← Фикх общий

Фикх общий · id 8356

مجلة مجمع الفقه الإسلامي

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (22 276 стр.). Показаны 15051–15090 · переход к 15056.

стр. 15051

ولما كانت الشريعة تبنى على الظاهر وجب ألا تناط أحكامها بأسباب قد تخفى ولذلك يحكم على العقود بحسب ما تدل عليه ألفاظها وما يستفاد منها في اللغة وعرف العاقدين في الخطاب. ويقول: لا يفسد العقود نية العاقدين: لذلك إذا اشترى الرجل طعامًا فقبضه فلا بأس أن يبيعه ممن اشتراه منه ومن غيره بنقد وإلى أجل وسواء في المعين وغير المعين (١) . هذا ولعل ما نسب إلى الشافعي من القول بسد الذرائع إنما هو من باب تحريم الوسائل التي تستلزم المتوسل إليه لا من باب الذرائع. وقال السبكي: إن ما ذكر أن الأمة أجمعت عليه ليس من مسمى الذرائع في شيء نعم حاول ابن الرفعة تخريج قول الشافعي في باب: إحياء الموات من الأم: عند النهي عن منع الماء ليمنع الكلأ: إن ما كان ذريعة إلى منع ما أحل الله لم يحل. وكذا ما كان ذريعة إلى إحلال ما حرم الله. فقال: في هذا ما يثبت أن الذرائع إلى الحرام والحلال تشبه معاني الحرام والحلال. قال السبكي: نقلًا عن والده إنما أراد الشافعي تحريم الوسائل لا سد الذرائع. والوسائل تستلزم المتوسل إليه ومن هذا منع الماء فإنه يستلزم منع الكلأ الذي هو حرام ونحن لا ننازع فيما يستلزم من الوسائل ولذلك نقول: من حبس شخصًا ومنعه من الطعام والشراب فهو قاتل له وما هذا من سد الذرائع في شيء. وكلام الشافعي في نفس الذرائع لا في سدها، وأصل النزاع بيننا وبين المالكية إنما هو في سدها.

стр. 15052

هذا والقول بتحريم الوسائل التي تستلزم المتوسل إليه قائم في أغلب صوره في الظن والتوهم والتخمين وشتان بينهما. ولذلك كان مسلك الشافعي ﵀ في عدم أخذ الناس بالتهم وإفساد تصرفاتهم بالظن مسلكًا صحيحًا وسليمًا يتفق مع ما دلت عليه نصوص الشريعة السمحة من أخذ المكلفين بظواهرهم وترك سرائرهم إلى الله تعالى (١) . لكن الإمام الشاطبي له وجهة نظر أخرى حيث يقول: إن الشافعي يأخذ بمبدأ سد الذرائع إذا ظهر القصد إلى المآل الممنوع حيث يقول عند كلامه على مذهب الشافعي: ولكن هذا بشرط ألا يظهر قصد إلى المآل الممنوع ولأجل ذلك يتفق الفريقان على أنه لا يجوز التعاون على الإثم والعدوان بإطلاقه. وقال: لا يصح أن يقول الشافعي: إنه يجوز التذرع إلى الربا بحال، إلا أنه لا يتهم من لم يظهر منه قصد الممنوع (٢) . يتحرر لدينا مما تقدم: أن الذرائع التي هي محل الخلاف إنما هي الوسائل التي ظاهرها الجواز إذا قويت التهمة في التطرق بها إلى الممنوع، وهذا ما أشار إليه الشاطبي في القسم الرابع المستخلص من تقسيماته وهو: كل فعل مأذون فيه بالأصل ولكنه طرأ عليه ما جعله يؤدي إلى المفسدة كثيرًا لا غالبًا. ويدخل في ذلك ما عده ابن القيم قسمًا وسطًا بين ما جاءت الشريعة في طلبه وما جاءت بمنعه، وهي: كل وسيلة مباحة قصد التوصل بها إلى المفسدة، أو لم يقصد التوصل إلى المفسدة لكنها تفضي إليها غالبًا ومفسدتها أرجح من مصلحتها. وهذا المعنى الخاص للذريعة هو المراد لدى الأصوليين والفقهاء عند بحثهم في الذرائع وسدها، ولقد عبر الشاطبي عن هذا المعنى بقوله: إن حقيقتها التوصل بما هو مصلحة إلى مفسدة. وسد الذرائع على هذا المعنى هو حسم مادة أو وسائل الفساد بمنع هذه الوسائل ودفعها (٣) .

стр. 15053

المبحث السادس هل الأخذ بالذرائع مما اختص به المذهب المالكي؟ إن المذاهب الأربعة استندت في ميدان التطبيق إلى الأخذ بسد الذرائع في الجملة وإن اختلفوا في التفاصيل وهذا مما يؤكد ما صرح به علماء المالكية وغيرهم من أن سد الذرائع ليس من خواص مذهب الإمام مالك ﵁ (١) . وأن أصل سد الذرائع مجمع عليه لكن الخلاف فيما يرجع إليه من الجزئيات (٢) . فقد تلتقي الأنظار على إعمال حكم الذرائع فمنعها كسب آلهة المشركين وإلقاء السم في أطعمة المسلمين وغير ذلك. وقد تلتقي على إهمال حكمها كإباحة التجاور في البيوت ولو احتمل وقوع الزنى وإباحة النظر إلى المخطوبة. وقد تختلف الأنظار فيعمل البعض حكم الذرائع فتلتحق عنده بالذرائع الممنوعة ويهملها الآخر فتلتحق عنده بالذرائع المتفق على إهمالها. ولا يعني الاتفاق بين المذاهب على الأخذ بها في ميدان التطبيق أن تكون على درجة واحدة من حيث الأخذ به. بل هي على مستويات مختلفة. فعلى حين نجد المالكية يحكمون هذا الأصل في آلاف المسائل نجد الشافعية على النقيض من ذلك، كما أننا نجد الحنابلة أقرب في هذا المجال إلى المالكية وفقهاء الأحناف أقرب إلى الشافعية.

стр. 15054

أما النظر في الأصول فيشهد لتقدم المالكية والحنابلة حيث ذكروا سد الذرائع ضمن أصولهم خلافًا للحنفية والشافعية. أما الحنفية فقد ولجوا من باب الاستحسان إلى ساحة المصالح التي يعد سد الذرائع أحد وجوه العمل بها. على حين يصرح الشافعية برد كل من سد الذرائع والاستحسان بل ولا يأخذون من المصالح إلا ما كان قطعيًّا عامًّا ولهذا جاء دورهم في هذا الميدان آخِرًا (١) . وأما النظر في الفروع: فيشهد فعلًا لتقدم المالكية في هذا الميدان أيضًا إنهم يقفون في كثير من المسائل وحدهم يسدون الذريعة فيها على حين يقف الأئمة الثلاثة على الطرف الآخر أيضًا. وإنما كان الإمام مالك ﵁ اعتمد الذرائع أصلًا أصيلًا في مذهبه لأن مذهبه أوسع المذاهب الاجتهادية اعتمادًا على رعاية مصالح الناس وأعرافهم، ولهذا كان العمل بالمصلحة المرسلة أصلًا مستقلًا من أصول التشريع عندهم، وما سد الذرائع إلا تطبيقًا عمليًا من تطبيقات العمل بالمصلحة، ولذلك عدوه ضمن أصولهم وأعملوه في استنباطاتهم وتخريجاتهم في جميع أبواب الفقه وفي كثير من المسائل العملية، وبالغوا في ذلك حتى عد بعض الفقهاء سد الذرائع من خصوصيات إمام دار الهجرة (٢) .

стр. 15055

تطبيقات المالكية لهذا الأصل: من أبرز تطبيقات المالكية لسد الذرائع منعهم للعقود أن تتخذ ذريعة إلى أكل الربا ومن ذلك: -بيوع الآجال: وهي بيوع ظاهرة الجواز لكنها تؤدي إلى ممنوع كاجتماع بيع وسلف أو أنظرني أزدك، أو إلى بيع ما لا يجوز متفاضلًا. -ومثال ما يؤدي إلى اجتماع بيع وسلف أن يبيع سلعتين بدينارين لشهرين ثم يشتري إحداهما بدينار نقدًا فقد خرجت السلعة من يد البائع أولًا ثم عادت إليه فاعتبرت ملغاة وآل أمره إلى أنه دفع دينارًا أو سلعة ونقدًا ليأخذ عنهما بعد شهر دينارين. الأول منهما: عن الدينار الذي دفعه نقدًا وهذه صورة. والثاني منهما: ثمن السلعة التي خرجت من يده ولم تعد وهذه صورة البيع (١) . -ومثال ما يؤدي إلى سلف بمنفعة: أن يبيع سلعة بعشرة دراهم لشهر ثم يشتريها بخمسة نقدًا فقد عادت السلعة إلى بائعها الأول فاعتبرت ملغاة وآل أمر العقدين إلى عقد واحد هو: دفع خمسة دراهم نقدًا ليأخذ عنها بعد شهر عشرة دراهم نسيئة. وقالوا: إن فروع بيوع الآجال تصل إلى ألف مسألة متولدة من الأحوال المختلفة لكل من الآجل والثمن والسلعة والبائع والمشتري.

стр. 15056

حكم بيوع الآجال: اتفق علماء المالكية على أن حكم بيوع الآجال الفسخ ولتحديد محله: أهو العقد الثاني أو الأول أو العقدان معًا، فرقوا بين حالتين: الأولى: حال قيام السلعة وبقاءها بعد البيع الثاني. والثانية: حال فواتها. أما في حال قيام السلعة فقد اختلفوا في بيان محل الفسخ إلى قولين: ١- قول بإمضاء العقد الأول على الصحة بالثمن المؤجل وفسخ الثاني وهو الأصح في المذهب. ٢- وقول بفسخ العقدين جميعًا. -ومن مسائلهم: عقد البيع أثناء السعي إلى الجمعة: ورد النهي بنص الكتاب ﴿وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ [الجمعة: ٩] في أثناء السعي إلى صلاة الجمعة، ألحق المالكية عقود الإجارة والتولية والشركة والإقالة والشفعة وكذا النكاح حتى الصدقة والكتابة والخلع كل ملحقة بحكم البيع في النهي لأن الانشغال بها ذريعة إلى ترك السعي الواجب (١) . وجاء في بداية المجتهد: جمهور فقهاء الأمصار على أن الطلاق بلفظ الثلاث حكمه حكم الطلقة الثالثة ... وبعد أن ذكر أقوال المذاهب في المسألة قال: وسبب الخلاف: هل الحكم الذي جعله الشرع من البينونة للطلقة الثالثة يقع بإلزام المكلف نفسه هذا الحكم في طلقة واحدة أم ليس يقع؟ ولا يلزم من ذلك إلا ما ألزم الشرع، فمن شبه الطلاق بالأفعال التي يشترط في صحة وقوعها كون الشروط الشرعية فيها والبيوع قال: لا يلزم. ومن شبهه بالنذور والأيمان التي ما التزم العبد منها ما لزمه على أي صفة كان ألزم طلاق كيفما ألزمه المطلق نفسه. ثم قال وكأن الجمهور غلبوا حكم التغليظ في الطلاق سدًا للذريعة. ولكن تبطل بذلك الرخصة الشرعية والرفق المقصود في ذلك المعنى في قوله تعالى ﴿لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾ (٢) . [الطلاق: ١] .

стр. 15057

وجاء في تفسير قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ﴾ [الأنعام: ٤٤] . قال ابن العربي: هذه الآية أصل من أصول إثبات الذرائع التي انفرد بها مالك وتابعه عليها أحمد في بعض رواياته. وخفيت على الشافعي وأبي حنيفة مع تبحرهما في الشريعة. ثم عرف بقوله: وسد الذرائع: كل عمل ظاهره الجواز يتوصل به إلى محظور. ثم مثل له قائلًا: كما فعل اليهود حين حرم عليهم صيد السبت فسكروا الأنهار وربطوا الحيتان فيه إلى يوم الأحد، وقد بينا أدلة المسألة في كتب الخلاف وبسطناها قرآنًا وسنة ودلالة من الأصول في الشريعة ثم ساق إعراضًا محتملًا والرد عليه فقال: فإن قيل: هذا الذي فعلت اليهود لم يكن توسلًا إلى الصيد بل كان الصيد نفسه؟ قلنا: إنما حقيقة الصيد إخراج الحوت من الماء وتحصيله عند الصائد، فأما التحيل عليه إلى حين الصيد فهو سبب الصيد لا نفس الصيد، وسبب الشيء غير الشيء إنما هو الذي يتوصل به إليه ويتوسل به في تحصيله، وهذا الذي فعله أصحاب السبت (١) . ومن مسائلهم: إسقاط الزكاة ببيع النصاب أو هبته أو إنقاصه. من كانت عنده ماشية فباعها قبل الحول بدراهم، أو كان عنده نصاب فأتلف جزءًا منه أو كان عنده مال فوهبه قبل الحول لولده. سقطت عنه الزكاة في قول أبي حنيفة والشافعي ولم تسقط في قول مالك وأحمد رحمهما الله إذا فعله قرب الوجوب فرارًا منها وتؤخذ منه في آخر الحول، وهو مذهب الأوزاعي وابن الماجشون وإسحاق وأبي عبيد. وجهه: لأنه لما قصد قصدًا فاسدًا اقتضت الحكمة معاقبته بنقيض قصده كمن قتل مورثه لاستعجال ميراثه عاقبه الشرع بالحرمان ولهذا لو فعل ذلك في أول الحول لم تجب لأن ذلك ليس بمظنة للفرار كما لو أتلف النصاب لحاجته من غير قصد الفرار وحرمان الفقراء من حقوقهم في ماله (٢) .

стр. 15058

-ومن مسائلهم: قراءة السجدة في فجر يوم الجمعة: أخرج الشيخان عن أبي هريرة قال: كان رسول الله ﷺ يقرأ يوم الجمعة في صلاة الفجر: ﴿الم (١) تَنْزِيلُ﴾ ... السجدة، و ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا﴾ . والحديث دليل على استحباب قراءتهما في صبح يوم الجمعة وهو مذهب الشافعي وأحمد وأصحاب الحديث. لكن المالكية كرهوا تعمد تلاوة السجدة في الفرض والمداومة عليها في فجر الجمعة حتى لا يؤدي التزامها إلى اعتقاد الجاهل ركنيتها وقد حكى القرافي عن العجم اعتقاد كون صلاة الصبح يوم الجمعة ثلاث ركعات لأن قراءة السجدة لما التزمت فيها وحوفظ عليها اعتقدوا فيها الركنية فعدوها ركعة ثالثة (١) .

стр. 15059

شواهد سد الذرائع عند فقهاء الحنفية: إن كتب أصول الفقه عند فقهاء الحنفية لم تتعرض لذكر سد الذرائع واحدًا من مصادر التشريع، ولكن يلحظ أن قولهم بالاستحسان مدخل إلى العمل بالمصلحة وسد الذرائع من وجوه العمل بالمصلحة. وما يصدق على الاستحسان في بعض صوره ووجوهه يصدق على سد الذرائع وكأن الوفاق على المضمون والخلاف على الاسم ولا مشاحة في الاصطلاح. هذا: ومن تتبع أحوال فقهاء المذهب في أحكام بعض الفروع يجد أنهم يوافقون فقهاء المالكية في الأحكام وإن خالفوهم في التعليل. من ذلك: ١- اتفاقهم مع المالكية والحنابلة في المنع من بعض صور بيوع الآجال، فمن اشترى سلعة بألف حالة أو نسيئة فقبضها لم يجز له أن يبيعها من البائع بخمسمائة قبل أن ينقد الثمن الأول كله أو بعضه. قال الكاساني: إن الثمن عقد المعاوضة وهو تفسير الربا إلا أن الزيادة ثبتت بمجموع العقدين فكان الثابت بأحدهما شبهة الربا، والشبهة في هذا الكتاب ملحقة بالحقيقة (١) . ٢- صوم يوم الشك: والمختار عند الحنفية استحباب صوم المفتي ليوم الشك ويفعله سرًا حتى لا يتهم بالعصيان ويفتي الناس بالإفطار حسمًا لمادة اعتقاد الزيادة. قال ابن الهمام: المختار أن يصوم المفتي بنفسه أخذًا بالاحتياط ويفتي العامة بالتلوم إلى وقت الزوال ثم بالإفطار حسمًا لمادة الزيادة، ويصوم فيه المفتى سرًا لئلًا يتهم بالعصيان فإنه أفتاهم بالإفطار بعد التلوم بحديث العصيان وهو ما ذكر من قوله ﷺ : ((من صام يوم الشك فقد عصى أبا القاسم)) (٢) . وهو مشتهر بين العوام فإذا خالف في الصوم اتهموه بالعصيان (٣) .

стр. 15060

ودليل الاستحباب على ما ذكره ابن الهمام ما في الصحيحين أنه ﷺ قال لرجل: ((هل صمت من سرر شعبان؟)) قال لا. قال: ((فإذا أفطرت فصم يومًا مكانه)) (١) . والإسرار آخر ليلة من شعبان لأنه يستسر فيها الهلال بنور الشمس. وجه الاستدلال: أنه أمر العامة بالإفطار بعد الزوال حتى لا يكون الصوم ذريعة لاعتقادهم الزيادة وأن يلحقوا بالفريضة ما ليس منها. وأما طلب الإسرار بصومه من الإمام وغيره من الخاصة: حتى لا يكون ذريعة لاتهامهم بمخالفة النهي عن صوم يوم الشك، وهذا تطبيق عملي لسد الذرائع اختاره علماء المذهب وفعله أئمتهم (٢) . ٣- الحداد على البائن والمتوفى عنها زوجها: جاء في بداية المبتدي: وعلى المبتوتة والمتوفى عنها زوجها إذا كانت بالغة مسلمة الحداد. وقال: الحداد أن تترك الطيب والزينة والكحل والدهن المطيب وغير المطيب إلا من عذر. قال صاحب العناية: والمعنى في إيجاب ترك الطيب والزينة وجهان: ١- ما ذكرناه من إظهار التأسف. ٢- أن هذه الأشياء دواعي الرغبة فيها؛ لأن المرأة إن كانت متزينة متطيبة تزيد رغبة الرجل فيها، وهي ممنوعة عن النكاح ما دامت في عدة الوفاة أو الطلاق، فتجنبها كي لا تصير ذريعة ـ أي وسيلة ـ إلى الوقوع في المحرم وهو النكاح (٣) . ٤- إقرار المريض مرض الموت: إذا أقر المريض مرض الموت بدين فإنه يتهم أنه قصد بهذا الإقرار إبطال حق الورثة، ولذلك لا يكون هذا الإقرار ملزمًا كما لو كان في حال الصحة. ولذلك: إذا أقر بدين في مرضه وعليه دين في الصحة قدم دين الصحة، وكذلك الدين الذي لزمه حال المرض لأسباب معلومة كبدل مال استهلكه، ومثل مهر امرأة تزوجها، تقدم هذه الديون على ما أقر به من ديون غير معلومة الأسباب. وذلك لأنه يتهم إذا قصد بإقراره مضايقة الغرماء. قال في بداية المبتدئ: وإذا أقر الرجل في مرض موته بدين وعليه ديون في صحته وديون لزمته في مرضه بأسباب معلومة، فدين الصحة والدين المعروف الأسباب مقدم. وجه هذا القول: أن الإقرار لا يعتبر دليلًا إذا كان فيه إبطال حق الغير، وفي إقرار المريض ذلك لأن حق غرماء الصحة تعلق بهذا المال استيفاء، ولهذا منع من التبرع والمحاباة إلا بقدر الثلث (٤) . وقال ابن عابدين: تصادق ـ أي المريض مرض الموت والزوجة ـ على ثلاث، في الصحة وعلى مضي المدة ثم أقر لها بدين أو عين أوصى لها بشيء، فلها الأقل منه ـ أي مما أقر أو أوصى ـ ومن الميراث للتهمة (٥) .

стр. 15061

شواهد سد الذرائع عند الحنابلة: قال ابن بدران في كتابه: المدخل إلى مذهب أحمد: سد الذرائع هو مذهب مالك وأصحابه. قال الطوفي في شرحه على مختصر الروضة قلت: إن مذهبنا أيضًا سد الذرائع وهو قول أصحابنا بإبطال الحيل، ولذلك أنكر المتأخرون منهم على أبي الحطاب ومن تابعه ـ عقد باب في كتاب الطلاق يتضمن الحيلة على تخليص الحالف من يمينه في بعض الصور وجعلوه من بعض الحيل الباطلة (١) . وهي: التوصل إلى المحرم بسبب مباح، وقد صنف شيخنا تقي الدين أبو العباس أحمد بن تيمية ﵀ كتابا بناه على بطلان نكاح المحلل وأدرج فيه جميع قواعد الحيل وبين بطلانها على وجه لا مزيد عليه (٢) . وسبق أن أكثرنا من النقل عن ابن القيم في كتابه الإعلام والذي أفاض في ذكر الأمثلة على سد الذرائع، وانتهى إلى القول: فإذا حرم الرب ﵎ شيئًا وله طرق ووسائل تفضي إليه فإنه يحرمها ويمنع منها تحقيقًا لتحريمه وتثبيتًا له ومنعًا أن يقرب حماه، ولو أباح الوسائل والذرائع المفضية إليه لكان ذلك نقضًا للتحريم وإغراء للنفوس به، وحكمته تعالى وعلمه يأبى ذلك كل الإباء (٣) . واستدل على ذلك بتسعة وتسعين دليلًا كما أن ابن تيمية ﵀: ذكر من الوجوه على إبطال الحيل أن الله سبحانه سد الذرائع المفضية إلى المحرم بأن حرمها ونهى عنها ثم قال: والغرض هنا أن الذرائع حرمها الشارع وإن لم يقصد بها المحرم خشية إفضائها إلى المحرم، فإذا قصد بالشيء نفس المحرم كان أولى بالتحريم من الذرائع (٤) . والخلاصة: أن الحنابلة يرون وجوب سد الذرائع ويطبقون هذا على بيع الآجال وإن لم يقصد البائع الربا؛ لأن هذا النوع من المعاملة يغلب فيه قصد الربا فيصير ذريعة، فيجب سده والمنع منه لئلًا يتخذه الناس ذريعة إلى الربا ويقولون لم نقصد به ذلك (٥)

стр. 15062

شواهد سدد الذرائع عند المالكية: مقدمة: إن سد الذرائع من أصول الاستنباط الفقهي عند المالكية، أعملوه في استنباطاتهم وتخريجاتهم في جميع أبواب الفقه، وفي كثير من المسائل الفقهية العملية.... وبالغوا في ذلك حتى عد بعض الفقهاء سد الذرائع من خصوصيات مذهب إمام دار الهجرة (١) . هذا ومن أبرز تطبيقات سد الذرائع عند المالكية: أولًا: منعهم للعقود أن تتخذ ذريعة إلى أكل الربا ومن ذلك: -بيوع الآجال: وهي بيوع ظاهرها الجواز لكنها تؤدي إلى ممنوع. قال صاحب الشرح الكبيرة: ومنع عند مالك ومن تبعه للتهمة ـ أي لأجل ظن قصد ما منع شرعًا سدا للذريعة ما ـ أي بيع جائز في الظاهر كثر قصده أي قصد الناس له للتوصل إلى الربا الممنوع (٢) . ومثله فعل ابن رشد في كتابه بداية المجتهد: ج٢ ص ١٤٠ ـ ٢٠٣. ومن أمثلة هذا البيع ما يؤدي إلى: أنظرني أزدك، جاء في الموطأ ج٢ ص ٦٧٣ قال مالك في الرجل يكون له على الرجل مائة دينار إلى أجل فإذا حلت قال له الذي عليه الدين: بعني سلعة يكون ثمنها مائة دينار نقدًا بمائة وخمسين إلى أجل؟ الجواب: هذا بيع لا يصلح ولم يزل أهل العلم ينهون عنه. ثانيًا: منعهم لكل ما هو ذريعة إلى الإثم من باب التعاون عليه ومن ذلك: ١- منع بيع العصير لمن يتخذه خمرًا لما فيه من المعاونة على الإثم، قال تعالى: ﴿وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: ٢] ولو وقع البيع فهو باطل إن علم البائع قصد المشتري ذلك إما بقوله وإما بقرائن مختصة به تدل على ذلك. وإن كان الأمر محتملًا كأن يشتريها من لا يعلم حاله أو من يصنع الخل والخمر معا ولم يلفظ بما يدل على إرادة الخمر. صح.

стр. 15063

وهذا الحكم في كل ما يقصد به الحرام كبيع السلاح لأهل الحرب أو لقطاع الطرق أو في الفتنة وإجارة داره أو دكانه لبيع الخمر فيها أو لتتخذ كنيسة أو بيت نار وأشباه ذلك من العقود التي يحكم عليها بالحرمة والبطلان (١) . ٢- ما نقل عن الإمام أحمد ﵀ من كراهية الشراء ممن يرخص في سلعته ليمنع الناس من الشراء من جاره، ويشبهه: النهي عن طعام المتباربين، وهما: الرجلان يقصد كل منهما مباراة الآخر ومباهاته في التبرع. وقد رأى ابن القيم أن النهي في الأمرين يتضمن سد الذريعة من وجهين: الأول: أن تسليط النفوس على الشراء منهما وأكل طعامهما إغراء لهما وتقوية لقلوبهما على فعل ما كرهه الله ورسوله. والثاني: أن ترك الأكل والشراء منهما ذريعة إلى امتناعهما وكفهما عن ذلك (٢) . ثالثًا: تحريمهم للحيل لمناقضتها لسد الذرائع: ولذلك منعوا كل فعل قصد به صاحبه أمرًا محظورًا، والشواهد على ذلك في كتبهم تفوق الحصر، وجاء في الفتاوي: واعلم أن تجويز الحيل يناقض سد الذرائع مناقضة ظاهرة، فإن الشارع سد الطرق إلى ذلك المحرم بكل طريق والمحتال يريد أن يتوسل إليه ولهذا لما اعتبر الشارع في البيع والصرف والنكاح شروطًا سد ببعضها التذرع إلى الزنى والربا وكمل بها مقصود العقود لم يتمكن المحتال الخروج عنها في الظاهر، فإذا أراد الاحتيال ببعض هذه العقود على ما منع الشارع منه أتى بها مع حيلة أخرى توصله بزعمه إلى نفس ذلك الشيء الذي سد الشارع ذريعته فلا يبقى لتلك الشروط التي يأتي بها فائدة ولا حقيقة بل يبقى بمنزلة العبث (٣) . رابعًا: ومن تطبيقاتهم كذلك موافقتهم للمالكية في سد الذرائع منعا للابتداع في الدين فيما يكون مشروعًا في أصله لكنه يؤدي مع الجهل وطول الزمن إلى تغيير المشروعات وقلب الأحكام وهذا الاتجاه أكثر وضوحًا في مذهب ابن تيمية وتلميذه ابن القيم وصولًا إلى محمد بن عبد الوهاب الذي تنتسب إليه الحركة الوهابية وإعلانه النكير على زيارة الأضرحة وقبور الصالحين حتى قبر النبي ﷺ (٤) .

стр. 15064

شواهد سد الذرائع عند الشافعية: من الأمثلة على العمل بمبدأ سد الذرائع عند فقهاء الشافعية: ١- إخفاء الجماعة للمعذورين في ترك الجمعة: قال النووي: قال الشافعي والأصحاب: يستحب للمعذورين الجماعة في ظهرهم. وحكى الرافعي أنه لا يستحب لهم الجماعة لأن الجماعة المشروعة هذا الوقت: الجمعة. قال النووي: والمذهب الأول كما لو كانوا في غير البلد، فإن الجماعة تستحب في ظهره بالإجماع، وقال: فعلى هذا قال الشافعي: أستحب لهم إخفاء الجماعة لئلا يتهموا في الدين وينسبوا إلى ترك الجماعة تهاونًا (١) . ٢- المفطر بعذر في رمضان لا يجهر بفطره: قال في المهذب: فإن قدم المسافر وهو مفطر، أو برئ المريض وهو مفطر أستحب لهما إمساك بقية النهار لحرمة الوقت ولا يجب ذلك لأنهما أفطرا بعذر، ولا يأكلان عند من لا يعرف عذرهما لخوف التهمة والعقوبة (٢) . ٣- تضمين الأجير المشترك: جاء في الأم: قال الربيع: الذي يذهب إليه الشافعي فيما رأيت أنه لا ضمان على الصناع إلا ما جنت أيديهم ولم يكن يبوح بذلك خوفًا من الضياع. وهذا من الشافعي ﵀ ظاهره العمل بسد الذرائع حيث امتنع عن فتوى الناس بما يرى صحته، حتى لا يتخذها الفجار ذريعة لتضييع الأموال بالتهاون في حفظها والعناية بها (٣) . ٤- إقرار المحجور عليه بالدين: مما يصدق عليه العمل بسد الذرائع عند فقهاء الشافعية حكمهم بعدم لزوم إقرار المحجور عليه بدين لزمه قبل الحجر في حق الغرماء لأنه قد يتخذه ذريعة إلى التصرف بأمواله عن مواطأة وحيلة. قال الشيرازي في المهذب: وإن أقر ـ يعني المحجور عليه ـ بدين لزمه قبل الحجر لزوم الإقرار في حقه. وهل يلزم في حق الغرماء؟ فيه قولان. أحدهما: لا يلزم لأنه متهم؛ لأنه ربما واطأ المقر له ليأخذ ما أقر به ويرد عليه. والثاني: أنه يلزمه وهو الصحيح (٤) . والملاحظ هنا أن الذريعة والتهمة علل بها على القول المقابل الصحيح. ٥- قضاء القاضي بعلمه: قال في الأم: إذا كان القاضي عدلًا فأقر بين يديه بشيء كان الإقرار عنده أثبت من أن يشهد عنده كل من يشهد. وجهه: لأنه قد يمكن أن يشهدوا عنده بزور، والإقرار عنده ليس فيه شك. وأما القضاء اليوم فلا أحب أن أتكلم بهذا كراهية أن أجعل لهم تسهيلًا إلى أن يجوروا على الناس (٥) . ٦- حرمان القاتل من الميراث: قال في المذهب: ج١٥ ص٢١٦ ـ اختلف أصحابنا فيمن قتل مورثه: فمنهم من قال: إن كان القتل مضمونًا لم يرثه؛ لأنه قتل بغير حق، وإن لم يكن مضمونًا ورثه؛ لأنه قتل بحق، فلا يحرم به الإرث. ومنهم من قال: إن كان متهما كالمخطئ، أو حاكمًا فقتله في الزنى بالبينة لم يرثه؛ لأنه متهم في قتله لاستعجال الميراث. وإن كان غير متهم ـ بأن قتله بإقراره بالزنى ـ ورثه. لأنه غير متهم لاستعجال الميراث. ومنهم من قال لا يرث القاتل بحال ـ وهو الصحيح، لما روي عن ابن عباس ﵄: إن النبي ﷺ قال: ((لا يرث القاتل شيئًا)) (٦) . ولأن القاتل حرم الإرث حتى لا يجعل ذريعة إلى استعجال الميراث، فوجب أن يحرم بكل حال سدا للباب. والذي يظهر من هذه الأمثلة وسواها أن الشافعية إذا ذكروا التهمة والذريعة فإنما يذكرونها من باب الاستئناس لا من باب الاستدلال، وعلى سبيل الاستحباب أو الحيطة، لا على سبيل المنع أو الالتزام، حيث أننا نجد لهم في كل مسألة ذكروا فيها الذرائع، دليلًا آخر هو عمدتهم فيه (٧) .

стр. 15065

المبحث السابع أثر القول بسد الذرائع اعتبارها وعدم اعتبارها في الفروع الفقهية لقد انبنى على الخلاف في اعتبار الذرائع والقول بسدها وعدم سدها وعلى التوسع بالأخذ بها والتضييق في اعتبارها، خلاف بين الفقهاء في كثير من الفروع الفقهية، فبينما بعضهم يحكم على تصرفات تبدر من المكلف بالبطلان والفساد ويمنع ترتب آثارها عليها، نجد الفريق الآخر يحكم عليها بالصحة والجواز ويبني عليها آثارها المعتبرة شرعًا. بل ونجد أثر هذا الدليل والاختلاف فيه ظاهرًا في كثير من أبواب الفقه الإسلامي وسنعرض لبعض المسائل الفقهية الفرعية التي تبرز هذا الأثر: -مات ولم يؤد زكاة ماله: اختلف الفقهاء فيمن مات وقد وجب عليه زكاة ولم يؤدها: المذاهب: ١- ذهب مالك وأبو حنيفة رحمهم الله تعالى إلى أنه إن أوصى بها لزم الورثة إخراجها من الثلث، وإن لم يوص بها لم يلزمهم شيء. جاء في بداية المجتهد: قال مالك: إذا لم يوص بها لم يلزم الورثة إخراجها وإذا أوصى بها فعند مالك يلزم الورثة إخراجها وهي عندهم من الثلث (١) . وقال البابرتي في العناية على الهداية: اعلم أن من مات وعليه حقوق الله تعالى من صلاة أو صيام أو زكاة أو حج أو كفارة فإما أن يوصي أو لا. فإن كان الثاني لم تؤخذ من تركته، ولم تجبر الورثة على إخراجها لكن لهم أن يتبرعوا بذلك. وإن كان الأول ـ أوصى بها ـ ينفذ من ثلث ماله عندنا (٢) . ٢- لكن الشافعي وأحمد ـ رحمهما الله تعالى ـ قالا: يلزم الورثة إخراجها من جميع التركة أوصى بها أو لم يوص. جاء في الأم: وإذا مات الرجل وقد وجبت في ماله زكاة وعليه دين وقد أوصى بوصاياه أخذت الزكاة من ماله قبل الدين والميراث والوصايا (٣) . وقال ابن قدامة الحنبلي في المغني: ولا تسقط الزكاة بموت رب المال وتخرج من ماله وإن لم يوص بها (٤) .

стр. 15066

-الأدلة: الظاهر أن عمدة الإمام مالك رحمه الله تعالى في عدم لزوم شيء إذا لم يوص بها سد الذريعة. الوجه في ذلك: أنه إذا لزمت الورثة أدى ذلك إلى أن يترك الإنسان زكاة ماله طول عمره ربما ... اعتمادًا على أن الورثة سيخرجونها بعد موته، وربما يتخذ ذلك ذريعة للإضرار بهم. وكذلك الأمر إذا أوصى بها فإنه أيضًا يتهم الورثة في توصيته إخراجها. ولذلك تجعل من جنس الوصايا فتخرج من الثلث. وأيضًا لو أجيز هذا لجاز للإنسان أن يؤخر جميع زكاته طول عمره حتى إذا دنا من الموت وصى بها (١) . -حجة فقهاء الحنفية: أن الزكاة عبادة ومن شرطها النية، فسقطت بموت من هي عليه، فإذا وصى بها كانت من الثلث كغيرها من الوصايا. وكذلك قالوا: الزكاة وجبت بطريقة الصلة، إذ لا يقابلها عوض مالي، والصلات تسقط بالموت (٢) . -وحجة الإمام الشافعي وأحمد رحمهما الله تعالى: قياسهما على دين الآدمي والحج، إذ إن الزكاة حق مالي واجب تصح الوصية به، فلا تسقط بموت من هي عليه كالدين، وكما أن الدين يخرج من جميع المال فكذلك الزكاة. قال النووي في المجموع: دليلنا قوله: فدين الله أحق أن يقضي، وهو ثابت في الصحيحين. (البخاري ٣ـ ٢٤٦، مسلم ٢ـ ٨٠٤) . وفي رواية البخاري: نعم حجي عنها، أرأيت لو كان على أمك دين أكنت قاضيتيه؟ اقضوا الله، فالله أحق في الوفاء. وهذا وارد في الحج فالاستدلال به معناه قياس الزكاة على الحج (٣) . وقال ابن قدامة من الحنابلة: إذا مات من عليه الزكاة أخذت من تركته ولم تسقط بموته، هذا قول عطاء والحسن والزهري وقتادة ومالك والشافعي وإسحاق وأبي ثور وابن المنذر، إلى أن قال: ولنا أنه حق واجب تصح الوصية به فلم تسقط بالموت كدين الآدمي، ويفارق الصوم والصلاة فإنهما عبادتان بدنيتان لا تصح الوصية بهما. فعلى هذا إذا كان عليه دين وضاق ماله عن الدين والزكاة اقتسموا ماله بالحصص كديون الآدميين إذا ضاق عنها المال، بل ويحتمل أن تقدم الزكاة إذا قلنا إنها تتعلق بالعين كما تقدم حق المرتهن عن سائر الغرماء بثمن الرهن لتعلقه به (٤) .

стр. 15067

المبحث الثامن أمثلة لفتح الذرائع وسدها فتح الوسائل وسدها: المراد بفتح الوسائل في الاصطلاح الشرعي يعني الحكم بجواز كل وسيلة ثبت جوازها شرعًا ولو أدت إلى مفسدة في بعض الصور. أما سدها: فمعناه بالجملة حسم وسائل الفساد بمنع الوسيلة الجائزة إذا أدت إلى محظور. الشواهد والأمثلة لفتح الذرائع: من الشواهد والوقائع لفتح الذرائع في كتاب الله تعالى: ١- قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ [الجمعة: ٩] . وجه الاستدلال من الآية على فتح الذريعة: أن الله تعالى يأمر بالسعي إلى صلاة الجمعة والسعي ليس وسيلة مقصودة لذاتها لأنها مجرد المشي أو الركوب في السيارة وغيرها من آلات النقل، وإنما كان الأمر بوسيلة السعي إلى الصلاة لأنها ذريعة إلى إقامة الصلاة المفروضة بقوله سبحانه: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣] وكذلك الأمر بترك البيع عند النداء لصلاة الجمعة والنهي عنه ليس مقصودًا لذات البيع الثابت جوازه بقوله سبحانه: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ [البقرة: ٢٧٥] بل لتحصيل فريضة السعي إلى الصلاة. ٢- قال تعالى: ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [التوبة: ٤١] يأمر تعالى عباده المؤمنين بالخروج لملاقاة الكفار وهو وسيلة لا بد منها للجهاد في سبيل الله الذي ثبت الأمر به بنفس الآية ... ونظائرها في كتاب الله تعالى كثير. ومنها تعليم المرأة وبخاصة في مجالات تربية الأطفال وكل ما يتعلق بشؤون النساء من الطب النسائي والولادة وغيرها نظرًا للضرورة، إضافة إلى تعليمهن ما خوطبن به شرعًا من تلاوة القرآن الكريم والتفقه في الأحكام لأنها صنو الرجل في التكاليف الشرعية بل لهن من الخصوصيات ما كتب فيه المصنفات. ومنها: حسن الأسوة في معاملة النسوة. ومن باب فتح الذرائع: ما يعرف بتشريع الضرائب والرسوم على المعاملات والتجارات وما يعرف بالاستيراد والتصدير لتوفير المال اللازم للدولة من القيام بالمهام المطلوبة إليها في الميادين الثقافية والعمرانية والدفاع وما إلى ذلك.

стр. 15068

من الأمثلة لسد الذرائع. ١- الاجتهاد لاستنباط أحكام الوقائع والنوازل: وهو أمر مقرر ومشروع لا ينبغي إغلاقه وسده حتى لا تبقى الشريعة بمعزل عن الحياة. ولكن إباحته بلا قيود ولا حدود مفسدة عظيمة تؤدي إلى الفوضى. وعليه فإن الاجتهاد الفردي في هذه الأيام مفسدة ينبغي التحرز عنها وسد أبوابها وبفتح باب الاجتهاد الجماعي كما هو الشأن في هذا المجمع الفقهي وأمثاله في العالم الإسلامي وكل ذلك منعًا للفوضى وتأكيدًا للثقة في اجتهادات العلماء المعاصرين. ٢- ترجمة معاني القرآن الكريم إلى اللغات الأجنبية: مع ما في ظاهرها من مصلحة تعريف الناس بكتاب الله تعالى ووقوفهم على ما فيه من أحكام ومواعظ وآداب لا يجوز سدًا للذريعة التبديل والتعبير فيه، ويمكن استدراك المصالح المقصودة بالترجمة عند توفير النية الحسنة عن طريق التعريف بأحكام الإسلام وقد أثير جدل كبير حول هذا الموضوع (١) . ٣- من الأمور المستحدثة ما يجري عليه الناس اليوم من مناسبات يحتفلون بها في كل عام ويسمونها أعيادًا.... كعيد الأم وعيد الطفل وعيد الزواج ... وأخيرًا عيد الحب وما إلى ذلك. مع أن الأعياد في الإسلام محدودة في الشرع في مناسبتين خاصتين: هما مناسبة الانتهاء من أداء شعيرة الصوم ومناسبة الانتهاء من شعيرة الحج، لا يجوز إحداث أعياد أخرى تضاهي أعياد الإسلام (٢) . مع تسليمنا مسبقًا بتعظيم الأمهات ورعاية الطفولة وأهمية الزواج وتكريم المعلم والعلم. ولنقف عند قوله تعالى: ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً﴾ [البقرة: ١٣٨] . ٤- وضع التماثيل والأنصاب في الشوارع والميادين: إنها عبادة غربية تسللت إلى مجتمعنا لا يقرها الدين الحنيف لأنه من الذرائع إلى تعظيم غير الله تعالى والانحراف عن الجادة نحو الوثنية، والتي عانى الرسول ﷺ أشد المعاناة في اجتذاذ جذورها من المجتمع إبان الدعوة الإسلامية. ومن ذلك حكم التجنيس بجنسية أخرى للفرار من واجب الجندية. وتغيير المذهب الديني للإفلات من الحقوق الثابتة عليه بموجبه. ومن ذلك تسجيل بيع العقار حتى لا يبيعه صاحبه لأكثر من واحد. ومنها تسجيل عقود المحلات والبيوت حتى لا يحتال أصحابها على أكل أموال الناس بالباطل بتأجيرها لأكثر من واحد. وأخيرًا تسجيل عقود الزواج بل وعدد الطلقات حتى نمنع التدليس على القضاة بهذا الشأن. ومن التطبيقات التي تطالعنا اليوم: امتناع إخواننا أهل فلسطين من الهجرة من أراضيهم بعد أن تغلب عليها أعداء الله ... بل ومنع بيع أي منها سدًا لذريعة بسط العدو سيطرته على البلاد والعباد.

стр. 15069

خلاصة البحث إن الشريعة الإسلامية وضعت لمصالح الخلق في العاجل والآجل فما من مصلحة أو خير إلا وأرشدت إليه ودلت عليه، بل والمتأمل في موارد الشريعة يجد أنها وضعت لرعاية مصالح الخلق ولدرء المفاسد عنهم. وكذلك إن الشريعة مبناها الحكم ومصالح العباد في المعاش والمعاد وكل مسألة خرجت عن العدل إلى الجور وعن الرحمة إلى ضدها، وعن المصلحة إلى المفسدة، وعن الحكمة إلى العبث فليست من الشريعة، كما يقول ابن القيم (١) . هذا وإن سد الذرائع من الأصول الصحيحة التي أكدتها الشريعة بنصوصها الآمرة والناهية، وسلكتها الشريعة في جميع الأمور وفي مختلف نواحي الحياة الدينية والمدنية سواء منها ما يتصل بحياة الفرد أو حياة الجماعة، وسواء ما يتصل بسلطان الدولة أو ما يدخل في حرية الأفراد واختيارهم (٢) . إن الأساس المنظور إليه في سد الذرائع هو كون الفعل مما يفضي إلى النتيجة الضارة التي يأباها الشارع ولو كان الفاعل حسن النية، ولذلك فإن الوسيلة لا ينظر إليها في ذاتها بل تأخذ حكم ما أفضت إليه. إن سد الذرائع مما يدخل في باب السياسة الشرعية ويمد ولي الأمر في محيطه الواسع بسلطة يتدارك بها كل ما يمكن أن يجد من مضار اجتماعية ومشاكل عامة وخاصة بهدف تحقيق العدالة. إن الأصل في سد الذرائع ألا يؤدي تطبيقه إلى مفاسد أخرى أربى من المفاسد المتوقعة من إهماله، وإن سد الذرائع منهج في الاستنباط الفقهي للوقوف على أحكام الوقائع والنوازل، لا ينبغي إغلاقه ولا سده كما أن إباحته بلا قيود ولا حدود مفسدة عظيمة ... لذلك لا بد من تقييده وعدم اعتباره إلا إذا توفر للمجتهد نصيب معين من العلم والتقي (٣) .

стр. 15070

إن سد الذرائع معتبر في الشرع بالنقل والعقل من الكتاب والسنة وقد عمل به كل من الصحابة والتابعين ومن بعدهم أئمة المذاهب. وأخيرًا: وإن هذا الأصل والمستند الشرعي من خصائص ومآثر الإمام مالك ومما فتح الله به عليه وخصه به دون سائر الأئمة، كما أن المولى تعالى قد فتح على كل من الأئمة منافذ من المعرفة ... فقد يجهد هذا الفقيه أو ذلك في الرد على الآخر في ما استقل به من مصدر أو دليل ومع ذلك يبقى البنيان شامخًا والمذهب راجحًا. فهذا الإمام أبو حنيفة وقوله بالاستحسان. والحنابلة والمالكية القائلون باستصحاب الحال، فلكل منهجه في التفكير وأسلوبه الذي يتميز به عن أقرانه أو سابقيه ولاحقيه. وتلك حكمة الله في خلقه ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ (٢٦٩) ﴾ [البقرة: ٢٦٩] .

стр. 15071

خاتمة القول إن القائلين بسد الذرائع إنما حملهم على القول به خوفهم من التلاعب على أحكام الشريعة أو الوصول إلى العبث فيها باتخاذ ما هو حلال من حيث الظاهر والأصل وسيلة إلى ما هو ممنوع ومحرم، فقالوا بسد الذرائع احتياطًا في شرع الله مع أن الأمر لا يعدو في الغالب قيام شبهة في القصد فما الشأن إذا كان القصد صريحًا والتحريم لما أحل والتحليل لما حرم الله مقصودًا وجريئاً؟. ويدعي أنه المصلحة وحاجة الزمن ... فلا شك أنه مرفوض ومردود. والحق أن لا مصلحة في مخالفة الشرع وإنما هي المفسدة والأهواء والضلال. وإن هذه الشريعة ـ خاتمة الشرائع ـ قضت حكمته تعالى أن يحفظها ويصونها فقيض لها في كل حين زمان علماء مخلصين ومجتهدين عاملين وطائفة بالحق ظاهرين. يدفعون عن شرع الله تعالى ويكافحون لتبقى الشريعة صافية نقية، مصونة كما أرادها الله تعالى ﴿وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ (٤١) لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ (٤٢) ﴾ [فصلت: ٤١ ـ ٤٢] صدق الله العظيم. والحمد لله رب العالمين الشيخ خليل محي الدين الميس

стр. 15072

سد الذرائع إعداد أ. د وهبة مصطفى الزحيلي رئيس قسم الفقه الإسلامي ومذاهبه بكلية الشريعة ـ جامعة دمشق بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ سد الذرائع الحمد لله رب العالمين ثم الصلاة والسلام على أفضل الأنبياء وأكرم المرسلين وعلى آله وصحبه الطيبين الطاهرين وبعد؛ هذا بحث عن سد الذرائع له أهمية واضحة في علم أصول الفقه وفي الوقائع الفقهية والعقود والحيل الشرعية، كما أن له دورًا واضحًا في غرس عوامل الخشية لله تعالى، وتربية الوازع الديني، والوجدان المسلكي النقي القائم على أساس متين من مراقبة الله في السر والعلن، وفي المطامح والمطامع. وسيظهر من خلال البحث أن فقهاءنا متفقون على ضرورة الأخذ بمبدأ الذرائع سدًا وفتحًا، على وفق ما هو مقرر في صرائح النصوص الشرعية، وهم إن اختلفوا في بعض تطبيقاته تأثرًا بما ينازعهم من أصول اجتهادية أخرى له صفة العموم في منهجهم الاستنباطي، فإنهم في بقية الحالات يعلنون صراحة الأخذ بالذرائع، وبخاصة ما جاء به النص القرآني أو النبوي، وسيتبين ذلك صراحة من خلال إيراد عبارات أئمة المذاهب حول اعتماد الذرائع أصلًا من أصول الشريعة. وسيكون بحث هذا الموضوع بحسب الخطة التالية: ١- تعريف الذرائع، بيان معنى سدها. ٢- الفرق بين الذريعة والسبب، والوسيلة المستلزمة للمتوسل إليه. ٣- المقارنة بين الذرائع والحيل الفقهية ومدى الوفاق أو الخلاف بينها. ٤- أقسام الذرائع بحسب القطع بتوصيلها للحرام وعدم القطع، أحكامها وشروطها. ٥- موقف أئمة الفقه من الاحتجاج والأخذ بسد الذرائع، مع تحرير محل النزاع في ذلك. ٦- هل الأخذ بالذرائع مما اختص به المذهب المالكي، أو أن الأخذ بها ثابت في كل المذاهب وإن لم تصرح به؟ شواهد من فقه الأئمة الأربعة على العمل بسد الذرائع. ٧- أثر القول بسد الذرائع، اعتبارها وعدم اعتبارها في الفروع الفقهية. ٨- أمثلة لفتح الذرائع وسدها.

стр. 15073

١-تعريف الذرائع، بيان معنى سدها: الذريعة في اللغة: هي الوسيلة التي يتوصل بها إلى الشيء، وهذا المعنى يشمل كل ما له صلة تؤدي إلى غيره، بغض النظر عن صفة الجواز أو المنع؛ لأن ذلك من خصائص الأحكام الشرعية. وهي في اصطلاح علماء الأصول لها معنى عام ومعنى خاص، أما المعنى العام: فهو ما ذكره ابن القيم، وهو أن الذريعة: ما كان وسيلة وطريقًا إلى الشيء (١) . والمراد بالشيء هنا الأحكام الشرعية من طاعة أو معصية. فكل ما كان انتقالًا من الجائز إلى المحظور أو بالعكس فهو ذريعة. وأما المعنى الخاص: فهو ما ذكره الشاطبي وهو أنها: ما يتوصل به إلى الشيء الممنوع المشتمل على مفسدة (٢) . وهذا يقصر الذريعة على الذريعة المحرمة، أي الوسيلة غير الممنوعة بذاتها المتخذة جسرًا إلى فعل محظور، وذلك إذا قويت التهمة في أدائها. ويترتب على المعنى العام أن الذريعة تسد وتفتح، وتأخذ حكم المقصد أو الغاية، ويكون تعبير الذرائع في مجال الأحكام الشرعية ذا حدين: سد الذرائع: ومعناه الحيلولة دون الوصول إلى المفسدة إذا كانت النتيجة فسادًا؛ لأن الفساد أو الحظر ممنوع، وفتح الذرائع: ومعناه الأخذ بالذرائع إذا كانت النتيجة مصلحة؛ لأن المصلحة مطلوبة شرعًا، قال القرافي (٣) . " اعلم أن الذريعة كما يجب سدها يجب فتحها، وتكره، وتندب، وتباح، فإن الذريعة هي الوسيلة، فكما أن وسيلة المحرم محرمة، فوسيلة الواجب واجبة كالسعي للجمعة والحج.

стр. 15074

وموارد الأحكام على قسمين: مقاصد: وهي المتضمنة للمصالح والمفاسد في أنفسها. ووسائل: وهي الطرق المفضية إليها، وحكمها حكم ما أفضت إليه من تحريم وتحليل غير أنها أخفض رتبة من المقاصد في حكمها. والوسيلة إلى أفضل المقاصد أفضل الوسائل، وإلى ما يتوسط متوسطة. ومما يدل على حسن الوسائل الحسنة قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لَا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلَا نَصَبٌ وَلَا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ﴾ [التوبة: ١٢٠] فأثابهم الله على الظمأ والنصب، وإن لم يكونا من فعلهم بسبب أنهما حصلا لهم بسبب التوسل إلى الجهاد الذي هو وسيلة لإعزاز الدين وصون المسلمين، فيكون الاستعداد وسيلة الوسيلة ". يتضح من هذا البيان الدقيق أن وسيلة المحرم محرمة، ووسيلة الواجب واجبة، لكن هذا مبني على قاعدة مقررة عند جمهور العلماء في مباحث الحكم الشرعي: وهي " ما لا يتم الواجب به فهو الواجب " فالفاحشة حرام، والنظر إلى عورة الأجنبية حرام، لأنها تؤدي إلى الفاحشة، والجمعة فرض فالسعي إليها فرض وترك البيع لأجل السعي فرض أيضًا، والحج فرض، والسعي إلى البيت الحرام وسائر مناسك الحج فرض لأجله؛ لأن الشارع إذا كلف العباد أمرًا، فكل ما يتعين وسيلة له مطلوب بطلبه، وإذا نهى الناس عن أمر، فكل ما يؤدي إلى الوقوع فيه حرام أيضًا.

стр. 15075

وقد ثبت هذا بالاستقراء للتكاليف الشرعية طلبًا ومنعاً (١) . فقد وجدنا الشارع ينهي عن الشيء، وينهى عن كل ما يوصل إليه، ويأمر بالشيء، ويأمر بكل ما يوصل إليه، فقد أمر بالمحبة بين الناس، ونهى عن التباغض والفرقة، ونهى عن كل ما يؤدي إليها (٢) . فنهى أن يخطب الرجل على خطبة أخيه، وأن يستام (يسوم) على سوم أخيه أو يبتاع على بيعه (٣) . وما ذاك إلا أنه ذريعة إلى التباغض المنهي عنه ونحوه. وقد أسهب ابن القيم في بيان هذا الأصل وتقريره وإثباته بالأدلة الشرعية (٤) . ويترتب على المعنى الخاص للذريعة: حسم وسائل الفساد، أي قطعها نهائيًا، ومنه الجائز المؤدي إلى المحظور؛ لأن الشرع نهي عن المفاسد ذاتها، ونهى أيضًا عن كل أمر يتضمن منفعة، لكنه يفضي إلى المفسدة، ولو من غير إرادة المكلف، كشرب الخمر المؤدي إلى السكر، فإنه أمر منهي عنه لذاته؛ لأن الخمر حرمت لعينها، ولو لم تسكر بسبب تناول القليل منها، ونهى الشرع أيضًا عن الأمور المباحة في ذاتها، الموضوعة لمصلحة، لكنها اتخذت وسيلة للمفاسد، كبيع العينة، ونكاح المحلل، وبيع العنب لعاصره خمرًا، وهو المراد بسد الذرائع، ويترتب أيضًا على هذا المعنى في مجال فتح الذرائع إباحة الوسيلة المؤدية لمصلحة مقصودة شرعًا. والخلاصة: معنى الذرائع ـ كما ذكر القرافي ـ حسم مادة وسائل الفساد دفعًا لها، فمتى كان الفعل السالم عن المفسدة وسيلة للمفسدة، منع مالك من ذلك الفعل في كثير من الصور.

стр. 15076

٢-الفرق بين الذريعة والسبب، وبين الذريعة والوسيلة المستلزمة للمتوسل إليه: الأسباب من جملة الوسائل كما قال القرافي (١) . ويتضح الفرق بين الذريعة والسبب من خلال بيان معنى كل منهما، أما السبب في اللغة فهو الحبل وما يتوصل به إلى غيره، وفي الاصطلاح الأصولي: هو وصف ظاهر منضبط، دل الدليل السمعي على كونه علامة لحكم شرعي (٢) . وقد يكون السبب مناسبًا للحكم فيسمى أيضًا علة كالسفر سبب لجواز الفطر في رمضان، وهو مناسب ظاهر، لتضمنه معنى المشقة التي تقتضي الترخيص، والإسكار سبب لتحريم الخمر، وهو وصف مناسب؛ لأنه يذهب العقول ويضيعها، وقد يكون غير مناسب، كدلوك الشمس، هو سبب لوجوب صلاة الظهر، في قوله تعالى: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ [الإسراء: ٧٨] وعقولنا لا تدرك وجه المناسبة الظاهرة بين السبب والحكم، ومثل ذلك شهود شهر رمضان لوجوب الصوم، وأشهر الحج لفرضيته. وحكم السبب: أنه إذا وجد ترتب عليه مسببه حتما سواء أكان مسببه حكما تكليفيا، كإباحة الفطر في رمضان بسبب السفر، أم إثبات ملك أو حل أو إزالتهما، كالبيع لتملك المبيع، وكالزواج يثبت حل الاستمتاع بين الرجل والمرأة، ويوجب المهر والنفقة، والطلاق يثبت حق المراجعة ـ ولو قال الرجل لا رجعة لي ـ لأن المسبب بترتيب الشارع، لا من الإنسان، وتم الربط بين السبب والمسبب بصنع الله وإرادته، إلا أن السبب (أو المقدمة) قد يتحقق من غير أن يكون فيه معنى الإفضاء أو الذريعة المفضية إلى المفسدة أو النتيجة مطلقا، كالسفر لمعصية، فإنه سبب ويتوقف ارتكاب المعصية على قطع المسافة وتجاوز الوطن، إلا أن السفر ليس من شأنه أن يفضي إلى تلك المعصية.

стр. 15077

كذلك لا يلزم في الذريعة التي يتوصل بها إلى ما فيه مفسدة أن يتوقف عليها وجود تلك المفسدة، فقد يعصي المقيم وقد لا يعصي المسافر، وهناك فرق بين العاصي بسفره والعاصي في السفر، فالأول لا يقصر ولا يفطر؛ لأن سبب هذين السفر، وهو في هذه الصورة معصية، فلا يناسب الرخصة: وأما مقارنة المعاصي لأسباب الرخص فلا تمتنع إجماعًا. يتبين من هذا أن أركان الذريعة ثلاثة: الوسيلة، والإفضاء، والمتوسل إليه أو المتذرع إليه، وهو الممنوع، والأساس في تقدير قوة الإفضاء، كاجتماع البيع والسلف، فإن البيع من الوسائل وهو مقصود بالمنع؛ لأنه وسيلة إلى السلف بمنفعة، فيمنع (١) . ويتبين أيضًا أن الذريعة التي من أركانها الإفضاء للنتيجة: وهو الذي يصل بين طرفي الذريعة: الوسيلة والمتوسل إليه، لا تستلزم وجود المتوسل إليه، فإما أن يتم الإفضاء فعلًا، كعصر الخمر من العنب المبيع للخمار، وإما أن يقدر وجود الإفضاء تقديرًا، من غير أن يفضي بالفعل، وهذا يتحدد في عنصر القصد، فقد يقصد فاعل الوسيلة التذرع بها إلى المتوسل إليه، كمن يعقد النكاح على امرأة ليحلها لزوجها الأول، وقد لا يقصد فاعلها التذرع بها، ولكن كثرة اتخاذها وسيلة في العادة يدل على أنها وسيلة مفضية، كأن يبيع سلعتين بدينارين لشهر، ثم يشتري إحداهما بدينار نقدًا، فإنه متهم بالقصد إلى الجمع بين بيع وسلف معًا، ولو لم يقصد ذلك بالفعل، وقد لا يقصد فاعل الذريعة التذرع بها، ولكنها قابلة في نفسها لاتخاذها وسيلة للإفضاء بها إلى المتوسل إليه، كسب آلهة المشركين، فإنه قابل لحمل المشركين على سب الإسلام أو القرآن أو النبي ﷺ فيمنع منها (٢) .

стр. 15078

أما الوسيلة المستلزمة للمتوسل إليه، فهي تظهر بالعلاقة أو الرابطة القائمة بين السبب والمسبب، فإن تعاطي السبب مستلزم لوجود المسبب كإبرام عقد المبيع المؤدي لإثبات حكمه أو أثره، وهو تملك المشتري المبيع، واستحقاق البائع الثمن في ذمه المشتري. وفي غير دائرة السبب المحض لم يفرق المالكية بين سد الذرائع وتحريم الوسائل، فهما في المعنى سواء، وفرق بعض الشافعية (١) . بينهما، وقالوا بتحريم الوسائل التي تستلزم المتوسل إليه، أي تفضي إليه بصورة قطعية، فهي وحدها الوسائل المحرمة، وهي المعتبرة بالإجماع، كحفر الآبار في طريق المسلمين، وإلقاء السم في أطعمتهم، وسب الأصنام عند من يعلم من حاله أنه يسب الله تعالى، ومنع الماء الذي يستلزم منع الكلأ، الذي هو حرام، فكل هذا من تحريم الوسائل، لا من سد الذرائع، أما المالكية فلا يشترطون هذا القيد الذي ذكره الشافعية، وقالوا بتحريم الوسائل أو الذرائع المختلف فيها غير المجمع عليها، كبيوع الآجال، والنظر إلى الأجنبية، وهي كالمجمع عليها.

стр. 15079

٣-المقارنة بين الذرائع والحيل الفقهية ومدى الوفاق أو الخلاف بينها: رتب العلماء على أصل سد الذرائع منع الحيل في الشريعة، وبخاصة الإمامان ابن تيمية وابن القيم، وأفاض الأخير في بيان وجوه بطلان الحيل إفاضة واسعة، وحمل حملة شديدة على من سماهم " أرباب الحيل " في الجزء الثالث من إعلام الموقعين. والحيلة في اللغة والعرف: المكر والخديعة والكيد، وأكثر ما تستعمل الحيلة في الفعل المذموم أو فيما في تعاطيه خبث. والحيلة عند الفقهاء نوعان: مباحة ومحظورة. فإن قصد بها الوصول إلى الحرام فهي حرام، وإلا فلا. والحيلة الشرعية المباحة: هي التحيل على قلب طريقة مشروعة وضعت لأمر معين، واستعمالها في حال أخرى، بقصد التوصل إلى إثبات حق أو دفع مظلمة، أو إلى التيسير بسبب الحاجة، وبما أن هذا النوع من الحيل لا يهدم مصلحة شرعية، فهو جائز شرعًا، مثاله: أن أهالي بخارى اعتادوا الإجارة الطويلة، وبما أن هذه الإجارة لا تجوز عند الحنفية في الأشجار، اضطروا إلى وضع حيلة بيع الكرام وفاء (١) . فالبيع الوفائي حيلة شرعية اتخذت بسبب حاجة الناس، ولأجل التخلص من قاعدة منع الإجارة الطويلة في الأشجار. والحيلة الشرعية المحظورة: هي تقديم عمل ظاهر الجواز لإبطال حكم شرعي وتحويله في الظاهر إلى حكم آخر (٢) .

стр. 15080

يظهر من هذا التعريف: أن الحيلة هي للتخلص من قواعد الشريعة، فهي أخص من الذريعة، وهناك فرقان آخران بين الحيلة والذريعة، فالذريعة: لا يلزم فيها أن تكون مقصودة، والحيلة: لا بد من قصدها للتخلص من المحرم. والحيلة تجري في العقود خاصة، والذريعة أعم. وكل من الحيلة والذريعة وسيلة لشيء. أجاز فقهاء الحنفية وبعض الشافعية هذه الحيل إذا لم يقصد بها إبطال الأحكام صراحة، وإنما ضمنا، ومنعها مالك والشافعي وأحمد، للقاعدة الأصولية: " الأمور بمقاصدها ". وأن " العبرة في العقود للمقاصد والمعاني لا للألفاظ والمباني " وأن " التشريع مبني على مصالح مقصودة" وأنه يجب سد الذرائع أو الوسائل التي تفوت هذه المصالح، فلو وضع الشارع حكمًا مبنيًا على مصلحة، ثم أجاز الحيلة للتخلص من هذا الحكم، لكان الجواز نقضًا له، وهو تناقض لا يجوز وقوعه. مثاله: الزكاة شرعت لسد حاجة الفقراء، فلو أجيزت هبة المال قبيل آخر الحول، فرارًا من الزكاة، لكان معناه إبطال مقصود الشريعة وإلحاق الضرر بالفقراء. والشفعة شرعت لدفع الضرر، فلو شرع التحيل لإبطالها، لكان عودًا على مقصود الشريعة بالإبطال، وللحق الضرر الذي قصد إبطاله (١) . وأبطل ابن تيمية كل الحيل التي تؤدي إلى إسقاط شرط حرمه الشارع؛ لأن هذه مطلوبات، وإهمالها محرم، وكل ما يؤدي إلى المحرم يكون محرمًا، ولو كان في أصل ذاته مباحًا، وكذلك إذا كان غرضه أن يصل إلى أمر محلل، ولكنه لم يستطع الوصول إليه إلا بأمر محرم، فإنه في هذه الحال لا يكون التحايل سائغًا لأن المحرم الذي اتخذ وسيلة إلى الحلال حرام لذاته، كمن يتخذ الخيانة سبيلًا للوصول إلى حقه، أو شهادة الزور سبيلًا لإثبات حق مجحود، فإنه لا يسوغ؛ لأن الخيانة حرام لذاتها، وشهادة الزور حرام لذاتها، والمفسدة التي تترتب على فساد الشهادات وضياع الأمانات أشر من المفسدة التي تقع بضياع حق مفرد لواحد من الناس، فإنه إذا ساغ الاستشهاد بالزور لإثبات حق، فيستشهد بالزور لإثبات الباطل، وإذا ساغت الخيانة للوصول إلى الحق، فيسوغها لنفسه من يريدها لذاتها، وبذلك يكون أمر الناس فرضي، والحرام لذاته لا يباح مطلقا، ولا في أي حال إلا للضرورة (٢) . وقال في المغني: والحيل كلها محرمة لا تجوز في شيء من الدين، وهو أن يظهرا عقدًا مباحًا يريدان به محرمًا، مخادعة وتوسلًا إلى فعل ما حرم الله تعالى، واستباحة محظوراته، أو إسقاط واجب أو دفع حق ونحو ذلك (٣) .

стр. 15081

٤-أقسام الذرائع بحسب القطع بتوصلها للحرام وعدم القطع، أحكامها وشروطها: تنقسم الذريعة بالمعنى الخاص بحسب أحوال إفضاء الوسيلة الجائزة إلى المتوسل إليه الممنوع، ويختلف كل نوع بحسب قوة الإفضاء الذي يتردد بين أن يكون قطعيًا، أو كثيرًا غالبًا أو كثير غير غالب، أو نادرًا. وكان الشاطبي ﵀ أول من قسم الذرائع باعتبار مآلها وقطعية توصيلها للحرام وعدم القطع، وما يترتب عليها من ضرر أو مفسدة إلى أربعة أقسام (١) . الأول: ما يكون أداؤه إلى المفسدة قطعًا: كحفر البئر خلف باب الدار في وسط الظلام، بحيث يقع الداخل فيه حتمًا، وشبه ذلك، هذا ممنوع غير جائز وإذا فعله شخص يعد متعديًا بفعله، ويضمن ضمان المتعدي في الجملة: إما لتقصيره في إدارك الأمور على وجهها، أو لقصده نفس الأضرار. الثاني: ما يكون أداؤه إلى المفسدة نادرًا: كحفر البئر بموضع لا يؤدي غالبا إلى وقوع أحد فيه، وبيع الأغذية التي غالبها ألا تضر أحدًا، وهذا مباح باق على أصله من الإذن فيه؛ لأن الشارع أناط الأحكام بغلبة المصلحة، ولم يعتبر ندور المفسدة، إذ ليس في الأشياء خير محض، ولا شر محض، ولا توجد في العادة مصلحة خالية في الجملة عن المفسدة. قال الشاطبي: ولا يعد هنا قصد القاصد إلى جلب المصلحة أو دفع المفسدة ـ مع معرفته بندور المضرة عن ذلك ـ تقصيرًا في النظر، ولا قصدًا إلى وقوع الضرر، فالعمل إذن باق على أصل المشروعية.

стр. 15082

الثالث: ما يكون أداؤه إلى المفسدة كثيرا لا نادرًا، ويغلب على الظن إفضاؤه إلى الفساد، كبيع السلاح إلى أهل الحرب، وبيع العنب إلى الخمار ونحوهما. وهذا هو الكثير الغالب. وحكمه أنه يلحق الظن الغالب بالعلم القطعي لأمور: ١- أن الظن في الأحكام العملية يجري مجرى العلم، فالظاهر جريانه هنا. ٢- نص الشارع على سد الذرائع كما سيأتي بيانه، وهذا القسم داخل في مضمون النص؛ لأن معنى " سد الذائع " هو الاحتياط للفساد، والاحتياط يوجب الأخذ بغلبة الظن. ٣- إن إجازة هذا النوع فيه تعاون على الإثم والعدوان والمنهي عنه. ٤- أن يكون أداؤه إلى المفسدة كثيرًا، لا غالبًا ولا نادرًا، كبيوع الآجال، فإنها تؤدي إلى الربا كثيرًا لا غالبًا، وهذا موضع نظر والتباس، فإما أن ينظر إلى أصل الإذن بالبيع، فيجوز، وهو مذهب الشافعي وأبي حنيفة؛ لأن العلم أو الظن بوقوع المفسدة منتفيان، إذ ليس هنا إلا احتمال مجرد بين الوقوع وعدمه، ولا قرينة ترجح أحد الجانبين على الآخر، ولا يبنى المنع إلا على العلم أو الظن، وأيضًا لا يصح أن نحمل عمل العامل وزرا لمفسدة لم يقصدها، ولم يكن مقصرًا في الاحتياط لتجنبها، لأنها ليست غالبة، وإن كانت كثيرة. وإما أن ينظر إلى كثرة المفاسد، وإن لم تكن غالبة، فيحرم، وهذا هو مذهب مالك وأحمد، لأسباب ثلاثة: ا- أنه يراعي كثرة وقوع القصد إلى الربا في هذه البيوع، أما القصد نفسه فلا ينضبط، أما إنها مظنة الوقوع فقد تتخلف المفسدة في حالة من الحالات، وكثرة وقوع المفاسد مع قابلتيها للتخلف يجعلها قريبة الوقوع، ويجب الاحتياط لها في العمل، إذ إن كثرة المفاسد في باب الاحتياط تصل إلى درجة الأمور الظنية الغالبة، أو المعلومة علميًا قطعيًا في مجاري العادات، لأنها تشارك حال غلبة الظن، وحال العلم في كثرة المفاسد المترتبة، ودرء المفاسد مقدم على جلب المصالح.. وقد اعتبرت الكثرة في حديث أم ولد زيد بن أرقم الذي سيذكر في حجية الذرائع.

стр. 15083

ب- في بيوع الآجال تعارض أصلان: لأن البيع في الأصل مأذون فيه، وهناك أصل ثان: وهو صيانة الإنسان عن إيقاع الضرر بغيره، ويرجح الأصل الثاني لكثرة المفاسد المترتبة، فيجب المنع من هذه البيوع، ويخرج بالترجيح الفعل عن أصله وهو الإذن إلى العمل بالأصل الثاني، وهو المنع، سدا لذرائع الفساد والشر. ج- وردت نصوص كثيرة بتحريم أمور كانت في الأصل مأذونا فيها، لأنها تؤدي في كثير من الأحوال إلى مفاسد، وإن لم تكن غالبة ولا مقطوعًا بها، فنهى النبي ﷺ عن الانتباذ في الأوعية التي قد يتخمر النبيذ فيها ولا يعلم به، وهي الجرار الخضر ونحوها، لئلا يتخذ ذريعة، وحرم ﵊ الخلوة بالأجنبية، وأن تسافر المرأة مع غير ذي رحم محرم، ونهى عن بناء المساجد على القبور وعن الصلاة إليها، وعن الجمع بين المرأة وعمتها أو خالتها، وقال: إنكم إن فعلتم ذلك قطعتم أرحامكم، وحرم خطبة المعتدة ونكاحها، حتى لا تكذب في انتهاء العدة، وحرم على المرأة في عدة الوفاة الطيب والزينة وسائر دواعي النكاح، ونهى عن البيع والسلف، وعن هدية المدين، وميراث القاتل، وحرم صوم يوم عيد الفطر والأضحى، إلى غيره مما هو ذريعة، فقد كان النهي في هذه الحالات خشية وقوع المفاسد التي قد تترتب عليها، وإن لم يكن المترتب بغلبة الظن أو بالعلم القاطع، والشريعة مبنية على الاحتياط والأخذ بالجزم، والتحرز مما عسى أن يكون طريقًا إلى مفسدة، كما قال الشاطبي.

стр. 15084

-أحكام الذرائع: المهم في بيان أحكام الذرائع تخصيصها بالذرائع بالمعنى الخاص: وهي الوسائل الجائزة المؤدية إلى ممنوع في النوع الأهم من أنواع الذريعة بالمعنى العام، وهي محل النزاع أو الخلاف بين العلماء كما سيأتي بيانه. أما حكم الذرائع بالمعنى العام (وهي الوسيلة الجائزة المؤدية إلى الجائز الممنوع وبالعكس) فقد عرفنا أن القرافي حكم عليها بأن وسيلة المحرم محرمة، ووسيلة الواجب واجبة، كالسعي للجمعة والحج، لكن ابن الشاط في حاشيته على الفروق (١) لا يسلم له هذا الإطلاق ويصحح القول بعدم لزومه فيقول: (جميع ما قاله في هذا الفرق صحيح غير ما قاله منه أن حكم الوسائل حكم ما أفضت إليه من وجوب أو غيره، فإن ذلك مبني على قاعدة أن: ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، والصحيح أن ذلك غير لازم فيما لم يصرح الشرع بوجوبه والله تعالى أعلم) . وكذلك القرافي نفسه ذكر تحت عنوان (تنبيه) بعد كلامه السابق (٢) : القاعدة أنه كلما سقط اعتبار المقصد، سقط اعتبار الوسيلة، فإنها تبع له في الحكم، وقد خولفت هذه القاعدة في الحج، في إمرار الموس على رأس من لا شعر له، مع أنه وسيلة إلى إزالة الشعر، فيحتاج أي دليل يدل على أنه مقصود في نفسه، وإلا فهو مشكل على القاعدة. وفي (تنبيه) أخر يقول القرافي: قد تكون وسيلة المحرم غير محرمة إذا أفضت إلى مصلحة راجحة، كالتوسل إلى فداء الأسارى بدفع المال للكفار الذي هو محرم عليهم الانتفاع به، بناء على أنهم مخاطبون بفروع الشريعة عندنا، وكدفع مال لرجل يأكله حرامًا، حتى لا يزني بامرأة إذا عجز عن دفعه عنها إلا بذلك، وكدفع المال للمحارب حتى لا يقع القتل بينه وبين صاحب المال عند مالك رحمه الله تعالى، ولكنه اشترط فيه أن يكون يسيرًا، فهذه الصور كلها الدفع وسيلة إلى المعصية بأكل المال، ومع ذلك فهو مأمور به لرجحان ما يحصل من المصلحة على هذه المفسدة.

стр. 15085

والخلاصة: ليس للوسيلة حكم ما تفضي إليه بإطلاق، بل إن هناك اعتبارات أخرى تؤثر في تحديد حكمها (١) ، ومن أهم هذه الاعتبارات ظرف الضرورة، كالجهاد مع أن فيه تعريض النفس للهلاك، أو ظرف الحاجة مثل كشف العورة والنظر إليها فذلك مطلوب نظرًا للمال. وأما حكم الذرائع بالمعنى الخاص فيتردد بين الجواز عند وجود المصلحة، والمنع أو التحريم عند وجود المفسدة أو كون النتيجة (المتوسل إليه) حرامًا. تكون الذريعة جائزة إذا كان أداؤها للفعل المحرم نادرًا، سواء أكانت الوسيلة مباحة أو مندوبة أو واجبة؛ لأن في منعها حرجًا وتعطيلًا لمصالح كثيرة، مثال الوسيلة المباحة: التصرفات العادية مع كونها قابلة للإفضاء إلى المحرم، ومثال الوسيلة المندوبة: التصدق على المساكين بالمال، فهو مندوب، لكن يحتمل إنفاق المال في وجوه الحرام. ومثال الوسيلة الواجبة: دفع الزكاة لمسلم، فأنفقها في حرام. وتكون الذريعة ممنوعة إذا كان أداؤها للفعل المحرم قطعًا أو كثيرًا غالبًا أو غير غالب، سواء أكانت الوسيلة مباحة أو مندوبة أو واجبة. مثال الوسيلة المباحة: اتخاذ البيع أو الشراء أو القرض ذريعة لأكل الربا. ومثال الوسيلة المندوبة: الاشتغال بالنافلة على وجه يظن الجاهل معها فرضيتها. ومثال الوسيلة الواجبة: الصدق إذا أدى إلى كشف أسرار المسلمين لأعدائهم، أو التفريق بينهم بإيقاع العداوة، تمنع الوسيلة في هذه الحالات للتحقق من الوقوع في المفسدة، وتعتبر الغلبة أو الكثرة في حكم القطع؛ لأن درء المفسدة مقدم على جلب المصلحة احتياطًا، وعملًا بالقاعدة: (ما اجتمع الحلال والحرام إلا غلب الحرام الحلال) .

стр. 15086

-شروط الذرائع: للذرائع شروط تفهم من تقسيمات العلماء لها كالشاطبي وابن القيم (١) . فإذا كانت الذريعة جائزة يشترط فيها شرطان. ١- أن يكون الوقوع في المفسدة نادرًا: ففي حال الندرة لا يمنع الفعل؛ لأنه ليس في الأشياء خير محض ولا شر محض، والنادر لا حكم له. ٢- أن تكون مصلحة الفعل أرجح من مفسدته، كالنظر إلى المخطوبة، والمشهود عليها. والمصلحة: غرض الشارع في كل أوامره ونواهيه وفي كل تشريعاته وأحكامه، والمفسدة: هي التي اعتبرها الشرع ضررًا، لا ما يراه الإنسان مفسدة. وإذا كانت الذريعة ممنوعة فيشترط فيها ثلاثة شروط: ١- أن تكون من شأنها الإفضاء إلى المفسدة لا محالة (قطعاً) أو غالبًا أو كثيرًا، فإن لم تتحقق المفسدة أو كانت قليلة أو نادرة فلا تمنع الوسيلة، مثلا (شرب المسكر مفض) لا محالة إلى مفسدة السكر، والزنى مفض إلى اختلاط الماء وفساد الفراش. ٢- أن تكون المفسدة أرجح مما قد يترتب على الوسيلة من المصلحة، وإن كانت الوسيلة مباحة لم يقصد بها التوصل إلى مفسدة، مثل سب آلهة المشركين بين ظهرانيهم، أي في ديارهم أو أمامهم. ٣- أن يقصد بالمباح التوصل إلى مفسدة، كعقد الزواج المقصود به التحليل، وعقد البيع الذي قصد به التوصل إلى الربا.

стр. 15087

٥- موقف أئمة الفقه من الاحتجاج والأخذ بسد الذرائع، من تحرير محل النزاع في ذلك: انقسم العلماء في الظاهر بالنسبة للأخذ بالذرائع فريقين: الاتجاه الأول للمثبتين: وهم المالكية والحنابلة والشيعة والإمامية (١) : اعتبر هؤلاء مبدأ الذرائع أصلًا من أصول الفقه. الاتجاه الثاني للمانعين: وهم الحنفية والشافعية والظاهرية (٢) : لم يأخذ هؤلاء بالذرائع الاجتهادية غير النصية المصرح بها في الكتاب والسنة. وقد صرح الإمام الشافعي في كتابه الأم (٣) . في الأخذ بالذرائع النصية ـ كما تقدم ـ فقال: وفي منع الماء ليمنع به الكلأ الذي هو من رحمة الله عام يحتمل معنيين: أحدهما ـ أن ما كان ذريعة إلى إحلال ما حرم الله لم يحل، وكذلك ما كان ذريعة إلى تحريم ما أحل الله لم يحرم. فإن كان هذا هكذا ففي هذا ما يثبت أن الذرائع إلى الحلال والحرام تشبه معاني الحلال والحرام.

стр. 15088

أدلة المثبتين: استدل أصحاب الاتجاه الأول لإثبات حجية الذرائع وكونها أحد أصول التشريع بأدلة واضحة من القرآن والسنة (١) . فمن القرآن الكريم قوله تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا وَاسْمَعُوا﴾ [البقرة: ١٠٤] ، والمراد من كلمة (راعنا) المنهي عنها أنها اسم فاعل من الرعونة، كان اليهود يستعملون هذه الكلمة بقصد سب النبي ﷺ ، وقوله سبحانه في حيلة اصطياد السمك من اليهود موبخًا لهم: ﴿وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ لَا تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾ [الأعراف: ١٦٣] . وأدلتهم في السنة النبوية: قوله ﷺ : ((دع ما يريبك إلى ما لا يريبك)) (٢) . وقوله: ((إن الحلال بين وإن الحرام بين، وبينهما أمور مشتبهات)) (٣) . ((المؤمنون وقافون عند الشبهات)) (٤) . ((من حام حول الحمى يوشك أن يواقعه)) (٥) . ((الإثم ما حاك في صدرك، وكرهت أن يطلع عليه الناس)) (٦) . ((استفت قلبك وإن أفتاك المفتون)) (٧) . ((إن من أكبر الكبائر أن يلعن الرجل والديه)) ، قيل: يا رسول الله، كيف يلعن الرجل والديه؟ قال: ((يسب أبا الرجل فيسب أباه، ويسب أمه فيسب أمه)) (٨) .

стр. 15089

واستدل ابن تيمية ﵀ على سد الذرائع بشواهد قولية وعملية من السنة، وهي ما يأتي: ١- الحديث السابق الذي ينهي عن شتم الرجل أبوي غيره، حتى لا يكون ذريعة إلى سب أبوي نفسه؛ لأن سب الغير يؤدي إليه. ٢- إن الشارع نهي عن خطبة المعتدة؛ لأنه قد يجر إلى ما هو أكبر منه، وهو الزواج في العدة. ٣- نهيه ﵊ عن بيع وسلف (١) ، مع أنه لو أفرد أحدهما عن الآخر يصح، لئلا يؤدي إلى الربا. ٤- نهى النبي ﷺ وأصحابه المقرض عن قبول هدية المقترض (٢) ، حتى يحسبها من دينه، لئلا يتخذ ذريعة إلى تأخير الدين لأجل الهدية، فيكون ربا. ٥- إن الشارع منع أن يكون للقاتل ميراث (٣) ، لكيلا يتخذ القتل سبيلا لتعجيل الميراث. ٦- اتفق الصحابة على قتل الجماعة بالواحد، مع ما فيه من عدم المساواة، وذلك كيلا يكون ذريعة إلى الإجرام، ولا عقاب عليه. ٧- إن الله منع رسول الله ﷺ ، لما كان بمكة، من الجهر بالقرآن، فيسبون القرآن ومن أنزله ومن جاء به. قال ابن تيمية بعد هذه الشواهد: والكلام في سد الذرائع واسع لا يكاد ينضبط، ولم نذكر من شواهد هذا الأصل إلا ما هو متفق عليه أو منصوص عليه، أو مأثور عن الصدر الأول شائع عنهم، إذ الفروع المختلف فيها، منها ما يحتج لها بهذه الأصول، ولا يحتج بها. والأدلة عدا هذه كثيرة، وأفاض ابن القيم في سردها، حتى إنه أورد تسعًا وتسعين وجهًا للدلالة على سد الذرائع والمنع منها (٤) .

стр. 15090

-تحرير محل النزاع في الذرائع: اتفق العلماء على أنه لا يجوز التعاون على الإثم والعدوان مطلقًا، وأن ما يؤدي إلى إيذاء جماعة المسلمين ممنوع، كحفر الآبار في الطريق العامة، أو إلقاء السم في طعامهم. واتفقوا على أنه لا يجوز سب الأصنام، حيث يكون سببا في سب الله، عملًا بمقتضى قوله تعالى: ﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [الأنعام: ١٠٨] . واتفقوا على أن ما يكون طريقا للخير والشر، وفي فعله منفعة للناس، لا يكون محظورًا، كغرس العنب فإنه يؤدي إلى صنع الخمر، ولكن لم يكن غرسه لهذا الغرض بأصله، وإنما الانتفاع بغرسه أكبر من حصول الإضرار به، والعبرة للغالب (١) . ومثله أيضًا: المجاورة في البيوت خشية الزنى. وأما موضع الخلاف فهو في بيوع الآجال أو بيع العينة (٢) ، قال الشاطبي (٣) : قامت الأدلة على اعتبار الشرع سد الذرائع في الجملة، وهذا مجمع عليه، وإنما النزاع في ذرائع خاصة، وهي بيوع الآجال. من أمثلة بيوع الآجال: أن يبيع البائع سلعة بعشرة دراهم إلى أجل، ثم يشتريها من المشتري بخمسة نقدًا. وهذه البيوع يقال: إنها تصل إلى ألف مسألة. ومن أشباهها في الحكم: كل مباح تذرع به إلى مفسدة كالنظر للضرورة إلى المرأة الأجنبية والتحدث معها من حيث إنه ذريعة للزنى.
следующие страницы →