٢٠ – وبجانب اشتراط الخصومة الحقيقية وتوافر الصفة في خصوم دعوى التحكيم، فإنه يجب أن تتوافر للمحتكمين أهلية التعاقد على التحكيم، وهي أهلية التصرف في الحقوق، وليست أهلية الإدارة أو أهلية التبرع (١) ، فإذا كان الراضي بالاحتكام صغيرًا مميزًا مأذونًا له بالتجارة، فإن له أن يقبل في أعمال الإدارة دون أعمال التصرف، فإذا كان من شأن التحكيم أن يمس رأس المال أو يرتب حقًّا عينيًّا على مال الصغير، فإنه لا يحق له أن يقبل، ولابد له من إذن وليه في ذلك (٢) فإذا لم يعلن الولي إذنه أو إجازته حتى بلغ الصبي وأصبح عاقلًا، فإنه يجوز له أن يجيز الاتفاق على التحكيم؛ لأنه لما بلغ، ملك الإنشاء، فأولى أن يملك الإجازة (٣) .
وإذا كان التصرف الذي يحتكم فيه يعد ضررًا محضًا للصغير، فإنه لا يملك هو ولا وليه الرضا بالتحكيم فيه، وإذا قضى المحتكم إليه بما يضر الصغير فلا يصح حكمه. (٤) .
وفي تطبيقات الوكالة، لا يجوز للوكيل أن يتعاقد على التحكيم من غير إذن موكله؛ لأن سلطة الوكيل في الوكالة العامة مقصورة – بحسب الأصل – على الإدارة، ولأن الوكيل – في الوكالة الخاصة – لا صفة له إلا في مباشرة ما وكل فيه، وبالتالي فإنه – حتى يحق له الاتفاق على التحكيم – إيجابًا أو قبولًا يجب أن يكون الموكل قد صرح له بذلك.
стр. 15507
وترتيبًا على ما سبق إيضاحه بشأن رضائية التحكيم، فإن الاتفاق على التحكيم في منازعة معينة لا يتعدى إلى منازعة أخرى، والاتفاق على المنازعات الناشئة عن تنفيذ عقد معين، لا يستطيل إلى المنازعات الناشئة عن تنفيذ عقد آخر، والاتفاق على الاحتكام في تفسير عقد بعينه، لا ينصرف إلى ما ينشأ عن تنفيذ هذا العقد من منازعات؛ ذلك لأنه يجب أن يكون التحكيم مقصورًا على ما انصرفت إرادة المحتكمين إلى عرضه على المحتكم إليه، فإذا طرأت على النزاع الأصلي منازعات أخرى لم يتضمنها الاتفاق على التحكيم بصورة مباشرة أو ضمنية، فإنه لا يجوز للمحكم أن يحكم فيها، إلا إذا صدرت له بشأنها موافقة جديدة من الخصمين، حتى ولو كانت هذه المسائل الأولولية التي يتعين حلها قبل الفصل في النزاع، فالاتفاق على التحكيم بين الورثة في قسمة المال الموروث فمثلًا لا يمنح المحكم الحق في الفصل في نزاع ينشأ بين بعض الورثة المتحاكمين على ملكية بعض هذه الأموال، ولا يعطيه الحق في الحكم باعتبار هذه الأموال من المال الموروث أو عدم اعتبارها كذلك (١) .
ومن ناحية أخرى، فإن الرضا بالتحكيم لا ينتج أثره إلا في مواجهة من رضي به، أما غيره فلا أثر له عليه؛ لأنه لم يرض، ولأن من رضي لا ولاية له عليه، وذلك فإنه – على مذهب الحنفية – لا يحق للحكم أن يحكم على العاقلة بالدية (٢) ، وإذا تراضى على التحكيم دائن للمورث مع أحد الورثة، فلا أثر لذلك الرضا على باقي الورثة، ,إذا توفي أحد المحتكمين – قبل الشروع في التحكيم – فلا يلزم التحكيم الورثة إلا برضائهم، أما إذا حدثت الوفاة بعد الحكم، فإنه ينفذ في مواجهة الورثة في حدود تركة من كان قد رضي به، وإذا وجد عيب في المبيع الذي بيع عدة مرات، فتحاكم البائع الأخير والمشتري منه، وحكم المحتكم إليه بالرد، فلا أثر لذلك على البائع الأول الذي لم يرتض التحكيم، وإذا غاب أحد الخصمين، فلا يتعدى الحكم إليه، ولو كان ما يدعي به عليه سببًا لما يدعي به على الحاضر، فإذا تحاكم الكفيل والدائن، فلا أثر لاحتكامها على الأصيل الذي لم يحضر ولم يرض بالتحكيم، وذلك ما لم يشهد العرف بأن الغائب يعد راضيًا بالتحكيم، إذ يجوز في هذه الحالة الحكم عليه، وذلك على نحو ما طبقه فقهاء الأحناف على الشريك الغائب عند احتكام شريكه مع غريمهما؛ فقد قالوا: إن العرف بين التجار جرى على جعل التحكيم من أحد الشركاء كأنه تحكيم من سائرهم (٣) .
стр. 15508
تلك هي الرضائية، وهذا أثرها في بناء حدود التحكيم ورسم نطاقه، وهي كما هو واضح، سلطة مطلقة اليد فيما سبقت الإشارة إليه، تتحكم في رسم النطاق كما يبدو لها، ما دامت لا تصطدم بقواعد الشريعة الغراء وأحكامها الملزمة، أما إذا اصطدمت بها فالغلبة للشريعة، تلوي عنقها، لتظل إرادة الطرفين على بر الأمان فلا تقترب من حدود الله، ولا تتعداها ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا﴾ [الأحزاب: ٣٦] .
ولعل من أبرز النقاط التي تتدخل فيها الشريعة لتحدد مسار إرادة الطرفين في التحكيم، ما يتصل بموضوع التحكيم، أو أهلية المحتكم إليه (١) ، أو القانون الواجب التطبيق.
٢١- فموضوع التحكيم لا يسمح المشرع لإرادة الطرفين أن تصول وتجول فيه على النحو الذي يتراءى لها، فهناك من الموضوعات ما لا يحق للتحكيم أن يلج ميدانها؛ لأنه يجب أن يتولاها القاضي الذي يعينه ولي الأمر، وذلك إما استجابة لطبيعة هذه الموضوعات التي لا ترقى إرادة الطرفين إلى المساس بها، أو لتعلق حق غيرهما بها مما يحول بينهما وبين الانفراد بالنيل منها، أو لأن ولي الأمر رأى أن من الصالح العام أن لا يحكم فيها غير من يرى فيه – هو – الأهلية الخاصة لذلك.
فبإرادة الطرفين – وفق مشيئة المشرع – لا تقوى في الحالات السابقة جميعها على تعيين حكم يفصل في هذه المنازعات؛ لأنها لا تملك ترك الحق فيها، ولا يصح تراضي الأفراد بشأنها، والتحكيم – كما يقول الفقيه المالكي ابن عرفة – هو ما يصح لأحدهما ترك حقه فيه (٢) .
стр. 15509
وتطبيقًا لذلك، فإن حقوق الله تعالى لا يصح فيها التحكيم سواء أكانت حقوقًا خالصة كالحد في السرقة أو الزنى أو الشرب، أما كانت تجمع بين الحقين، وحق الله غالب كحد القذف؛ وذلك لأن هذه الحقوق ليس لها مطالب معين من الأفراد، ولا مدخل للصلح فيها بينهم، وهي لا تسقط بإسقاطهم ولا تقبل المعاوضة عليها بالمال (١) ومن ثم فإن المتعين لاستيفائها هو الإمام أو نائبه ممن له ولاية عامة، وإذا كان الأفراد محرومين من هذه الولاية، فإنهم لا يملكون تفويض المحتكم إليه فيها؛ لأن فاقد الشيء لا يعطيه.
ومثل حقوق الله في ذلك، حقوق المحتكمين إذا تعلق بها حق لغيرهم، كاللعان فإنه يتعلق به حق الولد في نفي النسب، وهو غير المحتكمين، ولا ولاية للحكم عليه.
وكذلك الحكم إذا حضر ولي الأمر التحكيم في شأن من الشؤون، فإنه لا يصح التحكيم فيه؛ لأن حظر ولي الأمر داخل في سلطته، إذ هو نوع من تنظيم التحكيم،الذي يملكه ما دام لم يحظر نظر المنازعة حظرًا مطلقًا، وإنما حظرها على التحكيم لينظرها القضاء بما يتمتع به من ضمانات أوفى (٢) .
هذا ما تمليه القواعد الكلية في تحديد ما يصح أن يكون موضوعًا للتحكيم الرضائي، وهو لا يكاد يختلف كثيرًا عما خلص إليه رأي جمهور العلماء في الفقه الإسلامي: فهؤلاء يمنعون التحكيم في الحدود والقصاص واللعان.
يقول السرخسي من الحنفية: (وليس ينبغي للمحكم أن يقضي في إقامة حد أو تلاعن بين زوجين؛ لأن اصطلاح الخصمين على ذلك غير معتبر، وما يحكم به بمنزلة اصطلاح الخصمين عليه. (٣) .
ويقول ابن نجيم (وهو من الحنفية أيضًا) عن القصاص: (وما في الكتاب من منعه هو قول الخصاف وهو الصحيح كما في فتح القدير) (٤) .
ويقول الإمام الدردير من المالكية: (وجاز للخصمين تحكيم رجل عدل ... لا في حد من الحدود كقصاص أو جلد أو رجم ... ولا في لعان ...) (٥) .
стр. 15510
ويقول ابن قدامة – من الحنابلة – في المغني: (قال القاضي (أبو يعلى) ينفذ حكم من حكماه في جميع الأحكام إلا في أربعة أشياء: النكاح واللعان وحد القذف والقصاص؛ لأن لهذه الأحكام مزية على غيرها فاختص الإمام بالنظر فيها، ونائبه يقوم مقامه) (١) .
وقد لخص الماوردي رأي الشافعية في موضوع التحكيم فقسم آراءهم إلى ثلاثة أقسام قسم يجوز فيه التحكيم وهو حقوق الأموال وعقود المعاوضات وما يصح فيه العفو والإبراء، وقسم لا يجوز فيه التحكيم، وهو ما اختص القضاء بالإجبار عليه من حقوق الله تعالى، والولايات على الأيتام، وإيقاع الحجر على مستحقيه. وقسم مختلف فيه وهي أربعة أحكام هي: النكاح، واللعان، والقذف، والقصاص، وذكر أن في هذه الأحكام الأربعة وجهين، أحدهما: جواز التحكيم لوقوفها على رضا المختصمين، والثاني: عدم جوازه فيها؛ لأنها حقوق وحدود يختص بها الولاة. (٢) .
هذا مجمل ما انتهى إليه جمهور العلماء، وقد زاد عليهم المالكية أمورًا لا يجوز عندهم أن تكون موضوعًا للتحكيم، وهي القتل، إذا كان عقوبة للارتداد ولقطع الطريق (وذلك بجانب القتل قصاصًا) والولاء، والنسب والحبس (الوقف) المعقب، والطلاق والعتق، كما زاد بعضهم أيضًا فسخ الزواج، وإثبات الرشد وضده (السفه) وأمر الغائب، أما الحنابلة فقد صرح منهم صاحب كشاف القناع بأن حكم التحكيم ينفذ في كل الأمور من مال أو قصاص أو حد أو زواج أو لعان أو غيرها، ونقل بعضهم عن الإمام أحمد أنه يرى جواز التحكيم في كل ما يجوز للقاضي المولى أن يحكم فيه (٣) ، ورجح هذا الرأي بعض علماء الشافعية، ومنهم الشربيني الخطيب إذ قال في مغنى المحتاج: (والصحيح عدم الاختصاص؛ لأن من صح حكمه في مال صح في غيره، كالمولى من جهة الإمام) (٤) .
وقد نخلص مما تقدم أن ما رآه الجمهور من منع التحكيم في الحدود جميعها وفي القصاص واللعان قد قام على أسس قوية، وأن ما قاله المالكية من معيار المنع جدير بالتبني لمنطقه العقلي، ولعدم معارضة الكثير من الفقهاء الآخرين له صراحة، وهو يحمل في منع التحكيم في كل ما هو حق لله تعالى، وما استلزم الحكم فيه إثبات حكم أو نفيه من غير المتحاكمين ممن لا ولاية للحكم عليهم، أو ما اقتضى عظم قدره وخطره أن يعهد به إلى القضاء المولى دون غيره (٥) .
стр. 15511
٢٢- على أنه إذا طرق الحكم والمحتكمون موضوعًا لا يجوز التحكيم فيه، فقضى الحكم فيما ليس من شأنه، فإن حكمه لا ينفذ في رأي الجمهور، بينما يرى المالكية أنه إذا قضى فيما لا يجوز له الحكم فيه، فإن حكمه يمضي إن كان صوابًا، وليس لأحد الخصمين أو الحاكم نقضه، وإن خالف رأيه؛ لأن حكم المحتكم إليه يرفع الخلاف عندهم، وإن كان حكمه خطأ وترتب عليه إتلاف عضو فالدية على عاقلته، وإن ترتب على إتلاف مال كان الضمان عليه في ماله (١) ، وفي ذلك يقول ابن فرحون في التبصرة: (وحيث قلنا لا يحكم في هذه المسائل، فلو حكم فيها بغير الجور نفذ حكمه، وينهى عن العود لمثله، ولو أقام ذلك بنفسه فقتل أو اقتص أو ضرب الحد، أدب وزجر، ومضى ما كان صوابًا من حكمه، وصار المحدود بالقذف محدودًا، والتلاعن ماضيًا) (٢) .
ولا ريب أن رأي الجمهور في عدم نفاذ الحكم الصادر في موضوع محظور على التحكيم هو الرأي الأولى بالاتباع لقوة سنده، وهو ما اختارته أغلب نظم التحكيم الإسلامية، أما عن معيار المنع، فقد اختار كثير منها في أنظمتها الحديثة أن يجعل هذا المعيار هو: أن يكون الموضوع من المسائل التي لا يجوز فيها الصلح، ومن ذلك نظام التحكيم الكويتي (المادة ١٧٣ / ٣ من قانون المرافعات الكويتي) ونظام التحكيم السعودي (المادة الثانية) ، وقد مثلت المادة الأولى من اللائحة التنفيذية لهذا النظام الأخير لما لا يجوز فيه الصلح بالحدود واللعان بين الزوجين وكل ما هو متعلق بالنظام العام.
وهناك بلاد إسلامية أخرى آثرت أن تعدد صراحة ما هو محظور على التحكيم من موضوعات ومن ذلك ما جنحت إليه بعض نظم التحكيم في دول المغرب العربي، مثل تونس والمغرب والجزائر (٣) .
стр. 15512
٢٣ – أما فيما يتعلق بتدخل الشريعة في تحديد القانون الواجب التطبيق على التحكيم فمرجعه إلى أن الرضاء لا أثر له في ذلك – بحسب الأصل – فالقانون هنا هو شرع الله، رضي المتحاكمان أم لم يرضيا، طلبا ذلك أم لم يطلباه، وفي هذا يقول الإمام ابن تيمية: (فإذا تحاكم إليه اثنان في دعوى يدعيها أحدهما، فصل بينهما كما أمر الله ورسوله، وألزم المحكوم عليه بما حكم به، وليس له أن يقول: أنت حكمت علي بالقول الذي لا أختاره) (١) .
وليس في ذلك مجال للخلاف بين العلماء، فقد وردت بحكمه آيات كثيرة من كتاب الله الكريم منها قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آَمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا (٦٠) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا (٦١) ﴾ [النساء: ٦٠ – ٦١] ، وقوله سبحانه: ﴿يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ﴾ [ص:٢٦] .
غير أنه، ومع ذلك، وفي نطاق أحكام الشريعة الإسلامية – أيضًا – فإنه يجوز للمحتكمين أن يشترطا على الحكم أن يحكم بينهما على مقتضى مذهب معين، وذلك بشرط أن لا يكون المحتكم إليه – في ذاته – مجتهدًا اجتهادًا مطلقًا إذ لو كان كذلك، فإنه لا يجوز إلزامه بأن يحكم على خلاف ما يراه، أما إذا كان مجتهدًا في نطاق مذهب المالكية واشتراطا عليه ألا يخرج عن مذهب المالكية فإنه يجب عليه أن يتقيد بهذا الشرط فإن خرج لم يلزم حكمه، هذا وقد غلب على الزمن المتأخر الإلزام بمذهب معين – حتى للقاضي المولى – وذلك علاجًا لكثرة الخلاف وفساد الزمان، فضلًا عما فيه من توحيد الأحكام (٢) .
ولا يقتصر وجوب الاحتكام لشرع الله على الالتزام بالقواعد الموضوعية، بل إنه يتناول – كذلك – قواعد الإثبات التي يفرضها الفقه الإسلامي من بينة، وإقرار، ونكول عند حلف اليمين، فالخروج على هذا أو ذاك، يضم حكم المحكم بالبطلان، كما يضم حكم القاضي المولى بذلك إن هو خرج عليه (٣) .
стр. 15513
٢٤- فإذا تم الاتفاق على التحكيم اتفاقا واضحًا حدد نطاقه وأوضح شروطه، بما يتفق مع شريعة الله , ولا يخرج عليها، فإنه يرتب آثاره المنشودة، التي تتركز في أثرين رئيسيين، أحدهما سلبي والآخر إيجابي.
٢٥- فأما الأثر السلبي فيتمثل في تنازل الخصمين عن الالتجاء إلى القضاء العادي للفصل في المنازعة وذلك هو مقتضى اتفاقهما على حل منازعتهما عن طريق التحكيم، ولكن هل يشترط لتحقق هذا الأثر أن يكون تنفيذ التحكيم ممكنًا؟ على نحو ما هو مطبق فعلًا في أغلب نظم التحكيم دون نص، كما إذا توفي المحتكم إليه أو زالت صفته قبل إتمام مهمته، ولم يتفق الخصوم على غيره , ولا يسمح النظام للقضاء بأن يعين حكمًا بالنيابة عن الخصوم (١) .
الواقع أن هذا الشرط جدير بالتطبيق في النظام الإسلامي لأنه نابع من طبيعة نظام التحكيم ذاته، فالخصوم إنما منعوا أنفسهم عن القضاء رغبة في سلوك طريق آخر، فإذا انغلق باب هذا الطريق رجعت الأمور إلى نصابها، وعاد للقضاء حقه في الفصل في المنازعة، بصفته صاحب الولاية العامة والأصلية في هذا الشأن.
٢٦ – ومن ناحية أخرى فإن الاتفاق على التحكيم نفسه اتفاق غير لازم؛ لأنه يرتبط بإرادة الطرفين التي قام عليها، وهي معتبرة في لزومه كما هي معتبرة في أصله، ومن ثم فإن الإرادة التي أنشأته تملك – بصفة عامة – أن تعدل عنه.
وليس في تطبيق هذه القاعدة خلاف يذكر بين الفقهاء في حالة رجوع الطرفين عن التحكيم قبل الشروع فيه؛ لأن المحتكم إليه مقلد من قبلهما، فأشبه الوكيل الذي يجوز للموكل أن يرجع عن توكيله، ما دام لم يشرع في مباشرة التصرف الموكول إليه.
أما إذا كان الرجوع منها بعد صدور الحكم، فإن الجمهور لا يعتد به، إذ الحكم قد صدر من المحكم عن ولاية شرعية كاملة، فأشبه الصلح الذي لا يجوز الرجوع فيه بعد تمامه، كما أشبه حكم القاضي الذي لا يتأثر بمجرد عزله بعد إصداره.
فإذا كان الحكم قد شرع في التحكيم، ولما يصدر حكمه بعد، فقد قال المالكية وفريق من الحنابلة: لا يجوز للمتحاكمين الرجوع في التحكيم؛ لأن الرضا لا يشترط دوامه حتى الحكم، فإذا أقاما البينة عند الحكم، ثم بدا لهما الرجوع عن التحكيم فلا يقبل منهما ذلك وإلا بطل المقصود من التحكيم.
стр. 15514
وقالت الشافعية - فيما صح من مذهبهم – وبعض الحنفية والحنابلة: يجوز الرجوع ولو بعد إقامة البينة، ذلك أن الرضا هو المثبت للولاية، فإذا زال زالت الولاية، كالقاضي إذا عزله الوالي، امتنع عليه الحكم لعدم الولاية.
هذا كله عن رجوع الخصمين، كليهما عن التحكيم، أما رجوع أحدهما وحده مع بقاء الثاني على الاحتكام للحكم الذي اختاره من قبل، فيرى فريق من العلماء، منهم العلامة ابن الماجشون من المالكية، أنه لا يجوز؛ لأن التحكيم من باب الولاية، وهي تختص بالحكم على الخصمين بخلاف ما يرضيانه، هذا إلى جانب ما قاله بعض المالكية من أن الخصم أوجب لخصمه – في قبوله التحكيم – حقًّا في الفصل في المنازعة عن هذا الطريق، وبالتالي لا يجوز له الرجوع إلا برضا هذا الخصم (١)
٢٧- ذلك عن الأثر السلبي للاتفاق على التحكيم أما الأثر الإيجابي فيتمثل في فض الخصومة على يد المحكم الذي اختاره الطرفان، وفي النطاق الذي اتفقا عليه، وفي حدود ما أوجبته الشريعة الإسلامية من قواعد موضوعية وإجرائية، فإذا ما انحرف التحكيم عن هذا الاتجاه، بعناصره السابقة، فإن القضاء يكون له بالمرصاد، إذا ما ترافع إليه أي من الطرفين للنقض أو التنفيذ.
أما إذا التزم التحكيم جادة الطريق، فإنه لا ينقض حتى يؤتي ثمرته وهي الحكم الفاصل في الخصومة، وذلك ما لم تنقض المدة المحددة دون حكم، أو يتفق الخصوم على العدول عنه في الحالات التي يجوز فيها ذلك، أو يعزل المحتكم إليه نفسه، بإعلان رغبته في عدم المضي في التحكيم، أو يفقد أهلية.
стр. 15515
الفصل الثالث
المحتكم إليه
٢٨- تعتبر شخصية المحتكم إليه عنصرًا رئيسيًّا في التحكيم، فقد قبل المحتكمون حكمه من قبل أن يصدره، ثقة منهم في حسن تقديره وعدالته، ولذلك فإنه يجب أن يكون اختياره بإرادتهما، أو على الأقل بناء على هذه الإرادة، وأن يقبل هو أداء المهمة الموكولة إليه، إذ لا يملك المحتكمون ولاية إجباره على القيام بما عهدوا إليه به، وأن يكون – هو – أهلًا لذلك، حتى يمكن أن يكون لحكمه من الاحترام ما يسمح للقضاء بأن يقره ولا ينقضه، أن ينفذه ولا يهدره، في الحالات التي تسهم فيها سلطة الدولة في تنفيذ حكم صدر عن شخص لم تختره، وليست له ولاية عامة تساند ما قضى به.
وإذا كانت نقاط البحث التي تدور حول المحتكم إليه من أهميتها، تلتقي في كثير من عناصرها ما أفاض فيه علماؤنا الأفاضل بشأن القاضي المولى، فإنه قد يحسن الاقتصار – في هذا البحث – علي أهم ما يتميز به المحتكم إليه، وعلى الأخص ما يترتب على تغلغل الرضائية في توليته، وانعكاس ذلك على أهليته وعلى سلطته من ناحية، ومدى تدخل الشريعة الإسلامية – من ناحية أخرى – لتصحيح مسار الإرادة في هذا الشأن.
٢٩ – ومن أبرز الآثار المترتبة على الرضائية والمتصلة بشخصية المحتكم إليه، أنه يجب أن يكون معينًا، إذ إن المتحكمين – كما سبق القول – إنما يحتكمان إلى من يثقان في تقديره وعدالته، ومن ثم فلو كان مجهولًا فإنه لا يتصور تحقق هذه الثقة، كما إذا اتفقا على شخص معين، ثم تبين أنه غير الذي قصداه.
وإذا كان الأصل أن يكون تعيين المحتكم إليه بالاسم، فإن تحديده بالصفة لا يحول دون صحة التحكيم، طالما أنه يكشف عن اختيار المحتكمين لشخص محدد لا تنطبق أوصافه على غيره، كما لو اختارا إمام المسجد أو مفتي المدينة، وكان الإمام أو المفتي واحدًا، بل إنه يجوز لهما أن يختارا قاضي البلدة حَكَمًا، وفي هذه الحالة يستمد ولايته منهما، لا من الإمام، فلو عزله الإمام عن القضاء لا يؤثر ذلك على سلطته في التحكيم (١)
стр. 15516
وليس للاتفاق على الشخص المحتكم إليه شكل معين، فيجوز أن يكون بالكتابة أو غيرها، وينطبق على ذلك القواعد التي سبق إيرادها بشأن الاتفاق على التحكيم ذاته، فإذا ترافع الطرفان – مثلًا – لمحتكم معين فإن ذلك يعد تعيينًا له، كما إذا ارتضيا التحكيم، واختارا أحدهما محكمًا، فترافع أمامه الثاني دون تحفظ، أو اتفقا على اثنين، ليفصل أحدهما في المنازعة ولم يحدداه في الاتفاق، وترافعا لأحدهما فعلًا.
فإذا لم يتفق الطرفان على شخصية الحكم، مع اتفاقهما على التحكيم، فإنه يجوز لأي منهما أن يرفع الأمر إلى القاضي ليختار شخصية المحتكم إليه، إذ ذلك لا يعدو أن يكون منازعة من المنازعات التي يختص بها القاضي بحكم ولايته العامة، وهو يملك وضعه الحل المناسب لها ما بقى الطرفان مصرين على التحكيم، وذلك بتعيين الحكم الذي يتفق مع إرادتهما المشتركة، وفق ما يكشف عنه اتفاقهما صراحة أو ضمنًا وطالما أن هذا الاتفاق لا يدل على أن الطرفين لم يجعلا من تحديد شخصية المحتكم إليه بأنفسهما شرطًا لصحة التحكيم.
ولا يقال: إن تدخل القضاء في هذه الحالة ينزع عن التحكيم طابعه الرضائي ويتعارض مع الفكرة الأساسية في نظام التحكيم ذاته، وهي تحقيق ثقة الخصوم في المحكمين (١) ، بفرض شخصية المحتكم إليه فرضًا من القضاء، لا يقل تعقيبًا؛ ذلك لأن في استطاعة المحتكمين – إذا لم يريدا ذلك – أن يجعلا من تعيين المحكمين في شرط التحكيم أو في مشارطته، شرطًا لصحته بحيث يبطل إذا انتقى هذا الشرط، أما وقد سكتا، وظلا على رغبتهما في التحكيم، فإنه لا مفر من تدخل القضاء إذا ترافع إليه أحدهما، فذلك واجبه، وتلك وظيفته (٢) ، وهو هنا يسعى إلى تدعيم التحكيم برفع عقبه، وأثبت العمل أنها تؤدي إلى فشله في أحيان كثيرة، وليس في عمله اعتداء على إرادة الطرفين أو كليهما، إلا بالقدر الذي يعتبر وفاء بالتحكيم الذي تعاقدا عليه، لا سيما إذا كان النظام الذي يستظلان به ينص على حق القضاء في ذلك، كما يفعل نظام التحكيم السعودي حين ينص في المادة العاشرة منه على أنه: (إذا لم يعين الخصوم المحكمين أو امتنع أحد الطرفين عن تعيين المحكم أو المحكمين الذين ينفردون باختيارهم أو امتنع واحد أو أكثر من المحكمين عن العمل، أو اعتزله أو قام به مانع من مباشرة التحكيم أو عزل عنه، ولم يكن من بين الخصوم شرط خاص، عينت الجهة المختصة أصلًا بنظر النزاع من يلزم من المحكمين، وذلك بناء على طلب من يهمه التعجيل من الخصوم ...) .
стр. 15517
٣٠- ولا بأس من تعدد الحكام، استرشادًا بما نص عليه الكتاب الكريم في شأن النزاع بين الزوجين أو صيد الحرم، غير أنه لا يشترط في هذه الحالة ما تشترطه أغلب النظم الوضعية من أن يكون العدد وترًا، فيجوز أن يكون شفعًا، كأن يختار كل من الخصمين حكمًا أو اثنين أو أربعة، أو يختار كل منهما واحدًا، ويعين المختاران ثالثًا (وهو ما يطلق عليه اسم: الحكم المرجح في النظم الوضعية) ، على أنه في حالة التعدد، فإنه يجب أن يكون الحكم صادرًا بالإجماع؛ لأن المحتكمين إنما رضوا بحكم المحكمين لا بحكم واحد منهم أو بعضهم، وذلك ما لم يأذنوا للحكام بأن يقضوا بالأغلبية، أو كان النظام الذي يحتكمون في ظله يجيز ذلك، وفي هذه الحالة يتطلب النظام عادة أن يكون العدد وترًا حتى يتسنى صدور الحكم دون حاجة إلى وجود حكم مرجح. (١) .
٣١- على أن الحكم، فردًا كان أو متعددًا، لا يجبر على قبول التحكيم، إذ لا يملك الأفراد إجباره عليه، وإنما مصدر التزامه به هو التقاء إرادته مع إرادة الطرفين المتخاصمين، بكل ما حوته هذه الإرادة الأخيرة من تفصيلات تتصل بموضوع التحكيم أو زمانه أو مكانه، أو ما قد يكون عليه من قيود أخرى لا تتعارض مع القواعد الواجبة التطبيق في الشريعة الإسلامية.
وإذا كان التحكيم عقدًا غير لازم بالنسبة لطرفيه، في الحدود التي سبق إيضاحها فإنه – أيضًا – غير لازم بالنسبة للمحتكم إليه، فيستطيع أن يعزل نفسه عنه في أي وقت، طالما لم يصدر حكمه بعد، ولا يستطيع المحتكم – بحسب الأصل – أن يحول بينه وبين ذلك بدعوى أن له حقًّا مكتسبًا تولد بقبوله التحكيم؛ وذلك لأن انعزال الحكم – كقاعدة عامة – لا يضر بالمحتكم، إذ هو يرده إلى الطريق العادي لفض الخصومات، وهو طريق القضاء، وذلك إذا لم يتراض الخصمان على حكم آخر، غير أن الانعزال – مع ذلك – لا يؤتي ثماره إلا بعلم المحتكم، مثله في ذلك مثل عزل الوكيل نفسه، فإنه لا ينعزل حتى يعلم الموكل بالعزل.
стр. 15518
ولا يعد تراخي الحكم في أداء المهمة المعهود بها إليه عزلًا لنفسه، بعد قبوله، ما دام في حدود المهلة المحددة له، إذا كانت هناك مدة لذلك يحددها الاتفاق أو العرف أو النظام الذي يستظل به التحكيم، ولا يعد مجرد سفر المحتكم إليه، أو حبسه أو غيابه عن البلدة، عدولًا ضمنيًّا، عن قبوله التحكيم فإذا عاد من سفره أو خرج من حبسه أو آب من غيبته، فإنه يكون على حكومته
ولا يجوز للمحتكم إليه، يستخلف غيره في نظر النزاع؛ لأن رضاء المحتكمين إنما انصب عليه دون غيره، فإذا استخلف – على خلاف ذلك – وحكم الحكم المستخلف، لا ينفذ حكمه إلا إذا أجازه الطرفان؛ لأن الإجازة بمنزلة الإنشاء، فتصح حكومة المستخلف، ما لم يعتورها عيب آخر، كأن يكون غريمًا للصبي الذي احتكم وليه، فإن حكمه لا ينفذ في هذه الحالة حفاظًا على مصلحة الصغير.
٣٢- وإذا كان من المقرر في الفقه الإسلامي أن الأصل العام أنه يشترط في المحتكم إليه ما يشترط في القاضي المولى (١) إلا أن اختيار المحتكم إليه بإرادة الطرفين، وبناء على ثقتهما فيه، وذلك ليحكم في أمور حدداها سلفًا، ولا يكون لحكمه أثر يتعدى إلى غيرهما، كل ذلك من شأنه أن يترك بصماته على الشروط التي يجب توافرها في المحتكم إليه، فيخفف من بعضها، إعلاء لعوامل الثقة على عوامل الكفاءة، فيجبر رضاء الطرفين عن المحتكم إليه بعض ما قد يلحقه من نقص، وتصبح حكومته مع ما يعتورها من مثالب لو تحققت في القاضي المولى لم يصح معها قضاؤه.
هذا إلى جانب أن بعض الفقهاء الإسلاميين – بالقياس إلى ما يراه غيرهم – يترخصون في شروط القاضي، وبالتالي فإنهم من باب أولى –يترخصون في شروط المحتكم إليه؛ لأنه أدنى منه درجة، وقد حاز رضا الطرفين وثقتهم كما أن بعضًا من هؤلاء الأفاضل يغلبون جانب المصلحة على جانب الشكل في بعض الحالات، فيرون إمضاء حكم المحتكم إليه، الذي يفتقد بعض الشروط، ما دام قد حكم فعلًا، استجابة لرضا الطرفين به، وهو غير صالح – في الأصل – للحكومة.
стр. 15519
ولا ريب أن ما سبقت الإشارة إليه لا يتناول إلا بعضًا من شروط المحتكم إليه؛ ذلك لأن هناك من الشروط ما لا يقبل الخلاف، وذلك كشرط الإسلام في الحكومة بين المسلمين، فلم يقل أحد يعتد برأيه بأنه يجوز تحكيم غير المسلم في المنازعات بين المسلمين، أما ما عدا ذلك من الشروط فإن معظمها قد اختلف فيه العلماء، بما يبسط أمام الطرفين مجال التطبيق، ويمنح ولي الأمر سعة في اختيار الرأي الذي يستلزمه المصلحة، ما دام قد ارتاح إلى دليله، وذلك إذا تبنى ما تطبقه أغلب البلاد الإسلامية - حاليًا – من عدم الالتزام – التزامًا مطلقًا – بمذهب معين من مذاهب الفقه الإسلامي.
وعلى هدي ما تقدم، فإنه يمكن – على الرأي السائد في الفقه الحنفي – أن يرتضي الطرفان تحكيم الفاسق أو الجاهل أو تحكيم المرأة؛ لأن كلًّا من هؤلاء تجوز توليته القضاء، فيصبح – من باب أولى – أن يكون حكمًا، فإذا حاز الفاسق ثقة المتحاكمين، وهما يعلمان سبب فسقه، فإن حكومته صحيحة؛ لأنه أهل للشهادة من ناحية، ولأن العدالة شرط كمال، وليست شرط تولية (١) ، مثلها في ذلك مثل العلم بفقه المسألة، فالجاهل إذا تولى التحكيم واسترشد بالعلماء صحت حكومته.
وإذا احتكم المحتكمان إلى امرأة فيما تجوز شهادتها فيه كغير الحدود والقصاص، وحكمت، نفذ حكمها؛ لأن قضاءها في ذلك ينفذ، مع خلاف في جواز توليتها – في الأصل – أو عدم جواز ذلك (٢)
ومن زاوية أخرى فإنه على الرأي السائد في مذهب المالكية، فإنه لا يشترط لصحة تولية المحتكم أن يكون سليم الحواس، فتصح حكومة الأعمى، والأخرس، والأصم وينفذ قضاؤه (٣) .
стр. 15520
ويرى المالكية – كذلك – أنه لو حكم أحد الخصمين خصمه فحكم لنفسه أو عليها مضى حكمه، ما لم يكن جورًا، وذلك على خلاف الحكم بالنسبة للقاضي المولى الذي يقوم التحاكم إليه على نوع من الإجبار، فلا تزول التهمة، وبالتالي لا يصح حكمه لنفسه (١) .
ففي الحالات السابقة وأمثالها يسوغ احترام إرادة المتحاكمين؛ لأنها لا تصطدم بالنص ولا بالعقل، في رأي من سمح بهذا من الفقهاء، أما حين تصطدم بالنص كافتقاد المحتكم إليه شرط الإسلام في حكومة من المسلمين فإنه لا يصح تحكيمه لمخالفة هذا لقوله تعالى ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ [النساء: ١٤١] وكذلك حين تصطدم بالعقل، كما إذا حكما مجنونًا أو صبيًا غير مميز؛ لأن كلا منهما لا ولاية له على نفسه، حتى تكون له ولاية على غيره، فتحكيمهما نوع من العبث لعدم استطاعتهما فهم خطاب الشارع الذي يتعين عليهما تطبيقه على المنازعة المعروضة.
٣٣ – ذلك هو جانب من أثر الرضائية على شروط المتحكم إليه، أما أثره على سلطته، فإنه وإن كان من المسلم به أن رضاء الطرفين بالتحكيم وبالمحتكم إليه هو مصدر سلطة هذا الأخير، بصفة رئيسية، إلا أنه كما سبق القول، ليس هو مصدرها وحده، فالشرع هو الذي سمح لهذه الإرادة بأعمال أثرها، بما جاء فيه من أدلة على مشروعية التحكيم، وهو في الوقت نفسه الذي حدد أثر هذه الإرادة، فلم يسمح لها أن تستطيل إلى تحديد حكم الله، أو تتعدى في تطبيقه على الواقعة المعروضة، وفي ذلك ينبه القرآن الكريم من يحكم في منازعات الناس بقوله سبحانه: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ (٤٩) أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (٥٠) ﴾ [المائدة ٤٩ – ٥٠] .
стр. 15521
فالمحتكم إليه يبحث عن حكم الله دون النظر إلى صالح الطرفين ولا إرادتهما،؛ لأن عمله في هذا الشأن هو عمل القاضي، فكما أن القاضي لا يتقيد في حكمه برأي من ولاه فكذلك المحتكم إليه لا يسعى إلى إرضاء الطرفين بتتبع إرادتهما والحكم على مقتضاها، والقول بغير هذا، ينأى بالتحكيم عن غرضه، وهو الحكم بما أنزل الله، ويجعله وسيلة لاتباع الهوى غير جدير بالاعتبار ويجرده مما اقتضى أن تتدخل الدولة، فتلزم المحكوم عليه بالتنفيذ جبرًا، كما تلزم المحكوم عليه بقضاء القاضي وفي الحدود التي يحق فيها ذلك.
ولا يطعن على ذلك بأن إرادة الطرفين هي أساس التحكيم وأساس ولاية المحتكم إليه، فقد فسر ذلك الحنفية بما قالوه من أن تحكيم الحكم في الخصومة يشبه الوكالة من وجه، ويشبه حكم القاضي من وجه آخر، في المرحلة السابقة على إصدار الحكم، يكون المحتكم إليه في موقف الوكيل، فهو لا ينظر إلا النزاع الذي قبل المحتكمان نظره، وفي النطاق الذي حدداه، ولهما حق عزله، كما أن الوكيل لا يباشر من العمل إلا ما وكله فيه الموكل، وفي حدود ما وكله، وطالما لم يعزله قبل مباشرة العمل الموكول إليه.
فإذا تجاوز المحتكم إليه هذه المرحلة إلى مرحلة إصدار الحكم، اختلف وضعه، فلم يصبح في موقف الوكيل، وإلا ما جاز له أن يحكم بحكم ملزم للطرفين؛ لأن التوكيل لا يجوز إلا فيما يملكه الموكل، والخصم لا يملك إلزام خصمه بما يراه فيما يتنازعان فيه، فكذلك لا يملك تفويض غيره في ذلك وإنما موقف المتحكم إليه في هذه المرحلة هو موقف القاضي الذي ينزل حكم الله على الواقعة، ولا يكاد يختلف عنه إلا في الحدود التي يحق للطرفين تفويض المحتكم إليه فيها بشأن من الشؤون التي يملكان التنازل عنه، كتفويضه في الصلح فيما يجوز فيه، إذ مقتضى ذلك أنه يجوز للمحتكم إليه أن يلزم كلًّا من الخصمين بالتنازل عن بعض حقه، تنسيقًا لحقوقهما والتزاماتهما المتقابلة التي فوضاه في الصلح بشأنها (١)
стр. 15522
الفصل الرابع
حكم التحكيم
٣٤ – حكم التحكيم هو النتيجة المستهدفة من نظامه وفق المجريات العادية للأمور، فإذا اتفق الخصمان على التحكيم، وارتضيا محكمًا تتوافر فيه الأهلية المطلوبة، وكانت منازعتهما من الموضوعات التي يجوز فيها التحكيم، وأنزل عليه الحكم شرع الله، فقد أشرف التحكيم على غايته، بل وانقضى بصدور الحكم الذي كانت تلك الإجراءات من أجله، فانتهت بذلك مهمة الحكم وأصبح كآحاد الناس لا ولاية له على الموضوع، وبالتالي فلا يملك الرجوع عما قضى به، بإلغائه أو بحكم للخصم الآخر؛ لأن الحكومة قد تمت بالقضاء الأول، فكان قضاؤه الثاني باطلًا (١)
على أن انقضاء التحكيم بصدور الحكم، لا يمنع ولي الأمر – في تنظيمه للتحكيم – أن يمنح المحتكم إليه حق تصحيح ما وقع في حكمه من أخطاء مادية بحتة، كتابية أو حسابية، أو يقر له بسلطة إصدار تفسير لما وقع في منطوق حكمه من غموض أو إبهام، وذلك على نحو ما انتهجه نظام التحكيم السعودي الجديد ونص عليه في المادتين ٤٢،٤٣ من اللائحة التنفيذية.
وما دام التحكيم قد اتخذ وسيلة لإنهاء النزاع الذي عجز الطرفان عن حسمه رضاء بأنفسهما، فإن صدور الحكم يستتبع التزام الطرفين به، وإلا ففيم كانت هذه المعاناة؟ وقد كان في وسع الطرفين لو أرادا معرفة حكم الله دون التزام بالتنفيذ، أن يلجأ إلى طريق الفتوى، فالمستفتي إذا لم يعمل بما أفتي به، وسعه أن يستفتي مفتيًا آخر ويعمل بما يفتيه (٢) .
стр. 15523
وعلى ذلك استقر جمهور الفقهاء (١) ، فقالوا بلزوم حكم التحكيم دون حاجة إلى رضاء جديد ممن حكم عليه، وذلك استنادًا إلى أن الحكم صدر عن ولاية شرعية، ولم يخرج عن نطاقها، ومن ثم فقد تعين الالتزام به؛ لأن من جاز حكمه لزم حكمه كالقاضي المولى (٢) ؛ ولأن المحتكم إليه كالوكيل، إذا تضرر في حدود وكالته، فإن تصرفه يلزم الموكل دون حاجة إلى رضاء جديد منه، هذا إلى جانب أن القول بغير هذا، يفرغ التحكيم من مضمونه، ويؤدي إلى فوات الحكمة من مشروعيته، فلن يكون وسيلة لسرعة الحسم، وإنما طريقًا إلى المماطلة بالحق، وإطالة أمد الخصومات دون مبرر، إذ سيكون على الطرفين – بعد أن حسم التحكيم نزاعهما – أن يترافعا إلى القاضي المولى – ويطرحا عليه منازعتهما ويتجادلا أمامه فيها، وكأن شيئًا لم يكن، وهذا بالإضافة إلى أن عدم الالتزام بحكم التحكيم لم يكن طريق السلف، فقد روى الشعبي أن امرأة نشزت على زوجها، فاختصما إلى شريح، فقال: ابعثوا حكمًا من أهله وحكمًا من أهلها، فنظر الحكمان في أمرهما، فرأيا أن يفرقا بينهما، فكره الرجل ذلك، فقال شريح: ففيم كان اليوم وأقر رأي الحكمين بالتفريق دون أن يجعل لعدم رضا الزوج أثرًا على لزوم حكم المحكمين (٣)
٣٥- فحكم التحكيم – إذن – ملزم وفقًا لرأي الجمهور – المدعم بأسانيدهم العقلية القوية، فإذا قبل المحكوم عليه تنفيذه باختياره فقد أوفى بعهده ونفذ عقده، امتثالًا لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: ١] ، وإن لم يقبل تنفيذ ما قضى به عليه، فلا وسيلة لإجباره غير الالتجاء إلى القضاء؛ ذلك لأن المحتكم إليه لا يملك الأمر بالتنفيذ لخروجه عن نطاق التحكيم، ولأن الإجبار على التنفيذ لابد وأن يستند إلى ولاية عامة، وذلك ما يفتقده المحتكم إليه.
واختصاص القاضي المولى بمنازعة حكم التحكيم نابع من اختصاص بجميع المنازعات دون استثناء، ما دام ولي الأمر لم يخصصه بزمان أو مكان أو بحادثة محددة، فإن خصصه وأدى هذا التخصيص إلى خروج منازعة التنفيذ هذه من اختصاصه، كان علي ولي الأمر أن يولي قاضيًا آخر لهذه المنازعة، إذ لا يعرف الفقه الإسلامي منازعة لا قاضي لها.
стр. 15524
وإذا كان القاضي المولى ليس له أن ينظر أي دعوى إلا إذا حضر إليه خصم فيها يستعديه، ويطلب منه الحكم في قضيته، فإنه لذلك يجب أن يلجأ إليه أحد الخصوم في دعوى التحكيم يستعديه على خصمه، ويطلب من القاضي أن يقضي له بتنفيذ حكم التحكيم، إذا كان قد صدر الحكم لصالحه، أو يطلب منه الحكم بعدم صحة هذا الحكم إذا كان قد صدر ضده، وذلك حتى لا يظل سيفًا مصلتا على رقبته، والقاضي في كلا الحالتين، عليه أن يتحقق من صحة حكم التحكيم، في إجراءاته وموضوعه، فيثبت من رضا الطرفين بالتحكيم، وبالحكم، ومن أن المحتكم إليه يتمتع بالأهلية الواجبة، ولم يخرج عما فوض إليه الحكم فيه، كما لم يخالف شرع الله فيما حكم فيه.
وليست هناك شكلية محددة تلزم القاضي لكي يتحقق من تراضي الطرفين على التحكيم، ومن صدور الحكم، ومن تفصيلات ما قضي به، فليست الكتابة مطلوبة لشيء مما ذكره، كما أن الإشهاد ليس واجبًا، غير أن الإثبات قد يعز في بعض الحالات، فينكر أحد الطرفين أنه كان قد رضي بالتحكيم أو بالحكم، أو ينكر صدور الحكم كله أو جزئية من جزئياته، ولذلك فقد يكون الإشهاد مفيدًا في إثبات التحكيم وإثبات الحكم، لا سيما وقول المحتكم إليه لا يقبل في إثبات رضاء الطرفين من تحكيمه بينهما؛ لأن قوله في هذه الحالة ينطوي على إدعاء ولاية لنفسه على المحتكمين، فإذا أنكراها أو أنكرها أحدهما، فلا يكفي قول المحتكم إليه في إثباتها، أما إجراءات التحكيم، أو ما ثبت لديه قبل إصداره الحكم، أو صدور الحكم ذاته، فإنه وإن كان قول المحتكم إليه مصدقًا في ذلك، إلا أن شرطه يصدر عنه هذا القول قبل انتهاء ولايته بإصدار الحكم، فإن انقضى التحكيم فلا ولاية له، ولا بد من الإثبات بالطرق المقررة شرعًا، ولا يكفي مجرد إجباره؛ لأنه لا يملك إنشاء ما يقربه بعد انتهاء ولايته، فلا يملك الإقرار به، وإخباره يعتبر شهادة على فعل نفسه لا يبرأ من التهمة. (١)
стр. 15525
٣٦ – والأصل أن سلطة القاضي على حكم التحكيم من الناحية الموضوعية لا تختلف عن سلطته على قضاء القاضي المولى إذا رفع إليه، وذلك على رأي الجمهور، فالحكم إذا خالف نصًّا من الكتاب أو السنة، أو إجماعًا، أو قاعدة واجبة الإعمال فإنه ينقض، سواء أكان حكمًا صادرًا من قاض مولى أو من محتكم إليه، إذ لا حجية في مخالفة الشرع، ولا اجتهاد فيما لا يجوز الاجتهاد فيه (١)
أما إذا كان الحكم صادرًا فيما يجوز فيه الاجتهاد، ففي رأي الجمهور لا يجوز نقضه، سواء أكان حكمًا لقاض أم لمحتكم إليه، وسواء أوافق اجتهاد القاضي الذي ينظره أم خالفه (٢) ؛ ذلك لأن الاجتهاد لا ينقض بمثله وإلا لتوالى نقض الأحكام وعز الاستقرار وغلبت الفوضى، على نحو ما يشرحه الإمام الغزالي في كتابه (المستصفى) (٣)
ويرى الحنفية أن حكم المحتكم إليه يختلف في حجيته عن حكم القاضي إذا صدر في المواضع التي يجوز فيه الاجتهاد؛ ذلك لأن حكم التحكيم إذا صدر في ذلك ورفع أمره إلى القاضي، فإن وافق اجتهاده أمضاه، لا لأنه واجب الإمضاء لذاته وإنما لأنه لا فائدة من نقضه، ثم إبرامه على نفس الوجه، أما إذا كان يخالف رأي القاضي فإن له أن يفسخه فلا ينفذ، وقالوا في تعليل ذلك، إن حكم التحكيم بمثابة العقد الموقوف على إجازة القاضي، فيملك القاضي فسخه، كما أن التحكيم لا ينفذ إلا في مواجهة من رضي به، ولذلك صح تنفيذه بين الخصوم، أما القاضي فلأنه لم يرض به، فإنه لا يلزمه ورضاهما بحكمه لا يكون حجة الإلزام في حق القاضي (٤) ، وهذا كله لا يتحقق في قضاء القاضي المولى، فإن الرضا به ليس شرطًا لتنفيذه، لاستناده إلى ولاية عامة تشمل القاضي الذي عرض عليه الحكم، فلا ينقض إلا إذا خالف النص أو الإجماع أو كان قولًا لم يقل، من يعتد به من المجتهدين.
стр. 15526
ولا ريب أن ما يسند إليه الحنفية لا يحمل رأيهم المناقض لرأي الجمهور؛ ذلك لأن اعتبار الحكم بمثابة العقد الموقوف على إجازة القاضي، يوجب رفعه إليه دائمًا، ولا يستساغ القول بأنه نافذ في علاقة الطرفين دون حاجة إلى عرضه على القاضي لإجازته، أما اشتراط رضاء القاضي بالتحكيم حتى يجب عليه أن ينفذ الحكم، فغير مقبول؛ لأن الرضا مطلوب من أطراف الخصومة، والقاضي ليس طرفًا فيها.
على أنه إذا كان الأصل – لدى الجمهور – أن سلطة القاضي المولى على حكم المحكمين لا تختلف عن سلطته على حكم قاض آخر، فإن الأمر في التحكيم قد يتطلب بعض التأمل؛ ذلك لأنه – خروج على الأصل العام – فإن للطرفين أن يختارا للتحكيم في منازعتهما من يفتقد بعض الشروط التي يراها جمهور الفقهاء ضرورية للقاضي المولى، كالمحكم الفاسق أو الجاهل الذي يستشير، أو غير سليم الحواس، وعلى التفصيل السابق بيانه في الكلام عن المحتكم إليه، هذا السماح – إن أخذ به كليًّا أو جزئيًّا – يقتضي – في نظرنا – أن يخول القاضي حق تصفح أحكام المحكمين للتحقق من أنه لا يشوبها خطأ مؤثر، ولو لم يبلغ درجة الجور البين، وذلك بجانب ما هو مطالب به من التحقق من أنها لا تخالف نصًّا قطعيًّا في الكتاب أو السنة، كما لا تخالف إجماعًا ولا قياسًا جليًّا، وليس في هذا افتئات على إرادة الطرفين، فهي على احترامها وتقديرها، ما دام الأمر لا يتعدى أمر التنفيذ الاختياري، أما إذا أريد استعمال سلطة الدولة في التنفيذ جبرًا، فإن من حق الدولة أن تتحقق من أنها لا تجبر أحد على تنفيذ أمر مشوب بخطأ بين إذ الإعانة على الظلم، ظلم.
غير أن ذلك لا يجوز أن يخرج قضاء التنفيذ عن ظاهر الأمور، فالأصل حمل القضاء على المصلحة ما لم يثبت الجور (١) . ومقتضى هذا أنه يفترض – بحسب الأصل – أن المحتكم إليه قد استوفى الشروط المطلوبة، فإذا ادعى أحد طرفي التحكيم أن المحتكم إليه يشوبه فسق لم يكن يعلمه، أو أنه موصوم بجهل لم يتداركه بمشاورة أهل العلم، وفق ما كان متفقًا عليه واكتفى بالحدس والتخمين، فإن على من يدعي ذلك أن يقدم الدليل عليه، وإلا حق الالتفات عن مطاعنه إذا لم تظاهرها ظروف الدعوى وملابساتها.
стр. 15527
وإذا كان تصفح أحكام القاضي المولى في نظر شق غير قليل من رجالات الفقه الإسلامي واجبًا، إذا كان جاهلًا أو فاسقًا أو نحو ذلك (١) ، فإن الأخذ بهذا – في شأن التحكيم – أولى عند إضفاء ولاية الإجبار على الحكم.
٣٧- وفيما عدا ما سلفت الإشارة إليه، فإن حجية حكم التحكيم – لدى الجمهور – هي كحجية حكم القاضي، لا تكاد تختلف عنها إلا في أمرين اثنين:
أولهما: أن جمهور الفقهاء يرون أن حكم القاضي المولى يسري على الكافة في بعض الدعاوى وهي دعاوى الحرية والنسب والنكاح والولاء، على خلاف في تفصيلات ذلك، وهذا لا ينطبق على حكم التحكيم لقصور ولايته على من رضي به، ولعدم استناده إلى ولاية عامة تسمح بتعدية الحكم إلى غير الخصوم في الحالات التي تقتضي ذلك، هذا إلى جانب أن معظم الفروع التي تنبثق عن الدعاوى الأربع السابقة لا تصلح أن تكون موضوعًا للتحكيم وفقًا لرأي الغالبية العظمى من فقهاء الشريعة الإسلامية.
ثانيهما: أنه إذا اشتمل حكم القاضي المولى على قضاء ضمني، فإنه يحوز الحجية كالقضاء القصدي، فالقضاء على الكفيل بالدين هو – بصفة عامة- قضاء على الأصل به – والقضاء بالدية على القاتل – هو قضاء على العاقلة عند من يرى وجوب القضاء بالدية أولًا على القائل ثم تتحملها العاقلة.
أما بالنسبة لحكم التحكيم فإن حجية القضاء الضمني فيه مقصورة على الخصوم الماثلين في الدعوى، ولا تتعدى إلا غائب – بحسب الأصل – فإذا لم يرض المدين الأصيل بالتحكيم، فالحكم الذي يصدر على الكفيل لا حجية له عليه، وإذا صدر حكم التحكيم على القاتل فلا حجية له على العاقلة التي غابت عن التحكيم ولم تختصم فيه، حتى في الحالات التي يجب فيها الحكم على القاتل أولًا.
стр. 15528
الفصل الخامس
التحكيم عند اختلاف الدين أو الدار
أ- التحكيم في منازعات غير المسلمين في الدولة الإسلامية:
٣٨- في داخل الدولة الإسلامي، ينشر الإسلام سلامه على أفراد الدولة جميعهم، من آمن منهم ومن كفر، لا يفرق بين أحد منهم، فالجميع متساوون في الحقوق وفي الواجبات سواء أكانوا من المؤمنين الذين آمنوا بالله وبرسالة نبيه محمد ﷺ ، أم كانوا من الذميين الذين سمح لهم بممارسة شعائر دينهم تحت حماية الدولة، وكان لهم حقوق المسلمين وعليهم واجباتهم، أم كانوا من المستأمنين الذين يقيمون في الدولة بصفة مؤقتة ويستظلون بأمانها، فيكونون بمنزلة أهل الذمة في ديارنا طوال فترة إقامتهم (١) .
غير أن هذه المساواة تهدر الآثار التي قد تنشأ عن طبيعة الطائفة التي ينتمي إليها الرعية، فمن ينتسب إلى المسلمين مكلف – وحده – بالزكاة مثلًا، ومن يتمني إلى الذميين مطالب دون غيره بالجزية، ومن هم من المستأمنين يجب عليه تنفيذ ما التزمه في عقد الأمان، ولا شأن لغيره في ذلك.
ومن ناحية أخرى، فإن هذه المساواة لا تتعارض مع ما قد تتطلبه بعض الوظائف أو الأعمال من اشتراطات خاصة، فإذا استلزمت بعض هذه أو تلك، شروطًا معينة لا تتوافر إلا في طائفة من هذه الطوائف أو في بعض من الطائفة، فإن تخصيصها بذلك لا يعد إهدارًا للمساواة أو افتئاتًا على حقوق الآخرين.
فوظيفة القضاء مثلًا، تستلزم فيمن يعهد به إليه صفات خاصة تحمل على الثقة به، إلى القدر الذي يجعل له ولاية على غيره، فينفذ قوله على رقاب العباد وأموالهم.
стр. 15529
والتحكيم صنو القضاء، أو هو فرع منه ذلك لأنه إذا كان عقدًا في البداية فهو حكم في النهاية، وكذلك فإنه يشترط في المحتكم إليه – بحسب الأصل ما يشترط في القاضي المولى، ومن ذلك شرط الإسلام، فغير المسلم لا يصح تقليده القضاء على المسلمين؛ لأنه ممنوع من القيام على شؤون المسلمين بمثل قوله تعالى: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ [النساء: ٤١] ، ولأن في توليه عزة له على المسلمين ونفوذًا عليهم والله سبحانه يقول: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [المنافقون: ٨] ، وليس في هذا تمييز لطائفة المسلمين، بدليل أن الفاسق منهم ممنوع من توليه القضاء مع أنه أحسن حالًا من الكافر، إذ تجري عليه أحكام الإسلام (١) .
٣٩ – وعلى هذا الرأي استقر جمهور فقهاء المسلمين من شافعية ومالكية وحنابلة فقالوا بعدم جواز تولية غير المسلم للفصل في منازعات المسلمين مع بعضهم البعض، أو في منازعاتهم مع غيرهم، فإذا ألجأت الضرورة المسلم إلى الترافع لقاض غير مسلم، فإن قضاء هذا القاضي ينفذ حتى لا تتعطل مصالح الناس (٢)
ويرى الحنفية أن الإسلام ليس شرطًا في القاضي الذي يفصل في المنازعة التي تنشب بين غير المسلمين، وإنما الشرط أن لا يكون الحاكم أدنى درجة من الذين يحكم بينهم، فإذا كانوا من المستأمنين جاز أن يفصل في خصومتهم قاض مستأمن يتحد معهم في الدار، أو قاض ذمي، وإذا كانوا ذميين، أو كان بعضهم ذميًّا والآخرون مستأمنين، جاز أن يحكم بينهم قاض ذمي؛ وذلك لأن مناط أهلية الحكم – عند الحنفية – هو أهلية الشهادة، فمن صلح شاهدًا صح أن يكن قاضيًا على من يشهد عليه، وأهل الذمة تصح شهادتهم على بعض وإن اختلفت مللهم، والمستأمنون تقبل شهادتهم على بعض إذا كانوا أهل دار واحدة وإلا انقطعت الولاية عليهم، والذمي تقبل شهادته على المستأمن؛ لأنه بعقد الذمة صار أقرب منهم إلى الإسلام. (٣)
стр. 15530
ويستشهد الحنفية على صحة رأيهم – فيما يشهدون به – بأن معاملات غير المسلمين لا يحضرها المسلمون عادة، فإذا لم يكن لبعضهم شهادة على بعض، تعرضت حقوقهم للضياع عند الجحود والإنكار؛ ولأن القرآن الكريم أثبت ولاية الكفار بعضهم لبعض، كما جاء في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [الأنفال: ٧٣] ؛ ولأن غير المسلمين من ذميين ومستأمنين لهم ما لنا وعليهما علينا، وبالتالي فكما أن للمسلمين الشهادة بعضهم على بعض فكذلك يجب أن يكون لغيرهم من رعايا الدول الإسلامية (١)
٤٠- ومع أن جمهور الفقهاء قد ردوا على النصوص التي استشهد بها الحنفية ردودًا مقنعة، فإن منطق الأدلة العقلية التي استشهدوا بها وارتباطها بالمصلحة التي يقرها الشرع، وما جرى عليه العمل في عهد الخلفاء الراشدين من عدم انتزاع سلطة الفصل في منازعات غير المسلمين من أيديهم، كل ذلك جعل بعض علماء العصر الحاضر يؤيدون وجهة نظر الأحناف بجواز تولية غير المسلمين القضاء في المنازعات التي تنشب بين أمثالهم، مع إطلاق ذلك الحكم حتى يشمل قضاء الكفار بعضهم على بعض، دون تفرقة بين ذميين ومستأمنين، فالكفر كله ملة واحدة، وبغير اشتراط أن يكون المستأمنون متحدي الدار (٢) .
على أن الأمر الجدير بأن يعطى حقه في الترجيح بين رأي الحنفية ورأي الجمهور، هو تحديد الشريعة التي سيحكم بها القاضي غير المسلم فيما يفصل فيه من منازعات غير المسلمين؛ ذلك لأن الجمهور لا يترددون في القول بوجوب الحكم بالشريعة الإسلامية في هذه المنازعات، ولا يكاد يختلف معهم الحنفية إلا في بعض تفصيلات قليلة استثنوها من الحكم بالشريعة الإسلامية تصل بالأنكحة والمهر والخمر والخنزير، وفيها يطبقون شريعتهم، وإن كان ذلك في حقيقته تطبيق لما أمرت به شريعة الإسلام.
стр. 15531
وفيما عدا الاستثناءات المشار إليها، فإن الفقهاء يتفقون جميعًا – بما في ذلك الأحناف – على وجوب الرجوع إلى الشريعة الإسلامية، تطبيق أحكامها على هذه المنازعات فإذا قيل: إن القاضي سيكون غير مسلس فكيف يستساغ أن يطلب منه أن يحكم بما لا يؤمن به؟ ولا يقال: إن ذلك سوف ينطبق على الحالة التي يحكم فيها القاضي المسلم بين غير المسلمين في المسائل المستثناة؛ ذلك لأن فقهاء المسلمين عالجوا قضايا الذميين والمستأمنين التي يختلفون فيها مع المسلمين، بوضع قواعد موضوعية مستمدة من الشريعة الإسلامية، تحكم هذه القضايا، ولم يضعوا قواعد إسناد تحيل إلى قانون آخر غير الشريعة الإسلامية (١) ، كما أنه لا يغير من ذلك ما هو مسلم به من وجوب أن نتركهم وما يدينون؛ لأن معنى ذلك أن لا نتعرض لهم فيما يدينون، لا أن نحكم بينهم بما يدينون، إن خالفوا الإسلام (٢) .
٤١- على أن التحكيم قد يقتضي نظرة خاصة تتفق مع طبيعته، وما يحكمه من قواعد شرعية، تختلف عن القضاء من عدة وجوه:
أولها: أن غير المسلمين إذا تحاكموا إلى حكام من أهل دينهم، فإنه يلتزمون بما يحكمون به، لالتزامهم له، وليس لأنه لازم لهم من الأصل (٣) .
وثانيها: أن حكم التحكيم مرجعه إلى القضاء حين يراد التنفيذ به جبرًا، وعلى القضاء أن يتحقق من مطابقة الحكم لأحكام الشريعة الغراء، فإذا لم يلتق هذا الحكم مع النصوص أو الإجماع وخرج على مجموع ما استنبطه المجتهدون – في نطاق صلاحيتهم – كان على القاضي أن يهدر هذا الحكم ولا يأمر بتنفيذه.
стр. 15532
ثالثها: أنها طبقًا لرأي المالكية ومن سار في اتجاههم، فإن القاضي المولى له أن يعرض عن غير المسلمين إذا لجئوا إليه للفصل في خصوماتهم، وذلك أخذًا بقوله تعالى: ﴿فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئًا﴾ [المائدة: ٤٢] ، وأنه طبقًا لرأي الشافعية، فإن له أن يعرض عنهم إذا كانوا من المعاهدين، أما الذميون فإنه يجب عليه الحكم في خصوماتهم عملًا بقوله تعالى: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ [المائدة: ٤٩] ، وأنه طبقًا لرأي أبي حنيفة، فإن القاضي المسلم لا يجب عليه القضاء في أنكحة غير المسلمين إلا إذا ترافع إليه الخصمان كلاهما، ففي هذه الحالات وأمثالها، كيف يتسنى الفصل في خصومات غير المسلمين التي أعرض عنها القاضي المولى؟ ألا يكون في إلقاء عبئها على المتنازعين أنفسهم ليختاروا هم من يرضى بالحكم بينهم ممن يثقون به، ولو كان غير مسلم، ألا يكون في ذلك جمع بين عدم إجبار القاضي المولى على حكومة لا يرضاها، وبين الفصل في المنازعة، مع الاطمئنان إلى أنها سوف تمر في صمام الشريعة الإسلامية في الوقت المناسب؟ وبذلك يكون قد وضح سرًّا آخر لاحتفاظ الشريعة الإسلامية – بجانب قضاء الدولة الرسمي – بنظام التحكيم القائم على التراضي بين الخصوم، وعلى قبول المحتكم إليه – بمحض اختياره – الفصل في المنازعة التي رشحه الأفراد لها (١) .
إن منح غير المسلمين في دار الإسلام الحق في الالتجاء إلى التحكيم بينهم – في الأمور التي أمرها فيها بتركهم وما يدينون - تطبيق لمبادئ الإسلام نصًّا وروحًا، كما هو تطبيق لقاعدة عدم وجود خصومة بلا قاض في الدولة الإسلامية.
стр. 15533
ب- التحكيم في منازعات المسلمين خارج الدولة الإسلامية:
٤٢ – ذلك كله عن الاحتكام داخل الدولة الإسلامية (في دار الإسلام) ، أما الاحتكام خارجها (في دار الحرب) حيث لا سيطرة للمسلمين على الإقليم، ولا تظهر فيه أحكام الإسلام، فإن الأمر يحتاج إلى تفصيل آخر.
ذلك لأنه من المقرر – كقاعدة عامة – أن اغتراب المسلم عن دار الإسلام وإقامته في دولة غير إسلامية، لا يمنحه مبررًا لعدم الالتزام بأحكام الشريعة الإسلامية، فإن كان وجوده في غير الدولة الإسلامية مما يخشى معه الفتنة في دينه له أو لأسرته، فإن عليه أن يهاجر منها تطبيقًا لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا﴾ [النساء: ٩٧ – ٩٩] .
أما إذا كان بقاء المسلم في دار الحرب لا يشكل خشية على نفسه أو دينه أو دين أسرته، فلا محل لإلزامه بالهجرة، بل قد يكون في بقائه حيث هو فائدة ترجى، إذا ما حرص على أن يكون نموذجًا للمسلم الصالح، إذ سيكون آنذاك داعية للإسلام، حتى قال الإمام الماوردي: أنه إذا قدر على إظهار الدين في بلد من بلاد الكفار، فقد صارت البلد به دار إسلام، فالإقامة فيها أفضل من الرحلة منها، لما يترجى من دخول غيره في الإسلام، وبمثل ذلك أفتى الإمام محمد عبده بالنسبة للمسلمين المقيمين في بعض البلاد الأوروبية (١) .
فإذا أقام أحد رعايا الدولة الإسلامية في دار الحرب، وتعامل مع غيره مدنيًّا أو جنائيًّا، فالأصل عند الحنفية أن ما يقع في دار الحرب لا ولاية لنا عليه ولا شأن للقضاء الإسلامي به، أما عند الحنابلة والشافعية ومن جرى مجراهما، فإن معاملات دار الحرب معتبرة، ويقضى بموجبها في دار الإسلام، سواء أكانت بين حربيين أو حربي ومسلم أو كانت بين من هم من أهل دار الإسلام من مسلمين أو ذميين، دخلوا دار الحرب بأمان، وذلك لأن وجوب الوفاء بالعهد الذي أمر به الله هو عام لا يقتصر على ما يقع في دار الإسلام وحدها بل يتعداها إلى غيرها مما يقع في دار الحرب (٢) .
стр. 15534
٤٣ – على أن اختصاص المحاكم الإسلامية في دار الإسلام، بما يقع في دار الحرب لا يحجب اختصاص المحاكم الأجنبية بذات الوقائع، وقد يجد الرعية الإسلامية ضرورة تلجئه إلى تلك المحاكم كمدع أو مدعى عليه، فيكون في هذه الحالة في وضع أشبه بالخضوع إلى قاضي الضرورة في دار الإسلام، فإذا قضى القاضي نفذ حكمه، وإن كان هذا لا يبيح للمحكوم له أن يقتضي ما ليس حقًّا له، أو يأخذ ما يستند إلى قاعدة تتعارض مع أحكام الشريعة الغراء.
غير أن الأمر قد لا يكون بهذه البساطة، فقد يؤدي تطبيق القانون الأجنبي على موضوع الدعوى إلى نتائج وخيمة، كما إذا اتصلت هذه الدعوى بمسألة من مسائل الأحوال الشخصية وكان الطرفان المسلمان يتمتعان بجنسية دولة لا تطبق الشريعة أو تأخذ بأحكام تختلف معها، كنظام التبني، أو نظام توريث مختلف، أو لا تجيز الطلاق، وكانت قواعد الإسناد الواجبة التطبيق لا تسمح بالرجوع إلى الشريعة الإسلامية، ففي هذه الحالات وأمثالها قد لا يستطاع إصلاح الآثار التي تترتب على أحكام القضاء الأجنبي.
٤٤- ولعل أفضل طريق لتفادي هذه الآثار السيئة، هو الالتجاء إلى نظام التحكيم الإسلامي، باختيار محكم مسلم، والاتفاق على تطبيق الشريعة الإسلامية على موضوع النزاع.
وقد يرشح لذلك أن أغلب دول العالم – حاليًّا – تسمح بقيام التحكيم فيها، وتمنح أحكامه قوة تنفيذية، سواء أكان تحكيمًا حرًّا (وهو ما يسمى بتحكيم الحالات الخاصة) أو كان تحكيم مؤسسات وهيئات، كما هو النوع الشائع الذي يحظى بتسهيلات أكثر، وفيه يلجأ المحتكمون إلى هيئة أو جمعية أو مركز، ليعاونهم في إجراءات التحكيم، ويقدم لهم – إذا أرادوا – محكمين متخصصين يختارون من بنيهم من يحوز ثقتهم، وهي وسيلة تسمح للجاليات الإسلامية أن تنشئ جمعية أو نحوها، تيسر على المسلمين إجراءات التحكيم، وتضع أمامهم قائمة بمن تفقهوا في الدين، ودرسوا الفقه الإسلامي، والتزموا بأن يحكموا بين الناس بحكم الله الذي حملته النصوص أو كشف عنه بالإجماع أو استنبطه المجتهدون.
стр. 15535
٤٥- على أن إنشاء مثل هذه الجمعية التحكيمية يقتضي الإلمام بنظام البلد الذي ستقوم فيه، والبلد الذي يحتمل أن ينفذ فيه الحكم، وذلك حتى يمكن الاستعانة بقضاء هذين البلدين، أو أحدهما لتنفيذ الأحكام التي تصدر عن التحكيم في الدولة غير الإسلامية، وسوف يجد القائمون على إنشاء هذه الجمعية في الفقه الإسلامي، من المرونة ما يسمح بأن تتوافق مع أحكامه كثير من الأوضاع التي تستلزمها نظم التحكيم في العالم، وذلك كالتزام المحتكم إليه بالضمانات الأساسية للتقاضي، ووجوب أن يكون عدد الحكام وترا، وجواز تدخل القاضي لاختيار المحكم إذا قامت صعوبات دون ذلك، ووجوب عرض مشارطة التحكيم على القضاء لاعتمادها، إلى غير ذلك من القواعد والأحكام التي أثبت نظام التحكيم السعودي الإسلامي – مثلًا، مرونة الفقه الإسلامي – إثباتًا عمليًّا – بتضمينها نظامه الإسلامي الجديد.
ومن ناحية أخرى فإنه يمكن تحاشي الاصطدام ببعض الأنظمة العنصرية التي لا تقبل اشتراط أن يكون المحكم مسلمًا، وذلك بعدم النص على ذلك في النظام الأساسي، مع مراعاة أن لا تحوي قائمة المحكمين إلا من هو على علم بالفقه الإسلامي، ويملك القدرة على حسن التطبيق والأمر – بعد ذلك كله – للمحتكمين الذين يستطيعون اختيار الحكم المسلم من القائمة التي تجمعه مع غيره.
كما يمكن تحاشي ما قد تثيره بعض الاتجاهات الحقودة من اعتراض على النص على وجوب تطبيق الشريعة الإسلامية، وذلك باختيار نظام التحكيم بالصلح، إذ فيه لا يتقيد المحكمون بصورة عامة بقواعد القانون الموضوعي، على أن أهم الأمور التي يجب على مثل هذه الجمعية أن تراعيها، هو عدم الاصطدام بالنظام العام في البلد الذي سوف تنشأ فيه أو التي يحتمل أن تنفيذ أحكامها على أرضه، وليس ذلك بالأمر العسير، إذ إن قواعد النظام العام، التي تحقق المصلحة الأعلى للمجتمع وتعود على مصالح الأفراد، هي قواعد مرنة تضيق وتتسع حسبما يعتبر – في حضارة معينة – مصلحة عامة لا يجوز للأفراد أن يناهضوها باتفاقات بينهم، حتى لو حققت هذه الاتفاقات لهم مصالح فردية، ولا توجد قاعدة ثابتة تحدد النظام العام تحديدًا مطلقًا، يتمشى مع كل زمان ومكان. (١) .
стр. 15536
وقد جرت أغلب بلاد العالم على إجازة التحكيم فيما يجوز فيه الصلح، ففي مسائل الأحوال الشخصية – مثلًا – لا يجوز التحكيم في خصومة تتصل بالأحوال الشخصية البحتة، ويجوز فيما يتصل بالمصالح المالية المتعلقة بها، وبذلك لا يجوز التحكيم في خصومة تتصل بما إذا كان الولد شرعيًّا أو بالتبني، وما إذا كان عقد الزواج صحيحًا أو باطلًا، وما إذا كان الشخص وارثًا أو غير وارث، أو في خصومة تتعلق بالحجر على الأشخاص، ويجوز التحكيم في منازعة على التعويض عن الأضرار التي نتجت عن فسخ الخطبة، أو فيما يترتب على عقد الزواج الباطل، أو في تحديد مقدار النفقة الواجبة للزوج أو لأحد الأقارب أو للصغير أو الزوجة، أو في الخصومة المتعلقة بقسمة التركة أو إدارتها قبل التقسيم، وكذلك لا يجوز التحكيم في مسائل الأحوال الشخصية التي لا يقبل نظرها أمام قضاء الدولة لسبب يتعلق بالنظام العام، كما إذا كان الزواج في غير الشكل الواجب أو كان أحد الزوجين لم يبلغ السن القانونية (١) .
وإذا أمكن تنفيذ ما يتطلبه نظام البلاد المتصلة بالتحكيم – مكانًا أو تنفيذًا – فإننا بذلك نطبق نظامًا مؤتمنًا في دار الحرب، يحرص على إنزال حكم الله، على يد من يوثق في دينه وعلمه، وبما لا يتعارض مع أنظمة الدول غير الإسلامية، ويسمح باستمرار إقامة المسلم في غير البلاد الإسلامية، ناشرًا على العالم المحايد نظامًا سماويًّا فريدًا، شرعه أحكم الحاكمين.
أما إذا قامت العقبات أمام إنشاء مؤسسة التحكيم، فإن في التحكيم الحر سعة للمسلمين، يختارون فيه عناصر التحكيم كاملة، ويراعون أن يكون التنفيذ بالاستعانة ببلد إسلامي، يسمح نظامه بهذه المعاونة بالنسبة للتحكيم الأجنبي، وسوف تيسر لهم الأمور، موافقة دول إسلامية كثيرة على معظم اتفاقيات التحكيم الدولية، وهي في تزايد مستمر، ومن هذا القبيل ما أعلنته المملكة العربية السعودية عام ١٩٩٣ عقب انتهاء الدورة الرابعة عشرة لقادة دول مجلس التعاون الخليجي من موافقتها على الانضمام إلى اتفاقية الاعتراف وتنفيذ أحكام المحكمين الأجنبية التي أقرها مؤتمر الأمم المتحدة المنعقد في نيويورك في الفترة من ٢٠ مايو إلى ١٠ يونيو سنة ١٩٥٨.
стр. 15537
الفصل السادس
الإسلام ومبدأ التحكيم الدولي
٤٦ – قالت المادة (٢٧) من اتفاق لاهاي رقم ١ لسنة ١٩٠٧ الخاص بالحل السلمي للمنازعات الدولية، تعريفًا بالتحكيم الدولي، أنه يهدف إلى حل المنازعات بين الدول، بوساطة قضاة يختارونهم على أساس احترام القانون (١) .
ويشير هذا التعريف إلى أن التحكيم الدولي هو كالتحكيم في المنازعات الخاصة بين الأفراد يقوم على الرضا الذي يحدد – بحسب الأصل – موضوع التحكيم، وزمانه، ومكانه، وشخصية المحكمين، والقواعد التي يجب تطبيقها، أو يعلن الموافقة على التحكيم في موضوع محدد، أمام جهة معينة، يخضع التحكيم فيها لإجراءات وقواعد معلومة سلفًا، وقد يجري بواسطة أشخاص يختارون من بين أسماء يتضمنها جدول معلن من قبل.
وما يميز التحكيم الدولي الذي نحن بصدد عن غيره، هو أنه تحكيم بين الدول لا بين الأفراد، فلا يجوز لغير الدول – بحسب الأصل – أن يكونوا أطرافًا فيه، إلا إذا نص على ذلك في الاتفاق الخاص، كما حدث في معاهدة فرساي حين تضمنت المادتان ٣٠٤، ٣٠٥ منها، ما يسمح بإنشاء محاكم تحكيم مختلطة يتقاضى أمامها الدول والأفراد (٢) .
ومن ناحية أخرى، فإن التحكيم الدولي لا ينال – في ظاهره – من سلطان القضاء في الدول فحسب، وإنما هو قد يمس سيادة الدولة كاملة، وذلك لخطورة الموضوع المعروض فيه، واتصاله في كثير من الأحوال بمصالح الدولة العليا، مما قد يقتضي التريث قبل الإقدام عليه حتى لا تجد الدولة نفسها ملزمة بما لا يمكنها التحلل منه مستقبلًا بعد صدور حكم التحكيم فيه.
стр. 15538
٤٧ – وعلى ضوء ما سبقت الإشارة إليه من أن التحكيم الدولي يتفق مع ما سواه من أنواع التحكيم الأخرى التي أثبتنا فيما مضى من البحث، أن الشريعة الإسلامية تقرها؛ ولأن ما يتميز به عنها ليس من شأنه أن يغير من مشروعيته، وإن اقتضى حرصًا أكبر في تطبيقه، فإنه لذلك يمكن القول بأن الشريعة الغراء لا تأبى هذا النوع من التحكيم أيضًا، طالما أن الإقدام عليه سيكون محكومًا بمصلحة الدولة الإسلامية، وفي نطاق أحكام الشريعة ومبادئها السمحة.
٤٨ – وقد حمل لنا التاريخ الإسلامي نماذج مما ارتضته الدول الإسلامية من تحكيمات تتناول علاقتها كأمة، بغيرها من الأمم الأخرى.
(ومن ذلك ما رواه مسلم عن بريدة من أن رسول الله ﷺ كان إذا أمر أميرًا على جيش أو سرية، أوصاه في خاصته بتقوى الله، ومن معه من المسلمين خيرًا، ثم قال: ((إذا حاصرت أهل حصن فأرادوك أن تنزل على حكم الله، فلا تنزل لهم على حكم الله، ولكن أنزلهم على حكمك، فإنك لا تدري أتصيب حكم الله فيهم أم لا)) . . . . وفي رواية أخرى: ((وإذا حاصرت أهل حصن فأرادوك أن تجعل لهم ذمة الله وذمة نبيه، فلا تجعل لهم ذمة الله ولا ذمة نبيه، ولكن اجعل لهم ذمتك وذمة أصحابك، فإنكم إن تخفروا ذممكم وذمم أصحابكم أهون من أن تخفروا ذمة الله وذمة رسوله)) . . . . (١) .
ومن ذلك أيضًا، ما تشير إليه المعاهدة التي أبرمها رسول الله ﷺ بين المسلمين كأمة وبين اليهود كأمة، غداة الهجرة إلى المدينة، وفي بداية تنظيم علاقات المسلمين بالأمم حولهم، وقد تضمنت هذه المعاهدة الإشارة إلى قبول الطرفين للتحكيم فيما قد يحدث من منازعات، وإلى اتفاقهما على اختيار رسول الله ﷺ حكمًا بينهما فيما سيقع، وكان من العبارات التي وردت في هذا الشأن قول المعاهدة: (وإنه ما كان بين أهل هذه الصحيفة من حدث أو اشتجار يخاف فساده، فإن مرده إلى الله وإلى محمد رسول الله ﷺ ، وإن الله على أتقى ما فيه هذه الصحيفة وأبره. . . .) (٢)
стр. 15539
٤٩ – وانطلاقًا من الطبيعة الرضائية للتحكيم الدولي، فإن أمة الإسلام لا تجبر على تحكيم لا ترتضيه، ولا على حكم لم تختره، كما أن الحكم نفسه لا يجوز له أن يقضي في المنازعة المعروضة إلا إذا استوثق من رضاء الطرفين به وقبولهما – مقدمًا – تنفيذ ما يقضي به، وذلك على نحو ما فعله سعد بن معاذ ﵁، في حضرة رسول الله ﷺ ، حين تحقق من رضاء المسلمين ورضاء يهود بني قريظة قبل أن يحكم فيما حكم فيه.
فإذا حاصر المسلمون قلعة أو حصنًا من حصون الكفار ونزل هؤلاء على حكم رجل منا حكموه فيهم، فإن عينوه فقد قال الجمهور جاز حكمه، وفي ذلك قول الشافعية أنه لو حاصرنا قلعة فنزل أهلها على حكم الإمام أو حكم رجل عدل في الشهادة عارف بمصالح الحرب قد اختاروه، جاز (١) .
ويقول المالكية: إن المشركين إذا نزلوا على حكم رجل مسلم عدل قد عرف المصلحة للمسلمين فإن العدو يجبر على حكمه، فإن لم يكن هذا المؤمن عدلًا، ولو عرف المصلحة، أو لم يعرف المصلحة ولو كان عدلًا، أو انتفيا جميعًا، فإن أمير المؤمنين ينظر فيما أمن فيه فإن كان صوابًا أبقاه، وما كان غير صواب رده (٢) .
أما إذا لم يعين الكفار الحكم الذي يرضونه من جيش المسلمين، فإن الأمير يعين من يصلح، إذا قبلوه مضى وإلا فليس لنا أن نجبرهم على حكم رجل لم يرضوه.
والمروي عن الجمهور أن الحكم الذي يحق له أن يحكم بين المسلمين وأعدائهم يجب أن يكون مسلمًا؛ لأن أحد الطرفين المتحاكمين مسلم، والحكم نوع من الولاية، ولا ولاية لغير المسلم على المسلم.
ومع ذلك فقد أجاز بعض المالكية كالإمام الخرشي – اشتراط الكفار – في عقد المهادنة أن يحكموا بين المسلم وغير المسلم إذا دعت لذلك ضرورة فيقول في شرحه لمتن خليل عند استعراضه لشروط المهادنة: ويجب أن يخلو عقدها من شرط فاسد، وإلا لم يجز، كشرط بقاء مسلم أسيرًا بأيديهم، أو بقاء قرية للمسلمين خالية منهم، وأن يحكموا بين مسلم وكافر، وأن يأخذوا منا مالًا، إلا لخوف، فيجوز كل ما منع (٣) .
стр. 15540
وإعمالًا لما يراه الحنفية من جواز شهادة غير المسلم على غير المسلم، فإنهم قالوا: إنه يصح إشراك غير المسلم مع المسلم في الحكم بين المسلمين وغيرهم، وينفذ ما يحكم به على غير المسلمين وحدهم (١) . وقد يشير مجموع ما تقدم إلى أن الأصل أنه لا يجوز قبول اشتراك غير المسلمين في التحكيم بين المسلمين وقومهم من غير المسلمين، فإذا دعت لذلك مصلحة شرعية، أو دفع إلى ذلك خوف، جاز إشراكهم، فإذا قضى الحكم بما جرى به الشرع فليس للإمام أن يخالف حكمه، وإن كان يجوز له أن يخفف الحكم أو يعفو إذا رأي في ذلك مصلحة (٢) .
وقد يدعو إلى ذلك أن حكم الحظر الذي هو الأصل، لا يستند إلى النص وحده وإنما يلابس سنده المصلحة، وتبرر تفرده الظروف التي كانت سائدة في العصر الأول للإسلام، حيث كانت تتوافر القوة الإسلامية ماديًّا ومعنويًّا – إلا فيما استثني – وكانت علاقة المسلمين بغيرهم من الدول تنحصر في الدعوة إلى الإسلام والدفاع عن الدولة الإسلامية بالحق، وبالسيف إن اقتضى الأمر.
فإذا ما تغيرت الظروف وتعقدت العلاقات، وأصبح النزاع بين الدول الإسلامية وغيرها لا يأخذ دائمًا شكل الحرب، وقد يتطلب جهادًا كبيرًا من التفاوض أو الجدال في الحق بأساليب وطرق مختلفة، وقد لا تكون الدولة الإسلامية دائمًا هي الطرف الأقوى الذي يستطيع أن يملي إرادته على خصومه، وقد تحتم الظروف المحيطة سرعة حسم المنازعة حتى لا يتسلل إليها أطراف آخرون يشدون من عضد خصوم الإسلام، كل هذه العوامل وأمثالها قد تجعل من صالح المسلمين قبول تحكيم يشارك فيه غير المسلم مع المسلم، دون أن تخشى مغبة ذلك، ما دام قد اشترط المسلمون أن لا يجبروا على ما يخالف شريعتهم بوصفها النظام العام الذي لا يملكون مخالفته.
стр. 15541
وقد يحمل قول الجمهور من فقهائنا الأفاضل في منع المسلم أن يكون حكمًا على حالة ما إذا كانت الغلبة للمسلمين حقيقة أو ظاهرًا، أو حالة ما إذا أريد جعل غير المسلم حكمًا بمفرده، أما إذا كانت الغلبة لغير المسلمين حقيقة أو كان البادئ أن الغلبة سوف تكون لهم، فإن النفع الذي يجلبه التحكيم – في هذه الحالة أو تلك – قد يدعو إلى الاستجابة إليه، رعاية صالح المسلمين والحفاظ على دولتهم وإسلامهم، أما المخاطر التي قد يجلبها التحكيم، فليست أكثر سوءًا من إلزام المسلمين بدفع مال للكفار مقابل الصلح معهم، وهو ما نص الفقهاء على جوازه للضرورة (١) .
ومن ثم فقد نادى بعض من علمائنا المعاصرين بأن المصلحة قد تكون في أن يقبل المسلمون مبدأ التحكيم لإيقاف القتال لأسباب أخرى كالمحافظة على السلم ونشر الإسلام بالطرق السليمة أو لدفع ضرر عام، وأن اشتراك غير المسلم في هيئة التحكيم أصبح اليوم أمرًا لا بد منه، أن ذلك هو طبيعة التحكيم بالمعنى الصحيح، وذلك حتى يتبين كل فريق وجهات نظر الطرف الآخر، ويدافع عن قومه بكل ما أوتي من قوة وسعة عرفان، وبذلك نضمن قبول قرار التحكيم. (٢) .
ومن ناحية أخرى، فإنه إذا كان من الجائز في شريعة الإسلام أن تتصالح الدولة الإسلامية مع غيرها، وتضع يدها في يد غير المسلم، وتبرم معه معاهدة تلتزم بالوفاء بها، بما ينطوي عليه ذلك من تنازل عن بعض الحقوق استجابة لطبيعة الصلح، فإن الالتجاء إلى التحكيم مع إشراف غير المسلم فيه مقيد للطرف الآخر، لا يجوز أن يمنع منعًا باتًّا، وإنما يترك أمر تقديره لولي الأمر – أو من ينيبه – يقبله أو يرفضه على ضوء مصلحة المسلمين ووضعهم الحربي والاجتماعي في العالم، ومدى ما لهم من قوة تمكنهم من فرض القيود التي تكبح جماح التحكيم حتى لا يأتي بما يضر المسلمين أو يتناقض مع الأحكام الآمرة في شريعتهم السماوية الغراء.
стр. 15542
وقد علمنا رسول الله ﷺ يوم صلح الحديبية كيف نتعامل مع أعدائنا، فحين اعترض المشركون في كتابة عقد الصلح على وصفه ﷺ بأنه رسول الله، قال ﵊: (اللهم إنك تعلم أني رسولك، اكتب يا علي: محمد بن عبد الله) . . . ومثل ذلك فعل علي كرم الله وجهه في عقد التحكيم مع معاوية فجعل التحكيم بين علي بن أبي طالب ومعاوية ولم يصف نفسه بما ينازعه فيه خصومه من أنه أمير المؤمنين.
٥١ – ثم إن اختلاف صور المنازعات الدولية، وتباين مظاهر الصراعات بين الدول في العصر الحديث، مع تعقد المصالح وتشابكها، يقتضي أن تكون الدولة واثقة كل الثقة في شخص ممثلها، وبالتالي فلا يتصور إلزامها بأن تختاره من أعدائها المسلمين، لا سيما وأن مجابهة الأحداث الدولية تستلزم خوض معارك شتى، قد تكون حربية أو سياسية دبلوماسية أو قانونية، ولكل معركة أساليبها، ومتطلباتها وفرسانها، والدول وإن كانت تنأى عادة عن الأساليب الحربية لعظم مخاطرها، وتفضل الوسائل السياسية والدبلوماسية، لمرونتها وإمكان السيطرة عليها وعلى نتائجها، فإنها كثيرًا ما تجد أن المخرج المناسب ينحصر في المجابهة القانونية التي تكون عادة عن طريق التحكيم الدولي أو القضاء الدولي، وهي تختار بينهما وفق ما تكشف عنه الموازنة – لديها – بين نتائجهما المحتملة في كل قضية، فحكم التحكيم الدولي أو حكم القضاء الدولي كلاهما ملزم لأطراف الخصومة، وكلاهما نهائي بحسب الأصل، ولكن حكم التحكيم لا وسيلة لتنفيذه إلا برضاء الدولة المحكوم عليها، وهي عادة تفعل ذلك، غير أنها إذا لم تفعل، فلا وسيلة لتنفيذ الحكم جبرًا لعدم وجود سلطة عليا تملك الاختصاص بتنفيذ الحكم بالقوة، وذلك بخلاف حكم القضاء الدولي الذي يوضع له – عن طريق المجتمع الدولي وتنظيماته التي ينتمي إليها فرع القضاء – من الجزاءات والضغوط ما يحمل الدول على تنفيذه.
٥٢ – ومع ذلك فقد يكون للتحكيم فوائده التي تدفع إلى الالتجاء إليه دون القضاء الدولي؛ وذلك لأن التحكيم قد يلعب دورًا رئيسيًّا في حل المنازعات الدولية التي يكون من المناسب تسويتها بقرار تحكيم، يضع في اعتباره عناصر الواقع ولا يستند إلى الاعتبارات القانونية البحتة (١) .
стр. 15543
ولذلك فإن المجتمع الدولي – حاليًا – مع أخذه بنظام القضاء الدولي، فإنه يصر على بقاء التحكيم الدولي كوسيلة لإنهاء النزاع سلميًّا، وقد يبدو هنا المعنى جليًّا في إبقائه على اتفاقية التحكيم الدولي التي أبرمت عام ١٨٩٩ وأنشأت ما أطلق عليه اسم (المحكمة الدائمة للتحكيم) والتي يمثلها مكتب في لاهاي به قلم كتاب وقائمة بأسماء عدد من الأعضاء الذين يمكن أن يختار من بينهم المحكمون الذين يعهد إليهم بالفصل في المنازعات التي يطلب من هذه الهيئة الإسهام في حسمها.
وقد سنحت فرصة التعرف على آراء المجتمع الدولي في أهمية التحكيم الدولي بصورة أكثر وضوحًا، حين اقترحت دولة الأرجنتين (١) عند إنشاء محكمة العدل الدولية أن تلغي محكمة التحكيم الدولية اكتفاء بمحكمة العدل، فقد أبى المجتمع الموافقة على هذا الاقتراح وتمسك ببقاء نظام التحكيم ونظام القضاء معًا، لتختار كل دولة ما تراه موائمًا للمنازعة الناشبة، دون أن تجبر على سلوك طريق منهما بعينه.
ذلك لأن السمة البارزة في المجتمع الدولي المعاصر هو عدم إلزام الدولة بطريق محدد تحسم به منازعاتها مع الآخرين سلميًّا، فهي حتى لو اختارت القضاء الدولي فإن اختيارها يجب أن ينبع من إراداتها، فليس في القضاء الدولي – في واقع الأمر – إجبار للدول على الالتجاء إليه، وما قد يقال في هذا الشأن من أن الالتجاء إلى القضاء الدولي قد يتصف بالإلزام، هو في حقيقته قائم على أساس قاعدة خلقها اتفاق سابق مؤسس على تقابل إرادة أطرافه، أعلنت به الدولة قبولها حسم المنازعات المحتملة أو القائمة قضاء، وبذلك يتميز القضاء الدولي عن القضاء الداخلي؛ إذ إن هذا القضاء الأخير لا يقوم فيه الاختصاص على الاتفاق، فالدولة هي التي تنظم العدالة وتفرض سلطة قضائية دائمة وملزمة، تتولى ترتيبها ووضع القواعد الكفيلة بتنفيذ ما تصدره من أحكام (٢) .
стр. 15544
٥٣- وقد نتج الفرق بين القضاءين الداخلي والدولي في هذا الشأن بسبب التطورات العديدة التي لاحقت النظام القضائي الداخلي، بينما النظام القضائي الدولي ظل جامدًا في مكانه، ولم يتح له الوقت الكافي للتطور، فهو لم يظهر إلى الوجود بشكل واضح إلا في أعقاب الحرب العالمية الأولى، تنفيذها للمادة ١٤ من عهد عصبة الأمم، التي تضمنت النص على تكليف مجلس العصبة بإعداد مشروع محكمة دائمة للعدل الدولي، أعده، وعرضه على الجمعية العامة في ١٣ ديسمبر ١٩٢٠ فوافقت عليه، وظل مطبقًا إلى أن تعثر إبان الحرب العالمية الثانية، حتى إذا ما انتهت هذه الحب بويلاتها وأوزارها، واجتمعت الدولة تحت علم الأمم المتحدة، استقر رأيها على وجوب استمرار القضاء الدولي، على أن تنشأ له محكمة جديدة تخلف المحكمة الدولية الدائمة للعدل، وتسمى محكمة العدل الدولية، ويكون نظامها الأساسي ملحقًا بميثاق الأمم المتحدة، وجزءًا لا يتجزأ منه، حتى تمتاز المحكمة الجديدة عن سابقتها التي لم تكن فرعًا من عصبة الأمم، وكان نظامها مستقلًا عن العصبة، وقد تم ذلك فعلًا في ١٩ إبريل سنة ١٩٤٥.
وقد حافظ ميثاق الأمم المتحدة، كما حرص النظام الأساسي للمحكمة على بقاء الخصائص الرئيسية للقضاء الدولي – وفق ما كان يراه المجتمع الدولي وقتذاك – وهي الخصائص المتمثلة في أنه – بحسب الأصل – قضاء بين الدول، ذو ولاية اختيارية، وأحكامه ملزمة، يجوز تنفيذها جبرًا، بالطرق التي تتفق مع طبيعة العلاقات الدولية، وأن وجود هذه المحكمة الدولية لا يحول دون إنشاء محاكم دولية أخرى (المواد ٩٣، ٩٤، ٩٥ من ميثاق الأمم المتحدة، والمادة ٣٥ من النظام الأساسي)
стр. 15545
٥٤ – وعند إنشاء جامعة الدول العربية كان المأمول أن يتضمن ميثاقها النص على إنشاء محكمة دولية عربية، تسهم في حل المنازعات التي تنشأ بين الدول العربية؛ ذلك لأنه وإن كان هذا الميثاق قد أعلن في ٢٢ مارس سنة ١٩٤٥، أي قبل ميثاق الأمم المتحدة، إلا أن المجتمع الدولي كان مستقرًّا وقتذاك على الترحيب بالقضاء الدولي، والقضاء الإقليمي لحل المنازعات الدولية.
ومع ذلك فقد اكتفى ميثاق الجامعة بأن عهد إلى مجلسها – في المادة الخامسة منه – بحل المنازعات سلميًّا، عن طريق الوساطة أو طريق التحكيم الذي يمكن أن ينتهي بحكم ملزم للطرفين إذا تم بناء على طلبهما، أما المحكمة العربية الدولية، فقد قنع الميثاق بالنص في المادة ١٩ منه علي أن قيام محكمة عدل عربية مسألة لها الأولوية عند بحث تعديل الميثاق.
وقد شرعت جامعة الدول العربية منذ الخمسينيات في دراسة أمر إنشاء محكمة دولية عربية، وأعدت مشروعًا بهذا الشأن ما زال يتردد بين أروقتها حتى الآن، وإن أعلن في شهر يناير من هذه السنة أن المنتظر أن يعرض المشروع في الاجتماع المقرر عقده في شهر مارس من هذا العام – (سنة ١٩٩٤) – وقد عقد هذا الاجتماع وانفض ولم يقر المشروع.
٥٥- على أن الخطى إذا كان قد تعثرت في أروقة جامعة الدول العربية، فلم تصل إلى إنشاء محكمة دولية عربية، فإن الله بفضله، قد وفق منظمة المؤتمر الإسلامي في أن تدفع إلى الوجود بمشروع محكمة العدل الإسلامية الدولية، وكان ذلك ثقة من المؤتمر في أن وجود هيئة إسلامية قضائية في إطار منظمة المؤتمر الإسلامي، من شأنه أن يعزز دور المنظمة ومكانتها، ويسهم في تحقيق أهدافها، وإيمانًا منه بأن تنقية الأجواء بين الدول الأعضاء في المنظمة هو ضرورة ملحة من أجل تمكينها من المواجهة المشتركة لكافة الأخطار والتحديات التي يواجهها العالم الإسلامي. (١) .
وقد حملت دولة الكويت مشكورة أمانة الدعوة إلى إنشاء هذه المحكمة الإسلامية، فاقترحت ذلك في القمة الإسلامية الثالثة التي انعقدت في مكة المكرمة والطائف عام ١٩٨١، حتى إذا كانت القمة الخامسة التي انعقدت في الكويت في يناير عام ١٩٨٧، كان مشروع النظام الأساسي للمحكمة قد اكتمل إعداده، فوافق عليه المؤتمر، وعدل في المادة الثالثة من الميثاق بما يقضي باعتبار محكمة العدل الإسلامية الدولية من بين أجهزة منظمة المؤتمر الإسلامي وأن نظامها جزء لا يتجزأ من ميثاق هذه المنظمة.