الشيخ محمد المختار السلامي:
بسم الله الرحمن الرحيم، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
كما تفضل فضيلة الشيخ وهبة الزحيلي من أن حديثنا اليوم إنما هو حديث في الأصول لا في الفروع، فإني أريد أن أقصد بعض ما يتعلق بهذا المبدأ الذي تحدث به لأرتب عليه ما أريد أن أرتبه.
معلوم أن المدارس الاجتهادية بينها أصول متفق عليها، وهناك أصول مختلف فيها عبر عنها الإمام الغزالي بقوله: الأصول الموهومة. واعتبر سد الذرائع من تلك الأصول الموهومة التي لا يستند إليها، فيصبح أصل بحث موضوع سد الذرائع هو في أصل من الأصول التي يعتمدها المجتهد أو لا يعتمدها المجتهد. فهي ليست في يد كل شخص يتحدث بها ويستند إليها في إسناد الحكم ولكنه لا يجوز لشخص أن يقدم على الاعتماد على سد الذرائع إلا إذا كان مجتهدا في إحدى رتب الاجتهاد لا حافظا من حفاظ المذهب. وهذه النقطة التي أردت أن أثيرها اليوم لأن هناك أصلين قد وقع الاعتماد عليهما من أهلهما ومن غير أهلهما وهما الضرورة وسد الذرائع. فالضرورة اعتمدها كثيرون في إباحة ما حرمه الله، وسد الذرائع اعتمده كثيرون في تحريم ما أحله الله، وذلك لأنه إذا لم يكن للفقيه المشتبه الذي يستطيع به أن يلم بأطراف الشريعة إلماما يجعله مدركا إدراكا واضحا لمقاصد الشارع فإنه لا يجوز له أن يستند لا إلى هذا الأصل ولا إلى الأصل الآخر، ثم إن المنهج في البحث هذا الذي أريد وتحدثت عنه قبل، وأصل كلامي من قبل بكلامي اليوم هو أن حديثنا دائما عن الأمثلة التي أتى بها المجتهدون وأتى بها الفقهاء في كتبهم، فهذه تصلح للتدريس لتلاميذ الجامعة، فقضية الزكاة التي ذكرناها أكثر من مرة وأعدنا فيها الكلام هذه قضية كان لها مكان يوم كانت الدولة هي التي تجمع الزكاة، فكان يريد أحدهم أن يخرج من الزكاة بهذه الحيل ولكنها انتهت اليوم فمن أراد أن يخرج الزكاة أخرجها ومن لم يدفعه دينه وخوفه من الله أن يخرج الزكاة فهو لا يبحث عن أية حيلة من الحيل ولا أية طريقة من الطرق لإبطال الزكاة عليه. فلذلك القضية اليوم نحن أمام حيل كثيرة أو ذرائع كثيرة استخدمت للفساد، فهلا تتبع الباحثون ما يجري في البنوك الإسلامية؟ ما يجري في كثير من البنوك الإسلامية أن كثيرا من العقود ظاهرها صحيحة ولكنها من قبيل الذرائع الفاسدة، فهلا وقع من السادة الباحثين تتبع لبعض هذه القضايا وبيان الذرائع الصحيحة والذرائع الفاسدة، وما يقبل وما لا يقبل؟.
من الذرائع التي كان من الحق أن نذكرها هي الجمع بين العقود فالجمع بين العقود الأصل أن كل عقد على انفراد هو جائز، لكن جمع عقدين في عقد واحد، هذا وقع منعه في كثير من المذاهب وعددت العقود في قول ابن عاصم:
وجمع بيع مع شركة ومع
جعل وقراض امتنع
هذا، جمع العقود هل يعتبر ذريعة للربا والفساد أم لا؟ فهذه قضايا أساسية تعترضنا كفقهاء، والباحث الذي نظر في موضوع سد الذرائع حبذا لو أتانا بهذا
النظر الذي يصل بالأصول إلى الواقع حتى يجلي طريقة استخدام هذا الأصل في التفقه.
وفي بداية كلمتي لابد أن أذكر أنني أثني على ما قاله أخي فضيلة الشيخ عجيل النشمي فأنا معه فيما ذكره.
بقيت قضية دخلت في الواقع في كلام فضيلة الشيخ من أن الاستناد إلى (القطعي والظني) وأن الظن لا ينسب.. يا سيدي لو أردنا أن نبحث عن الأحكام المقطوع بها، بمعنى أنها استندت إلى نص مقطوع به. فإن السنة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة وأزكى السلام الأحاديث المقطوع بها هي قليلة، المتواتر منها قليل ثم إن النص القرآني الكريم في فهمه ونفي الاحتمالات العشر هو مما يجعل أن المقطوع به يكاد يكون قليلا جدا في ذات القرآن من حيث فهم الفقيه النص القرآني، ونحن نطلق التحريم والتحليل والجواز والكراهة والإباحة نطلق ذلك على أساس الظنون وما كلفنا إلا بالظن؛ لأن من يستطيع أن يقول إن الله –تعالى- قصد هذا قطعا ١٠٠ % هذه جراءة على الله فنحن نعتمد الظن وهذه هي الطاقة التي مكن الله منها المجتهد الذي لا يصل إلى أكثر من الظن. فلهذا أردت أن أبين إلى أن هذه القضية أن قضية الظن غير مقبولة وإلى آخره هو أننا نريد تدقيقا أكثر وأن ما كلفنا به هو الظن. وشكراً،
стр. 15472
الشيخ عبد الوهاب أبو سليمان:
بسم الله الرحمن الرحيم، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أود في البداية أن أؤكد وأؤيد مقالة العلامة فضيلة الشيخ المختار السلامي بأنه كان من الواجب على هذه الأبحاث أن تبحث في القضايا المعاصرة وخاصة البنوك وتكييفها حسب هذا الأصل أو هذه القاعدة، وهو ما خلت منه الأبحاث، وكان هذا المفروض والمطلوب في التطبيقات المعاصرة؛ لأن هذه القاعدة أو هذا الأصل معلوم لدى كل من له ممارسة بعلم الأصول. هذا أولًا. ثانيًا: كما هو معروف أن علماء الأصول يعنونون هذه القاعدة بـ (سد الذرائع) حتى ظن بعض الكاتبين وبعض المؤلفين أن هذا الأصل لا يتضمن إلا السد والمنع لا الفتح، ولكن نبه على هذا الجانب أعلم المفكرين من الأصوليين على أن هذا الأصل كما يتضمن السد فهو يتضمن الفتح، وأن الوسيلة أو الذريعة تعتورها الأحكام الخمسة، تكون محرمة وتكون واجبة وتكون مندوبة وتكون مكروهة. وتكون مباحة فإذا كان الأقدمون يعنونونها بسد الذرائع وهذا العنوان الوضعي لأبرز وأهم هذه القاعدة الأصولية جلب علينا نحن الفقهاء اعتراضا وجدلا كبيرا وهو أننا لا نجيد إلا السد، وأن هذه القاعدة وقفت حائلا بين التطوير أو التحديث ومواكبة العصر، الفقه الإسلامي ومواكبة العصر. وتحدثوا بما شاؤوا حول هذا الأصل وهذه القاعدة وطعنوا فيها، ومن خلالها طعنوا على الفقه الإسلامي.
أود أن أقول: ألا يمكن إذا أردنا أن نعنون لهذه القاعدة حتى لا يلتبس الأمر ولا يظن أن المقصود هو السد والمنع فقط، أن يقال سد الذريعة وفتحها، حتى إن كثيرا من الكاتبين الفقهاء لا يتعرضون إلى هذا الموضوع إلا لسد الذريعة ولكن لا يتعرضون إلى الجانب الآخر وهو فتح الذريعة. وشكراً،
стр. 15473
الشيخ محمد علي التسخيري:
قبل كل شيء أود أن أشكر الأستاذ الزحيلي على هذا العرض الشيق وإن اتهمني بالعقلية في المنهج فقط. في الواقع أنا كنت أتحدث عن أصول، وهذه الأصول مستنبطة من نصوص الشريعة. ربما كانت المناقشات فيها شيء من التعقيد، لذلك قد يبدو أن السير عقلي. المهم أننا يجب أن –كما قيل- نحرر محل النزاع ولا أريد أن أطيل.
التركيز كله إنما يكون على الوسيلة التي تؤدي إلى المفسدة كثيرا لكن لا غالبا ولا قطعا بحيث الوسيلة التي لا تنفك عن المفسدة. تلك التي لا تنفك عن المفسدة، أو تلك التي تؤدي بشكل عادي إلى المفسدة كحفر الآبار في الطرق ربما لا يقع فيها إنسان لكنه يؤدي إلى مفسدة بشكل طبيعي. التركيز إنما هو على الوسيلة التي تؤدي إلى المفسدة –إلى الحرام- كثيرا لكن لا غالبًا. هذه الوسيلة هل نحرمها أو تبقى على حكمها الأول من الحرام؟ حفر بئر من الحلية فهو حلال. هذا مهم جدا أن نركز عليه لأنه هو الذي سوف يؤدي إلى النتيجة.
النقطة الثانية: لم أر من الأدلة ما ينهض بقوة إلا كما أشار سماحة الشيخ الجواهري أدلة الاحتياط، (ومن حام حول الحمى أوشك أن يقع فيه) ، (دع ما يريبك إلى ما لا يريبك) إلى آخره. وأدلة الاحتياط لا تنهض بنفسها أدلة اجتهادية قوية على التحريم وإنما قد ترشد إلى أمور عقلانية عرفية يعمل بها المشرع بشكل جيد (دع ما يريبك إلى ما لا يريبك) و (من حام حول الحمى أوشك أن يقع فيه) .
النقطة الأخرى: المهم في الاستدلال، ما نسميه ما أدري ... نحن هناك أحيانا المصطلحات عندما نقول: الكلي في الذمة أو الكلي في المعين يعني عندما نقول: الكلي في الذمة أو الكلي في المعين يعني الموصوف تارة يكون في الذمة وأخرى يكون في الخارج. هناك صبرة صاع منها أبيعك إياه، هذا الصاع يمكن أن ينطبق على كثيرين، أو عندما يكون في الذمة هذا الذي في الذمة طن من الحنطة يمكن أن ينطبق على هذا الطن وهذا الطن. وما ينطبق على كثيرين نسميه كلي هذه هي صيغتنا، ليس فيه مشكلة. موصوف لكن يقبل الانطباق على كثيرين. هذه هي المصطلحات. نحن عندنا في الأصول في باب التعادل يطرحون مصطلحي التعارض والتزاحم. إذا كان هناك دليلان لا يمكن أن يصدر باعتبارهما يتكاذبان نسميه باب التعارض وله شروطه، وإذا كان هناك أمران يمكن أن يصدرا لكن يتزاحمان في مقام الامتثال (أنقذ غريقًا، لا تغضب) وتوقف إنقاذ الغريق على اجتياز الأرض المغصوبة. هنا تزاحم في مقام الامتثال حل المشكلة كلها في باب التزاحم. هناك تزاحم يحدث بين المفسدة هناك وبين علية هذه الوسيلة. إذا كان هذه حلال فأسلكها. وإذا كان هذه حرام فيجب ألا أسلكها، هذا التزاحم يحل بشكل طبيعي ولدى الجميع عن طريق ملاحظة أهمية الحكمين. فأي الحكمين بنظر الشارع هو الأهم؟ يقدم الأهم على المهم. إنقاذ مؤمن غريق أهم بكثير من اجتياز أرض مغصوبة في نظر الشارع، أو عدم رد سلام مثلًا. فهنا تفتح هذه الوسيلة لتحقيق تلك الغاية. هذا مهم. المهم باب التزاحم يجب أن نلحظه.
стр. 15474
المشكلة في كثير من المصاديق تجد مصاديق كثيرة بعضها صحيح وبعضها غير صحيح. المهم والقاعدة هو مسألة التزاحم بين الأهم والمهم. هذه نقطة هامة أيضًا. النقطة الأخرى أحيانا أنا رأيت وهذا أقوله لكم بصراحة نزاع ضخم حول أصل من أصول الفقه. مسألة المصالح المرسلة، الشيعة يرفضونها. سد الذرائع، يرفضونه، ولكن عندما تدخل المسألة تجد أن هؤلاء يرون له مجالا وهؤلاء يرون له مجالا آخر بالنسبة إلى هذا المجال يجب أن نفرق بين عمل الحاكم في سياسته الشرعية وعلم المفتي، أكثر هذه الأمثلة المطروحة في مسألة سد الذرائع هي في الواقع ضوء إرشادي لعمل الحاكم. الحاكم عندما يرى أن هذه الأطباق الصناعية أنها في الأصل محللة، النظر إلى تلفزيونات الآخرين محلل ولكن عندما يرى أنها ذريعة للوصول إلى حرام لتحقيق هجوم ثقافي على عالمنا الإسلامي يحرم كل هذا الشيء، وعندنا الآن في إيران حرمت كل هذه الأمور وجمعت كل الأطباق لأنها صارت ذريعة في نفسها محللة لكنها ذريعة للحرام. هناك فرق إذن بين عمل الحاكم وبين إفتاء المفتي ويجب أن نفرق بينهما بشكل كبير.
شيء آخر في الحيل الشرعية. الحيل الشرعية الإنسان يقع في تضاد من جهة صورة العقد جيدة، صور العمل حسب القواعد جيدة، من جهة أخرى الباطل مقصود منها، وأن المقصود ليس هذه الصورة وإنما هو باطل. ما هو المعيار في التفريق بين الصورة الصحيحة والصورة الباطلة؟ أنا –كما أشار إليه الشيخ الزحيلي- أرى أن الفهم العرفي موكول له هذا التحقيق. عندما أبيعك عشرة معجلة بعشرين مؤجلة، في الواقع العرف يرى أن هذا قرض وليس ربا. أو كما في هذه القضية قضية التخلص من الزكاة.
ولكن أحيانا لا، عمل مقصود كما هو في قضية بيع الوفاء قد يقصد منه طرف الربا ولكن أحيانا قد لا يقصد. فإذا مثلا في أثناء عملية البيع فنت العين فهي تفنى من مال المشتري، فرق بين هذا وبين الربا. الربا إذا أخذت القرض وفنى المبلغ فهو في ذمته. هذا أيضا أؤكد عليه.
стр. 15475
النقطة الأخرى مسألة بعض الذرائع قد تحرم لكن لا من باب سد الذرائع. الآن وضع الأموال في البنوك الربوية وأموال جارية، نحرمها لا من باب أدائها إلى شيء وإنما من باب إعانتها على الظلم، في نفسها عمل إعانة على الظلم وإعانة على عمل. ولا ريب أن بعض العناوين تصدق مباشرة على الذرائع فتحرمها. هذا شيء غير سد الذرائع.
هناك بعض التوضيحات، مسألة مقدمة الواجب التي أشار إليه الشيخ الفرفور هي من أهم البحوث الأصولية، والشيخ يقول: لعلك لا تعلم هذا المصطلح، من أهم البحوث الأصولية في المدرسة الإمامية وربما طال البحث إلى ستة أشهر في مقدمة الواجب. أحببت أن أوضح هذا.
النقطة التالية سماحة الشيخ السلامي وهو أستاذنا الجليل، المقصود أن الظن ظنان هناك ظن قام عليه دليل قطعي وهناك ظن لم يقم عليه دليل قطعي. حجية الخبر الواحد قام على اعتبار الخبر الواحد دليلا قطعيا لا ريب فيه، حينئذ الخبر الواحد ينتج لي ظنا ولكن هذا الظن حجة وكل الأصوليين من الشيعة يقولون الحجية معناها ثلاثة أمور: التنجيز، يعني إذا ثبت فأنا محاسب عليه، والتعذير إذا لم أعمل وكان في الواقع غير ذلك فأنا معذور، وصحة الإسناد فصحة الإسناد الشريعة.
أما الظن الذي يرفض هو الظن الذي لم يقم عليه دليل قطعي كالظنون الاستحسانية في كثير من الأحايين، ظنون لم يقم عليها دليل قطعي، يجب أن نفصل. هذه نقطة مهمة أرجو أننا عندما نقول نرفض الظن لا نقول كل أحكامنا قطعية، لا، نقول: كل ظن قام عليه دليل قطعي، كما يقول كل ما بالعرض يجب أن ينتهي إلى هذا الذات أمام عقلي.
الظن الذي قام على اعتباره. إذن القطعي هو المهم.
стр. 15476
الشيخ خليل الميس:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
يبدو أن هذا البحث (سد الذرائع) يحتاج كما نقول إلى فتح باب الذرائع كما ونحتاج إلى السد. ما تحصل لدينا من قراءة هذه المصادر الأصولية الصعبة مكرمة خص الله –تعالى- بها الأئمة، كل فتح له كوة لم يستطع أحد من الآخرين سدها. كوة في الاستدلال، باب في الاستدلال أمر عجب ينسجم مع عقليته من البداية إلى النهاية.
فهذا التسلسل المنطقي والمنهجي عند كل إمام يصل إلى ما يصل إليه. والحقيقة الذي تحصل لدينا أنهم اتفقوا في الحكم واختلفوا في العنوان (سد الذرائع) ، يعني ما اتفقوا على منعه اتفقوا على المنع ولكن ما الدليل؟ هذا هو الذي صار فيه خلاف.
أمر آخر: لوحظ موجة من التوافق ما بين الاستحسان وسد الذرائع. ثم ما قيل في الحيل يقال في الذرائع، وإن كانت كلمة الحيلة في الحقيقة غير مستساغة سمعًا، لذلك في عمق كتب الحنفية القديمة يقولون: كل حيلة يحتال بها الرجل لإبطال حق الغير أو لإدخال شبهة فيه فهي مكروهة –أي تحريماً- وكل حيلة يحتال بها الرجل ليتخلص بها من حرام أو يتوصل بها إلى حلال فهي حسنة. وهو معنى ما نقل عن الشعبي: لا بأس في الحيلة فيما يحل. تضرب لذلك مثلا بالزكاة وسمي حيلة. أمير –لا أدري الكوفة أم البصرة - زوج ابنيه وتبين في الصباح أن عروس كل منهما زفت إلى الآخر خطأ –وهذا شيء معروف في الفقه- فدعي الفقهاء ومنهم –كما قال وهذا موجود في كتب التراجم- أبو حنيفة قال: ما نفعل؟ فقال للأول طلق زوجتك غير المدخول بها فطلقها فتركه وقال للثاني: طلق زوجتك غير المدخول بها فطلقها، ثم عقد على كل منهما، وقالوا هذا، وصف من الحيلة. إذن المخرج من المشكلة في بعض الأمور الشفعة ونعرف حق الشفعة، وربما جارك ثقيل الدم تريد أن تسقطه من الشفعة والشفعة حق فقالوا في بعض الصور كيف يمكن أن يسقط الشفعة لا لإبطال حق مستقر ولكن لدفع ضرر؟ ما قيل في سد الذرائع يقال في الحيل تمامًا.
ثم إخواننا نرجو قبل كل شيء نحن أظن جميعا قراء للفقه مع التسليم أن هؤلاء الأئمة الذين كرمهم الله تروننا كل قضية لم يقعدوا لها تقعيدا واضحا تتيه فيها عقول الملايين من فقهاء اليوم. إذن نحن الآن أمام الحكم متفق عليه ولكن العناوين مختلفة، لا يمكن لعاقل ولا لمسلم أن يقول بحيلة لإبطال حق شرعي مستقر أو كما قيل في قضية الزكاة، نحن نتعجب كيف يمكن.. هل يقول فيها فقيه أو يرد فيها فقيه على سائل يحتال؟ لا فقيه يحتال، السائل هو الذي يحتال وليس الفقيه.
وشكرًا، والسلام عليكم.
стр. 15477
الشيخ عبد الله بن بيه:
بسم الله الرحمن الرحيم، اللهم صل وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا.
فضيلة الرئيس، أريد أن أتحدث عن نقاط بصفة سريعة إن شاء الله. أولًا: مسألة الذرائع اشتهر عند الناس أن الذي يقول بها هو الإمام مالك وأحمد – رحمهما الله تعالى - والحقيقة أن المذاهب كل مذهب اعتاض عن العمل بدليل بدليل آخر، فالشافعية الذين لا يقولون بسد الذرائع بالغوا لا نقول أسرفوا في العمل بالقياس وبظاهر النصوص وأهل الظاهر بالغوا في العمل بالاستصحاب، والأحناف بالغوا في الاستحسان، ولذلك لم يحتاجوا إلى سد الذرائع.
ثانيا: سد الذرائع معروف في المذاهب الأخرى، معروف عند الشافعية والأحناف، وإن كان الشائع أنهم لا يعملون به، إلا أن الخلاف في داخل مذاهبهم يدل على أنهم يعملون به، وأن أصحاب هذه المذاهب في بعض الأحيان يعملون بسد الذرائع كما يعمل به المالكية والحنابلة. مثلا الإمام أبو حنيفة –رحمه الله تعالى- يقول بجواز إيجار الدور في العراق أو في سواد العراق –حسب عبارته- للنصارى لاتخاذها كنائس بينما أصحابه يقولون بأن ذلك لا يجوز. الإمام أبو حنيفة –رحمه الله تعالى- يقول بجواز أجرة حمال الخمر كما ينص عليه الكاساني في (بدائع الصنائع) ، ويقول: لأن الخمر قد يحمل لإراقته، وهذا نظر فقهي، معناه أن الحمل لا يُتَوسّل به فقط إلى الشرب وإنما يُتوسّل به إلى أشياء أخرى، فقال بجواز أخذ الأجرة عليه وصاحباه لا يقولان ذلك؛ لأن صاحباه يقولان بسد الذرائع في هذا وفي تلك، الشافعي –رحمه الله تعالى- يقول بصحة إيجار دار لمن يتخذها مثلا مثابة القمار أو حانة للخمر أو مكانا للربا، ويقول بصحة بيع العنب لمن يتخذه خمرا، بينما أصحابه لا يقولون بذلك، وذكر ابن قدامة عند كلامه على بيع العنب لمن يتخذه خمرًا.
إذن الإطلاق أن هذه المذاهب لا تقول بسد الذرائع، إنما هي تقول به في داخلها، عندما يتسرب الإنسان إلى داخل هذه المذاهب ليطلع عليها يجد أنها تقول بسد الذرائع. فالإطلاق إذن فيه تجاوز.
ثالثًا: مسألة فتح الذرائع، وكما قال بحق فضيلة الدكتور عبد الوهاب، هناك فتح الذرائع مع سدها والعلماء يقرنون بينهما.
سد الذرائع إلى المحرم
حتم كفتحها إلى المنحتم
ويعبر عنه بعض الأحيان: ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب. إذن يوجد سد ويوجد فتح، هذا أمر واضح جدًا.
رابعًا: الذين يقولون بسد الذرائع هم أيضا لا يقولون به إذا ضعفت كما أشار إليه البعض، بل هناك قواعد، عند المالكية قاعدة: (الأمر الجائز لا يترتب عليه شيء.
وكل من فعل ما يجوز له
ونشأ الهلاك مما فعل
وأتلف المال فلا يضمن ما آل له الأمر وفاقا فاعلم) ، هذه القاعدة ذكرها القرافي ونظمها صاحب القوافي ولو أنها صاحب القوام ... الزكاة أولا لإسقاط الحج لا يجب عليه حج ولا زكاة بخلاف من استبدل ماشية بغيرها للهروب من الزكاة فإنه تجب عليه الزكاة. إذن هم يسقطون الذرائع في كثير من الحالات.
стр. 15478
خامسًا: مسألة حرمة الوسائل: حرمة الوسائل هذا أمر يجب أن يتوقف عنده الباحثون ولم يتوقفوا عنده كثيرًا. تحريم الوسائل ليس كتحريم المقاصد، ولأجل ذلك ما حرم للوسيلة فإنه يجوز للحاجة. مثال ذلك ما يقوله العز بن عبد السلام –رحمه الله تعالى-: لا يمنعنك من زيارة أخ ما تشاهده من المناكر في الطريق، فإنك إن غيرت هذه المناكر فذلك أجر آخر وإن لم تغيرها فلا شيء عليك؛ لأن النبي ﷺ كان يطوف بالكعبة وعليها ثلاثمائة وستون صنمًا. فهو يرى أن هذه المناكر يجوز المرور بها ومجاوزتها للحاجة، وكذلك كلام ابن حجر –رحمه الله تعالى- في الفتح عند حديث نهي النبي ﷺ عن القعود على الطرقات، فإن النبي ﷺ أجازه لما ذكر له الحاجة ولكن وضع شروطا وضوابط، وقال: هذا يدل على أن النهي ما كان عزيمة. فهذا أمر يجب أن نتوقف عنده تحريم الوسائل يجوز للحاجة ولكن أي حاجة؟ هذا أمر يجب أيضا على الفقيه أن يوضحه.
سادسًا: هناك نقطة قد أشار إليها الإخوان، كان يجب على الباحثين أن يبحثوا في المسائل العملية، المسائل المعاصرة التي نعيشها، وهي مسائل كثيرة منها مسألة إيداع الأموال في البنوك الربوية ومنها مسألة طلب الجنسية في بلاد الكفر وهذه المسألة طرحت علينا السنة الماضية في فرنسا. نحن نعرف أن كثيرا من علمائنا كمالك –رحمه الله تعالى- الذي يرى أن السفر إلى هذه الديار التي سماها ديار حرب وإن كانت هي ديار هدنة يرى أنه من مسقطات الشهادة: فهنا الناس يتسألون هل يجوز لنا أن نطلب الجنسية بناء على ضيق أو حرج؟ يعني شخص قد يضيق ذرعا بالمقام في بلاده ولكنه حتما سيصل إلى أشياء لا تحمد عقباها فيما يتعلق بتعليم أولاده وبتربيتهم تربية إسلامية قد يجد صعوبة وحرجا فهل تجوز له الجنسية أو لا تجوز له؟ هذه المسألة من مسائل الوسائل لأننا نمنعها خوفا من ما تؤدي إليه، فيجب أن نطرح مثل هذه القضايا، التعامل مع المصارف الربوية، ووضع الأموال في هذه المصارف، ومسألة الأطباق التي تحدث عنها الشيخ التسخيري، ومسألة طلب الجنسية في بلاد الكفار، وتضمين الطبيب الذي يقوم بعمل قد يؤول إلى هلاك إذا قلنا بمسألة الضمان بالمآل. أخيرا فإن الذرائع قد لا تكون السبب –وهو مهم جداً- الوحيد في الخلاف بين العلماء في بيوع الآجال خلاف في الحقيقة يرجع إلى قاعدة أخرى وهي أن الشافعي –رحمه الله تعالى- لا يرى العمل بقول الصحابي، رأي صحابي عنده ليس حجة كافية في مذهبه الجديد. والحال أن الإمام أحمد ومالكا – رحمهما الله تعالى- يرجعان إلى قول عائشة في حديث العالية بنت أنفع في الغلام الذي باعته لزيد بن أرقم.
فالمسألة هنا ترجع إلى دليل آخر غير سد الذرائع.
وكلمة أخيرة أقول لكم جزاكم الله خيرا على وضع هذه النقطة في جدول الأعمال وأنا أقترح في كل دورة أن نخصص بندا لمسألة من مسائل الأصول، في دليل من أدلة الأصول، وأن نركز في تناولنا لهذا الدليل على المسائل العملية المعاصرة التي نعيشها فهذا أمر مهم جدًا. وشكرًا، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته،
стр. 15479
الرئيس:
بقي من أصحاب الفضيلة الراغبين في الكلام عدد كثير وتعلمون أننا كنا نجعل استراحة في وسط الجلسة الصباحية وفي هذا اليوم تجاوزناها، فما بقي إلا قليل مما كان يخصص لجلسة الاستراحة فإن رأيتم ولا سيما أنه لا بد من إعداد القرار وطباعته أن ننهي الجلسة. مناسب؟
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
من خلال هذه المداولات يتحرر أن سد الذرائع وفتحها أصل من أصول الشريعة بتقاسيمه المعتبرة لدى علماء الشريعة وإن اختلفوا في تفاصيلها فهم يلتقون في كليتها. وأن فتحها آخية لسدها.
سد الذرائع إلى المحرم
حتم كفتحها إلى المنحتم
وإن سد الذرائع لا يقتصر على مواضع الاشتباه فقط وإنما يشمل كل ما من شأنه الوصول إلى المحرم. وأن سد الذرائع أو فتحها مربوط بشروط وبضوابط كما عرضها فضيلة العارض –جزاه الله خيراً- ولهذا فقد ترون مناسبا أن تؤلف اللجنة من أصحاب الفضيلة: العارض، والمقرر، والشيخ النزيه، والشيخ الشيباني، والشيخ العماري.
مناسب؟ وبها ترفع الجلسة، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 15480
القرار
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد خاتم النبيين وعلى آله وصحبه.
قرار رقم: ٩٦ /٩/د٩ بشأن: "سد الذرائع"
إن مجلس مجمع الفقه الإسلامي المنعقد في دورة مؤتمره التاسع بأبي ظبي بدولة الإمارات العربية المتحدة من ١ إلى ٦ ذي القعدة ١٤١٥ هـ، الموافق١-٦ إبريل ١٩٩٥م.
بعد اطلاعه على البحوث الواردة إلى المجمع بخصوص موضوع: "سد الذرائع" وبعد استماعه إلى المناقشات التي دارت حوله،
قرر ما يلي:
١- سد الذرائع أصل من أصول الشريعة الإسلامية، وحقيقته: منع المباحات التي يتوصل بها إلى مفاسد أو محظورات.
٢- سد الذرائع لا يقتصر على مواضع الاشتباه والاحتياط، وإنما يشمل كل ما من شأنه التوصل به إلى الحرام.
٣- سد الذرائع يقتضي منع الحيل إلى إتيان المحظورات أو إبطال شيء من المطلوبات الشرعية، غير أن الحيلة تفترق عن الذريعة باشتراط وجود القصد في الأولى دون الثانية.
٤- والذرائع أنواع:
(الأولى) مجمع على منعها: وهي المنصوص عليها في القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة أو المؤدية إلى المفسدة قطعا أو كثيرا غالبًا، سواء أكانت الوسيلة مباحة أم مندوبة أم واجبة. ومن هذا النوع العقود التي يظهر منها القصد إلى الوقوع في الحرام بالنص عليه في العقد.
(والثانية) مجمع على فتحها: وهي التي ترجح فيها المصلحة على المفسدة (والثالثة) مختلف فيها: وهي التصرفات التي ظاهرها الصحة، لكن تكتنفها تهمة التوصل بها إلى باطن محظور، لكثرة قصد ذلك منها.
وضابط إباحة الذريعة: أن يكون إفضاؤها إلى المفسدة نادرًا، أو أن تكون مصلحة الفعل أرجح من مفسدته.
وضابط منع الذريعة: أن تكون من شأنها الإفضاء إلى المفسدة لا محالة (قطعاً) أو كثيرا أو أن تكون مفسدة الفعل أرجح مما قد يترتب على الوسيلة من المصلحة.
стр. 15481
مبدأ التحكيم
في الفقه الإسلامي
إعداد
المستشار محمد بدر يوسف المنياوي
عضو مجمع البحوث الإسلامية للأزهر
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
المقدمة:
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العاملين والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وصحبه ومن تبعه بإحسان إلى يوم الدين.
وبعد:
١- فقد عرفت البشرية نظام التحكيم في عهودها البدائية، ثم عزفت عنه ردحًا من الزمن، لتعود إليه بخطوات ثابتة سريعة ملتمسة لديه علاج منازعاتها المعقدة، كما سعدت به في علاج منازعاتها البدائية.
فالتاريخ يشهد بتطبيقات عديدة للتحكيم في الأيام الموغلة في القدم، وفي عصر قدماء المصريين وعصر الإغريق والرومان، وأيام العرب في الجاهلية، ثم يروي التاريخ كيف أفل نجم التحكيم مع نشأة الدولة بمفهومها الحديث، وأن ذلك كان تحت زعم أنه يتعارض مع سيادتها، وينتقص من سلطان قضائها الذي له الولاية الكاملة في حسم المنازعات بجميع أنواعها، ثم يعود التاريخ ليروي كيف كشفت المدنيات الحديثة الغطاء عن نظام التحكيم، لتجده أقوى مما كان، متلائمًا مع سيادة الدولة غير متنافر معها، داخلًا تحت عباءة القضاء غير منفلت منها، وأنها بعد أن دفعت به إلى طريق التطبيق من جديد، تصدي ليحمل عن القضاء أثقالًا بعد أثقال، في كفاءة، تحقق للخصوم ما يفتقدونه أمام القضاء من سرعة في الفصل، وخبرة في الحسم، مع الحفاظ على الأسرار والسرعة في التنفيذ.
стр. 15482
وما كان القضاء لينمو بنفس النسبة التي تتكاثر بها المنازعات وتتعقد وتتشابك، فهو مقيد في عدد قضاته بقواعد منضبطة، تكفل لهم الدربة الكافية، وهو ملتزم في ضماناته بضوابط شكلية تسعى به إلى العدالة التقليدية في روية وأناة، تسمح بكشف ما يطمسه المتنازعون من معالم الحقيقة، ومن ثم فقد سمحت الفرصة للتحكيم أن يصول في الميدان بما حباه نظامه من قدرة على أن يزيد في عدد الحكام بقدر الحاجة، ومن عدم التقيد بالضوابط الشكلية سعيًا إلى العدالة على أسس تختلف عن المفهوم التقليدي لها أمام محاكم السلطة القضائية في الدولة، هذا إلى جانب أن التسليم بحق الخصوم في اختيار قضاتهم، يسمح لهم بانتقاء محكمين على مستوى عال من الخبرة والتخصص في النزاع المعروض، فيوفر لهم ذلك ما لا يستطيع النظام القضائي العادي توفيره من قضاة متخصصين تخصصًا دقيقًا في جميع المجالات، فإذا أضيف إلى ذلك ما يحققه التحكيم للخصوم من تحديد جلسات نظر المنازعة في الأوقات التي تناسبهم، وفقًا لظروف العمل القضائي في المحاكم، وما يكفله من الانتهاء من الحسم في وقت محدد يعد قصيرًا جدًّا إذا قورن بما يستغرقه الفصل في النزاع أمام محاكم السلطة القضائية، فإنه لذلك يكون قد وضح أن التحكيم جدير بأن يكسف الجولة أمام القضاء في هذا المضمار.
على أنه بجانب ما تقدم فقد كان هناك أمران هامان كان لهما الأثر الفعال في هذا الشأن أولهما: ما يحققه التحكيم من حفاظ على أسرار المتخاصمين بقدر أوفى كثيرًا مما تفضحه علانية الجلسات وسائر تطبيقات مبدأ العلانية في المحاكمات القضائية. وثانيهما: ما يوفره التحكيم من السرعة في تنفيذ الحكم الذي يصدر منه، بما يقطع دابر الأضرار التي تنشأ عن عجز المحكوم لهم عن تنفيذ الأحكام الصادرة لصالحهم بسبب تعدد درجات التقاضي وقابلية الحكم للطعون العادية وغير العادية وإشكالات التنفيذ، وما قد يقع من خطأ في الإجراءات الشكلية فيهدم في لحظة ما بناه القضاء في سنين عديدة، إلى غير ذلك من المعوقات التي يستطيع الخصوم في التحكيم أن يتحاشوها كلها أو معظمها، بقواعد محددة يتفقون عليها قبل صدور الحكم الفاصل في الخصومة.
стр. 15483
ومن أجل ذلك وجد خصوم المنازعات الحديثة غايتهم في نظام التحكيم، وتبينت الدول أن ما ظنته عدوانًا على سيادتها أو نيلًا من قضائها لا يمثل الواقع، فسيادة الدولة ما تزال في قمتها، ما دام أن نظام التحكيم نفسه لا يقوم إلا برضائها، وفي حدود ما تسمح به، وقضاؤها لا ينزل عن شموخه إذا سمح للتحكيم أن يشاركه في حسم المنازعات، فالمرجع والمآل إليه، وهو الذي يسبغ على التحكيم من قوته ما يقيله من عثرته إذا ما تعثر في الإجراءات، أو يدفع بالحكم الذي يصدر منه في طريق التنفيذ إذا ما وضعت أمامه العراقيل والعقبات التي تأباها العدالة، وذلك كله دون أن ينتحى القضاء عن أن يكون صمام الأمان في تطبيق العدالة بل وفي احتكار هذا التطبيق وقصره على نفسه في الحالات التي ترى الدولة ألا تتخلى عن تحقيقها العدل بنفسها.
والمتبع للتحكيم في العصر الحاضر يجد أنه في نماء مستمر، فلم يقنع بالمنازعات بين الأفراد، وإنما امتد ليشمل المنازعات بين الأفراد والدول، وبين الدول بعضها والبعض الآخر، ولم يقف عند حد التحكيم الحر الذي يطلق فيه للأفراد العنان في اختيار قواعد التحكيم ومكانه ومدته وأشخاص المتحكم إليهم وإنما شمل كذلك التحكيم الذي يلجأ فيه الخصوم إلى هيئات دائمة انتشرت في أنحاء العالم تحت اسم محاكم التحكيم، أو مراكزه أو غرفه أو جمعياته، وهي هيئات تسعى إلى خدمة أطراف التحكيم وتهيئة الظروف لإجرائه بما توفره من فنيين دائمين (سكرتارية) وما تسنه من لوائح، أو تضعه من قوائم بأسماء المحكمين المؤهلين في مختلف فروع التخصصات (١)
٢- وقد رحب الإسلام بالتحكيم كنظام لفض المنازعات بين الأفراد، وبين أمة الإسلام وغيرها، وأقر الأطراف المتنازعة على حقهم في اختيار المحكمين، وفي انتقاء القيود التي تقيد حكومتهم، ولكنه لم يطلق العنان لإرادة الأطراف، وإنما وضعها في إطار محدد، كان من أهم معالمه أنه احتجز بعض الموضوعات للقضاء المولى من جانب ولي الأمر، وألزم المتحاكمين بعدم الخروج على شريعة الله عند تحديد القواعد الموضوعية الواجبة التطبيق على المنازعة.
стр. 15484
٣- وقد اهتمت البلاد الإسلامية والعربية على اختلافها بالتحكيم فأفردت له بابًا خاصًّا في قوانينها المنظمة للتقاضي وهي قوانين المرافعات المدنية والتجارية أو قوانين أصول المحاكمات المدنية، بل إن بعض هذه البلاد أولى التحكيم أهمية خاصة، فخصه بنظام مستقل جمع فيه شتى أحكامه، ومن ذلك ما فعلته المملكة العربية السعودية فيما أصدرته بالمرسوم رقم ٢٦ وتاريخ ١٢ / ٧ / ١٤٠٣هـ الصادر بناء على قرار مجلس الوزراء رقم ١٦٤ وتاريخ ٢١ / ٦ / ١٤٠٣ هـ والذي ألغى من نظام المحكمة التجارية المواد التي كانت تنظم التحكيم (١) وقد تميز هذا النظام الجديد بمسايرته للتطورات التشريعية الحديثة في مجال التحكيم بصفة عامة مع انفراده في ذات الوقت بقواعد أضفت عليه صبغة التمييز في مجال التحكيم (٢) .
على أن اهتمام البلاد الإسلامية والعربية بالتحكيم لم يقف عند حد إسباغ المشروعية عليه وتنظيمه، وإنما امتد – في الكثير منها – ليشمل التصديق على اتفاقيات دولية صدرت بشأنه، منها اتفاقية نيويورك سنة ١٩٥٨ في شأن الاعتراف وتنفيذ أحكام التحكيم الأجنبية، وهي التي انضمت إليها دول كثيرة، من بينها مصر في ٧ مارس سنة ١٩٥٩، كما أعلن في بداية عام ١٩٩٣ عن موافقة الحكومة السعودية على الانضمام لهذه الاتفاقية في إطار سياسة تأمين الاستثمارات المشتركة والأجنبية.
بل إن الاهتمام قد امتد أكثر من ذلك فحفز بعض البلدان على إنشاء مراكز دائمة للتحكيم على إقليمها، فكان من ذلك المركز الإقليمي للتحكيم بالقاهرة (٣) وهيئة التحكيم بالمحكمة الكلية بالكويت، وغرفة تجارة وصناعة البحرين، وغرفة صناعة عمان، وغرفة تجارة وصناعة دبي، والأمانة العامة لاتحاد الغرف الخليجية.
стр. 15485
ومن الجدير بالذكر أن بعض هذه المراكز المنشأة للتحكيم داخل الدول الإسلامية والعربية قد نص في نظامه صراحة على وجوب تطبيق الشريعة الإسلامية وحدها في حسم المنازعات التي يجري عرضها فيه، ومن ذلك – فضلًا عن نظام التحكيم السعودي – مركز التحكيم الإسلامي بجامعة الأزهر الذي كان صاحب الفضل فيه ودعمه الشيخ صالح كامل وقد بدأ يباشر نشاطه الفعلي من نحو عام، ونصت المادة ٢٣ من لائحته على أن: (تطبق هيئة التحكيم على النزاعات المعروضة أمامها، مبادئ الشريعة الإسلامية، وتختار ما تراه مناسبًا من الآراء وفقا لاجتهادها، إلا إذا ألزمها الطرفان بتطبيق مذهب فقهي معين دون غيره) .
٤- وقد تدفعنا تجربة الالتزام بالاحتكام إلى الشريعة الإسلامية فيما يعرض على التحكيم من منازعات إلى التفكير في اتخاذه وسيلة لاستكمال تطبيق هذه الشريعة الغراء في حدود ما يجوز التحكيم فيه وفقًا للنظم الوطنية وفي نطاق ما يمكن أن يقره القضاء الرسمي في الدولة، سواء في ذلك المنازعات الوطنية البحتة أو ذات العنصر الأجنبي أو المنازعات بين الدول الإسلامية أو العربية.
وقد يزكي فينا الأمل ما أقرته القمة الإسلامية الخامسة في الكويت في يناير سنة ١٩٨٧ من مشروع النظام الأساسي لمحكمة العدل الإسلامية للدول الأعضاء في منظمة المؤتمر الإسلامي وما تنتظره الدول العربية من إقرار مشروع محكمة العدل العربية.
فإذا ما تحققت هذه الآمال بشأن المنازعات الدولية، فإن المنازعات الفردية بين الأشخاص الطبيعية أو المعنوية تظل متطلعة إلى تحكيم الشريعة الإسلامية بشأنها (١) لا عن طريق الحكومات، وإنما عن طريق الأفراد والجماعات وبمحض اختيار من الطرفين المتنازعين، يصرحون به في تعاقداتهم، أو يقبلونه بعد نشوء المنازعات، ويراعون في كل حال تحقيق التوافق بين إرادتهم وبين النظم السارية في البلاد التي يجري فيها التحكيم والبلاد التي سوف تنفذ فيها أحكامه، واضعين نصب أعينهم – في المرحلة الحالية – ألا يفقدوا نصرة القضاء الوطني حين تنشأ الحاجة إليه لدعم حكم التحكيم وتأييده أو لإصدار الأمر بتنفيذه جبرًا.
стр. 15486
ولا ريب أن ذلك كله يتطلب دراسة مستفيضة لا يسعها هذا البحث المحدود، ولكن حسبنا أن الميدان مهيأ لهذه الدراسة بما ساد في العالم كله من إقبال على التحكيم وإيمان به ورغبة ملحة في إعطائه قوة فعالة في حسم المنازعات في حدود ما يريده المتنازعون، وبما لا يخرج على القواعد الآمرة في الدولة، ولا يمس سلطان القضاء فيها.
وبذلك نرد كيد الكائدين للشريعة الإسلامية إلى نحورهم، فلا نسمع مثل ما قيل في بعض التحكيمات الدولية من استبعاد قانون إحدى دول الخليج بزعم أنه قانون متخلف لا يمكن استخدامه لتفسير أو حكم العلاقات التجارية الحديثة (١) ، أو ما قيل في سبب رفض نظام آخر مأخوذ من الشريعة الإسلامية من ادعاء جاهل بأنه: (لا يحتوي أي حل للمشكلة المطروحة) (٢) .
٥- وقد اشتمل هذا البحث، الذي أتشرف بعرضه فيما يلي على ستة فصول:
- خصص الفصل الأول: للتعريف بالتحكيم والتفرقة بينه وبين ما يشتبه به ودليل مشروعيته.
- وخصص الفصل الثاني: لطبيعة التحكيم وآثاره.
- وخصص الفصل الثالث: للمحتكم إليه.
- وخصص الفصل الرابع: لحكم التحكيم.
- وخصص الفصل الخامس: للتحكيم عند الاختلاف في الدين أو الدار.
- وخصص الفصل السادس: للكلام عن الإسلام ومبدأ التحكيم الدولي.
وقد حاولت جهدي أن لا أبتعد كثيرًا عن دنيا الواقع، فاستعنت بالأفكار القانونية السائدة في محاولة لإثراء البحث، كما استعنت بالتطبيقات الإسلامية الحديثة، وعلى الأخص نظام التحكيم السعودي الجديد، في محاولة لإثبات مرونة الفقه الإسلامي وقدرته على مجابهة مختلف الظروف والأوضاع، والله ولي التوفيق.
المستشار محمد بدر يوسف المنياوي
стр. 15487
الفصل الأول
التعريف بالتحكيم
والتفرقة بينه وبين ما يشتبه به ودليل مشروعية
٦- في تنظيم الإسلام للمجتمع الإيماني، يبرز أمران رئيسيان هما: الاتحاد الإيجابي والرقابة الذاتية.
ويتمثل الاتحاد الإيجابي في الاعتصام بحبل الله وعدم التفرق، وفي التعاون على البر والتقوى، وعدم التعاون على الإثم والعدوان.
أما الرقابة الذاتية للأفراد، فتقوم على أساس أن المؤمنين والمؤمنات بعضهم أولياء بعض، يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، وأن عليهم أن يتناهوا عن كل ما هو منكر، حتى لا تلحقهم اللعنة كما: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (٧٨) كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (٧٩) ﴾ [المائدة: ٧٨ – ٧٩] .
على أن الإسلام إذا كان يسعى إلى تأليف القلوب والتناهي عن المنكر، فإنه لا يقر أخذ الشخص حقه بيده عند المنازعة، لما يؤدي إليه ذلك من اضطراب وجاهلية (١) ، بل إنه يدعو – عند ثبوت الحق – إلى السماحة في الاستيفاء؛ لأن العفو أقرب للتقوى، ولأن المسلمين يجب أن لا ينسوا الفضل بينهم، فمن عفي له من أخيه شيء فاتباع بالمعروف وأداء إليه بإحسان.
стр. 15488
٧- غير أن الدعوة إلى المعروف قد لا يستجاب لها، والعفو عن الحق أو التسامح فيه قد لا يقبل، فيستحكم النزاع، ويتطلب الأمر حسمًا عاجلًا حتى لا تتفاقم الأخطار، وفي ذلك يأمر الإسلام بالسعي إلى الصلح بين الطرفين المتخاصمين، فالله تعالى يقول: ﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء:١١٤] ، ويقوله سبحانه: ﴿فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [الحجرات: ٩] ، والرسول ﷺ كان يسعى إلى الإصلاح بين المتخاصمين إذا تنازعا إليه، فقد روي أنه حين تنازع إليه كعب بن مالك وعبد الله بن أبي حدرد الأسلمي، في دين كان على ابن أبي حدرد، أصلح رسول الله ﷺ بينهما بأن استوضع من دين كعب الشطر، وأوجب على غريمه قضاء الشطر الباقي (١) . كما روي أيضًا أنه عندما تنازع عنده ﷺ رجلان في مواريث لهما، قال ﵊: ((اذهبا فاقتسما، ثم توخيا الحق، ثم استهما، ثم ليحلل كل منكما صاحبه)) . . . . (٢)
٨- فالمصلح بين المتنازعين هو أول درجات الوفاق بينهم، وهو وإن كان من شأنه أن يحسم الخصومة، إلا أنه قائم على الاتفاق بينهم أنفسهم، أو بين من يمثلونهم، ويتم عن طريق نزول كل منهم عن بعض ما يتمسك به، ولا يقبل التنفيذ بذاته بحسب الأصل، ما لم يرتض الطرفان تنفيذه اختيارًا، وهو غير صالح لحسم بعض الخصومات كالحدود والكفارات ونحوها من حقوق الله تعالى، وذلك كله – من شأنه – ألا يجعل من الصلح أداة طيعة في حسم الخصومات، فضلًا عن أنه إذا وضح الحق أمام الساعين للتوفيق، وكان في جانب أحد المتخاصمين وحده، فإن الصلح لا يكون له محل؛ لأنه لن ينطوي على تنازل كل خصم عن بعض حقه، وإنما سيتمخض في تنازل خصم واحد دون الآخر.
ومن ثم فإنه يجب أن تكون هناك بدائل لها الصلح يستعان بها إذا عز الالتجاء إليه، أو تبين أنه غير صالح لإنهاء الخصومة الناشبة بين الطرفين.
وقد يكون من أوائل هذه البدائل، أن يتم الكشف عن حكم الله في موضوع المنازعة، لعل الباغي أن يرعوي ويعود إلى جادة الصواب، على ضوء حكم الله الذي يبينه له من يثق فيه، فإذا لم يكن مفر من حمل الباغي على التنفيذ جبرًا، فليس هناك سوى الاتفاق على حكم يختاره الطرفان للفصل بينهما بحكم ملزم، أو الالتجاء إلى القاضي المولى من جهة الدولة، ليقضي بينهما فيما اختلفا قضاء يمكن تنفيذه جبرًا.
стр. 15489
فالبدائل – إذن – ثلاثة:
أولها: الكشف عن حكم الله من ثقة، دون حمل لأي من المتنازعين على اتباع هذا الحكم، وهذا طريق الإفتاء.
ثانيهما: الكشف عن حكم الله على يد من يختاره الطرفان للفصل بينهما ويقبلان أن يكون حكمه ملزمًا، وهذا طريق التحكيم.
ثالثها: الكشف عن حكم الله على يد القاضي الذي عينه ولي الأمر، وعهد إليه بالفصل في منازعات الناس التي ترفع إليه، وهذا هو طريق القضاء.
فالإفتاء، والقضاء، والتحكيم، جميعًا وسائل شرعت لإنهاء المنازعات التي لم تنته صلحًا، ويمتاز التحكيم بينها بأنه قائم على الرضا بين الطرفين وأنه – في ذات الوقت – ملزم لهما – فلا يملكان – حسب الأصل – فكاكًا من تنفيذ ما ينتهي إليه، أما الإفتاء فهو غير ملزم، وأما القضاء فإنه وإن كان ملزمًا إلا أنه قائم على ولاية شرعية، يمنحها ولي الأمر، ولا شأن لرضا الطرفين بسلطتها.
٩- وللتحكيم من اسمه في اللغة والشرع نصيب:
فهو في اللغة إطلاق اليد في الشيء، أو تفويض الأمر للغير يقال: حكمت فلانًا في مالي تحكيمًا إذا فوضت إليه الحكم فيه، ويقال: حكموه فيما بينهم إذا أمروه أن يحكم في الأمر، أو جعلوه حكمًا بينهم، والمحكم، والحكم، والمحتكم إليه، هو من يفوض إليه الحكم في الشيء (١)
أما معناه في الشرع فيدور حول اتفاق أطراف الخصومة، على تولية من يفصل في منازعة بينهما، بحكم ملزم، يطبق فيه شرع الله (٢) .
وبذلك يمتاز التحكيم عن الفتيا وعن القضاء، فيتفق مع كل منهما في أمور، ويختلف عنهما في أمور أخرى.
١٠- - ومما يتفق فيه التحكيم والفتاوى -: أن كلا منهما يبحث عن حكم الله في المسألة المعروضة، فالمحكم يكيف الواقعة، ثم ينزل عليها حكم الله، ويحكم بمقتضاه بين الخصمين المتحاكمين إليه، والمفتي يستجلي أركان الواقعة التي يستفتى فيها، ثم يبحث عن حكمها في القرآن الكريم والسنة المطهرة وفي الأدلة الشرعية الأخرى، ويخبر من يستفتيه بالحكم الذي ينتهي إليه اجتهاده (٣) .
стр. 15490
وقيام عمل كل من المحتكم إليه والمفتي على البحث عن حكم الله تعالى، يجعل لهما منزلة رفيعة عالية مهيبة الجانب، فالعمل عظيم الأجر، خطير الأثر في ذات الوقت؛ وذلك لأن في إدراك الحكم الواجب والإرشاد إليه بالغ المثوبة في الدنيا والآخرة، لما فيه من كشف عن الطريق الحق الذي أوجب الحكيم العليم اتباعه، وعاقب على تجنبه؛ ولأن الخطأ في التعرف على هذا الحكم خطير الأثر، إذ سيدفع المحتكم إليه أو المستفتى إلى غير الطريق القويم، بما قد يؤدي إلى هدم بيوت أذن الله أن ترفع، أو سلب أموال بالباطل أو تعريض الأنفس والأعراض للإيذاء والهتك على غير مقتضى العقل والشرع.
على أنه مادام المستهدف في التحكيم والإفتاء هو حكم الله، فإنه يفترض – إذا ما صدرا في موضوع واحد – أن لا يتعارضا، فإن تعارضا وكانت الفتوى هي التي تبنت الطريق الصحيح فلا مشكلة في الأمر، إذ إنها بطبيعتها غير ملزمة، أما إذا كان العيب في الحكم الصادر عن التحكيم، بأن كان مخالفًا لنص في القرآن الكريم أو السنة النبوية أو لإجماع أو لقياس جلي، فإنه يجب نقضه، وتكون الفتوى الصحيحة هي سند هذا النقض، وينبغي للمفتي – في هذه الحالة – أن يبين لصاحب الشأن أن العبرة بحكم الله لا بما قضى به حكم التحكيم، وذلك على نحو ما يشير إليه قوله ﷺ : ((إنكم تختصمون إلى رسول الله، وإنما أنا بشر، ولعل بعضكم ألحن بحجته من بعض، فمن قضيت له من حق أخيه شيئًا فلا يأخذه، فإنما أقطع له قطعة من النار ويأتي بها إسطامًا في عنقه يوم القيامة)) . . . . (١) .
أما إذا كان مصدر الخلاف بين حكم التحكيم والفتوى هو الاجتهاد، فإن حكم التحكيم هو الذي ينفذ، إذ لا ينقض الاجتهاد بمثله (٢) .
стр. 15491
ويشترك التحكيم والإفتاء – كذلك – في أن كلًّا منهما لا يتطلب ولاية من الإمام؛ لأن التحكيم يستمد قوته من رضاء المحتكمين، كما أن الإفتاء يستند إلى طلب المستفتي، ومن ثم فلا يحتاج أي منهما إلى ولاية عامة، وإن كان ذلك لا يقف دون حق الإمام في مراقبة سير الأمور في الدولة، بما في ذلك تفقد حال من يتصدون للإفتاء أو يحتكم الناس إليهم في منازعاتهم، فمن صلح للفتيا أقره، ومن لا يصلح منعه ونهاه أن يعود، وتوعده بالعقوبة إن عاد، وطريق الإمام في ذلك أن يسأل علماء وقته ويعتمد أخبار الموثوق بهم: أما أحوال المحتكم إليهم، فإن له عليهم ما له على القضاة الأعلى منهم منزلة، من تفقد حالهم وسؤال أهل الصلاح والفضل عنهم (١)
ويشترك التحكيم مع الفتوى – أيضًا في حق كل من الحكم والمفتي في أن يرد من يطلبه، فالتحكيم لا يثمر التفويض فيه إلا برضاء المحتكم إليه، ولا ضير على المحتكم إليه إن لم يقبل، إذ إن وضعه يختلف عن وضع القاضي المولى، فهذا الأخير لا يستطيع أن يرد طالب القضاء ولا أن يحيله إلى غيره دون مبرر، وإلا عزر لارتكابه إثمًا، وكذلك المفتي لا يجب عليه أن يجيب السائل إلى الفتيا إلا إذا تعين للإفتاء، فإذا كان هناك أكثر من واحد، صارت الفتوى بينهم ندبًا لا وجوبًا (٢) .
ومع اتفاق كل من التحكيم والإفتاء فيما سبق، فإن طبيعة كل منهما تختلف عن طبيعة الآخر، فالمحتكم إليه عليه أن يمحص واقعات الدعوى وأن ينقيها بتتبع الحجج التي يلقى بها كل خصم، فإذا ما وضحت لديه حقيقة الواقعة، أنزل عليها الحكم الذي يستقيه من القرآن الكريم أو يأخذه من السنة المطهرة، أو يستنبطه من سائر الأدلة الشرعية، حتى إذا اطمأن وجدانه، قضى بين الخصمين بالحكم الذي يرى أنه تطبيق لشرع الله، أما المفتي فلا شأن له – بحسب الأصل – بالحجج الواقعية، فهو يأخذ الواقعة كما يرويها المستفتي، وينزل عليها حكم الله، دون أن يجهده في ذلك تمحيص تلك الواقعة، أو تنقيتها مما قد يخالطها من زيف أو مغالطة، على نحو ما قد يفعله المتخاصمون في التحكيم من لجج في الخصومة أو دهاء في العرض أو إلباس الحق بالباطل (٣) .
стр. 15492
ويرتبط بما تقدم أن التحكيم لا يكون إلا في خصومة حقيقية بين أكثر من خصم، فإذا لم تكن هناك خصومة في الواقع، فلا مجال للتحكيم، أما الإفتاء فلا يستلزم توافر مثل هذه الخصومة، فقد يستفتي الشخص في أمر يرى أهمية أن يعرف حكم الله فيه، دون خصومة قائمة أو محتملة، كمن يرى – مثلًا أهمية أن يعرف حكم الله في إيداع النقود في البنوك على هيئة وديعة مصرفية.
وما دام التحكيم لا يكون إلا في خصومة، فإنه من الطبيعي أن يكون ملزمًا، إذ إن المتخاصمين لم يلجأ إليه إلا بقصد حسم ما شجر بينهما من نزاع، وقد ظلّا على تفويضهما للمحتكم إليه حتى صدر منه الحكم، مما ينطوي ضمنًا على إعلان بقبول ما ينتهي إليه الحكم المفوض، وذلك بخلاف الحال في الفتوى، إذ إن المستفتي لم يعلن – صراحة أو ضمنًا – قبوله مقدمًا للفتوى، ولا تعهده بتنفيذها، وليس في مجرد توافر ثقته في قدرة المفتي ما يستتبع حتمًا موافقته على تنفيذ ما يصدر عنه، وإن كان ذلك لا يعني أنه غير مطالب بتنفيذ هذه الفتوى ديانة ما دام قد اطمأن إليها (١) .
ونتيجة لما تقدم جميعه، فإن التحكيم يصبح أضيق دائرة من الفتيا، فلا تحكيم في المكروهات، أو المستحبات؛ لأنه لا إلزام فيهما، وإنما الإلزام في الواجبات والمحرمات والمباحات، أما الإفتاء فإنه يجوز في ذلك كله.
ومن ناحية أخرى فإن التحكيم لا يكون في العبادات ونحوها، فلا تحكيم في صلاة – مثلًا – ليصدر فيها حكم بأنها صحيحة أو باطلة، وتحكيم في المسائل العلمية الكلية، كمعنى آية أو تفسير حديث شريف، وإنما قد تكون الفتوى في ذلك؛ لأن بيان حكم الله يتناوله جميعًا ويتناول غيره، كما أن الشبهات التي قد تسعى الفتيا إلى إزالتها لا تنحصر في أمر دون آخر من العبادات أو المعاملات أو الآداب أو العادات أو الأحكام الاعتقادية أو غيرها من أمور الدين والدنيا، ثم هي لا ينصب أثرها على المستفتي وحده، وإنما يتعلق بالناس كافة، ولا ينطبق حكمها على الواقعة المعروضة وحدها، وإنما ينطبق على كل واقعة مماثلة، ولذلك تردد في الفقه الإسلامي أن الفتوى – في حقيقتها – عامة غير ملزمة أما التحكيم فهو جزئي ملزم.
стр. 15493
١١- وإذا كان التحكيم يختلف عن الفتيا على نحو ما سبقت الإشارة إليه، فإنه يختلف – كذلك – عن القضاء وإن اشتبه به في أمور كثيرة.
ومواطن اشتباه التحكيم بالقضاء تجمل في أن كلًّا منهما يطبق شرع الله على خصومة مرفوعة إليه للفصل فيها بحكم ملزم لطرفيها المتناضلين أمامه فيها.
فلا محل في أي منهما للحكم بالهوى والتشهي، فقد أمر الله بالاحتكام إلى شريعته عند التنازع، دون تفرقة بين تحكيم وقضاء، فقال سبحانه: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ﴾ [المائدة: ٤٩] .
ويتفرع عن ذلك كلًّا من القاضي والحَكَم لا يتقيد بآراء من اختاره لهذا العمل، فالقاضي يقضي بما يراه حقًّا ولو جانب رأي الوالي الذي عينه، والحكم يحكم بما يعتقد صحته ولو خالف رأي أحد الخصمين أو كليهما.
والتحكيم يشبه القضاء في أنه يفصل في خصومة من نوع الخصومات التي يختص بها القضاء وفق وظيفته الطبيعية، فحكم المحكمة كحكم القاضي، لا يصدر إلا في دعوى صحيحة، وشرط هذه أن تكون في خصومة حقيقية.
وهو كالقضاء لا يتصدى لمنازعات الناس من تلقاء نفسه، وإنما يجب أن ترفع إليه، فليس بتحكيم ولا قضاء ضبط وقائع ولا فصل في خصومة لم ترفع من ذوي الشأن، وإنما قد يكون ذلك من أعمال الولاية العامة التي يمارسها الوالي بحكم إشرافه ورقابته على الرعية، أو من أعمال ناظر المظالم التي ينظرها متى علمها دون أن ينتظر تظلم متظلم، أو من أعمال الحسبة التي تتعلق بمنكر ظاهر، كدعاوى تطفيف الكيل وبخسه، ودعاوى الغش والتدليس في المبيع أو الثمن.
والتحكيم في فصله للخصومة المعروضة يصدر حكمًا ملزمًا لطرفي الخصومة المحتكمين إليه مثله في ذلك مثل القضاء، فحكم كل منهما جزئي خاص لا يتعدى المحكوم عليه ولا يجاوز محله إلى ما يماثله (١) .
стр. 15494
غير أن التحكيم مع اشتباهه بالقضاء في كل ما تقدم، فإنه يفترق عنه في أمور كثيرة، وسبب الاختلاف بنيهما يرجع إلى أن مصدر السلطة في كل منهما يختلف عن مصدرها في الآخر، فالتحكيم يستمد سلطته – بصفة عامة – من رضاء آحاد من الناس بحسم الخصومة بنيهم على يد حكم يرضونه، أما القضاء فيستند في سلطته إلى ولاية عامة يخلعها عليه من يملك ذلك، حين ينصبه قاضيًا يحكم بين الناس، فيما يرفعه إلى أي منهم، ويكون قضاؤه بحكم، يلزم به من يرى أنه أحق بإلزام، رضي به أم لم يرض، طالما أنه مكن من إبداء ما قد يكون لديه من دفاع.
فاستناد التحكيم إلى رضاء من يلجئون إليه، يضع في يد هؤلاء الحق في رسم نطاق محدد، لايحق للمحتكم إليه أن يتعداه، ويجعل ناصية الأمر بأيديهم كذلك، فيستطيعون – بحسب الأصل – أن يعدلوا عن التحكم أيًّا كان موقعهم من الخصومة، مدعين أو مدعى عليهم، وذلك طالما لم يصدر الحكم أو لم يشرع الحكم في أصدراه، على خلاف في ذلك بين العلماء، أما القضاء فإن استناده إلى الولاية العامة، يحرم المتقاضيين من رسم نطاق التقاضي إلا في حدود محصورة (١) كما يحرم الخصوم من إنهاء الخصومة دون حكم إلا في حالات محددة ولا يقتضي التقاضي ضرورة حضورهم، فيجوز الحكم على الغائب منهم، إذا تخلف عن الحضور دون عذر شرعي مقبول.
ومن ناحية أخرى، فإنه ما دامت سلطة المحتكم إليه تستند إلى رضا المحتكمين به، فإن لهؤلاء الحق في عزله، بحسب الرضاء منه، أما في القضاء فلا محل لتخويل المتقاضين حق عزل القاضي؛ لأنه لا يستمد سلطته منهم، بل إن القاضي نفسه على خلاف المحتكم إليه لا يملك التنحي عن الفصل في الخصومة دون مبرر شرعي؛ لأن قضاءه فيها واجب عليه، وليس حقًّا له يخضع لقبوله ورضاه.
стр. 15495
وإذا كان كل من حكم التحكيم وحكم القضاء يلزم الخصوم، فإن شرط ذلك في التحكيم عند تعدد المحكمين كقاعدة عامة، أن تجتمع كلمتهم على الحكم، ما دام الأطراف لم يأذنوا لهم بالحكم بالأغلبية في الحالات التي يجوز فيها ذلك؛ ذلك لأن الرضا كان رضاء برأيهم لا برأي بعضهم ولو كانوا الأكثرية، أما في القضاء فليس بلازم – عند التعدد – أن يكون الحكم صادرًا بالإجماع ويكفي فيه أن يكون بأغلبية القضاة.
وقد تكشف المقارنة بين حكم المحكمين وحكم القضاء عن ضعف الحكم الأول إذا قيست قوته بالحكم القضائي، كما يتضح ذلك في النقاط التالية عند توحيد مصدر الحكم فيها بالاقتصار على الرأي الراجح في مذهب واحد، ولكن هو المذهب الحنفي:
أ- فحكم المحكم إذا رفع للقاضي في محل مجتهد فيه ولم يوافق رأيه نقضه، أما إذا كان حكمًا قضائيًّا فإنه لا يملك ذلك.
ب- وحكم المحكم بالوقف لا يلزم؛ لأن حكمه لا يرفع الخلاف على الصحيح عند الحنفية، ويلزم بحكم القاضي؛ لأن حكمه يرفع الخلاف.
ج – وحكم المحكم علي وصي الصغير بما هو ضرر على الصغير لا يصح؛ لأن تحكيم الوصي بمنزلة الصلح، أما حكم القاضي بذلك فصحيح إذا استجمع شرائطه.
د- وحكم المحكم إذا أسلم بعد ردته غير صحيح، إلا بتحكيم جديد؛ لأنه ينعزل بالردة، فينتهي أثر الاحتكام السابق عليها، أما القاضي فإنه إذا أسلم بعد ردته لم يحتج إلى تولية جديدة، ولذلك يصح حكمه.
هـ – وحكم المحكوم برد الشهادة للتهمة لا يلزم غيره كما لايلزم القاضي إذا عرض عليه الأمر وشهدت البينة بعدالة الشاهد؛ لأن رد الشهادة عند الحنفية حكم، وحكم المحكم لا ينفذ إلا في مواجهة من رضي به، أما إذا رد الشهادة قاض للتهمة، فإنه لايحق لقاض آخر أن يقبلها؛ لأن القضاء بالرد ينفذ على الكافة. (١) .
стр. 15496
وهكذا تكشف النماذج السابقة عن ضعف حكم التحكيم إذا قورن بالحكم القضائي، كما تكشف الطبيعة الرضائية للتحكيم عن أن نطاقه أضيق من نطاق ولاية القضاء، فهو لا يتعدى النازلة التي حكم فيها، ولا الأشخاص الذين ارتضوه، وهو غير لازم قبل الشروع فيه، ولا يستطيل إلى بعض المنازعات والخصومات التي يستأثر القضاء المولى بها وحده.
على أنه ومع ذلك كله، فقد يكون التحكيم مطمعًا، دون القضاء، وذلك كما إذا منع ولي الأمر القضاء من سماع الدعوى في منازعات معينة، كتلك التي تقادم عليها العهد، وقبل الأطراف ذوو الشأن أن يحتكموا في أمرها إلى محكم، كما قد يكون التحكيم بالغ الخطورة إذا صدر الاحتكام ممن له ولاية عامة بصفته في أمور تتصل بالنفع العام، كالتحكيم لإنهاء الحرب، أو التحكيم لإنهاء نزاع يتصل بمصلحة عليا للدولة أو باختيار الخليفة أو الوالي أو نحو ذلك.
هذا إلى جانب أن التحكيم قد يعد مخرجًا من كثير من المشاكل التي تقف في وجه تطبيق الشريعة الإسلامية، إذا ما أحسن وضع القواعد المنظمة له، بما يكفل تطويع القواعد الوضعية للحكم بشريعة الله.
١٢- ومع ما هو مسلم به من أن التحكيم الرضائي يمكن، يؤدي دورًا هامًّا في المجتمع الإسلامي، فإن قيامه على الرضائية لا يكفي – وحده – لإسباغ المشروعية عليه، ذلك أن هذا التحكيم يصطدم مع واجب الدولة الإسلامية في أن توفر – هي – العدل والأمن لكل الرعايا، ويتعارض مع حقها في أن تنفرد بفرض سيطرتها عليهم في هذا الشأن، دون أن يكون من حق أي منهم أن يتحرر من هذه السيطرة.
فالعدل وظيفة رئيسية للدولة الإسلامية، ألزمها به القرآن الكريم وفق ما تشير إليه آيات عدة، منها قوله تعالى: ﴿وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ﴾ [الشورى: ١٥] وقوله: ﴿اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [المائدة: ٨] ، بل إن الكتاب المحكم أشار إلى أن ذلك من لوازم الرسالات السماوية جمعاء، فقال: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾ [الحديد: ٢٥] .
стр. 15497
وإقرار الأمن بين الرعية هو – أيضًا – من أهم واجبات الدولة الإسلامية، وبدونه لا يتحقق التكريم الذي أنعم الله به على بني آدم، ولا يكون هناك جدوى من أن يسخر لهم ما في السموات وما في الأرض؛ ذلك لأن افتقاد الإنسان للشعور بالأمن والأمان ينتقص من تكريمه، ويحرمه من الاستماع الحقيقي بما سخر له.
ولذلك فقد أمر الإسلام بأن لا يؤاخذ أحد دون تثبيت أو تحقيق، كما يدل على ذلك قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ [الحجرات: ٦] ، كما أمر الإسلام كذلك بوجوب التعمق في الفهم وتحميص الوقائع التي تعرض، وصولًا إلى الحكم الصحيح عليها، ومن ذلك ما يشير إليه قوله سبحانه: ﴿وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ (٧٨) فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آَتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا﴾ [الأنبياء ٧٨ – ٧٩] .
وفرض العدالة وإشاعة الأمن، يتطلبان دائمًا الاستناد إلى سلطة الدولة وسيادتها، ويمثلها في هذا الشأن القضاء الذي تقيمه وتختاره قضاته ونظمه الشكلية والموضوعية، ومن ثم فتأمر برفع الخصومات إليه، والالتزام بما يقضي به، وتنفيذه تنفيذًا كاملًا، على نحو مما تشير إليه الآية الكريمة: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥] ، كما تأمر الدولة أيضًا – بوجوب المثول بين يديه والاستجابة لطلب الحضور لإجراء المحاكمة، كما يدل على ذلك قوله سبحانه: ﴿وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ (٤٨) وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ (٤٩) أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ بَلْ أُولَئِكَ هُمَ الظَّالِمُونَ (٥٠) إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٥١) وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ (٥٢) ﴾ [النور ٤٨ – ٥٢] .
ومن ثم فإنه إذا كان التحكيم – في حقيقته – اختصاصًا ببعض المنازعات التي يختص بها القضاء بحسب الأصل، وإبعادًا لها عنه، بالسماح للمتخاصمين بأن يأتمروا بأمر من لا تنبثق سلطته من سلطة القضاء، ولا تتفرع ولايته عن أي ولاية أخرى من ولايات الدولة، فإن ذلك العدوان على القضاء، والانتقاص من سلطانه لا يملك الأفراد بإرادتهم – وحدها – أن يصلوا إليه، حتى ولو كان انتقاصًا غير حاسم، بمعنى أنه إذا لم ينفذ التحكيم، أو لم تتكامل إجراءاته، تعود إلى القضاء سلطة الحكم في المنازعة ويجبر الخصم على المثول أمامه والرضوخ) لأحكامه، أو كان انتقاصًا مؤقتًا، لا يحرم القضاء في النهاية من سيطرته، إذ ستكون له اليد العليا على الحكم الذي يصدره التحكيم فيلغيه، أو يمنع تنفيذه إذا رأى أنه خرج على القواعد الواجبة الاتباع سواء أكانت موضوعية أم إجرائية، فهذا الانتقاص من سلطان القضاء – مهما كان – لا يملكه الأفراد بإرادتهم، وإنما يتعين أن يكون هناك بيان من المشرع الحكيم، يمنح إرادتهم هذا الحق، ويحدد لها مداه، وبالتالي فإن الأخذ بنظام التحكيم الرضائي يستلزم – حتمًا – أن يكون هناك من الأدلة الشرعية ما يسمح بتطبيقه.
стр. 15498
١٣ – ولعل من أبرز الأدلة على مشروعية التحكيم هو ما زخرت به السنة المطهرة من آثار قولية وفعلية تشهد بذلك (١) .
فقد أخرج البخاري في الأدب المفرد قال: (حدثنا أحمد بن يعقوب، قال: حدثنا يزيد بن المقدام بن شريح بن هانئ الحارثي، عن أبيه المقدام، عن شريح بن هانئ قال: حدثني هانئ بن زيد أنه لما وفد إلى النبي ﷺ مع قومه، فسمعهم النبي ﷺ وهم يكنونه بأبي الحكم، فدعاه النبي ﷺ فقال: ((إن الله هو الحكم وإليه الحكم، فلم تكنيت بأبي الحكم، فلم تكنيت بأبي الحكم؟)) . . . . قال: لا، ولكن قومي إذا اختلفوا في شيء أتوني فحكمت بينهم فرضى كلا الفريقين. قال ﷺ : ((ما أحسن هذا!)) . . . . ثم قال: ((ما لك من ولد؟)) . . . .قلت: شريح وعبد الله ومسلم وهانئ، قال: فمن أكبرهم؟ قلت: شريح، قال: ((فأنت أبو شريح. ودعا له ولولده)) .
فالحديث واضح الدلالة على أن القوم كانوا يختارون أبا شريح حكمًا بينهم فيما يتنازعون فيه، وكانوا يرضون حكمه فيهم، وبالتالي فإن استحسان النبي ﷺ لذلك يحمل معنى مشروعية التحكيم الرضائي (٢) .
وروى البخاري عن أبي سعيد الخدري ما مؤداه ((أن يهود بني قريظة طلبوا الاحتكام إلى سعد بن معاذ ﵁، فقبل ذلك الرسول ﷺ ، وأرسل إليه فحضر، وقضى بقتل مقاتليهم وسبي ذراريهم)) .
وفي الروايات التي نقلت عن هذه الحادثة ما يؤكد أن بني قريظة اقترحت على سعد بن معاذ حكمًا بينها وبين رسول الله ﷺ ، وأن سعدًا حين حضرا استوثق من رضاء الطرفين بحكمه، كما استوثق من قبولهم تنفيذه، وكان مما فعله في هذا الصدد أنه توجه إلى بني قريظة قائلًا: ((عليكم عهد الله وميثاقه أن الحكم فيكم ما حكمت؟)) فقالوا: نعم، ثم قصد الناحية التي بها رسول الله ﷺ ، وهو معرض عنه بوجهه إجلالًا له ﷺ ، وقال: وعلي من ههنا؟ فقال رسول الله ﷺ : ((نعم)) .
ووجه الدلالة من هذا الحديث أن الرسول ﷺ حكم سعدًا وأمضى حكمه. وأن سعدًا حرص على الاستيثاق – جهارًا – من رضاء الطرفين لتحكيمه بينهم، وقبولهم تنفيذ ما يحكم به (٣) .
стр. 15499
(وروى ابن شاهين بإسناده عن ابن عباس ﵄، أن رسول الله ﷺ قال لبني العنبر حين انتهبوا مال الزكاة: ((اجعلوا بيني وبينكم حكمًا)) . . . .، فقالوا: يا رسول الله، الأعور بن بشامة، فقال: ((بل أسيدكم ابن عمرو)) . . . .، فقالوا: يا رسول الله الأعور بن بشامة، فحكمه رسول الله ﷺ ، فحكم بأن يفدى شطر ويعتق شطر (١) .
ووجه الدلالة في هذا الحديث أن عرض الرسول ﷺ للتحكيم وقبوله من ارتضاه الخصم وأصر عليه، دليل على مشروعية التحكيم الرضائي في فض المنازعات.
١٤ – وإلى جانب هذه الأحاديث الشريفة التي تشهد بمشروعية نظام التحكيم المبني على التراضي، فإن العمل قد جرى بين الصحابة في صدر الإسلام على الأخذ به.
فقد تحاكم عمر بن الخطاب وأبي بن كعب، إلى زيد بن ثابت، وتحاكم عمر مع رجل اشترى منه فرسًا إلى شريح، وتحاكم عثمان بن عفان وطلحة إلى جبير بن مطعم، وتحاكم عبد الله بن عمر ووالدة أرملة ابنه إلى زيد بن ثابت (٢) ، وكان احتكام هؤلاء الصحابة جميعًا – رضوان الله عليهم – بناء على تراض منهم في خصومات نشبت بينهم، وقد تم اختيارهم للمحتكم إليه برضائهم، كما أن من اختاروه قبل الحكومة، وقضى بينهم فنفذوا ما حكم به، ولم يكن من القضاة الذين خصم ولي الأمر بالحكم بين الناس (٣) .
стр. 15500
١٥- على أن من أبرز الوقائع التي تشهد للتحكيم، ولا يماري أحد في وقوعها ولا في طرحها على بساط البحث العلمي بين الصحابة أجمعين، ما جرى من تحكيم بين علي بن أبي طالب ومعاوية بن أبي سفيان وحزبيهما، فقد اتفقوا على ذلك في خلال عام ٣٧ هجرية، حسمًا للحرب التي دارت رحاها بينهم، وكانت تفاصيل هذا التحكيم من وضوح الدلالة ووضوح الثبوت ما يجعله عظيم الأهمية فيما نحن بصدده، مما يقتضي أن نخصه ببعض التفصيلات التي لا تتجاوز موضوع البحث.
فحين احتدم النزاع بين الحزبين، وبدا لجيش معاوية أنه مقبل على الهزيمة رفع جنوده المصاحف على أسنة الرماح طالبين اللجوء إلى التحكيم، فرفض على كرم الله وجهه الاستجابة لذلك أول الأمر، ثم عاد فنزل على قبوله، فعقدت معاهدة كان طرفاها علي بن أبي طالب وشيعته، الشاهد منهم والغائب، ومعاوية بن أبي سفيان وشيعته، الشاهد منهم والغائب، وتراضى الطرفان على أن يقفا عند حكم القرآن، فيما يحكم به من فاتحته إلى خاتمته، واختار كل منهما حكمًا رضي به، وحددا مكان التحكيم بمنزل وسط بين أهل العراق وأهل الشام (دومة الجندل) ، ووقَّتا أجله بانقضاء شهر رمضان من ذات السنة، ونصَّا في المعاهدة على أنه إذا انتهى الأجل دون أن يحكم الحكمان، فالفريقان على أمرهم الأول في الحرب، وقد أخذ الحكمان على المحتكمين، عهد الله وميثاقه بالرضا بما يحكمان به، وأن ليس لهما نقضه أو مخالفته إلى غيره، ثم أعلنا حكمهما في خلال الأجل المتفق عليه.
وإذا تدارس المسلمون معاهدة التحكيم هذه، انتهوا جميعًا أهل سنة ومعتزلة وشيعة – إلى شرعية ما اتفق عليه المحتكمون من تحكيم، وإلى تصويب علي كرم الله وجهه في قتاله مع معاوية، وفي قبوله التحكيم في خصومته ولم يشذ عن ذلك سوى طائفة محدودة، خرجوا على الإجماع وانتهوا إلى تخطئة علي ﵁ في قبوله للتحكيم، بعد أن كانوا هم الذين دفعوه إلى الموافقة عليه، وكان من أهم ما تساندوا إليه في لجاجهم مع الصحابة ما قالوه من أن تحكيم الرجال يجب أن يقتصر على ما ورد به النص القرآني، كالصيد في الحرم، والشقاق بين الزوجين، ولا يتعداه إلى غيره كدماء المسلمين، وأنه لا مجال للأخذ بالتحكيم في محل النزاع؛ لأن الله قضى في أمر معاوية وحزبه بحكم لا يجب التوقف فيه، فقتالهم كان واجبًا؛ لأن الله يقول: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾ [الحجرات: ٩] وحين جنحوا للسلم كان واجب الخليفة أن يجنح معهم له، إن هم قبلوا أن يدخلوا تحت لوائه، فإن أبوا وجب استئناف قتلاهم، حتى يفيئوا إلى أمر الله، وبالتالي فلم يكن هناك مجال للاحتكام إلى الرجال الذين احتكم إليهم على معاوية.
стр. 15501
وقد أجاب فقهاء الصحابة عن شبهة الخوارج هذه بشقيها، فقالوا: إنه لا صحة لدعوى عدم جواز التحكيم في غير ما ورد به النص، كالشقاق بين الزوجين والصيد؛ ذلك لأن رسول الله ﷺ قبل التحكيم في بني قريظة، وهو من قبيل التحكيم في الدماء، ولم يرد به نص في الكتاب الكريم، وفيما يختص بالإدعاء بأن القرآن حكم في معاوية وحزبه بما لا محل معه للاحتكام للرجال. قالوا: إن كتاب الله الكريم لا يحكم في الوقائع بنفسه، ولكن لابد من الرجال للتحقق من مناط الحكم والتثبت من شروط تطبيق أمر الله (١) .
وأيا ما كان الرأي فيما تساند إليه هؤلاء النفر من الخوارج، فإن الواضح في مناقشاتهم وجدالهم أنهم لا يقرون التحكيم في المحل الذي وقع فيه، أما التحكيم من حيث المبدأ فإنهم يصرحون بشرعيته فيما نزل به القرآن الكريم مثل الشقاق والصيد.
وبذلك تكون واقعة التحكيم بين علي ومعاوية قد كشفت، فيما يشبه الإجماع من الصحابة في العصر الذي وقعت فيه، عن مشروعية التحكيم من حيث المبدأ على أقل القليل (٢)
ونتيجة لهذا، ولما تقدم جميعه، فإن جمهور فقهاء المسلمين قد انتهوا إلى مشروعية التحكيم المبني على التراضي، فكان هذه هو مذهب الحنابلة، والأصح لدى الحنفية والشافعية وعند المالكية (٣) .
على أن القول بجواز التحكيم لا يحول بين ولي الأمر وبين إيجابه على الناس في بعض الحالات أو تحريمه عليهم في حالات أخرى، طالما بقي أصل التحكيم سائغًا؛ وذلك لأن له أن يجعل المباح واجبًا أو محظورًا (٤) ، كما أنه يملك تنظيم القضاء وتخصيصه من حيث الزمان أو المكان أو بالحادثة وبالتالي فهو يملك ذلك بالنسبة للتحكيم الذي هو أدنى مرتبة من القضاء
стр. 15502
الفصل الثاني
طبيعة التحكيم وآثاره
١٦ – يقوم التحكيم – كما سلف البيان – على رضائية يقرها الشرع، ويمنحها ولاية شرعية، تسمح لها بترتيب الآثار التي يتغياها الأطراف ما دامت في الحدود التي ترضاها الشريعة الإسلامية، ومن ثم فإنه حتى يتضح النطاق الذي يستهدفه الأطراف فإنه يجب أن تحدد صيغة الاتفاق الأطراف المحتكمين، والخصومة التي يحتكمون بشأنها، وشخصية الحكم الذي يحتكمون إليه، وما قد يكون هناك من قيود تحدد سلطته من حيث الزمان أو المكان أو غيرها، ومدى التزامهم بالحكم الذي يصدره، ومن ناحية أخرى، فإن غايات الأطراف التي ترسمها صيغة اتفاقهم في وضوح، يجب أن تكون في نطاق القواعد الملزمة التي وضعها الفقه الإسلامي.
واشتراط وقوع الصيغة – لفظية كانت أو غير لفظية – في التعبير عن رضاء الطرفين وضوحًا لا يخالطه شك، مصدره أن التحكيم طريق استثنائي لفض الخصومات، قوامه الخروج عن طرق التقاضي العادية وما تكفله من ضمانات، ومن ثم فلا يحق أن يحرم أحد من الطريق الطبيعي للتقاضي إلا إذا كان ذلك بناء على رضاء واضح منه، لا تشوبه شائبة، ولا تضعفه شبهة، وإلا وجب تفسير الصيغة تفسيرًا ضيقًا، إعمالا؛ لأن الأصل هو الالتجاء إلى القضاء (١) .
أما إذا توافر هذا الوضوح في الكشف عن الإرادة، فإن التراضي على التحكيم يكون قد وجد، وحق لذلك إعمال آثاره أيا كان الطريق الذي وضحت به هذه الرغبة، وسواء أكان إبداؤها شفاهة أم بالكتابة أم بالإشارة أم بتبادل الرسائل أم بإيجاب من أحد المتخاصمين وقبول فعلي من الطرف الآخر (كأن يترافع أمام المحكم الذي اختاره الخصم دون أن يحتفظ في ذلك) أم باتخاذ أي مسلك آخر لا تدع ظروف الحال شكًّا في دلالته على التراضي، وذلك كله وفق ما يراه الجمهور، وعلى الأخص ما صرح به المالكية والحنابلة (٢) .
стр. 15503
والمرجع في الوضوح وعدمه إلى اللغة والعرف، فإذا استعمل المتحاكمان اللفظ – مثلًا – بيانًا لإرادتهما، إن كان بصيغة الماضي دل على التراضي باتفاق الأئمة الأربعة؛ ذلك لأن هذه الصيغة وإن كانت للماضي وضعًا، فإنها جعلت إيجابًا في الحال في عرف أهل اللغة والشرع والعرف قاض على الوضع، وإن كان بصيغة الأمر، فإن الحنفية يرون أن هذه الصيغة تفيد طلب الإيجاب والقبول وليست إيجابًا وقبولًا، فلا بد من إيجاب وقبول بلفظ آخر يدل عليهما، أما عند المالكية والشافعية، فإن صيغة الأمر، وإن كانت تدل – لغة – على الطلب، مما يحتمل الرضاء وعدمه، فإنها عرفًا تدل على الرضا، وبذلك تستوي صيغة الأمر في دلالتها مع صيغة الماضي في هذا الشأن.
أما صيغة المضارع فإنها – في رأي الجمهور – تحتمل الحال والاستقبال، وبالتالي فهي لا تكفي – وحدها – للدلالة على التراضي، ويجب أن تساند بدليل آخر، إن أريد الاستدلال بها عليه، ومثل ذلك استعمال صيغة الاستفهام (١) .
أما تعليق قبول التحكيم على شرط أو إضافته للمستقبل، فيرى الإمام محمد من الحنفية جواز ذلك؛ لأن التحكيم – عنده – تولية وتفويض كالوكالة والقضاء، فيجوز فيه التعليق والإضافة كما جاز فيهما، ويرى الإمام أبو يوسف – وهو ما عليه الفتوى – عدم جواز ذلك؛ لأن التحكيم عنده من عقود التمليكات لما فيه من تمليك الولاية، وعقود التمليكات لا يجوز تعليقها أو إضافتها للمستقبل، لما في ذلك من منافاة لما قصده الشارع فيها من ترتيب حكمها فور انعقادها، هذا إلى جانب أن التحكيم وإن كان تولية صورة، فإنه صلح معنى، والصلح لا يصلح معلقًا ولا مضافًا، فكذلك يجب أن يكون التحكيم (٢) .
стр. 15504
١٧- وإذا كان الرضاء يجب أن يكون واضحًا، فإنه يجب كذلك أن تتطابق فيه الإرادتان على المحل، فيتفق الإيجاب والقبول اتفاقًا كاملًا، أو كما عبر به الكاساني في البدائع بأن يقبل أحدهما ما أوجبه الآخر، وبما أوجبه، فإن خالفه، بأن قيل غير ما أوجبه، أو ببعض ما أوجبه، لا ينعقد، من غير إيجاب مبتدأ موافق (١) .
على أنه فيما يختص بقبول بعض ما أوجبه الخصم الأول فإن شرطه أن يكون ما أوجبه قابلًا للتفرق (أي التجزئة) ، فإذا كان لا يقبل التفرق، سواء بحسب طبيعته، أو وفق ما هو موضح في إيجاب الخصم الأول، فإن قبول البعض دون البعض، يعد رفضًا للإيجاب الأول، قياسًا على ما صرح به الفقهاء في حكم تفرق الصفقة المبيعة (٢) .
١٨- وإذا كان الرضا بالتحكيم لا يشترط أن يتم في شكل معين، وإنما يكفي فيه التقاء الإيجاب مع القبول وتطابق الإرادتين، فإنه لا يشترط فيه – كذلك – أن يكون سابقًا على المنازعة أو لاحقًا عليها، فيجوز أن يتفق على التحكيم بعد أن تنشب الخصومة، كما يجوز أن يتفق عليه مسبقًا، كأن يضمن الطرفان العقد الذي بينهما، اتفاقًا على أنه يتولى التحكيم حسم ما قد ينشأ – مستقبلًا – من منازعات في تنفيذ هذا العقد (٣)
وإذا كان الفقه الإسلامي لم يتضمن – بصورة واضحة – تقسيم صور الاتفاق على التحكيم إلى ما يسبق نشوء المنازعة، وما يلحق بها، فإن عباراته تسع ذلك (٤) . ولا تتأبى أن يستعمل معها ما اصطلح عليه رجال القانون من إطلاق كلمة (شرط التحكيم) على ما يكون منصوصًا عليه في العقود من قبول الالتجاء إلى التحكيم فيما قد ينشأ مستقبلًا من منازعات في هذه العقود، وإطلاق اسم اتفاق التحكيم (أو مشارطة التحكيم أو وثيقة التحكيم (على الاتفاق اللاحق على نشوء المنازعة (٥) .
стр. 15505
١٩- على أنه أيا كان وقت التراضي على التحكيم، فإنه يجب أن يكون في خصومة بالمعنى الشرعي؛ لأن حكم المحكم كحكم القاضي المولى يشترط لصحته سبق الدعوى الصحيحة، وهذه يشترط لصحتها أن تكون في خصومة حقيقية، فإذا لم يكن هناك تخاصم حقيقي فلا تحكيم كما إذا ملك شخص تجارة في مكانين مختلفين، وأقام الدعوى من نفسه، بوصفه صاحب أحد المحلين، على عامله في المحل الآخر، بغية إثبات مدينوية معينة، فذلك غير مقبول، لا سيما والفقه الإسلامي لا يعرف الشخصية الاعتبارية في مثل هذه الحالة، وإن أقر بها ضمنًا لبعض الشركات التجارية في حالات أخرى.
كما أنه لا تحكيم كذلك إذا افتعلت خصومة صورية بين شخصين ابتغاء الحصول على حكم من المحكم، توصلًا لأمر خارج، عن موضوع الدعوى، كما في دعوى ملكية العقار ملكا مطلقًا، إذا كان المدعى عليه ليس هو واضع اليد، وتواضع الطرفان على الاحتكام إلى المحكم، على أن يصادق المدعى عليه – بغير حق – على وضع يده ليقيم البينة على الملك، فيحكم به الحكم، تمهيدًا لنزع العين من يد صاحبها، فالتحكيم في مثل هذه الحالة غير سائغ ولا مقبول؛ لأن المدعى عليه ليس خصمًا حقيقيًّا في المنازعة، والحكم عليه – في حقيقة الأمر – ليس إلا ضربًا من العبث؛ لأنه لا يلزم في وقاع الأمر بشيء، لانعدام صلته بالمدعى به، وفي اتخاذ التحكيم وسيلة للإضرار بالخصم الحقيقي انحراف به عما شرع من أجله (١) .
стр. 15506
٢٠ – وبجانب اشتراط الخصومة الحقيقية وتوافر الصفة في خصوم دعوى التحكيم، فإنه يجب أن تتوافر للمحتكمين أهلية التعاقد على التحكيم، وهي أهلية التصرف في الحقوق، وليست أهلية الإدارة أو أهلية التبرع (١) ، فإذا كان الراضي بالاحتكام صغيرًا مميزًا مأذونًا له بالتجارة، فإن له أن يقبل في أعمال الإدارة دون أعمال التصرف، فإذا كان من شأن التحكيم أن يمس رأس المال أو يرتب حقًّا عينيًّا على مال الصغير، فإنه لا يحق له أن يقبل، ولابد له من إذن وليه في ذلك (٢) فإذا لم يعلن الولي إذنه أو إجازته حتى بلغ الصبي وأصبح عاقلًا، فإنه يجوز له أن يجيز الاتفاق على التحكيم؛ لأنه لما بلغ، ملك الإنشاء، فأولى أن يملك الإجازة (٣) .
وإذا كان التصرف الذي يحتكم فيه يعد ضررًا محضًا للصغير، فإنه لا يملك هو ولا وليه الرضا بالتحكيم فيه، وإذا قضى المحتكم إليه بما يضر الصغير فلا يصح حكمه. (٤) .
وفي تطبيقات الوكالة، لا يجوز للوكيل أن يتعاقد على التحكيم من غير إذن موكله؛ لأن سلطة الوكيل في الوكالة العامة مقصورة – بحسب الأصل – على الإدارة، ولأن الوكيل – في الوكالة الخاصة – لا صفة له إلا في مباشرة ما وكل فيه، وبالتالي فإنه – حتى يحق له الاتفاق على التحكيم – إيجابًا أو قبولًا يجب أن يكون الموكل قد صرح له بذلك.
стр. 15507
وترتيبًا على ما سبق إيضاحه بشأن رضائية التحكيم، فإن الاتفاق على التحكيم في منازعة معينة لا يتعدى إلى منازعة أخرى، والاتفاق على المنازعات الناشئة عن تنفيذ عقد معين، لا يستطيل إلى المنازعات الناشئة عن تنفيذ عقد آخر، والاتفاق على الاحتكام في تفسير عقد بعينه، لا ينصرف إلى ما ينشأ عن تنفيذ هذا العقد من منازعات؛ ذلك لأنه يجب أن يكون التحكيم مقصورًا على ما انصرفت إرادة المحتكمين إلى عرضه على المحتكم إليه، فإذا طرأت على النزاع الأصلي منازعات أخرى لم يتضمنها الاتفاق على التحكيم بصورة مباشرة أو ضمنية، فإنه لا يجوز للمحكم أن يحكم فيها، إلا إذا صدرت له بشأنها موافقة جديدة من الخصمين، حتى ولو كانت هذه المسائل الأولولية التي يتعين حلها قبل الفصل في النزاع، فالاتفاق على التحكيم بين الورثة في قسمة المال الموروث فمثلًا لا يمنح المحكم الحق في الفصل في نزاع ينشأ بين بعض الورثة المتحاكمين على ملكية بعض هذه الأموال، ولا يعطيه الحق في الحكم باعتبار هذه الأموال من المال الموروث أو عدم اعتبارها كذلك (١) .
ومن ناحية أخرى، فإن الرضا بالتحكيم لا ينتج أثره إلا في مواجهة من رضي به، أما غيره فلا أثر له عليه؛ لأنه لم يرض، ولأن من رضي لا ولاية له عليه، وذلك فإنه – على مذهب الحنفية – لا يحق للحكم أن يحكم على العاقلة بالدية (٢) ، وإذا تراضى على التحكيم دائن للمورث مع أحد الورثة، فلا أثر لذلك الرضا على باقي الورثة، ,إذا توفي أحد المحتكمين – قبل الشروع في التحكيم – فلا يلزم التحكيم الورثة إلا برضائهم، أما إذا حدثت الوفاة بعد الحكم، فإنه ينفذ في مواجهة الورثة في حدود تركة من كان قد رضي به، وإذا وجد عيب في المبيع الذي بيع عدة مرات، فتحاكم البائع الأخير والمشتري منه، وحكم المحتكم إليه بالرد، فلا أثر لذلك على البائع الأول الذي لم يرتض التحكيم، وإذا غاب أحد الخصمين، فلا يتعدى الحكم إليه، ولو كان ما يدعي به عليه سببًا لما يدعي به على الحاضر، فإذا تحاكم الكفيل والدائن، فلا أثر لاحتكامها على الأصيل الذي لم يحضر ولم يرض بالتحكيم، وذلك ما لم يشهد العرف بأن الغائب يعد راضيًا بالتحكيم، إذ يجوز في هذه الحالة الحكم عليه، وذلك على نحو ما طبقه فقهاء الأحناف على الشريك الغائب عند احتكام شريكه مع غريمهما؛ فقد قالوا: إن العرف بين التجار جرى على جعل التحكيم من أحد الشركاء كأنه تحكيم من سائرهم (٣) .
стр. 15508
تلك هي الرضائية، وهذا أثرها في بناء حدود التحكيم ورسم نطاقه، وهي كما هو واضح، سلطة مطلقة اليد فيما سبقت الإشارة إليه، تتحكم في رسم النطاق كما يبدو لها، ما دامت لا تصطدم بقواعد الشريعة الغراء وأحكامها الملزمة، أما إذا اصطدمت بها فالغلبة للشريعة، تلوي عنقها، لتظل إرادة الطرفين على بر الأمان فلا تقترب من حدود الله، ولا تتعداها ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا﴾ [الأحزاب: ٣٦] .
ولعل من أبرز النقاط التي تتدخل فيها الشريعة لتحدد مسار إرادة الطرفين في التحكيم، ما يتصل بموضوع التحكيم، أو أهلية المحتكم إليه (١) ، أو القانون الواجب التطبيق.
٢١- فموضوع التحكيم لا يسمح المشرع لإرادة الطرفين أن تصول وتجول فيه على النحو الذي يتراءى لها، فهناك من الموضوعات ما لا يحق للتحكيم أن يلج ميدانها؛ لأنه يجب أن يتولاها القاضي الذي يعينه ولي الأمر، وذلك إما استجابة لطبيعة هذه الموضوعات التي لا ترقى إرادة الطرفين إلى المساس بها، أو لتعلق حق غيرهما بها مما يحول بينهما وبين الانفراد بالنيل منها، أو لأن ولي الأمر رأى أن من الصالح العام أن لا يحكم فيها غير من يرى فيه – هو – الأهلية الخاصة لذلك.
فبإرادة الطرفين – وفق مشيئة المشرع – لا تقوى في الحالات السابقة جميعها على تعيين حكم يفصل في هذه المنازعات؛ لأنها لا تملك ترك الحق فيها، ولا يصح تراضي الأفراد بشأنها، والتحكيم – كما يقول الفقيه المالكي ابن عرفة – هو ما يصح لأحدهما ترك حقه فيه (٢) .
стр. 15509
وتطبيقًا لذلك، فإن حقوق الله تعالى لا يصح فيها التحكيم سواء أكانت حقوقًا خالصة كالحد في السرقة أو الزنى أو الشرب، أما كانت تجمع بين الحقين، وحق الله غالب كحد القذف؛ وذلك لأن هذه الحقوق ليس لها مطالب معين من الأفراد، ولا مدخل للصلح فيها بينهم، وهي لا تسقط بإسقاطهم ولا تقبل المعاوضة عليها بالمال (١) ومن ثم فإن المتعين لاستيفائها هو الإمام أو نائبه ممن له ولاية عامة، وإذا كان الأفراد محرومين من هذه الولاية، فإنهم لا يملكون تفويض المحتكم إليه فيها؛ لأن فاقد الشيء لا يعطيه.
ومثل حقوق الله في ذلك، حقوق المحتكمين إذا تعلق بها حق لغيرهم، كاللعان فإنه يتعلق به حق الولد في نفي النسب، وهو غير المحتكمين، ولا ولاية للحكم عليه.
وكذلك الحكم إذا حضر ولي الأمر التحكيم في شأن من الشؤون، فإنه لا يصح التحكيم فيه؛ لأن حظر ولي الأمر داخل في سلطته، إذ هو نوع من تنظيم التحكيم،الذي يملكه ما دام لم يحظر نظر المنازعة حظرًا مطلقًا، وإنما حظرها على التحكيم لينظرها القضاء بما يتمتع به من ضمانات أوفى (٢) .
هذا ما تمليه القواعد الكلية في تحديد ما يصح أن يكون موضوعًا للتحكيم الرضائي، وهو لا يكاد يختلف كثيرًا عما خلص إليه رأي جمهور العلماء في الفقه الإسلامي: فهؤلاء يمنعون التحكيم في الحدود والقصاص واللعان.
يقول السرخسي من الحنفية: (وليس ينبغي للمحكم أن يقضي في إقامة حد أو تلاعن بين زوجين؛ لأن اصطلاح الخصمين على ذلك غير معتبر، وما يحكم به بمنزلة اصطلاح الخصمين عليه. (٣) .
ويقول ابن نجيم (وهو من الحنفية أيضًا) عن القصاص: (وما في الكتاب من منعه هو قول الخصاف وهو الصحيح كما في فتح القدير) (٤) .
ويقول الإمام الدردير من المالكية: (وجاز للخصمين تحكيم رجل عدل ... لا في حد من الحدود كقصاص أو جلد أو رجم ... ولا في لعان ...) (٥) .
стр. 15510
ويقول ابن قدامة – من الحنابلة – في المغني: (قال القاضي (أبو يعلى) ينفذ حكم من حكماه في جميع الأحكام إلا في أربعة أشياء: النكاح واللعان وحد القذف والقصاص؛ لأن لهذه الأحكام مزية على غيرها فاختص الإمام بالنظر فيها، ونائبه يقوم مقامه) (١) .
وقد لخص الماوردي رأي الشافعية في موضوع التحكيم فقسم آراءهم إلى ثلاثة أقسام قسم يجوز فيه التحكيم وهو حقوق الأموال وعقود المعاوضات وما يصح فيه العفو والإبراء، وقسم لا يجوز فيه التحكيم، وهو ما اختص القضاء بالإجبار عليه من حقوق الله تعالى، والولايات على الأيتام، وإيقاع الحجر على مستحقيه. وقسم مختلف فيه وهي أربعة أحكام هي: النكاح، واللعان، والقذف، والقصاص، وذكر أن في هذه الأحكام الأربعة وجهين، أحدهما: جواز التحكيم لوقوفها على رضا المختصمين، والثاني: عدم جوازه فيها؛ لأنها حقوق وحدود يختص بها الولاة. (٢) .
هذا مجمل ما انتهى إليه جمهور العلماء، وقد زاد عليهم المالكية أمورًا لا يجوز عندهم أن تكون موضوعًا للتحكيم، وهي القتل، إذا كان عقوبة للارتداد ولقطع الطريق (وذلك بجانب القتل قصاصًا) والولاء، والنسب والحبس (الوقف) المعقب، والطلاق والعتق، كما زاد بعضهم أيضًا فسخ الزواج، وإثبات الرشد وضده (السفه) وأمر الغائب، أما الحنابلة فقد صرح منهم صاحب كشاف القناع بأن حكم التحكيم ينفذ في كل الأمور من مال أو قصاص أو حد أو زواج أو لعان أو غيرها، ونقل بعضهم عن الإمام أحمد أنه يرى جواز التحكيم في كل ما يجوز للقاضي المولى أن يحكم فيه (٣) ، ورجح هذا الرأي بعض علماء الشافعية، ومنهم الشربيني الخطيب إذ قال في مغنى المحتاج: (والصحيح عدم الاختصاص؛ لأن من صح حكمه في مال صح في غيره، كالمولى من جهة الإمام) (٤) .
وقد نخلص مما تقدم أن ما رآه الجمهور من منع التحكيم في الحدود جميعها وفي القصاص واللعان قد قام على أسس قوية، وأن ما قاله المالكية من معيار المنع جدير بالتبني لمنطقه العقلي، ولعدم معارضة الكثير من الفقهاء الآخرين له صراحة، وهو يحمل في منع التحكيم في كل ما هو حق لله تعالى، وما استلزم الحكم فيه إثبات حكم أو نفيه من غير المتحاكمين ممن لا ولاية للحكم عليهم، أو ما اقتضى عظم قدره وخطره أن يعهد به إلى القضاء المولى دون غيره (٥) .