وفيما قرره وقسمه هذا الفقيه النبيه، الذي لا ينكر فضله وعلمه، أخذ ورد، وقبول ورفض ولكل عالم هفوة، ولكل جواد كبوة، و (كفى المرء نبلًا أن تعد معايبه) ، والسبب في هذا كله، هو: تدفقه في القول وإكثاره من الصول والجول، وزيادته في التقسيم والتعميم، فوق اللزوم، والإكثار لا يسلم صاحبه من العثار، والتدفق لا يخلو من الكدورة والتورط.
١- وأولًا: إن القسم الأول من الذرائع، وهو: ما وضع للإفضاء إلى مفسدة، كشرب الخمر، والزنى ليس من (الذرائع) ، في ورد ولا صدر، وإنما هو من باب المقاصد، ذلك لأن الزنى ـ الذي مثل به (ابن قيم الجوزية) لهذا القسم ـ متضمن المفسدة في ذاته، وليس ذريعة إلى مفسدة أخرى أكبر منه، وكذلك بقية الأمثلة.
وليس أدل على ذلك، من أن الإمام القرافي، قد جعل هذا القسم، من باب المقاصد لا الوسائل فقال: (موارد الأحكام على قسمين:
مقاصد: وهي المتضمنة للمصالح والمفاسد في أنفسها.
ووسائل: وهي الطرق المفضية إليها، وحكمها حكم ما أفضت إليه من تحريم وتحليل، غير أنها أخفض رتبة من المقاصد في حكمها" (١) .
(وبالجملة) : فإن الشريعة قد جاءت بالمنع من هذا القسم.
وما تمنعه الشريعة من الأفعال قسمان: قسم يشتمل بنفسه على المفسدة، كالزنى، وشرب الخمر، والقذف، والسرقة، والقتل بغير حق ... وقسم لا يشتمل على المفسدة بنفسه، ولكنه يفضي إلى ما فيه المفسدة، وهذا هو الذي يسمى (ذريعة) ويسمى منعه سدًا.
ومن حكمة الشريعة الإسلامية: أنها لم تقصر النظر على ما يحتوي المفسدة بنفسه، بل وجهت نظرها إلى وسائل ما فيه المفسدة، فمنعتها. والآيات والأحاديث الواردة في الكتاب والسنة، بالنهي عن وسائل ما تقع المفسدة بوقوعه، غير قليلة، ومن شواهد هذا، ما ذكرناه من قوله تعالى: ﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [الأنعام: ١٠٨] .
ويضاهي هذا الشاهد، قوله ﷺ : ((إن من أكبر الكبائر، أن يلعن الرجل والديه)) قيل: يا رسول الله وكيف يلعن الرجل والديه؟ قال: ((يسب الرجل أبا الرجل، فيسب أباه ويسب أمه)) . أخرجه البخاري في صحيحه.
ولباب القول: هو أن (القسم الثاني) : وهو ما وضع للمباح، ولكنه اتخذ وسيلة، إلى مفسدة، هو (بيت القصيدة،) ، وهذا هو السر، في أن كثيرًا من علماء الأصول، يعرفون (الذريعة) ، بما يقصرهم على هذا القسم؛ لأنه هو محل الخلاف، فيقولون: إن الذريعة: هي الأمر المباح، الذي يتخذ وسيلة إلى مفسدة. (والله تعالى أعلم) .
стр. 15262
حكم الذريعة:
كان الكلام في فاتحة هذا الفصل، مخصصًا لأقسام الذرائع. وقد لاحظنا أن المتحمسين من الفقهاء لهذه القاعدة، لا يتبعون دائمًا خطًا متوازيًا، فعلى حين يذكر أحدهم أنها ثلاثة أقسام كالقرافي، يعدها الآخر أربعة كابن قيم الجوزية.
وقد قمنا بتشريح الأقسام التي ذكرها هذا الأخير، وأخرجنا منها قسمًا، ليس منها في شيء، وقد استدعى هذا التعديل، انهيارًا جزئيًا، في صرح تقسيم هذا الإمام العظيم.
وعلينا الآن أن نستنبط من مجموع هذه الأقسام، حكم الذريعة، فنقول:
إن الذريعة تعطي حكم الشيء للتوصل بها إليه، وحكم الذريعة: هو حكم المقصود، فإن كان المقصود الذي تفضي إليه الذريعة فرضًا. كالحج المقصود من السعي إلى البيت الحرام، في مكة المكرمة، كانت الذريعة مثله في الفرضية، فيكون السعي فرضًا. وإن كان المقصود، الذي تفضي إليه الذريعة حرامًا، كالزنى، كانت الذريعة، وهي النظر إلى النساء حرامًا، وبهذا تكون الوسيلة إلى المحرم محرمة، والوسيلة إلى الواجب واجبة، وهذا ما نجده في التكاليف الشرعية، التي كلفنا الله بها. فإنه يعطي الوسيلة حكم الغاية، فإذا نهى الله تعالى عن شيء وحرمه، كان مقتضاه: النهي عن كل ما يتوصل به إلى ذلك المنهي عنه، وإذا أمر بشيء فمعناه، أنه أمر بكل ما يوصل إليه.
فمثلًا نهى الله تعالى عن شرب الخمر، لأنها توصل إلى العداوة والبغضاء، وتصد عن ذكر الله فقال : ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٩٠) إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ (٩١) ﴾ [المائدة: ٩٠: ٩١] .
стр. 15263
ونستنتج من هذا، أن موارد الأحكام على نوعين: مقاصد، ووسائل.
فالمقاصد: هي الغايات التي تشتمل على المفاسد والمصالح.
والوسائل: هي الأمور الموصلة إلى المقاصد وتفضي إليها.
كما نستخرج: أن حكم المقاصد والوسائل متحد؛ لأن الوسيلة (وهي: الذريعة) تابعة لما تفضي إليه، فإن أفضت إلى تحريم كانت محرمة، وإن أفضت إلى تحليل كانت محللة، غير أنها أخف رتبة من المقاصد في حكمها.
ثم إن ههنا نقطة مهمة، وهي: أن الوسيلة إلى الشيء المحرم، قد تكون غير محرمة، إذا أفضت إلى مصلحة راجحة.
وبعبارة أوضح: إن الشريعة تأتي إلى الشيء يكون له وجه من الضرر، فتأمر به حيث يكون ذريعة إلى ما فيه مصلحة أكبر من ذلك الضرر، ومن هذا القبيل:
١- بذل الماء لفداء الأسرى المسلمين:
فالمال المبذول للأعداء يزيدهم قوة، وحرام على المسلمين، أن يمدوا عدوهم ولو بمثقال ذرة من ذهب أو فضة. ولكن هذا البذل ذريعة إلى مصلحة يصغر في جانبها ضرر بذل المال للأعداء، وهذه المصلحة هي إنقاذ الأسرى المسلمين من أيد تسومهم سوء العذاب.
٢- دفع مال لرجل يأكله حرامًا، حتى لا يزني بامرأة مسلمة.
فهذا الفعل يعد ذريعة إلى مفسدة، وهي: أكل مال المسلم بالباطل، إذ لا يستحق أحد أجرًا على ترك الفسوق والفجور، ولكن هذا الفعل أجيز لما يؤدي إليه من المصلحة الراجحة، وهي حفظ عرض المسلمة ومنع وقوع الفاحشة، ومصلحة حفظ الأعراض أهم في نظر الشارع، من مفسدة دفع المال إلى أن يأكله باطلًا.
٣- دفع المال للمحارب، حتى لا يقع القتل بينه وبين صاحب المال:
فهذا أيضًا ذريعة إلى مفسدة أكل المال بالباطل، ولكنه لم يمنع منه، نظرًا لأن هذا الدفع، يترتب عليه مصلحة أكبر، وهي: منع القتل.
стр. 15264
فهذه الصور الثلاث، كان الدفع من أجلها وسيلة إلى المعصية بأكل المال، ومع ذلك فهو مأمور به، لرجحان ما يحصل من المصلحة على هذه المفسدة (١) .
هذا بعض ما يستخلص من كلام الإمام القرافي، في حكم الذريعة، وتوفية للبحث وإتمامًا له، أعرض بعض أنواع الذرائع وأحكامها عند الإمام أبي إسحاق الشاطبي، والأنواع التالية، تعطينا فكرة مجملة عن أحكامها.
(وأولها) : الوسيلة (أو: الذريعة) التي تفضي إلى ما فيه مفسدة قطعًا.
وذلك كحفر بئر خلف باب الدار في الظلام، بحيث يقع فيه كل من يدخل إلى الدار، لا محالة، فحكم هذا النوع: المنع إجماعًا.
(وثانيها) : الذريعة التي تفضي إلى ما فيه مفسدة غالبًا.
وذلك كبيع السلاح في زمن الفتن والحروب، وبيع العنب للخمار (الذي يصنع خمراً) وحكم هذا النوع: هو سد هذه الذريعة وتحريمها في مذهب مالك، وأحمد.
(وثالثها) : الذريعة التي تفضي إلى ما فيه المفسدة كثيرًا.
ومعلوم أن الكثير، لا يبلغ درجة (الغالب) . ومثال هذا النوع بيوع الآجال، والعينة وهذا النوع موضع نظر والتباس (وقد بسطنا القول فيه، فيما مضى من هذا الفضل، وذكرنا تنازع العلماء فيه وتدارءهم. فارجع إليه) .
(ورابعها) : الذريعة التي تفضي إلى ما فيه المفسدة نادرًا.
وذلك كحفر بئر في موضع، لا يؤدي في الغالب إلى وقوع أحد فيه، وحكم هذا النوع: هو الإلغاء وعدم الالتفات إليه؛ لأنه نادر (والنادر لا حكم له) كما يقولون: وخلاصة الكلام في هذا المقام، هو: أن الذريعة التي تفضي إلى المفسدة، تمنع إذا كان إفضاؤها إليها قطعيًا أو غالبًا أو كثيرًا، ولا تمنع ولا تعتبر إذا كان الإفضاء للمفسدة نادراً (٢) .
стр. 15265
- (تتمة وفائدة مهمة) :
وأخيرًا أرجو وآمل: أن تحتمل لي هذه التتمة والفائدة المهمة، ولا أزيد وسأجعلها طويلة، ولا أعود.
والذي أعنيه هنا: هو التنبيه على أن شيئًا من الصور والأنواع التي ذكرتها، لم تكن مفسدة في نفسها، أو ما يسمى محرمًا لذاته، بل كل ما في الأمر، أنه كانت ذريعة إلى المفسدة. وهي في الوقت نفسه، تحقق مصلحة أكبر من مفسدتها وأما إذا كان الفعل محرمًا لذاته، فإنه يمنع منعًا باتًا قولًا واحدًا.
ذلك لأن الحرام القطعي لا يمكن أن يأتي بالحلال، وإن الشر لا يمكن أن يصبح خيرًا؛ لأن الله ، لم يحرم شيئًا لذاته، ثم يرتب عليه مصلحة راجحة، وعليه. فإن الذي يسرق ليبني مسجدًا يرتكب إثمًا يوجب عليه حدًا؛ لأن السرقة فعل محرم لذاته، ويتضمن المفسدة في نفسه.
ومثله: المرأة الفاجرة، التي أرادت أن تتصدق بكسبها الخبيث!! (والقصة مشهورة) .
стр. 15266
شروط الذرائع:
قد علمنا مما سبق: أن وسيلة المحرم محرمة، وأن ما يؤدي إلى المفسدة ممنوع غير مشروع، ووضح لنا وضوحًا تامًا، أن قاعدة الذرائع، تعمل عملها، إذا كان الفعل الجائز المشتمل على مصلحة، يؤدي غالبًا إلى مفسدة، تساوي مصلحة هذا الفعل، أو تزيد. ويمكن القول إجمالًا: بأن الفقهاء قد قيدوا تطبيق هذه القاعدة بثلاثة قيود، أو ثلاثة شروط:
الأول: أن يؤدي الفعل المأذون إلى مفسدة.
الثاني: أن تكون تلك المفسدة راجحة على مصلحة الفعل المأذون فيه.
الثالث: أن يكون أداء الفعل المأذون فيه إلى المفسدة كثيرًا.
وهذا بيانها:
الشرط الأول: إن الفعل المأذون فيه، فعل يتضمن مصلحة، ومن هنا، لا يجوز المنع من هذا الفعل، طالما أن هذا الفعل يحقق تلك المصلحة، ولا يؤدي إلى مفسدة، تقطع هذه المصلحة. أما إذا كان هذا الفعل ذريعة إلى المفسدة، فإن الشرع يمنع منه، وذلك لتعارض مصلحة الفعل مع المفسدة التي يؤول إليها.
وإذا تعارضت المصلحة والمفسدة، قدم درء المفسدة، على جلب المصلحة. تطبيقًا لقاعدة: درء المفاسد مقدم على جلب المصالح، وفي هذا يقول الشاطبي: " لا مصلحة تتوقع مطلقًا. مع إمكان وقوع مفسدة توازيها أو تزيد عليها" (١) .
وهذا الشرط يبدو واضحًا من تعريف الذريعة الممنوعة: بأنها " التوسل بما هو مصلحة إلى مفسدة ". أو: " الذريعة بفعل جائز على عمل غير جائز ". أو: " المنع من الجائز لئلا يتوصل به إلى الممنوع" (٢) . هذا هو الشرط الأول للذريعة.
الشرط الثاني: أن تكون المفسدة المتذرع إليها، بالفعل المشروع، مساوية، أو: راجحة على مصلحة ذلك الفعل. (يوضحه) : أن الفعل المشروع إذا كان يحصل مصلحة، ولكنه ذريعة إلى ما فيه مفسدة، فإن هذا الفعل ممنوع، وتلك الذريعة تسد إذا كانت المفسدة التي يتذرع بالفعل المشروع إليها، موازية لمصلحة الفعل وتزيد عليها.
وأما إذا أربت مصلحة الفعل المشروع على مفسدته، فإن الفعل لا يمنع، والذريعة لا تسد. وفي هذا يقول القرافي: " وقد تكون وسيلة المحرم غير محرمة، إذا أفضت إلى مصلحة راجحة، كالتوسل إلى فداء الأسرى بدفع المال للكفار الذي هو محرم عليهم الانتفاع به، وكدفع مال لرجل يأكله حرامًا، حتى لا يزني بامرأة مسلمة، إذا عجز عن دفعه عنها إلا بذلك (٣) .
الشرط الثالث: أن يكون أداء الفعل المأذون فيه إلى المفسدة كثيرًا. فقاعدة الذرائع: لا تعني أن كل ذريعة إلى ممنوعة. بل إن في المسألة تفصيلًا، فالذرائع على أقسام كما عرفت. (منها) ما أجمعت الأمة والأئمة على سده، (ومنها) ما أجمعوا على إلغائه وعدم سده، و (منها) ما اختلفوا فيه.
وقد أفضت القول فيه فيما مضى، فلا أعيده، تجنبًا للتكرار، وفي هذا القدر كفاية والإشارة تغني عن العبارة، والسلام.
стр. 15267
الفصل الرابع
موقف أئمة الفقه الإسلامي من الاحتجاج
بسد الذرائع وتحرير محل النزاع في ذلك
حقائق أساسية:
لا بد ـ قبل كل شيء ـ من تحرير هذا الموضع، قبل تقريره، ليزول الالتباس فيه. وإنه بوسعنا ـ بتأييد الله وتسديده ـ أن نقدم للقارئ مباشرة، جملة من الحقائق، لا تسبق فيها المقدمات نتائجها، ولا الأحكام مسبباتها. فنقول:
إن من تبصر في مذاهب الأئمة الفقهاء، يجد أنهم لم يختلفوا في أن (سد الذرائع) ، من أصول الشريعة وقواعدها، وإنما نجدهم قد اختلفوا في بعض الفروع، فيذهب بها بعضهم نحو (سد الذرائع) ويرجع بها بعضهم الآخر، إلى أصل غير هذا الأصل.
ولدينا في هذا المقام، كلام أقطع من الحسام، يقدمه لنا الإمام أبو إسحاق الشاطبي، قائلًا: " إن سد الذرائع أصل شرعي قطعي. متفق عليه في الجملة، وإن اختلف العلماء في تفصيله، وقد عمل به السلف، بناء على ما تكرر من التواتر المعنوي، في نوازل متعددة دلت على عموميات معنوية، وإن كانت النوازل خاصة، ولكنها كثيرة" (١) .
ولقد استطاع الشاطبي، في تحليله العميق، لهذه القاعدة، أن يكشف لنا عن قاعدة سد الذرائع، وأنها مشروعة مطلوبة، وأن السلف جروا في تفصيل بعض الأحكام، على أصل سد الذرائع.
ومستندهم في تحقيق هذا الأصل، ما ورد في الكتاب والسنة، من الأحكام العائدة إلى هذا الأصل.
стр. 15268
وهذه الأحكام، وإن كان كل واحد منها، متعلقًا بنازلة (أي: واقعة، أو حادثة) خاصة، فقد بلغت من الكثرة، ما يدل على قصد الشارع، إلى (سد الذرائع) الفساد.
فتكون هذه الأحكام الكثيرة، بمنزلة قول عام يرد في القرآن، أو السنة، مصرحًا ببناء الأحكام على سد الذرائع.
وفي هذا المعنى يقول الشاطبي (١) :
" والعموم إذا ثبت، فلا يلزم أن يثبت من جهة صيغ العموم فقط، بل له طريقان:
(أحدهما) : الصيغ إذا وردت، وهو المشهور في كلام أهل الأصول.
(والآخر) : استقراء مواقع المعنى، حتى يحصل منه في الذهن، أمر كلي عام، فيجري في الحكم مجرى العموم، المستفاد من الصيغ".
ويردف قائلًا:
" إن قاعدة الذرائع، إنما عمل السلف بها، بناء على هذا المعنى، كعملهم في ترك الأضحية مع القدرة عليها، وكإتمام عثمان الصلاة في حجة بالناس، وتسليم الصحابة له في عذره الذي اعتذر به، من (سد الذريعة) .
وقد سلك الإمام (ابن قيم الجوزية) ـ الذي يعتبر بحق حاملًا لواء الدعوة إلى سد الذرائع، ومنع الحيل ـ في الاستدلال على قاعدة سد الذرائع الطريق نفسه، الذي سلكه الشاطبي، فقررـ بعد أن حررـ: أن قاعدة سد الذرائع من القواعد القطعية في الدين، وأن الشارع اعتبرها في التشريع، وسار عليها في تفريع الأحكام، وعرفت ملاءمتها، لجنس تصرفات الشارع، لا من دليل واحد، ولا من نص معين، بل جملة نصوص، ومجموعة أدلة تفوق الحصر، وتفيد في مجموعها القطع، وذكر تسعة وتسعين دليلًا على صحة دعواه واستقرائه (٢) .
والذي نستخلصه من كلام هذين الإمامين الجليلين: أن قاعدة سد الذرائع، من القواعد القطعية، التي أجمع الأئمة على اعتبارها والعمل بها، في التشريع والتفريع. وإنما الخلاف بينهم ينحصر في تحقيق مناط هذه القاعدة.
стр. 15269
ولقد فهم كثير من الفقهاء هذه المعاني، وتلقوها بقبول حسن، وطبقوها في كثير من الفروع الفقهية، ما بين مكثر في الأخذ بها، وبين مقل ومتوسط، ولكن الفقيه الشافعي الكبير (ابن السبكي) صاحب كتاب جمع الجوامع في الأصول، قد رفض الأخذ بها بشدة، واستهواه المضي في المراء، وجذب معه بعض الفقهاء إلى بعيد، وراح يقول: (الذرائع: هي الوسائل، وهي مضطربة اضطرابًا شديدًا، فلا يمكن دعوى كلية باعتبارها، ولا بإلغائها " (١) .
فقيل له: إن إمامك الشافعي وقدوتك، قد قال في (إحياء الموات من كتابه الأم) بعد أن ذكر قول النبي ﷺ : ((ومن منع فضل الماء، ليمنع به الكلأ، منعه الله فضل رحمته)) .
قال الشافعي: (فإذا كان هذا هكذا، ففي هذا ما يثبت، أن الذرائع في الحلال والحرام، تشبه معاني الحلال والحرام) (قال ابن السبكي) : هذا كلام الشافعي. وقد تأملته فلم أجد فيه متعلقًا قويًا، لإثبات قول سد الذرائع" (٢) .
ولعمري! من ذا الذي لا يرى في كلام الإمام (ابن السبكي) ، سفسطة ومخرقة ومكابرة!!؟ واستمع لما يقوله الإمام القرافي، الذي ولد في بحبوحة (سد الذرائع) منذ كان في المهد صبيًا.
" يحكى عن المذهب المالكي، اختصاصه بسد الذرائع، وليس كذلك، بل منها ما أجمع الناس على سده، ومنها ما أجمعوا على عدم سده، وإنما النزاع في ذرائع خاصة، وهي (بيوع الآجال) ونحوها".
يعني: من كل مباح يتذرع به إلى مفسدة ثم أورد إشكالًا، فقال: " وحينئذ يظهر عدم فائدة استدلال الأصحاب (يعني المالكية) ، على الشافعية، في سد الذرائع بقوله تعالى: ﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [الأنعام: ١٠٨] . وبقوله سبحانه: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ﴾ [البقرة: ٦٥] .
وبقوله ﵊: ((لعن الله اليهود حرمت عليهم الشحوم فباعوها وأكلوا ثمنها)) . الحديث. وبإجماع الأمة على جواز البيع والسلف مفترقين وتحريمهما مجتمعين، لذريعة الربا.
стр. 15270
ومنع شهادة الآباء للأبناء وبالعكس فهذه وجوه كثيرة، يستدلون بها وهي لا تفيد فإنها تدل على اعتبار الشرع سد الذرائع في الجملة، وهذا مجمع عليه.
وإنما النزاع في ذرائع خاصة، وهي بيوع الآجال ونحوها، فينبغي أن نذكر أدلة خاصة، لمحل النزاع، وإلا فهذه لا تفيد.
وإن قصدوا (يعني المالكية) القياس على الذرائع المجمع عليها، فينبغي أن يكون حجتهم القياس خاصة، ويتعين حينئذ عليهم إبداء الجامع (يعني بين الأصل والفرع) ، حتى يتعرض الخصم لدفعه بالفارق (أي حتى يتمكن الشافعية من إبطاله) ، والمالكية لا يعتقدون أن دليلهم هو القياس وحده، بل يصرحون بأن مدركهم (أي: دليلهم) هو النصوص التي قضت بسد الذرائع جملة، وليس ذلك بصحيح، بل على المالكية أن يذكروا، نصوصًا أخرى خاصة بذرائع بيع الآجال ويقتصرون عليها (١) .
ويعترض الإمام الشاطبي ـ وهو من شيعة الإمام القرافي، ومن أهل مذهبه ـ قائلًا: إن إشكال القرافي، غير وارد ذلك لأن العام الاستقرائي يقوم مقام العام المستفاد من الصيغة، ولأن الذرائع قد ثبت سدها في خصوصيات كثيرة بحيث أعطت في الشريعة، معنى السد مطلقًا عامًا، وخلاف الشافعي هنا غير قادح، ولا خلاف أبي حنيفة.
أما الشافعي: فالظن به أنه تم له الاستقراء في سد الذرائع على العموم، ويدل لذلك قوله بترك الأضحية، إعلامًا بعدم وجوبها، وليس في ذلك دليل صريح من كتاب أو سنة، لكن عارضة في مسألة (بيوع الآجال) دليل آخر رجح على غيره فأعمله، فترك سد الذريعة من أجله، وإذا تركه لعارض راجح، لم يعد مخالفًا.
وأما أبو حنيفة: فإنه ثبت عنه جواز إعمال الحيل، لم يكن من أصله في بيوع الآجال، إلا الجواز، ولا يلزم من ذلك تركه لأصل سد الذرائع، وهذا واضح، إلا أنه نقل عنه موافقة مالك في سد الذرائع فيها (يعني بيوع الآجال) وإن خالفه في بعض التفاصيل، وإذا كان ذلك كذلك، فلا إشكال (٢) .
وبهذه البينات من أبي إسحاق الشاطبي، نختتم هذا الفصل، سائلين الله تعالى، التوفيق لأقوم طريق.
стр. 15271
الفصل الخامس
في الكلام على موقف المذاهب الفقهية
من قاعدة الذرائع عمومًا، والمذهب المالكي خصوصاً
إن نظرة سريعة نلقيها على عنوان هذا الفصل، والفصل الذي تقدمه، كافية لنلحظ فيها تماثلًا واضحًا بين الفصلين، فهذا الفصل في حقيقته ومضمونه، ومبناه ومعناه، لا يخرج عن الفصل السابق، وإنما أفرد عنه، وجعل مستقلًا بنفسه، لتفصيل ما أجمل هناك، وتحقيق ما أغفل، ثم لأمر آخر، وهو: معرفة ما إذا كان المذهب المالكي قد اختص بسد الذرائع وحده، وانفرد بها دون غيره، من بين المذاهب الفقهية الأخرى، أم شاركه في الأخذ بها واعتبارها، سائر المذاهب الفقهية المعنية؟!
وينبغي للإجابة عن هذا السؤال، أن نشمر عن ساعد الجد، لعرض موقف المذاهب بإيجاز، باستثناء مذهب الشافعي، فنعني في عرضه بشيء من البسط، توضيحًا لموقفه الحقيقي، وواقع أمره.
مذهب المالكية ـ والحنابلة:
أما المالكية، فلسنا في حاجة إلى إجهاد أنفسنا في البحث كثيرًا من أجل الوقوف على موقفهم من هذه القاعدة، فموقفهم معروف ومكشوف وقد كفانا إياه الإمام الشاطبي، بقوله: " إن قاعدة سد الذرائع، حكّمها مالك في أكثر أبواب الفقه" (١) . فهذه بينة كافية لتأكيد أن هذه القاعدة، قد أخذت حظها من المكانة والوجاهة عند المالكية.
أما الحنابلة قد أغنانا عن موقفهم من هذه القاعدة الأصولية، شيخ الإسلام " ابن تيمية " وتلميذه " ابن القيم " بل قد بلغت الحماسة بهذا الأخير مداها، مثل لها في إعلام الموقعين (٢) ، بتسعة وتسعين مثالًا للدلالة عليها وتأييد العمل بها، وقال: (إن سد الذرائع المفضية إلى الحرام، ربع الدين) .
ونقل القرطبي في تفسيره، رواية عن الإمام أحمد، أنه يقول بها. فالحنبلية نحوًا منحى المالكية، في اعتبار سد الذرائع أصلًا يعتمد عليه، في تقرير الأحكام الشرعية.
стр. 15272
مذهب الحنفية:
وأما الحنفية، فإن الدارس لأصولهم وقواعدهم، يجدهم لا يعدون هذا الأصل من أصولهم، ولكن إن صح عنهم جواز إعمال (الحيل) لم يكن من أصلهم في (بيوع الآجال) ، إلا الجواز، ولا يلزم من ذلك تركهم لأصل (سد الذرائع) إلا أنه نقل عن أبي حنيفة موافقته مالكًا في سد الذرائع فيها، وإن خالفه في بعض التفاصيل (١) .
ثم إنهم راعوا سد الذرائع، وعملوا بها في كثير من الفروع الفقهية عندهم. وإذا كان هذا هكذا، فمن دينهم ندينهم، ذلك لأن الذي يقر صحة الفروع، يلزمه التسليم بصحة أصولها.
بيد أن أكثر ما يدهش في موقف الحنفية، هو: أنه قليلًا ما يتفق مع نظريتهم العامة الكثيرة الاعتماد على الرأي والعقل. فنحن نعلم كيف كانوا في مواجهة النصوص الشرعية، يمتازون بثاقب الفكر، محاولين دائمًا، أن يدركوا علتها، ومستعملين غالبًا التعليل بالقياس، وربما أفرطوا في استعماله، ولكنهم ـ وا اسفا، حين يتعرضون لتفسير عقد، أو نذر، وبصفة عامة كل ما يقتضي جزءا، أو كفارة، فإنهم يمسكون عن كل تفسير، ويقبلون الوسائل الملتوية، بشرط واحد فقط، وهو: ألا تتعارض هذه الوسائل مع النص الجامد للقاعدة المقررة (٢) .
ومن هنا فهم الحدة والقسوة، عند (ابن حزم) حين ذهب إلى حد اتهامهم بأنهم طريقتهم هذه يشجعون على الرذيلة، ويعلمون المجرمين كيف يرتكبون كل ما يريدون، من السرقة، وهتك العرض، وقتل النفس، وهم آمنون من إقامة الحد عليهم، حتى ولو أنهم أخذوا في حالة التلبس.
الواقع أن (ابن حزم) في حدة اعتراضاته، لم يصل إلى حد اتهام الحنفية في تسويغ الحيل، تعمدًا وتعديًا على الشرع، وإنما كل ما يأخذ عليهم هو أنهم، يفوتون بعض الوقائع الإجرامية، بحجة عدم وجود بعض شروط العقوبة، وربما كانت هذه نقطة ضعفهم.
стр. 15273
موقف الإمام الشافعي، من (سد الذرائع) .
وهذا أوان التشمير عن ساعد الجد، والآن (حمي الوطيس) . ولكن ماذا عساي أن أقول، عن موقف إمام همام، من أصل من الأصول، إذا كان هو أول من أصل الأصول في كتابه المدهش (الرسالة) ، وأول من طبق الفروع على هذه الأصول، في كتابه العجب العجاب (الأم) .
حسبي أن أنوه بفضله، وأشيد بعمله، وأذكر النقول المضطربة عنه، من الذين درسوا فقهه، وأفندها، وكفى.
أما تحديد موقفه من هذا الأصل، فقد حدده هو ﵁ نفسه، من أول الأمر، وسيأتيك بيانه بعد قليل، بإذن الله وتوفيقه، وإذا قد تمهد لنا هذا، فلنأخذ في بيان ما نحن فيه، فنقول:
إن المسألة واحدة من ثلاث:
١- إما أن يكون الشافعي، لا يسد الذرائع ولا يعتبرها أصلًا يعول عليه، ولا يعطي الوسيلة حكم المقصد كما زعم (ابن قيم الجوزية) في كتابه (أعلام الموقعين: ج٣ ص١٤٦) .
٢- وإما أن يكون من الآخذين بهذا الأصل، في بعض الفروع الفقهية، دون بعض، كما ادعى القرافي في كتابه الفروق (٢/ ٣٢) وكتابه الآخر تنقيح الفصول (ص/ ٢٠٠) .
٣- وإما أن يكون من الآخذين بها مطلقًا، كما يرى الشاطبي في كتاب الموافقات (٣/ ٣٠٥) فقد أشار إلى أن دراسته لفقه الشافعي، دلته على أن الشافعي إذا ترك العمل بهذه القاعدة ولم يأخذ بها في بعض الفروع، فإن ذلك يرجع إلى وجود دليل راجح على هذه القاعدة في نظره.
стр. 15274
فالمسألة الأولى: غير مقبولة، والثانية غير معقولة، والثالثة فيها كلام.. ودونك البيان.
١- ليس بنا حاجة إلى استنباط رأي الشافعي من بعض الفروع؛ لأن ما تعين أصولًا، تعين تقديمه شروعًا، وإنما يكون ذلك، إذا جعلنا الفرع هو المأموم، والأصل هو الإمام.
وأما أن نجعل الفروع أصلًا، ونرد الآراء المنتشرة حتى تقف بين يديه، فذلك عندنا من أراد الرأي، وأسوأ الطرق. ذلك لأن الشافعي نفسه قد نص صراحة في كتابه الأم، على الأخذ بقاعدة سد الذرائع، واعتبارها أصلًا من أصول الفقه.
٢- وأما أنه ﵁ ، لم يسد الذرائع في بعض الفروع، فلأن مناطًا لقاعدة غير متحقق في هذه الفروع، وليس لعدم حجية القاعدة فيها، ولا لوجود الدليل الراجح عنده فيها، فقط.
٣- وهاك الآن نص الشافعي على اعتباره لهذا الأصل، الذي نحوم حوله ولم نرده، ونصفه دون أن نقطفه.
قال الشافعي في (إحياء الموات، من كتاب: الأم) ـ بعد أن ذكر قول الرسول ﷺ : ((من منع فضل الماء، ليمنع به الكلأ، منعه الله فضل رحمته)) . ففي هذه دلالة على أن ما كان ذريعة إلى منع ما أحل الله، لم يحل، وكذلك ما كان ذريعة إلى إحلال ما حرم الله تعالى.
стр. 15275
(قال الشافعي) : فإن كان هذا هكذا، ففي هذا ما يثبت: أن الذرائع إلى الحلال، والحرام، تشبه معاني الحلال والحرام. اهـ، كلام الإمام الشافعي. وليس من وراء هذا القول، قول: (ليس وراء عبادان قرية) . وبه يكون آخذًا بسد الذرائع، في كل حادثة يتحقق مناط الأخذ بها.
وقد سار بعض الأئمة من فقهاء الشافعية، على نهج إمامهم. وأكدوا أن هذا الأصل، من الأصول التي يعول عليها، في بيان حكم النوازل والحوادث، التي تجد إذا لم يكن هناك نص دل على حكم فيها بعينها.
ومن هؤلاء الأئمة، سلطان العلماء، العز بن عبد السلام في كتابه (قواعد الأحكام في مصالح الأنام ج١ ص ١٧٠) ، فقد أفاد:
" الوسيلة إلى أرذل المقاصد، أرذل الوسائل، فالتوسل إلى القتل، أرذل من التوسل إلى الزنى، والتوسل إلى الزنى، أقبح من التوسل إلى أكل الأموال بالباطل، والإعانة على القتل بالإمساك، أقبح من الدلالة عليه. والنظر إلى الأجنبية محرم، لكونه وسيلة إلى الزنى، والخلوة بها أقبح من النظر إليها، وهكذا تختلف رتب الوسائل، باختلاف قوة أدائها إلى المفاسد.
(وقال) : " وقد تجوز المعاونة على الإثم والعدوان والفسوق والعصيان، لا من جهة كونه معصية بل من جهة كونه وسيلة إلى مصلحة، وله أمثلة: (منها) : ما يبذل من الأموال، لافتكاك الأسرى، فإنه حرام على آخذه، مباح لباذله.
(ومنها) : أن يكره امرأة على الزنى، ولا يتركها إلا بافتداء من مالها أو مال غيرها، فيلزم ذلك عند الإمكان.
стр. 15276
وليس هذا عند التحقيق، معاونة على الإثم والعدوان، والفسوق والعصيان، وإنما هو إعانة على درء المفاسد، فكانت المعاونة على الإثم والعدوان، فيها تبعًا لا مقصود".
فقد تناول (ابن عبد السلام) بهذا الكلام قاعدة الذرائع، أو جوانب منها، وحدد نطاق الأخذ بها كالإمام القرافي.
فابن عبد السلام يقرر أن الوسائل تأخذ حكم المقاصد، فالوسيلة إلى أفضل المقاصد أشرف الوسائل، وإلى أرذل المقاصد، أرذل الوسال. والقرافي يقول: " الوسيلة إلى أفضل المقاصد أفضل الوسائل، وإلى أقبح المقاصد أقبح الوسائل، وإلى ما يتوسط متوسط"
وفي المعاونة على الإثم والعدوان، نجد القرافي يقول عن هذا الجانب " وقد تكون وسيلة المحرم غير محرمة إذا أفضت إلى مصلحة راجحة، وضرب الأمثلة نفسها التي ضربها العز بن عبد السلام ".
ولباب القول: أن كلام العز بن عبد السلام الفقيه الشافعي، يتفق مع كلام القرافي الفقيه المالكي، فيما يتعلق بقاعدة الذرائع ونطاق الأخذ بها وأن ذلك يتفق أيضًا مع ما نص عليه الشافعي في كتاب الأم من الأخذ بها واعتبارها دليلًا. وأن (سد الذرائع) ، ليس من خواص مذهب مالك، كما يتوهمه كثير من المالكية (وغيرهم) . بل منها ما أجمع على سده ومنها ما أجمع على إلغائه، وإنما النزاع في ذرائع خاصة، وهي: بيوع الآجال ونحوها " (الفروق" ج٣ ص ٢٦٦) .
стр. 15277
طائفة مختارة من الأمثلة التطبيقية لهذه القاعدة الأصولية،
من مختلف المذاهب الفقهية
وبعد أن أصبح معلومًا لدينا، موقف الأئمة المجتهدين من هذا الأصل، وأنهم جميعًا قد لجأوا إليه في في أحكامهم وقرروها على أساسه، ما بين مكثر منهم، ومقل ومتوسط، نورد هنا بعض الفروع الفقهية، من مختلف المذاهب، وذلك تأييدًا أو توكيدًا لما اتفقوا عليه، من أن (سد الذرائع) من أصول الشريعة، وأنه لا غنى لأحد من الرجوع إليه والعمل به.
١-ونبدأ بالحنفية:
أ - فمن شواهدهم التي قرورها: أن للزوجة التي طلقها زوجها طلاقًا بائنا، دون رضاها، في مرض موته. حق الإرث من زوجها الذي طلقها، لكيلا يتخذ من حقه في الطلاق، ذريعة إلى حرمان الزوجة ميراثها المشروع، عند يأسه من الحياة، بقصد المضارة (وهذا الطلاق يسمى عندهم: طلاق الفار) .
ب - ومنها أنهم كانوا يكرهون إتباع صوم رمضان، بصوم ستة أيام من شوال؛ مخافة أن يعتقد العامة، أنها في حكم صوم رمضان. (بدائع الصنائع: ٢/٧٨) .
ج- ومنها قضاء القاضي لمن يتهم فيه من ذوي رحمه، فقد ذكر السمرقندي: أنه لا يجوز للقاضي أن يقضي لنفسه، ولا لأبويه وإن علوا، ولا لزوجته، ولا لأولاده وإن سفلوا، ولا لكل من لا تجوز شهادته لهم. وذلك سدًا لذريعة، ومنعا للشبهة. (تحفة الفقهاء: ج٣ ص ٦٣٩) .
د- ومنها شهادة الزوج لزوجته، وبالعكس. فقد ذهب أبو حنيفة إلى عدم قبول شهادة أحد الزوجين للآخر، وذلك سدًا للذرائع وردًا للتهمة؛ لأن النفع بينهما، وكل منهما يرث الآخر ويستفيد من ماله. (الهداية وشرحها فتح القدير: ج٦ ص٣٢) .
стр. 15278
٢-المالكية:
أ- قضاء القاضي بعلمه:
ومثاله: استناد القاضي في الحكم، إلى ما يعلم من حال القضية ترفع إليه، فالمالكية ذهبوا إلى أن القاضي لا يقضي بعلمه مطلقًا وأوجبوا عليه الرجوع إلى البينات والوقوف عندها؛ مخافة أن يتخذ قضاء السوء، الذين لم تشرب قلوبهم التقوى، الاستناد إلى علمهم، ذريعة إلى الجور في القضية، فيفصل فيها اتباعًا للهوى، ويزعم أنه يعلم منها، ما لم تعلمه البينة.
نقل الشوكاني في (نيل الأوطار) ، عن أبي علي الكرابيسي: أنه لا يقضي القاضي، بما علم لوجود التهمة، ويلزم من أجاز للقاضي أن يقضي بعلمه: أنه لو عمد إلى رجل مستور لم يعهد منه فجور قط، أن يرجمه، ويدعي (القاضي) : أنه رآه يزني، أو يفرق بينه وبين زوجته، ويزعم أنه سمعه يطلقها. فإن هذا الباب لو فتح، لوجد كل قاض السبيل إلى قتل عدوه. والتفريق بينه وبين زوجته، ومن هنا قال الشافعي: لولا قضاة السوء، لقلت: إن للحاكم أن يحكم بعلمه.
(المهم) : إن استناد القاضي إلى علمه متردد بين أن يكون وسيلة إلى حفظ الحق وأن يكون ذريعة إلى مفسدة الجور في القضاء، والمحققون من الفقهاء على سد الذريعة في مثل هذا الفرع (١) .
стр. 15279
ب- بيوع الآجال:
وقد مثلوا له برجل يبيع لآخر سلعة بمائة إلى أجل، ثم يشتريها منه نقدًا بخمسين فالإمام مالك يقول: إن ذلك ممنوع، والبيع فاسد، فإن العقد نفسه يحمل الدليل على قصد الربا، وذلك لأن مآل هذا التعاقد هو بيع خمسين نقدًا بمائة إلى أجل، والسلعة فيما بين ذلك ذريعة إلى الربا. وجعل المالكية علة المنع من هذا العقد قصد الناس منه الوصول إلى الربا، وجعلوا المنع حكمًا مطردًا من غير نظر إلى من يقصد الربا ومن لا يقصده (١) .
ج- بيع العنب للخمار (صانع الخمر) :
فإنه يفضي إلى مفسدة تعاطي شربها، وللحاكم المسلم أن يمنع بمقتضى هذا من زرع المخدرات والاتجار بها، ويضع على ذلك أشد العقاب.
د- ومن هذا (بيع السلاح في زمن الفتن) . وذلك سدًا لذريعة الإعانة على المعصية.
هـ- تضمين الصناع.
يخرجه القرافي على قاعدة الذرائع، فيقول: إن الصناع لا يضمنون في الأصل. ولكن لما كان عدم تضمينهم ذريعة إلى أن يتعدوا ويقصروا ويدعوا التلف والهلاك، ولم يعفوا من الحكم بالضمان.
و النظر إلى المرأة الأجنبية:
فإنه يؤدي إلى الزنى، فيحرم سدًا للذريعة.
стр. 15280
٣ - الشافعية:
تطبيقات الشافعية على قاعدة (سد الذرائع) غير قليلة، وهذا بعضها:
١- لو أحاط الكفار المسلمين، ولم يستطيعوا المقاومة، جاز لهم أن يدفعوا المال للكفار المحاصرين لهم.
وكذا استنقاذ الأسرى منهم بالمال، إذا لم يمكن غيره؛ لأن مفسدة بقائهم في أيديهم واصطلامهم للمسلمين، أعظم من بذل المال، (راجع الأشباه والنظائر للسيوطي ـ صفة ٧٨) .
٢- ما حرم أخذه، حرم إعطاؤه، كالربا، ومهر البغي، والرشوة، وأجرة النائحة، ويستثنى من ذلك: رشوة الحاكم للوصول إلى الحق، وفك الأسير، الأشباه والنظائر للسيوطي: صفحة ١٥٣) فهذه القاعدة تفريع على قاعدة الذرائع حيث كان الأخذ مفسدة محرمة، وكان الإعطاء ذريعة إلى هذه المفسدة المحرمة فحرم.
٣- نبش الأموات مفسدة محرمة، لما في ذلك من انتهاك حرماتهم، لكنه واجب إذا دفنوا بغير غسل، أو وجهوا إلى غير القلبة؛ لأن مصلحة غسلهم وتوجيههم إلى القبلة، أعظم من توقيرهم بترك جثثهم وعدم نبشها.
وكذلك شق جوف المرأة على الجنين المرجو حياته؛ لأن حفظ حياته، أعظم مصلحة من مفسدة انتهاك حرمة جثة المرأة (قواعد الأحكام ١/ ٨٧) .
٤- بيع السلاح للحربي، باطل عند الشافعية لأنه ذريعة إلى المفسدة، وإن كان البيع في ذاته مصلحة، إلا أن مفسدة الفعل أرجح من مصلحته، فمنع منه وبطل. (الأشباه والنظائر صفحة ٣٢٨) .
стр. 15281
٤- الحنابلة:
حامل راية الحنابلة في سد الذرائع، هو الإمام ابن قيم الجوزية " ولقد أورد تسعة وتسعين وجهًا للدلالة عليها والمنع منها. وسوف أذكر طائفة منها:
١- أن النبي ﷺ حرم الخلوة بالأجنبية، ولو في إقراء القرآن، والسفر بها ولو في الحج وزيارة الوالدين، سدًا للذريعة ما يحذر من الفتنة وغلبة الطباع.
٢- أنه ﷺ ، حرم الجمع بين المرأة وعمتها، والمرأة وخالتها؛ لأن ذلك ذريعة قطيعة الحرم.
٣- إن القاضي ممنوع من القضاء بعلمه، لئلا يكون ذلك ذريعة، إلى حكمه بالباطل، ويقول: حكمت بعلمي.
٤- قال الإمام أحمد: نهى رسول الله ﷺ عن بيع السلاح في الفتنة، ولا ريب أن هذا من باب سد الذريعة؛ لأن في بيعه إعانة له على المعصية، وعلى الإثم والعدوان، وفي معنى هذا كل بيع أو إجارة أو معاوضة تعين على المعصية، وفي معنى هذا عصر العنب لمن يتخذ خمرًا، فإنه ذريعة إلى شربها، والامثلة على ذلك كثيرة ومن أراد المزيد منها، فليرجع إلى إعلام الموقعين (ج٣ ص ١٤٩ ـ ١٧١) .
стр. 15282
الفصل السادس
في الكلام على أثر القول في سد الذرائع
يمكننا الآن ـ بعد كل ما تقدم بيانه ـ أن نقول: إن هذه القاعدة التي ظهرت أهميتها الكبرى، في عصرنا الحاضر، هي من العوامل الداعية إلى إصلاح شؤون الأمة، والأخذ بها إلى الفضيلة، والاستقامة، والنهوض بها على أسس قوية قويمة، من قواعد الشريعة وأحكامها.
وهي توجب على الفقيه أو الحاكم، أن يلجأ إليها في استحداث أحكام جديدة، وتدابير يتوقف عليها تنظيم شؤون المجتمع، فإن ولي الأمر، إذا رأى شيئًا من الأمور المباحة، قد اتخذه الناس، ذريعة أو وسيلة إلى مفسدة. أو: أنه بسبب فساد الزمان، أصبح يفضي إلى مفسدة، أرجح مما قد يفضي إليه من المصلحة، كان له أن يمنعه ويسد بابه، وبكون ذلك من الشريعة، وعملًا بالسياسة الشرعية، التي تعتمد ـ فيما تعتمد ـ على قاعدة سد الذرائع.
وبذلك يحول بهذه السياسة بين الناس وبين كثير من دوافع الفساد، فقاعدة الذرائع، قاعدة محملة، وفيها أكبر شهادة على أن الشرع الإسلامي صالح لكل زمان ومكان وعلى أن فيه لكل قوم منهاجًا، ولكل داء علاجًا، ولكل مشكلة حلًا.
стр. 15283
ولو طبقت مجموع الإجراءات التي تشمل عليها هذه القاعدة، تطبيقًا أمينًا، لأدت ـ دون أي تقصير ـ إلى بناء مجتمع قوي متماسك متضامن، يعمه الأمن والرخاء وتشمله السعادة والاستقرار. ولكننا نعلم من ناحية أخرى، أن أفضل شرائع العالم وقوانينهم، تصبح عاجزة إذا فقدت الإرادة القوية، والعزيمة الصادقة والنية الحسنة، لدى الناس الذين يدعون إلى تطبيقها وتنفيذها والعمل بها.
وإن أعظم طريقة لتخريب أي شريعة أو قانون، لا تتمثل في إهمال العمل، أو التهرب من الواجب فقط، بل إن أسوأ المواقف وأشنعها، وأشدها ضرارًا وفتكًا بشريعة ما، هو: أن نتظاهر في مواجهتها بمظهر الورع، محترمين حروفها بكل عناية ورعاية، وإن كنا نتفق على تغيير اتجاهها، وتحريف هدفها، فنجعلها جامدة مقيتة، بعد أن كانت مرنة سمحة محبوبة ذات فضل على الناس.
فذلك هو ما أطلق عليه القرآن، وهو يتحدث عن بعض الحالات (والعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب) . باتخاذ آيات الله هزوًا.
ونرجع فنقول: إن من أصول الشريعة ـ سد ذرائع الفساد، وإغلاق منافذ الشر، ومنع الطرق التي تؤدي إلى الاحتيال على أوامر الشريعة، أو تؤدي إلى الوقوع في المحظورات أو إهمال الواجبات.
وكل ذلك هو من اختصاص صاحب السلطة العليا في الدولة، بمقتضى الولاية العامة، فإنه على ولي الأمر وله أن ينظم الأوضاع، ويؤسس المؤسسات، ويسن الأنظمة والتشريعات التي يتوقف عليها تنظيم المصالح العامة ورعايتها، ومن ذلك (مثلاً) :
١- تحديد الأسعار وتقييدها وضبطها، وبخاصة عند الحاجة، وذلك لكيلا يطغي التجار والباعة، ويتحكموا بحاجات الناس.
٢- ومن هذا القبيل في عصرنا الحاضر، منع زراعة المخدرات والاتجار فيها، وفرض أقسى العقوبات على الذين يتعاطونها.
٣- ومن الأمثلة الواقعية في النظام الاجتماعي، على هذا النوع، منع الطلاب الذين يدرسون في الخارج من الزواج بأجنبية، وفي أثناء الدراسة وكذا منع رجال السلك الدبلوماسي من الزواج بأجنبيات، وذلك سدًا لذريعة المساس بمصلحة الدولة العامة والخاصة، كإفشاء الأسرار وانشغال الطلبة عن العلم.
وقد منع عمر بن الخطاب، بعض الصحابة من التزوج باليهوديات، لما كان ذريعة التزوج بالمومسات؛ لأن أكثر اليهود لا يرون حرجًا في اتخاذ الدعارة حرفة، إذا كان في ذلك مصلحة لبني جنسهم، ولئلا يتخذ ذريعة إلى الزواج من اليهوديات الجميلات، والعزوف عن الزواج من المسلمات، وفي ذلك من الفتنة والفساد ما فيه.
٤- ومن هذا القبيل: منع الدولة بعض الأجانب من ممارسة بعض الأعمال التي تتعلق بالمصالح العليا للدولة، ولا يؤتمن عليها إلا المواطن، وذلك سدًا لذريعة الفساد والضرر. وبالجملة: فكل هذه الأمور، إنما هي من قبيل بناء الأحكام على مقتضى قاعدة سد الذرائع.
стр. 15284
الفصل السابع
ذكر أمثلة على فتح الذرائع وسدها
يرى الإمام القرافي ـ وهو من المتبحرين في فقه (سد الذرائع) ـ: أن الذريعة، كما يجب سدها، يجب فتحها، وتكره وتندب وتباح، فإن الذريعة: هي: الوسيلة. فكما أن الوسيلة المحرمة محرمة، فوسيلة الواجب واجبة، كالسعي للجمعة، والحج. (الفروق ـ الفرق ٥٨) .
وكلمات القرافي هذه، كلمات قصار جوامع، صدرت عن علمه الواسع، فكما أن الذريعة المفضية إلى الفساد تسد وتمنع. فكذلك الذريعة المقدور عليها، الموصلة إلى الواجب تفتح.
وقد مثل لفتح الذرائع بالسعي لصلاة الجمعة، والرحلة إلى الحج، لمن كان خارج الحرم، قال تعالى: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ٩] وقال تعالى: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ﴾ [الحج: ٢٧] هذا ما مثل به القرافي لفتح الذرائع.
ونحن نزيد على هذين المثالين، بعض الأمثلة الأخرى، من نوعها، فنقول:
١- ومن هذا النوع: السلاح الذي يقاتل به الأعداء، فالأمر بإعداد السلاح، أمر واجب، لا لذاته، بل لتحقيق واجب هو القتال، (وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب) .
٢- وكذلك الرحلة لطلب العلم مأمور بها، لأنها ذريعة إلى طلب العلم اللازم للفرد والأمة قال تعالى: ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا﴾ التوبة: ١٢٢] .
٣- ومن أمثلة هذا النوع: تسعير ما يباع في الأسواق من نحو الأقوات، فإنه ذريعة إلى حماية العامة من أن يغبنوا، ويغلي الباعة عليهم ما يحتاجون إليه في كل يوم. فالإذن بالتسعير، فتح ذريعة إلى مصلحة اقتصادية لا يستهان بها.
٤- ومن هذا القبيل: نبش الأموات إذا دفنوا بغير غسل، أو وجهوا إلى غير القبلة؛ لأن مصلحة غسلهم وتوجيههم إلى القبلة أعظم من توقيرهم بترك دفنهم.
وكذلك شق جوف المرأة على الجنين المرجو حياته لأن حفظ حياته أعظم مصلحة من مفسدة انتهاك حرمة أمة ويمكن أن يقاس على ذلك، تشريح جثث الموتى للمصلحة العامة. فهنا نجد أن الفعل الممنوع في الأصل لما فيه من المفسدة، ولكنه ذريعة إلى مصلحة، تزيد على مفسدته، فجاز ذلك (فتحا للذريعة) . فكل ذلك من قبيل فتح الذرائع.
والله سبحانه أعلم.
الدكتور علي داود جفال
стр. 15285
أهم مراجع البحث
-تفسير القرطبي
-الفروق للقرافي
-تبصرة الحكام لابن فرحون
-حاشية العطار على جمع الجوامع.
-المقدمات لابن رشد
-إعلام الموقعين لابن القيم
-الموافقات للشاطبي.
-تكملة المجموع للنووي، ابن السبكي
- الإمام الشافعي (كتاب إحياء الموات) .
-لسان العرب لابن منظور
-المفردات في غريب القرآن للراغب الأصفهاني
-شرح فتح القدير للكمال بن الهمام، بولاق
стр. 15286
سد الذرائع
إعداد
الشيخ مصطفى كمال التارزي
عضو المجلس الإسلامي الأعلى بتونس
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الذرائع
مقدمة:
إذا كان من الواجب على المسلم أن يتعرف طريق معرفة حكم الله تعالى في أي أمر من الأمور لاستخراج الأحكام من ينابيعها فإنما يكون ذلك بمعرفة الأدلة التي نصبها الشارع لمعرفة الأحكام، وهذه الأدلة كثيرة بعضها مجمع عليه وبعضها محل خلاف.
أما الأدلة المتفق عليها فهي: ١- الكتاب. ٢- السنة. ٣- الإجماع.
والجمهور على اعتبار القياس دليلًا رابعًا.
والأدلة التي هي موضع خلاف بين الجمهور هي: ١- مذهب الصحابي. ٢- الاستحسان، ٣- المصحلة. ٤- سد الذرائع. ٥- العرف. ٦- الاستصحاب ٧- شرع من قبلنا.
ولقد تقرر عند جمهور الفقهاء أن العقل ليس له أن يشرع الأحكام ولا يضع التكليفات وأن عمل العقل ينطلق حيث يطلقه الله تعالى، ذلك لأن التكاليف في الشريعة الإسلامية يتعلق بها الثواب والعقاب وهما أمران يتولاهما العليم الحكيم يوم القيامة وما كان الله تعالى ليعذب أحد لم يبين له طلبه فيها. ولذا قال تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥] وإذا كانت بعض أحكام الله في أحداث تجد ولا يكون لنا نص صريح في حكمها فيكون عمل الفقيه حينئذ في استخراج النصوص الشرعية وبيان قواعد الشرع العامة التي تعد نبراسًا يهتدي بهديه ويقتبس من نوره وتطبيق تلك المعاني على ما يجد من أحداث.
وبهذا يظهر أن الأصل في أدلة الأحكام هو النصوص وهي الكتاب والسنة وتعتبر بقية المصادر كلها مبنثقة منها وراجعة إليها. ومن ذلك.
الذرائع أو: سد الذرائع وهناك من الفقهاء من يرجع المصادر كلها إلى القرآن والسنة إذ يقول سبحانه ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٣٦]
стр. 15287
الفصل الأول
مفهوم الذرائع وسد الذرائع
أ - معنى الذرائع:
والذريعة معناها في اللغة: الوسيلة. ويقال تذرع فلان بذريعة أي: توسل والجمع: الذرائع ـ والذريعة: الجمل يختل به الصيد يمشي الصياد إلى جنبه فيتستر به ويرمي الصيد إذا أمكنه والذريعة: السبب إلى الشيء يقال: فلان ذريعتي اليك أي سببي ووصولي الذي أتسبب به إليك ثم جعلت الذريعة مثلًا لكل شيء أدنى من شيء وقريب منه. وقد تذرع فلان بذريعة أي توسل (١) .
تعريف ابن تيمية: الذريعة: ما كان وسيلة وطريقًا إلى الشيء لكن صارت في عرف الفقهاء عبارة عما أفضت إلى فعل محرم، ولو تجردت من ذلك الإفضاء لم يكن لها مفسدة، ولهذا قيل: الذريعة هي الفعل الذي ظاهره مباح وهو وسيلة إلى فعل محرم (٢) .
تعريف الإمام المازري: المشهور عند الفقهاء: أن سد الذريعة هو: منع ما يجوز لئلا يتطرق به إلى ما لا يجوز (٣) .
تعريف الإمام القرافي: سد الذرائع معناه: حسم مادة وسائل الفساد دفعًا لها (٤) .
تعريف الإمام الشاطبي: الذريعة الممنوعة: التوسل بما هو مصلحة إلى مفسدة (٥) .
تعريف ابن رشد الجد: الذرائع هي: الأشياء التي ظاهرها الإباحة ويتوصل بها إلى فعل محظور (٦) .
стр. 15288
وعند علماء الأصول: ما يكون طريقًا لمحرم أو محلل فإنه يأخذ حكمه، فالطريق إلى الحرام حرام والطريق إلى المباح مباح ذلك لأن الشارع إذا كلف العباد أمرًا فكل ما يتعين وسيلة له مطلوب بطلبه.
وإذا نهى الناس عن أمر فكل ما يؤدي إلى الوقوع فيه هو حرام أيضًا وقد ثبت ذلك بالاستقراء للتكليفات الشرعية طلبًا ومنعاً (١) .
فقد وجدنا الشارع ينهي عن الشيء وينهي عن كل ما يوصل إليه ويأمر بالشيء ويأمر بكل ما يوصل إليه، فقد أمر بصلاة الجمعة وأمر بالسعي إليها ونهى عن البيع بعد النداء لأن الامتناع عن البيع في ذلك الوقت سبيل إلى أداء الصلاة في وقتها (٢) . وأمر بالمحبة بين الناس وأمر بكل ما يؤدي إلى تحقيقها ونهى عن التباغض والفرقة ونهى عن كل ما يؤدي إليها، وبهذا تقرر عند الفقهاء أن ما لا يؤدي الواجب إلا به فهو واجب، فالزنا حرام والنظر إلى عورة المرأة الذي يفضي إليه حرام أيضًا، والجمعة فرض فترك البيع لأجل أدائها واجب لأنه ذريعة إليها، والحج فرض والسعي إليه فرض مثله عند القدرة عليه (٣) .
стр. 15289
ب - معنى سد الذرائع:
تعريف السد: السد هو إغلاق الخلل وردم الثلم. وسدده أصلحه وأوثقه وحكى الزجاج: ما كان مسدودًا خلقه فهو سد، وما كان من عمل الناس فهو سد ـ والسد والسد: الجبل والحاجز ومنه قوله تعالى: ﴿بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا﴾ [الكهف: ٩٤] (وسداً) أي حاجزًا يمنعهم من الوصول.
وروي عن أبي عبيدة أنه قال: بين السدين: مضموم إذا جعلوه مخلوقًا من فعل الله، وإن كان من فعل الآدميين فهو سد بالفتح (١) .
فمعنى سد الذرائع: منع الجائز لأنه يؤدي إلى المحظور، أو قولهم: منع ما يجوز لئلا يتطرق به إلى ما لا يجوز. فقد منع الشارع ما يجوز خشية أن يتوصل به إلى المحرم.
وقد ثبت نهي الشارع عن المفاسد في ذاتها كما ثبت نهيه عن الأمور التي تتضمن منفعه وتفضي إلى المفسدة إفضاء يخرج عن إرادة المكلف وبناء على ذلك فإن فتح الذرائع، ترك الوسيلة لتؤدي نتيجتها المباحة من غير حذر.
وبهذا نعلم أن الذرائع كما يجب سدها إذا كانت مؤدية إلى مفاسد، يجب فتحها إذا كانت مؤدية إلى مصالح فلا يجوز سدها، لا سيما إذا كانت المصالح متوقفة عليها.
وتكره وتندر وتباح تبعًا للأصل فكان سد الذرائع أحد طرفي الذريعة.
стр. 15290
فتح الذريعة:
قال القرافي: اعلم أن الذريعة كما يجب سدها يجب فتحها وتكره وتندب وتباح كما أن وسيلة المحرم محرمة فوسيلة الواجب واجبة (١) .
ولم تراع الشريعة الإسلامية الذرائع من جهة سدها فقط بل راعتها كذلك من جهة الفتح، فأعطت كل وسيلة حكم مقصدها في الغالب.
فوسيلة المحرمات والمعاصي في كراهتها والمنع منها إنما هو بحسب إفضائها إلى غاياتها، كما قال ابن القيم: إن وسيلة المقصود تابعة للمقصود، وكلاهما مقصود، لكنه مقصود قصد الغايات، وهي مقصودة قصد الوسائل، ومن وسائل ما فيه ذرائع الصلاح التي فتحها الشارع وأذن فيها: تسعير ما يعرض في الأسواق للبيع من طعام وغيره، فقد أذن فيه الشارع حماية للعامة من الغبن.
فالشارع حينما أذن في التسعير فتح ذريعة إلى مصلحة عامة تعود على الحياة الاقتصادية بالخير.
وقد تكون وسيلة المحرم غير محرمة إذا رجح فيها جانب المصلحة في المآل: وذلك كالمال الذي يبذل للعدو في فداء الأسرى فإنه يزيد العدو قوة وكل ما من شأنه أن يقوي العدو فهو حرام على المسلمين، ولكن البذل في هذه الحالة ذريعة إلى مصلحة هي إنقاذ أسرى المسلمين، وهذه المصلحة أرجح من فساد المال الذي يناله العدو، ولذلك يفرعون عن قاعدة سد الذريعة قاعدة أخرى وهي التي ذكرها القرافي: كلما سقط اعتبار المقصد سقط اعتبار الوسيلة (٢) .
ومدار هذا كما قال العز بن عبد السلام أن المصالح التي أمر الشارع بتحميلها ضربان: أحدهما مصالح الإيجاب والثاني مصالح الندب، والمفاسد التي أمر الشارع بدرئها ضربان أحدهما مفاسد الكراهة والثاني مفاسد التحريم. والشرع يحتاط لدرء الكراهة والتحريم والتحريم كما يحتاط لجلب مصالح الندب والإيجاب (٣) .
وهي مبنية على الظنون فكلما كان الغالب صدق الظنون بنيت عليها مصالح الدنيا والآخرة؛ لأن كذبها نادر، ولا يجوز تعطيل مصالح صدقهما الغالب خوفًا من مفاسد كذبها النادر، ولا شك أن مصالح الدنيا والآخرة مبنية على الظنون كما ذكرناه ولا يجوز العمل بكل ظن.
ويقول علال الفاسي: إن سد ذرائع الفساد وفتح ذرائع الصلاح مما قصدت إليه شريعة الإسلام، ومن وسائل التطور التي أحكمتها، لتبقى صالحة لكل زمان ومكان.
وقال ابن عاشور (٤) : ولولا أن لقب سد الذرائع قد جعل لقبا لخصوص سد ذرائع الفساد لقلنا إن الشريعة كما سدت الذرائع فتحت ذرائع أخرى، أما وقد درجنا على أن اصطلاحهم في سد الذرائع لقب خاص بذرائع الفساد فلا يفوتنا التنبيه على أن الشريعة قد عمدت إلى ذرائع المصالح، ففتحتها بأن جعلت لها حكم الوجوب، وإن كان صورتها مقتضية المنع أو الإباحة، وهذه المسألة هي الملقبة في أصول الفقه بأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب وهي الملقبة في الفقه بالاحتياط.
وفتح الذرائع لم يكن محل خلاف بين العلماء، بل الذي وقع فيه الخلاف بين العلماء هو سد الذرائع، ولذلك اعتبر من الأدلة عند الإمام مالك والإمام أحمد بن حنبل حتى أشتهر المذهب المالكي به واعتبر أكثر المذاهب اعتمادًا عليه.
стр. 15291
الفصل الثاني
الفرق بين الذريعة والسبب
وبين الذريعة والوسيلة المستلزمة للمتوسل إليه
أ - الفرق بين الذريعة والسبب:
لقد تقدم تفسير الذريعة لغة وشرعًا وهي التوسل بما هو مصلحة إلى مفسدة أو عكسه، أما السبب فسنيين معناه لغة وشرعًا، وأقوال العلماء في أوجه التشابه والتباين بينه وبين الذريعة.
السبب لغة:
قال الجوهري: هو الحبل وكل شيء يتوصل به إلى غيره وأسباب السماء: نواحيها (١) .
وقال ابن منظور: كل شيء يتوصل به إلى شيء غيره، وجعلت فلانا لي سببًا إلى فلان في حاجتي أي وصلة وذريعة.
وفسر ابن عباس: الأسباب في قوله تعالى: ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ﴾ [البقرة: ١٦٦] أي تقطعت المودة (٢) .
وقال القرطبي: الوصلات التي كانوا يتوصلون بها في الدنيا من رحم وغيره، عن مجاهد وغيره وأصل السبب الحبل يشد بالشيء فيجذبه ثم جعل كل ما جر شيئًا سبباً (٣) .
ويطلق السبب ويراد به الطريق كما في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا﴾ [الكهف ٨٩) وفي قوله تعالى: ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ (٣٦) أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى﴾ [القصص: ٣٦: ٣٧] .
стр. 15292
قال ابن كثير: قال سعيد بن جبير: أبواب السماوات وقيل طريق السماوات وكل ما أدى إلى شيء فهو سببه (١) .
أما معناه عند علماء الأصول: فيطلق على بعض مسبباته في اللغة وعرفه الآمدي بقوله: السبب كل وصف ظاهر منضبط دل الدليل على كونه معرفًا لحكم شرعي (٢) .
وقال الشاطبي: السبب ما وضع شرعًا لحكم لحكمة يقتضيها ذلك الحكم كما كان النصاب سببًا في وجوب الزكاة والسرقة سببًا في القطع.
وقسم الشاطبي الأفعال الواقعة في الوجود المقتضية لأمور تشرع لأجلها أو توضع فتقتضيها على الجملة، إلى قسمين:
أولًا: أفعال خارجة عن حدود المكلف.
ثانيًا: أفعال تقع تحت مقدوره.
أما ما يكون خارجًا عن حدود المكلف فقد يكون سببًا أو يكون شرطًا أو يكون مانعًا، فالسبب مثل كون الاضطرار سببًا في إباحة الميتة وخوف العنت سببًا في إباحة نكاح الإماء والسلس سببا في إسقاط الوضوء لكل صلاة مع وجود الخارج وزوال الشمس أو غروبها سببا في وجوب الصلاة.
وأما ما يكون في مقدور المكلف فهو إما سبب أو شرط أو مانع، أما السبب فمثل كون النكاح سببًا في حصول التوارث بين الزوجين، وتحريم المصاهرة وحلية الاستمتاع والذكاة سببا لحيلة الانتفاع بالأكل، والسفر سببا في إباحة القصر والفطر، والقتل والجرح سببًا للقصاص، والزنا وشرب الخمر والسرقة والقذف أسبابًا لحصول تلك العقوبات فإن هذه الأمور وضعت أسبابا لشرع تلك المسببات (٣) .
стр. 15293
وعرفة الإمام الغزالي في المستصفى بقوله: وحده ما يجعل الشيء عنده لا به ثم يقول فإن الوصول بالسير لا بالطريق ولكن لا بد من الطريق ونزح الماء بالاستقاء لا بالحبل ولكن لا بد من الحبل (١) .
أما القرافي فقد قرر عند التنبيه الرابع الذي عقده بعد الفرق الثامن والخمسين أن الأسباب من جملة الوسائل وعرفه الشوكاني في إرشاد الفحول بأنه وصف ظاهر منضبط دل الدليل السمعي على كونه علامة لحكم شرعي.
وظاهر كلام ابن تيمية أنه إذا كان الإفضاء إلى المفسدة ليس فعلًا كإفضاء شرب الخمر إلى السكر، وإفضاء الزنا إلى اختلاط المياه، أو كان الشيء نفسه فساد كالقتل والظلم، فهذا يعتبر من باب السبب (٢) .
وأما إذا كان الفعل في ذاته غير مفسدة وإنما يفضي إلى المفسدة كبيع السلاح في الفتنة، فهذا من باب الذرائع.
ونبه الشاطبي إلى أن مشروعية الأسباب تستلزم مشروعية المسببات وإن صح التلازم بينهما عادة، ومعنى ذلك أن الأسباب إذا تعلق بها حكم شرعي من إباحة أو ندب أو منع أو غيرها من أحكام التكليف فلا يلزم أن تتعلق تلك الأحكام بمسبباتها فإذا أمر بالسبب لم يستلزم الأمر بالمسبب، وإذا نهي عنه لم يستلزم النهي عن المسبب، وإذا خير لم تستلزم أن يخير في مسببه.
مثل ذلك: الأمر بالبيع لا يستلزم الأمر بإباحة الانتفاع بالمبيع، والأمر بالقتل في القصاص لا يستلزم الأمر بإزهاق الروح؛ لأن المكلف يتعاطي الأسباب والمسببات من فعل الله تعالى وحكمه، لا كسب فيها للمكلف.
ثم جعل إليهم العمل ليجازوا عليه ثم الحكم فيه لله وحده فصارت الأسباب هي التي تعلقت بها مكاسب العباد دون المسببات (٣) .
وبهذا يظهر أن الذريعة إذا كانت للتوسل بما هو مصلحة إلى مفسدة أو ما هو ممنوع فإن السبب لا يخالف المسبب ولا يتأثر بنية الفاعل ولا يتبدل والأسباب الممنوعة أسباب للمفسدة دائمًا. والأسباب المشروعة أسباب للمصالح دائمًا.
стр. 15294
الفرق بين الذرائع والوسائل
الوسيلة لغة: المنزلة عند الملك والوسيلة: الدرجة والوسيلة القربة.
وسل فلان إلى الله وسيلة: إذا عمل عملًا يقربه إليه، والواسل: الراغب إلى الله.
وتوسل إليه بوسيلة إذا تقرب إليه بعمل: والوسيلة: الوصلة والقربة. قال الله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ﴾ [الإسراء: ٥٧] .
وقال الجوهري: الوسيلة ما يتقرب به إلى الغير وفي حديث الأذان:
" اللهم آت محمدًا الوسيلة " وهي منزلة في الجنة أو القرب إلى الله.
وقيل: هي الشفاعة يوم القيامة (١) .
وقد فسر الرسول في حديث آخر أخرجه مسلم عن ابن عمر ﵄ قال: قال ﷺ : ((إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول ثم صلوا علي فإنه من صلى علي صلى الله عليه بها عشرًا ثم سلوا لي الله الوسيلة فإنها منزلة في الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله وأرجو أن أكون أنا هو فمن سأل لي الوسيلة حلت له الشفاعة)) (٢) .
وبهذا يتبين أن الوسيلة تتفق مع الذريعة في معنى الوصول إلى المتوسل إليه ولكن تطلق إطلاقات أخرى وهي: المنزلة في الجنة والشفاعة يوم القيامة
وفي الاصطلاح: الذرائع هي منع الجائز الذي يؤدي إلى فعل محظور، وتحريم الوسائل يؤدي إلى نفس المعنى، فلا فرق بين الاصطلاحين، وهذا هو المعنى المتعارف عند المالكية ويبدو أن المالكية الذين اعتمدوا سد الذرائع واعتبروه قاعدة ودليلًا من أدلة التشريع، لم يفرقوا بين الذريعة والوسيلة المستلزمة للمتوسل إليه، وقالوا بتحريم الوسائل التي تستلزم المتوسل إليه.
ولكن فرق الشافعية بينهما بتقييد الوسيلة بالمقصودة. ويظهر هذا في القسم الثالث من أقسام الذريعة التي ذكره القرافي وهو القسم المختلف فيه كبيوع الآجال، والمالكية اعتبروا هذا القسم مما ينطبق عليه قيد استلزام الوسيلة للمتوسل إليه، بناء على قطعية الإفضاء وهو من باب سد الذرائع.
стр. 15295
أما الشافعية ففرقوا بين سد الذرائع وتحريم الوسائل وأخرجوا هذه الصورة واعتبروها من باب الوسائل، وبذلك كان الفرق بين سد الذريعة وبين الوسيلة كبيع العينة فهو باطل عند المالكية مطلقًا من باب سد الذرائع، وهو جائز عند الشافعية إذ هو يشتمل على عقدين صحيحين.
ويقول الشافعي: إذا تحقق مقصد التحليل كان ذلك وسيلة إلى المحرم. وصورة هذا العقد كما ذكره القاضي عبد الوهاب في كتاب الإشراف على مسائل الخلاف إذا اشترى سلعة بأجل بمائة لم يجز أن يبيعها من بائعها نقدًا بثمانين.
وكذلك إذا ابتاعها إلى أجل لم يجز له أن يبيعها من باعها إلى أجل بزيادة على المائة التي اشتراها بها، وأجاز الشافعي كل ذلك واعتبر هذه المعاملة مبنية على عقدين منفصلين صحيحين إلا إذا تيقن أنه قصد الربا.
стр. 15296
الفصل الثالث
المقارنة بين الذرائع والحيل الشرعية
ومدى الوفاق أو الخلاف بينها
الذريعة: معناها الطريقة التي تكون ذاتها جائزة ولكنها توصل: إلى ممنوع. فليست هي المقصودة في نفسها وإنما المقصود ما توصل إليه (١) .
وفسرها ابن عاشور: بأنها: ما يفضي إلى فساد سواء قصد الناس إفضاءه إلى فساد أم لم يقصدوا ذلك في الأحوال العامة (٢) .
أما الحيلة: فهي مشتقة من التحول ومعناها نوع مخصوص من التصرف الذي هو التحول من حال إلى حال، ثم غلبت بعرف الاستعمال على ما يكون من الطرق الخفية موصلًا إلى حصول الغرض بحيث لا يتفطن إليه إلا بنوع من الذكاء والفطنة.
وصارت في عرف الفقهاء إذا أطلقت قصد بها الحيل التي يستحل بها المحارم، كحيل اليهود، وكل حيلة تضمنت اسقاط حق الله أو الآدمي فهي تندرج فيما يستحل بها المحارم (٣) .
وقال ابن عاشور: التحيل يراد منه: أعمال يأتيها بعض الناس في خاصة أحوال للتخلص من حق شرعي عليه، بصورة هي معتبرة شرعًا حتى يظن أنه جار على حكم الشرع (٤) .
وقال الشاطبي: الحيلة: حقيقتها المشهورة تقديم عمل ظاهر الجواز لإبطال حكم شرعي وتحويله في الظاهر إلى حكم آخر فمآل العمل فيها خرم قواعد الشريعة في الواقع، كالواهب ماله عند رأس الحول فرارًا من الزكاة فإن أصل الهبة على الجواز ولو منع الزكاة من غير هبة لكان ممنوعًا، فإن كان واحد منهما ظاهر أمره في المصلحة أو المفسدة فإذا جمع بينهما على هذا القصد صار مآل الهبة المنع من أداء الزكاة، وهو مفسدة ولكن بشرط القصد إلى إبطال الأحكام الشرعية (٥) .
نفس هذا المعنى أشار إليه ابن تيمية عندما قال: فالحيلة أن يقصد سقوط الواجب أو حل الحرام بفعل لم يقصد به ما جعل ذلك الفعل له أو ما شرع، فهو يريد تغيير الأحكام الشرعية بأسباب لم يقصد بها ما جعلت تلك الأسباب له (٦) .
стр. 15297
الفرق بين الذرائع والحيل:
يبدوا أن هناك تشابها كبيرًا بين الذرائع والحيل، والكلام فيهما متداخل إذ يلتقيان أحيانًا ويفترقان أحيانًا أخرى، والذين تكلموا على هذا الموضوع وكتبوا فيه كثير، ولكن الفروق لم تكن واضحة إذ كثيرًا ما يستدل لأحداهما بأدلة الأخرى.
وضع الفوارق وحصرها ابن عاشور فجعل لها فوارق ثلاثة:
الفرق الأول: من جهتي العموم والخصوص وعلى هذا الاعتبار فالحيل والذرائع قد يلتقي كل منهما مع الآخر في صور ويفترق عنه في صور أخرى.
أ - فمثال ما كان ذريعة وليس حيلة سب الأوثان، فإنه ذريعة إلى سب الله تعالى.
ب - مثال ما كان حيلة وليس ذريعة: ما يحتال به من المباحات في الأصل كبيع نصاب الزكاة أثناء الحول، فرارًا من الزكاة.
ج- مثال ما كان ذريعة وحيلة: اشتراء البائع السلعة من مشتريها بأقل من الثمن.
الفرق الثاني: من جهة القصد وعدمه. لأن الحيل لا بد فيها من قصد والذريعة أعم من ذلك؛ لأن ما يفضي إلى فساد يسد ذريعة سواء قصد الناس به إفضاءه إلى فساد أم لم يقصدوا.
الفرق الثالث: الحيل المبحوث عنها لا تكون إلا مبطلة لمقصد شرعي، والذرائع قد تكون مبطلة لمقصد الشارع من الصلاح وقد لا تكون مبطلة إذا عارضها أمر آخر، كزراعة العنب فإنها تؤدي إلى مفسدة وهي توفير الخمر في السوق، وتستطيع الأمة أن تستغني عنه، فلو طبقت هذه الذريعة لحق الحرج جمهورا من الناس.
وذلك حرمان لا يتناسب مع سماحة الشريعة، فكانت زراعة العنب بهذا الاعتبار أرجح عند بعض العلماء عما تؤول إليه من اعتصار بعض نتائجها خمرًا فأبيحت زراعة العنب بهذا الاعتبار ورجحت على المفسدة المتوقعة من زراعة العنب، بينما عدد كثير من العلماء ومنهم ابن تيمية يرى أن الذرائع حرمها الشارع وإن لم يقصد بها المحرم بل خشية إفضائها إلى المحرم (١) .
стр. 15298
وعلى هذا الاعتبار قسمت الذرائع إلى قسمين:
القسم الأول: كونه ذريعة إلى فساد تلازمه ولا تفارقه بحيث يكون مآله إلى فساد مطردًا بحيث يكون الفساد من خاصته. وهو محل اتفاق العلماء في حرمته وسده.
القسم الثاني: قد يختلف مآله إلى فساد تخالفا قليلًا أو كثيرًا فيكون محطًا لاجتهاد العلماء واختلافهم في إباحته أو حرمته بتغليب جانب الحرمة أو الإباحة لاعتبارات أخرى.
أما ابن القيم: فإنه لم يعتبر سد الذرائع من المسائل المستقلة بنفسها، بل اعتبره ضمن قاعدة عامة وهي: العبرة في الشريعة بالمقاصد والنيات، وجعل الحيل تابعة للذرائع، وأطال الحديث في هذه القاعدة وبعد أن قررها وبين بناء الأحكام عليها وشرح أقسامها استدل بأدلة كثيرة من القرآن والسنة على وجوب سد الذرائع أنهاها إلى تسعة وتسعين دليلًا، ولما وصل إلى الحيل اعتبر أن تجويز الحيل يناقض سد الذرائع مناقضة ظاهرة، وقال: فإن الشارع يسد الطريق إلى المفاسد بكل ممكن والمحتال يفتح الطريق إليها بحيلة (١) .
فأين من يمنع الجائز خشية الوقوع في المحرم ممن يعمل الحيلة في التوصل إليه؟ ثم بين أن الأدلة التي ذكرها من قبل في بيان وجوب سد الذرائع كلها تقوم حجة على تحريم الحيل وزاد أدلة أخرى فقال: ومن تأمل أحاديث اللعن وجد عامتها لمن استحل محارم الله، واسقط فرائضه بالحيل.
كقوله ((لعن الله المحلل والمحلل له)) و ((لعن الله اليهود حرمت عليهم الشحوم فجملوها وباعوها وأكلوا ثمنها)) و ((لعن الله الراشي والمرتشي)) و ((لعن الله آكل الربا وموكله وكاتبه وشاهده)) (٢) واعتبر أن الحيل المحرمة مخادعة لله ومخادعة الله حرام.
وهو وإن اعتبر الحيل تأخذ حكم سد الذرائع لأنها تابعة لها إلا أنه مع ذلك اشترط القصد في التحيل وعبر عن ذلك في كلامه عن تحريم الحيل قائلا: ومدار الخداع على أصلين:
أحدهما إظهار فعل لغير مقصوده الذي جعل له.
والثاني: إظهار قول لغير مقصوده الذي وضع له. وهذا منطبق على الحيل المحرمة (٣) . وفي الأصلين ينص على أن القصد هو مدار الحرمة.
стр. 15299
أما الإمام الشاطبي: فإنه لم يختلف كثيرًا عما قرره ابن تيمية وابن القيم في اعتبار الحيل تابعة للذرائع تأخذ حكها وقيدها كما قيدها من ذكرناه قبله من العلماء، وقال: ولكن هذا بشرط أن يظهر لذلك قصد إلى إبطال الأحكام الشرعية وهو وإن اعتبر أن مالكًا حكم قاعدة الذرائع في أكثر أبواب الفقه ولكنه قال: ومن أسقط حكم الذرائع كالشافعي فإنه اعتبر المآل أيضًا، ولأجل ذلك يتفق الفريقان على أنه لا يجوز التعاون على الإثم والعدوان (١) .
ثم قال من أجاز الحيل كأبي حنيفة فإنه اعتبر المآل أيضًا لأن الواهب ماله عند رأس الحول فرارًا من الزكاة قد عاند الشارع لأن الهبة موجبة لإبطال الحكم فكان هذا القصد بخصوصه ممنوعًا لأنه عناد للشارع كما إذا امتنع عن أداء الزكاة فلا يخالف أبو حنيفة في أن قصد إبطال الأحكام صراحة ممنوع (٢) .
أقسام الحيل وأحكامها:
القسم الأول من الحيل: ما كان المقصود منها جائزا غير محظور من إثبات حق أو دفع باطل، وأنواعه باعتبار الطرق الموصلة إليه ثلاثة لأن الطريق إلى المقصود منها:
أ - إما أن تكون محرمة: كالوصول إلى الحق المجحود بشهادة الزور، فتحرم الحيلة لتحريم الوسائل.
ب - إما أن تكون جائزة موضوعة لذلك المقصود شرعًا، ومن أمثلة ذلك ما إذا خافت المرأة أن يغيرها زوجها بالزواج عليها فالحيلة في منع هذا الأذى عنها أن تشترط هي أو وليها في العقد أنه متى تزوج عليها فأمرها بيدها إن شاءت أقامت معه وإن شاءت فارقته.
ج- أن تكون جائزة ولكنها لم توضع بالقصد الأول لذلك المقصود شرعًا، ومن أمثلة هذا النوع أن ينكح المرأة ليعتز بأهلها وليستعين بمالها أو بجاهها فيما لا يغضب الله فإن المقصود جائز، لكن النكاح لم يوضع لذلك شرعًا على وجه القصد وإنما وضع بالقصد الأول لطلب الولد وعفة الزوجين عما حرم الله والمساكنة والأزدواج وقد يستتبع المعاونة والنصرة، فإذا نكح المرأة لمالها ينتفع به أو لأهلها ينصرونه مثلًا جاز ذلك النكاح لأن هذا المقصود لا يتنافى مع مقاصد النكاح الأصلية بل كان موثقًا لها.
стр. 15300
والدليل على مشروعية الحيل التي كان المقصود منها جائزًا غير محظور من القرآن قوله تعالى: ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ﴾ [ص: ٤٤] هذا تعليم لأيوب ﵇ لإيجاد مخرج عن يمينه التي حلف ليضربن زوجته مائة وقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ جَعَلَ السِّقَايَةَ فِي رَحْلِ أَخِيهِ﴾ [يوسف: ٧٠] ومن السنة: حديث أبي سعيد الخدري وأبي هريرة عن النبي ﷺ أنه استعمل رجلًا على خيبر فأتاه بتمر فقال رسول الله ﷺ : أكل تمر خيبر هكذا؟ قال: لا والله إنما نأخذه الصاع بالصاعين والصاعين بالثلاثة. قال: لا تفعل. بع الجمع بالدراهم ثم اشتر بالدراهم تمرا.
وبهذا يتبين أن ما يتخلص به الرجل من الحرام، أو يتوصل به إلى الحلال من الحيل، هو أمر جائز، أما من احتال في حق إنسان حتى يبطله، أو في باطل حتى يحسنه، أو في حق حتى يدخل فيه شبهة، فهو حرام.