← Фикх общий

Фикх общий · id 8356

مجلة مجمع الفقه الإسلامي

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (22 276 стр.). Показаны 15226–15265 · переход к 15231.

стр. 15226

شواهد سد الذرائع عند الحنابلة: ومن أبرز تطبيقاتهم على أصل سد الذرائع. ١- ما جاء في المغني: ومن باع سلعة بثمن مؤجل ثم اشتراها بأقل منه نقدًا لم يجز، في قول أكثر أهل العلم؛ لأن ذلك ذريعة إلى الربا، فإنه يدخل السلعة ليستبيح بيع الكثير كألف بالقليل كخمسمائة والذرائع معتبرة عندنا ـ وقد نص الإمام أحمد على ذلك (١) . ٢- ما نقل عن الإمام أحمد عن كراهيته الشراء ممن يرخص في سلعته ليمنع من الشراء من جاره ويشبهه النهي عن طعام المتباريين وهما الرجلان يقصد كل منهما مباراة الآخر ومباهاته في التبرع وقد رأى ابن القيم أن النهي في الأمرين يتضمن سد الذريعة من وجهين. الأول: أن تسليط النفوس على الشراء منهما، وأكل طعامهما تفريج لهما وتقوية لقلوبهما وإغراء لهما على فعل ما كرهه الله ورسوله. والثاني: أن ترك الأكل والشراء منهما ذريعة إلى امتناعهما وكفهما عن ذلك (٢) . ٣- منع الإمام أحمد الأسير والتاجر من الزواج في دار الحرب خشية تعريض ولده للرق أو لأنه قد لا يمكنه منع العدو من مشاركته في زوجته، كما حرم الله نكاح الأمة على القادر على نكاح الحرة، إذا لم يخش العنت؛ لأن ذلك ذريعة إلى إرقاق الولد، حتى ولو كانت من الآيسات من الحبل والولادة سدًا للذريعة وحسمًا للباب (٣) .

стр. 15227

سد الذرائع وشواهده عند الشافعية: وإن كان الإمام الشافعي وأصحابه بذلوا محاولاتهم في رد سد الذرائع وإنكاره، لكن أعملوه في جملة فروع مع ذلك، نعم فالشافعي ﵀ نظر إلى الأحكام الظاهرة لا إلى غاياتها (١) . وقال في ذلك: (الأحكام على الظاهر والله ولي الغيب من حكم على الناس بالإيمان جعل لنفسه ما حظر الله عنه رسول الله ﷺ لأن الله إنما يتولى الثواب والعقاب على الغيب لأنه لا يعلمه إلا هو جل ثناؤه وكلف العباد أن يأخذوا من العباد بالظاهر ولو كان لأحد أن يأخذ بباطن عليه دلالة كان ذلك لرسول الله ﷺ وما وصفت من هذا يدخل في جميع العلم (٢) . ننقل بعض الجزئيات الفقهية التي اعتبر فيها الشافعية سد الذرائع فيما يلي: ١- قال الشافعي وأصحابه: ويستحب للمعذورين الجماعة في ظهرهم، حكي أنه لا يستحب لهم، فالجماعة المشروعة في هذا الوقت، هي الجمعة، وبهذا قال الحسن بن صالح وأبو حنيفة والثوري، والمذهب الأول كما لو كانوا في غير البلد، فإن الجماعة تستحب في ظهرهم بالإجماع فعلى هذا قال الشافعي: استحب لهم إخفاء الجماعة لئلا يتهموا في الدين، وينسبوا إلى ترك الجماعة تهاوناً (٣) . ٢- منع المفطر بعذر عن الأكل عند من لا يعرف عذره سدًا لذريعة التهمة بالفسوق والمعصية (٤) . ٣- ومن ذلك ما أجازوا قتل الأطفال والنساء والأسرى الذين يتترس بهم الكفار لئلا يكون ترك قتلهم ذريعة إلى ترك الجهاد أو غلبة الكفار على المسلمين وفي هذا الصدد يقول الشيرازي. (فإن تترسوا أطفالهم ونساءهم فإن كان في حال التحام الحرب جاز رميهم، ويتوفى الأطفال والنساء لأنه لو تركنا رميهم جعل ذلك طريقًا إلى تعطيل الجهاد وذريعة إلى الظفر بالمسلمين) (٥) .

стр. 15228

موازنة بين الأئمة الأربعة في الذرائع: ويبدو واضحًا فيما تقدم من المباحث أن سد الذرائع قاعدة أو أصل مجمع عليه في نفس الأمر، وإن كان من المعروف لدى أهل العلم أن المالكية يأخذون به أكثر ويقاربهم الحنابلة والشافعية أقل الفقهاء أخذًا به، ويقرب إليهم أبو حنيفة وأصحابه لذلك صرح علماء المالكية وغيرهم: إن سد الذرائع ليس من خواص مذهب الإمام مالك (١) . ثم نرى إجماعهم في بعض القضايا التي أعملوا فيها سد الذرائع بدون نزاع، ووقوع اختلافهم في بعضها، وذلك بناء على اختلاف أصول ضمنية في صدد (سد الذرائع) كما بينه الإمام أبو زهرة يقول: (فقد أجمعوا على أن ما يؤدي إلى إيذاء جمهور المسلمين ممنوع لا محالة كحفر الآبار في الطرق العامة. وقد أجمعوا أيضًا على ما يكون سبيلًا للخير والشر ويكون في فعله فوائد للناس لا يكون ممنوعًا كغرس العنب، فإنه يؤدي إلى عصره وتخميره، ولكن لم يكن لذلك بأصله ولأن استخدامه لذلك احتمال والمنفعة في غرسه أكبر من هذه المضرة والعبرة بالأمر الغالب أو الراجح في الظن. وفيما عدا القسمين السابقين كان الخلاف: فالشافعي نظر إلى الأحكام الظاهرة ولم ينظر إلى غاياتها ومآلاتها.. وإن هذه النظرة تخالف نظر الإمام أحمد ومالك، فإنهما عند اتجاههما إلى الذرائع نظرًا إلى المآلات نظرة مجردة ونظرا إلى البواعث (٢) . وأما النظر في الفروع فيقف المالكية وحدهم في كثير من المسائل يسدون الذريعة فيها، على حين يكون الأئمة الثلاثة في الطرف الآخر، أو يكون لهم في المسألة قول واحد، على حين يكون للحنابلة قولان مشهوران، وربما يكون المالكية والحنابلة في جانب والشافعية والأحناف في الجانب الآخر. ومن الأول: كراهة المالكية لأكل الخيل لأن في أكلها تقليل آلة الجهاد وخالفهم جمهور العلماء من الحنفية والشافعية والحنابلة (٣) . ومن الثاني: قول المالكية بعدم جواز قبول بعض ما أسلم فيه وبعض رأس ماله لأنه من الذرائع عندهم إلى البيع والسلف وإلى بيع الطعام قبل أن يستوفى، وقد وافقهم الحنابلة في إحدى الروايتين وخالفوهم في الأخرى وهي قول أبي حنيفة والشافعي (٤) . ومن الثالث: أوضح مثال للخلاف بين الفقهين المالكي والحنبلي وبين الفقه الشافعي والحنفي في مسألة الذرائع هو تلك البيوع الربويه فقد توسع مالك وأحمد في تحريمها وإبطالها، وضيق الشافعي باب الإبطال وقاربه في ذلك أبو حنيفة وأصحابه (٥) .

стр. 15229

سد الذرائع عند الحنفية: وإن كانت المالكية والحنابلة اشتهروا بأخذ سد الذرائع وما أتى به الحنفية في المصادر والأحكام ولم يفردوه بالذكر في أصول الفقه مستقلًا ولا سموه بتلك التسمية ولكن أعملوه في الفروع الفقهية كالفقهاء الآخرين كما يبدو واضحًا من التأمل في مجتهداتهم واستنباطاتهم، وخصوصًا راعوه في أبواب المعاملات ولا بد لمعرفة نظرة الحنفية في سد الذرائع دراسة ثلاثة أمور: الأول: ما هي مكانة سد الذريعة عندهم في أصول الفقه؟ الثاني: وما هي الضوابط مبناها وأساسها على ذلك التصور في القواعد الفقهية؟ الثالث: وما هي الشواهد من جزئيات فقههم على العمل بسد الذرائع؟ تدور محادثتي الآن حول سد الذرائع عند الحنفية باعتبار تلك الجوانب الثلاثة في ضوء أصول الفقه: وعند الأحناف أصل معروف ومهم هو الاستحسان وإن اختلف آراء العلماء الحنفية في حده ولكن ترجع كلها إلى شيء واحد هو ترك القياس بأقوى الدلائل والمصالح يسمى استحسانًا هذا الدليل القوي قد يثبت بالنص من كتاب الله، وسنة رسوله ﷺ ، وقد يكون مصلحة راجحة تلائم مجموع طبيعة الشريعة الإسلامية، والأول يسمى استحسان النص والثاني يدعى باستحسان الضرورة أو العرف. ويتبين من التأمل أن ضابطة سد الذرائع تأتي تحت القسم الثاني من قسمي الاستحسان؛ لأن مصالح الشريعة خمسة، حفظ الدين وحفظ النفس وحفظ النسل وحفظ العقل، وحفظ المال، وتحمل تلك المصالح الخمسة ثلاثة مدراج: الضرورة، والحاجة، والتحسين، وما سبق من الأحكام الفقهية في تطبيق سد الذرائع عليها يقصد بها حفظ الدين عمومًا، وهي تنزل بمنزلة الحاجة للاتقاء من ارتكاب قسم من أقسام المحرمات الدينية، والقياس يقتضي أن تكون مباحة لأنه لم تكن بنفسها ممنوعة لكنها توصل الإنسان إلى اقتراف محظور شرعي فصارت ممنوعة سدًا لباب المحرمات وهذا هو سد الذرائع. وما قسم الفقهاء الحنفية الحرام إلى قسمين حرام لذاته وحرام لغيره فإذا كان ثانيهما مبنيًا على الاجتهاد غير منصوص عليه فلا يختلف مقصده من غرض سد الذرائع بل هو يحقق منشأة في الواقع. فاتضح فيما تقدم أن الاستحسان عند الحنفية ضابطة جامعة كاملة تشمل عدة مصادر شرعية ضمنية، ولذا لم يشعروا بأي حاجة إلى إتيان بسد الذرائع منفردًا مستقلًا.

стр. 15230

القواعد الفقهية الموافقة لسد الذرائع: ولم نجد في المؤلفات الحنفية حول القواعد الفقهية ذكر ضابطة صريحًا، تحقق هدف سد الذرائع، نعم نرى في طي كتبهم الفقهية بعض الضوابط ضمنًا، تلائم سد الذرائع، يقول ملك العلماء الكاساني في صدد أن خروج النساء الشواب من البيوت إلى جماعات لا يجوز لأنه فيه خوف الفتنة والفتنة حرام قال: ما أدى إلى الحرام فهو حرام (١) . وقال الكاساني في شأن الاستمتاع بالحائض إنه لا يجوز فوق الركبة (الاستمتاع به سبب الوقوع في الحرام وسبب الحرام حرام) (٢) . ولا يجوز الوطء بالأمة في زمن الاستبراء فحسب بل لا تباح دواعي الجماع أيضًا قال الكاساني فيه: لأن الاستمتاع بالدواعي وسيلة إلى القربان، والوسيلة إلى الحرام حرام (٣) . ولا يجوز للحادة أن تتخذ الزينة والطيب في العدة قال برهان الدين المرغيناني في الهداية. إن هذه الأشياء دواعي الرغبة فيها وهي ممنوعة عن النكاح فتجتنبها كيلًا تصير ذريعة إلى الوقوع في المحرم (٤) . وقال العلامة ابن الهمام فيما منع عقدان: إنما حرمت العقد الأول لأنه وسيلة، وحرمت الثاني؛ لأنه مقصود الفساد (٥) . واستخرجت القواعد التالية مما تقدم من تصريحات الفقهاء، ١- ما أدى إلى الحرام فهو حرام. ٢- سبب الحرام حرام. ٣- الوسيلة إلى الحرام حرام. ٤- ما تكون ذريعة إلى الوقوع في الحرام فهو حرام. ٥- العقد الفاسد الذي يتوسل إلى الفساد فهو فاسد. وبالنظر إلى تلك القواعد وحد سد الذرائع (على قول المالكية) لا نرى فرقًا كبيرًا بين مراديهما جميعًا.

стр. 15231

شواهد سد الذرائع عند الحنفية: وتوجد في الكتب الحنفية كثير من الفروع الفقهية التي تكون روحها سد الذرائع هناك نعرض بعضًا منها فيما يلي: ١- جاء في الدر المختار: فصل: (يراعى شرط الواقف في إجارته فلم يرد القيم بل القاضي لأن له ولاية النظر لفقير وغائب وميت، (فلو أهمل الواقف مدتها قيل تطلق) الزيادة القيم (وقيل تقيد بسنة) مطلقًا (وبها) أي بالسنة (يفتي في الدار، وبثلاث سنين في الأرض) إلا إذا كانت المصلحة بخلاف ذلك وهذا مما يختلف زمانًا وموضعاً) (١) . وفي رد المحتار: (قوله وقيل تقيد بسنة) لأن المدة إذا طالت تؤدي إلى إبطال الوقف، فإن من رآه يتصرف بها تصرف الملاك على طول الزمان يظنه مالكاً (٢) . ٢- والكلام منه ما يؤجر به كالتسبيح ونحوه، وقد يأثم به إذا فعله في مجلس الفسق وهو يعلمه، وإن قصد به فيه الاعتبار والإنكار فحسن (٣) . ٣- ويكره أن يقرض بقالا درهمًا، ليأخذ منه به ما يحتاج إلى أن يستغرقه (٤) . ٤- والمتاع في يده غير مضمون بالهلاك يعني لا يضمن ما ذكر سواء هلك بسبب يمكن الاحتراز عنه كالسرقة أو بما لا يمكن كالحريق الغالب والفأرة وهذا عند الإمام وقالا: لا يضمن إذا هلك بما يمكن التحرز عنه ... وقد تقدم أن بقولهما يفتى في هذا الزمان لتغير أحوال الناس وإن شرط الضمان على الأجير، فإن كان فيما لا يمكن التحرز عنه لا يجوز بالإجماع (٥) . ٥- ومنها: وجوب نقض حائط مملوك مال إلى طريق العامة على مالكها دفعًا للضرر العام. ٦- ومنها: جواز الحجر على البالغ العاقل الحر عند أبي حنيفة ﵀ في ثلاث، المفتي الماجن، والطبيب الجاهل، والمكاري المفلس دفعًا للضرر العام. ٧- ومنها جوازه على السفيه عندهما، وعليه الفتوى دفعًا للضرر العام. ٨- ومنها: التسعير عند تعدي أرباب الطعام في بيعه بغبن فاحش. ٩- ومنها: بيع طعام المحتكر جبرًا عليه عند الحاجة وامتناعه من البيع دفعًا للضرر العام. ١٠- ومنها: منع اتخاذ حانوت للطبخ بين البزازين وكذا كل ضرر عام. ١١- وفي خلاصة الفتاوى: رجل دعي إلى وليمة، أو طعام فوجد ثمة لعبًا أو غناء لا بأس يقعد ويأكل وهذا إذا لم يكن على المائدة بل في المنزل فإن كان ذلك على المائدة أو يشربون الخمر على المائدة، لا يقعد وهذا إذا كان الرجل خامل الذكر فإن كان ممن يقتدي به لا يقعد إن لم يقدر على النهي في الوجهين.

стр. 15232

وقول أبي حنيفة ﵀: ابتليت بهذا مرة كان ذلك قبل أن يصير مقتدى به، وهذا إذا لم يعلم بذلك قبل الدخول في البيت فإن علم إن كان محترمًا يعلم أنه لو دخل عليهم يتركون ذلك إكرامًا له فعليه أن يدخل وإن علم أنهم لا يتركون لا يدخل عليهم (١) . ١٢- وفي الأشباه: ويتفرع على ذلك لو استقرض ألفًا واستأجر المقرض (لحفظ مرآة أو ملعقة) كل شهر بعشرة وقيمتها لا تزيد على الأجر ففيها ثلاثة أقوال: صحة الإجارة بلا كراهة، اعتبارًا لعرف خواص بخارى، والصحة مع الكراهة للاختلاف والفساد لأن صحة الإجارة بالعرف العام ولم يوجد، وقد أفتى الأكابر بفسادها (٢) . ١٣- قال في جامع الفصولين: القاضي لا يقبل الهدية من رجل لو لم يكن قاضيًا لا يهدي إليه (٣) . ١٤- وفي الدر المختار: (ولم يبع) في الزيلعي يحرم أن يبيع (منهم ما فيه تقويتهم على الحرب) كحديد وعبيد وخيل (ولا نحمله إليهم ولو بعد صلح لأنه ﵇ نهى عن ذلك) (٤) . ١٥- وفي الأشباه: اليمين على نية الحالف إن كان مظلومًا وعلى نية المستحلف إن كان ظالمًا كما في الخلاصة (٥) . ١٦- وفي الدر المختار: وكذا يضمن لو سعى بغير حق عند محمد أي للساعي وبه يفتي (قوله وبه يفتي) أي دفعًا للفساد وزجرًا وإن كان غير مباشر، فإن السعي سبب محض لإهلاك المال والسلطان يغرمه اختيارًا لا طبعاً (٦) . ١٧- وفي فتاوى النسفي: إنه يكسر دنان الخمر ولا يكون بإلقاء الملح قناعة ولا ضمان على الكاسر في شيء من ذلك (٧) . ١٨- وفي الخلاصة: والخياط إذا استؤجر على خياطة ثوب الفساق ويعطي في ذلك كثير أجر لا يستحب أن يعمل لأنه إعانة على المعصية (٨) . ١٩- وفي نفس الكتاب: ذمي سأل مسلمًا عن طريق البيعة لا ينبغي له أن يدله (٩) .

стр. 15233

في آية قضايا يكثر إعمال تلك القاعدة؟ وبهذا الخصوص ينبغي الإشارة إلى أن الأحناف أعملوها في أية أبواب وقضايا أكثر ـ فنرى أنهم راعوها في باب الربا أكثر، لذا منع عن بيع العينة، ومنع أكثر المشائخ من البيع بالوفاء باعتبار روحه، ونفذوا عليه أحكام الرهن، كذلك منعوا من اشترى متاعًا بأكثر من قيمته من بيعه على البائع بأقل منها (١) . لأن تلك الصور كلها تتذرع لنيل الربا بالواسطة. وأنزلت دواعي الجماع بمنزلة الوطء في تحريم المصاهرة والإحرام، وروعيت تلك القاعدة في مسألة الاستمتاع بالحائض إلى حد، وتفسد جميع صور البيع التي تؤدي إلى النزاع بالجهالة بناء عليها، كذلك منعت جميع صور البيع والإجارة التي تعاون على الإثم والمعصية، هذه هي القضايا التي أعملوا فيها تلك الضابطة وأكثروا تطبيقها عليها، ومن ذلك النوع فروع كثيرة مبسوطة في كتب الفقه ومن أراد التفصيل فليرجع إليها.

стр. 15234

فتح الذرائع: وقد مرت تفاصيل سد الذرائع وأمثلته، وأما فتح الذرائع فمعناه طلب الخير وفيه مطلبان: المطلب الأول: رعاية الكتاب الكريم لمصالح الخلق ولا ريب أن الشريعة الإسلامية قد راعت مصالح الخلق تمامًا، ويبنى عليها سعادة الدنيا والآخرة، ولا خير إلا دلت عليه ولا مصلحة إلا أرشدت إليها، وإنها وضعت لرعاية مصالح الخلق ولدفع المفاسد عن الناس يقول ابن القيم: الشريعة مبناها وأساسها على الحكم ومصالح العباد في المعاش والمعاد، وهي عدل كلها ورحمة كلها، ومصالح كلها وحكمة كلها، فكل مسألة خرجت عن العدل إلى الجور وعن الرحمة إلى ضدها وعن المصلحة إلى المفسدة وعن الحكمة إلى العبث، فليست من الشريعة (١) . والمطلب الثاني: تحقيق المصالح من الناحية الإيجابية والدليل عليها في واقع التشريع ما أشار إليه الدكتور محمد هاشم البرهاني. " المقاصد التي تعود تكاليف الشريعة إليها بالحفظ ثلاثة: الأول: المقاصد الضرورية وهي التي يتوقف عليها قيام مصالح الدارين وبفقدانها تختل الحياة الدنيا، ويفوت النعيم وهي خمسة: الدين، والنفس، والنسل، والمال، والعقل. الثاني: المقاصد الحاجية، وهي التي تفتقر إليها للتوسعة ورفع الحرج والضيق عن الخلق كسائر المعاملات من بيع وشراء وإجارة ورهن وما إلى ذلك. الثالث: المقاصد التحسينية: وهي التي ترجع إلى محاسن العادات ومكارم الأخلاق ولا تبلغ مبلغ المقاصد الحاجية ولا الضرورية كآداب المأكل والملبس والمسكن (٢) . وقد اعتبرت الشريعة الإسلامية هذه المقاصد، وراعتها كل المراعاة ووضعت قواعدها العامة وبنت أصولها الأساسية وإن فتح الذرائع إلى كل خير وبر معروف؛ لأن الخير وصف يلزم كل أمر تمخض لمصلحة راجحة أو كان يؤدي إلى مصلحة راجحة، فما كان يؤدي إلى المصلحة فهو ذريعة ولا شك بوضوح الإفضاء فيه، وأما ما كان يتمحض بنفسه لمصلحة فضلًا عن الفائدة فنادر الوجود في الواقع (٣) .

стр. 15235

شواهد فتح الذرائع: ١- قوله تعالى مخاطبًا نبيه موسى وأخاه هارون ﵉: ﴿اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (٤٣) فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ [طه: ٤٣] . ولا بد لتبليغ الرسالة الواجب على موسى وأخيه هارون ﵉ أن يذهبا إلى فرعون، والذهاب إليه امتثالًا بأمر الله تعالى هو ذريعة لأداء الرسالة المفروضة عليهما بقوله : ﴿فَأْتِيَاهُ فَقُولَا إِنَّا رَسُولَا رَبِّكَ فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَا تُعَذِّبْهُمْ قَدْ جِئْنَاكَ بِآَيَةٍ مِنْ رَبِّكَ وَالسَّلَامُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى﴾ [طه: ٤٧] . ٢- وإنما أمر عباده: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ [الجمعة: ٩] والمقصود صلاة الجمعة المفروضة، ولكن السعي وسيلة إلى إقامتها كذلك السعي إلى البيت الحرام ذريعة لأنه يوصل إلى الحج المشروع المشتمل على المصالح والحث على السعي إلى البيت الحرام والعمل به يسمى بفتح باب الذريعة (١) . ٣- ومنه قوله تعالى: ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [التوبة: ٤١] فخروج المسلمين لالتقاء الكفار ذريعة لا بد من تحقيقها للجهاد في سبيل الله الذي أمر به الله في نفس الآية. ٤- ويكون ارتكاب أخف الضررين فتحًا للذريعة حينا كما ثبت من قصة الخضر مع موسى ﵇ حيث أباح الله تعالى للخضر أن يعيب السفينة تجري في البحر التي ركبها هو وموسى ﵇ لكيلا يصيبها ضررًا أكبر منه هو أن يغصبها ملك ظالم كان وراءها في الطرف الآخر فقال تعالى: ﴿أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا﴾ [الكهف: ٧٩] . هناك تحملت المفسدة فيه للتوصل إلى المطلوب الراجح المصلحة فتحًا للذريعة ودفعًا للضرر الأكبر. ٥- ويكون اتخاذ الحيل الجائزة لتحصيل المطلوب داخلًا في زمرة فتح الذريعة كما هو ثابت من قصة يوسف ﵇ مع إخوته: ﴿وَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ آَوَى إِلَيْهِ أَخَاهُ قَالَ إِنِّي أَنَا أَخُوكَ فَلَا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٦٩) فَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ جَعَلَ السِّقَايَةَ فِي رَحْلِ أَخِيهِ ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ (٧٠) قَالُوا وَأَقْبَلُوا عَلَيْهِمْ مَاذَا تَفْقِدُونَ (٧١) قَالُوا نَفْقِدُ صُوَاعَ الْمَلِكِ وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ (٧٢) قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُمْ مَا جِئْنَا لِنُفْسِدَ فِي الْأَرْضِ وَمَا كُنَّا سَارِقِينَ (٧٣) قَالُوا فَمَا جَزَاؤُهُ إِنْ كُنْتُمْ كَاذِبِينَ (٧٤) قَالُوا جَزَاؤُهُ مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزَاؤُهُ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ (٧٥) فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعَاءِ أَخِيهِ ثُمَّ اسْتَخْرَجَهَا مِنْ وِعَاءِ أَخِيهِ كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ (٧٦) ﴾ [يوسف: ٦٩ ـ ٧٦] . والفقهاء أجازوا اتخاذ الحيل الجائزة لتحقيق مصالح ومقاصد مختلفة كما مر تفصيلها، هذه كلها داخلة في فتح الذرائع.

стр. 15236

فالحاصل: أنه يتبين من استقراء كتب الفقه أن جميع الفقهاء يراعون أصل سد الذرائع بالرغم من اختلافهم في التعبير، غير أن وجهاتهم تختلف عند المقارنة فيما بين المصلحة والمفسدة، فيحكم بعضهم بالجواز عندما يرى المصلحة راجحة في قضية، والمفسدة مرجوحة وغير قابلة للاعتبار، وعلى العكس من ذلك يرى البعض الآخرون في نفس القضية، المفسدة راجحة والمصلحة مرجوحة ويحكمون بمنعها، وهناك قضايا كثيرة من مثل هذا النوع، تحدث في حياتنا الاجتماعية، فمن واجب الفقهاء أن يرجعوا إلى هذا الأصل للتوصل إلى الحلول الشرعية الملائمة لتلك الحوادث مثلًا. امرأة غاب عنها زوجها ولكنه قد ترك خلفه من المال، ما تعيل به المرأة نفسها، وبعد ما قضت سبعة أو ثمانية أعوام، تنتظر زوجها، ترافع إلى القاضي وتبتغي التفريق من زوجها الغائب فيأمرها القاضي بالتربص إلى أربعة أعوام بعد طلب التفريق، علاوة على ما تربصت، بناء على الفقه المالكي، ولكن القاضي إذا غلب على ظنه بالنظر إلى شباب المرأة وفساد البيئة واختلاط الجنسين في المجتمع أن حكم الانتظار المزيد يدفع المرأة إلى السوء، ويوقعها في الفتنة التي شرع النكاح للوقاية منها، فهل يجوز للقاضي أن يفسخ نكاح المرأة من زوجها الغائب على الفور، سدًا لباب الفتنة وخوفًا من الزنا؟ ويمكننا أن نستخدم هذا الأصل للبحث عن حلول تلك القضايا والمشكلات الاجتماعية، ولكن يجب أن يكون الفقيه عميق النظر، بعيد الغور مطلعًا على دقائق هذا الأصل، خبيرًا بجميع نواحي القضية، لكيلا يكون ذلك موجبًا لهدم أساس الدين ويجعل الفساد صلاحًا وبالعكس، وبدون التمييز الصحيح بين المصلحة والمفسدة. ولذلك استخدام هذه الأصول بدون الوعي الفقهي الصحيح والنظر الثاقب العميق قد تكون ذريعة إلى مفسدة لا بد من سد بابها كذلك. الشيخ مجاهد الإسلام القاسمي

стр. 15237

المراجع ١- القرآن الكريم: ٢- لسان العرب لابن منظور. ٣- تهذيب الفروق للقرافي. ٤- الموافقات للشاطبي. ٥- المقدمات الممهدات لابن رشد الجد. ٦- اعلام الموقعين لابن القيم. ٧- كشف الأسرار على أصول فخر الإسلام البزدوي. ٨- شرح التلويح على شرح التوضيح. ٩- المغني في أصول الفقه للخبازي. ١٠- الإحكام في أصول الأحكام للآمدي. ١١- سد الذرائع للبرهاني ١٢- مجمع الزوائد للهيثمي. ١٣- تنقيح الفصول للقرافي. ١٤- فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية. ١٥- البهجة. ١٦- مالك لأبي زهرة. ١٧- موسوعة جمال عبد الناصر. ١٨- أحمد بن حنبل لأبي زهرة. ١٩- المدخل الفقهي لمصطفى الزرقاء. ٢٠- الفروق للقرافي. ٢١- بداية المجتهد، لابن رشد ٢٢- الدسوقي على شرح الكبير. ٢٣- المدونة للإمام مالك. ٢٤- الاعتصام للشاطبي. ٢٥- قواعد الأحكام للعز بن عبد السلام. ٢٦- تحفة الأحوذي للمبارك فوري. ٢٧- بدائع الصنائع للكاساني. ٢٨- فتح القدير لابن همام. ٢٩- شرح مسلم للنووي. ٣٠- خصوصيات الجمعة للسيوطي. ٣١- المدخل إلى فقه الإمام أحمد للشيخ بدران. ٣٢- المجموع شرح المهذب للنووي. ٣٣- المهذب للشيرازي. ٣٤- الإشراف. ٣٥- الهداية، للمرغيناني. ٣٦- الدر المختار للحصكفي. ٣٧- ملتقى الأبحر ٣٨- رد المختار لابن عابدين الشامي. ٣٩- البحر الرائق لابن نجيم. ٤٠- خلاصة الفتاوى. ٤١- الأشباه والنظائر لابن نجيم. ٤٢- غمز عيون البصائر للحموي.

стр. 15238

سد الذرائع إعداد الدكتور علي داود جفال دولة الإمارات العربية المتحدة المقدمة الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد النبي الأمين وعلى آله والطيبين الطاهرين، وأصحابه الهداة الراشدين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم. إن أهمية اختيار موضوع سد الذرائع من موضوعات الدورة التاسعة، هو أن أكثر الدول الإسلامية بعدت في عهد الاستعمار عن التشريع الإسلامي وبخاصة الحدود الشرعية. واستبدلت بهذا التشريع تشريعًا وضعيًا منقولًا من قوانين البلاد الأوربية، فلما زال كابوس الاستعمار بقيت تلك التشريعات الوضعية مدة نظرًا لتمكنها من النفوس ورسوخها في عقول المشرعين لطول ممارستهم إياها، ثم كثرت دعوة أهل الخير والدين إلى الرجوع إلى كتاب الله وسنة نبيه ﷺ ، وجعل التشريع الإسلامي المصدر الرئيسي لقوانين البلاد، فاستجابت الحكومات الإسلامية إلى هذه الدعوة الصالحة، لهذا رأيت أن أدلي بدلوي في هذا الموضوع فأبين موضوع سد الذرائع كمصدر من مصادر التشريع الإسلامي التبعية وموقف أئمة الفقه من الاحتجاج والأخذ به وقد قسمت هذا الموضوع إلى سبعة فصول وأسال الله تعالى الهداية والتوفيق إلى أقوم طريق، إنه نعم المولى ونعم النصير.

стр. 15239

الفصل الأول في تحديد الذرائع وبيان حقيقتها والفرق بين الذريعة والسبب والذريعة والوسيلة ١-تعريف سد الذرائع: الوضع المنطقي السليم في كتابة البحوث العلمية، وترتيب الأعمال العقلية، يقتضينا حين نطلب حقيقة معينة، أن نبدأ ببيان حقيقتها. أي عناصرها العامة المكونة لها، قبل أن نأخذ في البحث عن تعيين خصائصها، وتبيين مشخصاتها. ذلك لأن الحكم على الشيء فرع عن تصوره، على حد تعبير علماء المنطق. وإذا كان هذا هكذا، فينبغي قبل كل شيء أن تعرف معنى (سد الذرائع) في جملتها، فنقول: إن كلمة (سد الذرائع) مركب إضافي، والمركب الإضافي لا يمكن معرفته إلا بعد معرفة أجزائه، وبناء عليه، فدونك تعريف كل جزء على حدة. أ -تعريف السد: أصل السد: مصدر سددته، ومنه قوله تعالى: ﴿بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا﴾ [الكهف: ٩٤] . أي: حاجزًا يمنعهم من الوصول إلينا والإفساد في أرضنا. فشبه به الموانع. ومنه قوله سبحانه: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا﴾ (١) [يس: ٩] . فالسد: المنع. يقال: سد عليه الطريق. أي: منعه من الدخول فيه، وهذا أصل قول علماء الفقه والأصول، في قاعدة (سد الذرائع) : منع ما يجوز لئلا يتطرق به إلى ما لا يجوز، فقد منع الشارع ما يجوز في نفسه، خشية أن يتوصل به إلى المحرم.

стр. 15240

ب -تعريف لفظه ذرائع: من تأمل فيما ذكره اللغويون من معاني مادة (ذرع) ، متحريًا البحث عما يصلح أن يكون معنى لها، وجد في كتب اللغة المعتبرة، مثل الصحاح للجوهري، ولسان العرب لابن منظور وغيرهما: أن من المعاني التي جرى الأمر على اعتبارها، خاصة مميزة للفظة (ذريعة) : هي وسيلة. فالذريعة ـ في اللغة ـ هي الوسيلة إلى الشيء يقال: تذرع فلان بذريعة. أي: توسل بوسيلة إلى مقصده. ويقال أيضًا: جعلت ذريعتي لفلان فلانًا. أي: وسيلتي إليه، وجمعها: (ذرائع) (١) . ثم أطلقت (الذريعة) على كل شيء دنا من شيء، أو قرب منه (٢) . ومعنى هذا المركب الإضافي (سد الذريعة) : هو حسم مادة وسائل الفساد، منعًا منها ودفعًا لها، إذا كان الفعل السالم من المفسدة، وسيلة إلى مفسدة (٣) .

стр. 15241

جـ- التعريف الشرعي للذريعة: لقد جرى عرف العلماء، على تسمية الألفاظ المستعملة في معان وضعها لها الفقهاء وأهل علم الأصول، بالاصطلاحات الشرعية. ويستفاد من كتاب (الإحكام في أصول الأحكام) لسيف الدين أبي الحسن الآمدي المتوفى سنة ٣٨٣ هـ. (ج١ ص٤٨، ٦١) : أن علماء الإسلام يعتبرون المعاني الشرعية، متفرعة عن المعاني اللغوية، وثيقة الصلة بها. ولسوف يكون من باب الإطالة، أن نذكر جميع التعريفات الشرعية، التي تقر هذا المبدأ، أو الأصل، ولهذا نجتزئ منها ببعضها، وهي التي تنص على هذا فالأصل في ألفاظ تامة الوضوح. ١- تعريف الإمام الشاطبي: أوضح الإمام الشاطبي المتوفى سنة ٧٩٠ هـ في كتابه الموافقات في أصول الأحكام (٤/ ١٩٨) ، الذريعة الممنوعة في المذهب المالكي، فأفاد أنها: (التوسل بما هو مصلحة إلى مفسدة) . ٢- تعريف الإمام القرافي: ولقد لخص الإمام الفقيه الأصولي (القرافي) ، قاعدة سد الذرائع أبلغ تلخيص، وبين حقيقتها أحسن بيان، فقال: (سد الذرائع) معناه: حسم مادة وسائل الفساد دفعًا لها، فمتى كان الفعل السالم عن المفسدة وسيلة للمفسدة، منع (مالك) من ذلك الفعل في كثير من الصورة) (١) . ٣- تعريف (ابن رشد الجد) : وقال الفقيه الجليل (ابن رشد الجد) ، قاضي الجماعة في قرطبة، المتوفى سنة ٥٢٠ هـ في كتابه المقدمات (٢) . الممهدات (٢/ ١٩٨) : (الذرائع: هي الأشباه التي ظاهرها الإباحة، ويتوصل بها إلى فعل محظور) . ٤- تعريف الإمام المازري: وقال الإمام المازري الفقيه المالكي، في كتاب (شرح التلقين (٣)) للقاضي عبد الوهاب المالكي البغدادي: (سد الذريعة: منع ما يجوز لئلا يتطرق به إلى ما لا يجوز) . وهذه التعريفات وأمثالها، هي على اختلاف ألفاظها كما قال الشاعر عباراتنا شتى وحسنك واحد وكل إلى ذاك الجمال يشير وجماع القول في هذا الأصل (سد الذرائع) : هو أن الذريعة في اللغة: هي الوسيلة التي يتوصل بها إلى شيء آخر مطلقًا. وفي الاصطلاح الشرعي: هي ما تكون وسيلة وطريقًا إلى الشيء الممنوع شرعًا. وسدها: هو الحيلولة دونها والمنع منها.

стр. 15242

د- ألفاظ لها تعلق بهذا الأصل: يرتبط بلفظ (الذريعة) ، لفظان. هما: الوسيلة، والسبب، والواقع أن هذه الألفاظ الثلاثة، يأخذ بعضها بحجز بعض، ويتعلق أحدها بالآخر، ويؤديه ويدعمه، فإذا وجدت اللفظة الأولى، تتابعت الأخريان على أثرها، وإذا اختفت، ذهبنا على الفور في أعقابها. على أن الترادف في الألفاظ، والاتحاد في المعنى، لا يعني دائمًا الاتفاق في النتائج، ولسوف نحاول من جانبنا، أن نستخلص هذا من الدراسة التالية: ١- الوسيلة: ونبدأ بالوسيلة: ونتخذ من التعريفات السابقة للذريعة ذاتها، نقطة انطلاقنا لنستخرج منها ما نبغيه، فإن كنت لا تزال على ذكر ما سبق في تحديد معنى (الذريعة) تبين لك في ضوء هذا التحديد، مقدار التعلق القوي بين (الذريعة) ، و (الوسيلة) ولكي يطمئن قلبك، وتتأكد مما نقول، نعيد عليك بعض الذي ذكرناه، ليكون شاهدًا أمام عينيك وبرهانًا بين يديك. قال أهل اللغة وأهل العلم: الذريعة: هي الوسيلة والذرائع: هي الوسائل. وذكروا أنه يقال: تذرع فلان بذريعة. أي: توسل بوسيلة إلى مقصده، وذكروا أيضًا أنه يقال: جعلت ذريعتي لفلان فلانًا. أي: وسيلتي إليه (١) . وقال الراغب الأصفهاني ـ علاوة على ذلك: (الوسيلة: هي التوصل إلى الشيء برغبة) . فهي تلتقي مع الذريعة من جهة أن المتوسل أو المتذرع، تميل نفسه ويصبو قلبه لنيل مقصوده، هذا، والوسيلة تجمع على وسائل، ومنه تعبير أهل عصرنا عن الأمور التي تساعد على التعليم من وسائل التعليم، ومنه وسائل الإعلام، كالصحف والإذاعة والتفزيون.

стр. 15243

٢- السبب: وأمامك الآن اللفظة الثانية، التي لها تعلق بلفظة ذريعة، فخذ (غير مأمور) بيان أصلها وحقيقتها: الأصل الأصيل في السبب: هو الحبل. وبالمعنى الواسع للكلمة: هو الحبل القوي الطويل. (قالوا) : ولا يسمى الحبل سببًا، حتى يرتقى به وينحذر ثم زادوه بسطة، فقالوا: بل لا يطلق عليه ذلك، حتى يكون طرفه معلقًا بالسقف أو نحوه ومنه سمي الطريق سببًا، تشبيهًا بالحبل الطويل الممتد، ولأنه يمكن سالكه من الوصول إلى الموضع المراد. ثم استعير (السبب) لكل شيء يتوصل به إلى غيره، ومنه قول الله عز ولج: ﴿وَآَتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا﴾ [الكهف: ٨٤] أي: طريقًا موصلًا لكل شيء أراده. وقال العلامة الراغب الأصفهاني في (المفردات) : (معناه: أن الله تعالى آتاه من كل شيء معرفة وذريعة يتوصل بها. فأتبع واحدًا من تلك الأسباب) . وعلى ذلك قوله تعالى: ﴿لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ (٣٦) أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ﴾ [غافر: ٣٦ ـ ٣٧] أي: لعلي أعرف الذرائع والأسباب الحادثة في السماء، فأتوصل بها إلى معرفة ما يدعيه موسى ﵇ (١) . هذا، ومن العبارات الجارية على الألسنة، قولهم: أنت السبب في كذا، أي: أنت المسبب الأكبر، وقولهم: كان ذلك بسببك. أي: بسبب فعلك، ومن أجلك، ومن الأمثال السائدة: إذا عرف السبب بطل العجب.

стр. 15244

هذه بعض معاني السبب عند أهل اللغة. وأما معناه في عرف أهل الأصول. فيطلق على بعض مسبباته في اللغة، فقد عرفه الآمدي المتوفى ٦٣١ هـ بقوله: السبب كل وصف ظاهر منضبط، دل الدليل السمعي على كونه معرفًا لحكم شرعي. وعرفه الشاطبي بأنه: " ما وضع شرعًا لحكم، لحكمة يقتضيها ذلك الحكم، كما أن حصول النصاب سببًا في وجوب الزكاة، والسرقة سببًا في وجوب القطع، وما أشبه ذلك". وعرفه الكعبري بأنه: " عبارة عما يكون طريقًا للوصول إلى الحكم، دون أن يؤثر فيه " (١) . ولك أن نقول: هو كل أمر تسبب عنه أثر شرعي. ومن ناحية أخرى يمكن القول: بأن (السبب) بمعناه العام، يشمل ـ عند الأصوليين ـ جميع أبواب الفقه، من عبادات ومعاملات ومناكحات وعقوبات.... وبهذا المعنى الواسع، قيل عن الإرشاد، وعن عقود التمليك: إنها من الأسباب الشرعية، التي تجوز أخذ مال الغير. وبهذا المعنى وردت أيضًا، كلمة (السبب) في القاعدة العامة: " لا يجوز لأحد أن يأخذ مال واحد، بلا سبب شرعي ". المجلة (م/ ٩٧) . فلا بد من سبب شرعي لأخذ مال الغير. (مثال ذلك) : لو اشترى أحد شيئًا، حق له أخذه بسبب الشراء. وكذلك لو مات وترك مالًا، فورثته بأخذونه بسبب الميراث، وإرث الزوجين: أحدهم من الآخر، بسبب النكاح (الزواج) وهلم جرًا.

стр. 15245

الفصل الثاني في المقارنة بين الذرائع والحيل الفقهية ومدى الوفاق أو الخلاف بينهما معلومات أولية: أول ما يجب ذكره هنا، هو: بيان معنى الحيلة"، في الوضع اللغوي، والوضع الشرعي (يعني الاصطلاحي) ليتسنى لنا أن نقرر مقدار الائتلاف أو الاختلاف بين الذرائع والحيل. ولكي يتم لنا هذا، لن يكون لدينا سوى أن نركن إلى الذين سبقونا بالعلم والفقه، فنقتبس من علومهم، ونغترف من بحورهم، والله تعالى من وراء الجميع بعلمه محيط. قال أهل اللغة: الحيلة: اسم من الاحتيال، وهي: الحذق في تدبير الأمور، وجودة النظر، وهو: تقليب الفكر حتى يهتدي إلى المراد، وتجمع على حيل، وهي أيضًا: ما يتوصل به إلى حالة ما في خفية، وأكثر استعمالها فيما في تعاطيه خبث، وقد تستعمل فيما فيه حكمة، ولهذا قيل في وصف الله : ﴿وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ﴾ [الرعد: ١٣] أي: الوصول في خفية عن الناس، إلى ما فيه حكمة (١) . أما أهل العلم من الفقهاء والأصوليين، فقد تولى الإمام الكبير، أبو إسحاق الشاطبي، تعريفها تعريفًا جامعًا مانعًا، ممتعًا مقنعًا، وراح يقول في حقيقتها المشهورة بأنها: (تقديم عمل ظاهر الجواز، لإبطال حكم شرعي، وتحويله في الظاهر إلى حكم آخر) . وذكر أن مآل العمل فيها، خرم قواعد الشريعة في الواقع. وضرب لها مثلًا بالرجل الغني، الواهب ماله عند رأس الحول فرارًا من الزكاة، وشرحة قائلًا: إن أصل الهبة على الجواز، ولو منع الزكاة من غير هبة، لكان ممنوعًا، فإن كل واحد منهما، ظاهر أمره في المصلحة أو المفسدة، فإذا جمع بينهما على هذا القصد، صار مآل الهبة، المنع من أداء الزكاة، وهو مفسدة ولكن هذا بشرط القصد إلى إبطال الأحكام الشرعية) (٢) هذا ما عرف به الحيلة (أبو إسحاق الشاطبي) ، من أئمة المالكية، ولعله أفضل التعاريف المأثورة المشهورة للحيلة، وأشملها لأنواعها.. وإذا أردنا أن نزداد علمًا، قلنا: إن (الحيلة) هي: إظهار عمل ممنوع شرعًا، في صورة عمل جائز، يتحول به فاعله من حال يكرهه، إلى حال يحبه. وقد غلب استعمالها في سلوك الطرق الخفية، التي يتوصل بها إلى حصول لغرض بحيث لا يتفطن لها، إلا بنوع خارق من الذكاء والدهاء، والمهارة والشطارة.

стр. 15246

أنواع الحيل: والحيل نوعان: أحدهما: حيل مشروعة مباحة، و (الآخر) : حيل غير مشروعة. فالمشروعة: هي تدابير لطيفة لا تصطدام مع النصوص، ويقصد منها التخلص من الآصار والأغلال والوصول إلى الحلال، من غير إبطال حق، أو إحقاق باطل، أو الدخول في التمويه والخداع أو هي: التي تتخذ بقصد التوصل إلى إثبات حق أو دفع مظلمة. دون أن تناقض مصلحة شرعية، أو تهدم أصلًا شرعيًا. وغير المشروعة: هي التي تتضمن تحليل ما حرمه الله، أو تحريم ما أحله، أو إسقاط واجب. أو هي التي يقصد منها التحيل على قلب الأحكام الشرعية الثابتة، إلى أحكام آخر، بفعل صحيح الظاهر، لغو في الباطن (١) . أو هي: التي تهدم أصلًا شرعيًا، أو تناقض مصلحة شرعية، وتقوم على التمويه والخداع، والتلبيس والتدليس. وأصحاب الحيل لما رأوا نفرة الناس، من اسم الحيل، قالوا: إنما نسمي ما يتوصل به إلى ممنوع (وجوه المخارج من المضايق) ، ولا نسميها (الحيل) . وقد نسب القول بجواز الحيل، إلى بعض أصحاب الإمام أبي حنيفة (النعمان) ﵁. وقد أثر عنهم أنهم ألفوا بعض الكتب فيها، ومن أشهرها (كتاب الحيل) للخصاف، المطبوع في مصر سنة ١٣١٤ هـ. وكتاب المخارج من الحيل) . المنسوب للإمام محمد، صاحب أبو حنيفة. الذي نشره المستشرق الألماني، يوسف شخت.

стр. 15247

والحق أن كلام أصحاب الحيل هؤلاء، كلام منمق، لا يرجع إلى معنى محقق، فهو يمتع ولكنه لا يقنع. ذلك لأنه ليس في الشريعة الإسلامية السمحة (١) ، مضايق ومأزق ومحارج، حتى يحتاج إلى الخروج منها، فإن أرادوا بالمضايق، وما نهى عنه الشارع نهي تحريم أو أمر به أمر إيجاب، فالتكاليف التي تتضمن تحريمًا أو إيجابًا كلها مضايق إذا، والله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨] . والنصوص من الكتاب والسنة على يسر الشريعة، أكثر من رمل عالج، ومن أصناف التمور في العراق. ثم إن الناظر في كتب الحيل. المنسوبة لأصحاب الإمام أبي حنيفة، قد يروقه ما فيها من نسيج بديع الصنعة، ولكن الذي يغلي سداها (بفتح السين) ولحمتها، يجد في طياتها خيوطًا واهنة وعناصر غريبة واهية، سترتها مهارة الصنعة وحسب السبك، وروعة المخارج من المحارج!! وإن من العبث، أن نقف لبيان ما لهذه الحيل، من قيمة ضئيلة، فهي تصطدم بحقائق ودقائق، وبينات وبراهين، عقد لها (ابن قيم الجوزية) الفقيه الحنبلي المشهور، فصولًا طويلة وقد ناقش أصحاب الحيل فيها مناقشات دامغة، تمتاز بأسلوبها العملي الدقيق، وإيراد الحيل واحدة واحدة، ونقضها بالدليل النقل والبرهان العقلي في أناة وهدوء وانسجام، ثم فرق بين الحيل المباحة والحيل المحرمة، وضرب الأمثلة، وأقام البراهين واستشهد بالغائب على الحاضر. وكنت أود أن أعرض بعض النماذج و (العينات) من كلام هذا الإمام الهمام، فهو من أوسع ما كتبه علماء الإسلام، إلا أن ضيق المجال، ومنهاج البحث لا يسمحان بإطالة الشرح والتبسط في ذكر الشواهد وضرب الأمثال، فأضربت عن ذلك كله صفحًا. ومن أراد المزيد من الاطلاع، فعليه بالرجوع في هذا الموضوع، إلى كتاب إعلام الموقعين (الجزء الثالث من صحفة ١٧١ ـ ٤١٥) و (الجزء الرابع من صفحة ١ـ ١١٧) من طبعة الشيخ محمد محيي الدين عبد الحميد يجد كلامًا تشد إليه الرحال في هذا المجال.

стр. 15248

الموازنة بين الذرائع والحيل، والوفق (١) . والفرق بينها. إذا نحن تأملنا من قريب، في حقيقة كل من (الذريعة) ، و (الحيلة) . وجدنا أنهما يسيران جنبًا إلى جنب، على الطريق التي تؤدي إلى إهمال أوامر الشريعة، والتهرب منها، أو يؤديان إلى الوقوع في الممنوع، كبيوع الآجال وغيرها من العقود والتصرفات، فالمآل واحد، وهو الوقوع في الفاسد والمحرمات. فهما في التسابق إلى الشر، كحماري العبادي. قيل له: أي حماريك شر (٢) فقال: هذا ثم هذا، غير أن الاتفاق في النتائج، لا يعني دائمًا الاتحاد في القصد (أي: النية) فهما يبتدئان في الافتراق، منذ اللحظة التي يصبح الأمر فيها متعلقًا بالنية. فالنية: هي الفارق ما بين الذريعة والحيلة. ولكي نقدم للقارئ بيانًا واضحًا يلخص ويستوعب التفرقة بينهما، لا نجد خيرًا من أن نعيد ذكر التعريف الجامع لكل منهما، وهو ما زال نصب أعيننا، وبين أيدينا. فالذريعة ـ لو تذكرنا ـ هي الوسيلة التي يتوصل بها إلى الشيء الممنوع، المشتمل على مفسدة، ولو عن غير قصد. فالعبارة في الذريعة ـ كما ترى ـ معيار موضوعي لا شخصي، ينظر فيه إلى المآل، ومصير العمل ونتيجته، ولا دخل فيه لنية الشخص الفاعل وقصده. فالمنظور إليه في (الذرائع) ليس هو القصد السيئ من الفاعل، بل المنظور إليه هو الفعل الذي يؤدي إلى النتيجة التي لا تطابق الشرع، ولو كان الفاعل حسن النية.

стр. 15249

والمثال التالي يرينا بشكل واضح، كيف أن النية الحسنة، مع العمل غير المشروع، لا تكفي وأنه ليس باستطاعتها أن تجعل من الشر خيرًا. وهاك مثالًا: كلنا نعلم أن كثيرين من الناس، شديدو التأثر والحساسية تجاه مقدساتهم، لدرجة أن أية إساءة إلى آلهتهم الزائفة، التي يعبدونها قد تستدعي من جانبهم، أن يجدفوا في حق الله تعالى المعبود بحق. ومن ثم نهي القرآن الكريم عن هذه الإثارة (أي: سب أصنامهم) فقال: ﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [الأنعام: ١٠٨] . ولكن لو أن مؤمنًا غيورًا دفعته حرارة إيمانه، إلى أن يعبر عن احتقاره للأصنام فيسبها، دون أن يفكر في ردود الفعل المحتملة، أفيكون معذورًا بنزاهة قصده، وحسن نيته، وانتصاره لربه؟! كلا ثم كلا.. إن الشر لا يمكن أن يصبح خيرًا بفضل كيمياء الإرادة، بل إن هذا الخلط والتلون يعتبر عند الإمام الغزالي، إثمًا آخر. قال: إن (قصده الخير بالشر، على خلاف مقتضى الشرع، بشر آخر، فإن عرفه فهو معاند للشرع، وإن جهله فهو عاص بجهله (فجهله مزدوج؛ لأن يجهل الشرع ويجهل أنه يجهله، وقد قيل: أشد من الجهل الجهل بالجهل) (إحياء علوم الدين: ج٤ ص ٢٥٧) طبع الحلبي بالقاهرة. وموجز القول هو: أن الذريعة لا يلزم فيها أن تكون مقصودة. و (الحيلة) لا بد فيها من القصد. أما (الذريعة) فبصرك فيها حديد، وعهدك بها غير بعيد.

стр. 15250

وأما الحيلة، فنوع آخر من الانحراف الذي يتمثل، لا في جهل الصفة الشرعية للعمل في ذاتها، بل على وجه التحديد، في إرادة استعمال هذه الشرعية حرفيًا، لإخفاء عملية أخرى يحرمها الشرع. وتلك هي (الحيل) التي يستعملها بعض رجال الأعمال، من أجل أن يحللوا الربا والكسب الحرام. ففي هذه الطريقة، نجد أن الاختلاف لا ينصب على الموضوع المباشر، بل على غاياته. ولا حاجة بنا إلى مزيد من القول، لإثبات تفوق (الحيلة) ، على (الذريعة) ، في المكر والخديعة، والطرق الملتوية، والتخافت والنية السيئة المبيتة، والخبث والأنانية الجشعة، وغير ذلك من التفنن في ارتكاب الوسائل المفضية إلى الأمور المحرمة. وإنما نريد إبراز الصورة، التي تتوضح معانيها وملامحها بالتمثيل لها، فإنها من دونه تبقى صورة مبهمة غامضة، غير أن هذا يستغرق كتابًا ضخمًا، وطبيعة البحث تستدعي منا اقتضابًا، لا استيعابًا. ومع هذا فإني مضطر إلى أن أقول شيئًا، وساقتصر على إبراز الحالات الواضحة، التي ركز عليها الكتاب والسنة، تركيزًا خاصًا. (وكلمة أخرى) : تمس الحاجة إليها، وهي: أن أي انحراف عن (الطريقة المستقيمة) ، يفضي بالضرورة إلى ما لا نهاية له من الاتجاهات، والمنعطفات، والغوايات، والتخبطات. وهو ما أشار إليه القرآن الكريم، في قوله: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام: ١٥٣] . ولنشرع الآن في معالجة بعض الانحرافات التي تتمثل في التهرب من الأوامر الشرعية، أو الاحتيال عليها.

стр. 15251

الاحتيال على الشرع: هناك طريقة للتحايل على الشرع، وذلك بإهمال شروط تطبيقه وإضاعتها، وغنى عن البيان، أن الذي يتحايل على الشرع، على هذا النحو، هو يسعى إلى فائدته الخاصة، ومنفعته الشخصية، فهو إنسان أناني ممقوت. هذه الأنانية الممقونة، التي يفرضها على الناس، حبهم المفرط للأعراض الدنيوية، تتجلى سافرة في صورتين: (إحداهما) : سلبية محافظة. (والأخرى) : جشعة محتكرة. وإن أقل أنواع الأنانية حركة ونشاطًا، تلك التي تحمل صاحبها على الانطواء على نفسه، فتجعله ضنينًا بماله، قليل الإيثار، عديم الإحسان، في حين أن الأنانية الجشعة الجامحة، لا تقنع بالوضع السلبي، وإنما تمعن في جمع المال، بكل وسيلة، مشروعة أو غير مشروعة. والحيل ـ في جميع صورها وألوانها ـ معروفة مكشوفة، في أبواب الفقه الإسلامي، وإنا لنجدها مستفيضة في باب (فريضة الزكاة) . وليس لدينا مثال أوضح ولا أدق، من الوسيلة للتهرب بالحيلة، من هذه الفريضة المقدسة، ما ذكره أبو إسحاق الشاطبي في كتابه الموافقات (ج٤ ص ٢٠١) . فقد مثل (أي: ضرب لها مثلاً) بالواهب ماله، عند اقتراب موعد جباية أموال الزكاة، أو عند رأس الحول، تهربًا من أداء هذه الفريضة. وغني عن البيان، أن الذي يتحايل على الشريعة، على هذا النحو، فيبطل حكمًا شرعيًا، ويسقط فريضة دينية، بعد مرتكبًا ـ دون ريب ـ لعمل من الأعمال المخلة بالدين والخلق. وعلى هذا النسق، نجد حيلة أخرى، تتمثل في تجميع رؤوس أموال كثيرة، أو قطعان الغنم تخص أشخاصًا مختلفين.

стр. 15252

(وقد تكون الحيلة متمثلة، وفقًا لأفضل المنافع، في فصل رأس مال مشترك) بقصد تجنب كل منهم، إلزامًا فادحًا، وحملًا ثقيلًا. ولقد حرم الحديث الشريف، صراحة هذه الطريقة في الزيغ عن المحجة، وتنكبها فعن أنس بن مالك ﵁، أن أبا بكر الصديق ﵁، كتب له فريضة الصدقة، التي فرض رسول الله ﷺ (ولا يجمع بين متفرق، ولا يفرق بين مجتمع، خشية الصدقة) (١) . بقت بعض المنافذ، التي يمكن أن يتصورها، ويتبجح فيها أولئك الأغنياء قساة القلوب، حتى يفروا من العدالة الإنسانية، فهل بوسعهم أن يكونوا مطمئنين إلى الفرار، بهذه الحيل من العدالة الأبدية ﴿قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرَارُ إِنْ فَرَرْتُمْ﴾ [الأحزاب: ١٦] . لقد ساق القرآن الكريم لنا في هذا الصدد عبرة في قصة أصحاب الجنة، فإنهم أقسموا عشية الحصاد، أن يذهبوا إلى حديقتهم مبكرين، خفية حتى لا يلفتوا إليهم انتباه المساكين، وبذلك يطرحون عن كاهلهم، عبء اقتطاع جزء من ثروتهم. ويا لها من مفاجأة مذهلة طالعتهم، حين وصلوا إلى جنتهم، لقد طاف على ثمراتها جميعًا، طائف العذاب الرباني، فدمرها وهم نائمون. (القصة في سورة ن ١٧ ـ ٣٣) . قال أبو إسحاق الشاطبي (٢) " تضمنت الإخبار بعقابهم على قصد التحيل، لإسقاط حق المساكين، بتحريم المانع في إتيانهم، وهو وقت الصبح، الذي لا يبكر في مثله المساكين عادة":

стр. 15253

وينبغي أن نوغل في التاريخ، إلى العصر اليهودي، لنجد حالات نموذجية من هذه الحيل الملتوية، التي تذهب في سبيل ضمان انتظام السلوك، إلى أن تبدأ بتحريف القاعدة ذاتها وتشويهها، وطيها بطريقة أو بأخرى، حسب الأهواء والشهوات، وقد أشار القرآن الكريم، إلى بعض هذه الألاعيب التي حاول بنو إسرائيل، أن يعثروا عليها، حتى يستبيحوا الصيد يوم السبت، فحفروا حياضًا تصلها قنوات بالبحر، حتى تدخلها الحيتان يوم السبت، ثم يحبسونها حتى يصيدوها في الأيام الجائز فيها الاصطياد، وهو قوله تعالى: ﴿وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا﴾ (شارعة ظاهرة على وجه الماء من كل ناحية، كشوارع الطرق، دانية من الساحل، جمع شارع، من شرع عليه: إذا دنا وأشرف) . ﴿وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ لَا تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾ [الأعراف: ١٦٣] وقد كان عقابهم بالمسخ، والتحليل واضح في فعلهم. ويروي لنا الحديث النبوي، قصة حيلة أخرى، هي قصة الشحم، الذي كان محرمًا عليهم.، فامتنعوا عنه قاعدة، وباعوه تجارة. (قال عطاء) : سمعت جابر بن عبد الله ﵁ يقول: سمعت النبي ﷺ قال: ((قاتل الله اليهود، لما حرم الله عليهم شحومها، جملوه ثم باعوه، فأكلوه)) (١) . وقد لعن الله اليهود بسبب فعلهم هذا وهم إنما فعلوا ذلك بقصد الحصول على المال، الذي ضرب بهم المثل في حبهم له. قال فيلسوف الأدباء وأديب الفلاسفة (أبو حيان التوحيدي) ، في رجل لطيف الحس، هو: أعشق للجمال من اليهودي للمال) ومنه قول حافظ إبراهيم، يصف غادة اليابان: كنت أهوى في زماني غادة وهب الله لها ما وهبا ذات وجه مزج الحسن به صفرة تنسي اليهود الذهب ولنا أن نستنتج من ذلك، أنه عندما يحرم الله شيئًا، فإنه يحرم في الوقت نفسه، تملك ثمنه ولذلك ذم الإسلام، كسب السحرة والكهنة، والفواجر، وأجر النائحة والمغنية، ونهى الرسول ﷺ ، عن ثمن الكلب ومهر البغي، وحلوان الكاهن (٢) . وهناك حالات كثيرة، تعاطاها الناس، على رغم الشرع، في المجتمعات الإسلامية، وهي مدونة ومدروسة في المؤلفات الفقهية، تبعًا لمختلف المذاهب.

стр. 15254

النتيجة: يتضح من كل ما تقدم: أن الفرق بين (الذريعة) ، و (الحيلة) ، هو: القصد: وعدم القصد. فالمنظور إليه في (الذريعة) ليس هو النية السيئة من الفاعل، بل هو مجرد إفضاء الفعل إلى النتيجة التي لا يقرها الشرع، ولو كان الفاعل حسن النية، وبعبارة أوجز: إن الذريعة لا يلزم فيها أن تكون مقصودة. وأما (الحيلة: فلابد فيها من القصد. هذه واحدة. (والثانية) : يفهم من التعريفات السابقة، لكل منهما، ولا سيما تعريف الشاطبي: أن الذريعة شاملة للحيلة، وأن الحيلة تندرج تحت الذريعة. فالنسبة بينهما، هي من قبيل العموم والخصوص، فالذريعة أعم من الحيلة، والحيلة أخص، ومن المقرر في علم المنطق: أن الأخص يسلتزم دائمًا معنى الأعم، ولا عكس. وعليه، فكل حيلة ذريعة، وليست كل ذريعة حيلة، وهذا ما يطلقون عليه، العموم والخصوص المطلق بين الشئين. هذا، وقد ذكر الشيخ العلامة محمد الطاهر بن عاشور من الفروق بينهما: أن الحيلة يراد منها أعمال يأتيها بعض الناس في خاصة أحواله، للتخلص من حق شرعي عليه بصورة هي معتبرة شرعًا، حتى يظن أنه جار على حكم الشرع. وأما الذريعة فهي ما يفضي إلى فساد، سواء أقصد الناس به إفضاءه، أم لم يقصدوا، وذلك في الأحوال العامة، فحصل الفرق بين الذرائع والحيل، من جهتين: جهة العموم والخصوص، وجهة القصد وعدمه، ثم أضاف قائلًا: إن الحيل لا تكون إلا مبطلة لمقصد شرعي، والذرائع قد تكون مبطلة لقصد الشارع، من الصلاح وقد لا تكون مبطلة (١) . وذكر الشيخ الجليل العلامة عبد الله دراز في تعليقه على كتاب الموافقات (ج٤ ص ١٩٩) : أن هناك فرقًا آخر بينهما، وهو: أن الحيلة تجري في العقود، والذريعة أعم. وأختم هذا الفصل، بكلمة ذهبية للفقيه الحنبلي الجليل، الإمام (ابن قيم الجوزية) ، فقد قال ـ وهو يذكر الاختلاف الصارخ بين الحيل، وسد الذرائع ـ: ( ... وتجويز الحيل: يناقض سد الذرائع مناقضة ظاهرة، فإن الشارع يسد الطريق إلى المفسدة بكل ممكن، والمحتال يفتح الطريق إليها بحيلة، فأين من يمنع من الجائز، خشية الوقوع في المحرم، ممن يعمل الحيلة في التوصل إلى المحرم) (٢) . وكأني بابن القيم ﵀ ، كان يوشك أن يقول: إن الجمع بينهما كالجمع بين الحركة والسكون أو بين الضب والنون. وأن بين الكلمتين من البعد، مسيرة شهر للراكب المغذ.

стр. 15255

الفصل الثالث في أقسام الذرائع وأحكامها وشروطها يرى فقهاء المالكية، الذين يقيمون وزنًا (لقاعدة الذرائع) : أن هذه القاعدة لا تعني أن كل ذريعة يتوصل بها إلى الشيء الممنوع، تعتبر ممنوعة، بل إن في المسألة تفصيلًا، ومفتاح هذا التفصيل، عند فقيه جليل من فقهائهم، هو: الإمام القرافي (١) . فقد ذكر أن الذرائع ثلاثة أقسام: (أولها) : ما أجمع العلماء على سده ومنعه، من حيث يفضي كثيرًا إلى ما فيه مفسدة كحفر الآبار في طرق المسلمين، إذا علم وقوعهم فيها في غفلة أو ظلام، وكإلقاء السموم في الأطعمة، فإنه يفضي على وجه القطع أو الظن القريب منه، إلى موت من يتناول الطعام. وكسب آلهة المشركين في وجوههم، فإنه يؤدي إلى ما فيه المفسدة، وهو سب الإله المعبود بحق، وإن كان سب آلهة المشركين في نفسه، ليس فيه مفسدة. (وثانيها) : ما أجمعوا على إلغائه، وعدم سده، لقلة ما يفضي إليه من مفسدة، بالنسبة لكثرة ما ينتج عنه من المصلحة: كزراعة العنب، فقد يفضي إلى اتخاذ الخمر منه لشربها، فلم يمنعه الشارع؛ لأن المفسدة قليلة بالنسبة إلى الانتفاع بالعنب، من حيث أنه ثمرة طيبة من جملة الثمرات، فلا تمتد حرمة معاقرة الخمر وشربها، إلى وسيلته التي هي: زرع العنب، بل تبقى منوطة بتعاطي ما يسكر من عصيره. وكالتجاور في البيوت، خشية الوقوع في الزنى، فهذا وأمثاله، يعد من الذرائع، التي اتفقوا على إلغائها، عدم الالتفات إليها.

стр. 15256

(وثالثها) : ما يتردد بين أن يكون ذريعة إلى مفسدة، وبين أن لا يكون وهذا ما اختلف فيه العلماء، فمنهم من قال بالمنع من هذا القسم، نظرًا إلى ما قد يفضي إليه من المفسدة، ومنهم من ذهب إلى الإغماض عنه، وعدم عده في الذرائع التي يجب سدها (كبيوع الآجال) : وذلك مثل أن يبيع البائع سلعة بعشرة دراهم إلى أجل، ثم يشتريها من المشتري بخمسة نقداً (١) . فالإمام مالك يقول بمنعها؛ لأن البائع خرج منه خمسة دراهم، وأخذ عند حلول الأجل عشرة، والسلعة قد جعلت ذريعة إلى الربا. والإمام الشافعي كان يجري العقود على ظاهرها، ولا ينظر إلى قصد العاقد ونيته، وكان يقول: حمل المسلمين على التهم لا يجوز. (وهذا القسم مختلف فيه) ، هو الذي بحث فيه المجتهدون. وهكذا يقرر الإمام القرافي القول في هذه (القاعدة) ، ويعيده قائلًا: (ليس سد الذرائع من خواص مذهب مالك، بل منها ما أجمع عليه، وإنما الخلاف والنزاع في ذرائع خاصة فرعية، كالصور المعروفة في (بيوع الآجال) ونحوها. أي: من كل مباح أفضى إلى مفسدة غالبًا، وهذه النتيجة التي وصل إليها (القرافي) ، تلقاها كثير من الباحثين بحماسة شديدة، وقبول حسن.

стр. 15257

(مسألة) ـ بيوع الآجال: هذا، وإن خطر هذه المسألة، وتنازع الفقهاء فيها، ليبيحان لنا أن نطيل الحديث قليلًا، حتى نعطي للقارئ فكرة واضحة عنها. فلنأخذ ـ أو: بالحري: لنعد إلى مثال (عقد المخاطرة) أو: بيع العينة، أو: بيع الأجل ... الذي يحاول فيه البائع، إخفاء وجه الربا القبيح، وإظهار وجه البيع الصحيح المليح، والذي نفى الإمام مالك على المالكية، أن يستبيحوه. ونحن نعلم أن القرآن الكريم، يحرم الربا بالمعنى الأوسع للكلمة (أعني: تحريمًا قاطعًا مطلقاً) ، وهو: كل منفعة تؤخذ ممن يقرضون. ذلك لأن الإقراض ليس متاجرة، بل هو معاونة، والمعاونة يجب أن تكون نزيهة نزاهة مطلقة ومعروف أن القصد من (عقد المخاطرة) ، تقديم النقود المقترضة، في صورة ثمن بيع، وهاكم وصف العملية وتفصيلها: فالمقرض يقدم أولًا للمستقرض، سلعة يبيعه إياها بثمن مؤجل أعلى، ثم هو بعد ذلك، يشتريها منه نقدًا وبثمن أدنى، بحيث تجدنا ـ في نهاية العمليتين، في حالة الربا الصريح. فالمستقرض يقبض نقودًا الآن، وقد استعمل خروج السلعة ودخولها، لتغطية الوجه الوقح، للكسب غير المشروع.

стр. 15258

ما قيمة هذا البيع عند الفقهاء؟ إن الأمور إذا سارت علنية، على نحو ما وصفنا، أعني. إذا كان من المتفق عليه مقدمًا بين الطرفين إعادة بيع ما سبق شراؤه للشخص نفسه، فإن اتفاق الفقهاء إجماعي على إبطال هذا البيع، باعتباره بيعًا ربويًا، ولكن إذا كنا أمام عمليتين متتابعتين، دون أن نلاحظ فيهما تواطؤا، فهل يجب أن نعتبر العمليتين عملية واحدة؟ أليس من الممكن أن تكون هناك سوقان منفصلتان، يجوز أن تكون ثانيتهما مفروضة على إثر رجوع المشتري عن رأيه فجأة، بعد فوات الأوان، ندمًا على إبرامه الأولى؟ إن من الصعب، أن نحكم بيقين على النية الباطنة العميقة لدى الناس، ولكن كيف نحكم على قضية مشكلة من هذا القبيل؟ أما المالكية، فيرون أن هذا الكسب غير مشروع، وهو ربا؛ لأن السلعة قد جعلت ذريعة للربا، وجعل هؤلاء الأئمة من المالكية علة المنع من العقد، كثرة قصد الناس منه الوصول إلى الربا، وجعلوا المنع حكمًا مطردًا، من غير نظر، إلى من يقصد الربا ومن لا يقصده؛ لأن علة الحكم، يكفي فيها أن تكون مظنونة، ولا يشترط فيها أن تكون محققة. وأما الشافعية: فيبيحونه ويقرونه شرعًا. ويقولون: إن كلا البيعين في ذاته جائز، يمكن أن تحصل المصلحة المقصودة من البيع، وينبغي حمل حال المسلم على الصلاح، وعدم القصد إلى الربا المحرم، وما لم يقم دليل زائد على مجرد العقد، يدل على القصد إلى الممنوع، كان العقد جائزًا، وأما الحنفية، فيرون أن العقد الأول جائز وصحيح، بخلاف العقد الثاني، فإنه فاسد من حيث إنه هو الذي يتحقق به معنى الربا. والواقع أنه لو كان ممكنًا، أن نكشف ما يجري في فكر المتعاقدين، فلربما لم نشهد هذا الخلاف الواسع، ذلك أن مالكًا من ناحيته، لا يمنع في الأحوال الاعتيادية الطبيعية، أن يبيع المرء مرة أخرى نقدًا، وبسعر أقل مما سبق أن اشتراه غالبًا وبأجل، والشافعي من جانبه، لا يوافق على أن يجعل المرء من هاتين العمليتين، مجموعًا يستهدف به الربح الدنس، قصدًا ونية، فالمشكلة منحصرة في جمع العمليتين، فهو الذي يثير الاهتمام بأن لدى صاحبيها قصدًا غير مشروع.

стр. 15259

- (وخاتمة المطاف) : أن الشافعية يرون أنه لا يجوز حمل المسلمين على التهم. ولما كانت البراءة هي الأصل، فيجب التمسك بها، إلى أن يثبت العكس. وهذا ما أراده المالكية، فقالوا: ليس الأمر هنا أمر تهمة مطلقًا، ولكنه أمر ملاحظة وإدراك للواقع في مدلولها العقلي (١) . والإمام (ابن قيم الجوزية) ، جعل صورة البيع المذكورة، من أمثلة (الذارئع) . ثم ذكرها في مسألة الحيل بعد ذلك، وقال: (إن تجويز الحيل يناقض سد الذرائع مناقضة ظاهرة ... ) . وذكر الإمام الشافعي بخير فقال: (ومن عرف سيرة الشافعي وفضله ومكانته في الإسلام، علم أنه لم يكن معروفًا بفعل الحيل، ولا بالدلالة عليها، ولا كان يشير على مسلم بها، وكان يجري العقود على ظاهرها، ولا ينظر إلى قصد العاقد ونيته، ولو قيل للشافعي إن المتعاقدين، تواطآ على ألف بألف ومائتين، لم يجوز ذلك.) (أعلام الموقعين) .

стр. 15260

أقسام الذرائع عند (ابن قيم الجوزية) ، ونقدها تناول الإمام (ابن قيم الجوزية) ، في كتابة (أعلام الموقعين) ، الذي هو أحد محاسنه على وجه الدهر، بحث (سد الذرائع) وأفاض القول فيه، ووسع العبارة، وزاد في الإسهاب والإطناب، وبالغ في التعمق والتدفق، حتى أورد تسعة وتسعين وجهًا، للدلالة على (سد الذرائع، والمنع منها، ثم قسمها إلى أربعة أقسام. ١- القسم الأول: ما وضع للإفضاء إلى المفسدة، كشرب الخمر المفضي إلى السكر، والزنى المفضي إلى اختلاط الأنساب وفساد الفراش. ٢- القسم الثاني: ما وضع للإفضاء إلى مباح، ولكن قصد به التوصل إلى مفسدة، كعقد النكاح المقصود به التحليل، وكعقد البيع الذي قصد به التوصل إلى الربا. ٣- القسم الثالث: ما وضع لمباح، لم يقصد به التوصل إلى مفسدة، ولكنه يفضي إليها غالبًا، ومفسدتها أرجح من مصلحتها، وذلك مثل سب آلهة المشركين في وجوههم وبين أظهرهم، وتزين المتوفى عنها زوجها في زمن العدة. فهذه أفعال مباحة في الأصل، لما يترتب عليها من المصالح، ولم يقصد فاعلها بها مفسدة، ولكن مآلها في الغالب إلى مفسدة نهى الشرع عنها، وهذه المفاسد راجحة على مصلحة العقل. ٤- القسم الرابع: ما وضع لمباح، ولكنه قد يفضي إلى مفسدة، ومصلحته أرجح من مفسدته، كالنظر إلى وجه المخطوبة، والمشهود عليها (١) . وهكذا يأخذ الفقيه الجليل (الذريعة) ، بمعناها الواسع، الشامل للأقسام الأربعة، ويقرر فقه الشريعة في (الذرائع) .

стр. 15261

وفيما قرره وقسمه هذا الفقيه النبيه، الذي لا ينكر فضله وعلمه، أخذ ورد، وقبول ورفض ولكل عالم هفوة، ولكل جواد كبوة، و (كفى المرء نبلًا أن تعد معايبه) ، والسبب في هذا كله، هو: تدفقه في القول وإكثاره من الصول والجول، وزيادته في التقسيم والتعميم، فوق اللزوم، والإكثار لا يسلم صاحبه من العثار، والتدفق لا يخلو من الكدورة والتورط. ١- وأولًا: إن القسم الأول من الذرائع، وهو: ما وضع للإفضاء إلى مفسدة، كشرب الخمر، والزنى ليس من (الذرائع) ، في ورد ولا صدر، وإنما هو من باب المقاصد، ذلك لأن الزنى ـ الذي مثل به (ابن قيم الجوزية) لهذا القسم ـ متضمن المفسدة في ذاته، وليس ذريعة إلى مفسدة أخرى أكبر منه، وكذلك بقية الأمثلة. وليس أدل على ذلك، من أن الإمام القرافي، قد جعل هذا القسم، من باب المقاصد لا الوسائل فقال: (موارد الأحكام على قسمين: مقاصد: وهي المتضمنة للمصالح والمفاسد في أنفسها. ووسائل: وهي الطرق المفضية إليها، وحكمها حكم ما أفضت إليه من تحريم وتحليل، غير أنها أخفض رتبة من المقاصد في حكمها" (١) . (وبالجملة) : فإن الشريعة قد جاءت بالمنع من هذا القسم. وما تمنعه الشريعة من الأفعال قسمان: قسم يشتمل بنفسه على المفسدة، كالزنى، وشرب الخمر، والقذف، والسرقة، والقتل بغير حق ... وقسم لا يشتمل على المفسدة بنفسه، ولكنه يفضي إلى ما فيه المفسدة، وهذا هو الذي يسمى (ذريعة) ويسمى منعه سدًا. ومن حكمة الشريعة الإسلامية: أنها لم تقصر النظر على ما يحتوي المفسدة بنفسه، بل وجهت نظرها إلى وسائل ما فيه المفسدة، فمنعتها. والآيات والأحاديث الواردة في الكتاب والسنة، بالنهي عن وسائل ما تقع المفسدة بوقوعه، غير قليلة، ومن شواهد هذا، ما ذكرناه من قوله تعالى: ﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [الأنعام: ١٠٨] . ويضاهي هذا الشاهد، قوله ﷺ : ((إن من أكبر الكبائر، أن يلعن الرجل والديه)) قيل: يا رسول الله وكيف يلعن الرجل والديه؟ قال: ((يسب الرجل أبا الرجل، فيسب أباه ويسب أمه)) . أخرجه البخاري في صحيحه. ولباب القول: هو أن (القسم الثاني) : وهو ما وضع للمباح، ولكنه اتخذ وسيلة، إلى مفسدة، هو (بيت القصيدة،) ، وهذا هو السر، في أن كثيرًا من علماء الأصول، يعرفون (الذريعة) ، بما يقصرهم على هذا القسم؛ لأنه هو محل الخلاف، فيقولون: إن الذريعة: هي الأمر المباح، الذي يتخذ وسيلة إلى مفسدة. (والله تعالى أعلم) .

стр. 15262

حكم الذريعة: كان الكلام في فاتحة هذا الفصل، مخصصًا لأقسام الذرائع. وقد لاحظنا أن المتحمسين من الفقهاء لهذه القاعدة، لا يتبعون دائمًا خطًا متوازيًا، فعلى حين يذكر أحدهم أنها ثلاثة أقسام كالقرافي، يعدها الآخر أربعة كابن قيم الجوزية. وقد قمنا بتشريح الأقسام التي ذكرها هذا الأخير، وأخرجنا منها قسمًا، ليس منها في شيء، وقد استدعى هذا التعديل، انهيارًا جزئيًا، في صرح تقسيم هذا الإمام العظيم. وعلينا الآن أن نستنبط من مجموع هذه الأقسام، حكم الذريعة، فنقول: إن الذريعة تعطي حكم الشيء للتوصل بها إليه، وحكم الذريعة: هو حكم المقصود، فإن كان المقصود الذي تفضي إليه الذريعة فرضًا. كالحج المقصود من السعي إلى البيت الحرام، في مكة المكرمة، كانت الذريعة مثله في الفرضية، فيكون السعي فرضًا. وإن كان المقصود، الذي تفضي إليه الذريعة حرامًا، كالزنى، كانت الذريعة، وهي النظر إلى النساء حرامًا، وبهذا تكون الوسيلة إلى المحرم محرمة، والوسيلة إلى الواجب واجبة، وهذا ما نجده في التكاليف الشرعية، التي كلفنا الله بها. فإنه يعطي الوسيلة حكم الغاية، فإذا نهى الله تعالى عن شيء وحرمه، كان مقتضاه: النهي عن كل ما يتوصل به إلى ذلك المنهي عنه، وإذا أمر بشيء فمعناه، أنه أمر بكل ما يوصل إليه. فمثلًا نهى الله تعالى عن شرب الخمر، لأنها توصل إلى العداوة والبغضاء، وتصد عن ذكر الله فقال : ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٩٠) إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ (٩١) ﴾ [المائدة: ٩٠: ٩١] .

стр. 15263

ونستنتج من هذا، أن موارد الأحكام على نوعين: مقاصد، ووسائل. فالمقاصد: هي الغايات التي تشتمل على المفاسد والمصالح. والوسائل: هي الأمور الموصلة إلى المقاصد وتفضي إليها. كما نستخرج: أن حكم المقاصد والوسائل متحد؛ لأن الوسيلة (وهي: الذريعة) تابعة لما تفضي إليه، فإن أفضت إلى تحريم كانت محرمة، وإن أفضت إلى تحليل كانت محللة، غير أنها أخف رتبة من المقاصد في حكمها. ثم إن ههنا نقطة مهمة، وهي: أن الوسيلة إلى الشيء المحرم، قد تكون غير محرمة، إذا أفضت إلى مصلحة راجحة. وبعبارة أوضح: إن الشريعة تأتي إلى الشيء يكون له وجه من الضرر، فتأمر به حيث يكون ذريعة إلى ما فيه مصلحة أكبر من ذلك الضرر، ومن هذا القبيل: ١- بذل الماء لفداء الأسرى المسلمين: فالمال المبذول للأعداء يزيدهم قوة، وحرام على المسلمين، أن يمدوا عدوهم ولو بمثقال ذرة من ذهب أو فضة. ولكن هذا البذل ذريعة إلى مصلحة يصغر في جانبها ضرر بذل المال للأعداء، وهذه المصلحة هي إنقاذ الأسرى المسلمين من أيد تسومهم سوء العذاب. ٢- دفع مال لرجل يأكله حرامًا، حتى لا يزني بامرأة مسلمة. فهذا الفعل يعد ذريعة إلى مفسدة، وهي: أكل مال المسلم بالباطل، إذ لا يستحق أحد أجرًا على ترك الفسوق والفجور، ولكن هذا الفعل أجيز لما يؤدي إليه من المصلحة الراجحة، وهي حفظ عرض المسلمة ومنع وقوع الفاحشة، ومصلحة حفظ الأعراض أهم في نظر الشارع، من مفسدة دفع المال إلى أن يأكله باطلًا. ٣- دفع المال للمحارب، حتى لا يقع القتل بينه وبين صاحب المال: فهذا أيضًا ذريعة إلى مفسدة أكل المال بالباطل، ولكنه لم يمنع منه، نظرًا لأن هذا الدفع، يترتب عليه مصلحة أكبر، وهي: منع القتل.

стр. 15264

فهذه الصور الثلاث، كان الدفع من أجلها وسيلة إلى المعصية بأكل المال، ومع ذلك فهو مأمور به، لرجحان ما يحصل من المصلحة على هذه المفسدة (١) . هذا بعض ما يستخلص من كلام الإمام القرافي، في حكم الذريعة، وتوفية للبحث وإتمامًا له، أعرض بعض أنواع الذرائع وأحكامها عند الإمام أبي إسحاق الشاطبي، والأنواع التالية، تعطينا فكرة مجملة عن أحكامها. (وأولها) : الوسيلة (أو: الذريعة) التي تفضي إلى ما فيه مفسدة قطعًا. وذلك كحفر بئر خلف باب الدار في الظلام، بحيث يقع فيه كل من يدخل إلى الدار، لا محالة، فحكم هذا النوع: المنع إجماعًا. (وثانيها) : الذريعة التي تفضي إلى ما فيه مفسدة غالبًا. وذلك كبيع السلاح في زمن الفتن والحروب، وبيع العنب للخمار (الذي يصنع خمراً) وحكم هذا النوع: هو سد هذه الذريعة وتحريمها في مذهب مالك، وأحمد. (وثالثها) : الذريعة التي تفضي إلى ما فيه المفسدة كثيرًا. ومعلوم أن الكثير، لا يبلغ درجة (الغالب) . ومثال هذا النوع بيوع الآجال، والعينة وهذا النوع موضع نظر والتباس (وقد بسطنا القول فيه، فيما مضى من هذا الفضل، وذكرنا تنازع العلماء فيه وتدارءهم. فارجع إليه) . (ورابعها) : الذريعة التي تفضي إلى ما فيه المفسدة نادرًا. وذلك كحفر بئر في موضع، لا يؤدي في الغالب إلى وقوع أحد فيه، وحكم هذا النوع: هو الإلغاء وعدم الالتفات إليه؛ لأنه نادر (والنادر لا حكم له) كما يقولون: وخلاصة الكلام في هذا المقام، هو: أن الذريعة التي تفضي إلى المفسدة، تمنع إذا كان إفضاؤها إليها قطعيًا أو غالبًا أو كثيرًا، ولا تمنع ولا تعتبر إذا كان الإفضاء للمفسدة نادراً (٢) .

стр. 15265

- (تتمة وفائدة مهمة) : وأخيرًا أرجو وآمل: أن تحتمل لي هذه التتمة والفائدة المهمة، ولا أزيد وسأجعلها طويلة، ولا أعود. والذي أعنيه هنا: هو التنبيه على أن شيئًا من الصور والأنواع التي ذكرتها، لم تكن مفسدة في نفسها، أو ما يسمى محرمًا لذاته، بل كل ما في الأمر، أنه كانت ذريعة إلى المفسدة. وهي في الوقت نفسه، تحقق مصلحة أكبر من مفسدتها وأما إذا كان الفعل محرمًا لذاته، فإنه يمنع منعًا باتًا قولًا واحدًا. ذلك لأن الحرام القطعي لا يمكن أن يأتي بالحلال، وإن الشر لا يمكن أن يصبح خيرًا؛ لأن الله ، لم يحرم شيئًا لذاته، ثم يرتب عليه مصلحة راجحة، وعليه. فإن الذي يسرق ليبني مسجدًا يرتكب إثمًا يوجب عليه حدًا؛ لأن السرقة فعل محرم لذاته، ويتضمن المفسدة في نفسه. ومثله: المرأة الفاجرة، التي أرادت أن تتصدق بكسبها الخبيث!! (والقصة مشهورة) .
следующие страницы →