الاستدلال ببعض الروايات الدالة على حسن الاحتياط من قبيل ما ذكر في الدليل وهناك روايات كثيرة غيرها مثل الروايات التالية:
أ - من اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه (١) .
ولم تبين الرواية ماهية هذا الاستبراء.
ب - أخوك دينك فاحتط لدينك بما شئت (٢) .
وقرينة (بما شئت) تؤكد الاستحباب.
جـ- أورع الناس من وقف عن الشبهة (٣) .
ولا دلالة فيها على الوجوب.
د - من هجم على أمر بغير علم جدع أنف نفسه (٤) .
هـ- الوقوف عند الشبهة خير من الاقتحام في الهلكة وتركك حديثًا لم تروه خير من روايتك حديثًا لم تحصه (٥) .
ومن الواضح أن أدلة البراءة الشرعية ـ كما قلنا ـ ناهيك عن أدلة الإباحة الاجتهادية في الذرائع لا تجعل الارتكاب هنا اقتحامًا بلا دليل، فليس هنا هلكة حتى يعتبر ارتكابها كذلك.
هذا بالإضافة إلى كونها إرشادًا لحكم العقل.
و الأمور ثلاثة أمر بين لك رشده فاتبعه، وأمر بين لك غية فاجتنبه، وآخر اختلف فيه فرده إلى الله (٦) .
تؤدي إلى الحرام لارتفاع نسبة احتمال الوقوع فيه مما يجعلها من حيث المجموع طريقًا طبيعيًا له وهو يجعلها من حيث المجموع محرمة على أن الحديث قد يشير إلى الذرائع التي تؤدي بشكل طبيعي إلى الحرام وهذا ما اتفقنا على حرمته باعتباره ملازمًا عرفًا للحرام ـ وهذا المعنى قد يستفاد من الحوم حول الحمى يوشك أن يواقعه بشكل طبيعي.
стр. 15192
ثالثًا الدليل العقلي:
وملخصه أن إباحة الوسائل إلى الشيء المحرم المفضية إليه نقض للتحريم وإغراء للنفوس به وحكمة الشارع وعلمه تأبى ذلك (١) .
-المناقشة:
إن المراد بهذه الوسائل إن كانت تلك التي تستلزم الوقوع في الحرام فلا ريب في أنها مما يمنع العقل منها إلا أنه لا دليل على كونها ذات حرمة شرعية دائمًا لأن الحرمة ـ كما هو معلوم ـ تتبع توفر الملاك في نفس العمل، فإذا لم يكن في أصل الذريعة ملاك الحرمة لم يكن هناك معنى للحكم المولوي بالحرمة بل يعتمد الشارع على تحريمها العقلي باعتبارها مقدمة لازمة للحرام.
إلا أن المناقشة المهمة هي أن موضع النزاع هي تلك الموارد التي قد تؤدي إلى الحرام ولا يوجد فيها حتى الإلزام العقلي بالامتناع عنها، وليس فيها أي نقض للتحريم وإغراء للنفوس وما لم يصلنا من الشارع تحريم فهي باقية على حكمها الأصلي.
ومن هنا فنحن نعتقد أن ما يبحث عند علماء الإمامية تحت عنوان مقدمة الواجب أو مقدمة الحرام ومدى ترشح الوجوب والحرمة إلى المقدمات، لا علاقة له ببحث سد الذرائع المختلف فيه بين المذاهب الأربعة ـ كما تصور ذلك بعض أساتذتنا (٢) . فمصب النزاع ليس هو المقدمات التي ثبت تحريمها بنفسها ولا تلك التي تستلزم الحرام وإنما يركز المتنازعون على تلك التي قد تؤدي إلى الحرام (كما يؤكد القرافي) (٣) .
وهذا المورد ليس محلًا للنزاع عند علماء الإمامية أيضًا.
يقول الإمام الشهيد الصدر بعد تقسيمه مقدمات الحرام إلى قسمين ما لا ينفك عن الحرام وما ينفك عنه: (فالقسم الأول من المقدمات يتصف بالحرمة الغيرية دون القسم الثاني؛ لأن المطلوب في المحرمات ترك الحرام وهو يتوقف على ترك القسم الأول من المقدمات ولا يتوقف على ترك القسم الثاني) (٤) .
стр. 15193
ملاحظات:
الأولى: ذكر الأستاذ سلام أن (الواقع أن الفقهاء جميعًا يأخذون بأصل الذرائع مع اختلاف في مقدار الأخذ به وتباين في طريقة الوصول إلى الحكم أن المشاهد في أحكام الفروع أن أكثر الفقهاء يعطي الوسيلة ـ أي الذريعة ـ حكم الغاية إذا تعينت الوسيلة لهذه الغاية، أما إذا لم تتعين طريقًا لها فالمشهور عن الإمام مالك أنها تعتبر أصلا للأحكام، ويقرب منه في ذلك الإمام أحمد وتبعها ابن تيمية وابن القيم (١) .
والذي ينبغي أن يقال إن تعين الوسيلة للغاية لا يكسبها حكم الغاية دائمًا إلا إذا كانت الغاية غير منفكة عن الوسيلة، فلو أن طريقًا ما كان هو الطريق الوحيد للوصول إلى بيت فيه مفسدة لم يحرم السير فيه لأغراض أخرى، ثم إننا لا ندري كيف يحرم كل طريق يؤدي إلى المفسدة، ولو كان الأداء غير غالبي فضلًا عن كونه في قليل من الأحيان.
وعلى أي حال فالنص غير دقيق وتقسيم القرافي أدق منه.
الثانية: لاحظ الأستاذ الحكيم على ما قاله مالك وأحمد وابن تيمية وابن القيم من أن هذه المسألة من أصول الأحكام وعلق عليه بأن اكتشاف حكم المقدمة إما أن يتم من خلال الحكم العقلي بقاعدة الملازمة بين الحكم الشرعي ذي المقدمة والحكم الشرعي في المقدمة وحينئذ تدخل المسألة في مباحث صغريات حكم العقل.
وإما أن تستفاد هذه الملازمة من خلال الدلالة اللفظية الالتزامية لأدلة الأحكام ـ كما بني عليه البعض ـ وحينئذ يكون وجوب المقدمات مدلولًا للسنة ولا تشكل المسألة أصلًا برأسه (٢) .
ولو كان هؤلاء العلماء يقصدون ذلك لكان الإشكال واردًا.
إلا أن المحتمل أنهم يريدون أن المسألة تشكل قاعدة عامة تستنبط منها الأحكام حتى وإن كانت تطبيقًا لأصول أخرى سابقة عليها.
الثالثة: قد ينطبق عنوان محرم على بعض المقدمات وإن لم تكن مستلزمة بشكل عرفي للنتيجة المحرمة فتحرم ولكن لا من باب هذا الأصل وإنما من باب انطباق العنوان المحرم عليها ... وهذا العنوان من قبيل (الاعانة على الأثم) المنهي عنها في القرآن الكريم وقد يقع الاختلاف في موارد الانطباق.
فبيع هياكل العبادة المبتدعة كالصليب أو الصنم، وبيع آلات اللهو المخصصة للحرام وكذلك آلات القمار هي من الموارد المحرمة بلا ريب باعتبارها إعانة على الإثم بالإضافة للأدلة الخاصة الواردة فيها.
وبيع العنب على أن يعمل خمرًا والخشب على أن يعمل صنمًا وإجارة المساكين ليباع ويحرز فيها الخمر، وبيع محلات السينما على أن تعرض فيها الأفلام الخليعة، وإجارة الأماكن ليتم تعذيب المؤمنين فيها كل ذلك وأمثاله مما ينطبق عليه حتمًا عنوان الإعانة على الإثم فضلًا عن أنه أكل للمال بالباطل باعتبار أن تلك المنافع ساقطة في نظر الشارع.
وربما وقع الاختلاف في بيع العنب مثلًا دون تقييد بصنع الخمر ولكنه يحتمل أنه بفعل ذلك، أو في بيع شيء أو انضم إليه شيء آخر في عقد آخر لكان مقدمة حتمية للحرام، أو بيع سلاح ممن يظن أنه يتعامل مع العدو المحارب، أو تمرير بضاعة من خلال بعض الدوائر التابعة للظالمين مما يؤدي لأخذهم ضرائب عليها وتقوية كيانهم دون أن يقصد هذه التقوية وإنما يقصد التصدير لبلاد أخرى.
وخلاصة الأمر: إنه إذا صدقت عناوين محرمة أخرى على بعض المقدمات كانت محرمة لذلك ولكننا نبحث عن المقدمية نفسها وهل تستوجب الحرمة إذا لم تكن ملازمة أم لا؟ ونشير هنا إلى البحث القيم الذي قدمه الشيخ الأعظم الأنصاري في هذا الموضوع فليراجع (٣) .
стр. 15194
سد الذرائع والحيل الشرعية:
ربما اعتبر البعض أن العقد الذي يملك صورة ظاهرية مباحة ويراد منه الغرض الحرام يجب تحريمه وضعيًا من باب سد الذرائع.
وقد حرم ابن القيم فعل من يعقد النكاح قاصدًا به التحليل أو يعقد البيع قاصدًا الربا (١) .
كما حرم المالكية بيوع الآجال كمن باع سلعة إلى شهر بعشر دراهم ثم اشتراها نقدًا بخمسة قبل آخر الشهر فمالك يقول: إنه أخرج من يده خمسة الآن وأخذ عشرة آخر الشهر فهذه وسيلة لسلف خمسة بعشرة إلى أجل توسلًا باظهار صورة البيع لذلك.
وقد خالف الشافعي في ذلك مؤكدًا على النظر على ظاهر العقد فهو لا يفسد بشيء تقدمه أو تأخر عنه.
وقد ذكرت الموسوعة أن هناك بيوعًا تصل إلى ألف مسألةاختص بها مالك وخالفه فيها الشافعي (٢) فما هو الموقف في هذا المجال؟
والظاهر أن هذا الباب لا يدخل في بحثنا عن سد الذرائع وفق المقياس الذي طرحناه من قبل لأنه لا يستلزم تمامًا أو بشكل غالبي تحقيق الهدف وإن أدى إليه أحيانًا.
فإن بيع الشرط (أو ما يسمى ببيع الوفاء) مثلًا قد يكون حقيقة بيعًا يبيع فيه شخص بيتًا لآخر مشترطًا عليه إعادته عند إعادة الثمن في الوقت المحدد.
كما قد يؤدي إلى تحايل على الربا بهذه الطريقة أو فلنقل قد يؤدي إلى نفس النتائج المقصودة من الربا ولكن هل تحرم نتيجة الربا كمثل حرمة الربا؟
وهل من الممكن وضع ضابط للتمييز بين النوعين على أساس القصد مثلًا والعمل بعد ذلك بمبدأ سد الذرائع؟
стр. 15195
وعلى أي حال، فإن الإشكال يبقى قائمًا من جهة أخرى باعتبار إمكان التحايل لتحقيق الربا وهو المسرب الطبيعي لكثير من أنماط الفساد الاجتماعي والاقتصادي، والأزمات القائمة التي نشاهدها في النظم المتعاملة به فكيف ينسجم هذا مع طرح مسألة التحايل والفرار من الربا؟ حتى في بعض النصوص الشرعية مما يوهم أن الإسلام يفتح بنفسه الباب لجريان الربا إلى المجتمع وهو ما نهى عنه بشتى أساليب النهي ولكن تحت عناوين أخرى بحيل ووسائل وأساليب التفافية تقوم بالدور المفسد نفسه دون أن تمتلك الحرمة الشديدة نفسها.
وقد عبر الإمام الخميني ﵀ عن هذا الإشكال بقوله: (وهذه عويصة بل عقدة في قلوب كثير من المتفكرين وإشكال من غير منتحلي الإسلام على هذا الحكم، ولا بد من حلها، والتشبث بالتعبد في مثل هذه المسألة، التي أدركت العقول مفاسد تجويزها ومصالح منعها، بعيدًا عن الصواب) (١) .
وهو يعقب بالتالي على ذلك مؤكدًا أن الروايات الواردة في مجال الفرار من الربا تنصب في معظمها على الربا المعاوضي الجاري في النقود وفي المكيل والموزون حيث تؤدي الضميمة من غير الجنس إلى إخراج المعاملة من كونها تعاملًا بالمثلين، وذلك كما في رواية الحلبي لا بأس بألف درهم ودرهم بألف درهم ودينارين إذا دخل فيها ديناران أو أقل أو أكثر فلا بأس به) (٢) .
стр. 15196
ولا يرى إشكالًا في تجويزها في الربا والمعاوضي قائلًا:
وأما تجويزها في القسم الأول (المعاوضي) فلا إشكال فيه أصلًا ولا عقدة ولا عويصة لأن المثليات كسائر الأمتعة لها قيمة قد ترتفع وقد تنخفض، واشتراء من الحنطة الجيدة بمنين أو بأمنان من الشعير كاشتراء سائر الأمتعة بقيمتها السوقية، واشتراء دينار أو درهم له قيمة سوقية تساوي دينارين من غير صنفه أو درهمين كذلك ليس فيه إشكال ولا عويصة (عرفية) رأسًا، بل لعل سر تحريم الشارع المبادلة فيها ليس إلا مثلًا بمثل خارج عن فهم العقلاء، وإنما هو تعبد، فالحيلة في هذا القسم لا إشكال فيها أما ربا القرض فلم ترد في مجال التخلص منه إلا بعض الروايات وهي إما أن تكون ضعيفة من حيث السند والدلالة وإما أن تكون بصدد أراءة سبيل صحيح يحقق الغرض بتحويل هذا العقد إلى عقود صحيحة أخرى تترتب عليها أحكامها الطبيعية ولا تنتج عنها المفاسد الربوية، والأزمات الخانقة قد لا تترتب على هذه السبل التي طرحت هنا (١) .
وحتى لو افترضنا وجود روايات ما ـ كما يدعى ـ سليمة السند والدلالة فهي بالنظر العرفي المسلم مخالفة لمقتضى الكتاب والسنة القطعية المؤكدة على كونه من الظلم والفساد وإعلان الحرب ضد الله تعالى ولذلك توضع عليها علامات الاستفهام.
стр. 15197
هذا وهناك بعض الروايات التي تمنع من التحايل على الربا.
فقد ورد في رواية يونس الشيباني قال:
قلت لأبي عبد الله (ع) (الصادق) : الرجل يبيع البيع، والبائع يعلم أنه لا يسوى والمشتري يعلم أنه لا يسوى إلا أنه يعلم أنه سيرجع فيه فيشتريه منه قال: فقال: يا يونس، إن رسول الله ﷺ وآله قال لجابر بن عبد الله: كيف أنت إذا ظهر الجور وأورثتم الذل؟
قال: فقال له جابر: لا بقيت إلى ذلك الزمان ومتى يكون ذلك بأبي أنت وأمي؟ قال: إذا ظهر الربا، يا يونس وهذا الربا فإن لم تشتره مرده عليك؟ قال: قلت: نعم قال: فلا تقربنه، فلا تقربنه (١) .
ومن الواضح في هذا الحديث أن مورد البحث هو اشتراط البيع الأول بالثاني مما يعني مجرد عملية تحايل تؤدي بشكل واضح إلى الربا دون أن تترتب أية نتائج أخرى.
стр. 15198
معيار التشخيص:
ومن هنا فمن الطبيعي أن نبحث عن معيار لتشخيص الموضوع المحرم المتحايل به عن غيره والمعيار الذي يطرح هنا هو العرف.
والعرف إنما يرجع إليه في ثلاثة مجالات:
الأول: ما يكشف منه الحكم الشرعي الفرعي أو حتى الأصل العام وذلك لو ثبتت هناك سيرة عرفية عامة على إجراء عقد الفضولي مثلًا أو الاستصحاب وكانت هذه السيرة ممتدة إلى عصر المعصوم مما يحقق التقرير والإمضاء له بمقتضى عدم صدور الردع المناسب له.
الثاني: تشخيص المفاهيم التي أوكلت إليه من قبل الشارع من قبيل معرفة المفاهيم التالية وبالتالي مدى انطباقها على مصاديقها:
(الإناء، الصعيد، الفقير، المسكين، الغنى، الإسراف، التبذير..) .
الثالث: ما يرجع إليه لمعرفة مرادات المتكلمين عندما يستعملون الألفاظ سواء كان المتكلم الشارع أو غيره ويرجع إليه ما هو من قبيل الدلالات الالتزامية إذا كان منشأ الدلالة عرفيًا، ويمثل له بحكم الشارع بطهارة الخمر الذي انقلب إلى خل الملازم عرفًا لطهارة الإناء، وكذلك البحث عن القرائن العرفية، وأنواع الجمع العرفي بين الدليلين المتنافيين، ويدخل هنا تشخيص مراد غير الشارع كما في أبواب الأقرارات والوصايا.
стр. 15199
نعم هناك بعض المفاهيم التي يرى الشارع أن يتدخل فيها بنفسه لتشخيص بعض مصاديقها لغموضها على العرف أو لخشيته من اتجاه العرف إلى مصاديق أخرى، كما في الفقاع مثلًا أو الربا المعاوضي.
ولو عدنا إلى موضوعنا لرأينا أن اللازم الحصول على تأكد عرفي من عدم صدق الربا مما يستدعي رفض الحالات المشتبهة بملاحظة ما ورد من تأكيد شديد على عدم الاقتراب منه، هذا مع مراعاة أصول أخرى أكدت على مبدأ السماح والتيسير والمنن الإلهية التي لا ينبغي ردها، والتشدد مخالف لهذه المضامين كما في مسألة (التقصير في السفر) .
وحينئذ فيجب اتباع النظر العرفي الدقيق، والعرف لا يرى الفرق بين العملين أو العقدين إذا لم يتمتع أحدهما بشروط وظروف تختلف عن الأخرى.
فالتغيير اللفظي المجرد لا يخرج العقد من مصاديق الربا وصغرياته في نظر العرف أو أن يقال إن العرف يوسع من مفهوم الربا القرضي متجاوزًا به عقد القرض نفسه ليشمل كل مورد مشابه له إذا لم تختلف الشروط والنتائج فيه فتكون التوسعة في (الكبرى) .
فمحاولات من قبيل ما يلي تعد من تطويل المسافة وتعقيد الأمر فقط:
أ - وضع مال بإزاء عملية الإقراض نفسها لا في مقابل المال المقترض.
ب - بيع ثمانية دنانير مثلًا بعشرة مؤجلة.
جـ- بيع العينة مع اشتراط البيع الثاني في البيع الأول.
وقد جاء في الرواية عن علي بن جعفر عن الإمام الكاظم (ع) قال: سألته عن رجل باع ثوبًا بعشرة دراهم ثم اشتراه بخمسة دراهم أيحل؟ قال إذا لم يشترطا ورضيًا فلا بأس.
وهنا محاولات كثيرة أخرى لا يرى العرف خروجها عن الربا رغم تطويل المسافة.
أما بيوع الآجال أو بيوع الوفاء فإن الشرائط والظروف فيها تختلف من حيث الملكية والتلف والنماء وأمثال ذلك مما يضع علامات تغييرية أمام العرف تمنع من الصدق العرفي للربا عليها.
كما أنها قد تكون عقودًا مقصودة في نفسها دونما أي قصد للربا فلا يمكننا إذن إبطالها بالمعيار العرفي ولا نستطيع بعد هذا أن نستند إلى سد الذرائع لتحريمها أو إبطالها بمجرد أنها قد تؤدي إلى نفس النتيجة أو قد تستخدم غطاء لعملية ربوية، ما دامت لا تؤدي بشكل قطعي أو غالبي إلى الحرام.
стр. 15200
فتح الذرائع:
ذكرت الموسوعة الكويتية بأن المراد به هو (تيسير السبل إلى مصالح البشر) وقال القرافي المالكي: اعلم أن الذريعة كما يجب سدها يجب فتحها، وتكره وتندب وتباح فإن الذريعة هي الوسيلة فكما أن وسيلة المحرم محرمة فوسيلة الواجب واجبة كالسعي إلى الجمعة والحج والوسيلة إلى أفضل المقاصد أفضل الوسائل، وإلى أقبح المقاصد أقبح الوسائل، وإلى ما يتوسط متوسطة:
ومما يدل على حسن الوسائل الحسنة قول الله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لَا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلَا نَصَبٌ وَلَا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ﴾ [التوبة: ١٢٠] ثم ذكر أمثلة من ذلك منها التوسل إلى فداء أسارى المسلمين بدفع المال للكفار - والذي هو محرم عليهم الانتفاع به بناءًا على أنهم - مخاطبون بفروع الشريعة عند المالكية وعند الإمامية أيضًا ومنها دفع المال لرجل يأكله حرامًا حتى لا يزني بامرأة (١) .
стр. 15201
وقد ذكرنا في مطلع البحث أن التعريف الأفضل هو: إيجاب الوسيلة التي يتوقف عليها فعل واجب وإلا فالتعريف المذكور هنا يشمل حتى الأفعال الخارجية ويأتي هنا بحث (مقدمة الواجب) و (التزاحم) المطروح بشكل مفصل في كتب الإمامية وملخصه:
إنه لو توقف واجب على مقدمة ما فإن المقدمة بلا ريب سوف تجب عقلًا لأن نفس وجوب ذي المقدمة يحرك نحو الإتيان بمقدماته ... وإنما وقع الخلاف في وجود وجوب شرعي (مولوي) للمقدمة بالإضافة للوجوب العقلي فيقال بوجود ملازمة بين الحكم الشرعي في ذي المقدمة والحكم الشرعي في المقدمة ويتفرع عليه القول بـ (الوجوب الغيري) أي ما وجب لغيره.
والحقيقة هي أن كل واجب تنظر فيه المصلحة فيمكن أن يكون واجبًا لغيره إلا أن المراد هنا هو أن يكون مصب الجعل الشرعي على شيء ثم يترشح الوجوب الشرعي إلى مقدماته.
وهذا الوجوب الغيري للمقدمات له خصائص منها:
أ - أنه لا يحرك نحو فعل المقدمة بشكل مستقل عن التحريك نحو ذي المقدمة.
ب - وأنه لا يستتبع ثوابًا (إلا باعتباره شروعًا في امتثال ذي المقدمة) .
جـ- وإن مخالفته ليست موضوعًا مستقلًا لاستحقاق العقاب إضافة للعقاب على ذي المقدمة؛ لأن الملاك الذي تم تفويته هو ملاك ذي المقدمة، ولذلك لا عقاب على المقدمات بالإضافة لتفويت أصل الواجب.
د- وأنه لا يتوقف على قصد القربة فهو واجب مقدمي ملاكه المقدمية لا غير إلا أن يكون قصد القربة جزءًا من المقدمة نفسها.
والملاحظ أن العلماء الذين فصلوا كثيرًا في هذا المورد تحيروا في الثمرة العملية الناتجة من القول بالوجوب الغيري للمقدمة وعدمه.
стр. 15202
وقد ذكر الشهيد الصدر (رحمه الله تعالى) أن أفضل ما يمكن أن يقال في المورد هو أمران:
الأول: إذا أصبح واجب علة تامة لحرام (أي ذريعة لا تنفك عن النتيجة المحرمة) وكان الواجب أهم ملاكًا من الحرام، فإننا إذا قلنا بعدم وجود ملازمة (بين الحكمين الشرعيين في المقدمة وذيلها) يعود الأمر من حالات ما يسمى لديهم بالتزاحم بين ترك الحرام وفعل الواجب والعمل هنا على تقديم الأهم ملاكًا.
أما إذا قلنا بوجود الملازمة فهذا يعني أن هناك حرمة مولوية تترشح إلى الواجب فينصب حكمان على مورد واحد هو (الحرمة الغيرية المولوية والوجوب النفسي) وهذا يعني أن دليلي الوجوب والحرمة يتكاذبان ويدخل المورد في باب التعارض مما يتطلب تطبيق قواعده لا قواعد باب التزاحم (١)
стр. 15203
الثاني: إذا كان الأمر على العكس فتوقف فعل الواجب كإنقاذ غريق محترم على ارتكاب حرام كتصرف بأرض مغصوبة فإن حرمة الغصب هنا تسقط لتزاحمها مع الواجب الأهم وحينئذ فإن ارتكب الغصب دون أن ينقذ الغريق، فإن لم نقل بالملازمة فقد ارتكب حرامًا، أما إذا قلنا بها فإن الوجوب الغيري يمنع من اتصاف هذه الحركة بالحرمة (١) .
وقد اختار المرحوم الصدر انكار الوجوب الغيري كحكم شرعي للمقدمات وإن سلم بوجود شوق وحب غير ناشيء من التلازم بين حب شيء وحب مقدماته (٢) .
ومبنى المتأخرين من علماء الإمامية كالمرحوم السيد محسن الحكيم والمرحوم الإمام الخوئي وغيرهما انكار هذه التبعية أيضًا ـ وهو المذهب الحق.
وعليه، ومع إنكار وجود حكم شرعي للمقدمة فإن الأمر يتحول إلى نوع من التزاحم بين تنفيذ حكم المقدمة في نفسها وحكم ذي المقدمة بعد أن لم يمكن تنفيذهما معًا.
والتزاحم ـ كما هو معلوم ـ إنما يكون في مورد يصدر فيه حكمان من الشارع ولكنهما يتنافيان في مقام الامتثال إما لعدم القدرة على الجمع بينهما كما في المثال السابق أو لقيام الدليل الثالث على عدم إرادة الجمع بينهما:
وفي هذا المجال يرجع إلى مرجحات باب التزاحم.
وأهم معيار هو الأهمية المستقاة من الشريعة.
وهنا تأتي بحوث في بيان علامات ومعايير الأهمية. فيقال إن الحكم المضيق مثلًا مقدم على الحكم الموسع (كما لو تزاحم أداء الدين المستحق مع حكم الصلاة في وقتها الموسع) وإن ما ليس له البدل مقدم على ما له البدل.
(كما لو تزاحم الأمر بالوضوء مع انقاذ نفس ظامية) .
وإن ما كان أمره معينًا يقدم على ما كان مخيرًا.
(كالوفاء بالنذر فإنه يقدم على الكفارة المخيرة) .
وإن ما كان مشروطًا بالقدرة العقلية مقدم على ما كان مشروطًا بالقدرة الشرعية.
(كتقديم الوفاء بالدين على الحج) .
وهكذا.
стр. 15204
ومن هنا نعرف أن البحث عن سد الذرائع يعود إلى البحث عن التزاحم، ففي الأمثلة التي ذكرها القرافي يتم التزاحم مثلًا بين وجوب فداء أسرى المسلمين وحرمة إعانة الكفار في الانتفاع بمال المسلمين، أو بين حرمة الإعانة على أكل المال بالباطل وحرمة الزنى، وأمثال ذلك حيث يقدم الأهم على المهم، بل يمكن القول بأن التزاحم بين وجوب ذي المقدمة وإباحة المقدمة في مورد السعي إلى الجمعة فيقدم الأهم وهو الوجوب.
أما الحسن الذي ذكره للوسائل وأنها تدخل في زيادة الثواب كما في الآية الكريمة ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لَا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ﴾ [التوبة: ١٢٠] فهو في الواقع ناتج من ارتفاع صعوبة الجهاد نفسه و (أفضل الأعمال أحمزها) بلا ريب.
الخلاصة: من خلال ما تقدم نستخلص الأمور التالية:
١- أن هناك اختلافًا حقيقيًا بين العلماء من مختلف المذاهب حول مورد النزاع وهو الذرائع التي لا تستلزم ولو بشكل عرفي تحقق الحرام.
٢- أنه قد يشتد اهتمام الشارع بنفي مفسدة ما فيعمل على سد كل الطرق التي تؤدي إليها ولو احتمالًا إلا أن ذلك لا يشكل دائمًا قاعدة عامة.
٣- إن لولي الأمر في ظل الظروف التي يشخصها أن يحرم بعض الوسائل المباحة باعتبار استغلالها للإقدام على الحرام ومن أمثلة ذلك تحريم استقبال الباث الخارجي للتلفزة الغربية المعادية للأخلاق.
٤- أن الأدلة التي ذكرها القائلون بسد الذرائع وأهمها دليل الاستقراء وأدلة الاحتياط والدليل العقلي لا يمكنها أن تنهض بقضية سد الذرائع لورود مناقشات جادة عليها.
٥- إن سد الذرائع حتى لو تمت أدلته ليس أصلًا من أصول الفقه وإن أمكن أن يشكل قاعدة مهمة عامة.
٦- إنه قد ينطبق على بعض المقدمات عنوان محرم من قبيل عنوان (الإعانة على الإثم) فتحرم لذلك لا لكونها ذريعة محتملة الإيصال إلى الحرام.
٧- إن المعيار في التفريق بين الحيل الشرعية المرفوضة ومحاولات التخلص الحقيقي من الحرام هو العرف الذي أوكل الشارع إليه تشخيص المفاهيم.
٨- عند الحديث عن فتح الذرائع هناك مجال لبحث وجوب المقدمة وبحوث التزاحم الذي يأتي عندما يتزاحم واجبان في مقام الامتثال وحينئذ يقدم الأهم على المهم.
والله الهادي إلى سواء السبيل
الشيخ محمد علي التسخيري
стр. 15205
سد الذرائع
إعداد
الشيخ مجاهد الإسلام القاسمي
الأمين العام لمجمع الفقه الإسلامي بالهند
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
سد الذرائع
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيد الأنبياء وخاتم المرسلين وعلى آله وصحبه ومن اهتدي بهديه ودعا بدعوته إلى يوم الدين.
أما بعد: إن سد الذرائع أصل عظيم تنبني عليه مسائل كثيرة في جميع الأبواب الفقهية وخاصة في القضايا المعاصرة والمشكلات الحاضرة الآن.
المجددون قد تحيلوا لتحليل الحرام بأعمال ظاهرها مباح وفي باطنها نار فعلى الفقهاء التيقظ التام لئلا توصل فتاواهم لتحليل الحرام الصراح، فعلينا أن ندرس هذا الأصل الفقهي العظيم سد الذرائع دراسة عميقة ولا نستعمله للتضييق على الناس فيما رخص فيه الشرع ولا نأذن للإباحيين أن يبيحوا كل حرام.
قد درسنا في هذا البحث سد الذرائع لغة واصطلاحًا وفيما يجب فيه سد الذرائع وما هي العلاقة بين سد الذرائع والحيل وغير ذلك وإليكم التفصيل:
تعريف الذريعة لغة واصطلاحًا:
الذريعة من ذرع وهذه المادة تنبئ عن الامتداد والحركة ومنه الذارع ما بين طرف المرفق إلى طرف الأصبع الوسطى وذرع الرجل: رفع ذراعيه منذرًا أو مبشرًا قال:
تؤمل انفال الخميس وقد رأت سوابق خيل لم يذرع لديرها
وأذرع في الكلام وتذرع أكثر وأفرط، والذرع الطويل اللسان بالشر وذرع الرجل في سياحته تذريعًا: اتسع ومد ذراعيه والتذريع في المشي تحريك الذراعين
стр. 15206
والذريعة: الوسيلة وقد تذرع فلان بذريعة أي توسل والجمع الذرائع، والذريعة مثل الدريئة جمل يختل به الصيد، يمشي الصياد إلى جنبه، فيستتر به، ويرمي الصيد إذا أمكنه، وذاك الجمل يسيب أولا مع الوحش حتى تألفه،
والذريعة السبب إلى الفيء، وأصله من ذلك الجمل يقال: فلان ذريعتي إليك، أي سببي ووصلتي الذي أتسبب إليك ...
قال ابن الأعرابي سمي هذا البعير الدريئة والذريعة ثم جعلت الذريعة مثلًا لكل شيء أدنى من شيء وقرب منه وأنشد،
وللمنية أسباب تقربها كما تقرب للوحشية الدرع
وفي نوادر الأعراب: أنت ذرعت بيننا هذا وأنت سجلته يريد سببته.
وكذلك الذريعة استعملت بمعنى الحلقة، يتعلم عليها الرمي أو الطعن مثل الدريئة (١) .
стр. 15207
والحاصل: أن لفظ الذريعة لغة عامة في كل ما يقرب الشيء إلى الشيء ويكون سببًا للحصول على آخر، وفيه الامتداد والتحرك، والمشيء إلى القدام، واستعمالاتها اللغوية عامة في الأشياء المادية وغيرها، وأيضًا الأمر الدقيق فيه الذي يقربها إلى المعنى الاصطلاحي الخاص وهو التستر ونوع من الختل، كان الشخص الذي يجعل شيئًا ذريعة لأن يصل إلى شيء آخر، الذي هو المقصود الأصلي له، فيستر جنب هذا الشيء، الذي جعله ذريعة كما أن الصائد يجعل الجمل للصيد سترًا له، ويريد أن يصل إلى الصيد الوحشي.
فإطلاق لفظ الذريعة تحتاج إلى ثلاثة أمور:
الأول: هو الذي يفضي إلى المقصود.
والثاني: الأمر الذي هو المقصود.
والثالث: علاقة السببية بين الأمرين.
والسد لغة: الجبل الحاجز، قال تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ﴾ [الكهف: ٩٣] .
وقال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا﴾ [يس: ٩] قال الزجاج: هؤلاء جماعة من الكفار أرادوا بالنبي ﷺ سوءًا فحال الله بينهم وبين ذلك وسد عليهم الطريق الذي سلكوه فجعلوا بمنزلة من علت يده وسد طريقة من بين يديه ومن خلفه (١) .
فالحاصل: أن السد هو الإغلاق، وسد الطرق، ومعنى سد الذريعة هو المنع عن أمر يكون سببًا لحصول أمر آخر، ويقابله في فتح الذريعة، ومعناه فتح الطريق لحصول المقصود، فالمراد به إذن عمل يكون سببًا لحصول أمر آخر.
стр. 15208
الذريعة في اصطلاح الأصوليين:
كما ظهر مما مر في المعنى اللغوي للذريعة أن الذريعة هي الوسيلة إلى الشيء قال صاحب تهذيب الفروق.
(الذريعة بالذال المعجمة الوسيلة إلى شيء وأصلها عند العرب ما تألفه الناقة الشاردة من الحيوان، لتضبط به ثم نقلت إلى البيع الجائز صورة المتحيل به على ما لا يجوز، وهو السلف الجار نفعًا، وكذا غير البيع على وجه التحيل به على ما لا يجوز من كل شيء كأنه وسيلة لشيء) (١) .
وقد قال الشاطبي: إن حقيقة الذريعة التوسل بما هو مصلحة إلى مفسدة (٢) .
وقال ابن رشد في كتاب المقدمات: إن الذرائع هي الأشياء التي ظاهرها الإباحة، ويتوصل بها إلى فعل المحظور، ومن ذلك البيوع التي ظاهرها الصحة، ويتوصل بها إلى إباحة الربا) (٣) .
وقال ابن القيم الجوزية: لما كانت المقاصد لا يتوصل إليها إلا بأسباب وطرق تفضي إليها، كانت طرقها وأسبابها تابعة لها معتبرة بها، فوسائل المحرمات والمعاصي في كراهتها والمنع منها بحسب إفضائها إلى غاياتها وارتباطاتها بها، ووسائل الطاعات والقربات في صحتها والإذن بها بحسب إفضاؤها إلى غاياتها، فوسيلة المقصود تابعة للمقصود، وكلاهما مقصود، لكنه مقصود قصد الغايات وهي مقصودة قصد الوسائل، فإذا حرم الرب تعالى شيئًا وله طرق ووسائل تفضي إليه فإنه يحرمها ويمنع منها، تحقيقًا لتحريمه وتثبيتًا له ومنعًا أن يقرب حماه، ولو أباح الوسائل والذرائع المفضية إليه لكان ذلك نقضًا للتحريم وإغراء للنفوس به.
وحكمته تعالى وعلمه يأبى ذلك كل الإباء، بل سياسة ملوك الدنيا تأبى ذلك فإن أحدهم إذا منع جنده أو رعيته أو أهل بيته من شيء ثم أباح لهم الطرق والأسباب والذرائع الموصلة إليه لعد متناقضًا ولحصل من رعيته وجنده ضد مقصوده، وكذلك الأطباء، إذا أرادوا حسم الداء منعوا صاحبه من الطرق والذرائع الموصلة إليه، وإلا فسد عليهم ما يرومون إصلاحه، فما الظن بهذه الشريعة الكاملة التي هي في أعلى درجات الحكمة والمصلحة والكمال، ومن تأمل مصادرها ومواردها علم أن الله تعالى ورسوله سد الذرائع المفضية إلى المحارم، بأن حرمها ونهى عنها. والذريعة: ما كان وسيلة وطريقًا إلى الشيء (٤) .
стр. 15209
ويبدو بعد إمعان النظر في التعريفات التي ذكرها الأصوليون أن الذريعة لها إطلاقان.
الأول: الإطلاق العام وهو كل ما كان وسيلة من خير أو شر يفضي إلى ما قصد من شر أو خير.
والثاني: كل خير ومباح يكون سببًا ووسيلة للشر وهذه حقيقة عرفية كما قال صاحب تهذيب الفروق.
وبناء على الإطلاق الأول: إذا كانت الذريعة خيرًا يفضي إلى شر فيجب سدها، وإذا كانت شرًا يفضي إلى خير يجب فتحها، وأما بناء على الثاني: فكل خير مباح إذا كان ذريعة لشر أو محرم يجب سدها، وهذا سد الذرائع.
فالحاصل أن الذريعة في اصطلاح علماء الأصول: كل قول أو عمل يكون مباحًا في نفسه، ولكنه يفضي إلى معصية ومحظور شرعي، كالبيع فإنه مباح في نفسه ولكن الاشتغال به عند أذان الجمعة يكون سببًا للمنع عن السعي إلى المسجد وذلك ما أمر به الله تعالى.
والسد معناه: المنع والإغلاق، فمعنى سد الذرائع هو المنع عن كل قول وعمل هو مباح في الأصل، ولكنه يؤدي إلى أمر محرم واعلم: أنه حكى في تهذيب الفروق عن الإمام ابن العربي: قاعدة الذريعة التي يجب سدها شرعًا، هو ما يؤدي من الأفعال المباحة إلى محظور منصوص عليه، لا مطلق محظوراً (١) .
стр. 15210
أقسام الذرائع:
قسم الإمام الشاطبي: الذرائع إلى أربعة أقسام:
الأول: الذرائع التي تفضي إلى المفسدة قطعًا كحفر البئر على باب أحد أو على طريق في ظلام الليل بحيث يقع فيه الخارج من البيت حتما،
الثاني: الذرائع التي تؤدي إلى المفسدة نادرًا، كحفر البئر في مكان لا يكون طريقًا عامًا، ولا يؤدي غالبًا إلى وقوع أحد فيه ولكن قد يقع فيه من لا يدري ذلك عند المرور به في الظلام.
الثالث: الذرائع التي توصل إلى المفسدة غالبًا بحيث يغلب الظن إفضاؤه إلى الفساد كبيع الأسلحة في أيام الحرب مع الأعداء؛ لأن الظن الغالب أنها ستستعمل ضد المسلمين، أو كبيع العنب لمن يتخذه خمرًا لأن الغالب أنه يصنع منه الخمر.
الرابع: الذرائع التي ربما تسبب المفسدة ولكن لا غالبًا ولا نادرًا نحو بعض أنواع البيوع التي قد تفضي إلى الربا، ولكنها لا تكثر ولا تندر (١) .
стр. 15211
حكم الذرائع:
قد أجمع الفقهاء على النوع الأول، وهو الذي يكون إفضاؤه إلى الفساد قطعيًا عادة بأنه ممنوع، وعن هذا القسم قال الإمام القرافي في كتاب الفروق:
(بل الذرائع ثلاثة أقسام: قسم أجمعت الأمة على سده ومنعه وحسمه كحفر الآبار في طرق المسلمين فإنه وسيلة إهلاكهم فيها، وكذلك إلقاء السم في أطعمتهم، وسب الأصنام عند من يعلم من حاله أنه يسب الله تعالى عند سبها) (١) .
أما النوع الثاني: وهو الذي يكون أداؤه إلى الفساد نادرًا فلا يحكم بمنعه، يقول القرافي:
وقسم أجمعت الأمة على عدم منعه، وأنه ذريعة لا تسد، ووسيلة لا تحسم، كالمنع من زراعة العنب خشية الخمر فإنه لم يقل به أحد وكالمجاورة في البيوت خشية الزنا (٢) .
أما النوع الثالث: وهو ما يغلب على الظن كونه موجبًا للفساد فقد ذهب العلماء إلى حظره ومنعه كالنوع الأول؛ لأن الشرع يقيم الظن الغالب في محل العلم واليقين في عامة الأحوال، وكثيرًا ما نرى أن ارتكاب مثل تلك الذرائع يوجب ارتكاب الممنوعات، وادعى القرافي الإجماع على منع هذا النوع مثل النوع الأول، فيقول:
(وما يغلب على الظن إفضاؤه إلى المفسدة أن هذا القسم قد أجمع على سده، كالمنع من حفر الآبار في طرق المسلمين إذا علم وقوعهم فيها أو ظن، وإلقاء السم في أطعمتهم إذا علم أو ظن أنهم يأكلونها فيهلكون) (٣) .
ولكن العلامة ابن القيم أنكر الإجماع على منع هذا النوع في كتابه إعلام الموقعين، وحكى فيه خلاف العلماء قائلًا: إن بعض الشافعية وابن حزم روي عنهم الخلاف في هذا الصدد (٤) .
أما النوع الرابع: وهو الذي لا يؤدي إلى المفسدة لا غالبًا ولا نادرًا، ولكن ربما يفضي إليها واختلف وجهات العلماء في حكم هذا النوع من المنع والجواز، فذهب الإمام أبو حنيفة والشافعي وابن حزم إلى عدم منع هذا القسم، وذلك لأن الفساد ليس غالبًا في هذه الصورة، والاعتبار للغالب ويستنتج من ذلك أن العقود والأعمال التي لا تؤدي إلى الفساد غالبًا لا تكون محظورة.
وأما الإمام مالك والإمام أحمد بن حنبل فإنهما يمنعان الذرائع في تلك الصورة كذلك، ويقولان إن ذلك الفعل ربما لا يبقى على إباحته الأصلية، لكونه موجبًا للفساد في كثير من الأحوال ونجد لذلك نظائر وشواهد كثيرة في الشرع مثلًا: الخلو بالمرأة الأجنبية، وسفر المرأة مع الرجل الأجنبي، فإن خوف الفتنة في هاتين الصورتين ليس غالبًا ولا نادرًا، فربما تقع الفتنة وربما لا تقع، ولكن الشرع الإسلامي قد منع من ذلك أيضًا فعلم من ذلك أنه يجب سد هذا النوع من الذرائع كذلك.
стр. 15212
نظائر سد الذرائع في الأحكام الشرعية:
وبعد ما ذكرنا تعريف الذرائع وأنواعها وأحكامها يبدو من المناسب أن نذكر عدة نظائر كذلك، التي روعيت فيها تلك الأصول
١- قال الله تعالى في القرآن الكريم: ﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [الأنعام: ١٠٨] .
فظاهر أن الآلهة الباطلة باطلة في الواقع، وسبهم ليس من الشر في ذاته، إلا أن سب المشركين الله كرد الفعل لذلك هو أعظم خطيئة ولذلك سد القرآن الكريم هذه الذريعة التي يتوصل بها إلى الشر.
٢- قد ورد النهي في حديث رسول الله ﷺ عن الصلاة عند طلوع الشمس وغروبها، والغرض من ذلك هو المنع من المشابهة مع الكفار، وهذه المشابهة تتحقق بالسجود في تلك الأوقات.
وكذلك ورد النهي في الحديث الشريف عن الجمع بين المرأة وعمتها وبين المرأة وخالتها في النكاح لأنه يوجب قطع صلة الأرحام.
وكذلك منع رسول الله ﷺ الدائن عن قبول هدية المدين؛ لأن ذلك ربما يحدث الميل في نفس الدائن إلى الانتفاع بالدين.
٣- نهى الخليفة الثاني سيدنا عمر الفاروق ﵁ عن الصلاة عند الشجرة التي انعقدت بيعة الرضوان تحتها، بل إنه قام بقطعها عندما خاف من أن هذا العمل المباح قد يدفع الناس إلى العودة إلى نزعة عبادة الأصنام القديمة، فقال ﵁ حين رأي الناس يأتون إليها، ويصلون عندها، أراكم أيها الناس رجعتم إلى العزى، ألا لا أوتي منذ اليوم بأحد عاد لمثلها إلا قتلته بالسيف، كما يقتل المرتد، ثم أمر بقطعها.
٤- إيقاع الطلاق يخرج المرأة من النكاح، وإذا خرجت المرأة من النكاح لا ترث زوجها، فإيقاع الطلاق في مرض الموت ينتج حرمان المرأة من الميراث وقام الخليفة الثالث سيدنا عثمان بن عفان ﵁ بتوريث زوجة عبد الرحمن في مرض وفاته، بالرغم من أن عدتها كانت قد انقضت وقد أجاب عمر ﵁ عندما سأله القاضي شريح عن رجل طلق امرأته ثلاثًا وهو مريض، بأن المرأة تستحق الإرث ما دامت في العدة، ومن الظاهر أن الطلاق الذي جعله الشرع مباحًا يوجب التحريم من الإرث، فالمطلق وإن لم يقصد ذلك، ولكنه يتهم به لإقدامه على الطلاق في تلك الحال ولذلك أزيل أثر هذا الطلاق في باب الوراثة، وذلك سد للذريعة.
стр. 15213
الفرق بين الذريعة والسبب:
السبب كل شيء يتوصل به إلى غيره ومعناه الحبل أيضًا قال أبو عبيدة: السبب كل حبل حدرته من فوق وقال خالد بن جنب: السبب من الحبال القوي الطويل قال: ولا يدعى الحبل سببًا حتى يصعد به وينحدر به والسبب يستعمل لكل شيء يتوصل به إلى غيره.
أما عند الأصوليين: فالسبب ما يكون طريقًا إلى الحكم من غير تأثير، أي لا يضاف إليه وجوب ولا وجود، ولا يعقل فيه معاني العلل لكن يتخلل بينه وبين الحكم علة قال في كشف الأسرار.
السبب ما يتوصل به إلى المقصود من علم أو قدرة أو آلة.. ومعنى ذلك أن الجميع يرجع إلى معنى واحد، وهو أن السبب ما يكون موصلًا إلى الشيء فإن الباب موصل إلى البيت، والحبل موصل إلى الماء، وهو في الشريعة عبارة عما هو طريق إلى الشيء أي إلى الحكم، يعني هو في عرف الفقهاء مستعمل فيما هو موضوعه لغة أيضًا ... ولهذا قال بعضهم: السبب في اللغة عبارة عما يتوصل به إلى مقصود ما، وفي اصطلاح أهل الشرع عبارة عما هو أخص من المفهوم اللغوي وهو كل وصف ظاهر منضبط دل الدليل السمعي على كونه معرفًا لحكم شرعي، وفائدة نصبه سببًا معرفًا للحكم سهولة وقوف المكلفين على خطاب الشارع في كل واقعة من الوقائع، بعد انقطاع الوحي حذرًا من تعطيل الأحكام الشرعية في أكثر الوقائع، فعلى هذا التفسير، يكون السبب اسمًا عامًا متناولًا لكل ما يدل على الحكم، ويوصل إليه من العلل وغيرها، فيكون تسمية الوقت والشهر والبيت والنصاب، وسائر ما مر ذكرها في باب بيان أسباب الشرائع أسبابًا بطريق الحقيقة، وعلى التفسير المذكور لا يتناول العلل بل يكون اسمًا لنوع من المعاني المفضية إلى الحكم، فيكون تسمية تلك الأشياء أسبابًا بطريق المجاز (١) .
стр. 15214
وقال سعد الدين التفتازاني في شرح التلويح: (أما السبب) .
وهو لغة ما يتوصل به إلى الشيء واصطلاحًا: ما يكون طريقًا إلى الحكم والطريق إليه لا مؤثر فيه، فلا بد للحكم من علة مؤثرة فيه موضوعة له، والسبب إما أن يضاف إليه أو لا، فالأول: السبب: الذي في معنى العلة (١) .
وقال الإمام جلال الدين أبو عمر بن محمد بن عمر الخبازي:
أما السبب فأربعة: حقيقة: وهو ما يكون طريقًا إلى الحكم من غير أن يضاف إليه وجوب ووجود لكنه تخلل بينه وبين الحكم علة لا تضاف إلى السبب مثل دلالة السارق على مال إنسان، وحل قيد العبد، وفتح باب القفص والاصطبل ودفع السكين إلى صبي، ليمسكه فوجأ به نفسه، أو غصبه فمات في يده بمرض، أو قال له إرق هذه الشجرة فانقضها لنأكل أو لتأكل أو حمله على دابة فسيرها وسقط (٢) .
قال الآمدي: والسبب في اللغة عبارة عما يمكن التوصل به إلى مقصود ما ومنه سمي الحبل سببًا، والطريق سببًا لامكان التوصل بهما إلى المقصود، وإطلاقه في اصطلاح المتشرعين على بعض مسمياته في اللغة (وهو كل وصف ظاهر منضبط دل الدليل السمعي على كونه معرفًا لحكم شرعي) ولا يخفى ما فيه من الاحتراز (٣) .
بعدما عرفنا المعنى اللغوي والاصطلاحي للسبب، وصلنا إلى أن الذريعة والسبب متقاربان في اللغة، أما الفرق بينهما في الاصطلاح هو أن الذريعة يراد بها التوصل إلى محظور، والسبب هو ما يترتب عليه الشيء كان مقصودًا أو غير مقصود، فالسبب بهذا المعنى العام عام يصدق على الذريعة إذا أراد العامل بفعل مباح التوصل إلى محظور وإذا كان العمل مفضيًا ولكن لم يقصد به فهو سبب أيضًا؛ لأنه يترتب عليه ذلك الأمر وليس بذريعة، فالسبب مراع فيه ترتيب الغير عليه والإفضاء إليه، أما الذريعة فتكون مفضية ولكن يقصد بها المحظور شرعًا.
стр. 15215
الفرق بين الذريعة والوسيلة:
والذريعة باعتبار تعريفها العام: يعم حتى يدخل في زمرتها ما إذا كان المطلوب حلالًا ويشمل السبب والوسيلة جميعًا، وذلك يشبه معناها اللغوي بدون فرق، نعم: يتحقق الفرق بينها وبينهما باعتبار المعنى الخاص، وهو الذي تختلف آراء العلماء الأصوليين في حدها، فلا بد في المعنى الخاص من وجود عدة أمور:
الأول: أن تكون الذريعة نفسها جائزة خارجة عن ماهية المحظور.
الثاني: أن تؤدي إلى فعل محظور شرعًا لا إلى مصلحة.
الثالث: أن يكون إفضاؤها في غالب الظن لا نادرًا.
فبناء على ما بينت من معنى الذريعة الخاص يكون تعريفه أكمل وأمنع.
الذريعة بالمعنى الخاص: عبارة عن أمر غير ممنوع لنفسه قويت التهمة في أدائه إلى فعل محظور (١) .
وأما الوسيلة: فهي تؤدي إلى تحقق مصلحة شرعية ثم هي تكون جائزة حينًا وتكون ممنوعة تارة، وفي هذا المعنى تفترق الذريعة عنها بالمعنى الخاص، قال محمد هشام البرهاني:
ونستطيع أن نقول هنا: إن العلماء متفقون على أن الوسيلة لا تكون ذريعة بالمعنى الخاص إلا إذا كانت مباحة جائزة متضمنة لمصلحة، فالوسيلة المحظورة الممنوعة ليست ذريعة في هذا المعنى ولهذا جرى الخلاف حول سدها ولو كانت ممنوعة لما جرى خلاف حول سدها (٢) .
стр. 15216
معنى الحيلة:
الحيلة والاحتيال والتحيل: الحذق وجودة النظر والقدرة على دقة التصرف، ومن معانيها في اللغة والعرف: المكر والخديعة، والكيد وذلك مذموم ومحمود جميعًا، فإن قصد الفاعل خلاف ما يقتضيه ظاهره، وهو مذموم، ومنه قوله ﷺ ((المكر والخداع في النار)) (١) .
وإن كان قصده تحقيق مصلحة شرعية فهو حسن محمود لا قبح فيه ومن ذلك قوله تعالى في وصف من تخلف عن الهجرة لعذر معقول:
﴿لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا﴾ [النساء: ٩٨] .
أقسام الحيل:
وقد قسم العلماء الحيل إلى نوعين: الحيل الجائزة والأخرى المحرمة ويشملهما حد مشترك هو التحيل بوجه ما، لإسقاط حكم أو قلبه إلى حكم آخر بحيث لا يسقط، أو لا ينقلب إلا مع تلك الواسطة (٢) .
الحيل المحرمة:
كل ما كان من الحيل يهدم ضابطة من الضوابط الشرعية أو يعارض مصلحة من مصالح الشرع الإسلامي المعتبرة سواء كانت الذريعة مشروعة أم غير جائزة، وهذا القسم على أربعة وجوه:
الوجه الأول: الاحتيال لتحليل ما هو حرام كالحيل الربوية بنوعيها، وهما أن يضم العاقدان إلى أحد العوضين ما ليس بمقصود، أو يضما إلى العقد المحرم عقدًا غير مقصود.
الوجه الثاني: الاحتيال لتحليل ما انعقد سبب تحريمه وهو صائر إلى التحريم، كما إذا طلق أحد امرأته معلقًا ثم خالعها خلع الحيلة لتمنع وقوع الطلاق عند الشرط حتى بانت، ثم تزوجها بعد ذلك على رأي من يرى الخلع فسخ النكاح.
الوجه الثالث: الاحتيال على إسقاط ما هو واجب في الحال كالاحتيال لاسقاط الصلاة من ذمته بعد دخول وقتها ووجوبها بشرب خمر مثلًا ليخرج وقتها وهو فاقد لعقله كالمغمى عليه.
الوجه الرابع: الاحتيال لاسقاط ما انعقد وجوبه ولم يجب لكنه صائر إلى الوجوب، كالاحتيال على إسقاط الزكاة قبيل الحول بتمليكه ماله لبعض أهله ثم استرجاعه له بعد ذلك.
стр. 15217
الحيل الجائزة: هذا النوع الثاني من الحيل: هو ما لم يهدم أصلًا شرعيًا ولا يناقض مصلحة شرعية، والضابط فيه: أن يقصد به إحياء حق أو دفع ظلم أو فعلم واجب، أو ترك محرم أو إحقاق حق، أو إبطال باطل ونحو ذلك مما يحقق مقصود الشارع الحكيم فهو جائز متى كان الطريق إلى ذلك سائغًا مأذونًا فيه شرعاً (١) .
قال ابن القيم: (والاحتيال هنا: يأخذ أشكالًا ثلاثة: فإما أن يكون لدفع الظلم حتى لا يقع، وإما أن يكون لرفعه بعد وقوعه وإما أن يكون لمقابلته بمثله حيث لا يمكن رفعه، والأولان جائزان، وفي الثالث تفصيل، فإن كانت الحرمة لحق الله لم تجز المقابلة كما لو جرعه الخمر أو زنى بامرأته، وإن كانت الحرمة لكونه ظلمًا في المال فهي مسألة الظفر، أجازها قوم وأفرطوا حتى أجازوا قلع الباب نقب الحائط للمقابلة بأخذ المال، ومنعها قوم بالكلية، وتوسط آخرون) (٢) .
стр. 15218
المقارنة بين الذرائع والحيل:
النوع الأول: الحيل المحرمة تناقض مقصد سد الذرائع تمامًا بالمعنى الخاص؛ لأن سد الذرائع يسد أبواب المحرمات والمفاسد إذ المتحيل يسلك مسلك الذرائع الممكنة التي توصل إليها، وتمهد له طريقًا إلى فتح أبوابها قال ابن تيمية:
واعلم أن تجويز الحيل يناقض سد الذرائع مناقضة ظاهرة، فإن الشارع سد الطريق إلى ذلك المحرم بكل طريق، والمحتال يريد أن يتوصل إليه، ولهذا لما اعتبر الشارع في البيع والصرف والنكاح شروطًا سد ببعضها التذرع إلى الزنا والربا، وكمل بها مقصود العقود لم يمكن للمحتال الخروج عنها في الظاهر، فإذا أراد الاحتيال ببعض هذه العقود على ما منع منه الشارع، أتى بها مع حيلة أخرى توصله بزعمه إلى نفس الشيء الذي سد الشارع ذريعته، فلا يبقى بمنزلة العبث، واللعب وتطويل الطريق إلى المقصود من غير فائدة (١) .
وهذا هو القسم الذي شن عليه الغارة العلماء، وفي هذا الصدد نقل ابن قدامة عن عبد الله بن عمر: (من يخدع الله يخدعه) (٢) .
أما النوع الآخر: الحيل الجائزة فإن ذلك يوافق طبيعة الشريعة الإسلامية النيرة، ويحقق هدف سد الذرائع بالمعنى العام ـ لأنه يكون التحيل في المحرمة لارتكاب محرم، وهذه هي التي تناقض سد الذرائع ـ ويكون التحيل في الجائزة لفعل جائز، أو مطلوب وهذه لا تناقض الذرائع، بل هي في حقيقتها تطبيق لوجه من وجوه العمل به، بمعناه العام وذلك يتمثل في دفع الفساد بأمر جائز، أو لارتكاب أخف الضررين (٣) .
كما أباح ابن القيم خلع الحيلة مع حرمته في مذهبه بعد ما قارن بين مفسدتي التحليل والخلع فرأى الأول أنها أرجح من الثانية، والأخرى أخف منها، فاحتال لدرئها بالثانية، وهو يشير إلى ضابط الفرق بين النوعين.
(والحيلة المحرمة الباطلة، هي التي تتضمن تحليل ما حرمه الله أو تحريم ما أحله الله أو إسقاط ما أوجبه الله، وأما حيلة تتضمن الخلاص من الآصار والأغلال، والتخلص من لعنة الكبير المتعال فأهلًا بها من حيلة، وأهلًا بأمثالها والله يعلم المفسد من المصلح والمقصود تنفيذ أمر الله ورسوله بحسب الإمكان والله المستعان (٤) .
стр. 15219
موقف أئمة الفقه في الأخذ بسد الذرائع:
١- فمنهم من جعله دليلًا واعتبره مصدرًا من مصادر الفقه وأصلًا من الأصول التشريعية، كالأدلة الأربعة الأساسية من الكتاب والسنة والإجماع والقياس، ففي تنقيح الفصول يحصر القرافي أدلة المجتهدين بالاستقراء فيجدها تسعة عشر، منها سد الذرائع (١) .
ويبتني مذهب مالك على ستة عشر دليلًا منها أيضًا سد الذرائع (٢) .
قال أبو زهرة: هذا أصل من الأصول التي أكثر من الاعتماد عليها في استنباطه الفقهي الإمام مالك وقاربه في ذلك الإمام أحمد بن حنبل (٣) .
٢- ومنهم من يجعله قاعدة فقهية فحسب، لا مصدرًا كالمصادر الأربعة، يقول الشيخ فرج السنهوري في هذا الصدد عند كلامه حول مصادر الفقه.
وقد اعتاد كثير من الأصوليين أن يذكروا مصادر أخرى على أنها مصادر مختلف فيها، وهي في الواقع لا تعدو أن تكون أنواعًا من المصادر الأربعة السابقة.
يعني الكتاب والسنة والإجماع والقياس ـ أو قواعد كلية فقهية محضة (٤) .
ثم قال أيضًا: ويذكرون الاستصحاب والبراءة الأصلية، وسد الذرائع والعلة والعرف وكلها قواعد فقهية وليست دليلًا يستند إليه في استنباط حكم شرعي (٥) .
٣- ومنهم من لا يسميه بتسمية معينة فتارة يسميه مبدأ، ومرة أصلًا وحينًا قاعدة، وهذا هو الغالب الشائع في استعمال العلماء.
стр. 15220
فابن تيمية جعله قاعدة في فتاواه (١) . وأصلًا في موضع منها (٢) . والعلامة الشاطبي قرره في الموافقات أصلًا من الأصول القطعية في الشرع (٣) .
ويقول في موضع آخر: وقاعدة الذرائع أيضًا مبنية على سبق القصد إلى الممنوع (٤) .
وعده أبو زهرة أصلًا مرة (٥) . ويسميه مبدأ أخرى وثالثة قاعدة (٦) . كذلك نرى مصطفى الزرقاء سماه مبدأ مرة وأصلًا أخرى (٧) .
والحق في ذلك أن سد الذرائع قاعدة من القواعد الأصولية، لا أصلًا من أصول الفقه الإسلامي كما رجحها الدكتور محمد هاشم البرهاني بعد استعراض سد الذرائع باعتبار أسمائه مفصلًا في الأخير بقوله:
الحقيقة الثالثة: إن سد الذرائع كقاعدة: هو أقرب الأشياء إلى حقيقته وإنها تدخل في سلك القواعد الأصولية دون الفقهية فهو من مباحث علم الأصول لا من مباحث الفقه (٨) .
وعمل الصحابة وتلامذتهم التابعون بسد الذرائع في وقائع كثيرة كقضية جمع القرآن، اجتماع جميع الصحابة على جمعه في نسخة واحدة وإحراق ما عداها، فنرى بعد زمن قليل الصحابة والتابعين تبادروا إلى كتابة العلم والسنن، واستحبوا ذلك سدًا لباب ضياعها.
هكذا نرى بعدهم أن الفقهاء عملوا بسد الذرائع وإن لم يسموه بذلك الاسم، منهم الإمام أبو حنيفة وأتباعه كثيرًا ما يرجعون إلى باب الاستحسان والعمل بالاستحسان، وجه من وجوه العمل بسد الذرائع، كذلك الإمام الشافعي وأصحابه شنوا حملة على رده وإنكاره لكن لا يخفي على المستقرئ المتتبع أنهم أعملوه في فروع كثيرة، وأما الإمام مالك وأحمد وأتباعهما فسارعوا إلى أخذه، واشتهر مذهبهم بإعماله في الفروع الفقهية بل غالت المالكية في تطبيقه على الجزئيات في بعض الأحيان.
стр. 15221
وأما محل النزاع في سد الذرائع خصوصًا فيما بين الأئمة الأربعة ففي قسم واحد من أقسام الذرائع، وهو ما يفضي إلى المفسدة كثيرًا ولكن كثرته لم تبلغ مبلغ أن تحمل العقل على ظن المفسدة فيه دائمًا كمسائل البيوع الربوية أي التي قد تفضي إلى الربا (١) .
قال أبو زهرة عند كلامه على الموازنة بين الشافعي وأحمد ... فقد أجمعوا على أن ما يؤدي إلى إيذاء جمهور ممنوع لا محالة، كحفر الآبار في الطرق العامة.
وقد أجمعوا أيضًا على أن ما يكون سبيلًا للخير والشر ويكون في فعله فوائد للناس، لا يكون ممنوعًا، كغرس العنب فإنه يؤدي إلى عصره وتخميره، ولكنه لم يكن لذلك بأصله، ولأن استخدامه لذلك احتمال والمنفعة في غرسه أكبر من هذه المضرة، والعبرة بالأمر الغالب أو الراجح في الظن وفيما عدا القسمين السابقين كان الخلاف، فالشافعي نظر إلى الأحكام الظاهرة، وإلى الأفعال عند حدوثها ولم ينظر إلى غاياتها ومآلاتها (٢) .
بخلاف الإمام أحمد والإمام مالك فإنهما عند اتجاههما إلى الذرائع نظرًا إلى المآلات نظرة مجردة ونظرا إلى البواعث (٣) .
وألقى الشيخ أبو زهرة الضوء على محط النزاع في كتابه (مالك) حيث قال: وهنا يتعارض جانبان قويان من النظر أحدهما النظر إلى الإذن، وأصل الإذن كان لمصلحة راجحة للفاعل، ولذا أجازه الشارع منه، والثاني المفسدة التي كثرت وإن لم تكن غالبة، فنظر أبو حنيفة والشافعي إلى أصل الإذن، ولذلك كان التصرف عندهم جائزًا لا مجال لمنعه. وهذا نظر أبي حنيفة والشافعي فرجحا جانب الإذن؛ لأنه الأصل، وأما مالك فقد نظر إلى الجانب الآخر، وهو جانب قوي أيضًا، وهو كثرة الفساد، المرتبة على الفعل وإن لم تكن غالبة (٤) .
стр. 15222
سد الذرائع عند المالكية:
ومن المعروف في أوساط أهل العلم أن سد الذرائع جعله المالكية أصلًا من أصول الاستنباط الفقهي الأساسية المهمة وفي البهجة نقلًا عن راشد: يعد الأدلة التي بني عليها مالك مذهبه ستة عشر دليلًا منها أيضًا سد الذرائع (١) .
هكذا نسبه أبو زهرة إلى المالكية (٢) .
وفي الواقع أنهم توسعوا في تطبيقاته على الفروع الفقهية وبالغوا في ذلك حتى نسب إليهم وعد بعض الفقهاء سد الذرائع من خصوصيات مذهب إمام دار الهجرة (٣)
ميزتهم في سد الذرائع:
ومن المحقق أن جميع العلماء يأخذون بسد الذرائع وإن لم يسموه بهذا الاسم، نعم: خالفوا المالكية في تطبيقها على بعض الفروع (٤) .
قال أبو زهرة:
(ونحن نميل إلى أن العلماء جميعًا يأخذون بأصل الذرائع وإن لم يسموه بذلك الاسم ولكن أكثرهم يعطون الوسيلة حكم الغاية إذا تعينت طريقًا لهذه الغاية فلم تكن طريقًا لغيرها على وجه القطع أو غلبة الظن، أما إذا لم تكن الوسيلة متعينة لا بطرق العلم، ولا بطريق الظن فهذا يختص مالك بالأخذ بأصل الذرائع فيه إذا كثر ترتب الغاية على الوسيلة، كبيوع الآجال فإنها في كثير من الأحوال تكون بقصد التوصل إلى الربا، فتحرم لهذه الكثرة وسدًا لذريعة الربا) .
ويقول أيضًا في نفس الكتاب: فمبدأ سد الذرائع لا ينظر فقط إلى النيات والمقاصد الشخصية، بل يقصد مع ذلك إلى النفع العام أو إلى دفع الفساد العام، فهو ينظر إلى النتيجة مع القصد، أو إلى النتيجة وحدها (٥) .
стр. 15223
شواهد سد الذرائع عند المالكية:
ومن أبرز تطبيقاته عندهم، منعهم للعقود التي تتخذ ذريعة إلى أكل الربا، من ذلك بيوع الآجال وقد منع منها كل صورة تؤدي إلى ممنوع مثل: (أنظرني أزدك) وبيع ما لا يجوز متفاضلًا، وبيع ما لا يجوز نساء، وبيع وسلف، وذهب وعرض بذهب، وضع وتعجل، وبيع الطعام قبل أن يستوفى، وبيع وصرف، وهذه هي أصول الربا (١) . سنعرض بعضًا منها فيما يلي:
١- مثال ما يؤدي إلى بيوع وسلف: من باع سلعتين بدينارين لشهر ثم اشترى إحداهما بدينارين نقدًا، لم يجز لأن السلعة التي خرجت من يد البائع أولًا، ثم عادت إليه، اعتبرت ملغاة، فآل أمره إلى أنه دفع دينارًا وسلعة نقدًا ليأخذ عنها بعد شهر دينارين، الأول منهما: عند الدينار الذي دفعه نقدًا وهذا هو السلف، والثاني: منهما ثمن السلعة التي خرجت من يده ولم تعد وهذا هو البيع (٢) .
٢- ومثال ما يؤدي إلى ذهب وعرض بذهب: من باع شيئًا بمائة دينار إلى أجل ثم قدم المشتري فسأل البائع الإقالة على أن يعطي البائع عشرة دنانير نقدًا أو إلى أجل أبعد من الأجل الذي وجبت فيه المائة، لم يجز لأن ذلك خديعة إلى بيع الذهب إلى أجل إذا كانت العشرة مؤجلة لما بعد أجل المائة وإلى بيع ذهب وعرض بذهب إذا كانت العشرة نقداً (٣) .
٣- ومثال ما يؤدي إلى بيع الطعام قبل أن يستوفى: لو أراد أن يجريا المقاصمة بينهما في طعامين مؤجلين، أحدهما من سلم حل أجله والآخر من قرض لم يحل لم تجز لأنها تؤدي إلى بيع الطعام قبل أن يستوفى (٤) .
стр. 15224
مغالاتهم بإعمال سد الذرائع:
يظهر ذلك في التطبيقات التالية، يكره صيام ست من شوال عند الإمام مالك (١) . وقد ثبت استحبابها بالحديث الصحيح عن أبي أيوب قال: قال رسول الله ﷺ : ((من صام رمضان ثم أتبعه بست من شوال فذلك صيام الدهر)) (٢) .
يقول النووي: قال مالك في الموطأ: ما رأيت أحدًا من أهل العلم يصومها، قالوا فيكره لئلا يظن وجوبه، ودليل الشافعي وموافقيه هذا الحديث الصحيح الصريح وإذا ثبتت السنة، فلا تترك لترك بعض الناس أو أكثرهم أو كلهم لها، وقولهم قد يظن وجوبها ينتقض بصوم يوم عرفة وعاشوراء وغيرهما من الصوم المندوب (٣) .
هكذا غالوا في قراءة السجدة فجر يوم الجمعة، وثبتت قراءتها عن رسول الله ﷺ فجر يوم الجمعة، أخرجه البخاري ومسلم والنسائي وابن ماجه عن أبي هريرة (٤) .
ونكتفي بذلك المثالين نموذجًا، والأمثلة سواهما مبسوطة في كتاب سد الذرائع للدكتور محمد هاشم البرهاني (٥) .
стр. 15225
سد الذرائع عند الحنابلة:
ومن المعلوم أن الحنابلة لا يقيسون إلا نادرًا، حتى يقدموا الضعيف على القياس، فيأخذ إمامهم أحمد بن حنبل المرسل، ويرجحه عليه فإذا اختلف الصحابة تخير من أقوالهم ما كان أقربها إلى الكتاب والسنة ولم يخرج عن أقوالهم (١) .
فالأصل عنده: إذا لم يكن في المسألة نص ولا قول صحابي ولا أثر مرسل أو ضعيف لجأ إلى الأصل الخامس وهو القياس فاستعمله للضرورة (٢) . ويدخل في جملة القياس الصحيح عند الحنابلة، رعاية المصالح، ومن وجوه العمل بها سد الذرائع وفتحها.
إنما قارب الإمام أحمد بن حنبل الإمام مالكًا في الأخذ بسد الذرائع وإعماله في كثير من الاستنباطات والأحكام الفقهية إلى حد كبير وإن وقع الاختلاف في تطبيقه على الجزئيات الفقهية في بعض الأحيان كما يبدو من دراسة شواهد سد الذرائع في الفقه الحنبلي وجعله أتباعه من بعد أصلًا فقهيًا أيضًا أيضًا واعتمدوا عليه تابعين لإمامهم إذا كان أصلًا من أصول الفتوى عنده (٣) .
فنرى مبدأ سد الذرائع عندهم كالمالكية أنهم لا ينظرون فقط إلى النيات والمقاصد الشخصية بل يقصد مع ذلك إلى النفع العام، أو إلى دفع الفساد العام، وهم ينظرون إلى القصد والنتيجة أو إلى النتيجة وحدها (٤) .
قال أبو زهرة: وقد قرر أنه إذا كان الباعث الخير والنتيجة كانت شرًا غالبًا أو مؤكدًا منع الفعل مع نية الخير اعتبارًا بالمآل والنتيجة قياسًا على قوله تعالى: ﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ (٥) . [الأنعام: ١٠٨]
стр. 15226
شواهد سد الذرائع عند الحنابلة:
ومن أبرز تطبيقاتهم على أصل سد الذرائع.
١- ما جاء في المغني: ومن باع سلعة بثمن مؤجل ثم اشتراها بأقل منه نقدًا لم يجز، في قول أكثر أهل العلم؛ لأن ذلك ذريعة إلى الربا، فإنه يدخل السلعة ليستبيح بيع الكثير كألف بالقليل كخمسمائة والذرائع معتبرة عندنا ـ وقد نص الإمام أحمد على ذلك (١) .
٢- ما نقل عن الإمام أحمد عن كراهيته الشراء ممن يرخص في سلعته ليمنع من الشراء من جاره ويشبهه النهي عن طعام المتباريين وهما الرجلان يقصد كل منهما مباراة الآخر ومباهاته في التبرع وقد رأى ابن القيم أن النهي في الأمرين يتضمن سد الذريعة من وجهين.
الأول: أن تسليط النفوس على الشراء منهما، وأكل طعامهما تفريج لهما وتقوية لقلوبهما وإغراء لهما على فعل ما كرهه الله ورسوله.
والثاني: أن ترك الأكل والشراء منهما ذريعة إلى امتناعهما وكفهما عن ذلك (٢) .
٣- منع الإمام أحمد الأسير والتاجر من الزواج في دار الحرب خشية تعريض ولده للرق أو لأنه قد لا يمكنه منع العدو من مشاركته في زوجته، كما حرم الله نكاح الأمة على القادر على نكاح الحرة، إذا لم يخش العنت؛ لأن ذلك ذريعة إلى إرقاق الولد، حتى ولو كانت من الآيسات من الحبل والولادة سدًا للذريعة وحسمًا للباب (٣) .
стр. 15227
سد الذرائع وشواهده عند الشافعية:
وإن كان الإمام الشافعي وأصحابه بذلوا محاولاتهم في رد سد الذرائع وإنكاره، لكن أعملوه في جملة فروع مع ذلك، نعم فالشافعي ﵀ نظر إلى الأحكام الظاهرة لا إلى غاياتها (١) . وقال في ذلك:
(الأحكام على الظاهر والله ولي الغيب من حكم على الناس بالإيمان جعل لنفسه ما حظر الله عنه رسول الله ﷺ لأن الله إنما يتولى الثواب والعقاب على الغيب لأنه لا يعلمه إلا هو جل ثناؤه وكلف العباد أن يأخذوا من العباد بالظاهر ولو كان لأحد أن يأخذ بباطن عليه دلالة كان ذلك لرسول الله ﷺ وما وصفت من هذا يدخل في جميع العلم (٢) .
ننقل بعض الجزئيات الفقهية التي اعتبر فيها الشافعية سد الذرائع فيما يلي:
١- قال الشافعي وأصحابه: ويستحب للمعذورين الجماعة في ظهرهم، حكي أنه لا يستحب لهم، فالجماعة المشروعة في هذا الوقت، هي الجمعة، وبهذا قال الحسن بن صالح وأبو حنيفة والثوري، والمذهب الأول كما لو كانوا في غير البلد، فإن الجماعة تستحب في ظهرهم بالإجماع فعلى هذا قال الشافعي: استحب لهم إخفاء الجماعة لئلا يتهموا في الدين، وينسبوا إلى ترك الجماعة تهاوناً (٣) .
٢- منع المفطر بعذر عن الأكل عند من لا يعرف عذره سدًا لذريعة التهمة بالفسوق والمعصية (٤) .
٣- ومن ذلك ما أجازوا قتل الأطفال والنساء والأسرى الذين يتترس بهم الكفار لئلا يكون ترك قتلهم ذريعة إلى ترك الجهاد أو غلبة الكفار على المسلمين وفي هذا الصدد يقول الشيرازي.
(فإن تترسوا أطفالهم ونساءهم فإن كان في حال التحام الحرب جاز رميهم، ويتوفى الأطفال والنساء لأنه لو تركنا رميهم جعل ذلك طريقًا إلى تعطيل الجهاد وذريعة إلى الظفر بالمسلمين) (٥) .
стр. 15228
موازنة بين الأئمة الأربعة في الذرائع:
ويبدو واضحًا فيما تقدم من المباحث أن سد الذرائع قاعدة أو أصل مجمع عليه في نفس الأمر، وإن كان من المعروف لدى أهل العلم أن المالكية يأخذون به أكثر ويقاربهم الحنابلة والشافعية أقل الفقهاء أخذًا به، ويقرب إليهم أبو حنيفة وأصحابه لذلك صرح علماء المالكية وغيرهم: إن سد الذرائع ليس من خواص مذهب الإمام مالك (١) .
ثم نرى إجماعهم في بعض القضايا التي أعملوا فيها سد الذرائع بدون نزاع، ووقوع اختلافهم في بعضها، وذلك بناء على اختلاف أصول ضمنية في صدد (سد الذرائع) كما بينه الإمام أبو زهرة يقول:
(فقد أجمعوا على أن ما يؤدي إلى إيذاء جمهور المسلمين ممنوع لا محالة كحفر الآبار في الطرق العامة.
وقد أجمعوا أيضًا على ما يكون سبيلًا للخير والشر ويكون في فعله فوائد للناس لا يكون ممنوعًا كغرس العنب، فإنه يؤدي إلى عصره وتخميره، ولكن لم يكن لذلك بأصله ولأن استخدامه لذلك احتمال والمنفعة في غرسه أكبر من هذه المضرة والعبرة بالأمر الغالب أو الراجح في الظن.
وفيما عدا القسمين السابقين كان الخلاف: فالشافعي نظر إلى الأحكام الظاهرة ولم ينظر إلى غاياتها ومآلاتها.. وإن هذه النظرة تخالف نظر الإمام أحمد ومالك، فإنهما عند اتجاههما إلى الذرائع نظرًا إلى المآلات نظرة مجردة ونظرا إلى البواعث (٢) .
وأما النظر في الفروع فيقف المالكية وحدهم في كثير من المسائل يسدون الذريعة فيها، على حين يكون الأئمة الثلاثة في الطرف الآخر، أو يكون لهم في المسألة قول واحد، على حين يكون للحنابلة قولان مشهوران، وربما يكون المالكية والحنابلة في جانب والشافعية والأحناف في الجانب الآخر.
ومن الأول: كراهة المالكية لأكل الخيل لأن في أكلها تقليل آلة الجهاد وخالفهم جمهور العلماء من الحنفية والشافعية والحنابلة (٣) .
ومن الثاني: قول المالكية بعدم جواز قبول بعض ما أسلم فيه وبعض رأس ماله لأنه من الذرائع عندهم إلى البيع والسلف وإلى بيع الطعام قبل أن يستوفى، وقد وافقهم الحنابلة في إحدى الروايتين وخالفوهم في الأخرى وهي قول أبي حنيفة والشافعي (٤) .
ومن الثالث: أوضح مثال للخلاف بين الفقهين المالكي والحنبلي وبين الفقه الشافعي والحنفي في مسألة الذرائع هو تلك البيوع الربويه فقد توسع مالك وأحمد في تحريمها وإبطالها، وضيق الشافعي باب الإبطال وقاربه في ذلك أبو حنيفة وأصحابه (٥) .
стр. 15229
سد الذرائع عند الحنفية:
وإن كانت المالكية والحنابلة اشتهروا بأخذ سد الذرائع وما أتى به الحنفية في المصادر والأحكام ولم يفردوه بالذكر في أصول الفقه مستقلًا ولا سموه بتلك التسمية ولكن أعملوه في الفروع الفقهية كالفقهاء الآخرين كما يبدو واضحًا من التأمل في مجتهداتهم واستنباطاتهم، وخصوصًا راعوه في أبواب المعاملات ولا بد لمعرفة نظرة الحنفية في سد الذرائع دراسة ثلاثة أمور:
الأول: ما هي مكانة سد الذريعة عندهم في أصول الفقه؟
الثاني: وما هي الضوابط مبناها وأساسها على ذلك التصور في القواعد الفقهية؟
الثالث: وما هي الشواهد من جزئيات فقههم على العمل بسد الذرائع؟ تدور محادثتي الآن حول سد الذرائع عند الحنفية باعتبار تلك الجوانب الثلاثة في ضوء أصول الفقه:
وعند الأحناف أصل معروف ومهم هو الاستحسان وإن اختلف آراء العلماء الحنفية في حده ولكن ترجع كلها إلى شيء واحد هو ترك القياس بأقوى الدلائل والمصالح يسمى استحسانًا هذا الدليل القوي قد يثبت بالنص من كتاب الله، وسنة رسوله ﷺ ، وقد يكون مصلحة راجحة تلائم مجموع طبيعة الشريعة الإسلامية، والأول يسمى استحسان النص والثاني يدعى باستحسان الضرورة أو العرف.
ويتبين من التأمل أن ضابطة سد الذرائع تأتي تحت القسم الثاني من قسمي الاستحسان؛ لأن مصالح الشريعة خمسة، حفظ الدين وحفظ النفس وحفظ النسل وحفظ العقل، وحفظ المال، وتحمل تلك المصالح الخمسة ثلاثة مدراج: الضرورة، والحاجة، والتحسين، وما سبق من الأحكام الفقهية في تطبيق سد الذرائع عليها يقصد بها حفظ الدين عمومًا، وهي تنزل بمنزلة الحاجة للاتقاء من ارتكاب قسم من أقسام المحرمات الدينية، والقياس يقتضي أن تكون مباحة لأنه لم تكن بنفسها ممنوعة لكنها توصل الإنسان إلى اقتراف محظور شرعي فصارت ممنوعة سدًا لباب المحرمات وهذا هو سد الذرائع.
وما قسم الفقهاء الحنفية الحرام إلى قسمين حرام لذاته وحرام لغيره فإذا كان ثانيهما مبنيًا على الاجتهاد غير منصوص عليه فلا يختلف مقصده من غرض سد الذرائع بل هو يحقق منشأة في الواقع.
فاتضح فيما تقدم أن الاستحسان عند الحنفية ضابطة جامعة كاملة تشمل عدة مصادر شرعية ضمنية، ولذا لم يشعروا بأي حاجة إلى إتيان بسد الذرائع منفردًا مستقلًا.
стр. 15230
القواعد الفقهية الموافقة لسد الذرائع:
ولم نجد في المؤلفات الحنفية حول القواعد الفقهية ذكر ضابطة صريحًا، تحقق هدف سد الذرائع، نعم نرى في طي كتبهم الفقهية بعض الضوابط ضمنًا، تلائم سد الذرائع، يقول ملك العلماء الكاساني في صدد أن خروج النساء الشواب من البيوت إلى جماعات لا يجوز لأنه فيه خوف الفتنة والفتنة حرام قال:
ما أدى إلى الحرام فهو حرام (١) .
وقال الكاساني في شأن الاستمتاع بالحائض إنه لا يجوز فوق الركبة (الاستمتاع به سبب الوقوع في الحرام وسبب الحرام حرام) (٢) .
ولا يجوز الوطء بالأمة في زمن الاستبراء فحسب بل لا تباح دواعي الجماع أيضًا قال الكاساني فيه:
لأن الاستمتاع بالدواعي وسيلة إلى القربان، والوسيلة إلى الحرام حرام (٣) .
ولا يجوز للحادة أن تتخذ الزينة والطيب في العدة قال برهان الدين المرغيناني في الهداية.
إن هذه الأشياء دواعي الرغبة فيها وهي ممنوعة عن النكاح فتجتنبها كيلًا تصير ذريعة إلى الوقوع في المحرم (٤) .
وقال العلامة ابن الهمام فيما منع عقدان: إنما حرمت العقد الأول لأنه وسيلة، وحرمت الثاني؛ لأنه مقصود الفساد (٥) .
واستخرجت القواعد التالية مما تقدم من تصريحات الفقهاء،
١- ما أدى إلى الحرام فهو حرام.
٢- سبب الحرام حرام.
٣- الوسيلة إلى الحرام حرام.
٤- ما تكون ذريعة إلى الوقوع في الحرام فهو حرام.
٥- العقد الفاسد الذي يتوسل إلى الفساد فهو فاسد.
وبالنظر إلى تلك القواعد وحد سد الذرائع (على قول المالكية) لا نرى فرقًا كبيرًا بين مراديهما جميعًا.