← Фикх общий

Фикх общий · id 8356

مجلة مجمع الفقه الإسلامي

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (22 276 стр.). Показаны 15156–15195 · переход к 15161.

стр. 15156

٢- سد الذرائع والحيل: يعرف الشاطبي الحيلة بأنها: (تقديم عمل ظاهر الجواز لإبطال حكم شرعي وتحويله في الظاهر إلى حكم آخر) (١) . والحيلة بهذا المفهوم تناقض سد الذرائع؛ لأن سد الذرائع ـ كما سلف توضيحه ـ منع الأمر المباح إذا كان وسيلة لأمر غير مباح، وعلى هذا فإن الذريعة التي تسد هي في بعض الحالات حيلة منعت ويتأتى ذلك بصورة خاصة في الذريعة التي يكون إفضاؤها إلى المحرم بقصد فاعلها كبيوع العينة ـ إذا قصد بها الربا ـ فهي حيلة لأنها تقديم عمل ظاهره الجواز لإبطال حكم شرعي هو تحريم الربا بإظهاره في صورة بيع صحيح. وفي هذا يقول ابن القيم: (فتجويز الحيل يناقض سد الذرائع مناقضة ظاهرة، فإن الشارع سد الطريق إلى المفاسد بكل ممكن، والمحتال يفتح الطريق إليها بحيلة فأين من يمنع الجائز خشية الوقوع في المحرم إلى من يعمل الحيلة في التوسل إليه) (٢) . على أنه لا بد من أن يلاحظ هنا أن التناقض بين سد الذرائع والحيل يكون في حال القصد فقط، أما إذا انعدم القصد كبيوع العينة التي لا يصاحبها قصد، والذرائع التي لا ترد فيها تهمة التحايل أصلًا كسب الأوثان فإنه ذريعة إلى سب المولى ـ تعالى عن ذلك علوًا كبيرًا ـ ومثل هذا لا يقصده مؤمن قطعًا فهو من باب الذرائع لا من باب الحيل، فالذرائع أعم من الحيل (٣) ، ويبدو أن ابن القيم جعل المناقضة بينهما تامة لأن مذهبه يقوم ـ كما أشرنا في تقسيمه ـ على ربط الذريعة بالقصد دائمًا. هذا وقد أشار الأستاذ الدكتور وهبة الزحيلي إلى فرق آخر بين الحيل والذرائع وهو أن الحيل تجري في العقود خاصة أما الذرائع ففي العقود وغيرها فهي أوسع (٤) .

стр. 15157

وفي كل الأحوال فإن بين الذرائع والحيل تداخلًا في بعض الحالات، ولهذا فإن الأصوليين والفقهاء يتناولون إحداهما تبعًا للأخرى، فابن القيم في إعلام الموقعين يتناول الحيل عند حديثه عن سد الذرائع (١) . والشاطبي في الموافقات يتناولهما متجاورتين عند حديثه عن النظر في مآلات الفعال (٢) ، وابن تيمية يأتي تناوله لسد الذرائع تابعًا لحديثه عن الحيل (٣) . وفوق ذلك فإن مواقف الفقهاء من الحيل تتحدد في إطار مواقفهم من سد الذرائع، فالذين يتشددون في سد الذرائع يمنعون الحيل بإطلاق وهم الحنابلة والمالكية، والذين يرون أن الذريعة لا تسد إلا إذا ظهر القصد إلى الممنوع واضحًا في صيغة العقد، هم الشافعية والحنفية قد لا يدخلون في الحيل ما أدخله الأولون فيها وهكذا. وأخيرًا فإن المقارنة السابقة بين الذرائع والحيل لا تمتد إلى الحيل بمعنى المخارج، وهي الحيل التي يقصد بها التوصل إلى إثبات حق أو دفع مظلمة أو التيسير على الناس، كمن يبيع أرضه أو سلعة له أو يهبها لمن يثق به خوفًا من تسلط ظالم حتى إذا اطمئن وزال خوفه عاد فاشتراها أو استرجعها منه (٤) ، وكمن يبيع الذهب الرديء بالنقود الورقية ويشتري بها ذهبًا جيدًا خوفًا من ربا الفضل إذا تقابل الذهبان ببعضهم مع التفاضل (٥) . فإن مثل هذه المخارج جائزة ولها شواهد في الشرع منها قوله تعالى لأيوب ﵇: ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ﴾ [ص: ٤٤] ليبر بقسمه أثناء مرضه في أن يضرب زوجته مائة ضربة (٦) . وقوله ﷺ فيما رواه البخاري عن أبي سعيد الخدري وأبي هريرة ﵄ أن رسول الله ﷺ استعمل رجلًا على خيبر فجاءه بتمر (جنيب) فقال رسول الله ﷺ : أكل تمر خيبر هكذا؟ قال لا والله يا رسول الله، إنا لنأخذ الصاع من هذا بالصاعين والصاعين بالثلاثة، فقال رسول الله ﷺ : (لا تفعل بع الجمع بالدراهم ثم ابتع بالدراهم جنيبًا) وغير هذين من الشواهد والنصوص.

стр. 15158

المبحث الثالث في تقسيم الأصوليين والفقهاء للذرائع وبيان اتجاهاتهم في ذلك للذرائع ـ عند الفقهاء ـ تقسيمان أساسيان يمكن رد التقسيمات الفرعية الأخرى لهما. أول هذين التقسيمين تقسيم ابن القيم، والثاني تقسيم الشاطبي، وسوف أعرض هذين التقسيمين ثم أقارن بينهما. أ- تقسيم ابن القيم: قسم ابن القيم الذرائع من أقوال وأفعال إلى أربعة أقسام: ١- ذريعة أو وسيلة موضوعة للإفضاء إلى المفسدة كشرب الخمر المفضي إلى مفسدة السكر وكالقذف المفضي إلى مفسدة الفرية، والزنى المفضي إلى اختلاط الأنساب. ٢- ذريعة أو وسيلة موضوعة للمباح قصد بها التوسل إلى المفسدة كمن يعقد النكاح قاصدًا به التحليل أو يعقد البيع قاصدًا به الربا. ٣- ذريعة أو وسيلة موضوعة للمباح قصد به التوسل إلى المفسدة لكنها مفضية إليها غالبًا، ومفسدتها أرجح من مصلحتها وأمثلة هذا (الصلاة في أوقات النهي، وسب آلهة المشركين، وتزين المتوفى عنها زوجها في العدة. ٤- وسيلة موضوعة للمباح لم يقصد بها التوسل إلى المفسدة لكنها قد تفضي إليها إلا أن مصلحتها أرجح من مفسدتها، وأمثلة هذا النظر إلى المخطوبة، وكلمة الحق عند السلطان الجائر (١) . والقسم الأول من الأقسام الأربعة ـ عند ابن القيم ممنوع وتأتي درجات المنع منه وكراهيته حسب ترقيه في درجات المفسدة، والقسم الأخير منها مباح وتأتي درجات إباحته حسب ترقيه في درجات المصلحة (٢) . يبقى ـ بعد ذلك ـ النظر إلى القسمين الثاني وهو الأمر المباح في أصله الذي قصد به التوسل إلى المفسدة، والثالث وهو المباح الذي لم يقصد به التوسل إلى المفسدة إلخ. لكنه يفضي إليها ومفسدته أرجح من مصلحته. وهذان النوعان هما اللذان يمنعان سدًا للذريعة عنده وقد أقام ابن القيم الحجة على ذلك بعد أن بسط هذه الأقسام.

стр. 15159

ب- تقسيم الشاطبي: قسم الشاطبي الذرائع إلى الأقسام التالية: ١- ما يكون من الأفعال مؤديًا إلى المفسدة قطعًا في العادة ومثل له بحفر البئر خلف باب الدار أو في الظلام بحيث يقع الداخل فيه بلا بد وشبه ذلك. ٢- ما يكون من الأفعال مؤديًا إلى المفسدة نادرًا ـ لا قطعًا ولا كثيرًا ـ كحفر البئر بموضع لا يؤدي غالبًا إلى وقوع أحد فيه، وأكل الأغذية التي غالبها لا يضر أحدًا. ٣- ما يكون أداؤه إلى المفسدة كثيرًا وهو على وجهين. ـ أحدهما: ما يكون غالبًا في كثرته بحيث يغلب على الظن أداؤه إليها كبيع السلاح وقت الحرب، وبيع العنب لخمار ونحو ذلك مما يقع في غالب الظن أداؤه إلى المفسدة. _ثانيهما: ما يكون أداؤه إلى المفسدة كثيرًا ولكن كثرته لم تبلغ مبلغًا تحمل العقل على ظن المفسدة فيه دائمًا كمسائل بيوع الآجال (١) . وقال عن القسم الأول وهو ما أدى إلى المفسدة قطعًا بحسب العادة: إنه جائز من حيث الأصل إلا أنه مظنة لقصد الإضرار، والإضرار لا يجوز سواء كان مقصودًا وهو ظاهر عدم جوازه، أو كان ناتجًا عن تقصير في النظر وهو الآخر غير جائز. وقال عن القسم الثاني وهو ما أدى إلى المفسدة نادرًا أنه على أصله من الإذن لغلبة المصلحة فيه وعدم اعتبار الندور في انخرامها لأنه لا توجد في الجملة مصلحة عرية عن المفسدة. وقال عن الوجه الأول من القسم الثالث وهو ما يغلب على الظن أداؤه إلى المفسدة كبيع السلاح وقت الحرب إلخ: إن الظن هنا يلحق بالعلم القطعي ويعتبر سدًا للذريعة إلا أنه مع ذلك ـ قرر أن هذا الضرب أخفض مرتبة من القطعي ولهذا وقع الخلاف فيه من جهة هل تقوم مظنة الشيء مقام نفس القصد إلى ذلك الشيء أم لا (٢) ؟ أما الوجه الثاني ـ من القسم الثالث ـ وهو ما أدى إلى المفسدة كثيرًا لا غالبًا كبيوع الآجال فقد قرر فيه أنه موضع نظر والتباس، والأصل فيه الحمل على الأصل وهو صحة الإذن لأن العلم والظن بوقوع المفسدة منتفيان فيه وليس فيه إلا احتمال التردد بين وقوع المفسدة وعدمه ولا قرينة ترجح أحد الاحتمالين على الآخر، كما أن احتمال القصد إلى المفسدة لا يقوم مقام نفس القصد (٣) .

стр. 15160

جـ- المقارنة بين التقسيمين: أولًا: يختلف التقسيمان من ناحية منطقهما، فابن القيم يقوم منطقه على ملاحظة النية والقصد في الفعل، ولهذا تتكرر عنده عبارة الفعل المباح في أصله الذي قصد به التوسل إلى المفسدة، أما الشاطبي فلا ينظر إلى القصد في الفعل بقدر ما ينظر إلى نتائج ذلك الفعل وآثاره بحسب المآل الظاهري، ولهذا تجده يتعلق بشكل ظاهر بدرجة أداء الفعل للمفسدة من حيث القطعية والظنية. والاختلاف في منطق المسألة عند الإمامين هنا راجع إلى اختلاف كبير في الفقه وهو هل يكون النظر إلى أي فعل بحسب آثاره الظاهرة أو بحسب نية قصد فاعله منه، بتعبير آخر هل الاعتداد في الأحكام الدنيوية يكون بالإرادة الباطنة أم الظاهرة؟ ثانيًا: يلاحظ أن ابن القيم وقد جعل المعيار في تقسيمه على النية والقصد يحسم موضوع بيوع الآجال ونكاح التحليل ويسد الذريعة في كل منهما، أما الشاطبي فقد كان أكثر رحابة وتقبلًا للخلاف في مثل هذه المسائل. ثالثًا: يلاحظ على ابن القيم في تقسيمه أنه أدخل أمورًا ليست من الذرائع فيها فالقسم الأول من أقسامه يجعله للذريعة أو الوسيلة الموضوعة للإفضاء إلى المفسدة، كشرب الخمر المفضي إلى مفسدة السكر، والقذف المفضي إلى مفسدة الفرية، والزنى المفضي إلى اختلاط الأنساب، وكل ما ذكره في هذا القسم يدخل ـ حقيقة ـ في باب المقاصد لا الذرائع؛ لأن شرب الخمر حرام لذاته كما أن الزنى والقذف محرمان لذاتهما، وليس ذلك من باب الذرائع، ولو ساغ لنا أن نعتبر هذا النوع من الذرائع لأدخلنا فيها كل الأمور المنهي عنها شرعًا لأن كل أمر نهى عنه الشارع فإن نهيه عنه يكون لمفسدة تترتب عليه. رابعًا: يمكننا أن نقرر ـ فيما وراء ما سبق من اختلافات بين الإمامين في تقسيمهما ـ أن القدر المشترك بينهما هو المباح في أصله الذي يكون وسيلة للمفسدة فهذا هو الذي تسد فيه الذريعة مع الاختلاف في الدرجة بحسب القطعية والظنية، وهذا اتجاه الشاطبي ومع ملاحظة النية والقصد وهو اتجاه ابن القيم. أما التقسيمات الأخرى للفقهاء للذرائع، كتقسيم القرافي والصاوي من المالكية، وابن الرفعة من الشافعية، وغيرهم، فهي تقسيمات أساسها موقف العلماء من الذرائع من جهة ما هو مجمع على سده وما هو موضع خلاف، ولا تتعدى ذلك إلى ذات الذرائع، ولهذا فإن الأنسب تناولها خلال الحديث عن موقف الأئمة والفقهاء من سد الذرائع.

стр. 15161

المبحث الرابع في موقف أئمة الفقه من الأخذ بسد الذرائع مع شواهد وتطبيقات يقسم الفقهاء الذرائع من جهة موقف الأئمة من الأخذ بها أو عدم الأخذ بها إلى ثلاثة أقسام: (١) . ١- قسم أجمعت الأمة على سده ومنعه كحفر الآبار في طريق المسلمين فإنه وسيلة إلى هلاكهم فيها، وإلقاء السم في أطعمتهم فإنه وسيلة إلى إهلاكهم أيضًا. وهذا القسم يسميه الشاطبي ما أدى إلى المفسدة قطعًا في العادة، ويدخل عند ابن القيم في المباح الذي تكون مفسدته أرجح من مصلحته. ٢- قسم أجمعت الأمة على عدم منعه وأنه ذريعة لا تسد ووسيلة لا تحسم كالمنع من العنب خشية الخمر، وكالمجاورة في البيوت خشية الزنى وعدم منع هذا القسم لندور أو توهم المفسدة فيه فضلًا عن وجود مصلحة محققة فيه. ويدخل هذا القسم عند ابن القيم فيما تكون مصلحته أرجح من مفسدته وهو القسم الرابع عنده، ويدخل عند الشاطبي فيما يؤدي إلى المفسدة نادرًا لا كثيرًا ولا غالبًا. ٣- قسم اختلف فيه العلماء وهو ما سماه الشاطبي ما أدى إلى المفسدة كثيرًا وقد رأيناه عند تناولنا لتقسيم الشاطبي إحالته لهذا القسم إلى وجهين: ما يكون غالبًا في كثرته بحيث يغلب على الظن أداؤه إلى المفسدة كبيع السلاح وقت الحرب وبيع العنب للخمار وهو ـ كما أسلفنا أيضًا ـ يمنع هذا النوع ويسده، وإن كان يرى أنه دون القطعي كما يشير إلى وقوع الخلاف فيه، والوجه الثاني ما يكون أداؤه إلى المفسدة كثيرًا لا غالبًا كبيوع الآجال وهو يقرر عند عرضه لهذا النوع أنه موضع نظر والتباس (٢) . أما ابن القيم فيدخل هذا القسم عنده في القسم الثاني، وهو الذريعة الموضوعة للمباح وقصد بها التوصل إلى المفسدة ويمنع عنده هذا القسم سدًا للذريعة كما سلف توضحيه.

стр. 15162

محل النزاع: في ضوء ما سلف بيانه فإن محل النزاع بين العلماء في سد الذرائع هو المباح الذي يكون أداؤه إلى المفسدة كثيرًا بوجهيه السالفين اللذين أوردهما الشاطبي؛ لأن هذا النوع لا يؤدي إلى المفسدة قطعًا فيمنع ولا نادرًا فيباح (١) . وفيما وراء ذلك فإنه أئمة الفقه الأربعة متفقون على الأخذ بمبدأ سد الذرائع في الجملة، وفي هذا يقول القرافي: (وليس سد الذرائع من خواص مذهب مالك كما يتوهمه كثير من المالكية، بل الذرائع ثلاثة أقسام، ثم يعدد الأقسام الثلاثة التي سلف عرضها وصورها الفقهية ثم يعقب على المسائل التي هي محل اختلاف: (فنحن قلنا بسد هذه الذرائع ولم يقل بها الشافعي فليس سد الذرائع خاصًا بمالك ﵀ بل قال بها أكثر من غيره وأصل سدها مجمع عليه (٢) . وفيها يقول القرطبي: (سد الذرائع ذهب إليه مالك وأصحابه، وخالفه أكثر الناس تأصيلًا وعملوا عليه في أكثر فروعهم تفصيلًا ثم يقول: اعلم أن ما يفضي إلى الوقوع في المحظور إما أن يفضي إلى الوقوع قطعًا أو لا يفضي، الأول ليس من هذا الباب بل من باب ما لا خلاص من الحرام إلا باجتنابه ففعله حرام من باب ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب (والذي لا يلزم ـ أي إفضاؤه إلى المحظور قطعًا ـ إما أن يفضي إليه غالبًا أو ينفك عنه أو يتساوى الأمران وهو المسمى بالذرائع عندنا فالأول: لا بد من مراعاته، والثاني والثالث اختلف الأصحاب فيه، فمنهم من يراعيه وربما يسميه التهمة البعيدة والذرائع الضعيفة (٣) .

стр. 15163

نخلص من ذلك إلى أن مبدأ سد الذرائع متفق عليه عند الأئمة مالك وأحمد بن حنبل والشافعي وأبو حنيفة ولم ينازع فيه كمبدأ إلا ابن حزم الظاهري. أما موضع الخلاف فيه فهو ما أدى إلى المفسدة كثيرًا بوجهيه، وهذا يتجه المالكية والحنابلة إلى سد الذريعة فيه، والشافعية إلى عدم سد الذريعة فيه وبخاصة في بيوع الآجال، أما الحنفية فلهم موقف وسط بين الفريقين كما سوف نرى من خلال بعض فروعهم. وأصل الخلاف في هذا القسم راجع ـ كما ذكرنا من قبل ـ إلى أن من الفقهاء من يعول على النية والقصد في الإحكام الدنيوية وبخاصة أحكام البيوع، ومنهم من يعول على الظاهر، والأولون هم المالكية والحنابلة الذين اتجهوا إلى سد الذرائع مطلقًا، والآخرون هم الشافعية والحنفية إلى قدر، أما الأحكام الدينية فالجميع متفق على سد الذرائع فيها. ومما يدل على أخذ الإمام الشافعي بمبدأ سد الذرائع قوله في باب إحياء الموات من كتاب الأم عند الحديث عن النهي عن منع الماء ليمنع به الكلأ إن ما كان ذريعة إلى منع ما أحل الله لم يحل وكذا ما كان ذريعة إلى إحلال ما حرم الله (١) . ومن القواعد الفقهية التي تشهد لسد الذرائع عند الشافعية قواعدهم: ١- ما حرم أخذه حرم إعطاؤه. ٢- ما حرم الله استعماله حرم اتخاذه. ٣- من استعجل شيئًا قبل أوانه عوقب بحرمانه (٢) . ومما يدل على أخذ الحنفية بمبدأ سد الذرائع ما جاء في (بدائع الصنائع) بشأن خروج المرأة إلى صلاة العيد ونحوها إذا كان يخشى منها الفتنة. وأما النسوة فهل يرخص لهن أن يخرجن في العيدين؟ أجمعوا على أنه لا يرخص للثوب منهن الخروج في الجمعة والعيدين وشيء من الصلاة لأن خروجهن سبب الفتنة بلا شك والفتنة حرام وما أدى إلى الحرام فهو حرام) (٣) . وما جاء في الهداية بشأن تعليل منع المرأة الحادة من استعمال الطيب. والمعنى فيه وجهان: أحدهما ما ذكرناه من إظهار التأسف والثاني أن هذه الأشياء دواعي الرغبة فيها وهي ممنوعة من النكاح فتجتنبها كيلا تصير ذريعة (٤) .

стр. 15164

فالمذاهب كلها على هذا آخذة بمبدأ سد الذرائع كما قرره القرافي، والاختلاف فقط اختلاف في تحقيق المناط كما يقول الشاطبي، فالإمام الشافعي في مسائل بيوع العينة مثلًا لا يجيز التذرع إلى الربا بحال إلا أنه لا يتهم من لم يظهر منه قصد إلى الممنوع (١) . وقد يكون الاختلاف في بعض الحالات اختلافًا في التقدير والموازنة بين المصلحة والمفسدة، فمن غلبت عنده المفسدة يسد الذريعة إليها، ومن تغلب عنده المصلحة لا يسد الذريعة، مع اتفاق الجميع على منع الذرائع إلى الفساد والضرر؛ لأن هذا مبدأ أساسي تشهد له الشريعة كلياتها وجزئياتها. وفي هذا المعنى يقول الشاطبي وهو يتناول الحيل: (وكذلك القول في الحيل عند من قال بها مطلقًا فإنما قال بهاء بناء على أن للشارع قصدًا في استجلاب المصالح ودرء المفاسد، بل الشريعة لهذا وضعت، فإذا صحح مثلًا نكاح المحلل فإنما صححه على فرض أنه غلب على ظنه من قصد الشارع الإذن في استجلاب مصلحة الزوجين فيه، وكذلك سائر المسائل بدليل صحته في النطق بكلمة الكفر خوف القتل أو التعذيب، وفي سائر المصالح العامة والخاصة، إذ لا يمكن إقامة دليل في الشريعة على إبطال كل حيلة، كما أنه لا يقوم دليل على تصحيح كل حيلة، فإنما يبطل فيها ما كان مضادًا لقصد الشارع خاصة، وهو الذي يتفق عليه جميع أهل الإسلام، ويقع الاختلاف في المسائل التي تتعارض فيها الأدلة) (٢) .

стр. 15165

أما ابن حزم الذي أنكر سد الذرائع جملة وتفصيلًا فإن إنكاره لها يرجع إلى مبدئه الظاهري الذي يعول فيه كثيرًا على ظواهر النصوص ويرفض الغوص وراء المعاني، يتضح ذلك من قوله بشأن الذرائع: (ذهب قوم إلى تحريم أشياء عن طريق الاحتياط وخوف أن يتذرع منها إلى الحرام البحت، واحتجوا لذلك بما روي عن النعمان بن بشير قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((إن الحلال بين وإن الحرام بين وبينهما مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس فمن اتقى الشبهات استبرأ لدينه وعرضه ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يقع فيه وإن لكل ملك حمى وإن حمى الله محارمه)) (١) . وبعد أن يورد روايات متعددة للحديث يلحق ذلك بقوله: فهذا حض منه ﵊ على الورع، ونص جلي على أن ما حول الحمى ليس من الحمى، وأن تلك المشتبهات ليس بيقين من الحرام، وإذا لم تكن مما فعل من الحرام فهي على حكم الحلال بقوله تعالى: ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ﴾ [الأنعام: ١١٩] فما لم يفصل فهو حلال بقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة: ٢٩] . وبقوله ﷺ ((أعظم الناس جرمًا في الإسلام من سأل عن شيء لم يحرم فحرم من أجل مسألته)) (٢) . فمنطق ابن حزم في عدم القول بسد الذرائع أن التحريم لا يكون إلا بنص مفصل وما وراء ذلك يظل على مبدأ الاستصحاب والعفو وأن الأصل في الأشياء الإباحة. ولاستخدامه لمبدأ الاستصحاب بكثرة في فقهه يرى عدم جواز الحكم بالظن لأنه ليس في حاجة إليه ما دام أن باب العفو والبراءة رحب واسع ومع ذلك فإن ابن حزم يقول بسد الذريعة إذا كان الفعل متيقنًا أداؤه إلى الحرام كالتوضؤ بماءين متيقن نجاسة أحدهما من غير تعيين فإن المصلي بذلك الوضوء يكون مصليًا وهو حامل لنجاسة فهذا لا يجوز، وكذلك القول في ثوبين أحدهما نجس بيقين لا يعرف بعينه (٣) . يبقى ـ بعد ذلك ـ أمر أخير لا بد من الإشارة إليه في حجج ابن حزم التي أوردها في عدم الأخذ بسد الذرائع وهو احتجاجه على الجمهور ببعض الفروع التي لم يقل الجمهور بسد الذريعة فيها حيث يقول بعد وصفه لمذهب الجمهور بالتخاذل والتناقض: (وإذا حرم شيء حلال خوف تذرع إلى حرام فليخص الرجال خوف أن يزنوا، وليقتل الناس خوف أن يكفروا، ولتقطع الأعناب خوف أن يعمل منها الخمر) (٤) . فهذه الصور ـ كما سلف توضيحيه ـ لا يسد الجمهور الذريعة فيها اعتمادًا على أن المفسدة فيها متوهمة أو نادرة وأن المصلحة فيها غالبة.

стр. 15166

المبحث الخامس في الأدلة على حجية سد الذرائع من القرآن والسنة وفتاوي الصحابة يجد سد الذرائع سنده في أدلة كثيرة من القرآن والسنة وعمل الصحابة. - فمن الكتاب: ١- قوله تعالى: ﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [الأنعام: ١٠٨] . ووجه الدلالة في الآية على المقصود أن الله حرم سب آلهة المشركين لئلا يؤدي فعلهم ذلك إلى سب الله تعالى، ومصلحة ترك سبه أرجح من مصلحة سبنا لآلهتهم، وفي هذا تنبيه على المنع من الجائز لئلا يكون سببًا في فعل ما لا يجوز. ٢- قوله تعالى: ﴿وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ﴾ [النور: ٣١] . ووجه: دلالة الآية على المراد أنه سبحانه منعهن من ضرب الأرجل وإن كان هذا الفعل جائزًا في نفسه لئلا يكون سببًا في سماع الرجال صدى حركة الحلي فيثير ذلك فيهم دواعي الشهوة، فالفعل في ذاته مباح لكن ما أدى إليه ممنوع، ولذلك منع. ٣- قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا﴾ [البقرة: ١٠٤] . ووجه دلالة الآية على سد الذرائع أن الله نهاهم عن قول هذه الكلمة مع أن قصدهم حسن في ذلك ـ لئلا يكون قولهم ذريعة إلى التشبه باليهود فإن اليهود كانوا يأتون النبي ﷺ فيقولون يا أبا القاسم راعنا يوهمون أنهم يريدون الدعاء من المراعاة وهم يقصدون فاعلًا من الرعونة (١) .

стр. 15167

- ومن السنة: ١- ما روي أن النبي ﷺ قال: من الكبائر شتم الرجل والديه قالوا: يا رسول الله هل يشتم الرجل والديه؟ قال: ((يسب أبا الرجل فيسب أباه ويسب أمه)) (١) . ٢- نهيه ﷺ عن قتل المنافقين وقوله في ذلك: ((لئلا يتحدث الناس أن محمدًا يقتل أصحابه)) (٢) . فكف ﷺ عن قتل المنافقين مع أن قتلهم مصلحة في ذاته ـ لئلا يكون ذلك ذريعة لنفور الناس عنه. ٣- نهيه ﷺ عن الجمع بين المرأة وعمتها وخالتها لئلا يؤدي ذلك إلى قطع الأرحام (٣) . ٤- قوله ﷺ ((دع ما يريبك إلى ما لا يريبك)) (٤) . ٥- قوله ﷺ ((الحلال بين والحرام بين وبينهما أمور مشتبهات فمن اتقى الشبهات استبرأ لدينه وعرضه ومن وقع في الشبهات كان كالواقع في الحمى يوشك أن يقع فيه)) وقوله: ((ألا لكل ملك حمى وأن حمى الله محارمه، ومن حام حول الحمى يوشك أن يقع فيه)) (٥) .

стр. 15168

ومن عمل صحابة بسد الذرائع: ١- أن الخليفتين أبا بكر وعمر كانا لا يضحيان كراهية أن يظن من رآهما وجوبها (١) . ٢- أن سيدنا عثمان ﵁ أتم الصلاة بالناس في الحج ثم خطب وقال: ((إن القصر سنة رسول الله ﷺ وصاحبيه ولكن حدث طغام فخفت أن يستنوا)) (٢) . ٣- أن سيدنا عمر نهى عن نكاح نساء أهل الذمة سدًا لذريعة مواقعة المومسات منهن وما يجلبه ذلك من ضياع الولد بإفساد خلقه، أثر أن حذيفة بن اليمان تزوج بيهودية فكتب إليه سيدنا عمر أن خل سبيلها، فكتب إليه حذيفة أحرام هي؟ فكتب إليه عمر لا ولكني أخشى مواقعة المومسات منهن (٣) . ٤- ما قضي به ﵁ في الرجل الذي تزوج بالمرأة في عدتها بتطليقها منه وتحريمها عليه تحريمًا مؤبدًا زجرًا لغيره وسدًا لذريعة الفساد، وروى الإمام مالك في الموطأ عن ابن شهاب عن سعيد بن المسيب وسليمان بن يسار: (أن طليحة كانت تحت رشيد الثقفي فطلقها ونكحها غيره في عدتها فضربها عمر بن الخطاب وضرب زوجها بمخفقته وفرق بينهما ثم قال: (أيما امرأة نكحت في عدتها فإن كان زوجها الذي تزوجها لم يدخل بها فرق بينهما ثم اعتدت بقية عدتها من زوجها الأول ثم كان الآخر خاطبًا من الخطاب، وإن كان دخل بها فرق بينهما ثم اعتدت بقية عدتها من الأول ثم اعتدت من الآخر ثم لا يجتمعان ابدًا (٤) . ٥- ضربه ﵁ لصبيغ العراقي حين كان يطوف حاملًا القرآن ليسأله الناس عن مشكلة منعًا له من ذلك وسداّ لذريعة الاشتغال بما لا ينبني عليه عمله (٥) .

стр. 15169

وفوق هذه الأدلة التي تشهد لسد الذرائع من القرآن والسنة وعمل الصحابة وفتاواهم فإن هناك اجتهادات كثيرة للتابعين عملوا فيها بسد الذرائع وبخاصة فقهاء المدينة ككراهيتهم لصيام ستة أيام من شوال بعد رمضان مباشرة وذلك خوفًا من أن يلحق عوام الناس ذلك برمضان ويعتقدون فريضته (١) . وإجازتهم للسلف في الحيوان إذا كان معلوم الصفة ليرد المستلف مثله واستثنائهم الجواري سدًا لذريعة استمتاع المقترض بهن ووصوله إلى ما لا يحل له (٢) . ونهيهم عن البيع والسلف خشية الربا (٣) . والإقالة بغير رأس المال سدًا لذريعة بيع الطعام قبل قبضه (٤) . والأدلة على كل حال في الباب كثيرة وتصحبها أيضًا في ذلك الأدلة التي يوردها العلماء للعمل بمبدأ المصالح المرسلة لأن سد الذرائع ما هو إلا وجه من وجوه الاجتهاد المصلحي ـ كما سلف ذكره ـ لأنه موازنة بين الضر والمصلحة، لدفع الضرر عند غلبته واستفحاله وتقديم المصلحة عند تأكد رجحانها. ويلحق بكل ما سبق في الاستدلال لسد الذرائع مبدأ أن التعاون على الإثم والعدوان لا يجوز مطلقًا وهو مبدأ مقرر بقوله تعالى ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ (٥) [المائدة: ٢]

стр. 15170

المبحث السادس عن أثر الاختلاف في سد الذرائع في اختلاف الفقهاء في الفروع الفقهية كان للاختلاف في تحقيق المناط أو في الموازنة بين المصلحة والمفسدة في بعض صور الذرائع بالصورة التي سلف إجمالها عند الحديث عن موقف المذاهب الفقهية من سد الذرائع أثر في الاختلاف في الفروع الفقهية المأثورة عن تلك المذاهب. وسوف أعرض نماذج لتلك المسائل مبينًا موقف المذاهب الفقهية المختلفة منها. ١- بيع السلاح لمن يستعمله في حرام: يرى فقهاء الحنابلة حرمة بيع السلاح لمن يستعمله في معصية كقتال المسلمين ونحوه إذا كان البائع قد وقف على غرض المشتري ولو كان ذلك بطريق القرائن، والبيع عندهم في هذه الحال يكون باطلًا من أصله. جاء في كشاف القناع للبهوتي عطفًا على كلام سبق في شأن البيوع التي لا تصح: (ولا بيع سلاح ونحوه في فتنة أو لأهل حرب أو لقطاع طريق إذا علم البائع ذلك من مشتريه ولو بقرائن) (١) . والمالكية يرون رأي الحنابلة في حرمة البيع، جاء في كتاب مواهب الجليل لشرح مختصر خليل للحطاب ـ عطفًا على كلام سبق ـ: (كما يحرم بيعه السلاح لمن يعلم أنه يريد قطع الطريق على المسلمين وإثارة الفتنة بينهم) (٢) . ورغم اتفاق الحنابلة والمالكية في حرمة البيع إلا أن الحنابلة ـ كما أشرنا ـ يرون بطلانه أما المالكية فيقولون بانعقاده مع إجبار المشتري على إخراج المبيع من ملكه ببيع أو نحوه. يقول خليل في مختصره: (وأجبر على إخراجه بعتق أو هبة) (٣) . أما الحنفية فيقولون بصحة البيع ونفاذه إلا إذا أفصح البائع عن الغرض غير المشروع صراحة في صلب العقد أو عرف أن المشتري من أهل الفتنة.

стр. 15171

جاء في الهداية: (قال) ويكره بيع السلاح في أيام الفتنة (معناه ممن يعرف أنه من أهل الفتنة لأنه تسبب إلى المعصية وقد بيناه في السير وإن كان لا يعرف أنه من أهل الفتنة لا بأس بذلك لأنه يحتمل ألا يستعمله في الفتنة فلا يكره بالشك) (١) . والشافعية أيضًا على صحة البيع في مثل هذه الحالة، جاء في الأم للإمام الشافعي: (أصل ما أذهب إليه أن كل عقد كان صحيحًا في الظاهر لم أبطله بتهمة ولا بعادة بين المتبايعين، وأجزته بصحة الظاهر وأكره النية إذا كانت النية أو أظهرت كانت تفسد البيع، وكما أكره لهما للرجل أن يشتري السيف على أن يقتل به، ولا يحرم على بائعه أن يبيعه ممن يراه أن يقتل به ظلمًا لأنه قد لا يقتل به ولا أفسد عليه هذا البيع) (٢) . لعلة واضح من الاختلاف بين الفقهاء في هذه المسألة أن اختلافهم أساسه قاعدة الذرائع، فالحنابلة والمالكية الذين يتشددون في الأخذ بهذا المبدأ يبطل الأولون منهم مثل هذا البيع بطلانًا مطلقًا، والآخرون وإن لم يقولوا ببطلانه لكنهم يبطلون أثره وهو تملك المشتري للمبيع، ويلزمونه بإخراجه من ملكه خوف الضرر والفساد الذي يؤدي إليه ذلك الصنيع، وقد جاء في الحطاب ما يدل على تعويلهم على سد الذرائع في هذه المسألة حيث قال ـ تعقيبًا على جملة مسائل سبقت ـ قال الأبي والمذهب في هذا سد الذرائع) (٣) . أما الحنفية والشافعية فواضح من أقوالهم أنهم لا يسدون الذريعة هنا ـ ما دام أن الغرض غير المشروع لم يفصح عنه صراحة ـ ويكتفون الأخذ بظاهر التصرف ولا يرون مبررًا لإبطاله بتهمة ولا بعادة بني المتبايعين كما يعبر الإمام الشافعي في نصه السابق ـ وإن كانت النية في ذلك مكروهة وغير مستحبة لكن الحكم يصح قضاء وينفذ.

стр. 15172

٢- بيع عصير العنب لمن يتخذه خمرا: يرى الحنابلة بطلان بيع عصير العنب لمن يتخذه خمرًا ويكتفون في ذلك بقيام القرائن التي تدل على إرادة صنع الخمر منه يقول ابن قدامة في المغني: (وبيع العصير ممن يتخذه خمرًا باطل) ثم يقول: (إذا ثبت هذا فإنما يحرم البيع ويبطل إذا علم البائع قصد المشتري إما بقوله أو بقرائن مختصة به تدل على ذلك) . ثم يستدل لذلك بعد بيانه لرأي الشافعية في المسألة (ولنا أنه عقد على عين معصية الله فلم يصح كإجارته الأمة للزنا والغناء) ثم يقول: (ولأن التحريم ههنا لحق الله تعالى فأفسد العقد كبيع درهم بدرهمين) إلى أن يقول: " وهكذا الحكم في كل ما يقصد به الحرام كبيع السلاح لأهل الحرب أو لقطاع الطريق أو في الفتنة) (١) . والمالكية على قاعدتهم في حرمة مثل هذا البيع ديانة، وقضاء يرون انعقاده مع إجبار المشتري على إخراج المبيع من ملكه. جاء في نيل المآرب شرح دليل الطالب: (ولا يصح بيع العنب أو العصير لمتخذه خمرًا ولا مأكول ومشروب ومشموم وقدح لمن يشرب عليه أو به مسكرًا، ولا يصح بيع البيض والجوز ونحوهما للقمار (٢) إلخ.. ". أما الحنفية فيرون صحة هذا البيع، جاء في مختصر الطحاوي (ومن كان عنده عصير فلا بأس عليه ببيعه وليس عليه أن يقصد بذلك إلى من يأمنه أن يتخذه خمرًا دون من يخاف ذلك عليه؛ لأن العصير حلال فبيعه حلال كبيع ما سواه من الأشياء الحلال مما ليس على بائعها الكشف عما يفعله المشتري فيها (٣) . والشافعية أيضًا على صحة هذا البيع، يقول الإمام الشافعي في الأم: (وكما أكره للرجل أن يبيع العنب ممن يراه أن يعصره خمرًا ولا أفسد البيع إذا باعه إليه لأنه باعه حلالًا وقد يمكن أن لا يجعله خمرًا أبداً) (٤) ، أساس الاختلاف في هذه المسألة هو نفس الأساس الذي انبنى عليه الخلاف في المسألة السابقة حيث يتقابل منزعان، منزع من يسد الذريعة لاحتمال التهمة فيبطل التصرف، وحتى إذا أجازه يبطل أثره وهؤلاء على التوالي الحنابلة والمالكية، ومنزع من يرى أن التهمة هنا لا ترقى إلى إبطال التصرف ومن ثم يرى صحته قضاء، وهؤلاء هم الحنفية والشافعية اللذين لا يسدون الذريعة في مثل هذه المسائل ويكتفون بالحكم بالظاهر بقصد ضبط التعامل واستقراره.

стр. 15173

٣- نكاح التحليل: يقصد بنكاح التحليل الزواج بالمرأة المطلقة ثلاثًا من زوج سابق بقصد حلها له. وقد اتفق الفقهاء على أن الزواج بالمطلقة ثلاثًا بشرط صريح في العقد على التحليل لا يجوز وهو حرام عند الجمهور مكروه كراهة تحريمية عند الحنفية (١) . ويترتب على ذلك فساد العقد عند الجمهور، ويرى أبو حنيفة وزفر صحة العقد مع الكراهة التحريمية، وقال محمد بن الحسن بصحة العقد وبطلان الشرط، وفي رواية عن أبي حنيفة يجوز العقد والشرط معًا وإن كان كثير من فقهاء الحنفية يشير إلى ضعف هذه الرواية عن الإمام، وأبو يوسف مع الجمهور في فساد العقد. أما إذا لم يشترط التحليل في العقد فالمالكية والحنابلة يقولون أيضًا بالبطلان. ويرى الحنفية والشافعية صحة مثل هذا العقد وتحل المرأة بوطء الزوج الثاني لزوجها الأول. والخلاف بين المالكية والحنابلة من جهة، والحنفية والشافعية من جهة أخرى ـ في هذه المسألة ـ أساسه الاختلاف في قاعدة سد الذرائع في مثل هذه الصورة. فالمالكية والحنابلة يسدون الذريعة فيبطلون العقد، والحنفية والشافعية يرون أن النية وحدها لا تكفي في إبطال العقد فيقع الزواج صحيحًا لتوافر شرائط الصحة فيه، ولا تسد الذريعة هنا لعدم قيام الدليل عليها بحسب الظاهر.

стр. 15174

٤- بيوع الآجال: صورة بيوع الآجال أن يبيع الرجل سلعة لآخر بثمن إلى أجل ثم يشتريها منه بثمن آخر إلى أجل آخر أو نقداً (١) . والقاعدة عند المالكية في هذه البيوع الجواز مطلقًا عند اتفاق الثمنين ولا ينظر لاختلاف الأجل، والجواز أيضًا عند اتفاق الأجلين ولا ينظر لاختلاف الثمن. أما إذا اختلف الأجلان والثمنان فإنه ينظر إلى اليد السابقة بالعطاء فإن دفعت قليلًا وعاد إليها كثيرًا فهذا هو الممنوع لأنه ربا وإلا فجائز (٢) . وكما يسمى الممنوع من هذه البيوع بيوع الآجال يسمى بيوع الذرائع الربوية (٣) . والخلاف في هذه البيوع أظهر ما يكون بين المالكية والشافعية، أما الحنفية فقد يتفقون مع المالكية في بعضها لكن دليل المنع عندهم ليس سد الذرائع وإنما يمنعونها لفساد البيع الثاني لأنه مبني على الأول، والأول لم يستوف ثمنه فإذا باع شخص لآخر مثلًا ـ سلعة بعشرة دراهم إلى أجل ثم اشتراها منه بخمسة نقدًا يكون البيع الثاني فاسدًا عندهم لأنه مبني على الأول الذي لم يستوف ثمنه فيؤول الأمر ـ في المسألة ـ إلى بيع خمسة دراهم بعشرة إلى آجل وهو ربا فضل ونساء معاً (٤) .

стр. 15175

أما المالكية فيمنعونها لكثرة قصد الناس بها التوصل إلى الربا، فأساس المنع عندهم سد الذريعة إلى الربا، وكثيرًا ما ورد ذلك على لسان الإمام مالك نفسه في كتابه الموطأ أو فيما رواه ابن القاسم عنه في المدونة. وفوق ذلك فإن المالكية يؤيدون رأيهم في أصل منع هذه البيوع بحديث زيد بن أرقم أن أم ولده قالت لعائشة ﵂ يا أم المؤمنين إني بعت من زيد بن أرقم عبدًا بثمانمائة درهم إلى العطاء واشتريته منه بستمائة نقدًا، فقالت عائشة ﵂ بئس ما شريت، وبئس ما اشتريت، أخبري زيد بن أرقم أنه أبطل جهاده مع رسول الله ﷺ إلا أن يتوب) (١) . والشافعية يصححون بيوع الآجال قضاء تاركين القصد الباطني إلى المحاسبة الأخروية طردًا لقاعدتهم في التعويل على الظاهر في العقود إلا إذا قام دليل واضح على قصد الربا المحرم (٢) . كما أنهم يجيبون على حديث زيد بن أرقم بأن ما قالته السيدة عائشة فيه باجتهادها واجتهاد الصحابي لا يكون حجة على صحابي آخر بالإجماع فضلًا عن أن قول السيدة عائشة معارض بفعل زيد بن أرقم وهو صحابي (٣) . أما الحنابلة فهم مع المالكية في منع ما يكون مظنة التهمة إلى الربا من هذه البيوع جاء في المغني: (ومن باع سلعة بنسيئة لم يجز أن يشتريها بأقل مما باعها به ثم يشير صاحب المغني إلى أن ذلك قول أكثر أهل العلم وأنه ذريعة إلى الربا (٤) .

стр. 15176

وهكذا ترى من خلال عرض المذاهب الأربعة من قضية بيوع الآجال أن المالكية والحنابلة على قاعدتهم في المنع من كل ما يؤدي إلى ما هو محظور سدًا للذريعة، والشافعية على قاعدتهم في الجواز ما دام أن العقد نفسه لم يشتمل صراحة على القصد إلى الممنوع. أما الحنفية فيتفقون مع المالكية والحنابلة وإن اختلف مسلكهم في الدليل أحيانًا ـ كما سبقت الإشارة ـ على أنه لا بد من بيان أن بعض فقهائهم يستدلون بحديث زيد بن أرقم وبشبهة الربا فيكون دليلهم هو نفس دليل المالكية في المسألة (١) . وهذا يرجع بنا إلى تأكيد ـ ما سلف ذكره عن القرافي ـ أن الخلاف بين الفقهاء في سد الذرائع ليس خلافًا في الأصل وإنما هو خلاف في بعض الصور والتفاصيل والجزئيات، وهذا قد تتعدد أسبابه بحسب اختلاف مدارك الفقهاء في تقدير المصلحة والمفسدة والموازنة بينهما، أو توفر أدلة عند فريق في المسألة وهي غير مأخوذ بها عند الفريق الآخر، أو توفر أدلة عند فريق في المسألة وهي غير مأخوذ بها عند الفريق الآخر، أو اختلاف المنزع من حيث التعويل على الظاهر ـ في العقود خاصة ـ أو عدم التعويل عليه والاتجاه إلى النية أو تلمس دلائل أخرى ككثرة القصد إلى الممنوع وهكذا. والخلاف في كل هذا سائغ ما دام أن الأصل محل اتفاق بسد الذرائع إلى الفساد والضرر متى ما قام الدليل على ذلك بوضوح وجلاء. يبقى ـ أخيرًا ـ أن نختم هذا المطلب بما ذكره المرحوم الشيخ محمد أبو زهرة من أن المبالغة مطلقًا في الأخذ بسد الذرائع هي الأخرى مضرة حيث يقول: (إن الأخذ بالذرائع لا تصح المبالغة فيه، فإن المغرق فيه قد يمتنع عن أمر مباح أو مندوب أو واجب خشية الوقوع في ظلم، كامتناع بعض العادلين عن تولي أموال اليتامى أو أموال الأوقاف خشية التهمة من الناس أو خشية على أنفسهم أن يقعوا في ظلم، ولأنه لوحظ أن بعض الناس قد يمتنع عن أمور كثيرة خشية الوقوع في الحرام) (٢) .

стр. 15177

المبحث السابع في فتح الذرائع عند الفقهاء مصطلح فتح الذرائع مصطلح جاء على لسان الإمام القرافي الذي يستخدم الذريعة بمعنى الوسيلة مطلقًا ـ كما سلفت الإشارة إلى ذلك ـ ومن ثم تسد الذريعة التي تفضي إلى ممنوع ويفتح الذريعة المؤدية إلى مصلحة وفي ذلك يقول: (اعلم أن الذريعة كما يجب سدها يجب فتحها وتكره وتندب وتباح (١) . ويقول: (قد تكون وسيلة المحرم غير محرمة إذا أفضت إلى مصلحة راجحة، كالتوسل إلى فداء الأسرى بدفع المال للكفار الذي هو محرم عليهم الانتفاع به بناء على أنهم مخاطبون بفروع الشريعة عندنا، وكدفع المال لرجل يأكله حرامًا حتى لا يزني بامرأة إذا عجز عند دفعه عنها إلا بذلك، وكدفع المال للمحارب حتى لا يقع القتل بينه وبين صاحب المال عند مالك ﵀ ولكنه اشترط فيه أن يكون يسيرًا، فهذه الصورة كلها للدفع وسيلة إلى المعصية بأكل المال ومع ذلك فهو مأمور به لرجحان ما يحصل من المصلحة على هذه المفسدة (٢) . في ضوء نصي القرافي السابقين فإن فتح الذرائع يعني إباحة الأمر الممنوع إذا ترتبت على إباحته مصلحة.

стр. 15178

والشاطبي يؤكد هذا المعنى وإن لم يتناوله بنفس التسمية التي سماه بها القرافي، وإنما يتناوله من خلال الحديث عن تداخل المفاسد والمصالح في عمل من الأعمال، فيقرر أن فعل المعصية قد يجوز وذلك في حال ما إذا رجحت المصلحة المترتبة على الفعل في المفسدة التي تنطوي عليها المعصية، ويمثل له بنفس الأمثلة التي أوردها القرافي (١) . وفي كل الأحوال فإن أمثلة فتح الذرائع التي أوردها القرافي تتمثل في الآتي: ١- جواز دفع المال للمحاربين الكفار توصلًا إلى فداء الأسرى المسلمين، وفتح الذريعة هنا أن دفع المال للمحاربين في الأصل حرام لا يجوز، لما فيه من تقوية الكفار والإضرار بجماعة المسلمين، لكنه أجيز دفعًا لضرر أكبر هو تخليص أسرى المسلمين من الأسر وتقوية المسلمين بهم (٢) . ٢- جواز دفع المال للدولة المحاربة لدفع خطرها وأذاها إذا لم يكن جماعة من المسلمين على مستوى القوة التي يستطيعون بها حماية بلادهم (٣) . ٣- جواز دفع المال لرجل حتى لا يزني بامرأة إذا عجز عن دفعه إلا بذلك (٤) . ولعل هذه الصورة شبيهة بما يمارسه بعض الخارجين على القانون باحتجازهم الفتيات والصبيان والتهديد بقتلهم أو الفجور بهم إذا لم يعطوا فدية يقررونها، فإن إعطاءهم الفدية جائز إذا لم يكن للسلطان سبيل إلى التمكن منهم وتخليص المحتجزين بأمن وسلام من غير أن يمسهم سوء أو أذى.

стр. 15179

هذا هو المراد بفتح الذرائع، والذي أراه أن فتح الذرائع يدخل في باب الموازنة بين المصلحة والمفسدة ورجحان المصلحة، وهو ما اتجه إليه الشاطبي أو يدخل في باب الضرورة إذ الضرورات تبيح المحظورات، ولو أجلنا النظر في كل المسائل التي أوردها العلماء في هذا الباب لوجدنا فيها ضرورات أجازت ارتكاب المحظور، فدفع المال للدولة المحاربة لتخليص الأسرى المسلمين أبيح للضرورة مع أن الأصل عدم جوازه، ودفع المال للرجل الذي يصمم على الزنى بامرأة مغالبة ولا سبيل على دفعه إلا بإعطائه المال أيضًا من باب الضرورة وهكذا الشأن في كل المسائل التي وردت في هذا الباب بل وأصرح من هذا فإن الشاطبي وهو يستدل على هذا المعنى يقول: (إن جلب المنفعة أو دفع المفسدة مطلوب للشارع مقصود، ولذلك أبيحت الميتة وغيرها من المحرمات الأكل، وأبيح الدرهم بالدرهم إلى أجل للحاجة الماسة للمقرض والتوسعة على العباد، والرطب باليابس في العرية للحاجة الماسة في طريق المواساة إلى أشياء كثيرة دلت الأدلة على قصد الشارع إليها (١) . ومن شأن إدخال هذه المسائل في قاعدة الضرورات التقليل من تجويزها إلا على سبيل الاستثناء في الحالات التي تستوجب ذلك وفي أضيق الحدود؛ لأن الضرورة تقدر بقدرها (٢) .

стр. 15180

والقرافي نفسه نجد عنده إشارة إلى هذا المعنى فهو عند حديثه عن فتح الذرائع وإيراد أمثلتها يقول: (وكدفع المال للمحارب حتى لا يقع القتل بينه وبين صاحب المال عند مالك ﵀ ولكنه اشترط فيه أن يكون يسيراً (١) . أما تسميتها بفتح الذرائع وهو مسلك القرافي، فهو ـ في نظري ـ لا يعدو أن يكون إيغالًا في استخدام المصطلحات الفنية وهو إيغال قد يتحمله المعنى لأن فتح الذرائع موجود في كل المسائل التي سلف إيرادها إلا أن محذوره يبدو في إقرار فتح الذرائع كمبدأ عام وهذا قد يترتب عليه أمران: أولها: احتمال أدائه للاختلاف في الأمر الذي تفتح فيه الذريعة والأمر الذي لا تفتح فيه لا من حيث المبدأ وإنما من حيث الجزئيات والتفاصيل التي تتعاقب بتعاقب الزمان والمكان، فيؤول الأمر فيه إلى الخلاف الذي حدث فيه سد الذرائع نفسه. ثانيهما: إن إسباغ وصف فتح الذريعة على هذه المسائل كمبدأ عام قد يشير إلى إبعاده صفة الاستثناء عنها وهي مسائل استثنائية بلا خلاف؛ لأن الأصل في المعصية عدم جواز ارتكابها إلا في حالات الضرورة بحسب القانون العام في الشرع. لهذا فإن الأوفق إدخال هذه المسائل في قاعدة الضرورة لتضبط بضوابطها وتوزن بموازينها. والله أعلم بالصواب. تم بحمد الله وتوفيقه. الأستاذ الدكتور خليفة بابكر الحسن

стр. 15181

سد الذرائع إعداد الشيخ محمد علي التسخيري الأمين العام للمجمع العالمي لأهل البيت بإيران بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ سد الذرائع وفتحها التعريف: الذريعة هي الوسيلة: والسد: إغلاق الخلل، والفتح: رفع الموانع وفي الاصطلاح ذكر في تعريف سد الذريعة أنه (حسم مادة وسائل الفساد فيما إذا كان الفعل السالم من المفسدة وسيلة إلى مفسدة) (١) . أما فتح الذرائع فهو (تيسير السبل إلى مصالح البشر) (٢) . في حين دعا السيد الحكيم إلى تعريف جامع للذريعة بأنها (الوسيلة المفضية إلى الأحكام الخمسة) (٣) . فهي تارة تسد وأخرى تفتح باعتبار المقصد. والأصح التفريق بين العمليتين واستعمال اللغة الفقهية فيهما فيقال: سد الذرائع هو: تحريم الوسيلة المؤدية إلى فعل محظور. وفتح الذرائع هو: إيجاب الوسيلة التي يتوقف عليها فعل واجب. وهذا التفريق نافع لوجود اختلاف ما في نوعية البحث في الموردين.

стр. 15182

أقسام الذريعة: وقد قسمها ابن القيم إلى أقسام أربعة: ١- الوسائل الموضوعة للإفضاء إلى المفسدة كالزنا المفضي لاختلاط الأنساب. ٢- الوسائل الموضوعة للأمور المباحة ويقصد الفاعل التوسل إلى المفسدة كمن يعقد البيع ويقصد الربا كحيلة شرعية. ٣- الوسائل الموضوعة للأمور المباحة ولم يتم قصد الفساد منها إلا أنها تؤدي في الغالب إليه ومفسدتها أرجح من مصلحتها كسب آلهة المشركين بين ظهرانيهم فيسبوا الله عدوا. ٤- الوسائل الموضوعة للمباح وقد تفضي إلى المفسدة إلا أن مصلحتها أرجح من مفسدتها كالنظر في المخطوبة. ويرى أنها كلها محرمة إلا الرابع (١) . وهناك تقسيم آخر متداول عند علماء الإمامية وهو تقسيمها (أي الذريعة) إلى ما كانت من قبيل العلة التامة وما كانت من قبيل جزء العلة أو يعبر عنها بما ينفك وما لا ينفك. والانفكاك وعدمه يلاحظ فيه التلازم العرفي لا العقلي. كما أن هناك تقسيمات أخرى ربما كان لها أثر في نوع الحكم عليها.

стр. 15183

موقف المذاهب: ذهب المالكية والحنابلة إلى أن سد الذرائع من أدلة الفقه مركزين على القسم الثاني من الأقسام الماضية في حين ذكر ابن القيم أن الأقسام كلها ما عدا القسم الرابع محرمة وأنكر الحنفية والشافعية كونها من أدلة الفقه. وأما الإمامية فقد ذكر السيد الحكيم أن هذا الموضوع وإن لم يعنون بهذا العنوان لديهم لكنه يبحث عنه في بحث (الوجوب الغيري للمقدمة) وأنهم يكادون يطبقون على تبعية المقدمة في حكمها لذي المقدمة إلا أن جماعة من كبار المتأخرين منهم أنكروا تبعية حكم المقدمة لحكم ذيلها. وسنرى فيما يلي أن هناك فرقًا بين بحوثهم وهذا البحث وعلى الأقل في سد الذرائع.

стр. 15184

أدلة القائلين بسد الذرائع ومناقشتها: ذهب المالكية والحنابلة إلى أن سد الذرائع هي من الأدلة الفقهية واستدلوا بما يلي: ١- دليل الاستقراء ٢- أحاديث الاحتياط. ٣- الدليل العقلي. أولًا: دليل الاستقراء: وقد استعرض علماؤهم الكثير من موارد التحريم فوجدوا أنها من باب سد الذرائع إلى الحرام من قبيل تحريم النظر المقصود إلى المرأة، وتحريم الخلوة بها. وتحريم إظهارها للزينة الخفية وتحريم سفرها وحدها بعيدًا ولو لحج أو عمرة، وتحريم النظر إلى العورات، ووجوب الاستئذان عند الدخول إلى البيوت وغير ذلك مما يعلم أنها حرمت لكي يتم سد الطرق إلى الزنا وحينئذ فلو كان هناك طريق لم ينص على حكمه تم منعه عملًا بطريقة الشارع.

стр. 15185

-المناقشة: وقبل الدخول في المناقشة يجب التنبيه على أمر مهم وهو: أن الحديث ينصب على المقدمات التي لا تستلزم بشكل قطعي تحقق الحرام أما إذا افترضنا الاستلزام وعدم الانفكاك ـ ولو بشكل عرفي ـ فإن فعل هذه المقدمات لا ريب في حرمته العقلية (على الأقل) فالقاء المصحف في النار مثلًا يستلزم إحراقه وإهانته وهي محرمة قطعًا (بل يعتبرها التقي السبكي خارجة عن باب سد الذرائع) (١) . وإنما عبرنا عن الحرمة بالحرمة العقلية على الأقل لنستوعب رأي القائلين بعدم تبعية حرمة المقدمة لحرمة ذي المقدمة من باب التحريم المولوي وإن كانوا يؤكدون على وجود حكم عقلي بالحرمة كالحكم العقلي بوجوب المقدمة لتحقيق ذي المقدمة كما يمكن القول بوجود اتفاق على حرمة كل ما ينتهي بشكل طبيعي وعرفي إلى الحرام إذا أدى إلى ذلك كحفر الآبار في طرق المسلمين أيضًا أما إذا لم يؤد إلى الحرام فنقول فيه أيضًا أنه لا كلام في قبحه الفاعلي باعتبار الحافر متجرئًا على الحرام وعاملًا على تحقيقه فإذا قلنا باستحقاق المتجرئ للعقاب استحقه بذلك (وهنا بحث خاص بالموضوع) . فمصب البحث ـ كما أكد القرافي (٢) بحق ـ هو ما كان أداؤه إلى المفسدة كثيرًا لكنه ليس غالبًا.

стр. 15186

وغني عن التنبيه أن الخلاف إنما يجري في غير ما ورد في الكتاب والسنة أما ما قام عليه دليل من موارد سد الذرائع فلا خلاف فيه كما في مسألة النهي عن سب آلهة المشركين لئلا يسبوا الله تعالى. وهنا نتساءل عن المقصود بسد الذريعة وحرمة كل وسيلة يمكن أن تفضي إلى الحرام وإن كانت بنفسها مباحة كالمشي في طريق قد يؤدي إلى الحرام فهل يراد سد كل وسيلة يمكن أن تؤدي إليه وتحتمل فيها ذلك أم أن المراد هو سد خصوص الوسائل التي نقطع ـ حقيقة أو عرفًا ـ بأدائها إلى الحرام؟ فإن كان الثاني فلا خلاف في ذلك من حيث الحرمة وإن كان الكلام في عقليتها وغيريتها قائمًا. والحقيقة هي قيام تزاحم بين الحكم الأولي لذات المقدمة والقائم على الملاك المتوفر فيها والحكم الأولي لذي المقدمة (إذا كان التزاحم متصورًا بين حكم الإباحة وحكم الحرمة) وحكم ذي المقدمة تكليفي وهو مقدم في الغالب على الحكم غير التكليفي وربما كان ملاك الإباحة أكثر أهمية من ملاكات بعض الأحكام التكليفية. أما إذا كان المراد هو الأول فهو أمر غريب.

стр. 15187

صحيح أن الشارع قد يشتد اهتمامه بحذف مفسدة مهمة فيصب اهتمامه على سد كل الطرق التي تؤدي إليها ولو احتمالًا وحينئذ يقوم مباشرة بالتحريم كما في موضوع الزنا واختلاط المياه وضياع الأنساب حيث عمل الشارع على سد كثير من الطرق المفضية إليه على نحو الاحتمال وقد يستفيد البعض من أسلوبه أن كل طريق يؤدي إليه بنفس المستوى يجب سده ولكن هذا الأمر لا يمكن أن يشكل قاعدة عامة في كل موارد المفسدة لنقول بسد الذرائع كدليل وأصل عام، إلا أن يرشدنا الشارع إلى هذا المعنى، أو يقوم هو بسد الذرائع المفضية إلى الحرام، وكمثال لذلك نشير إلى أن الشيخ الأعظم الأنصاري (رحمه الله تعالى) يقول وهو في صدد تقدير حرمة التشبيب بالمرأة المعروفة المؤمنة المحترمة: (ويمكن أن يستدل عليه بما سيجيء من عمومات حرمة اللهو والباطل وما دل على حرمة الفحشاء ومنافاته للعفاف المأخوذ في العدالة وفحوى ما دل على حرمة ما يوجب ـ ولو بعيدًا ـ تهيج القوة الشهوية بالنسبة إلى غير الحليلة مثل ما دل على المنع عن النظر لأنه سهم من سهام إبليس والمنع عن الخلوة بالأجنبية لأن ثالثهما الشيطان وكراهة جلوس الرجل في مكان المرأة حتى يبرد المكان ويرجحان التستر عن نساء أهل الذمة لأنهم يصفن لأزواجهن والتستر عن الصبي المميز الذي يصف ما يرى والنهي في الكتاب العزيز أن يخضعن بالقول فيطمع الذي في قلبه مرض وعن أن يضربن بأرجلهن ليعلم ما يخفين من زينتهن إلى ذلك من المحرمات والمكروهات التي يعلم منها حرمة ذكر المرأة المعينة المحترمة بما يهيج الشهوة) (١) .

стр. 15188

يقول أستاذنا الحكيم: (على أنا لا نمنع أن يتخذ الشارع احتياطات لبعض ملاكات أحكامه التي يحرص أن لا يفوتها المكلف بحال، فيأمر وينهي عن بعض ما يفضي إليها تحقيقاَ لهذا الغرض، إلا أن ذلك لا يتخذ طابع القاعدة العامة، ولعل الكثير من الأمثلة التي ذكرها (يعني ابن القيم حيث ذكر ما يقارب المائة بين آية وحديث وجد فيها اتحاد الحكم بين الوسائل وما تفضي إليه) منصبة على هذا النوع. ويكفينا أن لا يكون في هذه الأمثلة من التعليلات ما يصلح لأن يتمسك بعمومه أو إطلاقه لتحريم جميع المقدمات التي تقع في طريق المحرمات، مهما كان نوعها، وليس علينا إلا أن نتقيد بخصوص هذه المواقع التي ثبت فيها التحريم (١) . نعم يمكن لأحد أن يدعي حصول اطمئنان له بطريقة الشارع في كل الموارد إلا أن إثبات ذلك في غاية الصعوبة (٢) . وقد ذكرت الموسوعة بعض ما قاله الشافعية والحنفية في رد هذه القاعدة الكلية المدعاة باعتبار أن الذرائع هي الوسائل وهي مضطربة من حيث الأحكام، ومختلفة مع المقاصد من حيث قوة المصالح والمفاسد وأضافت الموسوعة المذكورة: (وقالوا إن الشرع مبني على الحكم بالظاهر كما قد أطلع الله ورسوله على قوم يظهرون الإسلام ويبطنون الكفر، ولم يجعل له أن يحكم عليهم في الدنيا بخلاف ما أظهروا، وحكم في المتلاعنين بدرء الحد مع وجود علامة الزنا، وهو أن المرأة أتت بالولد على الوصف المكروه. قال الشافعي: وهذا يبطل حكم الدلالة التي هي أقوى من الذرائع، فإذا أبطل الأقوى من الدلائل أبطل الأضعف من الذرائع كلها) (٣) ولعل الشافعي أراد أن يقول بأنه صحيح أن هذه الوسيلة يظهر منها أنها مقدمة للحرام ولكن هذا الظاهر لن يبرر التحريم ما لم يصل إلى مستوى القطع العرفي على الأصل.

стр. 15189

ثانيًا: دليل الاحتياط: الدليل الثاني للقائلين بسد الذرائع وهو ما يمكن تسميته بدليل الاحتياط حيث استند القائلون فيه إلى الأدلة التي تذكر في باب وجوب الاحتياط أو حسنه من قبيل قوله ﷺ : ((دع ما يريبك إلى ما لا يريبك)) (١) . وقوله ﷺ : ((الحلال بين والحرام بين وبينهما مشبهات لا يعلمها كثير من الناس فمن اتقى الشبهات استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات كان كراع يرعى حول الحمى يوشك أن يواقعه، ألا وإن لكل ملك حمى، ألا وإن حمى الله في أرضه محارمه)) (٢) . -المناقشة: وأهم ما يقال فيه أنه استناد إلى دليل الأصل العملي في حيث أنه يراد هنا الاستدلال به على أصل من أصول الفقه وهو ما يسمى بالأصل الاجتهادي. ومن المعلوم أن الأصول العملية إنما يرجع إليها لرفع الحيرة والشك عند فقدان الدليل الاجتهادي، والمفروض أن الأدلة الاجتهادية هنا قائمة على إباحة الذريعة باعتبارها هي، ولا معنى لتقديم مقتضى أصل عملي على دليل اجتهادي لأن الأصل الاجتهادي مقدم عليه رتبة ورافع لموضوعه. على أن الاستناد لما ذكر وأشباهه ليس تامًا في إثبات أصل عملي بالاحتياط وتحريم كل شبهة تحريمية (كما يقول بذلك الإخباريون من الإمامية) والحديث في هذا المجال مفصل إلا أننا نشير إلى مجمله على النحو التالي:

стр. 15190

فقد استند القائلون بوجود أصل شرعي يحكم الاحتياط في كل مورد مشتبه مطلقًا أو فيه شبهة تحريم إلى كثير من النصوص الشريفة نذكر منها ما يلي: ١- قوله تعالى: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: ١٩٥] . وقد نوقشت دلالة الآية على ذلك بأنها ربما كانت تحوي نهيا إرشاديًا إلى أن الانفاق المذكور في المقطع السابق على الآية الشريفة، يجب أن لا يكون إلى الحد الذي يوجب الإفلاس والتعرض إلى الهلاك وهو احتمال قربة المرحوم الصدر (١) . أو أنها ترشد إلى لزوم الانفاق في الجهاد وإلا تعرضت البلاد للفناء كما جاء في بعض التفاسير من قبيل تفسير الإمام الرازي (٢) . ومن الواضح أن الاستدلال يبطل مع هذا الاحتمال. ثم إننا هنا نشك في أن العمل بهذه الذريعة فيه هلكة فيكون المورد من التمسك بالعام في الشبهة المصداقية وهو باطل. ثم إن النهي لو أريد به النهي عن التهلكة الأخروية لم يعد نهيًا مولويًا وإنما هو نهي إرشادي لأنه يعد من شؤون الطاعة والعصيان وهي لا تقبل جعلًا شرعياً (٣) . ٢- قوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء: ٥٩] . فيقال إن الآية الشريفة تنهى عن تقحم الشبهة وتأمر بالرد إلى الله والرسول. إلا أن من المحتمل أنها تشير إلى موارد النزاع لا الشك في الحكم، وربما كانت تركز على النزاع في الأمور العامة باعتبار وروها بعد قوله تعالى ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ [النساء: ٥٩] ثم إن الرد إلى الله يعني تحكيم شريعة الله لا الرجوع إلى الأهواء وهو أجنبي عن موردنا الاستدلالي.

стр. 15191

الاستدلال ببعض الروايات الدالة على حسن الاحتياط من قبيل ما ذكر في الدليل وهناك روايات كثيرة غيرها مثل الروايات التالية: أ - من اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه (١) . ولم تبين الرواية ماهية هذا الاستبراء. ب - أخوك دينك فاحتط لدينك بما شئت (٢) . وقرينة (بما شئت) تؤكد الاستحباب. جـ- أورع الناس من وقف عن الشبهة (٣) . ولا دلالة فيها على الوجوب. د - من هجم على أمر بغير علم جدع أنف نفسه (٤) . هـ- الوقوف عند الشبهة خير من الاقتحام في الهلكة وتركك حديثًا لم تروه خير من روايتك حديثًا لم تحصه (٥) . ومن الواضح أن أدلة البراءة الشرعية ـ كما قلنا ـ ناهيك عن أدلة الإباحة الاجتهادية في الذرائع لا تجعل الارتكاب هنا اقتحامًا بلا دليل، فليس هنا هلكة حتى يعتبر ارتكابها كذلك. هذا بالإضافة إلى كونها إرشادًا لحكم العقل. و الأمور ثلاثة أمر بين لك رشده فاتبعه، وأمر بين لك غية فاجتنبه، وآخر اختلف فيه فرده إلى الله (٦) . تؤدي إلى الحرام لارتفاع نسبة احتمال الوقوع فيه مما يجعلها من حيث المجموع طريقًا طبيعيًا له وهو يجعلها من حيث المجموع محرمة على أن الحديث قد يشير إلى الذرائع التي تؤدي بشكل طبيعي إلى الحرام وهذا ما اتفقنا على حرمته باعتباره ملازمًا عرفًا للحرام ـ وهذا المعنى قد يستفاد من الحوم حول الحمى يوشك أن يواقعه بشكل طبيعي.

стр. 15192

ثالثًا الدليل العقلي: وملخصه أن إباحة الوسائل إلى الشيء المحرم المفضية إليه نقض للتحريم وإغراء للنفوس به وحكمة الشارع وعلمه تأبى ذلك (١) . -المناقشة: إن المراد بهذه الوسائل إن كانت تلك التي تستلزم الوقوع في الحرام فلا ريب في أنها مما يمنع العقل منها إلا أنه لا دليل على كونها ذات حرمة شرعية دائمًا لأن الحرمة ـ كما هو معلوم ـ تتبع توفر الملاك في نفس العمل، فإذا لم يكن في أصل الذريعة ملاك الحرمة لم يكن هناك معنى للحكم المولوي بالحرمة بل يعتمد الشارع على تحريمها العقلي باعتبارها مقدمة لازمة للحرام. إلا أن المناقشة المهمة هي أن موضع النزاع هي تلك الموارد التي قد تؤدي إلى الحرام ولا يوجد فيها حتى الإلزام العقلي بالامتناع عنها، وليس فيها أي نقض للتحريم وإغراء للنفوس وما لم يصلنا من الشارع تحريم فهي باقية على حكمها الأصلي. ومن هنا فنحن نعتقد أن ما يبحث عند علماء الإمامية تحت عنوان مقدمة الواجب أو مقدمة الحرام ومدى ترشح الوجوب والحرمة إلى المقدمات، لا علاقة له ببحث سد الذرائع المختلف فيه بين المذاهب الأربعة ـ كما تصور ذلك بعض أساتذتنا (٢) . فمصب النزاع ليس هو المقدمات التي ثبت تحريمها بنفسها ولا تلك التي تستلزم الحرام وإنما يركز المتنازعون على تلك التي قد تؤدي إلى الحرام (كما يؤكد القرافي) (٣) . وهذا المورد ليس محلًا للنزاع عند علماء الإمامية أيضًا. يقول الإمام الشهيد الصدر بعد تقسيمه مقدمات الحرام إلى قسمين ما لا ينفك عن الحرام وما ينفك عنه: (فالقسم الأول من المقدمات يتصف بالحرمة الغيرية دون القسم الثاني؛ لأن المطلوب في المحرمات ترك الحرام وهو يتوقف على ترك القسم الأول من المقدمات ولا يتوقف على ترك القسم الثاني) (٤) .

стр. 15193

ملاحظات: الأولى: ذكر الأستاذ سلام أن (الواقع أن الفقهاء جميعًا يأخذون بأصل الذرائع مع اختلاف في مقدار الأخذ به وتباين في طريقة الوصول إلى الحكم أن المشاهد في أحكام الفروع أن أكثر الفقهاء يعطي الوسيلة ـ أي الذريعة ـ حكم الغاية إذا تعينت الوسيلة لهذه الغاية، أما إذا لم تتعين طريقًا لها فالمشهور عن الإمام مالك أنها تعتبر أصلا للأحكام، ويقرب منه في ذلك الإمام أحمد وتبعها ابن تيمية وابن القيم (١) . والذي ينبغي أن يقال إن تعين الوسيلة للغاية لا يكسبها حكم الغاية دائمًا إلا إذا كانت الغاية غير منفكة عن الوسيلة، فلو أن طريقًا ما كان هو الطريق الوحيد للوصول إلى بيت فيه مفسدة لم يحرم السير فيه لأغراض أخرى، ثم إننا لا ندري كيف يحرم كل طريق يؤدي إلى المفسدة، ولو كان الأداء غير غالبي فضلًا عن كونه في قليل من الأحيان. وعلى أي حال فالنص غير دقيق وتقسيم القرافي أدق منه. الثانية: لاحظ الأستاذ الحكيم على ما قاله مالك وأحمد وابن تيمية وابن القيم من أن هذه المسألة من أصول الأحكام وعلق عليه بأن اكتشاف حكم المقدمة إما أن يتم من خلال الحكم العقلي بقاعدة الملازمة بين الحكم الشرعي ذي المقدمة والحكم الشرعي في المقدمة وحينئذ تدخل المسألة في مباحث صغريات حكم العقل. وإما أن تستفاد هذه الملازمة من خلال الدلالة اللفظية الالتزامية لأدلة الأحكام ـ كما بني عليه البعض ـ وحينئذ يكون وجوب المقدمات مدلولًا للسنة ولا تشكل المسألة أصلًا برأسه (٢) . ولو كان هؤلاء العلماء يقصدون ذلك لكان الإشكال واردًا. إلا أن المحتمل أنهم يريدون أن المسألة تشكل قاعدة عامة تستنبط منها الأحكام حتى وإن كانت تطبيقًا لأصول أخرى سابقة عليها. الثالثة: قد ينطبق عنوان محرم على بعض المقدمات وإن لم تكن مستلزمة بشكل عرفي للنتيجة المحرمة فتحرم ولكن لا من باب هذا الأصل وإنما من باب انطباق العنوان المحرم عليها ... وهذا العنوان من قبيل (الاعانة على الأثم) المنهي عنها في القرآن الكريم وقد يقع الاختلاف في موارد الانطباق. فبيع هياكل العبادة المبتدعة كالصليب أو الصنم، وبيع آلات اللهو المخصصة للحرام وكذلك آلات القمار هي من الموارد المحرمة بلا ريب باعتبارها إعانة على الإثم بالإضافة للأدلة الخاصة الواردة فيها. وبيع العنب على أن يعمل خمرًا والخشب على أن يعمل صنمًا وإجارة المساكين ليباع ويحرز فيها الخمر، وبيع محلات السينما على أن تعرض فيها الأفلام الخليعة، وإجارة الأماكن ليتم تعذيب المؤمنين فيها كل ذلك وأمثاله مما ينطبق عليه حتمًا عنوان الإعانة على الإثم فضلًا عن أنه أكل للمال بالباطل باعتبار أن تلك المنافع ساقطة في نظر الشارع. وربما وقع الاختلاف في بيع العنب مثلًا دون تقييد بصنع الخمر ولكنه يحتمل أنه بفعل ذلك، أو في بيع شيء أو انضم إليه شيء آخر في عقد آخر لكان مقدمة حتمية للحرام، أو بيع سلاح ممن يظن أنه يتعامل مع العدو المحارب، أو تمرير بضاعة من خلال بعض الدوائر التابعة للظالمين مما يؤدي لأخذهم ضرائب عليها وتقوية كيانهم دون أن يقصد هذه التقوية وإنما يقصد التصدير لبلاد أخرى. وخلاصة الأمر: إنه إذا صدقت عناوين محرمة أخرى على بعض المقدمات كانت محرمة لذلك ولكننا نبحث عن المقدمية نفسها وهل تستوجب الحرمة إذا لم تكن ملازمة أم لا؟ ونشير هنا إلى البحث القيم الذي قدمه الشيخ الأعظم الأنصاري في هذا الموضوع فليراجع (٣) .

стр. 15194

سد الذرائع والحيل الشرعية: ربما اعتبر البعض أن العقد الذي يملك صورة ظاهرية مباحة ويراد منه الغرض الحرام يجب تحريمه وضعيًا من باب سد الذرائع. وقد حرم ابن القيم فعل من يعقد النكاح قاصدًا به التحليل أو يعقد البيع قاصدًا الربا (١) . كما حرم المالكية بيوع الآجال كمن باع سلعة إلى شهر بعشر دراهم ثم اشتراها نقدًا بخمسة قبل آخر الشهر فمالك يقول: إنه أخرج من يده خمسة الآن وأخذ عشرة آخر الشهر فهذه وسيلة لسلف خمسة بعشرة إلى أجل توسلًا باظهار صورة البيع لذلك. وقد خالف الشافعي في ذلك مؤكدًا على النظر على ظاهر العقد فهو لا يفسد بشيء تقدمه أو تأخر عنه. وقد ذكرت الموسوعة أن هناك بيوعًا تصل إلى ألف مسألةاختص بها مالك وخالفه فيها الشافعي (٢) فما هو الموقف في هذا المجال؟ والظاهر أن هذا الباب لا يدخل في بحثنا عن سد الذرائع وفق المقياس الذي طرحناه من قبل لأنه لا يستلزم تمامًا أو بشكل غالبي تحقيق الهدف وإن أدى إليه أحيانًا. فإن بيع الشرط (أو ما يسمى ببيع الوفاء) مثلًا قد يكون حقيقة بيعًا يبيع فيه شخص بيتًا لآخر مشترطًا عليه إعادته عند إعادة الثمن في الوقت المحدد. كما قد يؤدي إلى تحايل على الربا بهذه الطريقة أو فلنقل قد يؤدي إلى نفس النتائج المقصودة من الربا ولكن هل تحرم نتيجة الربا كمثل حرمة الربا؟ وهل من الممكن وضع ضابط للتمييز بين النوعين على أساس القصد مثلًا والعمل بعد ذلك بمبدأ سد الذرائع؟

стр. 15195

وعلى أي حال، فإن الإشكال يبقى قائمًا من جهة أخرى باعتبار إمكان التحايل لتحقيق الربا وهو المسرب الطبيعي لكثير من أنماط الفساد الاجتماعي والاقتصادي، والأزمات القائمة التي نشاهدها في النظم المتعاملة به فكيف ينسجم هذا مع طرح مسألة التحايل والفرار من الربا؟ حتى في بعض النصوص الشرعية مما يوهم أن الإسلام يفتح بنفسه الباب لجريان الربا إلى المجتمع وهو ما نهى عنه بشتى أساليب النهي ولكن تحت عناوين أخرى بحيل ووسائل وأساليب التفافية تقوم بالدور المفسد نفسه دون أن تمتلك الحرمة الشديدة نفسها. وقد عبر الإمام الخميني ﵀ عن هذا الإشكال بقوله: (وهذه عويصة بل عقدة في قلوب كثير من المتفكرين وإشكال من غير منتحلي الإسلام على هذا الحكم، ولا بد من حلها، والتشبث بالتعبد في مثل هذه المسألة، التي أدركت العقول مفاسد تجويزها ومصالح منعها، بعيدًا عن الصواب) (١) . وهو يعقب بالتالي على ذلك مؤكدًا أن الروايات الواردة في مجال الفرار من الربا تنصب في معظمها على الربا المعاوضي الجاري في النقود وفي المكيل والموزون حيث تؤدي الضميمة من غير الجنس إلى إخراج المعاملة من كونها تعاملًا بالمثلين، وذلك كما في رواية الحلبي لا بأس بألف درهم ودرهم بألف درهم ودينارين إذا دخل فيها ديناران أو أقل أو أكثر فلا بأس به) (٢) .
следующие страницы →