← Фикх общий

Фикх общий · id 8356

مجلة مجمع الفقه الإسلامي

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (22 276 стр.). Показаны 15331–15370 · переход к 15336.

стр. 15331

٢- تركهم لقراءة السجدة فجر يوم الجمعة: وقد أخرج الشيخان عن أبي هريرة ﵁ قال: ((كان رسول الله ﷺ يقرأ يوم الجمعة في صلاة الفجر ألم تنزيل السجدة، وهل أتى على الإنسان)) أخرجه البخاري ومسلم والنسائي وابن ماجه (١) . وأخرجه مسلم وأحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه عن ابن عباس ﵄ (٢) . وفيه دليل على استحباب قراءة هاتين السورتين في فجر الجمعة، والمداومة عليها لما تشعر به صيغة الحديث من مواظبته ﷺ على ذلك أو على الأقل إكثاره منه، بل قد ورد التصريح بمداومته ﷺ . أخرجه الطبراني عن ابن مسعود ﵁ (٣) . وما ذكره المالكية من محذور، يدفعونه بترك قراءتها، وهو خشية اعتقاد العامة كون فريضة الفجر يوم الجمعة ثلاث ركعات، وقد استشهد له بعضهم بما شاع عند عامة مصر: أن صبح الجمعة ثلاث ركعات لما يرونه من مواظبة الإمام على قراءة سورة السجدة والسجود لها. ٣- حبس المصلي لوضع ثوبه أمامه: روى أبو مصعب صاحب الإمام مالك قال: قدم علينا ابن مهدي يعني المدينة ـ فصلى، ووضع رداءه بين يدي الصف، فلما سلم الإمام رمقه الناس بأبصارهم، ورمقوا مالكًا، وكان قد صلى خلف الإمام، فلما سلم قال ـ الإمام مالك ﵀: من ههنا من الحرس؟ فجاءه نفسان، فقال خذ صاحب هذا الثوب فاحبساه، فحبس فقيل له: أنه ابن مهدي، فوجه إليه، وقال له: أما خفت الله واتقيته أن وضعت ثوبك بين يديك في الصف، وشغلت المصلين بالنظر إليه، وأحدثت في مسجدنا شيئًا ما كنا نعرفه، وقد قال النبي ﷺ ((من أحدث في مسجدنا حدثا فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين)) . فبكى ابن مهدي وآلي على نفسه ألا يفعل ذلك أبدًا، لا في مسجد رسول الله ﷺ ولا في غيره (٤) ، وهذا غلو لا مبرر له في إعمال سد الذرائع وإلا فماذا يعني وضع الثوب بين يدي المصلي هل يمكن اعتبار ذلك ذريعة إلى اعتقاد الجهال عدم صحة الصلاة إلا بذلك، أو ذريعة إلى عبادة من دون الله، لتستحق التأنيب والحبس، هذا أقصى ما يمكن أن يتصوره المجتهد في سد الذرائع، بل منع الناس من وضع حوائجهم أمامهم وهم يؤدون الصلاة ذريعة في حد ذاته إلى محظور مؤكد من وجه آخر؛ لأن الناس لا يستغنون في كثير من الأحوال عن حمل حوائجهم، فلو حرمنا عليهم وضعها أمامهم في أثناء صلاتهم، لأدى ذلك: إما إلى تركهم الصلاة مع الجماعة في المسجد أو إلى انشغال أفكارهم حولها لو وضعوها خلفهم.

стр. 15332

الفصل السابع أثر القول بسد الذرائع اعتبارها وعدم اعتبارها في الفروع الفقهية أثر القول بسد الذرائع: إن القول بسد الذرائع له اعتبار في الفروع الفقهية، ويختلف هذا الأثر بمقدار اعتماد قاعدة سد الذرائع أصلا من أصول الفقه الإسلامي أو عدم اعتبارها. ولما كان هذا الأصل معتبرا عند المالكية أكثر من غيرهم،قالو إن سد الذرائع من أصول مالك، مع أنه تقدم لنا في الفصل السادس من هذا البحث أن سد الذرائع معتبر في الكثير من الفروع الفقهية عند غالب أئمة الفقه الإسلامي. ويؤيد هذا ما قاله ابن القيم: إن سد الذرائع أحد أرباب الدين إذا كان مفضيًا إلى الحرام، قال في إعلام الموقعين: " وباب سد الذرائع أحد أرباع التكليف، فإنه أمر ونهي " والأمر نوعان: أحدهما: مقصود لنفسه. والثاني: وسيلة إلى المقصود. والنهي نوعان: أحدهما: ما يكون النهي عنه مفسدة في نفسه. والثاني: ما يكون وسيلة إلى مفسدة. فصار سد الذرائع المفضية إلى الحرام أحد أرباع الدين (١) . والمفضية للحلال قسم من قسمي الذريعة لأن الذرائع كما يجب سدها في النهي يجب فتحها في الأمر، إذا أفضت إلى مصلحة وهي بأقسامها الثلاثة: على سبيل الوجوب أو الندب أو الإباحة، وعلى هذا الاعتبار تكون الذرائع شاملة لنصف الدين. والخلاف بين المذاهب إنما كان في التوسع في الأخذ بها والتطبيق في اعتبارها، وهذا ينشأ عنه من غير شك خلاف في كثير من الأحكام الشرعية والفروع الفقهية. فبينما يحكم بعضهم على تصرفات تبدو من المكلف بالفساد والبطلان، ويمنع ترتب أثرها عليها، نجد الفريق الآخر يحكم عليها بالصحة والجواز، ويبني عليها آثارها المعتبرة شرعًا، وقد يوصف العقد بالبطلان والفساد كبيوع الآجال عند مالك وأحمد، ويحكم عليه بالصحة والانعقاد عند المالكية، وقد يكون العقد مكروهًا كما ذكرت الشافعية في بيع العنب لعاصره خمرًا؛ لأنه لا يتعين أن يعصر ليكون خمرًا.

стр. 15333

ويكون أثر هذا الاختلاف ظاهرًا في فروع كثيرة من أبواب الفقه الإسلامي. المثال الأول: نكاح المريض مرض الموت. فإن الإمام مالكًا ﵀ يقول: إن النكاح غير صحيح: دليله على ذلك هو سد الذرائع، وذلك أنه يتهم المريض بأنه يقصد من نكاحه إلحاق الضرر بالورثة حيث يدخل وارثًا جديدًا عليهم، فيمنع منه حتى لا يتخذ من نكاحه هذا ذريعة للتشفي من الورثة، وإدخال الضرر عليهم، يقول ابن رشد: " واختلفوا في نكاح المريض. فقال أبو حنيفة والشافعي: يجوز، وقال مالك في المشهور عنه إنه لا يجوز. وسبب اختلافهم تردد النكاح بين البيع وبين الهبة، وذلك أنه لا يجوز هبة المريض إلا من الثلث ويجوز بيعه، ولاختلافهم أيضًا في سبب آخر وهو: هل يتهم على إضرار الورثة بإدخال وارث زائد أو يتهم؟ وقياس النكاح على الهبة غير صحيح" (١) . وقد ذهب جمهور الفقهاء، وهم الحنفية والشافعية والحنابلة، إلى صحة نكاح المريض على أن لا يتجاوز صداق المرأة مهر مثلها أما جمهور الفقهاء فقد استدلوا بعدة أدلة تبيح نكاح المريض: ١- ما رواه نافع مولى ابن عمر أنه قال: كانت ابنة حفص بن المغيرة عند عبد الله بن ربيعة فطلقها ثم تزوجها مرة أخرى وهو مريض لتشارك نساءه في الميراث وأجازوا هذا العقد. ٢- القياس على صحة بيعه وشرائه، فكما أن بيعه وشراءه صحيحان فكذلك نكاحه ينبغي أن يكون صحيحًا. ٣- إن النكاح من الحوائج وذلك لأن بقاء النسل يتوقف عليه، والمرء غير ممنوع من صرف ماله في حوائجه الأصلية. المثال الثاني: اختلف الفقهاء فيمن مات وقد وجبت عليه زكاة ولم يؤدها. ذهب مالك وأبو حنيفة ـ رحمهما الله ـ إلى أنه إن أوصى بها لزم الورثة إخراجها من الثلث، وإن لم يوص بها لم يلزمهم بشيء (٢) . واعتمادًا على سد الذرائع قال مالك بعدم لزوم شيء إذا لم يوص به؛ لأنه لو التزمت الورثة بذلك لأدى إلى أن يترك الإنسان زكاة ماله طول عمره اعتمادًا على أن الورثة سيخرجونها بعد موته، وربما يتخذ ذلك ذريعة للإضرار بهم.

стр. 15334

سد الذرائع أداة لوقاية المجتمع من الفساد: ويبدو من جميع ما ذكرنا من أمثلة وأدلة لكل مذهب في هذه الدراسة أن اعتبار سد الذرائع في الفروع الفقهية هو نوع من الحصانة للشريعة الإسلامية، تسلم به ممن يريد أن يستخدمها لأغراض نفسية، وهي في الآن نفسه ضابطة تقي النفوس البشرية من الانزلاق مع الأهواء والمفسدة. ويبدو أننا في هذا الزمن، ربما نكون في أشد الحاجة إلى الأخذ بالاستقامة والمثل العليا، وسد ذرائع الفساد والحرام، لنحمي بها مجتمعاتنا من الميل إلى الميوعة والمنكر والإباحية والشر، والسقوط في أحضان الرذيلة، حتى نضمن لأنفسنا بناء مجتمع متضامن ومتماسك. وإن قاعدة سد الذرائع تقيم الدليل على أن التشريع الإسلامي فيه عوامل إيجابية فعالة تدفع الإنسان دائمًا إلى ضبط النفس وتقوية الإرادة، ومقاومة الشر، وبذلك تكون شريعتنا حاملة في ذاتها لعوامل حصانتها. وهو في الآن نفسه أصل من الأصول المهمة، يعزز كل التشريعات القائمة على تنظيم المصالح العامة ورعايتها، وبذلك يمكن الاعتماد عليه في جميع أوجه النشاط الاجتماعي والاقتصادي، كتحديد الأسعار ومقاومة الغش ومنع كل ما يدعم انتشار الفتنة والفساد والتحلل الجنسي وانتشار المشروبات الكحولية والمخدرات. وقاعدة سد الذريعة التي وضعت لتقف سدا أمام كل ما يؤدي إلى الحرام يمكن أن تكون أداة فعالة وناجحة في يد المشرع الذي يسهر على إقامة تشريعات وقوانين تنظيمية تحمي المجتمع من الانهيار، وتقيه من عوامل التدهور والانحطاط.

стр. 15335

الفصل الثامن أمثلة لفتح الذرائع وسدها أ - أمثلة لفتح الذرائع: لقد تقدم لنا أثناء هذا البحث أن القرآن الكريم اتجه في تحقيق المصالح ودرء المفاسد ناحيتين:الأولى إيجابية، والثانية سلبية: والإيجابية: تتمثل في أنها فتح لكل أبواب الخير، وإن شئت فقل: فتح الذرائع لكل خير وبر ومعروف؛ لأن الخير وصف يلزم كل أمر تمحض لمصلحة راجحة. فما كان يؤدي إلى مصلحة فهو ذريعة، ويتجلى معنى فتح الذرائع في أن الله يوجب أمورًا لا لعينها بل لكونها وسائل وذرائع لأمور أخرى ثبت طلبه لها. وشواهد فتح الذرائع كثيرة في القرآن والسنة والفروع الفقهية من ذلك: ١- السعي لأداء صلاة الجمعة والجماعة امتثالًا لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ [الجمعة: ٩] . وجه الاستدلال من الآية على فتح الذريعة: هو أن الله تعالى يأمر بالسعي إلى صلاة الجمعة والسعي ليس وسيلة مقصودة لذاتها وإنما كان الأمر بوسيلة السعي إلى الصلاة لأنها ذريعة إلى إقامة الصلاة المفروضة كقوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣] وكذلك الأمر بترك البيع عند النداء لصلاة الجمعة لتحصيل فريضة السعي إلى الصلاة. ٢- الأمر بإعداد القوة من السلاح والعتاد فالأمر بإعداد السلاح أمر واجب لا لذاته بل لتحقيق واجب هو القتال امتثالًا لقول الله تعالى: ﴿وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [التوبة: ٤١] . ٣- الأمر بالافاضة من عرفات امتثالًا لقول الله تعالى: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ (١٩٨) ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾ [البقرة: ١٩٨ ـ ١٩٩] والإفاضة وسيلة لتحقيق مناسك الحج على الوجه المطلوب. ٤- جواز بيع رديء التمر بدراهم، وشراء جيده بتلك الدراهم، فقد كان عامل الرسول ﷺ بخيبر يشتري صاعًا من الجنيب (وهو أجود التمر) بصاعين من الجمع (وهو رديئه) فقال له رسول الله ﷺ : لا تفعل، بع الجمع بالدراهم، ثم ابتع بالدراهم جنيبا، فهذه الذريعة أمر رسول الله ﷺ بفتحها. ٥- أباحت الشريعة دفع المال للعدو لتخليص الأسرى مع أن في دفع المال إليه تقوية له، وهي حرام؛ لأنه إضرار بالمسلمين لكن مصلحة الأسارى أعظم نفعًا، لأنها تقوية للمسلمين من ناحية أخرى. ٦- تسعير ما يباع في الأسواق من نحو الأقوات فإنه ذريعة إلى حماية العامة أن يغينوا ويغلي الباعة عليهم ما يحتاجون إليه في كل يوم، فالإذن بالتسعير فتح ذريعة إلى مصلحة اقتصادية لا يستهان بها. ٧- جواز حفر بئر في مكان لا يتضرر فيه غالبًا؛ لأن الفساد في حفرها يعتبر نادرًا، وبذلك كانت المصلحة في حفرها أرجح من احتمال ما قد يحدث نادرًا من سقوط أحد فيها.

стр. 15336

ب -أمثلة لسد الذراع: لقد قمنا أثناء عرضنا لهذا البحث بذكر أمثلة متعددة لسد الذرائع وفتحها عند مختلف المذاهب، سواء في تعريفنا للذرائع، أو في أقسامها، أو موقف أئمة المذاهب منها، كما بينا أن القرافي يقول: إن الذريعة كما يجب سدها يجب فتحها، وتكره وتندب وتباح. والذريعة هي الوسيلة فكما أن وسيلة المحرم محرمة فوسيلة الواجب واجبة. واستجابة لما طلب منا في العنوان الثامن فهذه بعض الأمثلة لسد الذرائع: ١- مثال ما يؤدي إلى: أنظرني أزدك: لو اشترى ثوبًا بعشرة إلى شهر ولما حل الأجل جاء البائع يطلب العشرة ولم يكن عند المشتري ما يوفيه، فقال له: بعني سلعة يكون ثمنها عشرة نقدًا بخمسة عشر إلى أجل، لم يجز؛ لأنه يؤول إلى: أنظرني أزدك، وبيان ذلك: أن الزيادة في ثمن السلعة إنما كانت لتأجيل العشرة. وأصل هذه الصورة: قول مالك: في الموطأ: " فالرجل يكون له على الرجل مائة دينار إلى أجل، فإذا حلت قال له الذي حل عليه الدين: بعني سلعة يكون ثمنها مائة دينار نقدًا بمائة وخمسين إلى أجل: هذا بيع لا يصح، ولم يزل أهل العلم ينهون عنه " وقد بين الإمام مالك ﵀ علة النهي بقوله: " وإنما كره ذلك لأنه إنما يعطيه ثمن ما باعه بعينه ويؤخر عنه المائة الأولى إلى الأجل الذي ذكره آخر مرة، ويزداد عليه خمسين دينارًا في تأخيره عنه. فهذا مكرره ولا يصلح، وهو أيضًا يشبه حديث زيد بن أسلم في بيع أهل الجاهلية، إنهم كانوا إذا حلت ديونهم قالوا للذي عليه الدين، إما أن تقضي وإما أن تربي، فإذا قضى أخذوا، وإلا زادوهم في حقوقهم وزادوهم في الأجل" (١)

стр. 15337

٢- ومثال ما يؤدي إلى بيع ما لا يجوز متفاضلًا: إذا اشترى ما باعه بعشرة دنانير لأجل، بثمانية، نقدًا أو لدون الأجل، أو بثمانية، أربعة منها نقدًا وأربعة مؤجلة لدون الأجل الأول، لم يجز، لما يؤول إليه العقد من بيع ما لا يجوز متفاضلًا، وبيانه: أنه لما عادت السلعة إلى يد صاحبها اعتبرت ملغاة، وآل أمر العقدين إلى دفع ثمانية دنانير معجلة في عشرة مؤجلة. ٣- مثال الحيل: كل أمثلة للذرائع إلى الربا أو إلى الممنوع بوجه عام يمنعه العلماء ولو لم يقصد العاقدان أو أحدهما التوصل إلى المحظور، فلو وجد القصد الفاسد منهما أو من أحدهما كانت الذريعة أولى بالمنع، وتدخل حينئذ في باب الاحتيال، ولما كانت الحيل الفاسدة مناقضة لسد الذرائع كان المنع منها من تطبيقاته المهمة عندهم، وقد فرق الشاطبي بين الحيل المحرمة والأخرى الجائزة، وضبط الأولى بأنها التي تهدف أصلًا شرعيًا، أو تناقض مصلحة شرعية، من إحلال حرام أو تحريم حلال أو إسقاط واجب. ٤- منع بيع العنب لمن يتخذه خمرًا لما فيه من المعاونة على الإثم، قال تعالى: ﴿وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: ٢] ولو وقع البيع فهو باطل إن علم البائع قصد المشتري ذلك، إما بقوله وإما بقرائن مختصة به، تدل على ذلك، وإن كان الأمر محتملًا كأن يشتريه من لا يعلم حاله أو من يصنع الخل والخمر معا ولم يلفظ بما يدل على إرادة الخمر، صح. وهكذا الحكم في كل ما يقصد به الحرام، كبيع السلاح لأهل الحرب، أو لقطاع الطرق أو في الفتنة، وكذا بيع الأمة أو إجارتها لأجل الغناء، وإجارة داره أو دكانه لبيع الخمر فيها، أو لتتخذ كنيسة أو بيت نار أو أشباه ذلك من العقود التي يحكم عليها بالحرمة والبطلان. ٥- منع خلوة الرجل بأجنبية لأنه ذريعة للزنا بها، لحديث: ((إياكم والدخول على النساء)) قال رجل من الأنصار: يا رسول الله أفرأيت الحمو؟ قال ((الحمو: الموت)) (١) . والحمو: أخو الزوج. والخوف من أخي الزوج أكثر من غيره لتمكنه من الوصول إلى المرأة والخلو بها من غير أن ينكر عليه.

стр. 15338

خلاصة البحث لما كان من الواجب على المسلم أن يتعرف طريق معرفة حكم الله في أي أمر من الأمور لاستخراج الأحكام من ينابيعها، كذلك وجب أن يتعرف على الأدلة التي نصبها الشارع لمعرفة الأحكام وهذه الأدلة كثيرة منها سد الذرائع. والأصل في أدلة الأحكام هو النصوص، وهي الكتاب والسنة، وبقية المصادر ومنها سد الذرائع وهي كلها راجعة إليها. والذرائع جمع ذريعة وهي لغة الوسيلة التي يتوسل بها إلى الشيء، وفي الاصطلاح الشرعي ما تكون وسيلة إلى الممنوع شرعًا، ومعنى سد الذريعة منعها بالنهي عنها، والذريعة كما يجب سدها يجب فتحها، وتكره وتندب وتباح، وكما أن وسيلة المحرم محرمة فوسيلة الواجب واجبة. وقد تكون وسيلة المحرم غير محرمة إذا رجح فيها جانب المصلحة، وهي مبنية على الظنون، فكلما كان الغالب صدق الظنون بنيت عليه مصالح الدنيا والآخرة. وفتح الذرائع لم يكن محل خلاف بين العلماء، بل الذي وقع فيه الخلاف هو سد الذريعة وما ورد من أن أصل الذرائع متفق عليه لا يناقض من أن هناك خلافًا في التسمية، وطريق التخريج ومجال التطبيق في الجزئيات، ويؤكده ما ذكره القرافي من تقسيم الذرائع إلى أقسام ثلاثة: ما أجمعت الأمة على سده، وما أجمعت الأمة على عدم منعه، وقسم اختلف فيه العلماء كبيوع الآجال. والفرق بين السبب والذريعة، أن السبب ما وقع شرعًا لحكم لحكمة يقتضيها ذلك الحكم، كما كان النصاب سببا لوجوب الزكاة، بينما سد الذرائع هو كون الفعل مما يفضي إلى النتيجة الضارة التي يأباها الشارع. أما الفرق بين الوسيلة والذريعة: فالمالكية لا يرون فرقًا ظاهرًا بين الذريعة والوسيلة فإذا كانت الذريعة من منع الجائز الذي يؤدي إلى فعل محظور وتحريم الوسائل يؤدي إلى نفس المعنى. والشافعي الذي يقول بجواز بيع العينة لأنه يشتمل على عقدين صحيحين، يحرمه إذا تحقق مقصد التحيل فكان عند ذلك وسيلة إلى المحرم.

стр. 15339

أما الفرق بين الحيلة والذريعة: فالحيلة تقديم عمل ظاهر الجواز لإبطال حكم شرعي وتحويله في الظاهر إلى حكم آخر، وفرق العلماء بين نوعين من الحيل. النوع الأول: ما يهدم أصلًا من الأصول التي اعتبرها الشارع أو يناقض مصلحة من المصالح التي راعاها الشارع فهذا نوع حرام وممنوع. النوع الثاني: ما لا يهدم أصلا شرعيًا ولا يناقض مصلحة، وقصد به إحياء حق أو دفع ظلم كالنطق بكلمة الكفر إكراها بقصد إحراز الدم، فهو حلال وقد قسمت الحيلة تقاسيم كثيرة لاعتبارات متعددة. والفرق بين المقاصد والذرائع: أن المقاصد هي الأمور المكونة للمصالح والمفاسد في أنفسها أما الوسائل فهي الطرق المفضية إلى المقاصد، وحكمها كحكم ما أفضت إليه غير أنها أخفض رتبة من المقاصد. والفرق بين الغلو في الدين وبين الذريعة: أن الغلو في الدين موقعه المبالغة في إلحاق المباح بمأمور به أو بمنهي عنه شرعًا ـ أو إتيان عمل شرعي بأشد مما أراد به الشارع بدعوى خشية التقصير عن مراد الشارع. وأركان الذريعة ثلاثة: ١- الوسيلة وهي الأساس الذي تقوم عليه الذريعة. ٢- الإفضاء وهو الذي يصل بين طرفي الذريعة. ٣- المتوسل إليه وهو الممنوع والمتذرع إليه. أقسام الذرائع باعتبار الحكم هي أقسام ثلاثة عند القرافي: ما أجمعت الأمة على منعه وما أجمعت الأمة على عدم منعه وما هو محل اختلاف العلماء، وأربعة أقسام عند الشاطبي وهو يقول إن قاعدة الذرائع متفق عليها بين المذاهب وإنما الخلاف عنده في تحقيق المناط. وعند ابن القيم هي أقسام أربعة كذلك بالنسبة إلى نتائجها: وكون مصلحة الفعل أرجح من المفسدة أو تكون المفسدة أرجح من المصلحة. وإن الأخذ بالذرائع أكثر منه الإمامان مالك وأحمد بن حنبل، ودونهما في الأخذ به الإمامان الشافعي وأبو حنيفة النعمان ولكنهما لم يرفضاه جملة.

стр. 15340

مالك وسد الذرائع: سد الذرائع من الأصول المهمة في مذهب مالك وهو أكثر المذاهب اعتمادًا على رعاية مصالح الناس، وليست الذريعة إلا تطبيقًا عمليًا من تطبيقات العمل بالمصلحة، ويعتبر مالك أن سد الذرائع هو سد وسائل الفساد، فكل ما يؤدي إلى الفساد غالبًا فهو ممنوع من غير تقيد بكون ذلك الفساد قد نص عليه بنص خاص أو كان داخلًا في النهي عن الضرر والضرار، والذرائع ينظر فيها إلى نتائجها فإن كانت فسادًا وجب منعها وإن كانت مصلحة وجب الأخذ بها. مذهب أحمد بن حنبل في سد الذرائع: إن الإمام أحمد بن حنبل يعتبر سد الذرائع أصلًا صحيحًا في مجال التأصيل والاعتماد عليه دليلًا عليه في ميدان التطبيق؛ لأنه أصل أثبتت صحته النصوص من الكتاب والسنة وعمل السلف من الصحابة والتابعين ـ وإذا لم يجد نصًا لجأ إلى الأصل الخامس وهو القياس فاستعمله، ويدخل في جملة القياس الصحيح عند الحنابلة رعاية المصالح، ومن وجوه العمل بها سد الذرائع وفتحها ـ فهو ينظر إلى المآلات فيقررها ويمنع كل ما يؤدي في مآله إلى محرم.

стр. 15341

مذهب الإمام الشافعي في سد الذرائع: أبطل الشافعية العمل بسد الذرائع لسببين أثنين: الأول: أن سد الذرائع مظهر من مظاهر الاجتهاد بالرأي، وهم لا يأخذون منه إلا بالقياس، وإن الاجتهاد بالاستحسان وغيره من الوسائل التي لا تعتمد على نص ثابت ومنها سد الذرائع اجتهاد باطل لا يمت إلى الشرع بصلة؛ لأن الأخذ بسد الذرائع أخذ بالظن، والشريعة عنده ظاهرية تنظر إلى صورة الأفعال ومادتها لا إلى مآلاتها أو بواعثها إذا لم يكن هناك دليل ظاهر على المآلات والبواعث. مذهب الحنفية وسد الذرائع: لا يقول الحنفية بسد الذرائع ولا يعني عدم ذكر الحنفية لسد الذرائع ضمن أصولهم عدم اعتبارهم لصحة العمل به. وذلك لأمرين. ١- قولهم بالاستحسان وهو باب يدخلون منه إلى العمل بالمصلحة وسد الذرائع. ٢- عملهم بسد الذرائع بالفعل في فروع كثيرة. مذهب ابن حزم في سد الذرائع: أنكر ابن حزم سد الذرائع بناء على نزعته الظاهرية التي تقف عند حد ظواهر النصوص، وتبطل كل أدلة إلى أي من القياس والاستصلاح وما يتصل بها من استحسان وسد الذرائع. هذا وقد ذكرنا في تعرضنا لكل مذهب أدلته والأمثلة التي اعتمدها في بناء مذهبه، كما تعرضنا إلى مقارنة بين كل المذاهب الخمسة التي ذكرناها مع بيان محل الاتفاق ومواطن الاختلاف. كما ذكرنا أمثلة من الغلو في سد الذرائع التي ظهرت في مذهب مالك وانتقدها بعض العلماء. ثم تعرضت إلى أمثلة من فتح الذرائع وأمثلة من سد الذرائع بدون تقيد بمذهب من المذاهب. والله أعلم. مصطفى كمال التارزي

стр. 15342

مقارنة بين الذرائع والحيل ومدى الوفاق والخلاف بينهما إعداد حمداتي شبيهنا ماء العينين مكلف بمهمة بالديوان الملكي المغربي بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ تقديم: عندما ازدهرت الحضارة الإسلامية، استقطبت كل التطلعات الإنسانية، ثم امتد إشعاعها إلى غير الرقعة الإسلامية فأصبح الفكر الإسلامي إنتاجا حضاريا يتفيأ ظلاله بنو الإنسانية من غير المسلمين، لما قدم إليهم عطاءات تسامت بالإنسان، فاستلت رواسب الجاهلية العمياء، فمكن هذا الازداهار من نهضة علمية، لم تعرف لها الإنسانية مثيلًا قبل فقهاء الإسلام من خلال تعمقهم في الدراسات القرآنية والسنية، قال الله تعالى حاثا على التدبر في معاني القرآن والاستفادة من محتوياته: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآَنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ [محمد: ٢٤] . وقال عز من قائل ﴿فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آَتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا﴾ [الأنبياء: ٧٩] . وقد حث النبي ﷺ على الفهم والاجتهاد في قصة معاذ بن جبل عندما وجهه إلى اليمن، هذا التوجيه الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تمسك به السلف الصالح، فكرسوا مواهبهم ومعارفهم لتقريب بعيد القرآن إلى عقول المسلمين ووضعوا ـ منهج التعامل، ليحاول العالم الاستفادة منه بطرق من المصطلح انفرد بها المسلمون وحدهم من بين جميع أهل الكتاب، وإذا سلكنا اليوم طريقهم وتتبعنا مناهجهم، تمكنا من فهم كثير من الأحكام حسب تطور وقائعها عبر الزمان ـ واستلمنا القيادة الفكرية لعالم حائر ومنفعل لا يدري أين يضع قدميه.

стр. 15343

فالأحكام المأخوذة من الكتاب والسنة، أو المستنبطة من تلك النصوص هي: التي أعطت تلك السابقة الحضارية وهي وحدها الكفيلة إعادة الكرة اليوم لأول أمرها بالأمس. فعلماء الإسلام حاولوا إيجاد الحلول لكل الوقائع التي تقذف بها الحياة إلى حاضر الإنسان، فخلص ذلك الإنسان من كثير من الضيق والحرج، وتبينت له الطريق المستقيم، ولقنته بعض الحيل لتجنبه الحرج في تطبيق حكم متشدد، مثل حيلة أيوب ﵇، وحيل يوسف مع إخوته، من خلال هذا المنهج القرآني اجتهد كثير من العلماء، إما ليجد مندوحة يخفف بها على المسلم تطبيق مباح لا تظهر فيه منفعة توازي ما يمكن أن ينجم عنه من مضرة، فنشأ بسبب هذا مبدأ الحيل التي تميز بأكثريتها الفقه الحنفي، ثم وقع الاتفاق على البعض منها ونشأ خلاف كبير حول أكثريتها، كما برز مبدأ آخر وأصل من أصول الفقه أطلق عليه: الذرائع، فوقع الاتفاق على بعض صوره أيضًا، بينما اختلف في كثير من حالاته، وقد تميز به المالكيون، وإن كان بعض فقهاء الحنبلية وافقهم في كثير منها، فلقد وجدت طائفة أن تطبيق بعض النصوص الظنية الدلالات على حالات لا يقطع بحصول المصلحة منها، وتوجد مظنة راجحة لنشوء المفسدة منها، ينبغي العدول عنه سدًا لذريعة ما يمكن أن ينشأ عن تطبيقها من مفسدة، ولمزيد من الإيضاح سأقسم هذه الدراسة إلى المباحث التالية: المبحث الأول: تعريف موجز بالذرائع وبعض أحكامها العامة المبحث الثاني: الذرائع في المذهب المالكي وموقف بقية المذاهب منها. المبحث الثالث: العلاقة بين الحيل والذرائع ومدى التوافق والاختلاف بينهما. ثم ننهي هذا العرض بخاتمة تكون صالحة للنشر والترجمة بحول الله

стр. 15344

المبحث الأول تعريف موجز بالذرائع وبعض أحكامها التعريف: الذريعة جمع ذرائع يقال هو ذريعتي عند فلان بمعنى وسيلتي، وتأتي بلفظ (الذرعة) وتذرعت بفلان عند فلان تشفعت به عنده، وهي تؤدي معنى الوسيلة، ولذا يقال الوسيلة فيقصد بها الذريعة، وتقال الذريعة وتقصد بها الوسيلة، لتشابه ما ترميان إليه، (انظر التعريف اللغوي للذريعة في لسان العرب) . أما عن مكانتها ووصفها ففيه خلاف، والراجح فيه أن الذريعة أصل من الأصول التي ذكرتها الكتب المالكية والكتب الحنبلية، بينما في المذاهب الأخرى لم ترد تحت هذا العنوان، وأيضًا المسميات التي وردت عليها يوجد فيها توافق واختلاف مع الصيغ والأحكام التي وردت عليها في المذهبين المالكي والحنبلي وفي الاصطلاح هي الطريق إلى الحرام، أو الحلال، ولذلك تأخذ حكمها مما أفضت إليه، فإذا كان حرامًا حرمت، وإذا كان مباحًا أبيحت، وإذا كان واجبًا وجبت؛ لأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، لذا فانتبه. وقد ثبت الأخذ بالذرائع وإعطاؤها حكم ما تؤول إليه بالكتاب، وهو قول الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا وَاسْمَعُوا﴾ [البقرة: ١٠٤] لأن اليهود اتخذوا من لفظة راعنا ذريعة شتم النبي ﷺ فنهى الله المسلمين عن ذلك سدا للذريعة، ومن السنة كف النبي ﷺ عن قتل المنافقين حتى لا يقال إن محمدا ﷺ قتل أصحابه. ومن ذلك أيضا أن النبي ﷺ نهى الدائن عن أخذ هدية من المدين حتى لا يجر ذلك إلى الربا وجعل الهدايا في محل الفوائد. وقال القرافي: إن السلف الصالح من الصحابة ورثوا المطلقة طلاقا بائنا في مرض الموت لكيلا يكون ذلك الطلاق ذريعة للحرمان من الميراث. ومنها النهي عن قطع أيدي السارقين في الغزو حتى لا يلتحقوا بالمشركين، ولأجل ذلك قال ابن القيم: يمنع أمير الجند من إقامة الحدود أيام الحرب مع الكفار. ومنها النهي عن الاحتكار فقال ﵊: لا يحتكر إلا خاطئ؛ لأن الاحتكار ذريعة إلى أن يضيق على الناس، ومن ذلك نهى النبي ﷺ الرجل عن شراء صدقته ولو وجدها تباع في السوق سداّ لذريعة العود فيها، وحتى لا يعود فيما خرج من يده ولو بعوض، وقد يكون ذلك ذريعة للتحايل على الفقير بأن يدفع إليه صدقة ماله ثم يستردها بطريق الشراء بغبن فاحش!

стр. 15345

ولاحظ ابن القيم أن الذرائع اتبع جلها لدفع الفساد، وأيضا يوخذ بها لجلب المنافع، وهذا يؤيده ما قال القرافي من أن الذريعة كما يجب سدها يجب فتحها، وتكره وتباح وتندب كما سيأتي قريبا عن القرافي في كتابه الفروق، فهي حرام إن كان أداؤها للفساد قطعيًا، ومثل ابن القيم لهذه الحالة بمن يعمد إلى حفر بئر قريب من باب داره في طريق مظلمة، فهذه مظنة قطعية لسقوط المارة فيها فيجب منعه من ذلك سدا لذريعة ما يجره من فساد، فإذا كان أصل الفعل مأذونا فيه ولكن سيجر إلى فساد مقطوع به، فإنه يكون ممنوعا هنا بإجماع فقهاء المسلمين بسبب الضرر الذي سيترتب عليه، فيرجح جانب الضرر على جانب النفع الشخصي الذي يمكن أن يحصل لصاحب البئر أو غيره من أصحاب الأمثلة التي ذكرنا. القسم الثاني: الذي لم تسد فيه الذريعة هو احتمال ضرر بعيد، يمكن أن تأتي في استخدام وسيلة للحصول على غرض مباشر ومؤكد مثل غرس العنب، فلا تسد الذريعة فيه خشية أن يعصر منه خمر؛ لأن ما يترتب على الفعل من منافع أكثر مما يمكن أن يتولد عنه من مضار فهذا النوع من الأعمال حلال لا شك فيه. القسم الثالث: أن يكون الغالب على الظن ترتب المفسدة على الفعل لا من باب العلم القطعي ولكن من باب الظن الغالب، ففي هذه الحالة يرى الشاطبي، ونقل عنه أبو زهرة أن الظن الغالب يقدم ويؤخذ به، فيكون سد الذريعة أحوط حتى لا يقع الفساد؛ لأن الاحتياط في الاحكام الظنية أن تجري مجرى الأحكام القطعية، درءا لما يمكن أن يترتب عن الاحتمال من الراجح من وقوع الفعل المحرم (١) . القسم الرابع: أن يكون أداؤه إلى الفساد كثيرًا، ولكن كثرته لم تبلغ الظن الغالب للمفسدة ولا العلم القطعي كالبيوع التي تتخذ ذريعة للربا، فهذه الحالات تأديتها للفساد كثيرة، فرأى مالك وأحمد أن سد الذريعة فيها واجب، وهذا القسم كما سنشاهد موضوع اختلاف بين العلماء. فهل يحرم الفعل ترجيحا للفساد، أم لا يحرم ويؤخذ بأصل الإذن بالفعل؟ فالشافعي وأبو حنيفة رجحا جانب الأخذ بالأصل المباح ومالك وأحمد غلبا جانب الفساد المحتمل احتمالا قويا وقالا بسد ذريعته. هذه التعريفات والتوضيحات يدرك منها أن الذريعة ما كان من قول أو فعل طريقا مؤديا إلى غيره، واصطلاح مفهوم سد الذرائع هو: منع ما يجوز حتى لا يسوق في تطبيقه إلى فعل ما لا يجوز، وكونه أصلا من أصول الشريعة لا خلاف فيه، ولكن التوسعة في تطبيقه نسبت إلى الإمام مالك بسبب تحرياته وحذره ثم توسع المالكية في سدها من بعده في كثير من المعاملات التي خالفهم جل فقهاء الأمصار في موقفهم منها، وإن كانوا لا يخالفونهم في أصل القول بالذرائع في الحدود التي يسوق فيها تطبيق الحالات المباحة إلى أرجحية الوقوع في المفسدة المنهي عنها (٢) . ولقد مثلنا في عدة فقرات من هذا البحث بالحالات التي وقع الإجماع عليها وقسمها ابن القيم أربعة أقسام هي:

стр. 15346

١- ذريعة تؤدي إلى المفسدة بدون شك وتلك مجمع على وجوب سدها كشرب المسكر والزنا وهذه محرمة بوسيلتها وغايتها. ٢- ذريعة مباحة بحسب أصلها، ولم يستعملها المكلف في غير ما وضعت له، لكنها قد تجر إلى مفسدة إلا أن المصلحة فيها أرجح مثل النظر إلى المخطوبة، وكلمة الحق عند الحاكم الجائر فهذا النوع مستحب وقد يجب أحيانًا؛ لأن احتمال المفسدة فيه مرجوح، والاحتمال المرجوح لا يعتد به. ٣- ذريعة مباحة بحسب أصلها، ولم يقصد بها المكلف غير ما وضعت له، لكنها تسوق حسب الغالب إلى المفسدة، كسب أصنام المشركين أمامهم خصوصا إذا كان سيدفعهم إلى سب الله فابن القيم سجل الإجماع على المنع سدا لذريعة ما يمكن أن يجر إليه من مفسدة راجحة، فمن ذلك قول الله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا وَاسْمَعُوا﴾ [البقرة: ١٠٤] الآية، ومن ذلك أيضا ما قال النبي ﷺ : ((إن من أكبر الكبائر أن يلعن الرجل والديه)) قالوا: يا رسول الله وكيف يلعن الرجل والديه؟ قال: ((يسب الرجل أبا الرجل فيسب أباه، ويسب أمه فيسب أمه)) متفق عليه واللفظ للبخاري عن عبد الله بن عمر، ومنها نهي النبي ﷺ عن الشبهات بقوله ﵊: ((الحلال بين والحرام بين، وبينهما أمور مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس، فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام كراع يرعى حول الحمى يوشك أن يقع فيه.)) . ٤- ذريعة مباحة بحسب الأصل ولكن المكلف قصد بها التوسل إلى مفسدة كهبة المال على رأس الحول فرارا من الزكاة، وعقد نكاح المحلل وبيع العينة، فأصل هذه المسائل مباح، ولكن استخدام المكلف لها في هذه الصور والغايات جعلها محرمة، ولا خلاف في وجوب سد ذريعتها بين أئمة الدين لوضوح وجه المفسدة التي تفضي إليه. ونختم هذا المبحث بملخص لكلام ابن القيم في تعريفه لسد الذرائع فقال: لما كانت المقاصد لا يتوصل إليها إلا بأسباب وطرق تفضي إليها كانت أسبابها وطرقها تابعة لها معتبرة بها، فوسائل المحرمات والكراهة يجب المنع منها بحسب إفضائها إلى غايتها وارتباطاتها، ووسائل الطاعات والقربات يجب الإذن بحسب إفضائها إلى غايتها، فوسيلة المقصود تابعة للمقصود.

стр. 15347

المبحث الثاني الأحكام العامة للذرائع إن فتح الذريعة أو سدها يترتب بحسب الأثر الذي ينجم عن استخدام الذريعة فيحكم عليها بحسب الهدف الذي يتحقق إما باستعمال سدها أو تطبيق فتحها، فإذا تمسكنا بسدها ولم نقم بعمل مفيد راجح المنفعة فتخلينا عنه سدا لذريعة ظن بعيد ففاتتنا المصلحة المحققة خشية الوقوع في احتمال بعيد الوقوع لمفسدة، كان هذا السد مذموما لأنه فوت مصلحة محققة خشية الوقوع في مضرة بعيدة الاحتمال، وإذا فتحنا الذريعة بتطبيقها من أجل البلوغ إلى مصلحة ظنية الوقوع بعيدة احتمال التحقق أيضا يكون سدها أفضل من فتحها، ومن هنا يمكننا أن نقول بان سد الذريعة أو فتحها أمور نسبية تستخدم بحسب كل حالة على حدة، فليس لدينا قاسم مشترك يمكننا من فتح الذريعة فيكون فتحها محمودا إذا تحقق أو العكس، بل الدراسات والقواعد والتطبيقات في مختلف المصادر التي بين أيدينا تجعل نسبية الذريعة في الفتح أو السد هي الحكم الأسلم، ولعل مواقف الفقهاء التي سنسوقها تباعا توضح لنا ذلك. إننا نجد بعض فلاسفة الغرب يتخذ الذريعة الباطلة إلى إدراك المصلحة شيئا مقبولا فهذا الفيلسوف الألماني (نيتشه) قرر أن الباطل إذا كان وسيلة ناجحة لحفظ الحياة، كان خيرا من الحقيقة، وهذا يسير قريبا من المبدأ الذي أباح فك أسرى المسلمين بمال يعطي لسلطان الكفار، فإعطاء المال للكفار حرام، ولكن إذا قصد به إحياء الأرواح المسلمة، كان جائزا على أن المبدأ الفلسفي لا يبقى على إطلاقه في كل الأشياء، إذ توجد بعض الغايات لا يجوز استعمال الوسيلة الباطلة لتحقيقها، فمن شارك في اليانصيب ليبني مسجدًا، أو مدرسة بالمال المتحصل منه، فشرف الغاية ونبل المقصد هنا لا يبرر استخدام تلك الذريعة المحرمة، بل الذي يجوز هو دفع خطر محقق يعرض روح الإنسان أو ماله لخطر لا مفر منه، إذا لم تستخدم تلك الوسيلة شريطة أن لا تكون لمن يستخدمها طريقة غيرها تمكنه من تجنب الخطر. ولكن الفلاسفة تنزلق نظرياتهم عن الصواب عندما نجد هدفهم هو تحقيق النتيجة ليس شيئا غيرها، ذلك أنهم يطلبون هدفا معينا ولا تهمهم الوسائل أو الذرائع التي يمكن أن تستخدم لتحقيقه، فعندهم أن " أية فكرة أو رأي أو اعتقاد ما دام للإنسان فيه قيمة علمية فهو ذريعة بصرف النظر عن كونه صحيحا أو باطلا أو خطأ حقيقيا أو وهميا " (١) . إذا كانت الذرائع في هذا المذهب لا تهتم بالأحكام، فإنها تهتم باستخدام الجانب اللغوي للذريعة كوسيلة من وسائل البحث العلمي إما عن الذات أو الأفكار، والآراء وبالتالي يبين أن الذريعة من المسميات، التي استخدمتها جل المعارف الإنسانية. أما فقهاء الإسلام فإنهم بحثوها كما سلف في المقدمة انطلاقا من الغرض الذي يوصل إليه فتحها، وسدها فبما أن الذريعة هي الوسيلة، فإنها أصبحت ينظر إليها بحسب ما يمكن أن ينشأ عنها من المقاصد، لذلك كلما سقط اعتبار المقصد سقط اعتبار الوسيلة.

стр. 15348

الذريعة عند المالكية: قال القرافي بالحرف: " تفرع عن هذا الفرق فرق آخر، وهو الفرق بين كون المعاصي أسبابا للرخص، وبين قاعدة مقارنة المعاصي لأسباب الرخص، فإن الأسباب من جملة الوسائل، وقد التبس هاهنا على كثير من الفقهاء، ولذلك العاصي بسفره ليست لديه رخصة الصوم ولا قصر الصلاة، فهذه الأعمال الغير مشروعة يجب فيها سد الذريعة". ومن الرخص التي قال المالكية بعدم جوازها سدا لذريعة المعاملات الربوية، أنواع من عقود " ضع وتعجل " ومن أمثلة ذلك الخلاف الحاصل في أن من باع شيئا ما، كما إذا اشترى بضاعة بمائة درهم إلى أجل ثم ندم البائع فسأل الإقالة، ودفع مقابلها عشرة دراهم نقدا أو إلى أجل، فالمالكية منعوا ذلك فرارا من سلف جر منفعة، ومن هذه الصور: أن يبيع الإنسان الشيء بثمن ثم يشتريه بأقل من ثمنه الأول نقدًا، ليستقر في ذمته الفرق بين الثمن الأول والثاني دون مقابل، فعند مالك هذا غير جائز، والشافعية قال بعضهم إنه استئناف بيع جديد ولا بأس به، وعند مالك لم يجزه خوفا من أن يكون سلفا جر نفعًا، أو بيع الذهب بالذهب بالتفاضل، أما إن كان البيع ثم بنقد الثمنين ثم وقعت مبايعة أخرى خفض فيها أحدهما ما أخذ سواء بأجل أو بغير أجل، فهذا لا خلاف في جوازه؛ لأنه لا يمكن أن يحسب ذريعة لأحدى المخالفات المنصوص عليها في البيوع. ومن ذلك أيضا بيع طعام بطعام قبل القبض، منعه مالك وأبو حنيفة، وأجازه الشافعي والثوري والأوزاعي، وحجة من لم يجزه أنه شبيه ببيع الطعام نساء، والذين أجازوا فسروه بغير ذلك الافتراض، إذا قالوا: لا فرق بين أن يشتري الطعام من غير المشتري، وبين أن يشتريه من عنده هو نفسه، واعتبره مالك ذريعة إلى بيع الطعام قبل القبض، وقد ألحقت هذه الوقائع بباب الحيل المحرمة في كتابي الصورية بين الشريعة والقانون، وقد أتيت بها في باب الذريعة اقتفاء بكثير من العلماء الذين درسوها تحت اسم ذلك الباب، وتتجلى الذريعة من افتراض كثير من الصور منها: أن يشتري رجل من آخر طعاما إلى أجل معلوم، فإذا حل الأجل قال الذي عليه الطعام ليس عندي طعام ولكن اشتري منك الطعام الذي وجب لك علي، فقال له الآخر هذا لا يصح شرعًا؛ لأنه بيع الطعام قبل القبض، فيقول له بع طعاما مني وأرده إليك فتتم بذلك وسيلة جائزة في شكلها ولكنها جرت إلى محرم في جوهرها، هذه أيضا من الصور التي حرمها مالك سدا لذريعة المبايعات الربوية، وأجازها الشافعي لأن من قواعده عدم الأخذ بالتهم، فالذريعة في هذه الأشياء هي اتخاذ وسائل ظاهرة الجواز لتمرر بواسطتها تصرفات حرام، وقد أورد أحمد أمين في كتابه ضحى الإسلام صورا كثيرة لذرائع اتخذت، فأباح بعض فقهاء الأمصار بواسطتها تصرفات صريحة حرمتها في نصوص كثير من الآيات والأحاديث ونظريات كتب الأصول والفروع (١) .

стр. 15349

وأشار أبو زهرة في كتابة على الأصول بما مضمونة: ومن الذرائع المحرمة ما يكون أداؤه إلى الفساد كثيرا ولكن كثرته لم تبلغ مبلغ الظن الغالب للمفسدة، ولا العلم القطعي، وذلك كالبيوع التي تتخذ ذريعة للربا، كعقد سلم يقصده به عاقداه ربا قد استتر في بيع كأنه يدفع ثمنا قليلا لا يتناسب مع ثمن البيع وقت الأداء قاصدا بذلك الربا فإن هذا تأدية إلى الفساد أم أنه لا يؤخذ به فيفسد العقد ولا يحرم الفعل أخذا بالأصل، وهو الإذن بالفعل، فأبو حنيفة والشافعي رجحا جانب الإذن ولم يحرما الفعل ولم يفسدا التصرف، وذلك لأن الفساد ليس غالبا فلا يرجح جانبه؛ لأن أساس التحريم أو البطلان هو أنه ذريعة إلى باطل فاسد حرام، ومع عدم الغالبية أو القطعية، لا يكون العقد أو الفعل ذريعة للبطلان فلا موجب للتحريم؛ لأن الأصل هو الإذن ولا يعدل عنه إلا بقيام دليل على الضرر فيه، وما دام الأمر ليس غلبة الظن فإن أصل الإذن باق (١) . هذا عن بعض آراء الحنفية والشافعية في الموضوع حيث لم يترددا في قول يسوق إلى ترك المباح خشية أن تجر بعض صور تطبيقه إلى المحرم ودون القطع على ذلك، وهذا الموقف اتسم بواقعية كبيرة في نظري حول ممارسة المسلم لتصرفاته داخل دائرة المباح مع التسلح بسلاح التشبث بأوامر الشرع كرادع عندما تصل الأمور إلى إمكانية الوقوع في الحد الأدنى من الحرام.

стр. 15350

أما الإمام مالك وأحمد فإنهما نظرا إلى الموضوع من وجهة نظر أخرى، حيث اتبعا قاعدة الراعي حول الحمى يوشك أن يقع فيه واحترازا من إمكانية انتهاك حدود الله، يتعاطى بعض المعاملات المنصوص على حرمتها، فإنهما قالا بمنع التصرفات التي يمكن أن تجر إليها، سد لذريعة انتهاك الحرمة الوارد فيها نص قطعي، فقررا أن الفعل إذا حصل مشوبا ببعض تلك العيوب السالفة فإن العقد يبطل والتصرف يحرم، للاحتياط لأنه مع كثرة الضرر مع أصل الإذن، فإن ذلك ينجم عنه وجود أصلين هما: الإذن الأصلي، والأصل الثاني، ما في الأصل أو العقد من كثرة الإضرار بغيره فيرجح حينئذ جانب الضرر لكثرة المفاسد؛ لأن دفع المضار مقدم على جلب المصالح، ويستشهد لهذا الرأي بآثار صحيحة وردت بشأن تحريم أمور كانت في الأصل مأذونا فيها لأنها تؤدي في كثير من الأحوال إلى مفاسد، إن لم تكن غالبة ولا مقطوعا بها فإن الاحتمال القوي وارد في إمكانية حصولها، مثل الخلوة بالمرأة الأجنبية، وكسفر المرأة من غير مصاحبة زوجها أو ذي محرم منها فأتى التحريم عند أصحاب هذا الرأي نتيجة لما يترتب على ذلك الإجراء من مفاسد، ومع كثرتها ليست مقطوعة ولا غالبة، فأصبح سد الذريعة فيها أولى حتى لا يقع المسلم فيما تؤدي إليه من مفاسد وكذلك نهي النبي ﷺ عن البيع والسلف حتى لا يجر إلى الربا، وكما قلنا قبل بأن القرافي قال بأن هذه الحالات وصلت إلى أزيد من ألف، وعبر عنها بالذرائع وعزا لمالك سدها جميعا وخالفه الشافعي في ذلك كله. فمعنى هذه الذرائع في المذهب المالكي: هو حسم مادة الفساد دفعا لها، فمتى كان الفعل السالم وسيلة للمفسدة فمالك حرمه، قال ابن العربي إنه كل عمل ظاهره الجواز يتوصل به إلى المحظور كما فعل اليهود في احتيالهم لصيد الحيتان، ففي بيوع الآجال كما تقدم، مالك خشي أن يكون سلفا جر منفعة توصل إليه الطرفان بحيلة توهم أن الأمر يقتضي مبايعات تمت على الشروط التي يجب توافرها في أي عقد للبيع، أما الشافعي فحمل الأمر على الظاهر وترك ما في نيتهما إليه فالله الذي يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور.

стр. 15351

قال التنوخي في شرحة لكتاب زروق على الرسالة: " قال ابن الحاجب: بيوع الآجال لقب لما يفسد بعض صوره لتطرق التهمة إليه لأنهما قصدا إلى ظاهر جائز ليتوصلا به إلى باطل ممنوع، حسما للذريعة، واعترضه ابن عبد السلام لأنه تدخله كثير من المبايعات التي لا تدخل حتى في بيوع الآجال (١) . لظاهر فسادها مما يسهل على غير المشبعين بالروح الإسلامية أن يتعاطوا من خلالها كثيرا من أشكال عقود الربا، أو سلفا جر منفعة تحت شكل تلك الوقائع التي تبدو في الظاهر غير محرمة" قال أحمد بابا التنبكتي في شرحه نيل السول على مرتقى الأصول أثناء كلامه على الذريعة: " إذا أوصلتنا إلى أحسن المقاصد تكون محمودة، مثل السعي إلى الجمعة، أو الذهاب إلى الحج، ومثل عطش المجاهدين، وما يكتب لهم من أجر أثناء سيرهم إلى الجهاد بناء على قول الله ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لَا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلَا نَصَبٌ وَلَا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ﴾ [التوبة: ١٢٠] ٍ لقد حصل لهم هذا الثواب بسبب توجههم للجهاد، كما ثبت لأهل الحج أجر بمجرد التوجه إلى الديار المقدسة بنية الحج، وكذلك التوجه إلى المسجد للصلاة يكتب به أجر، وليس الذهاب إلى الجهاد أو الجمعة أو الحج من صميم تلك الفرائض الثلاثة، وإنما هي وسائل لتحقيقها فحمدت بسبب ما تؤدي إليه واكتسب من عملها أجر، ولهذا هذه الذرائع محمودة عكس التي تؤدي إلى محرم، واستدرك صاحب نيل السول استدراكا هو الذي نستشهد به من كلامه إذ قال: ولكن اتباع حكم الوسيلة لحكم ما افضت إليه ليس على إطلاقه، فقد تكون وسيلة المحرم غير محرمة لأنها أفضت إلى مصلحة راجحة كالتوصل إلى فداء أسارى المسلمين بدفع مال للنصارى، وإن كان حراما عليهم لأنهم مخاطبون عندنا بفروع الشريعة، وكدفع المال للمحارب حتى لا يقتتل مع صاحب المال ".

стр. 15352

أما قسم الذرائع الثالث الذي لا تظهر فيه مصلحة راجحة أو مقطوع بها، فإن مالكا حرمها، لأنها إما أن تسبب فعل الحرام أو إذاية محتملة احتمالا قويًا، وإلى ذلك أشار ابن عاصم في مرتقى الأصول في الضروري من علم الأصول بقوله: وقسمها الثالث عند مالك معتبر لديه في المسالك كمثل دعوى الدم دون الما ل في رأيه والبيع للآجال فدعوى الدم التي لا شهود فيها، غيره من العلماء قال بتوجيه اليمين فيها على المدعي عليه " المتهم " بينما مالك لم يوجه إليه فيها اليمين خشية إذاية أعراض الناس بسبب تهم لا حجة عليها، وقد اتبع في المال القاعدة المبنية على الحديث الشريف " البينة على المدعي واليمين على من أنكر " ففي هذه وافق غيره من فقهاء الأمصار وفي الأولى انفرد بسد الذريعة فيها اعتبارا لما بينا عنه حسب شارح مرتقى الأصول. وما اتفق عليه من سد الذرائع منع سب الأصنام عند من يعلم أنها إن سبت بمحضره سيسب الله، وإليه أشار ابن عاصم بقوله: وعندهم سد الذريعة انحتم في مثل الامتناع عن سب الصنم وكذلك اتفقوا على منع حفر الآبار في الطريق خشية سقوط المارة فيها فهذه وسائل اتفق العلماء على سدها. بينما لم يتفقوا في كثير من الحالات التي قال بها مالك. وأيضا لقائل أن يقول: إن السكنى المشتركة يمكن أن تؤدي للزنى، فهذا الأدعاء لم يقل أحد من الأئمة به وليس داخلا في حكم سد الذرائع خشية أن تجر للمخالفة أو للمضرة لأن احتمال ذلك التصور بعيد جدًا، ولا يوازي ما ينجم عن تلك الإجراءات من مصلحة، ولذلك إذا قربت المصلحة، وبعد شك المخالفة حصل الإجماع على عدم الأخذ بها حتى لا تعطل نظرية المباح الواسعة في الشريعة الإسلامية وإلى ذلك أشار ابن عاصم بقوله: وبعضها لم يعتبر كالحجر من اغتراس الكرم خوف الخمر إن المبالغة في سد الذرائع نسبه العلماء للمالكية ولكتب الحنبلية، ولكن الأحكام التي اشتملت عليها الذرائع في المذهبين المذكورين موجودة في غيرهما من كتب الحنفية والشافعية تحت مسميات أخرى، وإلى ذلك أشار القرافي في كتاب الفروق بما مضمونه، وربما عبر عن الوسائل بالذرائع وهو اصطلاح أصحابنا، وهذا اللفظ المشهور في مذهبنا " يعني مذهب مالك " وعرف سد الذرائع بأنه حسم مادة وسائل الفساد، فإذا كان الفعل مباحا ولكنه سيفضي إلى فساد منع عند المالكية.

стр. 15353

ثم قال القرافي: وليس سد الذرائع خاصا بالمذهب المالكي وحده كما توهم البعض، بل الذرائع ثلاثة أقسام: قسم أجمعت الأمة على سده ومنعه، وحسمه كحفر الآبار في طريق المسلمين فإنه وسيلة إلى إهلاكهم ومثل إلقاء السم في أطعمتهم، وكسب الأصنام عند من يعلم من حاله أنه سيسب الله تعالى عندما نسب تلك الأصنام، وقسم أجمع علماء الأمة على عدم سده، وذلك مثل زراعة العنب خشية أن يصنع منها الخمر فهذا لم يقل به أحد من علماء الأمة، وكذلك لم يقل أحد منهم بمنع التجاور خشية تعاطي الزنا هذه الحالات أجمعت الأمة على عدم استخدام الذريعة لسدها إطلاقا أما القسم الثالث فهو الذي اختلف فيه العلماء هل يسد أم لا؟ كبيوع الآجال، فمالك قال بمنعه، ومثل له القرافي بمن باع سلعة بعشرة إلى آخر الشهر ثم احتاج للدراهم ثم اشتراها بخمسة قبل الشهر، فقد خرجت من يده خمسة، ثم دفع فيها عشرة، وهذا سلف جر منفعة توسلا بصورة ظاهر البيع، ثم منع مالك هذه الحالة، بينما الشافعي أجازها لحمل الأمر على ظاهره الذي هو بيع سلعة بثمن مرتفع إلى أجل، وقال القرافي: إن هذه المسألة تفرعت عنها ألف مسألة اختص بها مالك، وخالفه الشافعي فيها جميعًا، وكذلك يقول القرافي اختلف في النظر إلى النساء هل يحرم لأنه يؤدي إلى الزنى أو لا يحرم، والمقصود من النظر نظر المرأة في لباسها بحيث لا يظهر من الحرة إلا وجهها ويداها، أما غير ذلك من جسم المرأة فيحرم النظر إليه إذا كان عاريا اتفاقًا. ومن ذلك الحكم بالعلم هل يحرم لأنه وسيلة للقضاء بالباطل، من طرق لقضاة المنحرفين، أو لا يحرم؟ وكذلك اختلف في تضمين الصناع لأنهم يغيرون أصل السلعة بصناعتهم فلا يعرفها ربها فهل يضمنون سدا للذريعة؟ أم لا يضمنون قياسا على غيرهم من الأمناء؟ فمالك قال بسد هذه الذرائع حسب ما نقله القرافي، ثم قال بأن الشافعي خالف المالكية فيها ولم يقل بسدها.

стр. 15354

وقال ابن الشاط: وحول قاعدة الوسائل وقاعدة المقاصد بأن حكم الوسائل يجب أن تنبني على قاعدة ما لا يتم واجب إلا به فهو واجب، قال ابن الشاط في عمدة المحققين هذا ليس على إطلاقه لأن ذلك مبني في الأصح على قاعدة أن ذلك غير لازم فيما لم يصرح الشرع بوجوبه. وكرر القرافي القول: بأن الذريعة كما يجب سدها يجب فتحها، وتكره وتباح وتحرم، وحول كثرة المسائل التي استخدمت فيها الذريعة أورد ابن القيم تسعة وتسعين مثلا لسد الذرائع كلها رفع الحكم بها إلى النبي ﷺ ، ولم يسجل خلافا في تلك المسائل، والتي منها على سبيل المثال: النهي عن سب الأصنام، عند من سيسب الله وقد تقدم الكلام عليه، ونهي النساء عن ضرب أرجلهن بعضها ببعض ليعلم ما يخفين من زينتهن فمنعن من ذلك لكيلا يكون ذريعة لإغراء الرجال على تعاطي الزنا معهن، وذلك لقول الله : ﴿لَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ﴾ [النور: ٣١] ومنها إلزام الموالي والأطفال بالإذن من لم يبلغ الحلم منهم في أوقات معينة خشية اطلاعهم على العورات وذلك لقول الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ﴾ [النور: ٥٨] ومنها عدم تنفير أعداء الله بالقول السيئ حتى لا يكون ذلك ذريعة لتنفيرهم من الإسلام، قال الله ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ [طه: ٤٤] وقال الله أيضا ﴿وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل: ١٢٥] ومن ذلك نهي الله عن البيع وقت صلاة الجمعة حتى لا يتخذ ذلك ذريعة للتهاون بها فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [الجمعة: ٩] ومن ذلك تحريم القليل من المسكر حتى لا يتخذ ذريعة لحسو الكثير، ومن ذلك النهي عن بناء المساجد على القبور لئلا تتخذ تلك القبور أوثانا يسوق الاعتقاد فيها عند من لا يعرف حكمه إلى الإشراك بها ومن تلك الصور أيضا تحريم الجمع بين الأختين والمرأة وخالتها حتى لا يتسبب ذلك في قطع الرحم بينهما.

стр. 15355

هذه نماذج من كثير من الوقائع التي كان سد الذريعة فيها محل إجماع عند كل الأئمة أتينا بها أثناء تحليلنا للأحكام العامة للذرائع لنبرهن بها على أن مبدأ الذرائع كأصل من أصول الفقه ليس عليه خلاف، وإن عدم المبالغة فيها أقرب إلى الإجماع، أما أحكام الذرائع عند المالكية والحنابلة فقد ذكرنا بعضها وسنبسط بعض القول فيها في الفقرات القادمة من هذا المبحث، لقد طبق ابن القيم سد الذريعة على كثير من أعمال الإنسان من عبادات ومعاملات، حتى أوصلها إلى ذلك العدد الذي أشرت إليه أعلاه ومن تلك الأمثلة حول سد الذريعة في المعاملات الجائزة حتى لا تسوق إلى تدليس أو غش قال: " الوجه الحادي والستون " أنه لا تتبع السلع حيث تباع حتى تنقل عن مكانها، وما ذاك إلا أنه ذريعة إلى جحد البائع البيع وعدم إتمامه إذا رأى المشتري قد ربح بها، فيغيره الطمع وتشح نفسه بالتسليم كما هو الواقع، واكمل هذا المعنى بالنهي عن ربح ما لم يضمن (١) ، وهذا من محاسن الشريعة وألطف باب لسد الذرائع.

стр. 15356

أما سد الذرائع عند الأصوليين، فمنهم من جعله دليلا وأدخله في مصادر الفقه، فالقرافي في تنقيح الفصول جعل تلك المصادر تسعة عشر، وعد الذريعة في الرقم الثالث عشر (١) وكذلك عدها صاحب البهجة عند مالك فقال: ولم تزد تلك المصادر على ستة عشر من بينها سد الذريعة، ولا غرابة في هذه الأهمية عند مالك لأنه عرف تشبثه بالذرائع أكثر من غيره وتلك الأصول عند مالك هي: " القرآن الكريم يشتمل على خمسة من تلك المصادر وهي: نصه، وظاهره، وهو العموم، ودليله، وهو مفهوم المخالفة، ومفهومه، وهو باب آخر، ومراد مفهوم الموافقة، وتنبيه، وهو التنبيه على العلة كقوله تعالى: ﴿فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ (٢) [الأنعام: ١٤٥] ، ومن السنة مثل هذه الخمسة، والإجماع والقياس، وعمل أهل المدينة، وقول الصحابي، والاستحسان، والحكم بسد الذرائع، ومراعاة الخلاف". والحقيقة أن مواقف الأصوليين من وصف هذا المبدأ لا يمكن من الحكم بإعطائه اسما معينا ننعته به، فمنهم من جعله مصدرا وهم الذين تقدموا ومنهم طائفة جعلته وصفًا، فابن تيمية جعلها قاعدة، وبين أن الأدلة عليها أكثر من أن تحصي، وذلك يثبته ما رأينا قبل عند تلميذه ابن القيم الذي أورد تسعة وتسعين أثرا جلها مرفوعا للنبي ﵊، أورد ابن تيمية ذلك في الجزء الثالث من فتاويه، واستطرد كثيرا من الآيات والأحاديث على أنها قاعدة من قواعد الفقه، فقال بأن شواهد هذه القاعدة أكثر من أن تحصى، أما الشاطبي اقتفاء، بأعمدة المذهب المالكي فقد جعلها أصلًا، والشيخ محمد أبو زهرة جعلها أيضا مصدرًا، هذا كله تأكيد على ما سبق أن قال القرافي بأن القول بسد الذرائع ليس من أصول المذهب المالكي وحده، بل إنها قاعدة، أو أصل، أو وصف متبع عند كل المذاهب، لكن الخلاف الحاصل هو في التوسعة أو عدمها عند كل مذهب على حدة، وهذا ما سنحاول أن نستخلص منه بعد الأمثلة في الفقرات التالية.

стр. 15357

الذرائع عند فقهاء المالكية: قال خليل بن إسحاق في المختصر: " ومنع للتهمة ما كثر قصده، كبيع وسلف، وسلف بمنفعة، لا ما قل: كضمان بجعل أو سلفني واسلفك، فمن باع لأجل ثم اشتراه بجنس ثمنة من عين وطعام وعرض " إلى آخر الفصل. لقد تضمن صورا كثيرة من المبايعات التي تعقد وفق أحكام بيع جائز في الظاهر، لكنه يمكن أحد الطرفين من منفعة غير جائزة، كأن يحصل على منفعة درها عليه سلف، قال ابن عرفة: ومنع كل بيع جائز في الظاهر مؤد إلى ممنوع في الباطن كثر قصده فيمنع للتهم، كبيع وشرط سلف، وهو جائز في الظاهر لا خلاف في المذهب في منعه، أو سلف بمنفعة لما فيها من الزيادة، والنفوس مجبولة على حبها، ولا فرق بين أن يكون المتبايعان قصدا الممنوع وتحيلا عليه بالجائز في الظاهر أو لم يقصداه، وإنما آل أمرهما إلى ذلك. وفي التوضيح أن المتهم به كالدخول عليه إلا أن الداخل عليه آثم آكل للربا، وعند قول المختصر " لا ما قل " معناه لا يمنع البيع الجائز في الظاهر، خلاف داخل المذهب، ذكره عليش في شرح منح الجليل، وعزا لابن الحاجب بعد سرد ذلك الخلاف، أن ظاهر المذهب جوازه لبعد قصده، وهذا الذي رجحه المختصر بقوله " لا ما قل ". ثم تعرض لبيوع الآجال فقال: وعن الجواهر أن المعتبر فيها ما خرج من اليد وما عاد إليها، فإن جاز التعامل، عليه مضى وإلا بطل، وبعد ضرب أمثلة كثير من الحالات التي يبدو فيها أنها تجعل العقد الظاهر وسيلة لتمرير النتيجة الفاسدة بين المتعاقدين قال: " إن وجدت في ذلك وجها محرمًا، أو أنهما عقدا عليه فسخت عقدهما، فامنع من هذا البيع لما تقدم من وجوب حماية الذرائع" ومن صور تلك المبيعات إذا باع المشتري السلعة لثالث ثم اشتراها البائع الأول من الثالث فيجوز، ألا يكون الثالث ابتاعه من المشتري الأول بالمجلس بعد القبض ثم ابتاعه الأول منه بعد في موضع واحد فيمنع لاتهمامهما بجعل الثالث محللا لابعاد التهمة عن نفسها، وقد فرع من هذه الصورة عدة تفريعات أجاب عنها بما نسب لابن القاسم: أنه من المكروه عند مالك ومنعه ابن رشد سدا للذرائع، وعن ابن القاسم في قول آخر أنه مكروه عند المالكية ويضرب عليه، وهذه البيوع التي أوصلها، تسعة عشر صورة كره منها خمسة عشر حالة (١) .

стр. 15358

أما الخرشي فقد صدر شرحه لفصل المختصر المذكور بمنع بيوع الآجال التي عبر عنها المختصر " ومنع للتهم " وأيد العدوي هذا الحكم، ثم قال الخرشي: " كل ما قل القصد إليه لا يمتنع للتهمة إليه وإنما يمتنع صريحة" (١) . قال ابن رشد في المقدمات تحت عنوان بيوع الآجال: أصل ما بني عليه هذا الكتاب " يعني كتاب بيوع الآجال " الحكم بالذرائع، ومذهب مالك ﵀ القضاء بها والمنع منها، وهي الأشياء التي ظاهرها الإباحة ويتوصل بها إلى فعل المحظور ... إلى أن قال: ومنع الذرائع: الشافعي وأبو حنيفة، واصحابهما، ورجح ما ذهب إليه مالك لأن ما جر إلى الحرام وتطرق به إليه حرام مثله: وقال: " وأبواب الذرائع في الكتاب والسنة يطول ذكرها ولا يمكن حصرها " وأخذ يعدد الآيات والأحاديث التي تعرضت إلى أصل الذرائع ثم قال بالحرف: " والربا أحق ما حميت مراتعه ومنع منها لئلا يستباح الربا بالذرائع" وحصر ما ذكر من صور هذا الباب في ستة وثلاثين قال ابن المالكية منعت منها خمس عشرة مسألة ومن الأمثلة عليها. ١- أن يبتاع منه مثل طعامه وقد ناب عليه بأقل من الثمن نقدًا. ٢- والثانية أن يبيع له الطعام بثمن ثم يسترده من عنده بشراء مستأنف فيدفع له ثمنا أقل من الثمن الأول إلى آخر تلك الحالات التي أستوفت الذرائع التي يمكن أن يمرر منها البيع لحاضر بثمن، وإرجاعه للبائع بثمن أقل نقدا أو ببعض البضاعة المبتاعة، ويترتب ثمنها كله في ذمة البائع، وفي تلك الصور قال ابن رشد بتحريم المالكية لكلها (٢) ثم عدد ثلاث عشرة مسألة أخرى في بيوع الآجال قائلا أيضا أن المالكية منعوها سدا للذرائع، وهي كلها بيوع الآجال (٣) . ٣- وفي بداية المجتهد أن مالكا منع العوض بأي وجه من الوجوه على الإقالة، وخشي أن يكون ذلك ذريعة إلى قصد بيع الذهب إلى أجل وإلى بيع ذهب وعرض بذهب، وفي هذه الواقعة تسع مسائل اختلف منها في مسألتين، واتفقوا في الباقي، فمثل ما اختلف فيه حديث عائشة مع أم ولد لزيد ابن أرقم عندما باعت له عبدا بثمن إلى أجل ثم احتاج إلى الدراهم فاشترته من عنده بثمن أقل من الثمن الأول نقدًا، فلما أبلغت أم المؤمنين عائشة ﵂ بهذه المبايعة قالت لها بئس ما شربت، وبئس ما اشتريت أبلغي زيدا أنه أبطل جهاده مع رسول الله، فقالت المرأة أرأيت إن استرجعت ما خرج من يدي فقالت أم المؤمنين لا بأس فالله قال: ﴿وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٧٩] فهذا الحديث أخذ به مالك وأصحابه، ومنعوا هذا النوع من البيع، أما الشافعي فلم يثبت عنده شىء نم ذلك،وقال لابأس إنما هو بيع مستأنف،وأيضا فإن زيدا خالفها، وإذا اختلف الصحابة فالمبدأ عند الشافعي حينئذ هو القياس، وروي عن ابن عمر ما يؤيد رأي الشافعي (٤) . والصور التي يعتبرها مالك في الذرائع في هذه البيوع هي أن يتذرع منها إلى: أنظرني أزدك أو إلى بيع ما لا يجوز متفاضلًا، أو إلى بيع ما لا يجوز نساء أو إلى بيع وسلف، أو إلى ذهب وعرض بذهب أو إلى ضع وتعجل، أو بيع الطعام قبل أن يستوفى، أو بيع وصرف، فإن هذه هي أصول الربا (٥) ومن أمثلة الخلاف الحاصل في هذه الصور بيع الطعام بالطعام قبل القبض، فمالك وأبو حنيفة منعاه، وأجازه الشافعي والثوري والأوزاعي وجماعة، فمن كرهه شبهه ببيع الطعام نساء، ومن أجازه لم ير ذلك.

стр. 15359

والملاحظ في هذه المسألة توافق مالك وأبو حنيفة وقد رأينا موقفيهما متباينين في بيوع الذرائع، إلا في هذه المسألة حيث اتفقا على سد الذريعة فيها، في حين فتحتها الجماعة التي ذكرنا. هذه نماذج من كتب أصول المذهب وفروعه القديمة ومن المتأخرين الناقلين عن القديم، جدنا الشيخ ماء العينين (١) ناظما كتاب الموافقات: فواحد يكون غالبا كبيع من أهل حرب للسلاح يا سميع ثان كثير ليس غالبا كما بيوع آجال ترى وتعلما في الشرح استعرض المباديء العامة التي سبقت إشارات إليها فيما يخص الغرض الذي يتوصل إليه من خلال الذريعة والحكم الذي يعطى لنا بناءً على ما تحقق عن طريقها من مباح أو حرام أو مكروه، وأحيانًا من واجب وهي كلها أصول سد الذرائع. وقال سيدي عبد الله بن الحاج إبراهيم في كتابه فتح الودود على نظمه مراقي السعود عندما تعرض لشرح بيته: سد الذرائع إلى المحرم حتم كفتحها إلى المنحتم الذريعة الوسيلة إلى الشيء ومعنى سدها حسم مادة وسائل الفساد دفعًا له، فمتى كان الفعل السالم من المفسد وسيلة المفسد منع ذلك الفعل وهو مذهب مالك، كما أوجب فتح الذريعة إن كان سدها سيجر إلى مفسد وجب فتحها، وكذلك إذا كان فتحها سيحمل إلى تحقيق واجب، ويكون مندوبًا إذا كان فتحها سيحمل إلى تحقيق مندوب.

стр. 15360

بعد هذه النظرة التي تتبعنا فيها بعض أقوال كتب المالكية وغيرهم في التعريف بالذرائع وأحكامها العامة نخلص إلى تحديد حكم الذرائع بالمعنى العام فنقسمه إلى أربعة أقسام حسب الغرض الذي استخدمناه إليه الوسيلة ومدى شرعية أو عدم شرعية هذه الوسيلة، ويمكن أن ننظر إلى ذلك من أوجه أربعة هي: ١- الوسيلة الجائزة المؤدية إلى الجائز وهذه حكمها الإباحة بإجماع كل المذاهب، ثم يرقى هذا المباح من درجة الاختيار إلى درجة الطلب مثل الحث على اتباع أسباب التكسب، والحفاظ على الصحة. ٢- أما الوسيلة المحرمة المؤدية إلى المحرم فهي ممنوعة بإجماع كل فقهاء الأمة، ولا تقبل النصوص الواردة مثلًا بتحريم الربا، أو الخمر أو الزنى، أو المس من جسم المسلم أو ماله بغير حق، لا تقبل هذه النصوص أي تأويل يغير فحواها أو يعطل تطبيقها، فإذا اتخذت وسائل غير مشروعة للتحايل على تلك النصوص بقى الحرام حرامًا والوسيلة التي استخدمت إليه حرام هي أيضًا. ويلحق بالوسيلة المحرمة المؤدية إلى محرم الوسيلة المكروهة، التي ستؤدي إلى مفسدة. ٣- الوسيلة الممنوعة لتحقيق الجائز فهي ليست جائزة على العموم؛ لأن علماء الشريعة جلهم خالف مبدأ الغاية تبرر الوسيلة، وعلى هذا تقطع يد السارق إذا سرق من أجل أن يبني مسجدًا، أو من أجل أن ينفق على المساكين، ويحرم الكذب لترويج البضاعة التجارية، فترويج البضاعة في حد ذاته مباح، ولكن استخدام وسيلة الكذب إليه حرام إجماعًا، وقد تستعمل وسيلة غير جائزة كما أسلفنا لتحقيق غرض جائز، لكن بشرط وجود ضرورة ملحة إلى ذلك، وليس بيد المسلم وسيلة غيرها لتخليص نفسه أو ماله أو نفس أو مال أخيه المسلم، قد ضربت لذلك مثلًا بالمال الذي يدفع للكفار لتخليص أسارى المسلمين منهم. أما الوسيلة الجائزة المؤدية إلى ممنوع فتختلف الأحكام المطبقة عليها بحسب درجة المخالفة التي ستجر إليها، فإذا أدت إلى حرام فهي حرام، وإذا أدت إلى مكروه انقلبت إلى مكروه، وإذا أدت إلى مباح لكن أوقع ذلك المباح في المخالفة كاللهو الذي يجر إلى تأخير الصلاة حتى يخرج الوقت، فإذا تعمد كان حرامًا، وإذا لم يتعمد وجب الاحتياط (١) يؤيد هذا أن التحريم يغلب على الحلال إذا اجتمعا للحديث الشريف "ما اجتمع الحرام، والحلال، إلا غلب الحرام الحلال" أسوق ملاحظة أخيرة على الأحكام التي تعرضنا لها في هذا التخليص لأحكام الذرائع وهي: في حالة فتح الذرائع، فإذا كانت تؤدي إلى مباح غير مطلوب، فللمرء الخيار في استخدام الذريعة أو تركها على حدٍ سواء أما إذا كان التذرع واردًا لفعل المندوب المطلوب فإن تركه مكروه مثل ترك الوضوء للنوافل (٢) . وإذا كان التذرع يرمي إلى تحقيق واجب كالسفر إلى الحج للمستطيع، فإن تركه من غير عذر مقبول فقهًا يكون حرامًا. هذه نماذج من الأحكام العامة للذرائع أو جزتها في هذا المبحث لتسهل علينا مقارنة الذرائع مع الحيل ومدى التطابق الحاصل بينهما وهو ما سيكون موضوع المبحث القادم بحول الله.

стр. 15361

المبحث الثالث المقارنة بين سد الذرائع والحيل الفقهية ومدى الوفاق أو الخلاف بينهما هذا المبحث يقتضي منا للإلمام به أن نعطي ولو نظرة موجزة عن الحيل الفقهية ليسهل اكتشاف أوجه الشبه أو الخلاف بينها وبين الذرائع، وهكذا سيتضمن الفقرات الآتية: ١- تعريف بالحيل ٢- أنواع الحيل ٣- أوجه الاختلاف أو الخلاف بينها وبين الذرائع. ١- تعريف بالحيل: إن لفظ الحيل مشتق من التحول، وهو النوع أو الحالة، كالجلسة، والعقدة والركبة، ثم غلب استعمال الحيلة في سلوك الطرق الخفية التي يتوصل بها الإنسان إلى حصول غرضه، بحيث لا يدري قصده إلا بنوعٍ من الفطنة والتبصر، وهذا أخص من مفهوم الحيل في اللغة، ولكنه الغالب عليها في الدراسات الإسلامية. وقد ورد ذكرها بهذا المعنى في القرآن الكريم، عند قول الله : ﴿إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا﴾ [النساء: ٩٨] والحيلة من ذوات الواو لأنها: من حال يحول وإنما انقلبت الوالو ياء لانكسار ما قبلها.

стр. 15362

إننا إذا تتبعنا التعاريف اللغوية والعرفية والفقهية للحيلة سيطول بنا المطاف، ثم إنها أيضا تتسع محتوياتها حتى تشمل كثيرا من أحكام العبادات والمعاملات، فكل مباشرة أسباب واجبة حيلة على حصول المطلوب، أما تطبيقاتها، فقديمة قدم الإنسان؛ لأن وسوسة الشيطان ـ عليه لعنة الله ـ لآدم في الجنة كتبت جميع التفاسير أنها تمت على إثر احتيالات اتبعها مع الملائكة، ثم سيدتنا حواء، ومنهم من قال مع الحية التي دخل في جوفها حتى أدخلته الجنة، بعد أن منعته الملائكة من دخولها، ومن ذلك التاريخ والحيل تتحرك داخل مختلف معاملات البشر، ولقد أشار القرآن الكريم إلى حيل إبليس اللعين مع النبي آدم ﵇ بقوله : ﴿وَقُلْنَا يَا آَدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ (٣٥) فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ (٣٦) فَتَلَقَّى آَدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (٣٧) قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٣٨) ﴾ [البقرة: ٣٥ ـ ٣٨] . استعرضت تلك القصة، ثم أتت سورة الأعراف، لتصف حيل إبليس التي اتبعها لغواية آدم ﵇ فقال الله فيها: ﴿فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِن سَوْءَاتِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلاَّ أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ أو تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ فَدَلاَّهُمَا بِغُرُورٍ﴾ [الأعراف: ٢٠ ـ ٢٢]

стр. 15363

هذه الحيلة من الحيل المذمومة ولكنها أول حيلة سجلها الفكر البشري في هذا الباب، ثم سجل الفكر الإسلامي حيلا أخرى كانت متقدمة جدا من حيث الزمن على ما يعرفه الغرب اليوم من خلال الصورية في الدراسات القانونية وتوجد تلك الحيل في قصة النبي سيدنا يوسف والنبي الكريم سيدنا موسى، والنبي سيدنا أيوب عليهم الصلاة والسلام. فالحيل إذن والحالة هذه اتبعت في الطاعات والمعاملات، ومنها ما تقره الشريعة إذا لم يهدم نصا محكمًا، ولم يحلل حرامًا، وكان سيتوصل فاعله إلى عمل خير، أو درء مفسدة، لذا فإن كثيرا من أمهات الدراسات الإسلامية تضمنت صورا مختلفة من الحيل، فهذا الإمام البخاري خصص لها عدة أبواب في كتابه الجامع، ومثال ذلك الحديث الشريف ((إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى)) الحديث، ثم وردت حيل كثيرة تهم الزكاة والأنكحة والبيوع، والفرار من البلاء، واحتيال العامل ليهدي له، وغيرها كثيرا نصت عليها الأحاديث والآثار ظلت تتحرك في شتى المعاملات والعبادات، حتى أفردت كتب عدة للحيل، وهي مثلما سبق أن قلت حول الذرائع ما استخدم منها لتحقيق غرض مشروع يكون مباحًا، وما استعمل منها لتعطيل أحكام الله يكون مذمومًا. فقد ثبت اتباع الحيل لتجنب الإنسان عقوبة أصبح لا مفر له منها، وقد عرف هذا المبدأ في قصة سيدنا أيوب مع زوجته عند قول الله : ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنَّا وَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ (٤٣) وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ (٤٤) ﴾ [ص: ٤٣ ـ ٤٤] هذه الحيلة لم يرد نص بمنع استعمالها علينا نحن المسلمين. ومن الحيل المباحة، قصة سيدنا بلال مع التمر الجيد الذي قدم به على النبي ﷺ ، لما قدم له تمرا جيدا فأكل منه واستحسنه، ثم لما قص عليه أنه أبدل مدين بمد نهاه عن ذلك وقال في الحديث الذي اتفق عليه البخاري ومسلم عن أبي سعيد الخدري ﵁: جاء بلال إلى النبي ﷺ (بتمر برني) فقال له ﷺ : " من أين هذا " أي التمر البرني قال بلال كان عندنا تمر رديء فبعت منه صاعين بصاع واحد ليطعم النبي فقال النبي ﵊ عند ذلك " أوه أوه عين الربا عين الربا، لا تفعل ولكن إذا أردت أن تشتري فبع بيعا آخر ثم اشتريه " رواه البخاري ومسلم واللفظ للبخاري.

стр. 15364

وفي فتح الباري على صحيح البخاري أن الحيل ينظر إليها بحسب الحامل عليها، فإن توصل بها بطريق مباح إلى إبطال حق، أو إثبات باطل فهي حرام، وإن دفعت إلى إثبات حق، أو دفع باطل فهي واجبة، أو مستحبة، أو مباحة حسب درجة الغرض الذي ستحققه والأمر الوارد فيه، وإن أوصلت إلى ترك مندوب فهي مكروهة. ووقع خلاف في القسم الأول، هل يصح مطلقا وينفذ ظاهرا، وباطنا؟ أو يبطل مطلقا؟ وقال بأن لكل من الفريقين أدلته واستنتاجاته فللمجوزين الأدلة التالية. فقصة أيوب دليل على استعمال الحيلة ليتجنب وطأة تنفيذ حكم لا يتحمله جسمه، واستدلوا لذلك بحديث أماضة بن سهل الضعيف الذي زنى، ومنه قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق: ٢ـ ٣] ثم قال ابن حجر: وفي الحيل مخارج من المضايق ومنه مشروعية الاستثناء فإن فيه مندوحة من الحنث. ثم أورد بعض الأدلة للمانعين منها قصة أصحاب السبت، وحديث حرمت عليها الشحوم فباعوها وأكلوا ثمنها، وحديث لعن الله المحلل والمحلل له. وأحسن كلمة قيلت في موضوع الحيل المحرمة كلمة رواها النسفي عن محمد بن الحسن، إذ نسب إليه قوله: " ليس من أخلاق المؤمنين الفرار من أحكام الله بالحيل الموصلة إلى إبطال الحق ". ومن الحيل المشابهة لتفح الذرائع بأتفه الأسباب ما نسبه ابن حجر في فتح الباري إلى أبي حنيفة إذ زعم أن رجلا أراد أن يبيع داره لرجل آخر فخشيا من أن يشفع الجار فيها، فافتاه أبو حنيفة حسب ذكر الفتح بأن يبيعه منها قسطا ضئيلا مثلا ١٠٠/ ١ فهو شقص لا يثير انتباه الجار ولا الشريم حتى تملكه لذلك الشقص وإذا أصبح شريكا لم تعد الشفعة في حقه جائزة فقلة عدد الأسهم لا تخرج مالكها من جملة الشركاء وأولئك لا يمكن لبعضهم أن يشفع فيما اشتراه البعض (١) . ونحن هنا لا يهمنا من سرد أنواع الحيل إلا القدر الذي يمكننا من مقارنتها مع الذرائع، وفي كلاهما يجب أن تبعد الخديعة وإلا تعرض فاعلها لفعل الحرام فالحديث الشريف قال: " لا تحل الخديعة لمسلم ".

стр. 15365

ومن الحيل المشابهة للذريعة احتيال العامل ليهدي له، فهي حيلة لأنه يحتال بالهدية على الرشوة، فيقضي لأصحابها أغراضهم بطرق غير مشروعة لكنها تتم بطرق لا يمكن أن يسائل أمام القانون عليها، وهي تشابه الذريعة لأن الهدية اتخذت ذريعة للتكسب غير الحلال، وأصل تحريم هذه المسألة حديث ابن اللتبية الذي اتفق عليه الشيخان ونصه كما جاء في البخاري قال: عن أبي حميد عبد الرحمن بن المنذر الساعدي الأنصاري ﵁ قال: استعمل رسول الله ﷺ رجلا على صدقات بني سليم قال صاحب الإرشاد يدعى الرجل " ابن اللتبية " فلما جاء حاسبة النبي ﷺ فقال: هذا ما لكم وهذه هدية أهديت لي فقال رسول الله ﷺ : فهلا جلست في بيت أبيك وأمك حتى تأتيك هديتك، إن كنت صادقاً" ثم خطبنا ﷺ فحمد الله ، واثنى عليه بما هو أهله ثم قال: " أما بعد، فإني استعمل الرجل منكم على العمل مما ولاني الله فيأتي فيقول: هذا ما لكم، وهذه هدية أهديت لي، أفلا جلس في بيت أبيه وأمه حتى تأتيه هديته، والله لا يأخذ أحد منكم شيئا بغير حق إلا لقي الله يحمله يوم القيامة، فلأعرفن أحدا منكم لقي الله يحمل بعيرا له رغاء، أو بقرة لها خوار، أو شاة تيعر، ثم رفع يديه حتى رؤي بياض إبطيه يقول: " اللهم بلغت ". نستطيع أن نقول من خلال هذه النماذج أن الذريعة والحيلة بينهما تشابه في كثير من الحالات، وأنها تتطابقان في بعض الأهداف وتتفرقان في كثير منها فتتفقان لأن كل واحدة منهما تستعمل لإدراك غاية تلك التي تبينت من النص الظاهر، فالذرائع المحرمة، والتي أورد ابن قيم منها تسعة وتسعين رأينا نماذج منها في أولى هذا العرض، ما هي إلا صورة من الحيل، فبيوع الآجال، والعينة إذا فتحت فيها الذريعة، ومن هنا تبدو الذريعة مناقضة للحيلة، فإذا ما تمنع الحيلة لحرمتها تدخل الذريعة كسد للطريق أمام ما كانت الحيلة ستجر إليه.

стр. 15366

فحسب رأي كثيرين من فقهاء وباحثي الفقه الإسلامي على أن الحيل تناقض سد الذرائع مناقضة ظاهرة، فالحيلة إجراء يتوصل من خلاله إلى معاملة معينة، وسد الذريعة وسيلة لعدم حصول تلك المعاملات، لهذا فشكلا تجتمعان في أن كليهما وسيلة للوصول إلى هدف، وهذا تطابق أولي بينهما لكن عندما نصل إلى النتائج ندرك أن ما تهدف إليه هذه تسده الأخرى، وخصوصا يقع الاختلاف بينهما في موضوع الحيل المحرمة، فحيلة المحلل في النكاح لا يمكن أن تتفق مع أي نوع من أنواع سد الذرائع، وكذلك حيلة بيع العينة أو الآجال لا تنسجم عند المالكية مع الحياة الإسلامية فتأتي ذريعة سدها لتحول بينها مع التطبيق. وفي إعلام الموقعين بعد أن حرم كثير من الحيل، أورد بعض الحيل في حدود اثنتي عشرة حالة مباحة لا تثير سد الذريعة فيها أي خلاف، وإذا كان الشارع حرم بعض الوقائع، فإنه يرمي من وراء ذلك إلى درء المفاسد، وما يجري مجراها، من أجل سلامة المجتمع، والمحافظة على طهارة الأبدان والأموال، فحرم أنوعا من الأنكحة. وتحرم الحيل المفضية إليها، وحرم بعض المعاملات وتحرم الحيل التي تتخذ حتى يتوصل البعض إلى تعاطي تلك المعاملات وفق إجراءات تجعل العقد كوسيلة إلى تلك المعاملات المحرمة، فسلامة الوسيلة تبرر سلامة الغاية، بل الحيلة تستمد الجواز أو عدمه من الغرض الذي ستخدمه، وهذا الشيء نفسه تتسم به الذريعة فلقد رأينا في المبحث الأول أن الذريعة يحدد حكمها بحسب الغرض الذي سيتحقق من سدها، أو فتحها. ولذا تزعم الفقه المالكي والحنبلي، ومعهما الشافعي في بداية ظهور مذهبه القول بتحريم الحيل، وعدم التسامح في أمرها، فتارة يتصدون إليها عن طريق سد الذرائع، وتارة عن طريق ما أسموه بفساد غرض أصحابها.

стр. 15367

فلقد أفسد العلماء بيوعا لمظنة ما يمكن أن ينجم عنها من الوقوع في معاملات ربوية فمنعوها سدا لذريعة الوقوع في تلك النتيجة، ففي تنقيح الفصول: " أما ما يكون أداؤها إلى الفساد ولكن كثرته لم تبلغ مبلغ الظن الغالب للمفسدة، ولا العلم القطعي، وذلك كالبيوع التي تتخذ ذريعة للربا، كعقد سلم يقصد به عاقده ربا قد استتر في بيع كأنه يدفع ثمنا قليلا لا يتناسب مع ثمن البيع وقت الأداء، قاصدا بذلك الربا فهو حرام". هذا نموذج من المسائل التي وقع فيها الخلاف، فمالك حرمها ذريعة للربا، والشافعي رجح أصل الإذن وعدم نص يعضد الشك بمظنة الفساد، وهي من بين الصور التي توضح أن سد الذريعة يأتي في مواجهة بعض الحيل المباحة، والتي لا تستند على أصل، ويصاحبها شك ظني ـ لا قطعي ـ يبعث على إمكانية الوقوع في الحرام من خلال تطبيقها، إذن فالحيلة طريقة إلى إمكانية فعل الشيء وسد الذريعة وسيلة للحيلولة مع تطبيق ذلك الشيء أما فتحها فقد تطابق في كثير من حالاته مع الحيل على مختلف أحكامها الجائزة وغيرها، وهكذا نستطيع القول بأن الحيل والذرائع تتطابقان، عندما تفتح الذريعة لتكون كل واحدة منهما وسيلة للحصول على غرض معين يحترم ظاهر النص ويتوصل إلى الغرض على شكل يؤدي إلى جوهر يهدمه، أما إذا سدت الذريعة فتكون حينئذ حاجزا يجعل حد لما تسوق إليه الحيلة من مخالفات، فالذرائع متعارضة تماما مع الحيل المحرمة، أو المشتبه فيها، فبينما المتحيل يحاول أن يوجد وسيلة تمكنه من الاستفادة من المنهي عنه بإجراء يجنبه المخالفة ظاهرًا، نجد الفقيه عندما يقول بسد الذريعة يقوم بذلك خشية أن تجر المعاملة إلى شبهة، أما الحيل المشروعة فهي في الواقع تطبيق لوجه من أوجه سد الذرائع، فمن خاف على نفسه أو ماله له الحق شرعا أن يدفع عنه الضرر بأية ذريعة تمكنه من ذلك، وسبق أن أشرنا إلى جواز إعطاء مال لغير مسلم لفك أسرى المسلمين، فكل من تعرض لخطر لم يستطع دفعه بوسيلة مشروعة أباحت له الشريعة أن يوازن بين المفسدة التي يمكن أن تنجم عن استخدام وسيلة غير مشروعة للتخلص من ذلك الضرر، وبين ما ستحققه من مصلحة، وإذا غلب ضرر الهدف وجب التخلي عنه وعن الوسيلة المؤدية إليه ولو كانت مشروعة، في حين إذا كانت مصلحة الهدف نفعها أكثر من ضررها جاز تحقيقه ولو بسلوك ذريعة غير جائزة.

стр. 15368

ومن خلال هذه الحالات اتسعت الحالات التي التقت فيها الذرائع بالحيل، وأكثر ما وقع ذلك الاتصال في بيوع الآجال، التي ذكر القرافي في الفروق، وإدرار الشروق لابن الشاط: أنها وصلت ألف حالة، وهي التي اختلف فيها العلماء الخلفاء التي رأينا بعضها في أول هذا العرض. قال في إدرار الشروق مبينا أن المالكية اعتمدوا في كثير من المسائل على سد الذرائع للحيلولة دون الوقوع في المخالفة التي يمكن أن تنجم عن بعض التصرفات فقال بالحرف: " فاختص مالك ـ رحمه الله تعالى ـ بالقول بسد الذرائع نظرا إلى أنه توسل باظهار صورة البيع (١) . " إلى المنهي عنه، أما الحيل فإن من قال بالذرائع وقف منها موقف التشدد، فبيوع الآجال التي ضبطت حيل كثيرة فيها عن مختلف الأئمة، بينما الذرائع جاهر المالكية بالقول بها وترجيح سدها في المعاملات التي يشك في سلامة محلها، فالشاطبي قال بأن مالكا حكمها في أكثر أبواب الفقه، ثم قال: " بأن حقيقتها التوسل إلى ما هو مصلحة، فإن عقد البيع أولا على سلعة بعشرة إلى أجل ظاهره الجواز من جهة ما يترتب على البيع من مصلحة (٢) . فإذا تعاملا على أن يبيع له بضاعة حاضرة بعشرين مؤجلة، ثم اشتراها من عنده بعشرة حاضرة فالعشرة المؤجلة خمسة منها كانت بدون مقابل خرج من يديه وهذه عند المالكية صورة من صور الربا، أو سلف جر منفعة، فتكون حسب قول الشاطبي، المصالح التي لأجلها شرع البيع لم يوجد منها شيء واشترط الشاطبي لعدم جواز هذه الصورة سد الذريعة ما يمكن أن ينجم عنها من مخالفة" أن يظهر ذلك قصدا أو يكثر في الناس، والشافعي أسقط الذريعة اعتبارا للمآل؛ لأن البيع إذا كان مصلحة جاز، إذ ليس هنا عند الشافعية مآل مفسدة، فالغرض هو البضاعة، وعلة الجواز العقد الصحيح على أصل الإذن لأن البيع الثاني إجراء منفرد يخضع لأصل الإذن في البيع، ثم يسوق الشاطبي قولا مهما جدا إذ قال: "فقد ظهر أن قاعدة الذرائع متفق على اعتبارها في الجملة، وإنما الخلاف في أمر آخر (٣) "

стр. 15369

هذه الأوجه التي تناول من خلالها المالكية التفرد بالقول بسد الذرائع فيها، هي التي سجلت فيها أيضا كثير من الحيل مثل نكاح المحلل، وسلف جر منفعة، وبيوع الآجال، فإذا درست الذرائع والحيل من خلال هذا المنظور بدا الخلاف وعدم التطابق واضحا بينهما. أما إذا وقفنا عند المسميات، فإن كل واحد منهما تستخدم للوصول إلى غرض معين، فيحصل نوع من التطابق الشكلي بين الوسيلة والحيلة بصفة كل منهما طريقة لحصول الغرض، والشاطبي يسوي بين الذريعة والحيلة كقاعدتين منهما طبقت دون قصد المساس بمراد الشارع كانت جائزة، وأي استعمال لأحداهما كسد ذريعة جر إلى مفسدة، أو استخدام حيلة أوقع في محرم، فكلاهما هنا وقع الإجماع على عدم الأخذ بها ثم قال في هذا الصدد. " وجميع ما مر في حقيقتي المناط الخاص مما فيه هذا المعنى حيث يكون العمل في الأصل مشروعًا، ولكن ينهي عنه لما يؤول إليه من المفسدة، أو ممنوعا لكن يترك النهي عنه لما يؤول إليه من المفسدة، أو ممنوعا ولكن يترك النهي عنه لما في ذلك من المصلحة، وكذلك الأدلة على سد الذرائع كلها، فإن غالبها تذرع بفعل جائز إلى عمل غير جائز، فالأصل على المشروعية لكن مآله غير مشروع ". هنا بدا التطابق واضحا إذ اتحد الهدف في كثير من الحالات، وحتى التعبير بالوسيلة هنا يعطي المعنيين صفة الحيلة والذريعة. هذا عن أوجه التطابق والاختلال بين الحيلة والذريعة، أما ما يمكن أن نستخلص من أحكام تهم المعنيين وما نميل إليه تجاه السؤال المطروح في عنوان البحث فسنكرس له خاتمة هذا العرض بحول الله.

стр. 15370

الخاتمة تطلق الذريعة على معاني كثيرة منها الامتداد والتحرك، وذرع الرجل تذريعا ذراعيه في المشي وغيره، وحرك يديه، ومن معانيها التحمل والاتساع، ومنه قوله: ضاق بالأمر ذرعا، وضاق به ذرعه وذراعه. وفي الاصطلاح تأتي بمعنى الوسيلة والسبب، وهي بهذا المعنى تشمل ما يمكن أن يتخذه الإنسان أداة للوصول إلى شيء معين، وبهذا الإطلاق العام، لا يشترط في ذلك الشيء أن يكون واجبا أو مباحا، أو حراما أو مكروها، وإلى ذلك أشار القرافي في كلامه المتقدم بقوله: "إعلم أن الذريعة كما يجب سدها يجب فتحها وتندب وتباح وتحرم" ولقد سبق الاستشهاد بهذا الكلام، فيحكم عليها بحسب ما أفضت إليه، فإذا أوصلت إلى واجب وجبت، وإذا اوصلت إلى حرام حرمت، وكذلك الأمر في المندوب والمكروه والمباح. هذا عن استعمالات الذريعة العامة، والتي نص عليها الكتاب والسنة، كسب الأصنام عند المشرك الذي يعلم أنه سيرد على ذلك بسب الله، وكنكاح المحلل، والذريعة للوصول إلى الربا، وغير ذلك من الأصول التي عد منها ابن القيم تسعين استشهد عليها بآيات قرآنية وأحاديث نبوية كريمة، ولم يسجل فيها خلافا، أما الحالات التي تعني بالمعنى الخاص للذريعة والتي قال فيها البعض ومنهم القاضي عبد الوهاب في كتابه الإشراف على مسائل الخلاف إذ قال: "الذرائع الأمر الذي ظاهره الجواز، إذا قويت التهمة في التطرق به إلى الممنوع" إن هذا الو صف يجعل الذرائع والحيل تسوقان إلى نتيجة واحدة، وفي كتاب الباجي المسمى الإشارات: " الذرائع هي المسألة التي ظاهرها الإباحة، ويتوصل بها إلى فعل المحظور" (١) . وهي كما رأينا تثبت بعض التوافق بين الحيل والذرائع وقد أخرجها ابن رشد في المقدمات من هذا التعريف العام فحصر استعمالها فيما أفضى إلى فعل محرم (٢) .
следующие страницы →