعاية جانبه.
-الاتجاه الثاني: مذهب ابن حنبل
الذي يتشدد بحق في رعاية النية والقصد، ودون اللفظ ويتلخص مذهبه بما يفهم من كلام ابن القيم بما يلي (٢) .
أولًا: إن اتفقت نية العقد مع ما تدل عليه عبارته، انعقد العقد، وترتب عليه أثره الشرعي كالبيع العادي الذي لا يقصد به الربا أو التحايل على الربا.
ثانيًا: إن قصد غير ما تدل عليه عبارته، ولكن لم يدل شيء على نيته، كان مؤاخذًا بنيته ديانة، أي أمام الله، إلا أنه يلزم قضاء حكم العقد، كما يؤخذ من عبارته، كمن يعقد عقد زواج بلفظ: نكحت أو تزوجت، لا يقصد عشرة زوجية دائمة، بل يقصد تحليلها لمطلقها الثلاث، أو يستعمل فعل: بعت واشتريت بقصد الربا، ونحو ذلك.
ثالثًا: إن كشفت قرينة على هذه النية، وكانت لا تنافي الشريعة، صح العقد وإلا كان فاسدًا لا أثر له.
стр. 15106
والاتجاه الأول: وهو النظر إلى الأحكام الظاهرة، وإلى الأفعال عند حدوثها، دون النظر إلى غاياتها ومآلاتها، أخذ به الإمام الشافعي في الذرائع، بل إنه عمم تلك النظرة الظاهرية المادية على كل نواحي الشريعة وطبق قاعدته على العقود والتصرفات (١) .
وخالفه في تلك النظرية الإمامان مالك وأحمد في الحكم بالذرائع، فإنهما نظرًا إلى المآلات والغايات نظرة مجردة، ونظرا إلى البواعث أيضًا، فمن عقد عقدًا قصد به أمرًا محرمًا، واتخذ العقد ذريعة له، فإن المآل والباعث يحرمان العقد، فيأثم عند الله، ويكون العقد باطلًا؛ لأنه ربا، فيبطل سدا للذريعة.
ولا أجد بدا في تقديري من اختيار مذهب مالك وأحمد ﵄؛ لأنه متمش مع قاعدة: " الأمور بمقاصدها " وحديث ((إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى)) فبين النبي ﷺ في الجملة الأولى أن العمل لا يقع إلا بالنية، وبين في الجملة الثانية أن العامل ليس له من عمله إلا ما نواه، وهذا يعم العبادات والمعاملات والأيمان والنذور وسائر العقود والأفعال (٢) .
وهذا دليل على أن من نوى بالبيع عقد الربا، حصل له الربا، ولا يعصمه من حرمة الربا صورة البيع.
ثم إن هذا المسلك أنزه في الدين، وأقرب إلى مقاصد الشريعة العامة التي جاءت لإصلاح الناس، على أسس صالحة من الخير والسداد، في النظم الاجتماعية والاقتصادية والسياسية.
واعتبار الذرائع عند هؤلاء يكون بأمرين:
الأول: قصد المكلف إلى التخلص من أمر شرعي، كمن يتحايل للتخلص من فريضة الزكاة، بأن يهبها مثلًا للفقير ليردها إليه، أو يبيعها مع شيء ثم يشتريها من الفقير، فإن هذا يحرم؛ لأنه ذريعة مؤكدة لهدم ما أمر الله به.
الثاني: إن الغالب الكثير أن يكون أمر من الأمور في وقت من الأوقات يؤدي إلى ما حرم الله تعالى، فإنه يكون حرامًا في ذلك الوقت وحده، دون سواه، كبيع السلاح في أيام الفتن.
стр. 15107
٨- أمثلة لفتح الذرائع وسدها:
فتح الذرائع كما عرفنا: معناه الأخذ بالذرائع (أو الوسائل) إذا كانت النتيجة مصلحة؛ لأن المصلحة مطلوبة، وسد الذرائع بالمعنى الخاص: هو الوسيلة الجائزة المؤدية إلى ممنوع، وقد تقدم التمثيل لكل منهما، وأضيف هنا أمثلة أخرى يجمعها أن فتح الذرائع: طلب وسائل الخير، وسد الذرائع: تحريم وسائل الشر، وكلاهما معتبر في الشريعة (١) ، فمن أمثلة فتح الذرائع التي تدور حول إيجاب الله تعالى أمورًا لا لذاتها، بل لكونها وسائل أو ذرائع لأمور أخرى ثبت طلبة لها (٢) .
السعي لأداء صلاة الجمعة والجماعة، وترك البيع عند النداء لصلاة الجمعة في آية ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [الجمعة: ٩] .
ومثله السفر إلى مكة لأداء مناسك الحج.
النفير للجهاد وملاقاة الأعداء في آية ﴿مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَلَا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لَا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلَا نَصَبٌ وَلَا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ إِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [التوبة: ١٢٠] وكذا إنفاق المال وإعداد السلاح في الآية التالية لها.
الإفاضة من عرفات لذكر الله عند المشعر الحرام في آية ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ (١٩٨) ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٩٩) ﴾ [البقرة: ١٩٨ ـ ١٩٩] .
النظر في ملكوت السماء والأرض وما فيهما من أحوال الكواكب والجماد والنبات والحيوان لتمكن الإيمان في القلب في الآية ﴿قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الْآَيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [يونس: ١٠١] وغيرها من الآيات الكثيرة.
إفشاء السلام وإطعام الطعام، وحسن الظن بالناس، والتعاون على البر والتقوى، والبعد عن الضغينة والغل والحقد والحسد والغيبة والنميمة وغير ذلك مما جاء في القرآن والسنة لغرس المحبة بين الناس.
أورد ابن القيم تسعة وتسعين دليلًا على أن للوسائل حكم المقاصد، وعلى المنع من فعل ما يؤدي إلى الحرام، ولو كان جائزًا في نفسه (١) . مثل النهي عن سب آلهة المشركين أمامهم، مع كون السب غيظًا وحمية لله وإهانة لآلهتهم، لكونه ذريعة إلى سبهم الله تعالى، والنهي عن الضرب بالأرجل ذات الخلاخيل، لكونه وسيلة لإثارة دواعي الشهوة من الرجال للنساء، والأمر باستئذان المماليك والصغار ثلاث مرات، لئلا يكون دخولهم بغير استئذان ذريعة إلى اطلاعهم على عورات الآباء والسادة وقت القيلولة والنهي عن كلمة (راعنا) مع قصدهم بها الخير، لئلا يكون ذريعة إلى التشبه باليهود في أقوالهم وخطابهم، والنهي عن البيع وقت نداء الجمعة لئلا يتخذ ذريعة إلى التشاغل بالتجارة عن حضورها، وتحريم الخمر لما فيها من المفاسد الكثيرة المترتبة على زوال العقل، والنهي عن بناء المساجد على القبور، لئلا يكون ذلك ذريعة إلى اتخاذها أوثانًا والإشراك بها، ونحو ذلك.
منعت السنة النبوية ذرائع مباحة الأصل لما يترتب عليها من محظور مثل: المسافر لا يطرق أهله ليلًا، لا يأكل المضحي من أضحيته فوق ثلاث، النهي عن الجلوس في الطرقات، منع النظر لمن هو فوق الإنسان أو أفضل منه في الدنيا، في مال أو ملبس أو مسكن، النهي عن مدح الإنسان في وجهه، كراهة النوم قبل العشاء والسهر بعدها، الإشارة بالسلاح لغيره، حمل السلاح في الحرم من غير ضرورة، كراهة الاحتباء يوم الجمعة أثناء الخطبة لأنه جالب للنوم، إدامة النظر إلى المجذومين، التخلي في قارعة الطريق وفي الظل والموارد، البول في الجحر، نهى المحرم عن الطيب، السفر بالقرآن إلى أرض العدو (٢) .
стр. 15111
خلاصة البحث
الأخذ بمبدأ الذرائع فتحا وسدًا أصل من أصول التشريع الكبرى، وسياسة منهجية حكيمة في التخطيط لتحقيق مقاصد الشريعة العامة، وتربية الأمة والجماعة والأفراد، وإرساء معالم السيرة نحو تحقيق الغايات الكبرى للأمة الإسلامية، فلا يعقل أن يقرر التشريع حكمًا لغاية معينة، ثم يبيح الوسائل أو الذرائع المانعة من إنفاذ الحكم، ولا يقبل بحال تحقيق المصالح ودرء المفاسد بغير الأخذ بسياسة الذرائع فتحًا وسدًا، القائمة على طلب الخير ومنع الشر.
وفتح الذرائع: معناه الأخذ بالذرائع إذا كانت النتيجة مصلحة؛ لأن المصلحة مطلوبة شرعًا، وسد الذرائع بالمعنى الخاص معناه منع الوسائل الجائزة المؤدية إلى ممنوع، وكلاهما مطلوب، وتكون وسيلة الواجب واجبة ووسيلة المحرم محرمة، وهذا متفق مع القاعدة الشرعية: (ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب) فالفاحشة حرام والنظر إلى عورة الأجنبية حرام، لأنها تؤدي إلى الفاحشة والجمعة فرض فالسعي لها فرض، وترك البيع لأجل السعي فرض أيضًا، والحج فرض، والسعي إلى البيت الحرام وسائل مناسك الحج فرض لأجله، لأن الشارع إذا كلف العباد أمرًا، فكل ما يتعين وسيلة له مطلوب بطلبه، وإذا نهي الناس عن أمر، فكل ما يؤدي إلى الوقوع فيه حرام أيضًا.
وقد ثبت هذا باستقراء التكاليف الشرعية طلبًا ومنعًا، فقد وجدنا الشارع ينهي عن الشيء، وينهي عن كل ما يوصل إليه، ويأمر بالشيء، ويأمر بكل ما يوصل إليه، فقد أمر بالمحبة بين الناس، ونهى عن التباغض والفرقة، ونهى عن كل ما يؤدي إليها، فنهى أن يخطب الرجل على خطبة أخيه، وأن يستام على سوم أخيه، أو يبتاع على بيعه، وما ذاك إلا لأنه ذريعة إلى التباغض المنهي عنه ونحوه.
стр. 15112
والذريعة كما يجب سدها يجب فتحها، وتكره، وتندب، وتباح، ويترتب على الأخذ بمبدأ أو أصل سد الذرائع حسم وسائل الفساد، أي قطعها نهائيًا، ومنع الجائز المؤدي إلى المحظور؛ لأن الشرع نهى عن المفاسد ذاتها، ونهى أيضًا عن كل أمر يتضمن منفعة، لكنه يفضي إلى المفسدة، ولو من غير إرادة المكلف، كشرب الخمر المؤدي إلى السكر، فإنه أمر منهي عنه لذاته، فيحرم القليل منها والكثير؛ لأن القليل شرعًا وطبًا ذريعة إلى الكثير، فما الإدمان وتعلق الإنسان بالمسكر إلا بسبب تناول الشراب بين الفينة والأخرى، ولو من غير إرادة من الشارب، بسبب تلوث الدم بالكحول.
وهناك فرق بين الذريعة والسبب؛ لأن السبب يترتب عليه مسببه حتمًا، أما الذريعة فركنها الإفضاء للنتيجة، ولا تستلزم وجود المتوسل إليه، فإما أن يتم الإفضاء فعلًا، كعصر الخمر من العنب المبيع للخمار، وإما أن يقدر وجود الإفضاء تقديرًا، من غير أن يفضي بالفعل، ويحدد ذلك عنصر القصد، أو كثرة اتخاذ الوسيلة جسرًا موصلًا للحرام، أو كون الوسيلة قابلة من نفسها لاتخاذها وسيلة للإفضاء بها إلى المتوسل إليه، كسب آلهة المشركين بين ظهرانيهم، فإنه ذريعة لسب الإله الحق أو القرآن أو النبي ﷺ .
ولا فرق عند المالكية بين سد الذرائع وتحريم الوسائل، فهما في المعنى سواء، وفرق بينهما بعض الشافعية قائلين بتحريم الوسائل التي تستلزم المتوسل إليه، وهي المعتبرة بالإجماع، كحفر الآبار في طريق المسلمين وإلقاء السم في طعامهم، ولكنهم لا يقولون بسد الذرائع.
ورتب العلماء على أصل سد الذرائع منع الحيل في الشريعة، فإن تجويز الحيل يناقض القول بسد الذرائع وتبطل كل الحيل التي تؤدي إلى إسقاط حق، أو تسويغ محرم، أو إسقاط شرط حرمه الشارع؛ لأن هذه مطلوبات وإهمالها محرم، وكل ما يؤدي إلى المحرم يكون محرمًا، ولو كان في أصل ذاته مباحًا، وكذلك اتخاذ الحرام كالرشوة والخيانة وشهادة الزور سبيلًا للوصول إلى الحلال لا يجوز؛ لأن هذه الأمور حرام لذاتها، والمفسدة المترتبة عليها أشر من مفسدة ضياع الحق الفردي لأحد الناس.
стр. 15113
وتسد الذرائع إذا أدت إلى المفسدة قطعًا كحفر البئر خلف باب الدار في وسط الظلام، أو أدت إليها كثيرًا لا نادرًا، وغالبًا كبيع السلاح لأهل الحرب، أو غير غالب كبيوع الآجال المتخذة جسرًا للربا من طريق بيع السلعة لأجل بثمن أعلى، ثم شراؤها في الحال من قبل بائعها بثمن معجل أقل، فيكون الفرق بين الثمنين ربا، وهذا مذهب الإمامين مالك وأحمد، وبيوع الآجال هي محل الخلاف الشهير في العمل بسد الذرائع، فأخذ به هذان الإمامان لكثرة وقوع القصد إلى الربا، وأفسد أبو حنيفة هذه البيوع عملًا باجتهاد آخر غير سد الذرائع بسبب عدم إتمام البيع الأول لعدم استيفاء الثمن، ويؤول الأمر إلى بيع خمسة في عشرة مثلًا لأجل، وهو ربا فضل ونساء معًا، وصحح الشافعي هذه البيوع في الظاهر لاكتمال أركانها وشروطها حتى يقدم الدليل على قصد الربا المحرم، وترك الحساب على القصد الخبيث الباطن والباعث السيئ إلى الله تعالى؛ لأن هذا الإمام يأخذ في الحكم على العقود بالإرادة الظاهرة لا الباطنة.
وقد أوردت أدلة الفريقين: المثبتين لتحريم بيوع الآجال، والفرق بينها وبين بيع العينة عند المالكية، والمانعين وهم الشافعية، كما ذكرت أحكام الذرائع وشروطها، وحررت محل النزاع في الذرائع وهو بيوع الآجال وانتهيت إلى ترجيح رأي المالكية والحنابلة، لاتفاقه مع مقاصد الشريعة وحرصها على تحصيل المصالح ودرء المفاسد، وانسجامه مع اتجاه التشريع بتحريم الربا ووسائله وسد الباب أمام المحتالين والمفسدين الذين يحاولون التحلل من قيود الشريعة وأحكامها، وفيما عدا هذه البيوع يتفق أئمة المذاهب على الأخذ بأصل الذرائع، وإن لم يصرح به بعضهم بالأخذ به أصلًا من أصول التشريع، ويمكنني تأكيد هذه الحقيقة وهي أن سد الذرائع أصل مقرر في القرآن والسنة وفقه الصحابة والتابعين وأئمة الاجتهاد على تفاوت في درجة الأخذ به في دائرة أتباع المذاهب بين كثرة وقلة، فلم ينفرد المالكية بالأخذ به، ولا خصوصية لهم به، إلا من حيث زيادتهم فيها، فهناك ذرائع مجمع عليها، وذرائع ملغاة، وذرائع فرعية فقهية مختلف فيها، وإن بالغ المالكية أحيانًا بالأخذ ببعضها.
وأيدت هذه الحقيقة بشواهد واضحة من فقه الأئمة الأربعة، وظهر أثر القول بسد الذرائع واعتبارها وعدم اعتبارها في الفروع الفقهية بإعلان تحريم البيوع الربوية وبطلانها عند الأكثرية، وتصحيحها في الظاهر عند الشافعية، والقول بحظر بعض المنهيات عند بعضهم، واكتفاء الآخرين بالقول بالكراهة، مثل بيع السلاح في الفتنة ونكاح التحليل وبيع العنب لعاصره خمرًا، أو القول بالبطلان كشراء الحربي سلاحًا أو حديدًا ونحوه مما يصدر لجعله عدة حرب، وبرز أثر الخلاف أيضًا في القول بتحريم الحيل الممنوعة المؤدية إلى تقويض أحكام الشريعة أو التخلص من العمل بها أو إسقاط حق أو تسويغ محرم، أو إسقاط شرط حرمه الشرع، وأجاز بعض الفقهاء كالحنفية وبعض الشافعية بعض الحيل، ولكن ذلك غير سديد شرعًا وفقهًا.
وختمت البحث بطائفة من الأمثلة على فتح الذرائع وسدها، سواء من النصوص الشرعية أم من الاجتهادات الفقهية، تأكيدًا لتأصيل هذا المبدأ في الشريعة.
أ. د. وهبة مصطفى الزحيلي
стр. 15114
أهم مراجع البحث
- الأم للإمام الشافعي، الطبعة الأميرية.
- فتاوى ابن تيمية، طبعة الملك خالد.
- أعلام الموقعين لابن القيم، تحقيق محيي الدين عبد الحميد.
- الموافقات للشاطبي، مطبعة المكتبة التجارية بمصر.
- الاعتصام للشاطبي، مطبعة المكتبة التجارية بمصر.
- الفروق للقرافي، الطبعة الأولى ١٣٤٥ هـ.
- المحصول للرازي، تحقيق الدكتور طه جابر العلواني، الطبعة الأولى.
- شرح العضد على مختصر المنتهى لابن الحاجب، المطبعة الأميرية.
- حاشية حسن العطار على شرح المحلي لجمع الجوامع، المطبعة الأميرية.
- البحر المحيط للزركشي، طبع وزارة الأوقاف بالكويت.
- الأشباه والنظائر لابن نجيم المصري، الأميرية.
- الأشباه والنظائر للسيوطي، ط التجارية.
- مالك وابن حنبل وابن تيمية للأستاذ الشيخ محمد أبو زهرة.
- المالكية ونظرية العقد وأصول الفقه للأستاذ الشيخ محمد أبو زهرة.
- المدخل إلى مذهب أحمد لابن بدران، إدارة الطباعة المنيرية.
- المقدمات الممهدات لابن رشد الجد، ط دولة قطر.
- شرح الكوكب المنير لابن النجار بتحقيق: محمد الزحيلي، د. نزيه حماد، الطبعة الأولى.
- بداية المجتهد لابن رشد الحفيد، مطبعة الاستقامة بمصر.
- فتح القدير لابن الهمام ط التجارية، البدائع للكاساني ط الأولى، حاشية ابن عابدين، طبع البابي الحلبي.
- المهذب للشيرازي ومغني المحتاج للشربيني، ط البابي الحلبي.
- الشرح الكبير وحاشية الدسوقي عليه، طبع البابي الحلبي.
- المغني لابن قدامة، الطبعة الثالثة بدار المنار.
- سد الذرائع في الشريعة الإسلامية للأستاذ محمد هشام البرهاني الطبعة الأولى بيروت.
- أصول الفقه الإسلامي للدكتور وهبة الزحيلي، ط دار الفكر بدمشق.
стр. 15115
سد الذرائع
إعداد
الشيخ محمد الشيباني بن محمد بن أحمد
المفتي الشرعي بدائرة القضاء الشرعي
أبو ظبي
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على خاتم النبيين سيدنا محمد القائل:
((من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين)) (١) . وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد
فقد استلمت موضوعات الدورة التاسعة لمجلس مجمع الفقه الإسلامي وهي موضوعات ذات أهمية كبيرة لما ترمز إليه من أحكام هامة في أصول الفقه وفروعه.
ولقد وقع اختياري على الموضوع الأول، موضوع: سد الذرائع وهو موضوع أصولي ويتضمن بحثي.
١- تعريف الذرائع وبيان معنى سدها.
٢- الفرق بين الذريعة والسبب، وبين الذريعة والوسيلة المستلزمة للمتوسل إليه.
٣- المقارنة بين الذرائع والحيل الفقهية، ومدى الوفاق والخلاف بينهما.
٤- أقسام الذرائع بحسب القطع لتوصيلها إلى الحرام وعدم القطع، وأحكامها وشروطها.
٥- موقف أئمة الفقه من الاحتجاج والأخذ بسد الذرائع مع تحرير محل النزاع في ذلك.
٦- هل الأخذ بالذرائع مما اختص به المذهب المالكي أو أن الأخذ بها ثابت في كل المذاهب وإن لم تصرح به؟ شواهد من فقه الأئمة الأربعة على العمل بسد الذرائع.
٧- أثر القول بسد الذرائع: اعتبارها وعدم اعتبارها في الفروع الفقهية.
٨- أمثلة لفتح الذرائع وسدها.
٩- خلاصة البحث.
стр. 15116
أولًا: تعريف الذرائع: وبيان معنى سدها:
الذرائع لغة: جمع ذريعة، وهي الوسيلة قال في اللسان (والذريعة: الوسيلة، وقد تذرع فلان بذريعة أي توسل، والجمع الذرائع، والذريعة مثل الدريئة: جمل يختل به الصيد، يمشي الصياد على جنبه فيستتر به ويرمي الصيد إذا أمكنه) .
قال: (وقال ابن الأعرابي: سمي هذا البعير الدريئة والذريعة ثم جعلت الذريعة لكل شيء أدنى من شيء وقرب منه وأنشد:
" وللمنية أسباب تقربها كما تقرب للوحشية الذرع (١) "
وتعريفها شرعًا: لا يختلف كثيرًا عن مفهومها اللغوي، فعرفها الأصوليون بأنها الوسيلة والطريق إلى الشيء، سواء كان مشروعًا أو غير مشروع، فإذا كان المتوسل إليه مشروعًا شرع فتحها وإذا كان ممنوعًا شرع سدها.
قال القرافي: (واعلم أن الذريعة كما يجب سدها يجب فتحها ويكره ويندب ويباح، فإن الذريعة هي الوسيلة، فكما أن الوسيلة المحرم محرمة فوسيلة الواجب واجبة كالسعي إلى الجمعة والحج) (٢) .
وعرفها ابن تيمية فقال: (والذريعة ما كان وسيلة وطريقًا إلى الشيء لكن صادر في عرف الفقهاء عبارة عما أفضت إلى فعل محرم، ولو تجردت عن ذلك الإفضاء لم تكن فيها مفسدة) .
قال: (وللشريعة أسرار في سد الفساد وحسم مادة الشر لعلم الشارع بما جبلت عليه النفوس، وبما يخفي على الناس من خفي هواها الذي لا يزال يسري فيها حتى يقودها إلى الهلكة) (٣) .
وعرفها ابن القيم فقال: (الذريعة ما كان وسيلة وطريقًا إلى الشيء) .
وفصل ذلك بقوله: (لما كانت المقاصد لا يتوسل إليها بأسباب وطرق تفضي إليها، كانت طرقها وأسبابها تابعة لها معتبرة بها.
فوسائل المحرمات والمعاصي في كراهتها والمنع منها بحسب إفضائها إلى غايتها، وارتباطها بها. ووسائل الطاعات والقربات في محبتها والإذن فيها بحسب إفضائها إلى غايتها، فوسيلة المقصود تابعة للمقصود وكلاهما مقصود، لكنه مقصود قصد الغايات، وهي مقصودة قصد الوسائل.
стр. 15117
فإذا حرم الرب تعالى شيئًا وله طرق ووسائل تفضي إليه فإنه يحرمها ويمنع منها تحقيقًا لتحريمه وتثبيتًا له، ومنعًا أن يقرب حماه) (١) .
وعرفها كل من الشاطبي والقرطبي تعريفًا وجيزًا.
فقال الشاطبي: (حقيقتها التوسل بما هو مصلحة إلى ما هو مفسدة، ومثل لها ببيوع الآجال (٢) . الآتي ذكرها إن شاء الله.
وقال القرطبي: (الذريعة عبارة عن أمر غير ممنوع لنفسه يخاف من ارتكابه الوقوع في ممنوع) (٣) .
هذا وقد اتضح لنا من خلال تعريف الذريعة لغة، ومن خلال تعريفها شرعًا عند القرافي وابن تيمية أنها عبارة عما كان وسيلة وطريقًا إلى الشيء سواء كان خيرًا أو شرًا.
وأنها في عرف الفقهاء أصبحت عبارة عن وسيلة يتوصل بها إلى ما هو ممنوع، وهذا ما اقتصر عليه الشاطبي والقرطبي.
وهو الموافق لما أضيف إليها من السد حتى أطلق عليها سد الذرائع.
غير أنها وإن كان هذا الاسم هو الذي أطلق عليها، وصارت عند الأصوليين معروفة به، فإن المعنى الآخر وهو فتحها المشروع أمر معترف به عند الأصوليين أيضًا، فلها حكم ما تفضي إليه من حرام أو حلال.
стр. 15118
قال القرافي: (وموارد الأحكام على قسمين: مقاصد وهي المتضمنة للمصالح والمفاسد في أنفسها، ووسائل وهي الطرق المفضية إليها، وحكمها كحكم ما أفضت إليه من تحليل أو تحريم، غير أنها أخص رتبة من المقاصد في حكمها.
فالوسيلة إلى أفضل المقاصد أفضل الوسائل، وإلى أقبح المقاصد أقبح الوسائل، وإلى ما هو متوسط متوسطة) (١) . ومثل للذريعة التي تفضي إلى مصلحة بقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لاَ يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلاَ نَصَبٌ وَلاَ مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللهِ وَلاَ يَطَؤُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلاَ يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَّيْلًا إِلاَّ كُتِبَ لَهُم بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ﴾ [التوبة: ١٢٠] .
وأما الذريعة التي تفضي إلى المفسدة فمن أمثلتها قوله تعالى: ﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [الأنعام: ١٠٨] .
ومنها قوله ﷺ : ((إن من أكبر الكبائر أن يلعن الرجل والديه)) قيل: وكيف يلعن الرجل والديه؟ قال: ((يسب الرجل أبا الرجل فيسب أباه، ويسب أمه فيسب أمه.)) أخرجه البخاري واللفظ له عن ابن عمر مرفوعاً (٢) .
وأخرجه مسلم ولفظه: (من الكبائر شتم الرجل والديه) قالوا: يا رسول الله وهل يشتم الرجل والديه؟ قال: (نعم، يسب أبا الرجل فيسب أباه، ويسب أمه فيسب أمه) (٣) .
قال في الفتح: (قال ابن بطال: هذا الحديث أصل في سد الذرائع ويؤخذ منه أن من آل فعله إلى محرم يحرم عليه ذلك الفعل، وإن لم يقصد إلى ما يحرم. (٤))
أما سد الذرائع فمعناه الحيلولة دون الوصول إلى المفسدة أي حسم مادة وسائل الفساد دفعًا له، فأي فعل كان بمفرده سالمًا من الفساد، فإنه إذا كان وسيلة إلى ارتكاب مفسدة واقتراف إثم أصبح ممنوعاً (٥) . يجب تجنبه والابتعاد عنه وسد الباب دونه (٦) . وبالمقابل فإن الوسيلة ـ كما أسلفنا ـ إذا كانت تفضي إلى مصلحة يشرع فتحها؛ فيجب فتحها إلى الواجب، ويندب إلى المندوب، ويباح إلى المباح (٧) .
وسنتعرض لذلك بالتفصيل عن كلامنا على أنواع الذرائع إن شاء الله.
стр. 15119
ثانيًا: الفرق بين الذريعة والسبب، وبين الذريعة والوسيلة المستلزمة للمتوسل إليه.
تقدم تفسير الذريعة لغة وشرعًا، وأما السبب فهو لغة الحبل وكل شيء يتوصل به إلى غيره (١) .
ثم استعير لكل ما يتوصل به إلى الشيء، قال تعالى: ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ (٣٦) أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى﴾ [غافر: ٣٦ـ ٣٧] .
قال النسفي: (أي طرقها وأبوابها وما يؤدي إليها، وكل ما أدى إلى شيء فهو سبب له) (٢) .
وقال تعالى: ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ﴾ [البقرة: ١٦٦] .
قال القرطبي: (الأسباب: الوصلات التي كانوا يتواصلون بها في الدنيا من رحم وغيره، عن مجاهد وغيره، الواحد: سبب ووصلة، وأصل السبب الحبل يشد بالشيء فيجذبه، ثم جعل كل ما جر شيئًا سبباً) (٣) .
وهكذا نرى أن الذريعة والسبب يشتركان في بعض المعاني ويختلفان في بعضها.
وقد فرق ابن تيمية بينهما في كتابة " الفتاوى الكبرى " فقال:
(الذريعة الفعل الذي ظاهره أنه مباح وهو وسيلة إلى فعل محرم، أما إذا أفضت إلى فساد ليس هو فعلا كإفضاء شرب الخمر إلى السكر وإفضاء الزنى إلى اختلاط المياه أو كان الشيء نفسه فسادًا كالقتل والظلم فهذا ليس من هذا الباب) .
стр. 15120
فإنا نعلم أنما حرمت الأشياء لكونها في نفسها فسادًا بحيث تكون ضررًا لا منفعة فيه، أو لكونها مفضية إلى فساد، بحيث تكون هي في نفسها منفعة وهي مفضية إلى ضرر أكثر منه فتحرم.
فإن كان ذلك الفساد فعل محظور سميت ذريعة وإلا سميت سببًا. (١))
وعليه فإن الفرق بين الذريعة والسبب يعتبر دقيقًا جدًا.
فظاهر كلام ابن تيمية أنه إذا كان الإفضاء إلى المفسدة ليس فعلًا كإفضاء شرب الخمر إلى السكر، وإفضاء الزنى إلى اختلاط المياه أو كان الشيء نفسه فسادًا كالقتل فهذا يعتبر من باب السبب.
وإن كان الإفضاء فعلًا كبيع السلاح في زمن الحرب، وسب آلهة المشركين إذا علم أن ذلك يفضي إلى سب الله ، فإن ذلك يعتبر من الذرائع.
أما فيما يخص الفرق بين الذريعة والوسيلة المستلزمة للمتوسل إليه.
فقد ذكرنا في تعريف الذريعة أنها الوسيلة إلى الشيء خيرًا كان أو شرًا، فإذا كان المتوسل إليه مشروعًا شرع فتحها وإن كان ممنوعًا وجب سدها، وذكرنا أنها صارت في عرف الفقهاء عبارة عن التي تفضي إلى محرم، ولذلك أضيف إليها سدها، لكنها وإن غلب إضافة سدها ـ فقد ظلت أيضا مفتوحة لكل ما تفضي إليه من مصلحة.
وهذا المعنى تشترك فيه الذريعة والوسيلة في معنى واحد فكل ما كان ذريعة لشيء يعتبر وسيلة له في هذا المجال.
стр. 15121
أما الوسيلة فلها معان بعضها تشترك فيه مع الذريعة.
فالوسيلة لغة هي: ما يتقرب به إلى الغير، والجمع: الوسيل والوسائل قاله في الصحاح (١) .
ومن هذا المعنى قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ﴾ [الإسراء: ٥٧] .
والوسيلة: ما يتوصل به إلى الشيء ويتقرب به، والجمع وسائل، قاله في النهاية في غريب الحديث والأثر (٢) .
ومن معانيها أيضًا أنها منزلة في الجنة وعن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: ((إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول، ثم صلوا علي فإنه من صلى علي صلاة صلى الله عليه بها عشرًا، ثم سلوا الله لي الوسيلة فإنها منزلة في الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله وأرجو أن أكون أنا هو، فمن سأل لي الوسيلة حلت له الشفاعة)) أخرجه مسلم (٣) .
وعليه فإن ما ذكر ابن الأثير في النهاية من معنى الوسيلة تتفق فيه مع الذريعة، فتتفقان في المعنى المستلزم للوصول إلى المتوسل إليه، ومما تنفرد به الوسيلة أنها منزلة في الجنة، ومعنى هذا أن الوسيلة أعم من الذريعة.
стр. 15122
ثالثا:المقارنة بين الذرائع والحيل والفقهية، مدى الوفاق أو الخلاف بينهما؟
لقد تقدم تعريف الذرائع لغة وتعريفها شرعًا، فأتينا بتعريف كل من القرافي وابن تيمية وابن القيم وغيرهم.
أما الحيل فمفردها حيلة ومعناها لغة الاحتيال.
قال في الصحاح: (والحيلة بالكسر الاسم من الاحتيال، وهو من الواو، وكذلك الحيل والحول، يقال: لا حيل ولا قوة، لغة في حول، قال الفراء: يقال هو أحيل منك أي أكثر حيلة، وما أحيله لغة في ما أحوله) (١) .
أما تعريفها شرعًا فقال الشاطبي: (إن حقيقتها المشهورة تقديم عمل ظاهر الجواز لإبطال حكم شرعي وتحويله في الظرف إلى حكم آخر، فمآل العمل فيها خرم قواعد الشريعة في الواقع) .
ومثل الشاطبي لذلك بالذي يهب ماله عند رأس الحول، أي قبيله، فرارًا من الزكاة فقال: (إن أصل الهبة مشروع، ولو منع الزكاة من غير هبة لكان ممنوعًا، فإن كل واحد منهما ظاهر أمره في المصلحة والمفسدة، فإذا جمع بينهما على هذا القصد كان مآل الهبة المنع من أداء الزكاة، وهو مفسدة، ولكن هذا بشرط القصد إلى إبطال الأحكام الشرعية) .
ثم قال: (ومن أجاز الحيل كأبي حنيفة فإنه اعتبر المآل أيضًا، لكن على حكم الانفراد) . قال: (ولا يخالف أبو حنيفة في أن قصد إبطال الأحكام صراحًا ممنوع، أما إبطالها ضمنًا فلا.) (٢)
стр. 15123
وعرفها ابن تيمية بقوله: (والحيلة مشتقة من التحول وهو النوع من الحلول كالجلسة والقعدة من الجلوس والقعود، وكالأكلة والشربة من الأكل والشرب، ومعناها نوع مخصوص من التصرف والعمل الذي هو التحول من حال إلى حال هذا مقتضاها في اللغة.
ثم غلبت بعرف الاستعمال على ما يكون من الطرق الخفية إلى حصول الغرض، وبحيث لا يتفطن له إلا بنوع من الذكاء والفطنة، فإن كان المقصود أمرًا حسنًا كانت الحيلة حسنة، وإن كان قبيحًا كانت قبيحة.
ولما قال النبي ﷺ ((ولا ترتكبوا ما ارتكبت اليهود فتستحلوا محارم الله بأدنى الحيل)) صارت في عرف الفقهاء إذا أطلقت قصد بها الحيل التي يستحل بها المحارم كحيل اليهود (١) . وكل حيلة تضمنت إسقاط حق لله أو للآدمي فهي تندرج فيما تستحل به المحارم (٢) .
وبالنظر إلى ما تقدم في تعريف كل من الذرائع والحيل نرى أن بينهما ترابطًا كبيرًا فهما متشابهتان، والكلام فيهما متداخل وإن من كتب عن إحداهما غالبًا يكتب عن الأخرى.
فالشاطبي كتب أولًا عن الحيل في الجزء الثاني من الموافقات، وأتى بأمثلة كثيرة، هي الأمثلة نفسها التي مثل بها ابن تيمية للذرائع (٣) .
ثم إن الشاطبي أتى بسد الذرائع في الجزء الرابع وأتبعها أيضًا بالحيل ومثله ابن القيم أما ابن تيمية فبعد أن أفاض الكلام على الحيل أتبعها بسد الذرائع.
وفي تعريف القرافي للذرائع قال إنها الوسيلة والطريق إلى الشيء، سواء كان مشروعًا أو غير مشروع، ولذلك يجب فتحها للواجب وسدها عن المحرم، إلا أنها غلب عليها الاستعمال في أمر ظاهره الجواز لكنه يؤول إلى الحرام.
والشيء نفسه لاحظناه في تعريف ابن تيمية للحيل فذكر أن الحيل غلبت بعرف الاستعمال على ما يكون من الطرق الخفية إلى حصول الغرض.
قال: (فإن كان المقصود أمرًا حسنًا كانت الحيلة حسنة وإن كان قبيحًا كانت قبيحة) . ثم قال: وإنها صارت في عرف الفقهاء إذا أطلقت قصد بها الحيل التي تستحل بها المحارم كحيل اليهود) .
стр. 15124
والشاطبي في كلامه على الحيل ذكر أن المذموم من الحيل والمنهي عنه منها هو: ما هدم أصلًا شرعيًا وناقض مصلحة شرعية.
فإن فرضنا أن الحيلة لا تهدم أصلًا شرعيًا ولا تناقض مصلحة شهد الشرع باعتبارها، فغير داخله في النهي ولا هي باطلة.
ومرجع الأمر فيها إلى أنواع ثلاثة:
أحدهما: لا خلاف في بطلانه كحيل المنافقين والمرائين (١) . قال:
وأما القسم الثالث: فهو محل الإشكال والغموض وفيه اضطربت أنظار النظار، ومثل له بنكاح المحلل وبيوع الآجال (٢) . الآتي ذكرها إن شاء الله.
وتقسيم الشاطبي للحيل على هذه الأنواع الثلاثة شبيه بتقسيم القرافي للذرائع.
وهذا مما يؤكد التشابه والترابط بين الحيل والذرائع، غير أن هناك شرطًا تختص به الحيل دون الذرائع ألا وهو القصد، فالحيل كما أسلفنا يشترط فيها القصد، ولا كذلك الذرائع.
وعليه فإن الذرائع أعم من الحيل لأنها تقع بقصد وبغير قصد، وسيتضح ذلك عندما نتعرض لأنواع الذرائع إن شاء الله.
وباستطاعتنا أن نعطي أمثله لما تتفق فيه الحيل والذرائع وما تختلف فيه.
فمثال ما كان ذريعة وحيلة في نفس الوقت: بيوع الآجال كبيع سلعة بدين وشرائها بأقل نقدًا أو لدون الآجل.
стр. 15125
ومثال ما اجتمعت فيه الذريعة والحيلة مما هو مشروع: بيع رديئ التمر بدراهم وشراء جيده بتلك الدراهم، فهذا النوع يعتبر من الذرائع والحيل المباحة، أدرجه القرافي في باب الذرائع، وأدرجه ابن تيمية في باب الحيل (١) .
والأصل في جوازه ما أخرجه البخاري ومسلم عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ استعمل رجلًا على خيبر فجاءه بتمر جنيب فقال رسول الله ﷺ : (أكل تمر خيبر هكذا؟ فقال: لا والله إنا لنأخذ الصاع من هذا بالصاعين، والصاعين بالثلاثة، فقال: (لا تفعل، بع الجمع بالدراهم ثم ابتع بالدراهم جنيبا) (٢) . وفي رواية: (إنا لنشتري الصاع بالصاعين من الجمع) . والجنيب: أعلى التمر، والجمع أدناه (٣) .
ومثال ما كان ذريعة وليس حيلة سب آلهة المشركين، وسب المسلم والدي المشرك؛ لأن السابّ لم يقصد بهما إبطال حكم شرعي.
ومثال ما كان حيلة وليس ذريعة بيع النصاب قبيل الحول بقصد الفرار من الزكاة.