ينقل التاج السبكي في هذه المسائل وسواها –مما قال به الشافعي- عن والده التقي السبكي أنها ليست من سد الذرائع، وإنما أراد الشافعي ﵀ تحريم الوسائل المستلزمة للمتوسل إليه فيقول في سياق الرد على ابن الرفعة الذي حاول تخريج قول الشافعي بسد الذرائع من كلامه في باب إحياء الموات في كتاب الأم: ونازعه الشيخ الإمام الوالد ﵀ وقال: إنما أراد الشافعي –﵀ تحريم الوسائل لا سد الذرائع، والوسائل تستلزم المتوسل إليه، ومن هذا النوع منع الماء، فإنه مستلزم عادة لمنع الكلأ الذي هو حرام، ونحن لا ننازع فيما يستلزم من الوسائل، ولذلك نقول: من حبس شخصا ومنعه الطعام والشراب فهو قاتل له، وما هذا من سد الذرائع في شيء، قال الشيخ الإمام: (يعني والده دائماً) وكلام الشافعي في نفس الذرائع لا في سدها (١) .
ثم حدد التقي السبكي محل الخلاف بين المالكية والشافعية فيقول: والنزاع بيننا وبين المالكية إنما هو سدها. ثم يقسم الذرائع كما يراها، ويحدد موقف الشافعية من كل قسم فقال:
الذريعة ثلاثة أقسام:
أحدها: ما يقطع بتوصيله إلى الحرام فهو حرام عندنا وعند المالكية. الثاني: ما يقطع بأنها لا توصل، ولكن اختلطت بما يوصل، فكان من الاحتياط سد الباب، وإلحاق الصورة النادرة التي قطع بأنها لا توصل إلى الحرام بالغالب منها الموصل إليه. قال الشيخ الإمام: وهذا غلو في القول بسد الذرائع.
الثالث: ما يحتمل ويحتمل، وفيه مراتب تتفاوت بالقوة والضعف، ويختلف الترجيح عند المالكية بسبب تفاوتها. وقال: ونحن نخالفهم في جميعها إلا في القسم الأول، لانضباطه وقيام الدليل عليه (٢) .
ويعقب التاج السبكي على هذا النقل المنسوب لوالده التقي السبكي بقوله: قلت: أما موافقتهم في القسم الأول فواضحة، بل نحن نقول: في الواجبات بنظيره، ألا ترانا نقول: ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب فبطريق الأولى أن نحرم ما يوقع في الحرام. وأما مخالفتهم في القسم الثاني: فكذلك، وما أظن غير المالكية يذهبون إليه، ولا أظنهم يتفقون عليه. وأما القسم الثالث: فلعله الذي حاول ابن الرفعة تخريج قول الشافعي فيه (٣) .
стр. 15402
وبعد النظر فيما قاله القرافي: "فليس سد الذرائع خاصا بمالك –﵀ بل قال بها هو أكثر من غيره، وأصل سدها مجمع عليه" وقد سبق ذكره في مطلع هذا الفصل. وما قاله التاج السبكي في معارضة كلام القرافي ونصه: قلت: وقد أطلق هذه القاعدة على أعم منها، ثم زعم أن كل أحد يقول ببعضها، وسنوضح لك أن الشافعي لا يقول بشيء منها، وأن ما ذكر أن الأمة أجمعت عليه ليس من مسمى سد الذرائع في شيء.
بعد النظر في هذا كله وفي التقسيم الذي ذكره التقي السبكي للذريعة، يتبين أن الشافعي يقول بالذرائع وبسدها لا كما قال التاج السبكي: إنه لا يقول بشيء منها.
والذرائع هي الذرائع وكذلك سماها التقي السبكي وتسميتها بالوسائل لا يغير من الواقع شيئا وإنما هي اصطلاحات مختلفة لمسمى واحد، ولا مشاحة في الاصطلاح وليس جرما أن يكون ما يسميه البعض وسيلة يسميه آخرون ذريعة، ما دامت اللغة تتسع، والمراد مفهوم. وليس مسمى الوسيلة أو الذريعة –هو واحد- مما يجوز أن ينقلب إلى موضوع اختلاف –وهمي في رأينا- خاصة ومن العلماء من نبه إلى الترادف بين المصطلحين وبين أن الوسائل اصطلح المالكية على تسميتها بالذرائع.
قال القرافي في مطلع كلامه في الفرق الثامن والخمسين بين قاعدة المقاصد وقاعدة الوسائل ما نصه: "وربما عبر عن الوسائل بالذرائع، وهو اصطلاح أصحابنا، وهذا اللفظ المشهور في مذهبنا، ولذلك يقولون سد الذرائع" فكون الشافعي –﵀ يقول بالوسائل لا يعني هذا أنه لا يقول بالذرائع إلا إذا أثبتنا الفرق بين هذه وتلك، ولم يحصل شيء من هذا فيما رأينا من تفرقة بالقول دون تحديد ملموس.
أما أن المالكية قد توسعوا في الأخذ بسد الذرائع ما لم يتوسع فيها سواهم، فهذا واقع قامت عليه الشواهد من الفروع الفقهية.
وبناء على كل ما أسلفنا نستطيع القول: بأن الأخذ بالذرائع ليس مما اختص به المذهب المالكي بل مما أخذ به كل المذاهب ومن بينها المذهب الشافعي في أخذه بالوسيلة المستلزمة للمتوسل إليه، وفي أخذه كذلك بغير المستلزمة في بعض الحالات، وإن قلت ولم تبلغ مبلغ ما أخذ به المالكية الذين توسعوا، وإن تمسك بعض الشافعية مثل التقي السبكي وتبعه ابنه التاج السبكي بعدم التصريح مما دعاهما إلى عديد التأويلات.
стр. 15403
وقد ركن شيخ الإسلام ابن عاشور إلى تأصيل سد الذرائع –الذي وصفه بأنه مقصد تشريعي عظيم- وذلك بإرجاعه إلى قاعدة تعارض المصالح والمفاسد في الشريعة، وكأنه بهذا الإرجاع إلى هذه القاعدة المجمع عليها يتجاهل الخلاف الوهمي في سد الذرائع ويوافق القرافي إذ قال: وأصل سدها مجمع عليه. يقول –﵀ بعد ذكر التقسيم الذي اعتمده الشهاب القرافي لسد الذرائع: "ولم يبحث عن وجوب الاعتداد ببعض هذه الذرائع دون بعض وما هو عندي إلا التوازن بين ما في الفعل الذي هو ذريعة من المصلحة، وما في مآله من المفسدة. فترجع إلى قاعدة تعارض المصالح والمفاسد ... " ثم يقول ﵀: "فما وقع منعه من الذرائع هو ما قد عظم فيه فساد مآله على صلاح أصله، مثل: حفر الآبار في الطرقات، وما لم يقع منعه هو ما قد غلب صلاح أصله على فساد مآله كزراعة العنب. على أن لاحتياج الأمة إلى تلك الذريعة بقطع النظر عن مآلها، وفي إمكان حصول مآلها بوسيلة أخرى وعدم إمكانه، أثرا قويا في سد بعض الذرائع وعدم سد بعضها". ولا يظن أن المراد باحتياج الأمة إلى الذريعة اضطرارها إلى وجودها. بل المراد به أنه لو أبطل ذلك الفعل الذي هو ذريعة للحق جمهورا من الناس حرج، فإن العنب تستطيع الأمة أن تستغني عنه، إلا أن في تكليفها ذلك حرمانا لا يناسب سماحة الشريعة، فكانت إباحة زراعة العنب بهذا الاعتبار أرجح مما تؤول إليه من اعتصار نتائجها خمرًا.
بخلاف التجاور في البيوت، فإنه لو منع لكان منعه حرجا عظيما، يقرب مما لا يطاق، فهو حاجي قوي للأمة، على أن ما يؤول إليه من الزنى مآل بعيد: وإن كانت مفسدته أشد من تناول الخمر (١) . هذا ولو رتبنا المذاهب السنية الأربعة بحسب كثرة الأخذ بسد الذرائع وقلته لوجدناها على النحو التالي: أكثرها توسعا في الأخذ بسد الذرائع المذهب المالكي ويليه الحنبلي.
وأقلها توسعا فيه المذهب الشافعي ويليه الحنفي. وعلى نسق هذا الترتيب نسوق فيما يلي جملة من شواهد العمل بسد الذرائع في هذه المذاهب.
стр. 15404
شواهد من فقه المذهب المالكي في الأخذ بسد الذرائع:
يقول المالكية بسد الذرائع كلما رجحت مفسدة المآل على مصلحة الذريعة، سواء كان هذا الرجحان مقطوعا به كشرب الخمر المقطوع برجحان مفسدة مآله على مصلحة ذريعته ومآله هو السكر المغيب للعقل، وكلعب الميسر ومآله أخذ أموال الناس بالباطل وفيهما يقول تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا﴾ [البقرة: ٢١٩] ، والمراد بالإثم في الآية الفساد الكبير الذي يترتب عليه إثم كبير فهو من التعبير باللازم مع إرادة الملزوم.
أو كان هذا الرجحان مما يغلب به الظن كبيوع الآجال التي تؤول إلى الربا، ومثلها بعض الصور من السلم الممنوعة ومثلها عامة الصور التي تؤول إلى محظور، وما هذا المحظور إلا أكل الربا، أو أكل أموال الناس بالباطل، أو التحيل على الغير أو التغرير به، مما يطول ذكره وهو مفصل مبسوط في كتب الفرع المالكية. إذ لسنا في حاجة إلى التدليل على توسع المذهب المالكي في مضمار سد الذرائع فهو من المسلمات.
стр. 15405
شواهد من فقه المذهب الحنبلي على سد الذرائع:
نحا الحنابلة نحو المالكية تقريبا في مضمار سد الذرائع وربما تفوقوا على المالكية في سد كل ذريعة تفضي إلى بدعة فهم يتفقون مع المالكية في منع الصور التي تفضي إلى الربا في بيوع الآجال. ويمنعون كذلك ضروب الحيل: كمن يقرض آخر مالا ويشترط عليه أن يبيعه سلعة بأرفع من قيمتها أو ثمنها المعتاد، فهي حيلة للتوصل إلى أخذ العوض عن القرض.
ومن مسائلهم في هذا الباب:
- اعتبار طلاق الثلاث بلفظ طلقة واحدة؛ لأنه مخالف للطلاق السني، ولئلا يكون ذريعة لنكاح التحليل.
- منع بيع الثمار قبل بدو صلاحها ولو مع شرط الجذاذ في الحال لأن ذلك قد يكون ذريعة للتحيل وتركها حتى تنضج. وبيع الثمار قبل بدو صلاحها ممنوع للغرر بسبب ما يلحق هذه الثمار من زيادة أو نقصان، وفي تعجيل البيع تبدو رغبة البائع في تحصيل المال قبل أوانه وفي رغبة المشتري في الشراء بثمن بخس.
- منع الوكيل بالبيع من الشراء لنفسه دفعا للتهمة
- الدية على من حرم الجائع من الطعام والشراب ومعه فضل من ذلك حتى مات.
- منع بيع السلاح للمحارب أو لقاطع الطريق وزمن الفتنة.
- منع بيع العنب ممن يعلم أنه يعصره خمرًا.
شواهد من فقه المذهب الحنفي على سد الذرائع:
- قال الحنفية بمنع الآجال التي تؤول إلى الربا مثل المالكية والحنابلة.
- تقدم ديون الصحة على ديون مرض الموت والديون المعلومة السبب على الديون المجهولة السبب سدا لتهمة الإقرار بالدين.
-منع إحداث الغرف والأماكن المعزولة في المساجد دفعا لمفسدة التوسيخ والتلويث.
- منع الاستمتاع بالحائض بما يقرب الفرج منعا من الوقوع في نفس الفرج وهو حرام.
- منع خروج المرأة إلى الجمعة والجماعة سواء في ذلك الصغيرة والكبيرة، وفي الكبيرة يروى عن أبي حنيفة أنه قال: لكل ساقطة لاقطة. (يعني الافتتان بالمرأة حاصل مع الصغيرة للصغار ومع الكبيرة للكبار) .
- كراهة صوم الستة أيام من شوال من غير فصل حتى لا تلحق النافلة بالفريضة.
стр. 15406
شواهد من فقه المذهب الشافعي على سد الذرائع:
أخذ الشافعية بسد الذرائع إذا تحقق إفضاؤها إلى المفسدة، بناء على قاعدة: ما يقطع بتوصيله إلى الحرام فهو حرام، وما كان كذلك جاء التنصيص عليه في الكتاب والسنة.
ويتحاشى الشافعية تسمية ما أخذوا به باسم الذرائع بل يقولون هو: وسيلة مستلزمة للمتوسل إليه، ويزعمون وجود الفارق بين سد الذرائع وهو لا يقولون به، وبين الوسائل المستلزمة للمتوسل إليه التي يقولون بها، ولا مجال لتوضيح هذا الفارق. وإذا دخلنا على مجال التطبيق على الفروع الفقهية في المذهب يعللون ذلك بأصول اجتهادية أخرى سوى سد الذرائع مثل ما يوصل إلى الحرام فهو حرام، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.
ومن فروع المذهب الشافعي المبنية على سد الذرائع:
- منع الوكيل عن بيع الشيء من شرائه لنفسه –مثل الحنفية- درءا لتهمة التنقيص من الثمن.
- حرمان القاتل من الميراث، ولو كان غير متهم بتعجيل الميراث حسما لأمر التهمة بسد الذرائع.
- جواز قتل من تترس به الكفار المحاربون من نساء وأطفال وأسرى المسلمين حتى لا يكون ذلك ذريعة لترك الجهاد وترك الكفار يستولون على ديار المسلمين، وفي هذا سد ذريعة عدم القتل بتجويز القتل حتى لا يفضي الأمر إلى هزيمة المسلمين وخضوعهم لأعدائهم.
- عدم لزوم المحجور عليه بإقراره بدين عليه قبل الحجر حتى لا يكون إقراره ذريعة للتصرف في أموال هذا المحجور بحيلة.
- منع المفطر بعذر من التجاهر بالأكل سدا لتهمة العصيان والفسوق.
- استحباب أداء صلاة الظهر خفية لمن تخلف عن الجمعة لعذر، دفعا لتهمة التقصير وضعف الديانة القادحة في العدالة.
- كراهية بيع العنب لمن يعصره خمرًا، والتمر لمن ينقعه نبيذًا، وبيع السلاح لمن يستعمله في العصيان، دفعا لذريعة الوقوع في الإعانة على الإثم والعدوان.
وغير ذلك من الفروع الداخلة كلها تحت مقصد سد الذرائع.
стр. 15407
أثر القول بسد الذرائع، اعتبارها وعدم اعتبارها في الفروع الفقهية
لسنا في حاجة إلى تكرار ما أسلفنا ذكره، بيد أن فيما ألمحنا إليه ما يكفي لتقرير أن القول بسد الذرائع باعتباره مقصدا تشريعيا عظيما قد أخذت به كل المذاهب دون استثناء، وإن اختلفت التسمية لدى هذه المذاهب: فالمصطلح عليه لدى المالكية والحنابلة هو اسم سد الذرائع، وعند الشافعية والأحناف فهو اسم الوسائل المستلزمة للمتوسل إليه أو هو مؤدى القاعدة: ما أدى إلى الحرام فهو حرام وإذا نعتنا سد الذرائع بكونه وصفا تشريعيا عظيما فذلك لأنه لم يكن من استنباط المذاهب المتوسعة فيه، أو المضيقة، وإنما نتيجة لاستقراء تصرفات الشريعة، فكان سد الذرائع في ثلاثة مظاهر من هذه التصرفات: في تشريع الأحكام –وفي سياسة التصرف والتعامل مع الأمم- وفي تنفيذ المقاصد الشرعية.
وفي اعتبار هذا المقصد التشريعي أثر إيجابي لا يغيب على البصيرة إذ أنه في نطاق تعارض المصالح والمفاسد وبعد الموازنة بين ما في الفعل الذي هو ذريعة من المصلحة، وبين ما في مآله من المفسدة نستطيع أن نجتهد لنتوصل إلى الحكم المناسب، وذلك بمنع وسد الذرائع التي عظم فيها فساد مآلها على صلاح الأصل، وبتجويز وفتح الذرائع التي عظم وغلب فيها صلاح الأصل على فساد المآل. وحسبنا بهذه المصلحة التشريعية لكي يقر بلزوم اعتبار هذا المقصد في الفروع الفقهية.
وقد رأينا في مجال التطبيق على مستوى كل المذاهب وما تفرعه من فروع فقهية، اعتبار هذا المقصد التشريعي على اختلاف في الأسماء والمسمى واحد وعلى تفاوت في التوسع في مجال هذا التطبيق. وهذا لا يمنعنا –في النهاية- من الاعتراف بأن لاختلاف الأنظار الاجتهادية التي تفضي باعتبار السد للذرائع في هذه القضية دون تلك أثرا جليا في اختلاف الحكم بالنسبة للقضية الواحدة من مذهب لآخر، كما كان الشأن في بيوع الآجال وقد بينا هذا الاختلاف.
стр. 15408
أمثلة لفتح الذرائع وسدها:
قال شهاب الدين القرافي –﵀: "اعلم أن الذريعة كما يجب سدها، يجب فتحها، وتكره وتندب وتباح، فإن الذريعة هي الوسيلة، فكما أن وسيلة المحرم محرمة، فوسيلة الواجب واجبة (١) جعل سد الذرائع في الشريعة مصطلحا على سد ذرائع الفساد كما أسلفنا تفصيله. وفي مقابل السد لذرائع الشر والفساد، فتحت الشريعة ذرائع المصلحة وأوجبتها وإن كانت في أصل صورتها ممنوعة أو مباحة، وهذه المسألة هي الملقبة في أصول الفقه بأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب مثال الذريعة المفتوحة من المنع إلى الوجوب: الجهاد هو في الأصل ممنوع لما فيه من إتلاف النفس والمال، فينقلب واجبا إذا صار وسيلة وذريعة إلى حماية البيضة، وحفظ سلامة الأمة، والإبقاء على مصالحها وأمنها.
مثال الذريعة المفتوحة من الإباحة إلى الوجوب: السعي في الأرض هو في الأصل مباح، وينقلب إلى واجب إذا صار سعيا لصلاة الجمعة، أو سعيا إلى الحج أو في الحج بين الصفا والمروة.
وهكذا فالوسيلة تأخذ دائما حكمها من المتوسل إليه وكذلك الشأن في وسيلة الوسيلة وهي الاستعداد للوسيلة كما جاء في قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لَا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلَا نَصَبٌ وَلَا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ﴾ [التوبة: ١٢٠] . فقد أثابهم على الوسيلة للنيل من أعداء الله وهي الجهاد وأثابهم على ما نالهم من ظمأ ونصب ومخمصة بسبب السعي والتوصل إلى الجهاد، أي على ما نالهم بسبب وسيلة الوسيلة.
أما عن الذرائع المطلوب سدها فقد أسلفنا ما فيه الكفاية، ولنا فيما عدده ابن القيم من الأمثلة للتدليل على أن للوسائل حكم المقاصد، والتي بلغ عددها تسعة وتسعين ما فيه غنية للطالبين، والحمد لله رب العالمين وصلاته وسلامه على أشرف المرسلين.
стр. 15409
خلاصة البحث
بدأنا هذا البحث بالتعريف اللغوي والاصطلاحي للذريعة وبينا مراد العلماء
من سدها، وأن الذرائع لا يسد منها إلا ما ورد التنصيص عليه من قبل الشريعة أو ما غلبت فيه مفسدة المآل على مصلحة الفعل الذي هو وسيلة وذريعة.
ثم نوهنا بتأصيل هذه القاعدة، وكونها تستند إلى استقراء تصرفات الشريعة الإسلامية السمحة في أهم المجالات وهي: مجال تشريع الأحكام، ومجال سياسة التصرف مع الأمم، وفي مجال تنفيذ المقاصد، ثم كونها ترجع إلى مقصد شرعي عام هو تعارض المصالح والمفاسد والموازتة بينهما للتمكن من جلب المصلحة ودرء المفسدة.
وختمنا المبحث الأول بتقسيم الذرائع على ذرائع لا يتخلف مآلها إلى الفساد، وذرائع أخرى قد يتخلف ويتوقف سدها حينئذ على أمور منها: كثرة الإفضاء إلى المفسدة وعدم المعارض الذي يلغي اعتبار تلك المفسدة.
وفي مبحث، الفرق بين الذريعة والسبب، وبين الذريعة والوسيلة المستلزمة للمتوسل إليه، فبينا أن من العلماء من يقول بترادف الأربع كلمات: الذريعة والوسيلة والطريقة والسبب، وهذا لا يمنع من وجود بعض الفوارق كالتي بين الذريعة باعتبارها فعلا يفضي ويؤول إلى نتيجة وبين السبب الذي نصبه الشارع علامة وتأقيتا للحكم الشرعي مثل دلوك الشمس هو سبب وجوب صلاة الظهر، وقد تكون بين السبب والمسبب علاقة عادية وشرعية وقد تكون شرعية فقط، ويتوقف وجود المسبب على وجود سببه، بخلاف النتيجة التي هي مآل الذريعة فإنها لا تتوقف على الذريعة نفسها إذ قد تكون نتيجة لطريق وذريعة أخرى.
أما فيما يتعلق بالفرق بين الذريعة وبين الوسيلة المستلزمة للمتوسل إليه: فقد بينا أنه لا فرق بينهما عند المالكية والحنابلة، وإنما الفرق عند الشافعية حيث يعرفون الوسيلة المستلزمة للمتوسل إليه بأنها هي التي تفضي إلى المضرة أو المفسدة بصورة قطعية لا تحتمل التخلف وهذه الوسيلة هي التي يقولون بسدها ولا يقولون بسد الذرائع لأنها لا تفضي إلى المفسدة بنفس الدوام واليقين.
وفي مبحث المقارنة بين الذرائع والحيل الفقهية: عرفنا الحيلة بأنها تقديم عمل ظاهر الجواز لإبطال حكم شرعي، وحينئذ لا يخفى ما بين سد الذرائع وتجويز الحيل من تناقض إذ نمنع بسد الذرائع الجائز خشية الوقوع في الحرام أو الفساد، وبتجويز الحيل نفسح الطريق لذلك، ويذهب الجمهور إلى أن منع الحيل في الأمور الشرعية يدخل تحت سد الذرائع، وحددنا الفرق بين الذرائع والحيل في أمور: في العموم والخصوص، عموم الذرائع وخصوص الحيل، في إبطال الحيل لمقصد شرعي دون سد الذرائع، في توقف الحيل على القصد دون الذرائع. وما ورد في الكتاب والسنة من حيل لها تنزيلها وتخريجها ولا مجال بعد ذلك للقياس عليها.
في مبحث أقسام الذرائع بحسب القطع بتوصيلها للحرام وعدم القطع: تعرضنا لتقسيمين:
التقسيم الأول: إلى أربعة أقسام وذكرنا أمثلة لكل قسم، وقام هذا التقسيم بحسب الإفضاء إلى الحرام ودرجته، ومن المتفق عليه والمختلف فيه.
стр. 15410
والتقسيم الثاني إلى قسمين رئيسين.
القسم الأول: لا يفارقه كونه وسيلة للفساد لأن ذلك من ماهيته وهذا القسم من أصول التشريع وعليه بنيت أحكام كثيرة ومثاله: شرب الخمر وقتل النفس.
القسم الثاني: قد يتخلف مآله للفساد قليلا أو كثيرًا، وهذا القسم منه المنصوص على حكمه، ومنه غير ذلك وبقي الحكم فيه إلى اجتهاد العلماء وانظارهم تبعا لمقدار الإفضاء إلى المفسدة، ومن هذا القسم بيوع الآجال وبينا حقيقة موقف الإمام مالك من أمر إناطة الحكم بالتهمة أو بالقصد أو بقصد الفاعل وإنما يتخذ منه دليلا على التمالي، وتوصلنا في آخر المبحث إلى نتيجة وهي أن سد الذرائع قابل للتضييق والتوسع بحسب المصالح والمفاسد وأيضا بحسب الوازع في الناس قوة وضعفًا.
في مبحث موقف الأئمة من الاحتجاج بسد الذرائع: وجدنا هؤلاء الأئمة على فريقين فريق المالكية والحنابلة يعتمد سد الذرائع كمقصد تشريعي، وفريق الشافعية لا يقول به ومعهم الحنفية بل يقول بالوسيلة المستلزمة للمتوسل إليه، وذكرنا أدلة كل من الفريقين ثم بالنظر إلى المجال التطبيقي وجدنا كل المذاهب تأخذ بسد الذرائع ويتفاوتون في القلة والكثرة كما يختلفون في العبارة التي يستعملونها عند التعليل. وانتهينا في آخر هذا المبحث إلى ترجيح ما ذهب إليه أصحاب الفريق الأول من مالكية وحنابلة.
وفي مبحث هل اختص المذهب المالكي بالأخذ بسد الذرائع؟ : زدنا توضيحا وبيانا أن جميع المذاهب أخذت بسد الذرائع وإن لم تصرح، غاية ما في الأمر أن المذهب المالكي أكثر المذاهب أخذا وتصريحا بسد الذرائع، ثم ذكرنا جملة من الشواهد بالنسبة لكل مذهب من المذاهب الأربعة.
وفي مبحث أثر القول بسد الذرائع، أي اعتبارها أو عدم اعتبارها في الفروع الفقهية: بينا أنه أثر يؤدي إلى اختلاف في تقدير الحكم كالذي حدث في قضية بيوع الآجال.
وفي خاتمة هذا البحث أتينا بجملة من الأمثلة لفتح الذرائع، واكتفينا بما أسلفنا من أمثلة في سد الذرائع طيلة فصول البحث، وبالله التوفيق.
الطيب سلامة
стр. 15411
أهم المصادر
- الأشباه والنظائر، للتاج السبكي (ط. دار الكتب العلمية بيروت ١٤١٤هـ/١٩٩١م)
- إعلام الموقعين، لابن القيم الجوزية (ط. أولى، مطبعة السعادة بمصر، ١٣٧٤ / ١٩٥٥)
- الأم للإمام الشافعي (ط. دار الفكر، بيروت ١٤٠٣ هـ/ ١٩٨٣م)
- تبصرة الحكام في أصول الأقضية ومناهج الأحكام، للقاضي برهان الدين إبراهيم ابن فرحون (المطبعة البهية، مصر، ١٣٠٢هـ)
- مقاصد الشريعة الإسلامية، لشيخ الإسلام محمد الطاهر ابن عاشور (طبعة الدار التونسية للتوزيع، تونس ١٩٧٨م)
- المقدمات لابن رشد (ط. دار الفكر، بيروت ١٣٩٨هـ/ ١٩٧٨م مطبوع مع كتاب المدونة)
- الموافقات لابن إسحاق الشاطبي (مطبعة الدولة التونسية. ط. أولى، تونس ١٣٠٢هـ)
стр. 15412
سد الذرائع
إعداد
الدكتور أحمد محمد المقري
مدير المجمع الفقهي الإسلامي
برابطة العالم الإسلامي
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين والعاقبة للمتقين والصلاة والسلام على سيدنا محمد
الأمين القائل: ((من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين)) وعلى آله وصحبه أجمعين وعلى التابعين ومن تبعهم وسار على منهجهم إلى يوم الدين.
وبعد: فإن الفقه الإسلامي بأصوله وقواعده وفروعه من العلوم الجليلة التي كانت ولا تزال ذخرا ثمينا ومصدرا عظيما ثرًا يرجع إليه العلماء على اختلاف تخصصاتهم فضلا عن الفقهاء أصحاب الشأن فيه ولقد ظل هذا الفن المستنبط من المصادر الرئيسية للتشريع وهي الكتاب والسنة والإجماع والقياس معينا يستقي منه الباحثون من طلبة العلم والمعرفة ويجدون بغيتهم فيه طوال القرون الماضية وإلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.
ولا يخفى أن هذه الأصول الأربعة متفق عليها بين الأئمة الأعلام غير أنهم اختلفوا في بعض الأصول التابعة كقول الصحابي وإجماع أهل المدينة والمصالح المرسلة وسد الذرائع والاستحسان فمنهم من أخذ بالاستحسان وتوسع فيه وهم الأحناف ومنهم من أخذ بالمصالح المرسلة وسد الذرائع وتوسع فيهما وهم المالكية ومنهم من أخذ من ذلك بحذر وهم الحنابلة ومنهم من أعرض عن الجميع وهم الشافعية عدا قول الصحابي إذا لم يعرف له مخالف.
ولما كان التشريع الإسلامي جاء لتحقيق مقاصد الشريعة الخاصة والعامة وكان الهدف هو رعاية المصالح التي قصدها الشارع ودرء المفاسد التي نهى عنها الشارع كان على الفقيه تلمس المصلحة حيث كانت ثم بيان الأصل المعتمد الذي تتحقق المصلحة بمقتضاه.
ولذا فقد رأى الإمام مالك ﵀ أن سد الذرائع أصل يعتمد عليه في تحقيق المصالح ودرء المفاسد.
وعليه فمبدأ سد الذرائع عند المالكية أصبح أصلا يعول عليه في كثير من المسائل لتحقيق المصالح الخاصة أو العامة وتوسعوا في ذلك توسعا كبيرا كما أن الحنابلة أخذوا من هذا الأصل بطرف ولم يوغلوا فيه وخالفهم الشافعية والحنفية فأنكروا عليهم القول بسد الذرائع ولكنهم قالوا بتحريم الوسائل المفضية إلى المحرمات لأنها مستلزمة للمتوسل إليه وتحريم الوسائل بهذا المعنى قائم على أساس يقرب من اليقين بينما القول بسد الذرائع قائم في أغلب صوره على الظن والتوهم والتخمين.
مثاله: حفر بئر في طريق المسلمين أو إلقاء السم في الأطعمة وسب أصنام المشركين كل هذه وسائل متيقن استلزامها للمتوسل إليه وهو وقوع المارة في البئر وهلاك من أكل من الطعام المسموم وسب المشركين للذات العلية وهذه كلها محرمة بالإجماع.
وحينما طلب مني الكتابة في أحد الموضوعات التي طرحتها الأمانة العامة للمجمع الفقهي الإسلامي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي بجدة اخترت موضوع (سد الذرائع) وكنت أعلم أن المالكية لهم اليد الطولى في تحرير هذا الأصل وتطبيقه على الكثير من المسائل الفقهية كما كنت أعلم أيضا أن الشافعية والحنفية لا يقولون به لذلك أردت الإسهام بهذا البحث المختصر جدا لبيان أوجه الخلاف بين الأئمة حول هذا الموضوع مع بيان الأدلة التي اعتمد عليها القائلون به والمانعون منه.
أرجو الله تعالى التوفيق والسداد وهو حسبي ونعم الوكيل.
стр. 15413
سد الذرائع:
التعريف: الذرائع جمع ذريعة، والذريعة لغة: هي كل ما يتخذ وسيلة ويكون طريقا إلى شيء غيره. وسدها معناه: رفعها وحسم مادتها.
وفي الاصطلاح الشرعي: كل ما يتخذ وسيلة لشيء آخر، بصرف النظر عن كون الوسيلة أو المتوسل إليه مقيدا بوصف الجواز أو المنع.
وعرفها القاضي عبد الوهاب بقوله (الذرائع هي الأمر الذي ظاهره الجواز إذا قويت التهمة في التطرق إلى الممنوع) (١) .
وقال الباجي: (الذرائع هي المسألة التي ظاهرها الإباحة ويتوسل بها إلى فعل محظور) (٢) .
وقال في كتاب الحدود: (الذرائع ما يتوصل به إلى محظور العقود من إبرام عقد أو حله) (٣) .
وقال ابن رشد الجد في المقدمات: (الذرائع هي الأشياء التي ظاهرها الإباحة ويتوصل بها إلى فعل المحظور) (٤) .
وقال القرطبي: (الذريعة عبارة عن أمر غير ممنوع لنفسه، يخاف من ارتكابه الوقوع في ممنوع) (٥) .
وقال ابن تيمية: (الذريعة ما كان وسيلة وطريقا إلى الشيء، لكنها صارت في عرف الفقهاء عبارة عما أفضت إلى فعل محرم) (٦) . وقال الشاطبي: (حقيقة الذرائع: التوسل بما هو مصلحة إلى مفسدة) (٧) .
وهي بهذا المعنى تشمل المتفق عليه والمختلف فيه ويتصور فيها الفتح كما يتصور فيها السد؛ لأن موارد الأحكام قسمان:
١- مقاصد، وهي الأمور المكونة للمصالح والمفاسد في أنفسها.
٢- وسائل: وهي الطرق المفضية إلى المقاصد.
وحكم الوسائل كحكم ما أفضت إليه من المقاصد، فوسيلة الواجب واجبة ووسيلة المحرم محرمة.
стр. 15414
في سد الذرائع وفتحها:
قال الإمام القرافي ﵀: واعلم أن الذريعة كما يجب سدها يجب فتحها، ويكره، ويندب. ويباح: فإن الذريعة هي الوسيلة، فكما أن وسيلة المحرم محرمة، فوسيلة الواجب واجبة كالسعي للجمعة والحج. غير أن الوسائل أخفض مرتبة من المقاصد، وهي أيضا تختلف مراتبها باختلاف مراتب المقاصد التي تؤدي إليها.
فالوسيلة إلى أفضل المقاصد أفضل الوسائل، وإلى أقبح المقاصد أقبح الوسائل، وإلى ما هو متوسط متوسطة (١)
. والوسيلة إما أن تكون:
١- توسلا بالخير إلى الخير كالنكاح المتخذ وسيلة للإنجاب، والصدق وسيلة للنجاة.
٢- توسلا بالشر إلى الشر كشرب الخمر المتخذ وسيلة لارتكاب جريمة وكإلقاء النار في موضع سريع الاشتعال.
٣- توصلا بالخير إلى الشر كالتوسل بالبيع إلى الربا، وبزراعة العنب إلى صنع الخمر.
٤- توصلا بالشر إلى الخير كسرقة المال واغتصابه لعمل خيري من مستشفى أو مدرسة.
فيدخل في معنى الذريعة ما يلي:
١- الانتقال من الجائز إلى مثله.
٢- الانتقال من المحظور إلى مثله.
٣- الانتقال من الجائز إلى المحظور.
٤- الانتقال من المحظور إلى الجائز.
ويتصور فيها الفتح والسد. فيقال فتح الذرائع، ومعناه: إجازة الوسائل المؤدية إلى خير وبر ويقال سد الذرائع. ومعناه: منع الوسائل المؤدية إلى كل شر وفساد ومنكر. والقرافي والشاطبي رحمهما الله يقرران هذا المعنى في سد الذرائع وفتحها بإعطاء الوسيلة حكم المقصد.
ويقول ابن القيم ﵀: (لما كانت المقاصد، لا يتوصل إليها إلا بأسباب وطرق تفضي إليها كانت طرقها وأسبابها تابعة لها، معتبرة بها، فوسائل المعاصي والمحرمات في كراهتها، والمنع منها، بحسب إفضائها إلى غايتها، وارتباطاتها بها.
ووسائل الطاعات والقربات في محبتها، والإذن فيها بحسب إفضائها إلى غاياتها. فوسائل المقصود تابعة للمقصود، وكلاهما مقصود، لكنه مقصود قصد الغايات وهي مقصودة قصد الوسائل.
فإذا حرم الرب تعالى شيئا وله طرق ووسائل تفضي إليه، فإنه يحرمها، ويمنع منها، تحقيقا لتحريمه، وتثبيتا له، ومنعا أن يقرب حماه، ولو أباح الوسائل والذرائع المفضية إليه لكان ذلك نقضا للتحريم، وإغراء للنفوس به، وحكمته تعالى تأبى ذلك كل الإباء) (٢) .
стр. 15415
معنى سد الذرائع:
معنى سد الذرائع: سد الطرق والوسائل حتى لا تؤدي إلى آثارها المقصودة سواء أكانت محمودة، أم مذمومة، صالحة أم فاسدة، ضارة أم نافعة.
ومعنى فتح الذرائع: فتح الطرق والوسائل لتؤدي إلى آثارها المقصودة منها من غير تقييد، بكون هذه الآثار محمودة أم مذمومة صالحة أم فاسدة ضارة أم نافعة هذا كله بالمعنى العام للذريعة.
أما المعنى الخاص للذريعة فهو (عبارة عن أمر غير ممنوع لنفسه قويت التهمة في أدائه إلى فعل محظور) .
الشرح:
فكونه (غير ممنوع) يعني أن الوسيلة داخلة ضمن إرادة المكلف لتوصف بالمنع أو الحظر. أما ما يخرج عن قدرة المكلف فإنه يستحيل سده.
وقوله (لنفسه) يفيد ضرورة كونه في أصل وضعه جائزًا متضمنا لمصلحة المكلف فيخرج بذلك ما يكون مفسدة فلا يكون ذريعة.
وشرط (قوة التهمة) لإخراج ما يكون إفضاؤه إلى المفسدة نادرًا لا يغلب على الظن وقوعه. والتقييد (بالفعل في المتوسل إليه) لإخراج الذرائع التي تلزم عنها مفاسد لا سلطان للمكلف على حصولها أو عدم حصولها.
وكون (المتوسل إليه محظوراً) شرط ضروري لإعطاء الذريعة في الاصطلاح الخاص معناها الحقيقي وبذلك تخرج الذرائع التي توصل إلى أمر جائز أو مطلوب.
ومعنى سد الذرائع هنا يعني: حسم وسائل الفساد، ومعنى فتحها يعني: ترك الوسيلة لتؤدي إلى نتيجتها من غير منع.
стр. 15416
الفرق بين الذريعة والمقدمة وبين الذريعة والوسيلة، والحيلة:
١- بين الذريعة والمقدمة:
عرفنا فيما مضى تعريف الذريعة في الاصطلاح، أما المقدمة فهي ما يتوقف عليها وجود الواجب مثل الوضوء فإنه يتوقف عليه وجود الصلاة، ويلزم من عدمه عدمها، ولا يلزم من وجوده وجودها ولا عدمها.
إذا الفرق بين المقدمة وبين الذريعة أن المقدمة الظاهر فيما جانب العدم، بمعنى أنه يلزم من عدم وجودها عدم وجود الواجب ولا يلزم من وجودها وجوده.
أما الذريعة: فالظاهر فيها جانب الوجود، بمعنى أنه إذا وجدت وجد المقصود قطعا أو احتمالًا. وبالمثال يتضح المقال: ضرب المرأة برجلها ذات الخلاخيل ذريعة للافتتان بها لأن من شأن الضرب بالأرجل أن يجر إلى ذلك، ولا يكون الضرب بالأرجل مقدمة لأن الافتتان لا يتوقف عليه.
والسفر لارتكاب معصية معينة لا تتم إلا به مقدمة لأن المعصية تتوقف على حصوله في هذه الصورة، فيكون السفر حراما كحرمة المعصية. لأن مقدمة الحرام حرام (١)
стр. 15417
٢- بين الحيلة وبين سد الذرائع:
الحيلة، والاحتيال، والتحيل: الحذق أو جودة النظر، والقدرة على دقة التصرف. ومن معانيها في اللغة والعرف: المكر، والخديعة، والكيد فتطلق على الفعل الذي يقصد به فاعله إنزال مكروه بغيره. وقد يقصد بها الوجه المحمود ومنه ما وصف الله تعالى بها نفسه بقوله: ﴿وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا﴾ [النمل: ٥٠] وقوله تعالى: ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ﴾ [النساء: ١٤٢] .
وقوله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا (١٥) وَأَكِيدُ كَيْدًا﴾ [الطارق: ١٥-١٦] فإنه منزه عن صفات النقص، ومنه استدراج الغير لما فيه مصلحة ومنه قوله ﷺ : (الحرب خدعة) (١) . والحيلة جنس تحته التوصل إلى فعل الواجب، وترك المحرم، وتخليص الحق، ونصر المظلوم، وقهر الظالم، وعقوبة المعتدي (٢) .
وتحته أيضا التوصل إلى استحلال الحرام وإبطال الحقوق، وإسقاط الواجبات، وقد غلب استعمال الحيلة في عرف الفقهاء على الممنوع المذموم منها.
وقد أطلق الفقهاء أيضا الحيلة على ما يخرج من المضايق بوجه شرعي ليكون مخلصا شرعيًا. وفرق العلماء بين نوعين من الحيل: النوع الأول:
ما يهدم أصلا من الأصول التي اعتبرها الشارع، أو يناقض مصلحة من المصالح التي راعاها الشرع سواء كانت الوسيلة إلى ذلك مشروعة أم غير مشروعة فهذا النوع حرام وممنوع.. لأن الأحكام الشرعية إنما أقيمت لمصالح معينة اعتبرها الشارع الحكيم. ولأن الأعمال وإن أخذت صورتها المشروعة ظاهرا وسائل لا تقصد لأنفسها بل للمعاني المقصودة منها وهي المصالح التي شرعت لأجلها.
فلو أجيز لفتح أمام كثير من الناس الانطلاق من قيود الشريعة والتحلل من التكاليف ولنضرب مثلا لذلك الزكاة التي شرعها الله لمصالح دينية وخلقية واجتماعية:
امتثالا لأمر الله تعالى، ورفعا لرذيلة الشح، ورفقا بالفقراء والمحتاجين، وتعاونا على البر والتقوى. فمن أخرج أمواله عن ملكه قبل انتهاء الحول بهبة صورية ليسترجعها بعد مرور الحول اسقاطا للحق المفروض عليه للفقراء في هذا المال وهربا من وجوب الزكاة فقد ارتكب إثما كبيرا وظلما عظيما ومكن لرذيلة الشح من نفسه، وأوغر صدور الفقراء ضده. وكخلع الحيلة: وهو أن يعلق الطلاق بشرط محقق تعليقا يقع به، ثم أراد منع وقوع الطلاق عند تحقق الشرط فخالعها حتى بانت ثم تزوجها بعد ذلك.
стр. 15418
النوع الثاني:
هو ما لا يهدم أصلا شرعيًا، ولا يناقض مصلحة، شهد الشرع لاعتبارها وضابطه أن يقصد به إحياء حق أو دفع ظلم، أو فعل واجب أو ترك محرم.
ونحو ذلك مما يحقق مقصود الشارع، ويسميه البعض بالمخارج فهذا النوع جائز متى كان الطريق إليه سائغا مأذونا فيه شرعًا.
فمن الحيل إحراز النفس مثلًا:
- النطق بكلمة الكفر إكراها بقصد إحراز الدم من غير اعتقاد لمقتضاها قال تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾ [النحل: ١٠٦] . - ومن التخلص من الظلم ما فعله الرجل الذي كان يتعرض لأذية جاره وظلمه فأرشده النبي ﷺ أن يطرح متاعه في الطريق، فجعل كل من يمر به يسأله من شأن المتاع فيخبره بأن جاره يؤذيه، فيسبه المارة ويلعنونه فكف الجار عن الأذية وجاء إلى جاره معتذرا متعهدا أن لا يؤذيه أبدا (١) .
ومن الحيل الجائزة ستر ما لا يحسن إظهاره مثل ما جاء في حديث ((إذا أحدث أحدكم في صلاته فليأخذ بأنفه ثم لينصرف))
والاحتيال في هذا الباب ثلاثة أنواع:
الأول: لرفع الظلم قبل أن يقع.
الثاني: لرفع الظلم بعد وقوعه.
الثالث: لمقابلة السيئة بالسيئة وفيه تفصيل.
إما أن يكون لحق الله فلا يجوز المقابلة بالمثل كمن جرع شخصا خمرًا، أو زنى بامرأته فإنه لا يجوز المقابلة بالمثل، بل يؤخذ للمظلوم حقه عن طريق ولي الأمر وإن كان الظلم في المال. فمن العلماء من أجاز أخذ المال (٢) وبالمقابل وجوزوا قلع الباب ونقب الحائط ونحو ذلك ومنهم من منع بالكلية، وتوسط آخرون.
стр. 15419
وقال الإمام الشاطبي ﵀ في الحيل:
إن حقيقتها المشهورة تقديم عمل ظاهر الجواز لإبطال حكم شرعي وتحويله في الظاهر إلى حكم آخر، فمآل العمل فيه خرم قواعد الشريعة في الواقع، كالواهب ماله عند رأس الحول (١) فرارا من الزكاة، فإن أصل الهبة على الجواز، ولو منع الزكاة من غير هبة لكان ممنوعًا. فإن كل واحد منهما ظاهر أمره في المصلحة أو المفسدة، فإذا جمع بينهما على هذا القصد صار مآل الهبة المنع من أداء الزكاة، وهو مفسدة، ولكن هذا بشرط القصد إلى إبطال الأحكام الشرعية (٢) وقال الشيخ عبد الله دراز في تعليقه على الموافقات: جعل المفسدة في الحيل خرم قواعد الشريعة خاصة كإبطال الزكاة وهدمها بالكلية ولا يخفى أن هذا ممنوع، والهبة ذريعة إليه فتكون الحيلة أخص من الذريعة (٣) . وبهذا يظهر أن التحيل على الإحكام الشرعية باطل على الجملة نظرا إلى المآل، والخلاف في ذلك إنما وقع في تحقيق المناط.
стр. 15420
الفرق بين سد الذرائع وتحريم الوسائل:
سد الذرائع هو منع الجائز الذي يؤدي إلى فعل محظور ومفاد التحريم والذريعة هي الوسيلة إلى الشيء فسد الذرائع بناء على هذا المعنى يعني تحريم الوسائل وإذا لا فرق بين الاصطلاحين وهذا عند المالكية لأنهم يسوون بين الذرائع والوسائل وبين سد الذرائع وتحريم الوسائل في المعنى.
وفرق الشافعية بينهما لأنهم اعتبروا القسم الأول من سد الذرائع المجمع على منعه وسائل ينطبق عليها قيد استلزام الوسيلة للمتوسل إليه بناء على قطعية الإفضاء فهو من الوسائل المحرمة وتفريقهم هذا كي لا تلزمهم الحجة بأن من الذرائع ما هو معتبر بالإجماع بدليل الأمثلة التالية:
حرمة حفر الآبار في طريق المسلمين وإلقاء السم في أطعمتهم أو سب أصنام المشركين فهذه لصور وأمثالها وسائل عندهم فالمنع منها تحريم للوسائل لا سدا للذرائع لأنها مستلزمة للمتوسل إليه (١) .
فالفرق إذا بين سد الذرائع وتحريم الوسائل لا يستقيم إلا مع إخراج ما يستلزم المتوسل إليه ويفضي إليه بصورة قطعية عن مسمى الذرائع وهو أسلوب المانعين من الأخذ بأصل سد الذرائع لرده، وبغير هذا الإخراج لا يظهر إلا في الاستعمال اللفظي، وهو اصطلاح الآخرين (٢) .
إذا فالقول بتحريم الوسائل التي تستلزم المحرم أي المتوسل إليه قائم على أساس يقرب من اليقين بينما القول بسد الذرائع قائم في أغلب صوره على الظن والتوهم والتخمين وشتان ما بينهما (٣) .
стр. 15421
أقسام الذرائع:
تنقسم الذرائع بالمعنى العام إلى قسمين:
القسم الأول: الذرائع التي تفضي إلى المصلحة وهي على نوعين:
أ- أن تكون الذريعة والوسيلة مصلحة بحد ذاتها: وعندها تكون مطلوبة أو مباحة حسب قوة وحال ما تؤدي إليه. فإن كان مباحا فمباحة كالكسب الحلال المؤدي إلى التمتع بالطيبات، وإن كان مندوبا فمندوبة كالكسب الحلال لدفع غائلة الجوع، وإن كان واجبا فواجبة كالوضوء بالنسبة للصلاة.
ب- أن تكون الذريعة المفضية إلى المصلحة مفسدة في حد ذاتها: كالسرقة من أجل الإنفاق على العيال، ففي هذه الحالة تكون الوسيلة ممنوعة وإن كانت تؤدي إلى مصلحة لأن الغاية لا تبرر الوسيلة في الإسلام إلا إذا رافقتها ضرورة ملجئة فتباح بقدر الضرورة عملا بقاعدة الضرورات تبيح المحظورات، والضرورة تقدر بقدرها.
وهذا موضع اتفاق لدى العلماء وهو الذي تؤيده الأدلة الشرعية الإجمالية والتفصيلية وتشهد له نصوص الكتاب والسنة ويؤيده العقل وعليه إجماع المسلمين.
القسم الثاني: الذرائع المفضية إلى المفاسد وهذا القسم أيضا على نوعين:
أ- أن تكون الذريعة مفسدة في حد ذاتها وتفضي إلى المفسدة بطبعها كالسعي بالفساد بين الناس المؤدي إلى الفتنة وإيقاد نار الضغائن في النفوس، وترك السلام المؤدي إلى القطيعة غالبًا، والزنا المفضي إلى اختلاط الأنساب وضياع النسل وشرب المسكر المفضي إلى غياب العقل والإضرار بالجسم، ولا خلاف في أن هذا النوع محظور على وجه الكراهة أو الحرمة بحسب مقدار المفسدة فيه.
ب- أن تكون الذريعة المؤدية إلى المفسدة مصلحة في حد ذاتها ومشروعة، وهذا النوع من الذرائع على مراتب حسب نسبة المفسدة التي تفضي إليها واعتبار قصد الفاعل للمفسدة وعدمه وبالتالي يختلف النظر الفقهي إليها سدا وفتحًا، وقد ذكر العلماء مراتب هذا النوع من الذرائع وأقسامه، كما ذكروا حكم كل مرتبة منها ولقد فصل ابن القيم ﵀ هذه الأقسام وبين حكمها فقال:
الفعل والقول المفضي إلى مفسدة قسمان:
أحدهما: أن يكون وضعه للإفضاء إليها كشرب المسكر المفضي إلى مفسدة السكر وكالقذف المفضي إلى مفسدة الفرية، والزنا المفضي إلى اختلاط المياه وفسد الفراش ونحو ذلك، فهذه أفعال وأقوال وضعت مفضية لهذه المفاسد وليس لها ظاهر غيرها.
والثاني: أن تكون موضوعة للإفضاء إلى أمر جائز أو مستحب فيتخذ وسيلة إلى المحرم إما بقصده أو بغير قصد منه.
فالأول: كمن يعقد النكاح قاصدا به التحليل أو يعقد البيع قاصدا الربا أو يخالع قاصدا به الحنث ونحو ذلك.
والثاني: كمن يصلي تطوعا بغير سبب في أوقات النهي أو يسب أرباب المشركين بين أظهرهم، أو يصلي بين يدي القبر لله ونحو ذلك.
стр. 15422
ثم هذا القسم من الذرائع نوعان:
أحدهما: أن تكون مصلحة الفعل أرجح من مفسدته.
والثاني: أن تكون مفسدته راجحة على مصلحته، فهنا أربعة أقسام:
الأول: وسيلة موضوعة إلى المفسدة.
الثاني: وسيلة موضوعة للمباح قصد بها التوسل إلى المفسدة.
الثالث: وسيلة موضوعة للمباح لم يقصد بها التوسل إلى المفسدة لكنها مفضية إليها غالبا ومفسدتها أرجح من مصلحتها.
الرابع: وسيلة موضوعة للمباح وقد تفضي إلى المفسدة ومصلحتها أرجح من مفسدتها.
ثم ذكر ﵀ أن الشريعة جاءت بإباحة القسم الرابع ومثل له بما يلي:
١- النظر إلى المخطوبة.
٢- فعل ذوات الأسباب في أوقات النهي.
٣- كلمة الحق عند ذي سلطان جائر.
وقال: فالشريعة جاءت بإباحة هذا القسم أو استحبابه أو إيجابه بحسب درجاته في المفسدة بقي النظر في القسمين الوسط هل هما مما جاءت الشريعة بإباحتهما أو المنع منهما؟ وجزم بالمنع من عدة وجوه بلغت تسعة وتسعين وجها ونذكر في هذا المبحث مختارات منها:
١- قوله تعالى: ﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [الأنعام: ١٠٨] وكانت المصلحة ترك مسبته تعالى أرجح من مصلحة سبنا لآلهتهم، قال: وهذا كالتنبيه أو التصريح على المنع من الجائز لئلا يكون سببا في فعل ما لا يجوز.
٢- قوله تعالى: ﴿وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ﴾ [النور: ٣٦] فمنعهن من الضرب بالأرجل وإن كان جائزا في نفسه لئلا يكون سببا إلى سمع الرجال صوت الخلخال فيثير ذلك دواعي الشهوة منهم إليهن.
٣- نهى الله تعالى عن البيع وقت نداء الجمعة لئلا يتخذ ذريعة إلى التشاغل بالتجارة عن حضورها.
٤- ما جاء عن رسول الله ﷺ قوله: ((إن من أكبر الكبائر أن يلعن الرجل والديه، قيل يا رسول الله كيف يلعن الرجل والديه؟ قال: يسب أبا الرجل فيسب أباه، ويسب أمه فيسب أمه)) . فجعل الرسول ﷺ الرجل سابا لاعنا لأبويه بتسببه إلى ذلك وتوسله إليه وإن لم يقصده.
٥- إن النبي ﷺ كان يكف عن قتل المنافقين مع كونه مصلحة لئلا يكون ذريعة إلى تنفير الناس عنه وقولهم إن محمدا يقتل أصحابه.
٦- أن الله تعالى أمر بغض البصر سدا لذريعة الإرادة والشهوة المفضية إلى المحظور.
٧- أن النبي ﷺ منع المقرض من قبول الهدية وكذلك أصحابه حتى يحسبها من دينه لئلا يتخذ ذريعة إلى تأخير الدين لأجل الهدية فيكون ربا.
٨- النهي أن تقطع الأيدي في الغزو لئلا يكون ذريعة إلى إلحاق المحدود بالكفار ولهذا لا تقام الحدود في الغزو.
٩- أن النبي ﷺ أمر الملتقط أن يشهد على اللقطة، وقد علم أنه أمين وما ذاك إلا سدا لذريعة الطمع والكتمان، فإذا بادر وأشهد كان أحسم لمادة الطمع والكتمان، قال: وهذا أيضا من ألطف أنواعها.
стр. 15423
وبهذه الأمثلة نكتفي للتدليل على منع الإتيان بفعل يكون وسيلة إلى حرام وإن كان جائزا وتشمل القسمين الثاني والثالث من التقسيمات التي ذكرناها عن ابن القيم ﵀ (١)
أما الإمام الشاطبي في الموافقات فقد قسم جلب المصلحة أو دفع المفسدة إلى ثمانية أقسام فقال: "جلب المصلحة أو دفع المفسدة إذا كان مأذونا فيه على ضربين:
أحدهما: أن لا يلزم عنه أضرار الغير.
والثاني: أن يلزم عنه ذلك، وهذا الثاني ضربان:
أحدهما: أن يقصد الجالب أو الدافع ذلك الإضرار كالمرخص في سلعته قصدا لطلب معاشه وصحبه قصد الإضرار بالغير.
الثاني: أن لا يقصد إضرارا بأحد، وهو قسمان:
أحدهما: أن يكون الإضرار عاما كتلقي السلع وبيع الحاضر للبادي، والامتناع عن بيع داره أو فدانه وقد اضطر إليه الناس لمسجد جامع أو غيره.
والثاني: أن يكون خاصا وهو نوعان:
أحدهما: أن يلحق الجالب أو الدافع بمنعه من ذلك ضرر، فهو محتاج إلى فعله كالدافع عن نفسه ظلمة يعلم أنها تقع بغيره، أو يسبق إلى شراء طعام أو ما يحتاج إليه أو إلى صيد أو حطب أو ماء أو غيره عالما أنه إذا استحازه استضره غيره بعدمه، ولو أخذ من يده استضر هو.
الثاني: أن لا يلحقه بذلك ضرر وهو على ثلاثة أنواع:
أحدها: ما يكون إلى المفسدة قطعيًا، أعني القطع العادي، كحفر البئر خلف الدار في الظلام بحيث يقع الداخل فيه لا بد وشبه ذلك.
والثاني: ما يكون أداؤه إلى المفسدة نادرا كحفر البئر بموقع لا يؤدي غالبا إلى وقوع أحد فيه وأكل الأغذية التي غالبها لا تضر أحدا وما أشبه ذلك.
والثالث: ما يكون غالبا كبيع السلاح من أهل الحرب، والعنب من الخمار، وما يغش به ممن شأنه الغش ونحو ذلك.
стр. 15424
والثاني: أن يكون كثيرا لا غالبا كمسائل بيوع الآجال فهذه ثمانية أقسام (١) .
ثم أسهب ﵀ في بيان هذه الأقسام من حيث الإذن ببقائها وعدمه، وقد أوجزها صاحب كتاب سد الذرائع حفظه الله فقال وحاصلها:
١- تصرف مأذون فيه، لا يلزم عنه إضرار بالغير.
٢- تصرف مأذون فيه، يلزم عنه إضرار بالغير بقصد.
٣- تصرف مأذون فيه، يلزم عنه إضرار عام بغير قصد.
٤- تصرف مأذون فيه، يلزم عنه إضرار خاص، بغير قصد يلحق صاحبه بمنعه من ضرر.
٥- تصرف مأذون فيه، يلزم عنه بغير قصد إضرار خاص مقطوع، لا يلحق صاحبه بمنعه منه ضرر.
٦- تصرف مأذون فيه، يلزم عنه بغير قصد إضرار خاص نادر، لا يلحق صاحبه بمنعه فيه ضرر.
٧- تصرف مأذون فيه، يلزم عنه بغير قصد إضرار خاص كثير غالبًا، لا يلحق صاحبه بمنعه ضرر.
٨- تصرف مأذون فيه، يلزم عنه بغير قصد إضرار خاص كثير لا غالب، لا يلحق صاحبه بمنعه منه ضرر.
وحيث عرفنا أن الذريعة هي الوسيلة إلى الغاية لذا فإن الأصل في اعتبار سدها هو النظر في مآلات الأفعال وما تنتهي في جملتها إليه، وحكمها أن الوسيلة إلى المحرم محرمة ويجب سدها وأن الوسيلة إلى الواجب واجبة ويجب فتحها. فالذريعة مطلوبة إذا حققت مصلحة مشروعة وهي مرفوضة إذا حققت مفسدة والمعتبر في ذلك نتيجة العمل وثمرته لا قصد من أخذ بالذريعة ونيته، فإن سب المؤمن للأصنام التي تعبد من دون الله تعبير عن نية صالحة ومع ذلك نهى الله عنه اعتبارا لما يترتب عليه فكان الملاحظ فيه هو النتيجة الواقعة لا النية الدينية المحتسبة وقد يقصد الشخص الشر بفعل مباح فيكون آثما فيما بينه وبين الله، ولكن ليس لأحد عليه سبيل ولا يحكم على تصرفه بالبطلان الشرعي كمن يرخص في سلعته ليضر بذلك تاجرا منافسًا. فمبدأ سد الذرائع ينظر إلى النية مع النفع العام ودفع الفساد العام والنية معتبرة في موازين الله عز وعلا، والنتائج في واقع الحياة معتبرة في موازين المصالح الدنيوية.
وقد تجد من التصرفات ما يحقق منفعة فردية على حساب منفعة فرد آخر دون أن يكون في الموقف نفع عام ولا فساد عام، فإن أمكن تحقيق المنفعة بأسلوب لا يضر الغير، فلا إشكال في منعه من إيقاع الضرر بالغير؛ لأن قصد الإضرار واضح كمن بنى جدارا يسد به الشمس والنور والهواء عن جاره دون أن تلجئه إلى ذلك حاجة ملحة أما إن اضطر إلى تحقيق منفعة بدون قصد الإضرار فلا بأس (٢) .
стр. 15425
حجية سد الذرائع:
عرفنا أن الذرائع أصل في الفقه الإسلامي أخذ به أكثر الفقهاء من حيث المبدأ واختلفوا في مقداره، ولم يختلفوا في كونه أصلا ثابتًا. ومن الأمثلة المجمع عليها في سد الذرائع ما جاء من نهي عن سب الأصنام خشية أن تتخذ ذريعة لسب الله تعالى، قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [الأنعام: ١٠٨] وقوله تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا﴾ [البقرة: ١٠٤] نهوا عن ذلك حتى لا يكون ذريعة لسب رسول الله ﷺ من قبل يهود ومن المسائل التي يحكم فيها بالإباحة وهي محرمة أصلا من باب الذرائع.
١- دفع مال فداء للأسرى من المسلمين فإن الأصل في ذلك حرام لما فيه من تقوية للعدو المحارب وما فيه من ضرر بالمسلمين، لكنه أجيز لأنه يتحقق من ورائه حرية طائفة من المسلمين وتقوية المسلمين بإطلاق سراحهم، وهذا من باب الأخذ بفتح الذرائع لا بسدها.
٢- دفع مال من المسلمين لدولة محاربة لدفع أذاها إذا لم يكن للمسلمين قوة يستطيعون بها حماية أنفسهم.
٣- دفع الرشوة لدفع الظلم إذا لم يقدر على دفعه إلا بها على تفصيل لدى الفقهاء وينظر في مظانه.
٤- أعطاء المال لمن يقطعون الطريق على الحجاج أو التجار والمسافرين ونحوهم فقد أجاز ذلك بعض المالكية وبعض الحنابلة (١) .
ويدعي بعض الفقهاء أن مبدأ سد الذرائع مما اختص به مالك وتابعه أحمد رحمهما الله.
غير أن القرافي ﵀ يقول: "أجمع الفقهاء على أن الذرائع ثلاثة أقسام:
أحدها: معتبر إجماعا كسب الأصنام عند من يعلم من حاله أنه يسب الله تعالى.
ثانيها: لا عبرة به إجماعا كزراعة العنب فإنها لا تمنع خشية الخمر.
وثالثها: مختلف فيه كبيوع الآجال نحن اعتبرنا الذريعة فيها وخالفنا غيرنا.
فحاصل القضية أننا قلنا بسد الذرائع أكثر من غيرنا لا لأنها خاصة بنا (٢) .
مثال: من باع سلعة بعشرة دراهم إلى شهر ثم اشتراها بخمسة قبل شهر، فمالك يقول إنه أخرج من يده خمسة الآن وأخذ عشرة آخر الشهر، فهذه وسيلة لسلف خمسة بعشرة إلى أجل وراء ستار من البيع الصوري، والشافعي ينظر إلى صورة البيع فيجيزها ويحمل الأمر على ظاهره؛ لأن الربا وإن يكن حراما فإن صورة هذا البيع لم تتعين وسيلة للربا وذريعة إليه لا بطريق العلم ولا بطريق الظن وإن كثر ترتب الغاية المحرمة على تلك الصورة من صور البيع.
فمالك يعتبر الكثرة ركيزة التحريم، والشافعي يعتبر أن الأصل في التصرف هو الإذن ولا يلغى هذا الأصل إلا بدليل يوجب العلم أو غلبة الظن على الأقل، ولا يكفي الحدس لإلغاء الأصل في البيع (٣) .
стр. 15426
الأصول التي اعتمد عليها القائلون بسد الذرائع:
لقد عدت الذرائع – بفتحها وسيلة إلى المصلحة أو بسدها سبيلا إلى المضرة – نصف شرائع الإسلام، وكانت قطب الرحى في مذهب الإمام مالك ﵀ فكان مذهبا فياضا بالعطاء.
والأصل في سد الذرائع هو النظر إلى الصالح العام فيجب اتخاذ الذريعة لتحقيق مصلحة عامة ويمنع اتخاذ الذريعة درءا للمفاسد فالميزان هو جلب المصالح ودفع المفاسد ما أمكن الدفع والجلب، ولا يخالف في ذلك أحد. ولا يجوز لأي شخص أن يستمسك بمصلحة مباحة له إذا أدى الاستمساك بها إلى إحداث ضرر عام، أو منع مصلحة عامة. فتلقى السلع قبل نزولها إلى الأسواق واحتكارها لأجل التحكم في أسعارها ممنوع؛ لأنه وإن كان في أصله جائزا لأنه شراء فإنه يجب منعه لأنه سيوقع الناس في ضيق والإضرار بالناس في مصالحهم العامة لا يجوز. وبيان ذلك أن موارد الأحكام قسمان:
مقاصد: وهي الأمور المكونة للمصالح والمفاسد في أنفسهما أي التي هي في ذاتها مصالح أو مفاسد. ووسائل وهي الطرق المفضية إليها، وحكمها حكم ما أفضت إليه من تحليل أو تحريم، غير أنها أخفض رتبة من المقاصد في حكمها.
يقول القرافي: الوسيلة إلى أفضل المقاصد أفضل الوسائل وإلى أقبح المقاصد أقبح الوسائل، وإلى ما هو متوسط متوسطة (١) .
فالأصل في اعتبار الذرائع هو النظر إلى مآلات الأفعال، فيأخذ الفعل حكما يتفق مع ما يؤول إليه سواء أكان يقصد ذلك الذي آل إليه الفعل أم لا يقصده، فإذا كان الفعل يؤدي إلى مطلوب فهو مطلوب، وإن كان لا يؤدي إلا إلى شر فهو ممنوع.
وبالنظر إلى هذه المآلات نجد أنه لا يلتفت إلى نية الفاعل بل إلى نتيجة العمل وثمرته وبحسب النتيجة يحمد الفعل أو يذم.
وسد الذرائع يقوم على عدة أصول وقواعد معتبرة عند الفقهاء منها:
١- جلب المصالح ودرء المفاسد.
٢- اعتبار المآل الذي يؤيده أن المصالح معتبرة في الأحكام وليست هذه في الحقيقة إلا وسائل غايتها تحقيق مصالح معينة.
٣- قاعدة ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب كغسل جزء من الرأس لكمال غسل الوجه.
٤- أن الشافعية لا يجيزون كغيرهم من العلماء التذرع بأمر ظاهر الجواز لتحقيق أغراض غير مشروعة لما في ذلك من مناقضة للشرع، فهم يحرمون الوسائل المفضية إلى ممنوع، وغيرهم يراها من باب سد الذرائع ولا مشاحة في الاصطلاح.
٥- اعتبار الشبهات عند الإمام الشافعي ﵀ والاحتياط في درء المفاسد فهو يقبل العدل الواحد في رؤية هلال شهر رمضان لأنه إثبات عبادة، ولا يقبل في هلال شوال إلا شاهدين لأنه إسقاط فرض فوجب الاحتياط لذلك.
٦- اعتبر التهم ومنه قول الشافعي ﵀ فيما إذا أخر المعذورون صلاة الظهر حتى فاتت صلاة الجمعة أحب لهم أن يصلوها جماعة، وأن يخفوها لئلا يتهموا في الدين إلى غير ذلك.
٧- قاعدة من استعجل الشيء قبل أوانه عوقب بحرمانه – وزاد الإمام علم الدين البلقيني ﵀ عليها فقال: " من استعجل الشيء قبل أوانه، ولم تكن المصلحة في ثبوته عوقب بحرمانه ".
стр. 15427
فأنت تلاحظ قوله: ولم تكن المصلحة في ثبوته تشمل كل الاستثناءات من القاعدة مراعاة للمصلحة (١) .
٨- إذا اجتمع الحلال والحرام غلب جانب الحرام: مثاله ما نقله الإمام الجويني في السلسلة قال: لم يخرج عنها إلا ما ندر فمن فروعها إذا تعارض دليلان أحدهما يقتضي التحريم، والآخر يقتضي الإباحة قدم التحريم في الأصح. ومن ثم قال عثمان بن عفان ﵁ سئل عن الجمع بين الأختين بملك اليمين، أحلتهما آية وحرمتهما آية والتحريم أحب إلي.
٩- قاعدة "ما حرم استعماله حرم اتخاذه" "وما حرم أخذه حرم إعطاؤه" وعلى هذا الأساس حرم اتخاذ الملاهي وأواني النقدين واقتناء الكلب لا لصيد أو حراسة، إلى غير ذلك من الأشياء كالخنزير والحرير والحلي للرجل وإعطاء الربا وحلوان الكاهن ومهر البغي والرشوة وأجر النائحة.
١٠- قاعدة "اعتبار الأهم ورعاية جانبه" من ذلك تفويت الأقل حفاظا للأكثر قال الإمام العز بن عبد السلام ﵀: "اعتناء الشرع بالمصالح العامة أوفر وأكثر من اعتنائه بالمصالح الخاصة، ولو وقع مثل قصة الخضر ﵇ في زمننا هذا لجاز تعييب المال حفاظا لأصله، ولأوجبت الولاية ذلك في حق المولى عليه حفاظا للأكثر بتفويت الأقل فإن الشرع يحصل على الأصح بتفويت المصالح، كما يدرأ الأفسد بارتكاب المفاسد (٢) .
ويقول أبو زهرة ﵀: الأخذ بالذرائع ثابت في كتب المذاهب الإسلامية وإن لم يصرح به، وقد أكثر الإمامان مالك وأحمد، وكان دونهما في الأخذ به الشافعي وأبو حنيفة –﵏ جميعاً- ولكنهما لم يرفضاه جملة ولم يعتبراه أصلا قائما بذاته، وكان داخلا في الأصول المقررة عندهما كالقياس والاستحسان الحنفي الذي لا يبتعد عما قرره الشافعي إلا في العرف.
стр. 15428
وإن الأخذ بالذرائع لا تصح المبالغة فيه، فإن المغرق فيه قد يمتنع عن أمر مباح أو مندوب أو واجب خشية الوقوع في ظلم كامتناع بعض العادلين عن تولي أموال اليتامى، أو أموال الأوقاف خشية التهمة من الناس، أو خشية على أنفسهم من أن يقعوا في ظلم، ولأنه لوحظ أن بعض الناس قد يمتنع عن أمور كثيرة خشية الوقوع في الحرام، ولذلك قيد ابن العربي في كتابه أحكام القرآن بأن ما يحرم للذريعة إنما ثبت إذا كان المحرم الذي تسد ذريعته يثبت تحريمه بنص لا لقياس ولا لذريعة، فلا يصح أن يترك تولي مال اليتيم خشية الظلم. ولذا قال القرطبي: فإن قيل يلزم ترك مالك أصله في التهمة وسد الذريعة إذا جوز له الشراء من يتيمة، فالجواب أن ذلك لا يلزم وإنما يكون ذريعة فيما يؤدي من الأفعال المحظورة إلى محظورات منصوص عليها وأما هاهنا فقد أذن الله تعالى في صورة المخالطة ووكل المخالفين في ذلك إلى أمانته يقول تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ﴾ [البقرة: ٢٢٠] . وكل أمر مخوف وكل الله سبحانه المكلف إلى أمانته لا يقال أنه يتذرع إلى محظور فيمتنع، كما جعل الله النساء مؤتمنات في فروجهن، مع عظيم ما يترتب على قولهن ذلك من الأحكام ويرتبط به من الحل والحرمة وإن جاز أن يكذبن.
وبناء على ما تقدم فإنه يتقرر هنا أصلان:
الأول: أن الذرائع يؤخذ بها إذا كانت توصل إلى فساد منصوص عليه، وبالقياس إذا كانت توصل إلى حلال منصوص عليه. فسدها في الأول يكون لمفسدة عرفت بنص، وفتحها في الثاني لمصلحة عرفت بنص. ووجه ذلك أن المصلحة أو المفسدة المعرفة بنص مقطوع بها، فتكون الذرائع لخدمة النص ولكن هذا الأصل لم يتصد لذكره إلا ابن العربي، وكتب الأصول المالكية لم تتصد لذلك وظاهرها أنها لا تشترط هذا الشرط.
الأصل الثاني: إن الأمور التي تتصل في أحكامهم الشرعية بالأمانات لا تمتنع لظهور الخيانة أحيانًا، فإن المضار التي تترتب على سدها أكثر المضار التي تدفع بتركها، فلو تركت الولاية على اليتيم سدا للذريعة لأدى ذلك إلى ضياع اليتامى، ولو ردت الشهادات سدا لذريعة الكذب لضاعت الحقوق (١) .
стр. 15429
الأصول التي اعتمد عليها القائلون بسد الذرائع:
استدل القائلون بسد الذرائع بشواهد كثيرة من الكتاب والسنة وعمل الصحابة هذه الشواهد تثبت هذا الأصل وتشهد للعمل به.
وقد أجاد وأفاض في الاستدلال لصحة هذا الأصل ابن قيم الجوزية في كتابه القيم إعلام الموقعين فذكر تسعة وتسعين وجها من الكتاب والسنة وعمل الصحابة تدل على منع الذرائع ثم قال بعد تحرير محل الخلاف فيها، والدلالة على المنع من وجوه فذكرها ثم قال: ولنقتصر على هذا العدد من الأمثلة الموافقة لأسماء الله الحسنى التي من أحصاها دخل الجنة تفاؤلا بأن من أحصى هذه الوجوه وعلم أنها من الدين وعمل بها دخل الجنة.
ولنذكر فيما يلي عددا من الأمثلة المذكورة:
أولًا: من كتاب الله تعالى: قال تعالى ﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [الأنعام: ١٠٨] .
١- حرم الله سبحانه سب آلهة المشركين مع كون السب غيظا لهم وحمية لله وإهانة لأصنامهم لكونه ذريعة لأن يسب المشركون الله تعالى فكانت مصلحة ترك مسبة الله تعالى أرجح من مصلحة سبنا لآلهتهم، وهذا من باب المنع من الجائز لئلا يكون سببا في فعل ما لا يجوز.
٢- قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقُولُواْ رَاعِنَا وَقُولُواْ انظُرْنَا وَاسْمَعُوا وَلِلكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [البقرة: ١٠٤] نهى الله في هذه الآية المؤمنين من قول هذه الكلمة لئلا يكون ذلك ذريعة إلى أن يقولها اليهود للنبي ﷺ ويقصدون بها غير ما يقصده المسلمون يسبون بها النبي ﷺ .
٣- قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ﴾ [النور: ٥٨] . أمر الله تعالى مماليك المؤمنين ومن لم يبلغ منهم الحلم أن يستأذنوا عليهم في هذه الأوقات الثلاثة لئلا يكون دخولهم هجما بغير استئذان فيها ذريعة إلى اطلاعهم على عوراتهم وقت إلقاء ثيابهم عند القائلة والنوم واليقظة.
٤- قوله تعالى لنبيه موسى وأخيه هارون ﵉ ﴿اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (٤٣) فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ [طه: ٤٤] . فأمرهما تعالى أن يلينا القول لأعظم أعدائه وأشدهم كفر وأعتاهم عليه. لئلا يكون إغلاظ القول له مع أنه حقيق به ذريعة إلى تنفيره وعدم صبره لقيام الحجة فنهاهما عن الجائز لئلا يترتب عليه ما هو أكره إليه تعالى.
٥- قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ [الجمعة: ٩] . نهى عن البيع وقت نداء الجمعة لئلا يتخذ ذريعة إلى التشاغل بالتجارة عن حضورها.
стр. 15430
ثانيًا: من السنة:
١- قوله ﷺ : ((من الكبائر شتم الرجل والديه، قالوا يا رسول الله وهل يشتم الرجل والديه قال: نعم يسب أبا الرجل فيسب أباه ويسب أمه فيسب أمه)) متفق عليه (١) .
جعله رسول الله ﷺ سابا لوالديه بتسببه إلى ذلك وتوسله إليه وإن لم يقصده.
٢- حرم رسول الله ﷺ الخلوة بالأجنبية ولو في إقراء القرآن والسفر بها ولو في الحج سدا لذريعة ما يحاذر من الفتنة وغلبات الطباع (٢) .
٣- حرم رسول الله ﷺ الجمع بين المرأة وخالتها وقال: ((إنكم إذا فعلتم ذلك قطعتم أرحامكم، حتى لو رضيت المرأة بذلك)) لم يجز لأن ذلك ذريعة إلى القطيعة المحرمة.
٤- نهى النبي ﷺ أن يجمع الرجل بين سلف وبيع ولو أفرد أحدهما عن الآخر صح. وإنما ذلك لأن اقتران أحدهما بالآخر ذريعة إلى أن يقرضه ألفا ويبيعه سلعة تساوي ثمانمائة بألف أخرى، فيكون قد أعطاه ألفا وسلعة بثمانمائة ليأخذ منه ألفين، وهذا هو معنى الربا. فانظر إلى حمايته الذريعة إلى ذلك بكل طريق.
٥- السنة قضت بأنه ليس للقاتل من الميراث شيء لأن توريث القاتل ذريعة إلى وقوع هذا الفعل فسد الشارع الذريعة بالمنع.
стр. 15431
ثالثًا: في فقه الصحابة:
١- جمع الصحابة ﵃ القرآن حتى لا يضيع بموت حامله، ونسخه عثمان ﵁ في مصحف واحد وأحرق ما عداه سدا لذريعة الاختلاف فيه.
٢- ترك عمر ﵁ الأراضي المفتوحة عنوة في يد أصحابها وفرض عليهم الخراج وجعلها وقفا على المسلمين وخالفه بعض الصحابة في أول الأمر ثم أجمعوا على رأيه بعد أن استبان لهم وجه الحق وذلك سدا لذريعة التقاعس عن الفتوح وعجز الجند (١) .
٣- منع نكاح الكتابيات سدا لذريعة فتنة نساء المؤمنين بميل الرجال إلى نساء أهل الكتاب لجمالهن، فقد ثبت أن عمر بن الخطاب ﵁ بلغه أن حذيفة بن اليمان تزوج يهودية بالمدائن فكتب إليه "أن خل سبيلها" فكتب إليه حذيفة "أحرام هي يا أمير المؤمنين؟ " فكتب إليه عمر "أعزم عليك ألا تضع كتابي هذا حتى نخلي سبيلها، فإني أخاف أن يقتدي بك المسلمون فيختاروا نساء أهل الذمة لجمالهن وكفى بذلك فتنة لنساء المسلمين" (٢) .
٤- خفة الصلاة لمدافعة الوسواس: بما أن تطويل الصلاة مستحب إلا أنه قد يكون ذريعة إلى الفتنة والوسواس ولهذا لما سئل الزبير ابن العوام ﵁ عن خفة الصلاة لدى أصحاب النبي ﷺ قال "نبادر الوسواس" أي سدا لذريعة الوسواس، وفي الفتنة يقول رسول الله ﷺ : "أفتان أنت يا معاذ" حين كان معاذ يطيل الصلاة بالناس" (٣) .
٥- قطع شجرة بيعة الرضوان
لما رأى عمر ﵁ الناس يأتون إلى شجرة بيعة الرضوان ويصلون عندها قال: "أراكم رجعتم إلى العزى ألا لا أوتى منذ اليوم بأحد عاد لمثلها إلا قتلته بالسيف كما يقتل المرتد، وأمر بقطع تلك الشجرة سدا لذريعة التشبه بالمشركين" (٤) .
стр. 15432
شواهد من فقه الأئمة الأربعة باتفاقهم على سد الذرائع فيها:
١- نكاح الكتابيات الحرائر اتفق الأئمة الأربعة على جوازه عملا بظاهر الكتاب واتفقوا على كراهيته عملا بمذهب الخليفة عمر خشية أن يميل إليها فتفتنه عن الدين أو يتولى أهل دينها. فسد الذريعة هنا واضح.
٢- توريث المطلقة ثلاثا في مرض الموت لأنه متهم في قطع إرثها.
٣- قبلة الصائم، أجمعوا على كراهيتها لمن لا يأمن أن تثير شهوته.
٤- اتفقوا على أن الطلاق الثلاث بلفظ واحد يقع ثلاثا وهو اجتهاد لأمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ وموافقة الصحابة عليه.
٥- اتفقوا على قتل الجماعة بالواحد وهو اتفاق من قبل الصحابة.
٦- اتفقوا على ضمان ما أتلفته الدابة كما هو ثابت عن الصحابة أيضا مع اختلافهم في الأحوال التي يترتب فيها الضمان.
سد الذرائع عند المالكية:
هذا أصل من أصول الاستنباط الفقهي عند المالكية، وقد بلغوا فيه مبلغا لم يبلغه أحد من أصحاب المذاهب في أخذه لهذا الأصل؛ لأن المذهب المالكي أوسع المذاهب الاجتهادية اعتمادا على رعاية المصالح بين الناس، ولهذا كان العمل بالمصالح المرسلة أصلا من أصول المذهب المالكي، وسد الذرائع ما هو إلا تطبيق عملي للعمل بالمصلحة، ومن أبرز تطبيقاتهم:
منعهم العقود التي تتخذ ذريعة إلى أكل الربا ومنها:
أ- بيوع الآجال: وهي بيوع ظاهرها الجواز تؤدي إلى ممنوع كأن يبيع شخص لأجل ثم يشتريه منه بنقد أو إلى أجل آخر، ولها عدة أحوال مختلفة تشمل كلا من الأجل والثمن والسلعة والبائع والمشتري، فالنسبة للأصل فإن الشراء الثاني قد يكون نقدا أو إلى أجل الأول أو إلى الأجل نفسه أو إلى أبعد منه.
وأما بالنسبة للثمن فإما أن يكون مثل الأول أو أقل أو أكثر، وإما أن يكون عينا أو طعاما أو عرضا أو حيوانًا.
وأما بالنسبة للسلعة، فقد يشتري البائع نفس السلعة التي باعها أو بعضها أو هي زيادة عليها أو مثلها.
وأما بالنسبة للبائع فقد يشتريها لنفسه أو وكيله أو محجوره. وأما بالنسبة للمشتري فقد يبيعها هو أو وكيله.
ومن أمثلة هذا البيع: ما يؤدي إلى: أنظرني أزدك جاء في الموطأ جـ٢ ص١٧٣.
стр. 15433
قال مالك في الرجل يكون له على الرجل مائة دينار إلى أجل فإذا حلت قال له الذي عليه الدين بعني سلعة يكون ثمنها مائة دينار نقدا بمائة وخمسين إلى أجل: "هذا بيع لا يصلح ولم يزل أهل العلم ينهون عنه".
قال مالك: وإنما كره ذلك لأنه إنما يعطيه ثمن ما باعه بعينه ويؤخر عنه المائة الأولى إلى الأجل الذي ذكر له آخر مرة، ويزداد عليه خمسين دينارا في تأخيره عنه، فهذا مكروه لا يصلح.
ولبيوع الآجال أمثلة كثيرة مبسوطة في كتب الفقه المالكي وغيره.
ب- ما يؤدي إلى بيع المال الربوي متفاضلًا، كأن يبيع صنفاًوسطا في الجودة بصنفين أحدهما أجود والثاني أردأ.
قال مالك ﵀: لا يصلح مد زبد ومد لبن بمدي زبد وهذا مثل من يبيع صاعين من كبيس من التمر وصاعا من حشف بثلاثةأصوع من عجوة، فهذا لا يصلح (١) .
قال ابن رشد: إن مالكا يرد هذا لأنه يتهمه أن يكون إنما قصد أن يدفع مدين من الوسط في مد من الطيب فجعل الرديء ذريعة إلى تحليل ما لا يجب من ذلك (٢) . هكذا في الأصل. ولعله: ما لا يجوز.
ج- القراض بالدين: قال مالك: إذا كان لرجل على رجل دين فسأله أن يقره عنده قراضا أن ذلك يكره حتى يقبض ماله ثم بقارضه بعد أو يمسك وإنما ذلك مخافة أن يكون أعسر بماله، فهو يريد أن بؤخر ذلك على أن يزيد فيه (٣) .
د- تأجيل الصداق: قال مالك: والأجل في الصداق أي يكره تأجيله بأجل معلوم ولو إلى سنة لئلا يتذرع الناس إلى النكاح بغير صداق، ويظهرون أن هناك صداقا مؤجلا (٤) .
стр. 15434
في الفقه الحنبلي:
الحنابلة يأتون في الدرجة الثانية بعد المالكية عملا بسد الذرائع ولذلك نجد لديهم عددا كبيرا من المسائل التي اعتمدوا فيها على سد الذرائع منها:
أ- منعهم العقود المؤدية إلى الربا:
كمن اشترى نسيئة ما باعه نقدًا: قال ابن قدامة: "وإن باع سلعة بنقد ثم اشتراها بأكثر منه نسيئة: فقال أحمد في رواية حرب "لا يجوز ذلك إلا أن يغيرا السلعة لأن ذلك يتخذ وسيلة إلى الربا فأشبه مسألة العينة" (١) .
ومنها ما يؤدي إلى بيع الطعام بالطعام نسيئة قال ابن قدامة: ومن باع طعاما إلى أجل فلما حل الأجل أخذ منه الثمن الذي في ذمته طعاما قبل قبضه لم يجز ووجه ذلك: أنه ذريعة إلى بيع الطعام بالطعام نسيئة فحرم كمسألة العينة.
وعلى هذا: كل شيئين حرم النسأ فيهما لا يجوز أن يؤخذ أحدهما عوضا عن الآخر قبل قبض ثمنه إذا كان البيع نساء نص أحمد على ما يدل على هذا.
ثم قال ابن قدامة: والذي يقوي عندي جواز ذلك إذا لم يفعله حيلة ولا قصد ذلك في ابتداء العقد (٢) .
стр. 15435
ب- الوصية للمخالعة في مرض الموت:
إذا خالع الزوج امرأته في مرض الموت صح خلعه، فإذا أوصى لها بعدما خالعها فإن كان ما أوصى به لها أقل مما كانت تستحقه بالإرث فلا تلزم الوصية إلا بمقداره لأنه يفهم أنه اتخذ الخلع والوصية ذريعة ليوصل إليها أكثر من حقها، ويدخل الضرر على بقية الورثة (١) .
ج- منعهم العقود التي تؤدي إلى الحيل:
قال ابن القيم: وتجويز الحيل يناقض سد الذرائع مناقضة ظاهرة فإن الشارع يسد الطريق إلى المفاسد بكل ممكن والمحتال يفتح الطريق إليها بحيله فأين من يمنع من الجائز خشية الوقوع في المحرم إلى من يعمل الحيلة في التوصل إليه؟ (٢) .
ومثل ذلك عدم قطع الثمرة المشتراة حتى يبدو صلاحها. قال ابن قدامة: اختلفت الرواية عن أحمد ﵀ فيمن اشترى ثمرة قبل بدو صلاحها، فتركها حتى بدا صلاحها فنقل عنه حنبل وأبو طالب: أن البيع باطل ونقل أحمد بن سعيد أن البيع لا يبطل قال في تعليل البطلان: لأن صحة البيع تجعل ذلك ذريعة إلى شراء الثمرة قبل بدو صلاحها وتركها حتى يبدو صلاحها ووسائل الحرام حرام كبيع العينة.
- وبعد مناقشة الروايتين قال: - وهذا فيما إذا لم يقصد وقت الشراء تأخيره ولم يجعل شراءه بشرط القطع حيلة على المنهى عنه من شراء الثمرة قبل بدو صلاحها وتركها حتى يبدو صلاحها، فأما إن قصد ذلك فالبيع باطل من أصله لأنه حيلة محرمة (٣) .
стр. 15436
د- الشراء ممن يرخص في السلع:
نقل عن الإمام أحمد ﵀ أنه كان يكره الشراء ممن يرخص في السلع، ليمنع الناس من الشراء من جاره، وقد ورد نهي النبي ﷺ عن طعام المتباريين وهما الرجلان يقصد كل منهما مباراة الآخر في التبرع والذي يرخص في السعر للإضرار يشبه هذا بل هو أشد قبحا لأنه يعمد إلى الإضرار بغيره.
قال ابن القيم: ونص الإمام أحمد على كراهية الشراء من هؤلاء، وهذا النهي يتضمن سد الذريعة من وجهين: أحدهما: أن تسليط النفوس على الشراء منهما وأكل طعامهما تفريح لهما وتقوية لقلوبهما وإغراء لهما على فعل ما كرهه الله ورسوله.
الثاني: أن ترك الأكل من طعامهما ذريعة إلى امتناعهما وكفهما عن ذلك (١) .
стр. 15437
في الفقه الحنفي:
كنا قد ذكرنا أن الحنفية والشافعية لا يقولون بسد الذرائع غير أنا نجد في كتب الفقه لديهم ما يفيد بأنهم يقولون بهذا الأصل فمن ذلك:
أ- صوم يوم الشك:
المختار عند الحنفية استحباب صوم المفتي ليوم الشك ويفعله سرا حتى لا يتهم بالعصيان ويفتي الناس بالإفطار حسما لمادة اعتقاد الزيادة. قال ابن الهمام: المختار أن يصوم المفتي بنفسه أخذا بالاحتياط ويفتي العامة بالتلوم إلى وقت الزوال ثم بالإفطار، حسما لمادة اعتقاد الزيادة، ويصوم المفتي سرا لئلا يتهم بالعصيان. فطلب الأسرار بصوم الشك من الإمام وغيره من الخاصة حتى لا يكون ذريعة لاتهامهم بمخالفة نهي النبي ﷺ عن صوم يوم الشك.
وهذا تطبيق عملي لسد الذرائع.
ب- الحداد على البائن والمتوفى عنها زوجها:
قال في الهداية: وعلى المبتوتة والمتوفى عنها زوجها إذا كانت بالغة مسلمة الحداد وهو الامتناع عن الطيب والزينة والدهن والكحل لإظهار التأسف، ولأن المرأة إن كانت متزينة متطيبة تزيد رغبة الرجال فيها، وهي ممنوعة النكاح ما دامت في عدة الوفاة أو الطلاق فيجتنبها حتى لا تصير ذريعة إلى الوقوع في المحرم (١) .
стр. 15438
ج- إقرار المريض:
إذا أقر المريض بدين – وهو في مرض الموت- فإنه يتهم أنه قصد بهذا الإقرار إبطال حق الغير، ولذلك لا يكون هذا الإقرار ملزما كما لو كان في حال الصحة.
ولهذا إذا أقر بدين في مرضه وعليه دين في الصحة قدم دين الصحة، وكذلك الدين الذي لزمه حال المرض تقدم هذه الديون على ما أقر به من ديون غير معلومة الأسباب لاتهامه بأنه قصد مضايقة الغرماء.
قال صاحب الهداية: وإذا أقر الرجل في مرض موته بديون وعليه ديون في صحته وديون لزمته في مرضه بأسباب معلومة فدين الصحة والدين المعروف الأسباب مقدم.
ويقول صاحب الهداية في البداية: ولنا أن الإقرار لا يعتبر دليلا إذا كان فيه إبطال حق الغير، وفي إقرار المريض ذلك لأن حق غرماء الصحة تعلق بهذا المال استيفاء، ولهذ منع التبرع والمحاباة إلا بقدر الثلث (١) .
стр. 15439
في الفقه الشافعي:
وكما أشرنا سابقا إلى أن الشافعية لا يقولون بسد الذرائع ولكنهم يقولون بتحريم الوسائل ونذكر هنا بعض الأمثلة التي ظاهرها العمل بسد الذرائع منها:
١- إخفاء صلاة الجماعة للمعذورين في ترك الجمعة:
المعذورون في ترك الجمعة –كالمرضى والمسافرين- يصلون الظهر مكانها في جماعة أو فرادى واستحب الشافعي ﵀ لهم إخفاء الجماعة سدا لذريعة التهمة في تركهم لصلاة الجمعة.
قال النووي قال الشافعي والأصحاب: ويستحب للمعذورين الجماعة المشروعة هذا الوقت الجمعة: قال النووي: والمذهب الأول كما لو كانوا في غير البلد، فإن الجماعة تستحب في ظهرهم بالإجماع. وقال: فعلى هذا قال الشافعي أستحب لهم إخفاء الجماعة لئلا يتهموا وينسبوا إلى ترك الجمعة تهاونا (١) ولعله أراد الجمعة.
٢- المفطر بعذر في رمضان لا يجهر بفطره:
المسافر والمريض إذا أفطرا في رمضان بسبب السفر أو المرض يستحب لهما أن يخفيا فطرهما عند من يجهل أمرهما. سدا لذريعة التهمة بالفسوق والمعصية.
قال الشيرازي في المهذب "فإن قدم المسافر وهو مفطر، أو برئ المريض وهو مفطر استحب لهما إمساك بقية النهر لحرمة الوقت. ولا يجب ذلك لأنهما أفطرا بعذر، ولا يأكلان عند من لا يعرف عذرهما بخوف التهمة والعقوبة (٢) .
стр. 15440
٣- عدم تضمين الأجير المشترك:
الصحيح عند الشافعي رحمه الله تعالى أن الأجير لا يضمن مطلقًا، خاصا كان أو مشتركا ويرى الربيع أنه كان لا يبوح بهذا خوفا من ضياع أموال الناس.
جاء في الأم: قال الربيع: الذي يذهب إليه الشافعي أنه لا ضمان على الصناع إلا ما جنت أيديهم ولم يكن يبوح بذلك خوفا من الضياع (١) .
وظاهرة العمل بسد الذرائع حيث امتنع عن فتوى الناس بما يرى صحته حتى لا يتخذها الفجار ذريعة لتضييع الأموال بالتهاون في حفظها والعناية بها (٢) .
٤- قضاء القاضي بعلمه:
من المقرر لدى الشافعي ﵀: أن القاضي يقضي بعلمه، ولكنه كان يكره الكلام بهذا بعدما فسد القضاة سدا لذريعة الجور على الناس.
قال في الأم: "إذا كان القاضي عدلا فأقر رجل بين يديه بشيء كان الإقرار عنده أثبت من أن يشهد عنده كل من يشهد لأنه قد يمكن أن يشهدوا عنده بزور، والإقرار عنده ليس فيه شك، وأما القضاة اليوم فلا أحسب أن أتكلم بهذا كراهية أن أجعل لهم سبيلا إلى أن يجوروا على الناس والله الموفق (٣) .
كما توجد مسائل أخرى في فقه الشافعية ظاهرها العمل بسد الذرائع، من ذلك:
١- إقرار المحجور عليه بدين لزمه قبل الحجر حكموا بعدم لزومه في حقه وهل يلزم في حق الغرماء فيه قولان.
٢- حرمان القاتل من الميراث بكل حال حسما للباب وسدا لذريعته.
٣- قاعدة من استعجل الشيء قبل أوانه عوقب بحرمانه.