← Фикх общий

Фикх общий · id 8356

مجلة مجمع الفقه الإسلامي

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (22 276 стр.). Показаны 15366–15405 · переход к 15371.

стр. 15366

فحسب رأي كثيرين من فقهاء وباحثي الفقه الإسلامي على أن الحيل تناقض سد الذرائع مناقضة ظاهرة، فالحيلة إجراء يتوصل من خلاله إلى معاملة معينة، وسد الذريعة وسيلة لعدم حصول تلك المعاملات، لهذا فشكلا تجتمعان في أن كليهما وسيلة للوصول إلى هدف، وهذا تطابق أولي بينهما لكن عندما نصل إلى النتائج ندرك أن ما تهدف إليه هذه تسده الأخرى، وخصوصا يقع الاختلاف بينهما في موضوع الحيل المحرمة، فحيلة المحلل في النكاح لا يمكن أن تتفق مع أي نوع من أنواع سد الذرائع، وكذلك حيلة بيع العينة أو الآجال لا تنسجم عند المالكية مع الحياة الإسلامية فتأتي ذريعة سدها لتحول بينها مع التطبيق. وفي إعلام الموقعين بعد أن حرم كثير من الحيل، أورد بعض الحيل في حدود اثنتي عشرة حالة مباحة لا تثير سد الذريعة فيها أي خلاف، وإذا كان الشارع حرم بعض الوقائع، فإنه يرمي من وراء ذلك إلى درء المفاسد، وما يجري مجراها، من أجل سلامة المجتمع، والمحافظة على طهارة الأبدان والأموال، فحرم أنوعا من الأنكحة. وتحرم الحيل المفضية إليها، وحرم بعض المعاملات وتحرم الحيل التي تتخذ حتى يتوصل البعض إلى تعاطي تلك المعاملات وفق إجراءات تجعل العقد كوسيلة إلى تلك المعاملات المحرمة، فسلامة الوسيلة تبرر سلامة الغاية، بل الحيلة تستمد الجواز أو عدمه من الغرض الذي ستخدمه، وهذا الشيء نفسه تتسم به الذريعة فلقد رأينا في المبحث الأول أن الذريعة يحدد حكمها بحسب الغرض الذي سيتحقق من سدها، أو فتحها. ولذا تزعم الفقه المالكي والحنبلي، ومعهما الشافعي في بداية ظهور مذهبه القول بتحريم الحيل، وعدم التسامح في أمرها، فتارة يتصدون إليها عن طريق سد الذرائع، وتارة عن طريق ما أسموه بفساد غرض أصحابها.

стр. 15367

فلقد أفسد العلماء بيوعا لمظنة ما يمكن أن ينجم عنها من الوقوع في معاملات ربوية فمنعوها سدا لذريعة الوقوع في تلك النتيجة، ففي تنقيح الفصول: " أما ما يكون أداؤها إلى الفساد ولكن كثرته لم تبلغ مبلغ الظن الغالب للمفسدة، ولا العلم القطعي، وذلك كالبيوع التي تتخذ ذريعة للربا، كعقد سلم يقصد به عاقده ربا قد استتر في بيع كأنه يدفع ثمنا قليلا لا يتناسب مع ثمن البيع وقت الأداء، قاصدا بذلك الربا فهو حرام". هذا نموذج من المسائل التي وقع فيها الخلاف، فمالك حرمها ذريعة للربا، والشافعي رجح أصل الإذن وعدم نص يعضد الشك بمظنة الفساد، وهي من بين الصور التي توضح أن سد الذريعة يأتي في مواجهة بعض الحيل المباحة، والتي لا تستند على أصل، ويصاحبها شك ظني ـ لا قطعي ـ يبعث على إمكانية الوقوع في الحرام من خلال تطبيقها، إذن فالحيلة طريقة إلى إمكانية فعل الشيء وسد الذريعة وسيلة للحيلولة مع تطبيق ذلك الشيء أما فتحها فقد تطابق في كثير من حالاته مع الحيل على مختلف أحكامها الجائزة وغيرها، وهكذا نستطيع القول بأن الحيل والذرائع تتطابقان، عندما تفتح الذريعة لتكون كل واحدة منهما وسيلة للحصول على غرض معين يحترم ظاهر النص ويتوصل إلى الغرض على شكل يؤدي إلى جوهر يهدمه، أما إذا سدت الذريعة فتكون حينئذ حاجزا يجعل حد لما تسوق إليه الحيلة من مخالفات، فالذرائع متعارضة تماما مع الحيل المحرمة، أو المشتبه فيها، فبينما المتحيل يحاول أن يوجد وسيلة تمكنه من الاستفادة من المنهي عنه بإجراء يجنبه المخالفة ظاهرًا، نجد الفقيه عندما يقول بسد الذريعة يقوم بذلك خشية أن تجر المعاملة إلى شبهة، أما الحيل المشروعة فهي في الواقع تطبيق لوجه من أوجه سد الذرائع، فمن خاف على نفسه أو ماله له الحق شرعا أن يدفع عنه الضرر بأية ذريعة تمكنه من ذلك، وسبق أن أشرنا إلى جواز إعطاء مال لغير مسلم لفك أسرى المسلمين، فكل من تعرض لخطر لم يستطع دفعه بوسيلة مشروعة أباحت له الشريعة أن يوازن بين المفسدة التي يمكن أن تنجم عن استخدام وسيلة غير مشروعة للتخلص من ذلك الضرر، وبين ما ستحققه من مصلحة، وإذا غلب ضرر الهدف وجب التخلي عنه وعن الوسيلة المؤدية إليه ولو كانت مشروعة، في حين إذا كانت مصلحة الهدف نفعها أكثر من ضررها جاز تحقيقه ولو بسلوك ذريعة غير جائزة.

стр. 15368

ومن خلال هذه الحالات اتسعت الحالات التي التقت فيها الذرائع بالحيل، وأكثر ما وقع ذلك الاتصال في بيوع الآجال، التي ذكر القرافي في الفروق، وإدرار الشروق لابن الشاط: أنها وصلت ألف حالة، وهي التي اختلف فيها العلماء الخلفاء التي رأينا بعضها في أول هذا العرض. قال في إدرار الشروق مبينا أن المالكية اعتمدوا في كثير من المسائل على سد الذرائع للحيلولة دون الوقوع في المخالفة التي يمكن أن تنجم عن بعض التصرفات فقال بالحرف: " فاختص مالك ـ رحمه الله تعالى ـ بالقول بسد الذرائع نظرا إلى أنه توسل باظهار صورة البيع (١) . " إلى المنهي عنه، أما الحيل فإن من قال بالذرائع وقف منها موقف التشدد، فبيوع الآجال التي ضبطت حيل كثيرة فيها عن مختلف الأئمة، بينما الذرائع جاهر المالكية بالقول بها وترجيح سدها في المعاملات التي يشك في سلامة محلها، فالشاطبي قال بأن مالكا حكمها في أكثر أبواب الفقه، ثم قال: " بأن حقيقتها التوسل إلى ما هو مصلحة، فإن عقد البيع أولا على سلعة بعشرة إلى أجل ظاهره الجواز من جهة ما يترتب على البيع من مصلحة (٢) . فإذا تعاملا على أن يبيع له بضاعة حاضرة بعشرين مؤجلة، ثم اشتراها من عنده بعشرة حاضرة فالعشرة المؤجلة خمسة منها كانت بدون مقابل خرج من يديه وهذه عند المالكية صورة من صور الربا، أو سلف جر منفعة، فتكون حسب قول الشاطبي، المصالح التي لأجلها شرع البيع لم يوجد منها شيء واشترط الشاطبي لعدم جواز هذه الصورة سد الذريعة ما يمكن أن ينجم عنها من مخالفة" أن يظهر ذلك قصدا أو يكثر في الناس، والشافعي أسقط الذريعة اعتبارا للمآل؛ لأن البيع إذا كان مصلحة جاز، إذ ليس هنا عند الشافعية مآل مفسدة، فالغرض هو البضاعة، وعلة الجواز العقد الصحيح على أصل الإذن لأن البيع الثاني إجراء منفرد يخضع لأصل الإذن في البيع، ثم يسوق الشاطبي قولا مهما جدا إذ قال: "فقد ظهر أن قاعدة الذرائع متفق على اعتبارها في الجملة، وإنما الخلاف في أمر آخر (٣) "

стр. 15369

هذه الأوجه التي تناول من خلالها المالكية التفرد بالقول بسد الذرائع فيها، هي التي سجلت فيها أيضا كثير من الحيل مثل نكاح المحلل، وسلف جر منفعة، وبيوع الآجال، فإذا درست الذرائع والحيل من خلال هذا المنظور بدا الخلاف وعدم التطابق واضحا بينهما. أما إذا وقفنا عند المسميات، فإن كل واحد منهما تستخدم للوصول إلى غرض معين، فيحصل نوع من التطابق الشكلي بين الوسيلة والحيلة بصفة كل منهما طريقة لحصول الغرض، والشاطبي يسوي بين الذريعة والحيلة كقاعدتين منهما طبقت دون قصد المساس بمراد الشارع كانت جائزة، وأي استعمال لأحداهما كسد ذريعة جر إلى مفسدة، أو استخدام حيلة أوقع في محرم، فكلاهما هنا وقع الإجماع على عدم الأخذ بها ثم قال في هذا الصدد. " وجميع ما مر في حقيقتي المناط الخاص مما فيه هذا المعنى حيث يكون العمل في الأصل مشروعًا، ولكن ينهي عنه لما يؤول إليه من المفسدة، أو ممنوعا لكن يترك النهي عنه لما يؤول إليه من المفسدة، أو ممنوعا ولكن يترك النهي عنه لما في ذلك من المصلحة، وكذلك الأدلة على سد الذرائع كلها، فإن غالبها تذرع بفعل جائز إلى عمل غير جائز، فالأصل على المشروعية لكن مآله غير مشروع ". هنا بدا التطابق واضحا إذ اتحد الهدف في كثير من الحالات، وحتى التعبير بالوسيلة هنا يعطي المعنيين صفة الحيلة والذريعة. هذا عن أوجه التطابق والاختلال بين الحيلة والذريعة، أما ما يمكن أن نستخلص من أحكام تهم المعنيين وما نميل إليه تجاه السؤال المطروح في عنوان البحث فسنكرس له خاتمة هذا العرض بحول الله.

стр. 15370

الخاتمة تطلق الذريعة على معاني كثيرة منها الامتداد والتحرك، وذرع الرجل تذريعا ذراعيه في المشي وغيره، وحرك يديه، ومن معانيها التحمل والاتساع، ومنه قوله: ضاق بالأمر ذرعا، وضاق به ذرعه وذراعه. وفي الاصطلاح تأتي بمعنى الوسيلة والسبب، وهي بهذا المعنى تشمل ما يمكن أن يتخذه الإنسان أداة للوصول إلى شيء معين، وبهذا الإطلاق العام، لا يشترط في ذلك الشيء أن يكون واجبا أو مباحا، أو حراما أو مكروها، وإلى ذلك أشار القرافي في كلامه المتقدم بقوله: "إعلم أن الذريعة كما يجب سدها يجب فتحها وتندب وتباح وتحرم" ولقد سبق الاستشهاد بهذا الكلام، فيحكم عليها بحسب ما أفضت إليه، فإذا أوصلت إلى واجب وجبت، وإذا اوصلت إلى حرام حرمت، وكذلك الأمر في المندوب والمكروه والمباح. هذا عن استعمالات الذريعة العامة، والتي نص عليها الكتاب والسنة، كسب الأصنام عند المشرك الذي يعلم أنه سيرد على ذلك بسب الله، وكنكاح المحلل، والذريعة للوصول إلى الربا، وغير ذلك من الأصول التي عد منها ابن القيم تسعين استشهد عليها بآيات قرآنية وأحاديث نبوية كريمة، ولم يسجل فيها خلافا، أما الحالات التي تعني بالمعنى الخاص للذريعة والتي قال فيها البعض ومنهم القاضي عبد الوهاب في كتابه الإشراف على مسائل الخلاف إذ قال: "الذرائع الأمر الذي ظاهره الجواز، إذا قويت التهمة في التطرق به إلى الممنوع" إن هذا الو صف يجعل الذرائع والحيل تسوقان إلى نتيجة واحدة، وفي كتاب الباجي المسمى الإشارات: " الذرائع هي المسألة التي ظاهرها الإباحة، ويتوصل بها إلى فعل المحظور" (١) . وهي كما رأينا تثبت بعض التوافق بين الحيل والذرائع وقد أخرجها ابن رشد في المقدمات من هذا التعريف العام فحصر استعمالها فيما أفضى إلى فعل محرم (٢) .

стр. 15371

لقد سبق القول بأن الحيل المحرمة، أو المشكوك في حكم النتائج التي يمكن أن تؤدي إليها تختلف تمام الاختلاف مع الذرائع، التي تتداخل لسد الطريق على نتائج تلك الحيل، لكن هذا الاختلاف ليس على إطلاقه، فالحيل التي يتحقق بسببها غرض مشروع أو تدفع حرجا لم يلزمه الحكم الشرعي، فإن الذريعة أيضا تستخدم للتوصل إليه، وهنا وقع التلاقي بين الحيل والذرائع، وقد سبق أن ضربت أمثلة لذلك منها: اضطراب الاعتراف ببعض الجرائم، وفي كل الحيل المباحة مثل التحيل على إقامة الحد في قصة أيوب ﵇، وقصة أم موسى في وضعه داخل التابوت، وقصة يوسف ﵇ مع إخوته، كلها تمت فيها حيل للتخلص من وطأة واقعة معينة، وكلها أيضا استخدمت فيها ذرائع غير مباحة للوصول إلى أغراض مباحة. لقد قسم محمد هشام الذرائع إلى أركان ثلاثة وفي تقسيمه هذا سهل دراسة كل جانب من جوانب الذريعة على حدة، فجعل تلك الأركان هي: الوسيلة وقد عرفناها لغة واصطلاحا فالذرائع التي افضت إلى محرم اتخذت إليه معبرا حلالا كصورة البيع في سلف جر منفعة، أو ضع وتعجل، أو عقد نكاح تام الأركان، ولكنه يخفي قصد التحليل للزوج الأول فهذا هو المقصود لغيره. أما الثاني فهو الاتجاه إلى الفعل دون أن يقصد التوسل إليه فهي أيضا وسيلة حرام، إن الخلاف حصل في هذا الركن من حيث نظر الفقهاء إلى حصول المفسدة بالفعل أو الخوف من حصولها، وما هي درجة ذلك، فالذين رجحوا إمكانية حصول المفسدة حرموا الوسيلة إليها فسدوا الذريعة خوفا من حصولها، والذين لم يساورهم تخوف رجحوا البقاء على أصل الإذن، إن الموقف الأول اعتمده المالكية، والثاني الشافعية وقد تقدمت إشارات إلى أدلتهم ومن أمثلتهم: "النظر إلى الأجنبية، أو التحدث معها، من حيث كونهما ذريعتين للزنى، وكبيوع الآجال فالبعض أجرى حكم الذريعة فمنع من ذلك سدا لها، والبعض الآخر فتح الذريعة ولم يعملها" (١) .

стр. 15372

وركنها الثاني فهو الرابطة التي تصل الوسيلة بالمتوسل إليه، ويمكننا التعبير عنه بالقصد أو النية، فمن يلجأ إلى صورة بيوع الآجال قصده منها أن يأخذ الكثير ويدفع القليل، والمحلل نيته أن يفسح المجال للمحلل له، ففي هاتين الصورتين الإجماع منعقد على تحريم هذه الرابطة أو الطريقة أو الوسيلة. أما الركن الثالث فهو المتوسل إليه وهو أثر الفعل أو نتيجة التوسل، كحصول زواج الأول بالمرأة المحللة، أو استلام المبلغ الكثير المؤجل في صورة من صور بيوع الآجال، وهنا تكون الوسيلة محرمة بسبب ما أفضت إليه، والإعداد أو الإفضاء أو الرابط حرام لأنه كان يعلم أنه سيوصلها إلى محرم، والنتيجة حرام بأصلها، فالبضع حرم بطلاق الثلاث، وأخذ الكثير في القليل حرام لأنه صورة من صور الربا، ولأن فيه بيعا وسلفا بتكرار البيع (١) . بعد اختصار تعاريف الذريعة، وما يتعلق بدراسة تحقيقها نوجز مكانتها من الأدلة، ذلك أن الفقهاء لما اختلفوا في حكم سد الذرائع اختلفوا كذلك في وصفها كدليل فمنهم: من جعلها مصدرا من مصادر الفقه وقد ذكرت أن القرافي جعلها هي الثانية عشر أصلا وفي بعض الكتب المالكية الأخرى حصر تلك المصادر في ستة عشر من بينها الذرئع. ومنهم من جعلها من القواعد وذلك ما انحازت إليه موسوعة جمال عبد الناصر الفقهية، وكذلك الشاطبي استطرد الذرائع تحت عنوان القواعد فقال: "وهذا الأصل تنبني عليه قواعد منها: قاعدة سد الذرائع". أما حكمها فأحسن ما يقال فيه ما قاله الشاطبي حول موقف مالك والشافعي من الذريعة فقال ما نصه: "وأيضا فلا يصح أن يقول الشافعي: إنه يجوز التذرع إلى الربا بحال، إلا أنه لا يتهم من لم يظهر منه قصد إلى الممنوع، ومالك يتهم بسبب ظهور فعل اللغو وهو دال على القصد إلى الممنوع، فظهر أن قاعدة الذرائع متفق على اعتبارها في الجملة، وإنما الخلاف في أمر آخر" ولقد سبق الاستشهاد بهذا المبدأ.

стр. 15373

وأشد من وجه انتقادا للمتمسكين بالذرائع هو محمد بن حزم الظاهري، إذ ادعى أن التحريم بواسطة الاحتياط غير جائز؛ لأنه استدرك على أمر الشارع، قائلا بأن خوفهم أن يتطرق منها إلى الحرام، ثم احتج بحديث البخاري بسنده عن النعمان بن بشير عن النبي ﷺ : ((الحلال بين والحرام بين، وبينهما أمور مشتبهة، فمن ترك ما شبه عليه في الإثم كان لما استبان اترك، ومن اجترأ على ما يشك فيه من الإثم أوشك أن يواقع ما استبان، والمعاصي حمى الله من يرتع حول الحمى يوشك أن يواقعه)) ، ثم قال: (إن هذا إنما هو مستحب للمرء خاصة فيما أشكل عليه وأن حكم من استبان له الأمر بخلاف ذلك) (١) وادعى أن هذا الحديث على معنى آخر غير ما ادعاه من سد الذرائع لأن حمى المحارم ليس هو المباح. ثم قال بالحرف: "ومن حرم المشتبه، وأفتى بذلك للناس، فقد زاد في الدين ما لم يأذن به الله تعالى وخالف النبي ﷺ ، واستدرك على ربه بعقله أشياء من الشريعة" (٢) ثم استدل بكون الصحابة كانوا يشترون من السوق أشياء لا يسألون عن أصلها ولا يهمهم شيء عن ما فيها حتى يقال إنها حرام، ثم استدل لعدم التخوف من أن يسوق البيع إلى تعاطي محرم بسؤال الصحابة ﵃ لسيد الوجود ﵊ من كون الأعراب يأتونهم في سوق المدينة بلحوم ولا يدرون هل سموا الله عليها أم لا؟ فهل نأكلها أم لا؟ فقال ﵊ ((سموا الله وكلوا)) أو كلام مثل هذا. وطالب بحث الناس على الورع، وإفتائهم بترك ما حاك في الصدر، ولكن دون إلزام بحكم ولا التقيد بفتيا في هذا الموضوع. وقال مواجها المالكية بأنهم (يحرمون حلالا كثيرا خوف مواقعة الحرام، وفي هذا عبرة لمن اعتبر، ليت شعري كما تشفقون في الاستباحة من مواقعة الحرام أما تشفقون في القطع بالتحريم) (٣) .

стр. 15374

يتضح من كل ما سبق أن الذرائع والحيل بينهما تشابه واختلاف، ونظرا لكثرة الحيل المحرمة، فإن المواضيع التي اتفقت فيها الواقعتان أقل من تلك التي اختلفتا فيها. وكلاهما أتتا نتيجة استمرار البحث العلمي في النصوص الأصلية للشريعة الإسلامية، ففي الحيل استنبط الجائز منها من حيل تعرض لها الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، مثل حيلة إبليس لآدم حتى أخرجه من الجنة، وحيلة إخوة يوسف عليه حتى ألقوه في غيابات الجب، وحيلته هو على إخوته ليأخذ أخاه، ثم حيلة أم موسى على عيون فرعون، وحيلة أختها على حاشية فرعون نفسه، وحيلة سيدنا أيوب ﵇ في ضرب زوجته وفاء بنذره، هذه الحيل المباحة، وما استنبط منها يتلقي مع الذرائع التي يخدم فتحها تطبيق واجب أو مندوب أو مباح لتكون الحيلة المباحة ذريعة إلى تحقيق غرض مباح. إلا أن الذريعة أكثر اعتبارا عند الفقهاء، إذ منهم من جعلها مصدرا من مصادر التشريع ومنهم من جعلها قاعدة، ولم أعثر على أحد منهم أعطى هذه الأهمية للحيل، فالمالكية والاجتهاد الحنبلي يتفقان في اعتبار المصالح أصلا يعتمد عليه في تقرير الأحكام وفي السير في توسيع هذا المبدأ اهتديا إلى جعل سد الذرائع أصلا من أصول "الفقه" لكن تطبيقات الذرائع تتداخل في كثير من الحالات مع صور من صور الحيل. والله الموفق للصواب. حمداتي شبيهنا ماء العينين

стр. 15375

سد الذرائع إعداد الشيخ الدكتور الطيب سلامة عضو المجلس الإسلامي الأعلى بتونس بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ تعريف الذرائع في اللغة: الذرائع: صيغة للجمع، مفرده: ذريعة. والذريعة في اللغة: تطلق بإزاء معان عدة، منها الوسيلة إلى الشيء والطريق إليه. قال في القاموس: تذرع بذريعة توسل بوسيلة، وكذا في مختار الصحاح. كما أطلق اسم الذريعة على الدابة التي تشد في موضع ليأوي إليها البعير الشارد؛ لأنه كان يألفها قبل شروده، فإذا رآها اقترب منها، فيسهل إمساكه (١) . المراد من سد الذرائع: عمد ابن فرحون إلى بيان المراد من سد الذرائع لدى علماء الشريعة فقال: معنى ذلك حسم وسائل الفساد، فمتى كان الفعل السالم عن المفسدة وسيلة إلى المفسدة منعنا من ذلك الفعل" (٢) . أما الإمام الشاطبي في كتابه الموافقات، فقد عني بسد الذرائع واعتبرها قاعدة شرعية، وأرجعها إلى مقصد من مقاصد الشريعة، وهو الحكم على الأفعال بالنظر إلى ما تؤول إليه من خير أو شر. وعلى النظر في مآلات الأفعال يتوقف حكم المجتهد على الأفعال الصادرة عن المكلفين.

стр. 15376

وبعد الاستدلال بأدلة عقلية وأخرى نقلية، عدد الشاطبي جملة من القواعد الشرعية المنضوية تحت هذا المقصد، فكان في مطلعها قاعدة سد الذرائع، ثم اتبعها بالقواعد التالية: - قاعدة الحيل الموسومة عند بعضهم بأنها شرعية. - وقاعدة مراعاة الخلاف، مثل مراعاته في الأنكحة الفاسدة إذ يقضى بتصحيحها بعد الدخول، وترتيب أحكام النكاح الصحيح عليها، لحديث: ((أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها ... )) الذي جاء فيه: ... ((فإن دخل بها فلها المهر بما استحل منها)) - وقاعدة الاستحسان المعروفة عند مالك بأنه: الأخذ بمصلحة جزئية في مقابلة دليل كلي دفعا لمفسدة، أو اتقاء فوت مصلحة، أو تحاشيا من حرج أو من مشقة. فالاستحسان عند مالك غير خارج عن الأدلة بيد أنه نظر إلى لوازم هذه الأدلة ومآلاتها. - قاعدة المصالح إذا اكتنفها من خارج بعض المفاسد، فلا تخرجها عن أصلها، وتبقى مشروعية المصلحة مع التحفظ قدر الاستطاعة من العوارض المكتنفة، فلا يترك الإنسان شهود الجنائز أو طلب العلم بدعوى أن في طريقه مناكر يسمعها أو يراها.

стр. 15377

فهذه القواعد راجعة كلها إلى اعتبار مآلات الأعمال باعتبارها مقصدا شرعيا لازما في كل حكم على الإطلاق (١) . وقد أفاض الشاطبي في بيان مسألة أن النظر في مآلات الأفعال معتبر ومقصود شرعا يشهد لذلك الاستقرار التام للأدلة الشرعية، وكم من عمل مشروع تركه رسول الله ﷺ أو نهى عنه لأنه يؤول إلى مفسدة، فقد أشير عليه ﷺ بقتل من ظهر نفاقه فأبى وقال: ((أخاف أن يتحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه)) ، كما أشير عليه ﷺ بإعادة بناء الكعبة على قواعد إبراهيم الخليل ﵊ فقال: ((لولا قومك حديث عهدهم بكفر لأسست البيت على قواعد إبراهيم)) وكم من عمل غير مشروع ترك النهي عنه لما في ذلك من المصلحة، ومن أمثلة ذلك حديث الأعرابي الذي بال في المسجد، فقد أمر بتركه حتى يتم بوله، وقال: ((لا تزرموه)) ؛ لأنهم لو نهروه وقطعوا عليه بوله لأعطوه صورة سيئة عن الغلظة بالمعاملة، ولحملوه على تلويث ثيابه وجسمه ولتعددت مواضع النجاسة بدل حصرها في موضع واحد. ويختم الشاطبي المسألة العاشرة من كتاب الاجتهاد بهذه النتيجة فيقول: وكذلك الأدلة الدالة على سد الذرائع كلها، فإن غالبها تذرع بفعل جائز إلى عمل غير جائز، فالأصل على المشروعية لكن مآله غير مشروع، والأدلة الدالة على التوسعة ورفع الحرج كلها، فإن غالبها سماح في عمل غير مشروع في الأصل، لما يؤول إليه من الرفق المشروع، ولا معنى للإطناب بذكرها لكثرتها واشتهارها" (٢) .

стр. 15378

ويختم الشاطبي هذه المسألة العاشرة من كتاب الاجتهاد مستشهدا بكلام ابن العربي –﵀ عل أن الخلاف فيها مزعوم، وأنها محل اتفاق بين العلماء فيقول: قال ابن العربي حين أخذ تقرير هذه المسألة: "اختلف الناس –بزعمهم فيها- وهي متفق عليها بين العلماء، فأفهموها وادخروها" (١) وتعرض القرافي لمعنى سد الذرائع عند حديثه على قاعدة المقاصد وقاعدة الوسائل في الفرق الثامن والخمسين فقال: معنى سد الذرائع هو حسم مادة وسائل الفساد دفعا لها، فمتى كان الفعل السالم عند المفسدة وسيلة للمفسدة منع مالك من ذلك الفعل في كثير من الصور (٢) . وسمى ابن العربي سد الذرائع –في كتاب الأحكام- بقاعدة الذريعة، واعتبراها قاعدة غير مطردة بل هي مقيدة بتنصيص الشرع حيث قال: وقاعدة الذريعة التي يجب سدها شرعا هو ما يؤدي من الأفعال المباحة إلى محظور منصوص عليه لا مطلق محظور (٣) .

стр. 15379

ويتجلى عدم اطراد القاعدة فيما قال به مالك وأبو حنيفة من جواز شراء الولي من مال يتيمه على أشهر الأقوال، فلم يلتفت الإمام مالك للتهمة، ولم يعمل بقاعدة سد الذرائع، وإنما اشترط أن يكون في شراء الولي مصلحة وإصلاح ليتيمه مصداقا للحكم في قوله تعالى ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ﴾ [البقرة: ٢٢٠] فقد أذنت الآية في مخالطة اليتامى حتى لا يتسبب الخوف من مخالطتهم في تركهم وترك التعامل معهم، وبالتالي في عزلهم عن المجتمع الذي يعيشون فيه. لذا رغم قيام التهمة في هذا الشراء لم تطبق القاعدة في سد الذرائع، وأوكلت الشريعة الأولياء والحاضنين لهؤلاء اليتامى إلى أمانتهم وإلى تقوى نفوسهم، وحذرتهم بقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ﴾ [البقرة: ٢٢٠] . وكم من أمر مخوف وكلت الشريعة المطهرة أمره إلى أمانة المكلف، وإلى خوفه من الله في الدنيا ومن لقائه يوم يلقاه، فقد جعل الله تعالى النساء مؤتمنات على فروجهن يصدقن في ذلك، ويؤخذ لقولهن، ولو أنهن لا يسلمن من احتمال التهمة، رغم ما يترتب على قولهن من أحكام خطيرة الشأن ترتبط بالحل والحرمة، وترتبط بالأنساب وبالأعراض. فقد وكل الله لهن أمر ما في أرحامهن باعتبارهن مؤتمنات عليها، وأمرهن أن لا يكتمن ما خلق الله فيها، وذلك في قوله تعالى: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ﴾ [البقرة: ٢٢٨] وفي طالع باب بيع الآجال من شرح التلقين، جاء كلام الإمام المازري ﵀، في بيان معنى سد الذرائع، إذ قال: سد الذرائع منع ما يجوز لئلا يتطرق به إلى ما لا يجوز.

стр. 15380

هذا وقد دقق الشيخ محمد طاهر ابن عاشور وأفاد في بيان المراد من سد الذرائع في كتابه " مقاصد الشريعة الإسلامية " حيث قال: هذا المركب (يشير إلى العنوان: سد الذرائع) لقب في اصطلاح الفقهاء لإبطال الأعمال التي تؤول إلى فساد معتبر وهي في ذاتها لا مفسدة فيها. ثم بين أنه ليس من الغريب أن تفضي الأعمال الصالحة إلى مفاسد، بل ذلك شائع في كثير من الأمور الصالحة. وأقام الدليل على ذلك فقال: ... بل كان ذلك الإفضاء إلى الفساد غير حاصل إلا عند كمال الأمور الصالحة. مثل النار فإن حالة كمالها، وهو اشتعالها الذي به صلاح الموقدين، هي حالة أفضاء إلى مفسدة الإحراق. وليس الإبطال في سد الذرائع لاحقا بجميع الأعمال التي تؤول إلى مطلق فساد، بل لا بد من قيد اعتبار الشرع لهذا الفساد، وفي هذا يقول ﵀: ... فاعتبار الشريعة بسد الذرائع يحصل عند ظهور غلبة مفسدة المآل على مصلحة الأصل، فهذه هي الذريعة الواجب سدها (١) .

стр. 15381

وليست كل الذرائع يجب سدها واعتبارها والاعتداد بها، وإنما يعتد لما اعتبره الشرع دون سواه، وما اعتبره الشرع يرجع في نظره إلى الموازنة بين ما في الفعل الذي هو ذريعة من المصلحة وما في مآله من المفسدة، وتستند هذه الموازنة إلى قاعدة تعارض المصالح والمفاسد التي هي راجعة إلى مقصد عام للشريعة الإسلامية في الإصلاح وإزالة الفساد. وأخذ الشيخ على شهاب الدين القرافي أنه لم يبحث عن وجوب الاعتداد ببعض هذه الذرائع دون بعض. ولئن لم يتحدث القرافي في (الفرق الرابع والتسعون والمائة: بين قاعدة ما يسد من الذرائع وقاعدة ما لا يسد منها) في مسألة الاعتداد ببعض هذه الذرائع دون بعض، وفقا لنظرة الموازنة بين ما في الفعل الذي هو ذريعة من مصلحة وما في مآله من مفسدة، فإنه بحث في المسألة من وجهة أخرى، هي وجود التهمة المتمثلة في إظهار ما يجوز لإخفاء ما لا يجوز، ونقل في ذلك ما جاء في الجواهر حيث قال: وضابط هذا الباب أن المتعاقدين إن كانا يقصدان إظهار ما يجوز ليتوصلا به إلى ما لا يجوز، فيفسخ العقد، إذا كثر القصد إليه اتفاقًا. وختم القرافي الفرق المذكور بهذه الحصيلة التي يراها الشيخ ابن عاشور ﵀ كافية حيث قال القرافي –﵀: "والأصل أن ينظر: ما خرج من اليد وما خرج إليها، فإن جاز التعامل به صح، وإلا فلا. ولا تعتبر أقوالهما بل أفعالهما فقط. فهذا هو تلخيص الفرق بين الذرائع التي يجب سدها والذرائع التي لا يجب سدها" (١) .

стр. 15382

والواقع أن ما قرره الشيخ ابن عاشور في مسألة ما يجب سده من الذرائع وما لا يجب، لم أقف عليه لسواه فيما اطلعت عليه، فكان كلامه جديرا بالتأمل والاعتبار، وذلك لأنه أتى بأمرين: الأول: أنه اصل هذه القاعدة باعتبارها مقصدا تشريعيا عظيما استفيد من استقراء تصرفات الشريعة في مجالات ثلاثة: - وفي تشريع الأحكام. - وفي سياسة التصرف مع الأمم. - وفي تنفيذ المقاصد. وقد حصل هذا التأصيل بإرجاع قاعدة سد الذرائع إلى المقصد الشرعي العام الذي قام عليه الشرع الإسلامي وهو: الإصلاح، وإزالة الفساد: والذي اقتضى النظر إلى أفعال المكلفين والموازنة بين ما فيها من مصلحة وبين ما تؤول إليه من مفسدة. الثاني: أنه تأمل الذريعة فوجدها على قسمين: ١- قسم لا يفارقه كونه ذريعة إلى الفساد بصورة مطردة بحيث يكون الفساد من خاصة ماهيته. وعلى هذا القسم بنت الشريعة أحكاما صريحة مثل حرمة شرب الخمر. وعد الفقهاء هذه الأحكام من الثوابت في الشريعة نظرا إلى كونها ذريعة إلى الفساد بصورة مطردة كما اقترن شرب الخمر بجملة من المفاسد والمضار الجسمية والمالية والاجتماعية. وهذا القسم هو أصل القياس. ٢- قسم قد يتخلف مآله إلى الفساد تخلفا قليلا أو كثيرا. وهذا القسم على ضربين: - بعضه قد كان سببا لتشريع منصوص منذ عهد الرسالة مثل بيع الطعام قبل قبضه. - وبعضه لم يحدث موجبه في زمن الرسول ﷺ وأوكل أمره إلى الفقهاء يوم حدث فجاء حكمه محل اتفاق بينهم في الأفعال التي اتضح إفضاؤها إلى المفسدة. وجاء الحكم محل خلاف بينهم، فيما دون ذلك من الأفعال التي لم يتضح إفضاؤها إلى المفسدة اتضاحا بينًا. وكان ذلك الاختلاف تابعا للاعتبارات التالية: - مقدار اتضاح إفضاء ذلك الفعل إلى المفسدة وخفائه. - وكثرة ذلك الإفضاء وقلته. - وجود المعارض الذي يفضي إلى إلغاء المفسدة وعدم وجوده. - دوام إفضاء ذلك الفعل إلى المفسدة أو توقيته. - قرب المقيس من الأصل المقيس عليه وبعده باعتبار أن هذا القسم هو الفرع المقيس، وأن القسم الأول المتقدم هو الأصل المقيس عليه. - اعتداد مالك بالتهمة في بيوع الآجال حين اعتبر قصد الناس إليها قد أدى إلى شيوعها وانتشارها، فأفضى ذلك إلى المفسدة التي لأجلها حرم الربا

стр. 15383

ورغم أنه ليس لقصد الناس تأثير في التشريع فإنه إذا فشا صار بمثابة مآل الفعل الذي له اعتبار في الشرع، وخاصة إذا قصد به استحلال الممنوع. فلم يعتد مالك بالتهمة لمجرد كونها تهمة، وإنما من وجهة كونها علامة عل تمالي اناس على إحلال المفسدة الممنوعة. ولو كان الأمر لمجرد التهمة للزم عليه أن لا يمنع ما صدر من هذه الذرائع عن أهل الدين والاستقامة والفضل، كما جاء في اعتراض القرافي في الفرق الرابع والتسعين والمائة. الفرق بين الذريعة والسبب وبين الذريعة والوسيلة المستلزمة للمتوسل إليه جرى اصطلاح العلماء على تسمية الذرائع بالأسباب والطرق والوسائل، باعتبار أنها أسماء لمسمى واحد مؤداه كل ما يتوصل به أو يفضي إلى مقصد من المقاصد أو غاية من الغايات. جرى المالكية والحنابلة على هذا: قال شهاب الدين القرافي في مفتتح الفرق الثامن والخمسين الذي تحدث فيه على قاعدة المقاصد وقاعدة الوسائل: "وربما عبر عن الوسائل بالذرائع وهو اصطلاح أصحابنا وهذا اللفظ المشهور في مذهبنا، ولذلك يقولون سد الذرائع، ومعناه حسم مادة وسائل الفساد دفعا لها ... ". فدل كلامه هذا على ترادف اللفظين: الوسائل والذرائع عند العلماء المالكية. ويقول في التنبيه الرابع من الفرق الثامن والخمسين نفسه: " ... فإن الأسباب من جملة الوسائل ... ". فقد أثبت التداخل بين الأسباب والوسائل لأنها مثل الوسائل، فكما أن الوسائل تستلزم متوسلا إليه، فإن الأسباب تفضي إلى مسبباتها وممن سلك مسلك عدم التفريق بين هذه الكلمات: الذرائع، والوسائل، والأسباب، والطرق، شمس الدين ابن القيم الجوزية في كتابه: إعلام الموقعين، حيث عقد فصلا مهما للحديث على الوسائل وكونها تأخذ حكم المقاصد، وعنونه بقوله: "فصل في سد الذرائع".

стр. 15384

ويستنتج من كلامه في هذا الفصل أن هذه الكلمات الأربع ذات مسمى واحد، إذ بها يتوصل إلى المقاصد، ولما كانت المقاصد لا يتوصل إليها إلا بهذه الذرائع، والأسباب، والطرق والوسائل، أخذت حكم مقاصدها وغاياتها، وعلى ذلك جرت القاعدة التي تقول: للوسائل حكم المقاصد، أو التي تقول: وسيلة المقصود تابعة للمقصود، ومعنى ذلك: أن وسائل المحرمات والمعاصي لها حكم الكراهة والمنع بحسب إفضائها إلى غاياتها، وبحسب ارتباطها بها. كما تكون وسائل الطاعات والقربات، في الترغيب فيها والحث عليها بحسب ارتباطها بها أيضًا. وإذا رمنا التدقيق بين الذريعة والسبب من جهة، وبين الذريعة والوسيلة المستلزمة للمتوسل إليه لتحصيل ما بين هذه الكلمات من أوجه التماثل والتباين نجد: أن السبب في اللغة هو الحبل، ويطلق أيضا على كل ما يتوصل به إلى غيره. وأنه –في الاصطلاح- وصف ظاهر منضبط دل الدليل السمعي على كونه علامة على حكم شرعي، بقطع النظر عن وجود علاقة التلازم بينه وبين مسببه عادة، كما هو الشأن بين الحكم وعلته من التلازم الحتمي مثل عقاب الجناة، فإنما وجب لدرء مفسدة الظلم والاعتداء على الغير.

стр. 15385

وحكم السبب أنه متى وجد ترتب على وجوده وجود المسبب إذا توفرت الشروط وارتفعت الموانع، فأشبه العلامة الشرعية والتوقيت للحكم مثل: دلوك الشمس فهو علامة على دخول وقت الظهر وتوقيت لوجوبها، ولا علاقة في العادة بين دلوك الشمس ووجوب صلاة الظهر إلا بما نصبه الشارع فجعل هذا الدلوك سببا وتوقيتا وعلامة على وجوب صلاة الظهر، ويتبين أن المسبب بترتيب الشارع وبصنع الله تعالى وإرادته، لا بترتيب الإنسان. وقد يكون السبب مناسبا لحكمه الذي هو المسبب كالسفر الطويل المبيح للفطر بعلة كونه مظنة المشقة، وكالإسكار المانع من شرب الخمر بعلة الحفاظ على العقل. أما الذريعة فهي –كما أسلفنا- الوسيلة المشروعة التي تفضي أو تؤول إلى نتيجة غير مشروعة تحقيقا أو تقديرا كما هو مبين في أقسام الذرائع باعتبار قوة إفضائها إلى النتيجة وضعف ذلك. وتختلف الذريعة عن السبب في كونها يتوصل بها إلى ما فيه مفسدة –إذا كانت من الذرائع المطلوب سدها- دون أن يتوقف عليها وجود تلك المفسدة، كالسفر المباح في الأصل، فإنه ينقلب إلى معصية إذا صار طريقا وذريعة إلى قطع الطريق مثلًا، فلا يفطر صاحبه ولا يقصر الصلاة؛ لأن المعاصي لا تكون أسبابا للرخص، وليس لازما أن يكون المسافر عاصيا بسفره، فقد يعصي المقيم ولا يعصي المسافر، وقد يحصل قطع الطريق وقتل الغير أو غصب أمواله دون توقف على السفر. وليس الأمر في السبب كالذريعة: إذ لا وجود للمسبب دون وجود سببه، وقد يوجد المتذرع إليه دون وجود الذريعة، مثل غصب أموال الغير، فقد يتذرع إليها بالسفر، وقد يتوصل إليها دون سفر.

стр. 15386

والمدار في هذا الموضوع: أن لا تكون المعاصي أسبابا للرخص، فلا يكون سفر قاطع الطريق مبيحا لقصر الصلاة ولا للفطر بخلاف ما إذا قارنت المعصية سبب الرخصة كمن اضطر لأكل الميتة وهو في سفر معصية، فإنه أكلها بسبب الاضطرار والخوف من تلف النفس وليس هذا بمعصية، وإن قارن هذا السبب معصية وهي السفر لقطع الطريق مثلًا. وقد عقد القرافي تنبيهه الأخير من الفرق الثامن والخمسين فقال: تفرع على هذا الفرق فرق آخر وهو: الفرق بين كون المعاصي أسبابا للرخص، وبين كون المعاصي مقارنة لأسباب الرخص فإن الأسباب من جملة الوسائل، وقد التبس الأمر هاهنا على كثير من الفقهاء، فأما المعاصي فلا تكون أسبابا للرخص. ولذلك العاصي بسفره لا يقصر ولا يفطر لأن سبب هذين السفر، وهو في هذه الصورة معصية، فلا يناسب الرخصة؛ لأن الأمر يؤول إلى تكثير تلك المعصية بالتوسعة على المكلف بسببها، وأما مقارنة المعاصي لأسباب الرخص فلا تمتنع إجماعًا، كما يجوز لأفسق الناس وأعصاهم التيمم إذا عدم الماء وهو رخصة، وكذلك الفطر إذا أضر به الصوم، والجلوس إذا أضر به القيام في الصلاة، ويقارض ويساقي ونحو ذلك من الرخص، ولا تمنع المعاصي من ذلك؛ لأن أسباب هذه الأمور غير معصية، بل هي عجزه عن الصوم ونحوه، والعجز ليس معصية، فالمعصية ههنا مقارنة للسبب لا سبب، وبهذا الفرق يبطل قول من قال إن العاصي بسفره لا يأكل الميتة إذا اضطر إليها؛ لأن سبب أكله خوفه على نفسه لا سفره، فالمعصية مقارنة لسبب الرخصة، لا أنها هي السبب. اهـ. مع بعض التصرف.

стр. 15387

وأما الوسيلة المستلزمة للمتوسل إليه فالعلاقة فيها بين السبب والمسبب لا تتخلف تحقيقًا، مثل إبرام عقد البيع المستلزم لإثبات جملة من الأحكام المرتبة عليه: من ثبوت التملك وحق التصرف والانتفاع وغيرها من منافع الملكية وحقوقها، ومن حق البائع في الثمن لا تبرأ منه ذمة المشتري إلا بإذنه للبائع. فالمالكية لا يفرقون بين سد الذرائع وتحريم الوسائل بل هما شيء واحد عندهم. وفرق الشافعية، فقالوا بتحريم الوسائل المستلزمة للمتوسل إليه، والتي تفضي إلى مفسدة أو مضرة بصورة قطعية لا تحتمل التخلف، ولم يقولوا بسد الذرائع كما قال بها المالكية. وحاول ابن الرفعة أن يسند للشافعي القول بسد الذرائع، وذلك من خلال ما جاء في باب "إحياء الموات" من كتاب الأم حيث ذكر النهي عن منع الماء المفضي إلى منع الكلأ وأنه يحتمل أن ما كان ذريعة إلى منع ما أحل الله لم يحل: وكذا ما كان ذريعة إلى إحلال ما حرم الله. ورد تقي الدين ابن السبكي كلام ابن الرفعة معتبرا أن ما عده ابن الرفعة من سد الذرائع في مثال منع الماء، إنما أراد الشافعي منه تحريم الوسائل، والوسائل تستلزم المتوسل إليه، وذلك أن منع الماء مستلزم عادة منع الكلإ الذي هو حرام، ويضيف التقي السبكي قائلا: ونحن لا ننازع فيما يستلزم من الوسائل، ولذلك نقول: من حبس شخصا ومنعه الطعام والشراب فهو قاتل له، وما هذا من سد الذرائع في شيء. ويقول التقي السبكي محددا موقف الشافعي: وكلام الشافعي في نفس الذرائع لا في سدها، والنزاع بيننا وبين المالكية إنما هو في سدها، ذلك أن الذريعة ثلاثة أقسام: أحدها: ما يقطع بتوصيله إلى الحرام فهو حرام عندنا وعند المالكية. والثاني: ما يقطع بأنها لا توصل، ولكن اختلطت بما يوصل، فكان من الاحتياط سد الباب، وإلحاق الصورة النادرة التي قطع بأنها لا توصل إلى الحرام بالغالب منها الموصل إليه. يقول ابن السبكي: وهذا غلو في القول بسد الذرائع. والثالث: ما يحتمل ويحتمل، وفيه مراتب تتفاوت بالقوة والضعف، ويختلف الترجيح عند المالكية بسبب تفاوتها. ثم قال: ونحن نخالفهم جميعا إلا في القسم الأول، لانضباطه وقيام الدليل عليه. ثم قال: أما موافقتهم في القسم الأول فواضحة، بل نحن نقول في الواجبات بنظيره، ألا ترانا نقول: ما لم يتم الواجب إلا به فهو واجب، وبطريق الأولى أن نحرم ما يوقع في الحرام. وأما مخالفتهم في القسم الثاني: فكذلك، وما أظن غير المالكية يذهب إليه، ولا أظنهم يتفقون عليه وأما القسم الثالث: فلعله الذي حاول ابن الرفعة تخريج قول الشافعي فيه بما ذكره من النص، وقد عرف ما فيه (١) . والحاصل أن الشافعية هم الذين يفرقون بين الذريعة والوسيلة المستلزمة للمتوسل إليه، وذلك بناء على ما اختاروه هم ومعهم الحنفية وأصحاب المذهب الظاهري من إنكار أن تكون الذرائع أصلا تشريعيا كما يراه الفريق المقابل الذي يضم المالكية والحنابلة والإمامية.

стр. 15388

المقارنة بين الذرائع والحيل الفقهية ومدى الخلاف أو الوفاق بينها أسلفنا في مطلع هذا البحث ما يتعلق بتعريف الذرائع. أما الحيل فالمفرد حيلة، والفعل تحيل تحيلا فهو متحيل. والتحيل في العرف واللغة فعل مذموم تأنفه الكرامة لما في تعاطيه من كيد ومكر وخديعة، ولما في مضمر فاعله من خبث. أما التحيل في العرف الشرعي فهو عبارة عن أعمال يأتيها بعض الناس في خاصة أحواله للتخلص من حق شرعي عليه، بصورة هي أيضا معتبرة شرعا حتى يظن أنه جار على حكم الشرع. وقيل في التحيل أيضًا: هو عمل يتم به إبراز الممنوع شرعا في صورة عمل جائز، أو يتم به إبراز غير معتد به شرعا في صورة معتد به بقصد التفصي من المؤاخذة. فالتحيل شرعا هو ما كان المنع فيه شرعيا والمانع الشارع. والتحيل بناء على هذين التعريفين لا يكون إلا محظورا شرعا بيد أنه: تقديم عمل ظاهر الجواز لإبطال حكم شرعي. فليس عند المحققين من العلماء شيء من الحيل يوصف بأنه مشروع بحجة أن كل الحيل إنما يقصد منها تعطيل مقصد شرعي أو إبطال حكم أو إسقاط شرط أو غير ذلك من أحكام الشريعة وحدودها. وما ليس كذلك من الحيل الموصوفة بأنها مباحة فليس فيها في الواقع شيء من التحيل ولا ينطبق عليها اسم التحيل المقرون بالخبث والمكر والخديعة، وإنما هي أشياء أخرى كان الأجدر أن يطلق عليها اسم: حسن التدبير أو الحرص أو الورع، وليس من هذا القبيل التغرير بل خداع ممقوت. مثال حسن التدبير: من أحب امرأة فسعى لتحقيق زواجه منها لتحل له مخالطتها.

стр. 15389

مثال الحرص: ما حصل للصحابي أبي بكرة ﵁ لما دخل المسجد فوجد رسول الله ﷺ راكعًا، وخشي فوات الركعة وأحب أن يكون في الصف الأول تحصيلا لثوابه، فركع ومشى راكعا حتى أدرك الصف الأول. فقال له رسول الله ﷺ : ((زادك الله حرصا ولا تعد)) . مثال الورع: اتخاذ الآلة أو أية وسيلة أخرى للتوجه في الصلاة لعين القبلة في حين يكفيه معرفة الجهة على العموم، واتخاذ منبه لئلا يفوت وقت الصبح، وإلزام المريض نفسه بالصوم وهو مرخص له في الإفطار ومثله المسافر. ومن ورع التخلص من الورطة باستخدام الألفاظ وتطويعها للإيهام كحال الرجل من أهل السنة ضمه مجلس من أهل الشيعة، لما سألوه: من أفضل الناس بعد رسول الله ﷺ ، أجاب: "الذي كانت ابنته تحته"، فأوهمهم أنه علي في حين يريد أبا بكر ﵄، وذلك تبعا لاحتمال معاد الضميرين في الجملة. وليس التغرير من صنف ما أسلفنا بل هو تحيل على الناس ليوقعهم في الفخ كمن يراود خصمه على الصلح لا بقصد الصلح ولكن بقصد تطمينه والحصول على إقراره. وقد أشار المحققون من العلماء إلى علاقة التناقض القائمة بين سد الذرائع وتجويز الحيل إذ بسد الذرائع يمنع الجائز خشية الوقوع في المحرم أو في المفاسد، وبتجويز الحيل يفسح الطريق لذلك ومنع الحيل على القول به من طرف الجمهور يؤول إلى سد الذرائع كالذي تقرر شرعا من أن اليمين إذا تعلقت بحق الغير فإنها تكون على نية المستحلف (أي صاحب الحق الطالب لليمين) دفعا لتحيل الحالف، وإبقاء على نجاعة اليمين في فصل النزاعات. وبهذا الاعتبار يكون بين الذرائع والحيل عموم وخصوص كما أن مجال التطبيق في الحيل: الأحوال الخاصة للتخلص من حق شرعي، أما الذرائع فمجالها الأحوال العامة. ومن جهة أخرى فإن الحيل تتوقف على قصد المتحيل بخلاف الذرائع فهي تفضي إلى المفسدة سواء قصد الناس أو لم يقصدوا، كما أن الحيل لا تكون إلا مبطلة لمقصد شرعي بخلاف الذرائع فقد لا تكون مبطلة لمقصد شرعي، كما سيأتي بيانه في تقسيم الذرائع.

стр. 15390

فالفروق بين الحيل والذرائع ثلاثة: الأول: ما بينهما من عموم وخصوص. الثاني: توقف الحيل على القصد دون الذرائع. الثالث: حتمية إبطال مقصد شرعي في الحيل ولا يكون ذلك في سد الذرائع. ويبدوا أن الإجماع حاصل حول القول بمنع الحيل التي تؤول إلى إسقاط حكم أو إبطال مقصد شرعي صراحة وبوضوح، وإن أجاز بعض فقهاء الحنفية وبعض الشافعية هذه الحيل التي لم يقصد بها إبطال الأحكام صراحة. وقال بمنعها مالك والشافعي وأحمد منعا مطلقا بناء على أن الشريعة قائمة أساسا على مصالح مقصودة، وأن كل الوسائل والذرائع التي تفوت هذه المصالح يجب سدها. ويستند المجيزون للحيل الشرعية (كما يسمونها) على جملة من الأدلة النقلية من الكتاب والسنة، يقول عنها شيخ الإسلام ابن عاشور في مقاصد الشريعة الإسلامية: "من يجعل المكابرة ظهريا يوقن بأن ما يجلب لصحة التحليل الشرعي من الأدلة، إنما هي أدلة غير متبصر بها، ولا يعسر عليه بعد هذا تنزيلها منازلها وإبداء الفروق بينها". من هذه الأدلة: ما روي في الموطأ وصحيح مسلم أنه لما أبطل التبني، وكان سالم مولى أبي حذيفة متبنيا لأبي حذيفة، فجاءت سهلة بنت سهيل زوج أبي حذيفة إلى رسول الله ﷺ فقالت: "يا رسول الله إن سالما يدخل علينا وأنا فضل، وليس لنا إلا بيت واحد" فقال لها رسول الله ﷺ : ((أرضعيه تحرمي عليه)) فقالت: يا رسول الله كيف أرضعه وهو كبير؟ فضحك رسول الله ﷺ وقال: ((قد علمت أنه رجل كبير)) فقالت نساء رسول الله ﷺ : والله ما نرى هذا إلا رخصة أرخصها رسول الله ﷺ لسالم خاصة وامتنعن –﵅ أن يدخل عليهن أحد بمثل هذه الرضاعة. وإذا أضفنا إلى ما قاله الزوجات الطاهرات وفعلنه وما قاله لهن ﷺ بعد ذلك (في الأظهر) : ((انظرن من يدخل عليكن بالرضاعة، فإنما الرضاعة من المجاعة)) لا يبقى لفقيه شك في كون الرضاعة، وفي كون ما حصل لسالم إنما هو رخصة أوجبتها شدة الوقع على نفس المؤمنين من جراء إبطال التبني مع عدم سبق تمهيد له. فكان التراخيص للرفق مع حصول صورة حكم شرعي ليحصل احترام التشريع الجديد، ولا تقع مخالفته إلا في جزئية خاصة، وقد رخص فيها (١) .

стр. 15391

ويوالي شيخ الإسلام ابن عاشور –﵀ استعراض هذه الأدلة، وينزلها منازلها فيذكر: - الرجل الذي زوجه رسول الله ﷺ المرأة –التي عرضت نفسها عليه والذي ليس معه مهر ولا يجد مهراً- بما معه من القرآن. ويبين أنها خصوصية جعلت لها صورة تشبه الصورة المعروفة إبقاء على حرمة حكم المهر. - ما ورد في قضية أيوب ﵇ من قوله تعالى: ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ﴾ [ص: ٤٤] عندما حلف أن يضرب امرأته ضربات، ولما ذهب غضبه أشفق عليها، وحصل له توقف كيف يبر يمينه فأمره تعالى بأن يضربها بضغث من عصي، فقد يكون شرعا شرعه له أو رخصة خاصة لنبيه حتى يعينه على الخروج من الأزمة دون استخفاف بحرمة اسم الله تعالى. - ما ورد في قضية يوسف ﵇ وهو قوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ﴾ [يوسف: ٧٦] . فليس من قبيل التحيل على شريعة إلهية، وإنما هو أمر محبوب لا يمنعه شرع إلهي بدليل قوله: ﴿فِي دِينِ الْمَلِكِ﴾ [يوسف: ٧٦] والملك هو فرعون. وعلى فرض التسليم بأن هذه حيل هل هي صالحة للقياس عليها والنسج على منوالها؟ أو بعبارة أخرى: هل تصلح أصلا للقياس؟. الجواب واضح، وهو أن ما يجعل أصلا للقياس عليه لا بد أن يشمل على معنى وحكمة تصحح القياس عليها، وقد سبق تقرير أن الحيلة مخالفة للحكم مفوتة للمقصد! فكيف يمكن القياس عليها وجعلها أصلا لحق به الأشباه والنظائر؟ وفي آخر هذا المبحث يحسن التنبيه إلى أن الحلال –في هذا الموضوع- بين والحرام بين، فمن وهب ماله قبل الحول بيوم ليسقط عن مال واجب الزكاة، ثم رجع في هبته بعد ذلك هو متحيل ماكر.

стр. 15392

ومن حول ماله إلى شراء عروض التجارة قبل الحول فقد انتقل من حالة مشروعة إلى حالة أخرى مشروعة وليس تحيلا بأي وجه ولم يفر من الزكاة ولم يهرب من الواجب كالأول بل انتقل بماله من زكاة العين إلى زكاة العروض والتجارة، وفي كل حكم وفي كل حكمة والشرع لا يمنع من ذلك ولا يسميه تحيلا بالمرة. أقسام الذرائع بحسب القطع بتوصيلها للحرام وعدم القطع أحكامها وشروطها اعتبارا لما ذهب إليه جمهور العلماء من أن الوسائل تأخذ حكم المقاصد، وأن وسيلة المقصود تابعة للمقصود، وكلاهما مقصود لكنه مقصود قصد الغايات، وهي مقصودة قصد الوسائل (١) . وتبعا لما تقرر لدى الحذاق من العلماء من أن سد الذرائع من أدلة الفقه، وأنه مقصد تشريعي عظيم استفيد من استقراء تصرفات الشريعة في تشاريع أحكامها (٢) . تأمل هؤلاء العلماء في الذرائع فأصلوها وقسموها إلى أقسامها بحسب ما تفضي إليه على وجه القطع أو على وجه الاحتمال فقسمها ابن القيم إلى أقسام أربعة هي (٣) : الأول: وسيلة موضوعة للإفضاء إلى مفسدة، والمفسدة من ماهيتها. الثاني: وسيلة موضوعة للمباح قصد بها التوسل إلى المفسدة. الثالث: وسيلة موضوعة للمباح لم يقصد بها التوسل إلى المفسدة لكنها مفضية إليها غالبا ومفسدتها أرجح من مصلحتها. الرابع: وسيلة موضوعة للمباح، وقد تفضي إلى المفسدة ومصلحتها أرجح من مفسدتها.

стр. 15393

مثال القسم الأول: شرب الخمر المفضي إلى مفسدة السكر والضرر بالعقل. القذف المفضي إلى مفسدة الفرية. الزنا المفضي إلى مفسدة اختلاط النسل وفساد الفراش. حكم هذا القسم: المنع المتردد بين الكراهة والحرمة بحسب عظم المفسدة وصغرها. مثال القسم الثاني: نكاح المحلل للمطلقة ثلاثا لزوجها الأول. البيع المتخذ صورة لتغطية مفسدة الربا. حكم هذا القسم: إبطال الوسيلة وسد الذريعة إذا تبين القصد إلى المفسدة سواء بإظهار ذلك في العقد، أو بتمالي الناس على الفعل حتى ظهرت المفسدة. والمعيار في هذا هو الموازنة بين المصلحة في الغاية المفضي إليها والمآل المتوسل إليه، وفي هذا اختلفت الأنظار لدى العلماء. مثال القسم الثالث: صلاة التطوع لغير سبب في وقت النهي. تزين المتوفى عنها في عدتها. سب أرباب المشركين بمحضرهم. بيع السلاح في الفتنة. بيع العنب للخمار ... إلخ من الأمثلة. حكم هذا القسم: حكمه كسابقه المنع إذا رجحت المفسدة، والجواز إذا رجحت المصلحة, واختلاف الأنظار والآراء فيما عدا ذلك.

стр. 15394

مثال القسم الرابع: النظر إلى المخطوبة والمستأمنة (المملوكة عند التقليب) . النظر إلى المشهود عليها والشريكة في المعاملات. فعل ذوات الأسباب (النافلة لسبب) وقت النهي. كلمة حق عند سلطان جائر. حكم هذا القسم: أنه مأذون فيه مأمور به ويتردد حكمه بين الإباحة والندب والوجوب بحسب درجة المصلحة وأهميتها. وقد عقد ابن القيم –﵀ أوجها هي عبارة عن أمثلة من الكتاب والسنة، للتدليل على منع القسمين الثاني والثالث اللذين جرى فيهما خلاف بين العلماء وتباين في المدارك والأنظار، وأوصلها إلى تسعة وتسعين وجها مع الوقوف عند كل وجه وبيان ما فيه (١) . وقسم شيخ الإسلام ابن عاشور الذرائع بحسب القطع بتوصيلها إلى الحرام إلى قسمين رئيسيين متبعا في ذلك –فيما يبدو- منهجه الخاص على النحو التالي: القسم الأول: لا يفارقه كونه ذريعة إلى فساد بحيث يكون مآله إلى الفاسد مطردًا، أي بحيث يكون الفساد من خاصة ماهيته. حكم هذا القسم: هو من أصول التشريع في الشريعة وعليه بنيت أحكام كثيرة منصوصة ومعروفة مثل تحريم الخمر وغيره من الأحكام المعلومة. وهذا القسم هو الأصل المقيس عليه في هذا الباب. القسم الثاني: قد يتخلف مآله إلى الفساد تخلفا قليلا أو كثيرًا، وهذا القسم قد كان سببا للتشريع المنصوص مثل: منع بيع الطعام قبل قبضه، وبعضه لم يحدث موجبه في زمن النبي ﷺ فكانت أنظار الفقهاء فيه من بعده متخالفة، فربما اتفقوا على حكمه وربما اختلفوا، وذلك تابع لمقدار إيضاح الإفضاء إلى المفسدة وخفائه، وكثرته وقلته، ووجود معارض ما يقتضي إلغاء المفسدة وعدم المعارض، وتوقيت ذلك الإفضاء ودوامه (٢) . مثال هذا القسم وحكمه: بيوع الآجال التي لها صور كثيرة والتي اختلفت أنظار أئمة المذاهب إليها: فقال المالكية والحنابلة بمنعها وتبعهم الإمامية وخالفهم الشافعية والحنفية وتبعهم الظاهرية، ومنعها مالك لتذرع الناس بها كثيرا إلى إحلال معاملات الربا التي هي مفسدة. وأخذ على مالك أنه يعتد بالتهمة في سد الذرائع، وليست التهمة سوى حكم بالظن أو الوهم. والواقع أن مالكا لا يعتبر التهمة بذاتها ولا قصد الناس بذاته لولا دلالة ذلك على شيوع الفعل وانتشاره مما حول هذه البيوع إلا الإفضاء إلى مفسدة الربا المحرمة. فحكم مالك بمنع بيوع الآجال سدا لذريعة الربا لم يستند فيه أساسا لمجرد تهمة أو لقصد الناس، وإنما استند لوجوب درء مفسدة دل عليها دليل من حال الناس وتماليهم على إحلال المفسدة الممنوعة، وليس للمقصد أثر في تغيير الحكم لولا أنه كان دليلا على إقبال الناس على مفسدة وإحلال ممنوع، قالوا: ألا ترى أن من كانت عادته في الجاهلية المعاملة بالربا فأسلم، فحول معاملته إلى السلم وتمعش منه، لم يكن فعله ممنوعا ولو قصد إلى استبدال أرباحه من الربا بأرباحه من السلم، ما دامت قد سلمت معاملاته من مفسدة الربا، واشتملت على المصلحة التي لأجلها أبيح السلم. وليس في الشريعة نكاية بالعباد حتى تحرمهم من ربحهم الجاري على الطريقة المشروعة لأجل مقاصدهم. ويبدو بجلاء أن في هذا الباب مجالا فسيحا للنظر والتروي وإعمال الفكر لأن لسد الذرائع جانبا آخر لا بد لمن يفتي الناس من مراعاته، زيادة على ما تفضي إليه الذريعة من مصلحة أو مفسدة وهو جانب النفس اللوامة والوازع الديني المعبر عنهما في لغة العامة بالضمير وعلى حسب هذا الوازع ضعفا وقوة يكون التوسع أو التضييق في سد الذرائع. يقول شيخ الإسلام ابن عاشور ٠رحمه الله-: فيظهر لنا أن سد الذرائع قابل للتضييق والتوسع في اعتباره، بحسب ضعف الوازع في الناس وقوته (٣) .

стр. 15395

موقف أئمة الفقه من الاحتجاج بسد الذرائع سد الذرائع من أدلة الفقه عند المالكية والحنابلة والإمامية، وليس من أدلة الفقه عند الشافعية والأحناف ومثلهم الظاهرية. أدلة الفريق الأول: يستدل الفريق الأول بجملة من الأدلة منها النقلية ومنها العقلية. أدلتهم النقلية: من الكتاب: قوله تعالى: ﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [الأنعام: ١٠٨] . وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا﴾ [البقرة: ١٠٤] . نهى تعالى عن كلمة (راعنا) لأنها اسم فاعل من الرعونة سدا لاستعمالها من طرف اليهود للإساءة لرسول الله ﷺ . من السنة: قوله ﷺ : ((دع ما يريبك إلى ما لا يريبك)) (١) ، وقوله ﷺ : ((الحلال بين والحرام بين وبينهما أمور مشتبهات، فمن اتقى المشتبهات استبرأ لدينه، ومن وقع في المشتبهات كان كالراتع حول الحمى يوشك أن يرتع فيه. وقال: ألا لكل ملك حمى، وإن حمى الله محارمه)) (٢) . وقوله صلى الله عليه وسلم: ((إن من أكبر الكبائر أن يلعن الرجل والديه، قيل: يا رسول الله كيف يلعن الرجل والديه؟ قال: يسب أبا الرجل فيسب أباه، ويسب أمه فيسب أمه)) (٣) . قال ابن رشد: "إن أبواب الذرائع في الكتاب والسنة يطول ذكرها ولا يمكن حصرها" (٤) .

стр. 15396

أما أدلتهم العقلية فيقولون: أ- لو تتبعنا مواد التحريم في الكتاب والسنة لتبين لنا أن المحرمات على قسمين: منها ما هو محرم تحريم المقاصد مثل تحريم الشرك والزنا وشرب الخمر والقتل عدوانًا، ومنها ما هو محرم تحريم الوسائل والذرائع. وللتدليل على ذلك عدد ابن القيم في إعلام الموقعين تسعة وتسعين مثالا انتقاها من الكتاب والسنة. ب- إن تحريم الشيء ومنعه يتطلب حتما سد الوسائل والطرق المفضية إليه، ويتم ذلك بتحريم هذه الوسائل ومنعها، ولو لم نفعل وأبحنا الطرق والوسائل الموصلة للحرام لوقعنا في التناقض لأننا نكون قد منعنا الشيء وأغرينا النفوس بفعله في الوقت نفسه، وشريعة الله المطهرة منزهة عن هذا. أرأيت لو عمد أحد حكام الدنيا إلى منع رعيته من شراء واستهلاك البضاعة والمنتوج غير الوطني، ثم يأذن في توريد هذه البضاعة في المحالات والمتاجر، ألا يعد متناقضاً؟ بل ألا يعد مختلاً؟ لأن أفعال العقلاء تصان عن العبث.

стр. 15397

أدلة الفريق الثاني: وتتلخص فيما يلي: يقولون: الذرائع هي الوسائل، والوسائل على أنواع مختلفة الحكم، فقد تكون حراما ً، أو واجبة، أو مكروهة، أو مندوبة، أو مباحة، كما أنها تختلف باختلاف مقاصدها حسب قوة الغايات (من مصالح ومفاسد) وضعفها، وحسب الخفاء والظهور. فلا يمكن حينئذ اعتبار هذه الوسائل كلية ولا إلغاؤها كلية ... وإنما الأمر يتوقف على خصوصية تقتضي اعتبارها أو إلغاءها. ويقولون: إن الشرع مبني على الحكم بالظاهر والله يتولى السرائر أما رأيت أن الله تعالى قد أطلع رسوله ﷺ على حقيقة المنافقين، ولم يأمره أن يحكم عليهم في الدنيا بخلاف ما أظهروا. وجعل الحكم في المتلاعنين بدرء الحد مع وجود علامة الزنى في المولود الذي أتت به المرأة على الوصف المكروه وهذا يدل على ترك العمل بالدلالة. قال الشافعي: يبطل حكم الدلالة التي هي أقوى من الذرائع، فإذا أبطل الأقوى من الدلائل أبطل الأضعف من الذرائع كلها (١) . وبناء على أمر الشرع بالحكم بالظاهر، وعلى إبطاله حكم الدلالة التي هي أقوى من الذريعة، وإبطال الذرائع بمفهوم الأولى، دل ذلك على أنه لا يفسد عقد أبدا إلا بالعقد نفسه، ولا يفسد بشيء تقدمه أو تأخر عنه، ولا بتوهم ولا بأغلب ظن، وكذلك كل شيء لا يفسده إلا بعقده، ولا تفسد البيوع بأن نقول هذه ذريعة، وهذه نية سوء (٢) .

стр. 15398

وإذا تركنا هذا الجدل اللفظي الذي جرى بين الفريقين ونزلنا إلى المجال الفقهي التطبيقي نجد أن الخلاف يكاد ينحصر في مسألة فقهية واحدة ذات صور عديدة وهي مسألة بيع الآجال، ولا تشغل هذه المسألة من أقسام الذرائع الثلاثة (بحسب ما اتفق عليه وما اختلف فيه) إلا حيزا من أحد هذه الأقسام. وقد جاء هذا التقسيم للقرافي –﵀ على النحو التالي: القسم الأول: ما أجمعت الأمة على سده وحسم ضرره مثل: حفر الآبار دون سياج في ممرات المسلمين، وكوضع السم في طعامهم، وكسب الأصنام عند أهلها الذين يعلم من حالهم أنهم يسبون الله تعالى عند سبها. القسم الثاني: ما أجمعت الأمة على عدم سده تجاوزا عن مضرتها المحتملة والتي يمكن التصدي لها من وجوه أخرى إلى اعتبار مصلحتها المتأكدة، مثل: التجاور في السكنى الذي هو ذريعة للزنى، ومثل: زراعة العنب باعتبار أنه ذريعة لشرب الخمر. القسم الثالث: ما اختلف فيه العلماء باعتبار أنه ذريعة إلى مفسدة محتملة، مثل: بيوع الآجال تصير ذريعة إلى التعامل بالربا كمن باع سلعة بعشرة إلى أجل ثم اشتراها من مشتريها نقدا بخمسة قبل الأجل. فالإجماع حاصل بين الفريقين حول القسم الأول والقسم الثاني وتحدد الخلاف بينهما في القسم الثالث وحده، ويكاد لا يتجاوز مسألة بيوع الآجال مع بعض المسائل الأخرى مثل بيع السلاح في زمن الفتنة، أو لقاطع طريق، وبيع العنب للخمار الذي يعصره خمرًا ... إلخ.

стр. 15399

تحرير محل النزاع: لتحرير محل النزاع نقول: نظر أصحاب الفريق الأول (من مالكية وحنابلة وإمامية) في الصور الممنوعة من بيوع الآجال فرأوا أنها صار البيع فيها صورة لا مصلحة فيه، بحكم أن المشتري لم يدفع ثمنا عاجلا بل مؤجلا وقبض نقدا أقل مما في ذمته، وما سمي بيعا إذا أمعنا فيه النظر سلف بإعطاء خمسة نقدا ليأخذ عشرة مؤجلًا، والقاعدة تقول: العبرة بالأوصاف والمعاني لا بالأسماء والمباني. وقال أصحاب الفريق الثاني: هما في الظاهر عقدا بيع تامان، ولا يعنينا أمر الباطن، ولا يفسد العقد إلا من نفسه يعني بخلل فيه لا مما أحاط به أو تقدمه أو تأخر عنه، ولا يفسده توهم أو غلبة ظن أو نية سيئة، فالحاصل في الظاهر هو انعقاد بيع صحيح أول مستقل، ثم بيع ثان مستقل أيضا ولا خلل في هيكل العقدين ولا وجه لإبطالهما أو إبطال أحدهما. ولو تأملنا فيما يؤول إليه موقف الفريقين لوجدنا أن الفريق الأول في محل النزاع هذا، يعتمد الأصل التشريعي القائل كما عبر عنه الشاطبي: النظر في مآلات الأفعال مقصود شرعا (١) . في حين أن الفريق الثاني لم ينظر إلى مآلات الأفعال في هذا الموضوع، وإن حصل ذلك في مجالات أخرى منها ما يلي: فقد نظر الشافعية إلى مآل عدم قتل من تترس بهم الأعداء في حرب الكفار من أطفال ونساء وأسرى المسلمين، فقالوا: المآل حينئذ: ترك الجهاد والاستسلام للعدو ليستولي على ديار الإسلام، ولهذا قالوا بقتلهم إن لم يكن من ذلك بد باعتبار ذلك أخف الضررين وللإبقاء على حوزة الإسلام وبيضته. ونظروا في مآل عمل الوكيل فقالوا: لا يبيع ما وكل له أمر بيعه لنفسه خشية اتهامه بالغبن في الثمن. وكذلك قالوا: بحرمان القاتل من الميراث نظرا لمآل محتمله لعمله وهو ارتكاب القتل من أجل تعجيل الميراث. وبإبطال البيع للحربي بضاعة اشتراها منا ويستعين بها على قتالنا، أليس في هذا نظر لمآل الأفعال؟ وبعد هذا هل بقي من شك في أن الكفة راجحة لجانب الفريق الأول الذي يقول بالأصول التشريعية، ويراعيها في التطبيقات على الفروع، وأن الكفة مرجوحة لجانب الفريق الثاني الذين لا يقولون ببعض هذه الأصول التشريعية، ولكنهم في أغلب التطبيقات يراعونها بل ويعللون الأحكام الفرعية بها؟

стр. 15400

هل الأخذ بالذرائع مما اختص به المذهب المالكي أو أخذ بها كل المذاهب وإن لم تصرح؟ شواهد من فقه الأئمة الأربعة سد الذرائع مقصد تشريعي عظيم استفيد من استقراء تصرفات الشريعة، كما قال شيخ الإسلام ابن عاشور –﵀ (١) . ويرجع هذا المقصد التشريعي العظيم إلى أصل تشريعي عظيم وهو النظر في مآلات الأفعال، وهذا الأصل وصفه الشاطبي بقوله: النظر في مآلات الأفعال معتبر مقصود شرعا (٢) . ولأهمية هذا المقصد التشريعي قال القرافي: فليس سد الذرائع خاصا بمالك –﵀ بل قال بها هو أكثر من غيره، وأصل سدها مجمع عليه (٣) . ونازع التاج السبكي في كلام القرافي حيث قال: وزعم القرافي أن كل أحد يقول بها ولا خصوصية للمالكية إلا من حيث زيادته فيها. ثم بعد استعراضه لتقسيم القرافي لسد الذرائع باعتبار ما أجمع عليه وما اختلف فيه التاج السبكي: قلت: وقد أطلق هذه القاعدة على أعم منها، ثم زعم أن كل أحد يقول ببعضها وسنوضح لك أن الشافعي لا يقول بشيء منها (٤) . وملخص ما قاله السبكي في معارضة كلام القرافي: أن ما ادعاه الذين نسبوا للشافعي القول بسد الذرائع يقول بها الشافعي كما يقول بها سواه من الأئمة، مثل النهي عن منع فضل الماء ليمنع به الكلأ، ومثل الوصي يبيع شقصا على اليتيم فلا يؤخذ بالشفعة على الأصح عند الرافعي، ومثل المريض يبيع شقصا بدون ثمن المثل، وأن الوارث لا يأخذ بالشفعة كذلك على وجه سد الذرائع، ومثل المسائل المجمع على سد الذرائع فيها والتي ورد التنصيص على المنع فيها من الكتاب والسنة، مثل سب أصنام المشركين –وحفر الآبار دون سياج في طريق المسلمين- ووضع الطعام المسموم لهم. ومثلها مثل حبس الرجل دون إعطائه طعاما ولا شرابًا، وليس هو من سد الذرائع.

стр. 15401

ينقل التاج السبكي في هذه المسائل وسواها –مما قال به الشافعي- عن والده التقي السبكي أنها ليست من سد الذرائع، وإنما أراد الشافعي ﵀ تحريم الوسائل المستلزمة للمتوسل إليه فيقول في سياق الرد على ابن الرفعة الذي حاول تخريج قول الشافعي بسد الذرائع من كلامه في باب إحياء الموات في كتاب الأم: ونازعه الشيخ الإمام الوالد ﵀ وقال: إنما أراد الشافعي –﵀ تحريم الوسائل لا سد الذرائع، والوسائل تستلزم المتوسل إليه، ومن هذا النوع منع الماء، فإنه مستلزم عادة لمنع الكلأ الذي هو حرام، ونحن لا ننازع فيما يستلزم من الوسائل، ولذلك نقول: من حبس شخصا ومنعه الطعام والشراب فهو قاتل له، وما هذا من سد الذرائع في شيء، قال الشيخ الإمام: (يعني والده دائماً) وكلام الشافعي في نفس الذرائع لا في سدها (١) . ثم حدد التقي السبكي محل الخلاف بين المالكية والشافعية فيقول: والنزاع بيننا وبين المالكية إنما هو سدها. ثم يقسم الذرائع كما يراها، ويحدد موقف الشافعية من كل قسم فقال: الذريعة ثلاثة أقسام: أحدها: ما يقطع بتوصيله إلى الحرام فهو حرام عندنا وعند المالكية. الثاني: ما يقطع بأنها لا توصل، ولكن اختلطت بما يوصل، فكان من الاحتياط سد الباب، وإلحاق الصورة النادرة التي قطع بأنها لا توصل إلى الحرام بالغالب منها الموصل إليه. قال الشيخ الإمام: وهذا غلو في القول بسد الذرائع. الثالث: ما يحتمل ويحتمل، وفيه مراتب تتفاوت بالقوة والضعف، ويختلف الترجيح عند المالكية بسبب تفاوتها. وقال: ونحن نخالفهم في جميعها إلا في القسم الأول، لانضباطه وقيام الدليل عليه (٢) . ويعقب التاج السبكي على هذا النقل المنسوب لوالده التقي السبكي بقوله: قلت: أما موافقتهم في القسم الأول فواضحة، بل نحن نقول: في الواجبات بنظيره، ألا ترانا نقول: ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب فبطريق الأولى أن نحرم ما يوقع في الحرام. وأما مخالفتهم في القسم الثاني: فكذلك، وما أظن غير المالكية يذهبون إليه، ولا أظنهم يتفقون عليه. وأما القسم الثالث: فلعله الذي حاول ابن الرفعة تخريج قول الشافعي فيه (٣) .

стр. 15402

وبعد النظر فيما قاله القرافي: "فليس سد الذرائع خاصا بمالك –﵀ بل قال بها هو أكثر من غيره، وأصل سدها مجمع عليه" وقد سبق ذكره في مطلع هذا الفصل. وما قاله التاج السبكي في معارضة كلام القرافي ونصه: قلت: وقد أطلق هذه القاعدة على أعم منها، ثم زعم أن كل أحد يقول ببعضها، وسنوضح لك أن الشافعي لا يقول بشيء منها، وأن ما ذكر أن الأمة أجمعت عليه ليس من مسمى سد الذرائع في شيء. بعد النظر في هذا كله وفي التقسيم الذي ذكره التقي السبكي للذريعة، يتبين أن الشافعي يقول بالذرائع وبسدها لا كما قال التاج السبكي: إنه لا يقول بشيء منها. والذرائع هي الذرائع وكذلك سماها التقي السبكي وتسميتها بالوسائل لا يغير من الواقع شيئا وإنما هي اصطلاحات مختلفة لمسمى واحد، ولا مشاحة في الاصطلاح وليس جرما أن يكون ما يسميه البعض وسيلة يسميه آخرون ذريعة، ما دامت اللغة تتسع، والمراد مفهوم. وليس مسمى الوسيلة أو الذريعة –هو واحد- مما يجوز أن ينقلب إلى موضوع اختلاف –وهمي في رأينا- خاصة ومن العلماء من نبه إلى الترادف بين المصطلحين وبين أن الوسائل اصطلح المالكية على تسميتها بالذرائع. قال القرافي في مطلع كلامه في الفرق الثامن والخمسين بين قاعدة المقاصد وقاعدة الوسائل ما نصه: "وربما عبر عن الوسائل بالذرائع، وهو اصطلاح أصحابنا، وهذا اللفظ المشهور في مذهبنا، ولذلك يقولون سد الذرائع" فكون الشافعي –﵀ يقول بالوسائل لا يعني هذا أنه لا يقول بالذرائع إلا إذا أثبتنا الفرق بين هذه وتلك، ولم يحصل شيء من هذا فيما رأينا من تفرقة بالقول دون تحديد ملموس. أما أن المالكية قد توسعوا في الأخذ بسد الذرائع ما لم يتوسع فيها سواهم، فهذا واقع قامت عليه الشواهد من الفروع الفقهية. وبناء على كل ما أسلفنا نستطيع القول: بأن الأخذ بالذرائع ليس مما اختص به المذهب المالكي بل مما أخذ به كل المذاهب ومن بينها المذهب الشافعي في أخذه بالوسيلة المستلزمة للمتوسل إليه، وفي أخذه كذلك بغير المستلزمة في بعض الحالات، وإن قلت ولم تبلغ مبلغ ما أخذ به المالكية الذين توسعوا، وإن تمسك بعض الشافعية مثل التقي السبكي وتبعه ابنه التاج السبكي بعدم التصريح مما دعاهما إلى عديد التأويلات.

стр. 15403

وقد ركن شيخ الإسلام ابن عاشور إلى تأصيل سد الذرائع –الذي وصفه بأنه مقصد تشريعي عظيم- وذلك بإرجاعه إلى قاعدة تعارض المصالح والمفاسد في الشريعة، وكأنه بهذا الإرجاع إلى هذه القاعدة المجمع عليها يتجاهل الخلاف الوهمي في سد الذرائع ويوافق القرافي إذ قال: وأصل سدها مجمع عليه. يقول –﵀ بعد ذكر التقسيم الذي اعتمده الشهاب القرافي لسد الذرائع: "ولم يبحث عن وجوب الاعتداد ببعض هذه الذرائع دون بعض وما هو عندي إلا التوازن بين ما في الفعل الذي هو ذريعة من المصلحة، وما في مآله من المفسدة. فترجع إلى قاعدة تعارض المصالح والمفاسد ... " ثم يقول ﵀: "فما وقع منعه من الذرائع هو ما قد عظم فيه فساد مآله على صلاح أصله، مثل: حفر الآبار في الطرقات، وما لم يقع منعه هو ما قد غلب صلاح أصله على فساد مآله كزراعة العنب. على أن لاحتياج الأمة إلى تلك الذريعة بقطع النظر عن مآلها، وفي إمكان حصول مآلها بوسيلة أخرى وعدم إمكانه، أثرا قويا في سد بعض الذرائع وعدم سد بعضها". ولا يظن أن المراد باحتياج الأمة إلى الذريعة اضطرارها إلى وجودها. بل المراد به أنه لو أبطل ذلك الفعل الذي هو ذريعة للحق جمهورا من الناس حرج، فإن العنب تستطيع الأمة أن تستغني عنه، إلا أن في تكليفها ذلك حرمانا لا يناسب سماحة الشريعة، فكانت إباحة زراعة العنب بهذا الاعتبار أرجح مما تؤول إليه من اعتصار نتائجها خمرًا. بخلاف التجاور في البيوت، فإنه لو منع لكان منعه حرجا عظيما، يقرب مما لا يطاق، فهو حاجي قوي للأمة، على أن ما يؤول إليه من الزنى مآل بعيد: وإن كانت مفسدته أشد من تناول الخمر (١) . هذا ولو رتبنا المذاهب السنية الأربعة بحسب كثرة الأخذ بسد الذرائع وقلته لوجدناها على النحو التالي: أكثرها توسعا في الأخذ بسد الذرائع المذهب المالكي ويليه الحنبلي. وأقلها توسعا فيه المذهب الشافعي ويليه الحنفي. وعلى نسق هذا الترتيب نسوق فيما يلي جملة من شواهد العمل بسد الذرائع في هذه المذاهب.

стр. 15404

شواهد من فقه المذهب المالكي في الأخذ بسد الذرائع: يقول المالكية بسد الذرائع كلما رجحت مفسدة المآل على مصلحة الذريعة، سواء كان هذا الرجحان مقطوعا به كشرب الخمر المقطوع برجحان مفسدة مآله على مصلحة ذريعته ومآله هو السكر المغيب للعقل، وكلعب الميسر ومآله أخذ أموال الناس بالباطل وفيهما يقول تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا﴾ [البقرة: ٢١٩] ، والمراد بالإثم في الآية الفساد الكبير الذي يترتب عليه إثم كبير فهو من التعبير باللازم مع إرادة الملزوم. أو كان هذا الرجحان مما يغلب به الظن كبيوع الآجال التي تؤول إلى الربا، ومثلها بعض الصور من السلم الممنوعة ومثلها عامة الصور التي تؤول إلى محظور، وما هذا المحظور إلا أكل الربا، أو أكل أموال الناس بالباطل، أو التحيل على الغير أو التغرير به، مما يطول ذكره وهو مفصل مبسوط في كتب الفرع المالكية. إذ لسنا في حاجة إلى التدليل على توسع المذهب المالكي في مضمار سد الذرائع فهو من المسلمات.

стр. 15405

شواهد من فقه المذهب الحنبلي على سد الذرائع: نحا الحنابلة نحو المالكية تقريبا في مضمار سد الذرائع وربما تفوقوا على المالكية في سد كل ذريعة تفضي إلى بدعة فهم يتفقون مع المالكية في منع الصور التي تفضي إلى الربا في بيوع الآجال. ويمنعون كذلك ضروب الحيل: كمن يقرض آخر مالا ويشترط عليه أن يبيعه سلعة بأرفع من قيمتها أو ثمنها المعتاد، فهي حيلة للتوصل إلى أخذ العوض عن القرض. ومن مسائلهم في هذا الباب: - اعتبار طلاق الثلاث بلفظ طلقة واحدة؛ لأنه مخالف للطلاق السني، ولئلا يكون ذريعة لنكاح التحليل. - منع بيع الثمار قبل بدو صلاحها ولو مع شرط الجذاذ في الحال لأن ذلك قد يكون ذريعة للتحيل وتركها حتى تنضج. وبيع الثمار قبل بدو صلاحها ممنوع للغرر بسبب ما يلحق هذه الثمار من زيادة أو نقصان، وفي تعجيل البيع تبدو رغبة البائع في تحصيل المال قبل أوانه وفي رغبة المشتري في الشراء بثمن بخس. - منع الوكيل بالبيع من الشراء لنفسه دفعا للتهمة - الدية على من حرم الجائع من الطعام والشراب ومعه فضل من ذلك حتى مات. - منع بيع السلاح للمحارب أو لقاطع الطريق وزمن الفتنة. - منع بيع العنب ممن يعلم أنه يعصره خمرًا. شواهد من فقه المذهب الحنفي على سد الذرائع: - قال الحنفية بمنع الآجال التي تؤول إلى الربا مثل المالكية والحنابلة. - تقدم ديون الصحة على ديون مرض الموت والديون المعلومة السبب على الديون المجهولة السبب سدا لتهمة الإقرار بالدين. -منع إحداث الغرف والأماكن المعزولة في المساجد دفعا لمفسدة التوسيخ والتلويث. - منع الاستمتاع بالحائض بما يقرب الفرج منعا من الوقوع في نفس الفرج وهو حرام. - منع خروج المرأة إلى الجمعة والجماعة سواء في ذلك الصغيرة والكبيرة، وفي الكبيرة يروى عن أبي حنيفة أنه قال: لكل ساقطة لاقطة. (يعني الافتتان بالمرأة حاصل مع الصغيرة للصغار ومع الكبيرة للكبار) . - كراهة صوم الستة أيام من شوال من غير فصل حتى لا تلحق النافلة بالفريضة.
следующие страницы →