← Фикх общий

Фикх общий · id 8356

مجلة مجمع الفقه الإسلامي

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (22 276 стр.). Показаны 15716–15755 · переход к 15721.

стр. 15716

ونص الفصل الرابع الأخير منه على أن بداية العمل بمجلة التحكيم يكون بعد ستة أشهر من صدور أمر إدراجها أي أواخر أكتوبر سنة ١٩٩٣. وقد عرف الفصل الأول والثاني من مجلة التحكيم التونسية: موضوع التحكيم بأنه: طريقة خاصة لفصل بعض أصناف النزاعات من قبل هيئة تحكيم يسند إليها الأطراف مهمة البت فيها بموجب اتفاقية تحكيم، وهي التزام أطراف على أن يفضوا بواسطة التحكيم كل أو بعض النزاعات القائمة أو التي قد تقوم بينهم بشأن علاقة قانونية معينة تعاقدية كانت أو غير تعاقدية وتكتسي الاتفاقية صيغة الشرط التحكيمي أو صيغة الاتفاق على التحكيم. وعرف الفصل الثالث والرابع ذلك التقسيم بقوله: الشرط التحكيمي هو التزام أطراف عقد بإخضاع النزاع التي قد تتولد عن ذلك العقد للتحكيم. أما الاتفاق على التحكيم فهو التزام يتولى بمقتضاه أطراف نزاع قائم عرض هذا النزاع على هيئة تحكيم. وقانون مجلة التحكيم يحتوي على ٨٢ فصلًا تشمل ثلاثة أبواب الأول: في أحكام مشتركة وبه خمسة عشر فصلًا، والباب الثاني: في التحكيم الداخلي وبه ٣٠ فصلًا، والثالث: يتعلق بالتحكيم الدولي ويشتمل على ٣٦ فصلًا. وتعرضت المجلة إلى كليات وجزئيات التحكيم التي تعرضنا إليها سابقًا وألمت إلمامًا كاملًا بالموضوعي من كافة أطرافه. ونظرًا لحداثة صدور هذه المجلة وجدة التطبيق وعدم وجود فقه قضائي يشرح النصوص ويبين غموضها: فإن الباحث يعسر عليه إلقاء الأضواء الكافية ولابد من الانتظار فترة أو , فترات لإعادة الشرح والتعليق. ولكن نلاحظ من الآن عناية التقنين التونسي ورغبته في تركيز عمليات التحكيم على أساس متين، فقد صدر القانون عدد ٥٦ المؤرخ في ١٦ مايو سنة ١٩٩٤ المنشور بالرائد عدد ٤٠ لسنة ١٩٩٤ بإعفاء عمليات التحكيم من إجراء التسجيل وذلك بإضافة فقرة لمجلة معالم التسجيل والطابع الجبائي تقتضي أن اتفاقات وقرارات التحكيم والأحكام والقرارات الصادرة لتنفيذها أو للطعن فيها معفية من إجراء التسجيل.

стр. 15717

ملاحق بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله على رسوله الآمين وعلى آله وأصحابه والتابعين. تقديم اعتاد المجمع الفقهي الإسلامي دراسة مواضيع معينة في كل دورة من دوراته ينتهي فيها إلى حل المشاكل المعروضة عليه وإبداء الرأي الفقهي في شأن هذه الحلول وعرضها على المجتمع لتطبيقها. ولقد وفق المجمع بجهود أمينة العام إعانة أعضائه ومستشاريه إلى بناء صرح عتيد أصبح من المراجع المعتمدة بما وضعه من تحارير قيمة ودراسات معمقة نشرها في دورياته التي أضافت الكثير إلى المكتبة الإسلامية وأثرتها وغذت الباحثين الدارسين. وفي هذه الدورة التاسعة طرح المجمع على أعضائه ومستشاريه الكتابة في عدة مواضيع قيمة منها (مبدأ التحكيم في الفقه الإسلامي) . ونظرًا لأهمية هذا الموضوع الذي أعتني به أخيرًا من عدة دول وعقدت في شأنه لقاءات ومؤتمرات ونظرًا لصلتي الوثيقة بالقضاء الذي مارست مهامه مدة أربعين عامًا زيادة عن تدريس مواده في الكليات فقد اخترت هذا الموضوع وحررت فيه الدراسة المصاحبة. وقد مهدت لنا الطريق وعبدت السبيل إدارة المعهد بأن وضعت محاور الموضوع وعينت المنهج الذي ينبغي اتباعه في البحث واشترطت الاختصار وعدم الإطالة. وهذه هي المحاور المعروضة والمعينة: ١- معنى التحكيم ٢- الفرق بين التحكيم والقضاء والإفتاء. ٣- بيان قواعد وشروط التحكيم في الخلاف. ٤- ما يجري فيه التحكيم. ٥- عزل المحكمين. ٦- الرجوع عن التحكيم، هل يجوز للحكم أن يرجع عن حكمه؟ وهل له أن يرجع عن الحكم لأحدهما بمحل النزاع ويقضي للآخر؟ ٧- تنفيذ حكم المحكمة مباشرة أو باتصال القضاء به. ٨- احتكام غير المسلم إلى محاكم إسلامية في دولة إسلامية. ٩- احتكام المسلم إلى محاكم غير إسلامية في بلاد كافرة. ١٠- قضايا الأحوال الشخصية بين المسلمين في غير البلاد الإسلامية، التحكيم فيها ورفع نتائج ذلك إلى المحاكم المحلية لتكتسي صبغة التنفيذ. ١١- مبدأ التحكيم في الخلاف وموقف الفرق الإسلامية من مشروعيته، ذكر بعض الوقائع والقضايا التي حصل فيها التحكيم في عهد الصحابة، رضوان الله عليهم. ١٢- الإسلام ومبدأ التحكيم الدولي، نبذة مختصرة عن نشأة محكمة العدل الدولية، ومشروع محكمة العدل الإسلامية – الكويت. ١٣- احتكام المسلمين إلى المحكمة الدولية في نزاعاتهم فيما بينهم، وحكم ذلك إذا كان النزاع فيما بين المسلمين وغيرهم.

стр. 15718

وقد حاولت في هذه الدراسة الإحاطة بقدر الإمكان بكل تلكم العناصر والإلمام بكلياتها وجزئياتها واعتنيت بإجراء المقارنة بين الفقه الإسلامي وما وضع لموضوع التحكيم أخيرًا. مع الملاحظة أن كل عنصر من عناصر الموضوع حسب الجدول السابق يصلح أن يكون موضوع دراسة كاملة فكل العناصر لها أهمية قصوى وهي تستدعي المزيد من العناية والبحث ولا يمكن غمط حقها وأهدراه. تعرضت في بحثي المعروض على جنابكم إلى عدة نقط هامة لا زال الغموض يغمرها والظلام يعم جوانبها وسعيت في غضون العرض والتحليل إلى الإشارة إلى الحل. ١- عرفت بالتحكيم لغة واستعمالًا وأبنت أن العرب مارسوا التحكيم في استعمالهم اليومي وأن رسول الرحمن الأمين ﵊ حكمه العرب وارتضوه وأثنوا على خلاله وصفاته فوضع الحجر الأسود عند بناء الكعبة بيديه الشريفتين. ٢- تعرضت إلى موضوع التفرقة بين القضاء والإفتاء والتحكيم. ٣- شرحت مبدأ التحكيم في الفقه الإسلامي والأصل فيه القرآن الكريم والسنة النبوية وعمل الصحابة وبينت حوادث وقعت وقضايا نزلت وأسماء المحكمين ثم شرحت آية – ﴿وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ﴾ . ٤- الاحتكام إلى المحاكم الأجنبية. أثرت هنا مشكلة عويصة صعب حلها وعم ضررها هي احتكام المسلم إلى محاكم غير إسلامية في بلاد كافرة وأثرت موضوع اكتساب الجنسية الأجنبية وذكرت الفتاوى الصادرة في شأنها من علماء جلة من بلاد إسلامية مختلفة. وذكرت بمناقشة المجمع لهذا الموضوع في دورته المنعقدة بعمان في ٨ صفر سنة ١٤٠٧ الملاقي ١١ أكتوبر سنة ١٩٨٦. ٥- التحكيم في الفقه الإسلامي. بسطت آراء المذاهب وبينت وجوب رضا الخصوم وشرحت أوصاف المحكم. ٦- ثم شرحت ما سنه القرآن الكريم من التحكيم بين الزوجين وهو تحكيم معمول به واقتبست أحكامه كل القوانين بالبلاد الإسلامية وبينت بنود هذه القوانين في بعض البلاد الإسلامية مثل تونس والسودان والمغرب والجزائر ولائحة القانون العربي الموحد للأحوال الشخصية.

стр. 15719

٧- وشرحت نوعًا من التحكيم سنة القرآن الكريم في شأن المحرم بالحج أو بالعمرة الذي يقتل صيدًا مع النهي عن ذلك. ٨- ثم تعرضت لمنظمات التحكيم وأولها محكمة العدل الدولية بلاهاي. وتعرضت إلى الاقتراح بإنشاء محكمة عدل دولية إسلامية من طرف القمة الإسلامية وبينت عناصر المشروع ومحاوره. ثم تعرضت لمنظمة التحكيم الدولية التابعة لغرفة التجارة الدولية وتاريخ إحداثها ومناطق عملها ومقرها ونشرياتها. ٩- وتحدثت باختصار عن طموح تونس لإنشاء مركز دولي للتحكيم بها وما قيل في شأن ذلك. ١٠ – وأخيرًا وإكمالًا للفائدة عرضنا باختصار شديد موضوع التحكيم في القانون لأن المقارنة مفيدة جدًا وكذلك الاطلاع على أفكار الآخرين ثم بيان الاقتباسات عن الفقه الإسلامي. ١١-وأخيرًا كتبنا هذه المقدمة وأضفنا جدولًا في المراجع والمصادر حتى يتمكن الباحث الدارس من الرجوع بسهولة إلى مصادر البحث. وترجمنا تراجم مختصرة لبعض العلماء الذين جاء ذكرهم في هذه الدراسة اعترافًا بفضلهم وتنويهًا بشأنهم. * * * المصادر والمراجع - تفسير البيضاوي - تفسير الجامع لأحكام القرآن للقرطبي. - تفسير الفخر الرازي طبع المطبعة العامرة الشرقية. - تفسير الألوسي - تفسير المنار للشيخ محمد رشيد رضا. - أحكام المنار للشيخ محمد رشيد رضا. - أحكام القرآن للجصاص. - الدر المنثور للسيوطي. - الفروق للقرافي. - فتح الباري شرح صحيح البخاري.

стр. 15720

- مسند الإمام أحمد. - شرح السنة للبغوي - سنن النسائي - سنن البيهقي - المدارك للقاضي عياض تحقيق أحمد باكير ج ٢. - الدستور القرآني والسنة النبوية في شؤون الحيان لمحمد عزت دروزه. - لسان العرب لابن منظور. - المدونة ج ٢ طبع بيروت. - مواهب الجليل شرح مختصر خليل للحطاب المالكي. - التحفة لابن عاصم. - التبصرة لابن فرحون. - بداية المجتهد ونهاية المقتصد لابن رشد. - الشرح الصغير على أقرب المسالك إلى مذهب الإمام مالك (باب القضاء) - كتاب المعيار للونشريسي أحمد بن يحيى. - كتاب معين الحكيم للقاضي إسحاق بن إبراهيم بن عبد الرفيع. - كتاب حدود الإمام ابن عرفة وشرح الرصاع عليها. - كتاب أثر الاختلاف في القواعد الأصولية في اختلاف الفقهاء لمصطفى سعيد الخن. - كتاب الصلح لمحمود محجوب عبد النور. - الموسوعة الفقهية الكويتية الجزء العاشر صفحة ٢٣٣ - الفقه الإسلامي وأدلته وهبة الزحيلي. - البديع من شرح التفريع لعبد الله بن عبد الرحمن (مخطوط) - كتاب التفريع لأبي القاسم عبيد الله بن الجلاب تحقيق حسين الدهماني. - البدائع للكاساني. - الهداية شرح بداية المبتدي للمرغيناني. - شرح فتح القدير لابن همام. - حاشية رد المحتار لابن عابدين على الدر المحتار. - فتح القدير للكمال بن الهمام وبهامشه العناية على الهداية ج ٥ باب التحكيم.

стр. 15721

- الفتاوى الهندية طبعة بولاق الثانية. - البحر الرائق - فقه السيرة لمحمد سعيد رمضان البوطي - تحفة المحتاج لابن حجر. - نيل الأوطار للشوكاني محمد بن علي بن محمد. - المغني لابن قدامة ج ١ المكتبة السلفية بالمدينة المنورة - اللباب شرح الكتاب للميداني. - معجم الفقه الحنبلي ج ٢ والتحكيم في الحرب ج ١ منه صفحة ٢١٣ - كتاب الحداد للشيخ محمد الصالح بن مراد - كتاب الطريقة المرضية للشيخ عبد العزيز جعيط. - أدب القاضي للقاضي أبي الحسن علي بن حبيب الماوردي الشافعي. - أدب القاضي للقاضي شهاب الدين أبي إسحاق إبراهيم ابن أبي الدم الحموي الشافعي. - شرح قانون الأحوال الشخصية السوري لعبد الرحمن الصابوني. - أدب القاضي للخصاف. - الأحكام السلطانية للماوردي. - القضاء في الإسلام لمحمد سلام مدكور. - تاريخ القضاء في الإسلام لعرنوس. - تاريخ قضاة الأندلس للنبهاني المالقي الأندلسي وهو كتاب المراقبة العليا فيمن يستحق القضاء والفتيا. - كتاب قضاة قرطبة لمحمد بن الحارث الخشني. - كتاب الولاة وكتاب القضاة لمحمد بن يوسف الكندي. - تاريخ قضاة الأندلس للنبهاني. رسالة عمر ﵁ في القضاء التبصرة ج ١ صفحة ٢٠ وصفحة ٢٨. - مبحث التحكيم في التبصرة ج ١ صفحة ٤٣. - التحكيم في الفقه الإسلامي للمستشار السيد محمد جيل آق بيق. - دراسة نشرت بمجلة القضاء والتشريع عدد ٦ في رمضان جوان سنة ١٤٠٥ / ١٩٨٥. - المجلة الزيتونية مجلد أول ج ١٠ سنة ١٣٥٦ / ١٩٣٧.

стр. 15722

- سبل السلام لمحمد بن إسماعيل الصنعاني. - مجلة المجمع الفقهي الإسلامي عدد ٣ ج٢ سنة ١٤٠٨ / ١٩٨٧ - حاشية محمد المهدي الوزاني على شرح التاودي على التحفة لابن عاصم في الفقه المالكي. - جامع الأصول للجزري مجد الدين بن محمد بن الأثير. - مجلة الأحكام العدلية العثمانية شرح علي حيدر. - مجلة الأحوال الشخصية التونسية. - قانون الأحوال الشخصية المصري. - القانون السوداني للأحوال الشخصية. - مدونة الأحوال الشخصية المغربية. - قانون الأسرة الجزائري. - لائحة القانون العربي الموحد للأحوال الشخصية. - محاضرات عن نظام الأحوال الشخصية بالسودان الصديق محمد الأمين الضرير. - كتاب التنظيم القضائي بالسعودية – سعود الدريب. -كتاب الخلافة باللسان الهندي تصدر في بومباي عدد ١٢ ج ٣ سنة ١٣٤٢ / ١٩٢٤. - جريدة الفتح المصرية محي الدين الخطيب في ربيع الآخر سنة ١٣٥٢ / ١٩٣٤. - كتاب تاريخ حكماء الإسلام لظهير الدين البيهقي. - كتاب الشعب التونسي والتجنيس للمرحوم الجيلاني الفلاح طبع مطبعة العرب سنة ١٣٤٢ / ١٩٢٤. - جريدة الإرادة التونسية في ٢٩ ربيع الأنوار = الملاقي ٩ جوان سنة ١٣٥٦ / ١٩٣٧. - مجلة المنار سنة ١٣٥٢ / ١٩٣٤ وسنة ١٣٥٦ / ١٩٣٧. - كتاب فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء جمع وترتيب الشيخ أحمد بن عبد الرزاق الدويشي طبعة أولى سنة ١٤١١ هـ. - كتاب السلطة القضائية وشخصية القاضي في النظام الإسلامي لمحمد عبد الرحمن البكر. - بحوث ودراسات بالعربية القانون الدولي الخاص الباشا البحار مجلة القضاء التونسية في ديسمبر ١٩٧٦.

стр. 15723

- العالم العربي في تحكيم غرفة التجارة محمد بجاوي. - المبادي العامة في الشريعة الإسلامية في التحكيم التجاري الدولي حسان محاسني. - شرط التحكيم في الشريعة الإسلامية وفي القانون الوضعي العربي بقلم خالد الكاديكي. - استقلالية المحكم، حميدة الأندلسي. - دور محاكم الدول في إجراءات التحكيم في دول مجلس التعاون الخليجي لحسن علي رضا. - التحكيم التجاري الدولي في التشريعات العربية بقلم فوزي سامي أستاذ بجامعة بغداد وعضو مجلس تحكيم الغرفة التجارية العربية الإيطالية. - التحكيم في العالم العربي حسن البحارنة عضو لجنة القانون الدولي للأمم المتحدة. - التحكيم في العالم العربي والاتفاقيات العربية المتعلقة بالتحكيم = لحمزة أحمد حداد المحامي مركز القانون والتحكيم عمان وعضو مجلس تحكيم الغرفة التجارية العربية السويسرية هذه الدراسة منشورة أيضًا بالفرنسية. - كتاب صبح الأعشى للقلقشندي. - بحوث ودراسات بالفرنسية. - دراسة إبراهيم فضل الله، نوعية التحكيم التجاري الدولي أستاذ بباريس. - دراسة الأستاذ محسن شفيق أستاذ شرفي بكلية القاهرة لجنة الأمم المتحدة للقانون التجاري الدولي في ٢٤ ١٠ – ١٩٨٩. - دراسة المحامي بباريس عبد الحي السفريوي في الموضوع. - دراسة عن العلاقات بين المحاكم العدلية والتحكيم في البلدان العربية بقلم سمير صالح مستشار قانوني – لندرة. - مقال ايريك سافر: إجراءات التحكيم = المأمورية بالأمس واليوم. - مقال صلاح الدين سلمي تيكناي موضوعه: انضمام تركيا لاتفاقية جينيف ونيورك. - مقال سارج لازاراف الدليل التطبيقي واستعماله بالنسبة للعقد.

стр. 15724

تراجم ألحقت بهذه الدراسة تراجم لبعض من استندت إليهم أو نقلت عنهم حتى يزن القاري بميزان المعرفة بين القائل ومقاله وعمله ومن ثم يكون الأثر عن عالم معروف معرف به موثوق بنقله ورأيه. شيخ الإسلام محمد العزيز جعيط: ولد سنة ١٣٠٣ /١٨٨٦ تعلم بجامع الزيتونة ثم يتولى التدريس به وبالمدرسة الصادقية وتقلد الخطة الشرعية حتى أصبح رئيسًا لها وسمي في خطة شيخ الإسلام المالكي سنة ١٣٦٤ / ١٩٤٥. وباشر خطة وزارة العدل من مشيخة الإسلام وكان لها بها نشاط كبير إذ وضع مجلة الإجراءات الشرعية. وإثر استقلال البلاد التونسية وقع انتخابه لخطة الإفتاء بها فباشرها حتى سنة ١٣٨١ / ١٩٦٢ وله عدة مؤلفات علمية فقهية قيمة منها كتاب مجالس العرفان ومواهب الرحمن، توفي ﵀ رحمة واسعة في ٢٧ شوال سنة ١٣٨١ هـ الملاقي ٥ جانفي سنة ١٩٦١ أبو بكر الجصاص هو أبو بكر الجصاص أحمد بن علي بن حسين الرازي الجصاص إمام حافظ محدث فقيه من أئمة الحنفية ببغداد له عدة مؤلفات اختلف في تاريخ وفاته. والراجح أنه توفي سنة ٣٧٠ / ٩٨٠. القاضي محمد الطاهر النيفر: ولد سنة ١٢٤٦ هـ، تخرج من جامع الزيتونة وتولى خطة الإشهاد والتدريس بجامع الزيتونة وأسندت إليه الإمامة والخطابة بجامع النفافتة ثم بجامع باب البحر. وتولى خطة القضاء سنة ١٢٩٠هـ / ١٨٩٣. كان عالمًا جليلًا قاضيًا نزيهًا. توفي سنة ١٣١١ هـ ﵀.

стр. 15725

القاضي شريح: أبو أمية شريح بن الحارث بن قيس بن الجهيم ابن معاوية بن عمر الكندي. اختاره عمر بن الخطاب ﵁ للقضاء واستمر عليه مدة طويلة جدًا أربت على السبعين عامًا حتى استقال منه في عهد عبد الملك بن مروان بالكوفة توفي عن مائة وعشرين عامًا بالكوفة سنة ٧٨ هـ / ٦٩٧ م. شيخ الإسلام محمد بيرم الرابع: هو محمد أو محمد بالفتح الرابع ابن محمد بيرم الثالث ابن محمد بيرم الثاني ابن بيرم الأول بن حسين بن أحمد – بن حسن بيرام – أي عيد – ولد سنة ١٢٢٠ هـ / ١٨٠٥ م وهو أول من حمل لقب شيخ إسلام بتونس. كان عالمًا فقهيًا كاتبًا نحريرًا يعد من رجال الإصلاح بتونس وينسب إليه إدخال إصلاحات عميقة على المحاكم الشرعية – وهو الحامل على وضع قانون عهد الأمان. توفي ﵀ في الرابع من جمادى الأولى سنة ١٢٧٨ الملاقي ٥ نوفمبر سنة ١٨٦١. ورثاه صديقه شاعر تونس أبو الثناء محمود قباد بقصيد رائع طالعه. (وقد كان طودًا للأنام وموردًا واليوم عاد ذخيرة تستودع) محمد المختار بن محمود: عالم أديب كاتب نحرير له نشاط كبير في حقل التدريس والمحاضرات والكتابة والمشاركات العلمية والثقافية. له جرأة في قول الحق والإصداع به والدفاع عنه، أسس مع نخبة من زملائه مجلة علمية ذات مستوى علمي رفيع هي المجلة الزيتونية وأشرف على تحريرها وساهم في الكتابة فيها بدراسات قيمة وبقلم بليغ. باشر التدريس بجامع الزيتونة والمدرسة الصادقية. وأسندت إليه خطة الإفتاء على المذهب الحنفي. ﵀.

стр. 15726

شيخ الإسلام أحمد بن الخوجة: قال عنه الشيخ العلامة البحر محمد الفاضل ابن عاشور عندما ترجم له في كتابه تراجم الأعلام: (لقد كان اسم الشيخ أحمد ابن الخوجة عنوانًا شهيرا عن معنى العلم الصحيح والعقل الراجح والمنزلة السامية في النبوغ العلمي) . وهو نسيج وحده في فقه الفتوى بما أوتى من الذكاء وما اكتسب من الضلاعة في علم أصول الفقه. تولى مشيخة الإسلام سنة ١٢٩٤ هـ. وتوفي سنة ١٣١٣هـ. ﵀. عبد السلام بن سعيد بن حبيب التنوخي الملقب سحنون: ولد سنة ١٦٠هـ / ٧٧٧ م بالقيروان. وهو فقيه عالم جليل تولى القضاء فأحسن إداراته وانصف الناس ووقف في وجه الظلم وله مواقف مشهورة سجلها له تاريخ القضاء بالقيروان توفي بالقيروان سنة ٢٤٠ – ٨٥٤ ﵀. محمد المهدي الوزاني: أبو عيسى محمد المهدي بن محمد الخضر بن قاسم بن موسى العمراني الوزاني الشريف الفاسي ولد بوزان بفاس سنة ١٢٦٦ – ١٨٥٠ هـ وتوفي سنة ١٣٤٢ – ١٩٢٣ مفتي فاس – فقيه مشارك في كثير من العلوم له مؤلفات علمية قيمة منها حاشية على التاودي على تحفة ابن عاصم في الفقه المالكي. وله كتاب المنح السامية من النوازل الفقهية في أربعة أجزاء يعرف بنوازل الوزاني. وله كتاب المعيار الجديد ويعرف بالنوازل الجديدة الكبرى في أحد عشر جزءًا. وله حاشية على شرح المكودي لألفية ابن مالك. كما له كتاب الكواكب السيارة مطبوع وله عدة تآليف ورسائل أخرى.

стр. 15727

القاضي ابن عبد الرفيع: أبو إسحاق إبراهيم بن حسن بن عبد الرفيع الربعي التونسي قاضي القضاة بتونس. كان علامة وقته ونادرة زمانه علمًا وفقهًا ألف كتابه معين الحكام على القضايا والأحكام في مجلدات وهو كتاب غزير العلم نحا فيه إلى اختصار المتيطة حققه وعلق عليه محمد بن عياد وطبعه، وتولى إمامة جامع الزيتونة. توفي ﵀ سنة ٧٣٣ – ١٣٣٢ وقيل ٧٣٤ – ١٣٣٣ م. الحطاب محمد بن محمد بن عبد الرحمن الرعيني المعروف بالحطاب: ولد سنة ٩٠٢ هـ – ١٤٩٧م ومات سنة ٩٥٤ هـ – ١٥٤٧ م فقيه مالكي له عدة كتب فقهية منها كتابه مواهب الجليل في شرح مختصر خليل مطبوع في ست مجلدات. ابن رشد: هو أبو الوليد محمد بن أحمد بن محمد بن أحمد ابن رشد الشهير بالحفيد ولد ونشأ بقرطبة وهو قاضي الجماعة بها كأبيه وجده، ولد على الأرجح سنة ٥٢٠ – ١١٢٦ وتوفي في ٩ صفر سنة ٥٩٥ – ١١٩٨ م بمراكش ثم نقل إلى قرطبة حيث دفن بروضة أسلافه بمقبرة ابن عباس. كان فقيهًا فيلسوفًا أربت مؤلفاته على السبعين وأشهرها كتابه بداية المجتهد ونهاية المقتصد وهو أفضل مرجع فقهي مالكي مختصر يرجع له المبتدي ولا يستغني عنه المنتهي. الكاساني: علاء الدين أبو بكر بن مسعود بن أحمد الكاساني أو الكاشاني فقيه حنفي جليل من أهل حلب وكتابه بدائع الصنائع في ترتيب الشرايع مرجع من أهم المراجع في الفقه الحنفي يقع في ٧ مجلدات مطبوع أضيف لها مجلد آخر في الفهارس توفي ﵀ بحلب سنة ٥٨٧ هـ – ١١٩١ م. ابن فرحون: هو أبو الوفاء برهان الدين إبراهيم بن الإمام شمس الدين بن محمد فرحون اليعمري المغربي المالكي. فقيه مالكي محقق له كتب مطبوعة منها كتاب تبصرة الحكام في أصول الأقضية ومنهاج الأحكام وكتاب الديباج المذهب في تراجم أعيان المذهب. توفي بالمدينة المنورة سنة ٧٩٩ – ١٣٩٧.

стр. 15728

الدردير: هو أحمد بن محمد بن أحمد العدوي ولد سنة ١١٢٧ هـ ١٧١٥ م وتوفي بالقاهرة سنة ١٢٠١ – ١٧٨٦، فقيه مالكي له كتاب أقرب المسالك لمذهب الإمام مالك مطبوع وله كتاب آخر مطبوع أيضًا تحفة الإخوان في علم البيان. الدسوقي: محمد بن أحمد بن عرفة الدسوقي المالكي ولد ببلدة دسوق من قرى مصر. قال عنه المؤرخ المصري عبد الرحمن الجبرتي: (كان فريدًا في تسهيل المعاني وتبيين المباني يفك كل مشكل بواضح تقريره، ويفتح كل مغلق برائق تحريره) من مؤلفاته حاشية على مختصر السعد على التلخيص وحاشية على شرح الشيخ الدردير على مختصر خليل في الفقه المالكي. توفي يوم الأربعاء الحادي والعشرين من شهر ربيع الآخر سنة ١٢٣٠ – ١٨١٥ ورثاه الشيخ حسن العطار شيخ الأزهر المتوفى سنة ١٢٥٠ – ١٨٣٥ بقصيد مؤثر طالعه: أحاديث دهر قد ألم فأوجعا وحل بنادي جمعنا فتصدعا يمينا لقد جل المصاب بشيخنا دسوقي وعاد القلب بالهم مترعًا سيدي خليل: هو سيدي خليل بن إسحاق بن موسى ضياء الدين الجندي، كان مفتيًا على المذهب المالكي بالقاهرة وكتابه المختصر في الفقه مشهور متداول وقد ترجم إلى الفرنسية توفي ﵀ سنة ٧٧٦ هـ – ١٣٧٤م. ابن عابدين: هو محمد بن عمر بن عبد العزيز ابن عابدين ولد بدمشق سنة ١١٩٨ هـ – ١٧٨٤ م وتوفي سنة ١٢٥٢ هـ – ١٨٣٦ م. ألف كتابه (رد المحتار على الدر المختار شرح تنوير الأبصار) في خمسة أجزاء وقد شرحه محمد علاء الدين الحصكفي في كتاب سماه (الدر المختار شرح تنوير الأبصار) . ولابن عابدين عدة مؤلفات أخرى منها كتابه (العقود الدرية في تنقيح الفتاوى الحامدية) وهو مطبوع وكتابه رد المحتار أكمله ابنه محمد علاء الدين بكتاب آخر هو (قرة عيون الأخبار لتكملة رد المحتار) مطبوع في جزءين. والابن محمد علاء الدين كان عضوًا في اللجنة التي باشرت وضع مجلة الأحكام العدلية برئاسة أحمد جودة وتوفي في ١٣٠٦هـ – ١٨٨٩ م. الرصاع: هو أبو عبد الله محمد بن قاسم الرصاع التونسي. فقيه مالكي من عائلة علم وفقه كان قاضي الجماعة بحاضرة تونس وتولي الإمامة بجامع الزيتونة توفي سنة ٨٩٤ – ١٤٨٩ له عدة مؤلفات قيمة منها شرحه على حدود ابن عرفة. شيخ الإسلام محمد الصالح ابن مراد: هو محمد الصالح بن أحمد بن محمد ابن مراد ولد سنة ١٢٩٨ – ١٨٨١ في بيت علم لوالده مفتي تونس الشيخ أحمد ابن مراد فقيه حنفي وكاتب نحرير أسس مجلة سماها: شمس الإسلام كانت منارًا تنير السبل. تولى مشيخة الإسلام وألف كتابه الحداد في انتقاد بعض المؤلفين سنة ١٣٩٩ امتحن في آخر حياته بسبب مواقفه الوطنية وتوفي سنة ١٩٧٩.

стр. 15729

المناقشة بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ مبدأ التحكيم في الفقه الإسلامي الرئيس: بسم الله الرحمن الرحيم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. موضوع هذه الجلسة هو (مبدأ التحكيم في الفقه الإسلامي) ، والعارض هو الشيخ محمد بدر يوسف المنياوي والمقرر هو الشيخ محمد جبر. الشيخ محمد بدر المنياوي: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد النبي الأمي الكريم، وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أيها الجمع الكريم، سلام الله عليكم ورحمته وبركاته، يسعدني أن أبدأ كلمتي بشكر مجمع الفقه الإسلامي في رئاسته الحكيمة وأمانته المبجلة على اختيار موضوع التحكيم، وذلك لأنه موضوع يجمع بين الأصالة والحداثة في وقت واحد، وبقدر ما كانت تلجأ إليه المجتمعات البدائية فإن المجتمعات الحديثة تدعو إليه وتحرص على نشره كما يحقق لها من سرعة في الحسم وتخصص في الخبرة مع الحفاظ على أسرار المتخاصمين والعمل على سرعة تنفيذه ما يحكم به وذلك إلى جانب ترحيب الإسلام بنظام التحكيم، واهتمام الفقه الإسلامي ببيان مشروعيته، وحرص الدول الإسلامية على الأخذ به، والتصديق على المعاهدات والاتفاقات الدولية الصادرة بشأنه بل وإنشاء مراكز تحكيمية في ربوعها اشترط في بعضها أن تكون الشريعة الإسلامية وحدها هي القانون الواجب التطبيق. وقد حرصت في بحثي على استخلاص أحكام التحكيم من الفقه الإسلامي مشيرًا إلى الأفكار السائدة في الفقه المقارن وموضحًا ما تبنته الأنظمة في الدول الإسلامية من قواعد في هذا الشأن مهتمًا بشكل خاص بأحدث النظم المطبقة في الدول الإسلامية والعربية ومنها نظام التحكيم السعودي الصادر به المرسوم رقم ٢٦ وتاريخ ٢١ / ٦ / ١٤٠٣ هـ والذي امتاز بأخذه بكثير من التطورات والأفكار الحديثة مع حافظه على المبادئ الشرعية الأصلية المستقاة من الفقه الإسلامي.

стр. 15730

والأبحاث التي أتشرف بعرضها على الجمع الكريم هي سبعة أبحاث، موضحة أسماء من قاموا بها بجدول الأعمال الموزع علينا وحضراتهم، وهم: فضيلة الدكتور عبد العزيز الخياط، الباحث العارض، سعادة الدكتور عبد العزيز التويجري، فضيلة الشيخ محمد علي التسخيري، فضيلة الدكتور محمد جبر الألفي، فضيلة الدكتور عبد الله محمد عبد الله. وهذه الأبحاث جميعها تمتاز بالعمق والتأصيل، وتكشف عن الجهد الكريم الذي بذل في إعدادها مما يستلزم أن أبادر إلى شكر الباحثين العشرة على ما قدموه سائلًا المولي – – أن يثيبهم عنا خير الجزاء. وقد ترون حضراتكم معي أن تسهيل العرض يقتضي أن نقسم الدراسة في البحوث والأحد عشر إلى ثلاثة محاور، ويتطلب كل منها طريقًا للعرض يختلف عما يتطلبه الآخر. المحور الأول: التعريف بالتحكيم وأحكامه: المحور الثاني: وسائل تطبيق التحكيم داخل المجتمع الإسلامي وطرق الاستفادة منه خارجه. المحور الثالث: محاكم العدل الدولية القائمة والمرتقبة. وأستأذن جمعكم الكريم في أن أكتفي في المحور الأول باستخلاص المبادئ التي تستنبط من الفقه الإسلامي على ضوء ما تكشف عنه البحوث مكتفيا ًبالإشارة إلى المصدر الهام منها، وقد يكون شفيعي في ذلك أن الأمر لا يعدو أن يكون استخلاصًا من الفقه الإسلامي لم يعتوره خلاف ذو شأن بين الباحثين الكرام. أما بالنسبة للمحور الثاني فقد يشاركني الجمع الكريم الرأي في أنه يستأهل شيئًا من الإيضاح لأنه يتناول الاستفادة العلمية المرتجاة من البحوث والتطبيقات المستحدثة في التحكيم على ضوء التطورات الاجتماعية والقانونية الدولية.

стр. 15731

وبالنسبة للمحور الثالث فإن الأمر قد لا يسمح بأكثر من استعراض رؤوس موضوعات لأنه ميدان تترامى أطرافه وتستعصي قواعده على الجمع بوريقات قليلة أو دقائق معدودة. أما عن المحور الأول الخاص بالمبادئ المستخلصة فيمكن إيجازها فيما يلي: أولًا: التعريف بالتحكيم أو معنى التحكيم وحكمه: اختلفت الأمانة في العناصر التي عرضتها للبحث – الكلام عن التعريف بالتحكيم – ولم تطلب تعريف التحكيم وهذا يكشف عن دراسة الأمانة مسبقًا لما تطلبه، فالشائع في كتب الفقه الإسلامي التعريف بالتحكيم وليس تعريفه، وليس له تعريف جامع مانع وعلى هدي ذلك يمكن أن يقال: إن التحكيم اتفاق بين طرفي خصومة معينة على تولية من يفصل في منازعة بينهما بحكم ملزم يطبق شرع الله. وقد نص الفقه الإسلامي على مشروعيته سواء كان بين الأفراد أم كان في المنازعات الدولية ... وواضح من هذا التعريف أن التحكيم يختلف عن الصلح الذي يتم عن طريق نزول كل من المتصالحين عن بعض ما يتمسك به، كما يختلف عن الفتيا في أنه لا يكون إلا في خصومة وأنه ملزم للطرفين، ويختلف عن القضاء في أن المصدر المباشر الذي استصدر فيه هو رضا الطرفين لا تولية ولي الأمر، وقد أصدر على الإطلاق لفظ (خصومة) في التعريف، أن تشمل الخصومة الحالة والمستقبلة، وذلك لأن الفقه الإسلامي وإن كان لا يتضمن بصورة واضحة تقسيم صورة الاتفاق على التحكيم إلا ما يسبق نشوء المنازعة وما يلحق بها فإن عباراته تسع ذلك ولا تتأبى أن يستعمل معها ما اصطلح عليه رجال القانون من إطلاق شرط التحكيم على ما يكون منصوصًا عليه في العقود من قبول الالتجاء إلى التحكيم فيما قد ينشأ مستقبلًا في المنازعات في هذه العقود , من إطلاق اسم اتفاق التحكيم أو مشارطة التحكيم أو وثيقة التحكيم عن الاتفاق اللاحق على شئون المنازعات. وإصباغ وصف المشروعية على التحكيم قصد به أن التحكيم لا ينبغي أن يستقى حكمه من الأحكام والقواعد العامة التي تبيح الأفعال أو تسمح بالعقود طالما أنها لا تخالف نصًا أو تصادر إجماعًا فالأمر يستلزم أن يكون هناك دليل على المشروعية، وذلك لأن التحكيم ينتقص من ولاية القضاء بعزل بعض الخصومات عن اختصاصه ويلزم الدولة بأن تسهم في التنفيذ جبرًا لحكم صدر عما لا تنبثق سلطته من سلطتها ولا تتفرع ولايته من أي ولاية من ولاياته، وقد ترون حضراتكم أن توافقوا على ما انتهجه بحث العارض وبعض البحوث الأخرى من حصر الأدلة الشرعية فيما ينصب منها على التحكيم الرضائي الذي تحدث عنه ونتحدث عنه وأن نستبعد الأدلة التي تداور التحكيم في الشقاق بين الزوجين أو التحكيم عند قتل الصيد. فالتحكيم الأول الخطاب فيه قوله تعالى: ﴿فَابْعَثُواْ حَكَمًا مِّنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِّنْ أَهْلِهَا﴾ [النساء: ٣٥] ، إنما هو للحكام العائد إليهم أيضًا ضمير ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ﴾ ، وهذا رأي كثير من المفسرين وقد صرح به في (البحر الرائق) كما صرح أيضًا به في (فتح القدير) ، وقالوا صراحة إن هذا لا يصلح دليلًا على التحكيم الرضائي. والأمر الثاني والذي هو الاستدلال بالتحكيم عند قتل الصيد ليس في حقيقته خصومة لأحد وإنما هو جزاء قد يكون مثل ما قتل من النعم أو إطعام مساكين أو صيام. وقد أشار إلى ذلك قوله تعالى ﴿لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ﴾ [المائدة: ٩٥] .

стр. 15732

ثانيًا: الموضوع الثاني أو الأمر الثاني المستخلص من القواعد الفقهية: حكم العقد يستخلص من البحوث أن التحكيم عقد غير لازم بالنسبة للطرفين وبالنسبة للحكم، فيجوز لهم الرجوع فيه ما لم يشرع الحكم في التحكيم ويجوز للحكم أن يعزل نفسه ولو بعد قبوله ما دام لم يصدر حكمه، ولا يجوز له أن يستخلف غيره دون إذن لأن الرضاء ينصب على شخصه. وهذا الاستخلاص يتناول حالات ثلاث من الرجوع: الرجوع قبل التحكيم، الرجوع بعد صدور الحكم، والرجوع بعد الشروع في التحكيم وقبل الحكم. ورجوع المتحكمين قبل التحكيم مبني على أن الإرادة معتبرة في أصله وتعتبر في لزومه، وهو قول الأئمة الأربعة ولم يخرج عنه إلا نفر قليل كابن الماجشون من المالكية. أما عدم جواز الرجوع بعد الحكم فلم يخرج عليه إلا بعض الشافعية بمقولة: (إن حكم المحكم إنما يلزم بالرضا وهو لا يكون إلا بعد معرفة حكمه) . أما عدم جواز الرجوع بعد الشروع في التحكيم فهو الرأي الراجح لدى المالكية والمشهور عند الحنابلة، والقول بغيره يجرد التحكيم من المقصود منه لأنه كما يقولون يؤدي إلى أن كل واحد من المتحاكمين إذا رأى من الحكم ما يوافقه رجع فبطل المقصود منه. أما عزل المحكم نفسه فجائز طالمًا لم يصدر حكمًا ولا يستطيع المحتكمون أن يحولوا بينه وبين هذا الانعزال بدعوى أن له حقًا مكتسبًا تولد بقبوله التحكيم ذلك أن انعزال الحكم كقاعدة عامة لا يضر بهم إذ هو يردهم إلى الطريق العادي لفض الخصومات والقضاء. ثالثًا: من القواعد المستخلصة أيضًا ما يجري فيه التحكيم. والقاعدة المستخلصة من مجموعة البحوث هي أنه لا يجري التحكيم في كل ما هو حق لله تعالى كالحدود، ولا استلزم الحكم فيه إثبات حكم أو نفيه من غير المتحاكمين ممن لا ولاية للحاكم عليهم كاللعان، ولا ما اقتضى عظم قدره وخطره أن يعهد به إلى القضاء المولي دون غيره. فإذا قضى الحكم فيما لا يجوز فيه التحكيم فحكمه باطل ولا ينفذ.

стр. 15733

ويتناول هذا الاستخلاص في شقه الأول تحديد نطاق التحكيم وهو يجنح في هذا الشأن نحو المالكية الذي يضعون معيارًا يمتاز بالمرونة ويتجاور مع متطلبات العصر الحاضر وهو معيار يلتقي – ولا أقول يتفق – مع ما أخذ به نظام التحكيم السعودي ونظام التحكيم الكويتي، كما أنه قريب من معايير النظام العام الذي تأخذ به أغلب الدول في العالم المعاصر. ثم هو من ناحية أخرى يدور داخل النطاق الذي يراه الغالبية العظمى من الفقهاء الإسلاميين بما في ذلك من يجيزون التحكيم في كل شيء كبعض الحنابلة فيما يرويه صاحب (كشاف القناع) أو بعض الشافعية فيما ينقله الشربيني الخطيب في (مغنى المحتاج) . أما الشق الثاني من الاستخلاص فيأخذ برأي الجمهور فيبطلان التحكيم إذا جرى فيما لا يجوز له أن يجري فيه، فهذا الرأي أقوى حجة من رأي المالكية الذين يقولون بإمضاء الحكم في هذه الحالة إن كان صوابًا فإن كان خطأ يترتب عليه إتلاف عضو فالدية على عاقلته، وإن ترتب عليه إتلاف مال كان ... للطرفين من شأنه أن يعلي عوامل الثقة على عوامل الكفاءة فيجيز الترخص في شروط الحكم مقارنة بشروط القاضي المولي، وذلك ما لم يصطدم هذا الترخص بالنص كشرط الإسلام في الحكومة بين المسلمين، أو بالعقل كشرط أن يكون المحكم عاقلًا مميزًا. وشروط الحكم التي يشير إليها هذا الاستخلاص هي بحسب الأصل العام كشروط القاضي المولى غير أنه يترخص في بعض منها وفق ما يراه كثير من فقهاء المسلمين وذلك باعتبار أن الحكم يتم اختياره بإرادة الطرفين وبناء على ثقتهما فيه ليحكم في أمور حدداها له سلفًا، ولا يكون لحكمه أثر يتعدى إلى غيرهما، مما من شأن ذلك كله أن يعلي عوامل الثقة على عوامل الكفاءة يجبر رضاء الطرفين بعض ما قد يلحقه من نقص وتصح حكومته مع ما يعتورها من مثالب لو تحققت في القاضي المولى لم يصح قضاؤه. وتطبيقًا لذلك فإنه يجوز في المذهب الحنفي تحكيم الفاسق أو الجاهل الذي يستشير أو المرأة، وينفذ – على مذهب المالكية – تحكيم الأعمى أو الأخرس أو الأصم.

стр. 15734

رابعًا: الإشراف القضائي على التحكيم: وهذا الموضوع هو الذي أشارت إليه عناصر الأمانة بقولها: تنفيذ حكم المحكمة مباشرة أو باتصال القضاء به. وفي بحث هذا العنصر نجد البحوث قد تناثرت في المواضع التي ذكرتها فيه، وقد رأيت أن أجمع شتاته مقام العرض على مسامعكم الكريمة، والقاعدة المستخلصة بشأنه تجمل في الآتي: للقضاء على التحكيم حق الإشراف والرقابة فيجوز أن يخول القاضي الموالى الحق في تعيين الحكم إذا لم يختره الطرفان، أو حالت ظروف دون مباشرة مهمته وتشمل رقابة القضاء التحقق من رضاء الطرفين، وأهليتهما، وأهلية الحكم وعدم خروجه عما فوض إليه الحكم فيه، وعدم مخالفته شرع الله فيما حكم، ونقض حكمه إذا خالف فيما ليس فيه اجتهاد. ويستند حق القضاء في الإشراف والرقابة على التحكيم – المشار إليه في هذا الاستخلاص – إلى عمادين أساسيين وذكرتهما البحوث، وهما: أولهما: أن تنفيذ حكم التحكيم جبرًا لابد له من ولاية عامة، وهو ما يفتقده التحكيم بينما يوفره القضاء. ثانيهما: أن منازعة التنفيذ لا تعدو أن تكون منازعة كسائر المنازعات التي يختص القضاء بالفصل فيها. ويقتضي الإشراف أن يكون من حق القضاء إزالة العقاب التي تقوم سبيل تحكيم يصر أطرافه عليه، وذلك مثلًا بتعيين الحكم إذا لم يختره المحكمان، أو اختاراه وحالت ظروف دون مباشرته المهمة التي أوكلت إليه. أما الرقابة القضائية فتتمثل في وجوب التحقق من سلامة الإجراءات وصحة الحكم قبل الأمر بالتنفيذ. فعلى القاضي أن يتحقق من رضاء الطرفين ومن أهليتهما، وأن يتحقق من قبول الحكم وأهليته، وأنه لم يخرج عما فوض إليه الحكم فيه، وأنه لم يخالف شرع الله فيما حكم، فإنه خالفه فيما ليس فيه اجتهاد وجب نقض الحكم أو الأمر بعدم تنفيذه إذ لا حجية في مخالفة الشرع ولا اجتهاد فيما لا يجوز الاجتهاد فيه. أما إذا كانت المخالفة فيما يجوز الاجتهاد فيه فالجمهور يرى أنه لا يجوز نقض الحكم ولو خالف اجتهاد القاضي، وذلك لأن الاجتهاد لا ينقض بمثله وإلا تتوالى نقض الأحكام وعز الاستقرار وغلبت الفوضى على نحو ما عبر به الإمام الغزالي في كتابه (المستصفى) .

стр. 15735

هذا هو المحور الأول وهي القواعد المستخلصة من الفقه الإسلامي وقد جمعتها من مجموعة البحوث جميعًا، واكتفيت بتعليل أو بتأصيل ما احتاج إليه تأصيل – في نظري – من هذه القواعد: المحور الثاني: وهذا عرضه يقتضي اختلافًا في العرض عن الأول – المحور الثاني: وسائل تطبيق التحكيم الإداري داخل المجتمع الإسلامي وطرق الاستفادة منه خارج هذا المجتمع. وهذا الموضوع يتناول ثلاث نقاط: النقطة الأولى: احتكام غير المسلم داخل الدول الإسلامية. النقطة الثانية: احتكام المسلم إلى محاكم غير إسلامية في بلاد كافرة. النقطة الثالثة: التحكيم الدولي بين الدول والمؤسسات الدولية. أما عن النقطة الأولى وهي احتكام غير المسلم في داخل الدولة الإسلامية، فقد ورد في عناصر الموضوع كما وضعتها الأمانة العامة للمجمع تحت بند ثامنًا: احتكام غير المسلم إلى محاكم إسلامية في دول إسلامية، وقد فهم بعض الباحثين الأفاضل أن المقصود هو التساؤل عن حكم التجاء غير المسلم للقاضي المولى أو إلى الإمام، فاستعرضوا رأي المفسرين في تفسير قوله تعالى ﴿فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ [المائدة: ٤٢] وأما إذا كانت منسوخة بقوله تعالى ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ﴾ [المائدة: ٤٩] أو أن التخيير ما زال قائمًا. كما استعرضوا أيضًا آراء الفقهاء في ذلك. وممن نهج هذا النهج الأستاذ الدكتور عبد الله محمد عبد الله، الذي فصل الأقوال في المسألة تفصيلًا جميلًا، وأيضًا حجة الإسلام الشيخ التسخيري الذي اختار وجوب الحكم بينهم إذا ترافعوا للقاضي المسلم أو كانوا مختلفين في الملة، أو كان أحدهما حربيًا والآخر ذميا، كما اختار فضيلته أيضًا إقرار حكمهم إذا لجأوا إلى محكم منهم ثم رفع الأمر إلى القاضي فوجد أن الحكم عدلًا صحيحًا، أما إذا كان جورًا فلا يجوز إقرارهم عليه. وفصل الدكتور محمد جبر الألفي آراء المذاهب الأربعة في جواز الإعراض أو الحكم إذا ترافعوا إلى القاضي أو ترافع أحدهما فقط. وقد رأى جانب آخر من الباحثين ومنهم الباحث العارض ألا يخرج عن أحكام التحكيم إلى الأحكام الخاصة بالقضاء وآثر أن يهتم في هذا الصدد باحتكام غير المسلم إلى حكم غير مسلم داخل الدولة الإسلامية، وهو الأمر الذي يرى الأحناف جوازه بشرط ألا يكون الحَكَم أدنى درجة من المحتكم. وتأصيل هذا الحَكْم لدى هذا المذهب يمتاز بقوة الدليل العقلي الذي يخلص في: ١- إن غير المسلمين إذا تحاكموا إلى حكام من أهل دينهم فإنهم يلتزمون بما يحكمون به لالتزامهم له وليس لأنه لازم من الأصل. ٢- ولأن القضاء المولي يمثل صمام الأمان الذي يحول دون الإجبار على تنفيذ حكم ولا يتفق مع الشرع. ٣- ولأن السماح لمحكم غير مسلم بأن يتولى منازعات غير المسلمين جمع بين مقتضى قاعدة عدم ترك خصومة بها قاض في الإسلام، والقاعدة التي تمنح القاضي الحق في الإعراض عن خصومة غير المسلمين في الحالات التي يراها المالكية وغيرهم من فقهاء المذاهب الأخرى.

стр. 15736

وقد خلص أصحاب هذه الدراسة من الباحثين إلى أنه في داخل الدولة الإسلامية يجوز أن يحتكم غير المسلمين إلى حكم غير مسلم فيما أمرنا أن نتركهم وما يدينون، وذلك اعتمادًا على أن القضاء يمثل في ذلك صمامًا يحول دون الإجبار على حكم يخالف شرع الله. الموضوع الثاني: احتكام المسلم إلى محاكم غير إسلامية في بلاد كافرة. ممن تكلم في هذا الموضوع بإسهاب جميل الأستاذ عبد الله محمد عبد الله فقد رجع إلى كتاب (السير الكبير) لمحمد بن حسن الشيباني وخلص إلى نقاط أهمها: أن المسلم لم يمنع من رفع خصومته إلى السلطان الكافر في بلاد الكفر بدليل ما وقع للمسلمين الأوائل عند الهجرة إلى الحبشة، وأنه لو تغلب الكفار على المسلمين واضطر ولي الأمر إلى مهادنتهم على شروط فيها حط من شأن المسلمين كحق الفصل في الخصومات بين الكفار والمسلمين فإن ذلك جائز. أما سائر البحوث بما في ذلك بحث العارض فقد تناولوا من محاور ثلاثة: المحور الأول: أنه لا يجوز التجاء المسلمين إلى محاكم غير إسلامية خارج الدولة الإسلامية إلا في حالة الضرورة وبقدر ما تمليه هذه الضرورة، وذلك أخذًا بما يراه جمهور الفقهاء. وقد سمى الباحث الدكتور محمد جبر الألفي ذلك نوعًا من التحكم الفاسد الذي ينفذ رغم فساده. وأشار الباحث العارض في هذا الشأن إلى عدم الاعتداد بما نسب إلى بعض فقهاء الأحناف من قبول حكم الذمي بين مسلم وذمي إذا كان الحكم لمصلحة الذمي بدعوى أن الذمي يصلح شاهدًا على غير المسلم ولا يصلح شاهدًا على المسلم، وذلك لأن هذا الحكم المنسوب إلى الحنفية محل اعتراض من سائر الفقهاء ولمخالفته الأدلة العديدة التي تمنع ولاية غير المسلم على المسلم، فضلًا على أن هذا الرأي يؤدي إلى حكم قلق غاية القلق إذ سينفذ أو لا ينفذ حسب درجة الخصم المحكوم ضده، فإن قضى على غير مسلم نفذ حكمه وإن قضى على مسلم لم ينفذ هذا الحكم ويعلل الدكتور عبد العزيز عثمان التويجري في بحثه عدم الجواز أن يكون الحكم غير مسلم في منازعات المسلمين بقوله: إن اشتراط أن يكون الحكم مسلمًا في المنازعات بين المسلمين لا يتعلق بعدم الثقة في غير المسلمين، فالإسلام يبيح التعامل الحر والثقة بين الناس على اختلاف مللهم، وإنما شرط إسلام الحكم تتعلق بحسن تطبيق الشريعة، إذ جرت العادة على ألا يكون غير المسلم على إلمام عميق بعلوم الشريعة نظرًا لطبيعتها الإيمانية.

стр. 15737

المحور الثاني: هو مدى جواز الالتجاء إلى المحاكم غير الإسلامية لإضفاء الصيغة التنفيذية على حكم التحكيم. وفي هذا الصدد يرى بعض السادة الباحثين أن ذلك لا يجوز أن نلجأ إليه إلا للضرورة، بينما يرى آخرون وهم كثرة ومنهم الباحث العارض، وحجة الإسلام التسخيري، والدكتور عبد الله محمد عبد الله، والدكتور الألفي، يرون أنه لا شيء في الالتجاء إلى المحاكم غير الإسلامية لهذا الغرض، بل ويضيف الباحث العارض أن ذلك يجب أن يوضع في الاعتبار منذ أول الأمر حتى يرعى الحكم والمحتكمون القيود التي يفرضها البلد الذي يحتكمون فيه أو يجري التنفيذ على أرضه. ويعرض الباحث الشيخ مجاهد الإسلام القاسمي في هذا الصدد نموذجًا من واقع تجربة الهند في فترة الاحتلال الإنجليزي يتلخص في قيام أهل الحل والعقد في الولاية المحتلة باختيار شخص ينصب قاضيًا ليحكم في القضايا العائلية والمالية وغيرها، وأن هذا وإن أخذ مظهر القضاء الشرعي إلا أنه في حقيقته نوع من التحكيم الجماعي، وقال الباحث الشيخ: إن هذا الحكم كان ينفذ بالضغط الاجتماعي اعتمادًا على الجذوة الإيمانية، فضلًا على أنه يرى أن التنفيذ أمر خارج عن الحكم في ذاته للأدلة العديدة التي ساقها فضيلته في بحث ممتاز عن صلة التنفيذ بالحكم ذاته.

стр. 15738

المحور الثالث: الذي تناوله الباحثون في هذه المسألة فيقوم على وجوب أن يكون مصدر الحكم في هذا التحكيم هو الشريعة الإسلامية. ثالثًا: اتفق الباحثون على أن الإسلام يرحب بالتحكيم الدولي الرضائي كوسيلة لحل المنازعات بين الدول أو المؤسسات. أما التحاكم في هذا الشأن إلى غير المسلمين فإنه وإن كانت غالبية البحوث ترى ما يراه حجة الإسلام التسخيري – حفظه الله – من أنه لايجوز إلا إذا كانت تمليه ضرورة دولية تعاونية، باعتبار أنه لا يمكن أن تنفرد دولة إسلامية بمسيرة خاصة بها في العلاقات الدولية إلا أنه مع ذلك قد يكون من المفيد أن أشير إلى ما جاء في بعض البحوث الأخرى في هذا الشأن. فبحث العارض يقترح بأن يؤخذ برأي من يسمح بأن يمثل الجانب غير المسلم ممثل غير مسلم تقديرًا للمصالح التي تقتضي ذلك والتي يقرها الشرع في مواضع كثيرة وذلك على نحو ما ينادي به بعض فقهائنا المعاصرين كالأستاذ الدكتور وهبة الزحيلي – حفظه الله – من أن إشراك غير المسلم في هيئة التحكيم بين الدولة الإسلامية وغيرها من الدول أصبح أمرًا لا مفر منه حتى يطمئن كل طرف إلى أن ممثله سوف ينقل وجهة نظره ويدافع عنها بكل ما أوتي من قوة في البيان والبرهان. أما الأستاذ الدكتور عبد العزيز خياط فقد أشار في بحثه إلى رأي للدكتور وهبة الزحيلي في كتاب في موضع آخر من كتب فضيلته يتكلم فيها عن تطبيق المادة (٣٧) من اتفاقية لاهاي، فيقول: إنه طبقًا لنص المادة (٣٧) من اتفاقية لاهاي: فإن القانون واجب التطبيق في محكمة العدل الدولية هو قواعد العدل والحق، وأن ذلك لا يتنافى مع الشريعة الإسلامية. وقد أورد ذلك الدكتور الخياط ثم عقب عليه بأن اللجوء إلى المحكمين يقتضي أن يكون منهم مسلمون، وأن يلتزموا بأحكام الشريعة الإسلامية في التحكيم وأنه لا يكفي في هذا الصدد الاستناد إلى قواعد العدل والإنصاف فهي قواعد مبهمة، ولا الاستناد إلى الأعراف الدولية، إذا أن منها ما هو صحيح ومنها ما هو فاسد. أما الأستاذ الدكتور عبد الله محمد عبد الله فقد ناقش في بحثه حكم الاستعانة بغير المسلمين واستعرض آراء الفقهاء في هذا الشأن، ثم انتهى إلى أن اللجوء إلى محكمة العدل الدولية ليس فيه استعانة بالمعنى الدقيق فقضاء المحكمة هو استجلاء للحقيقة ومعرفة من هو صاحب الحق ومن هو المعتدى عليه، فإن امتنع هذا عن رد الحق إلى صاحبه كان في حكم الباغي من كل وجه، ومن ثم تكون الاستعانة هي الخيار الحقيقي المبني عليه والسبيل الوحيد للظفر بحقه.

стр. 15739

المحور الثالث في البحوث وهو الكلام عن محكمة العدل الدولية القائمة المرتقبة. استعرضت البحوث المحاكم الدولية إبان قيام عصبة الأمم المتحدة وبعد العمل بميثاق الأمم المتحدة، وأشار بعضها إلى النظام الأساسي لمحكمة العدل الدولية وبعض البحوث قد أشار إلى ذلك بإيجاز وبعضها أسهب كثيرًا في استعراض النظام الأساسي لمحكمة العدل الدولية. كما أشار بعضها إلى مشروع محكمة العدل العربية المنتظرة، وإلى مشروع محكمة العدل الإسلامية الدولية الذي أقره مؤتمركم الموقر بناء على اقتراح دولة الكويت. وقد ركز بحث العارض في هذه النقطة على إيضاح الأصول التي تجمع هذه المحكمة الإسلامية بسائر المحاكم الدولية، وكشف عن الطابع الذي يميزها عن غيرها. كما عدد العوامل التي سوف توفر مناخًا ملائمًا لازدهارها والإقبال عليها، إن شاء الله، وهي أمور رغم أهميتها القصوى فإني مضطر لضيق الوقت في أن أحيل إلى البحث الذي بين أيدي حضراتكم. وقد جرى مؤتمركم الموقر أن يدعو مجددًا الدول الإسلامية المشاركة في منظمة المؤتمر الإسلامي إلى المبادرة بالتصديق على نظام محكمة العدل الإسلامية الدولية تحقيقًا للأهداف التي أشار إليها المؤتمر في ديباجة قراراه الذي أصدره بإنشاء هذه المحكمة والتي منها تعزيز دور المنظمة ومكانتها والإسهام في تحقيق أهدافها وتنقية الأجواء بين الدول الأعضاء في المنظمة كضرورة ملحة في المواجهة المشتركة لكافة الأقطار والتحديات التي يواجهها العالم الإسلامي. ولله الأمر من قبل ومن بعد، وشكرًا للرئاسة الكريمة والأمانة الرائدة على إتاحة هذه الفرصة، وشكرًا لكم على حسن الاستماع واعتذارًا بالغًا للسادة الباحثين الذين لم يسع الوقت لاستعراض أقوالهم بالتفصيل. وشكرًا لكم،،

стр. 15740

الشيخ محمد علي التسخيري: بسم الله الرحمن الرحيم، قبل كل شيء أود أن أشكر الأستاذ الكريم المنياوي على هذا العرض العلمي الشيق الطيب، والجامع بملاحظة الوقت المخصص. لا أرى بحاجة للحديث إلا في نقطتين بسيطتين وسوف أختمه بسرعة. جاء في التقرير أن شروط قاضي التحكيم هي نفس شروط القاضي المعين تقريبًا. أنا أعتقد أن الكثير من شروط القاضي – والتي ربما نتفق عليها – المعين، أو قد نختلف في شيء من جزئياتها غير المشترطة، يعني لا دليل على اشتراطها في قاضي التحكيم، إنه رجل أو حتى امرأة تم التوافق على رأيها في قضية تحل بشكل طبيعي. فلذلك شروط الذكورة وشرط طهارة المولد، وشرط حتى غلبة الحفظ وبالخصوص شرط الاجتهاد الذي يرى الأكثر أنه ضروري في القاضي، هذه الشروط كلها لا أراها ضرورية وإن كانت محسنات لقاضي التحكيم. لم أجد دليلًا يفرض علينا في هذا المجال هذه إشارة. الإشارة الثانية: مسألة رقابة القضاء من قبل الدولة على قضاة التحكيم شيء ضروري جدًا، ولا يحق لقاضي التحكيم أن يخدش شيئًا من سلطة الدولة الإسلامية. فالرقابة شيء جيد، ولكن إذا كانت القضية لا تحد من سلطة الدولة، قضية تحل بشكل طبيعي جدًا، هذه القضية لا داعي لأن نفترض لزوم إرجاعها إلى القضاء، نعم إذا احتاجت إلى أمر تنفيذي وإلى عمل – كما قلت – يزاحم سلطة القضاء ومظلته فينبغي أن تكون تحت المظلة. السماح لمحكمة غير مسلمة أو لقاضي تحكيم غير مسلم في دولة إسلامية يرتضيه ذميان إما من ملة ومن ملتين، لا مانع منه إذا تم تحت إشراف القضاء العام، شيء آخر، مسألة الاحتكام للمحاكم الدولية. يجب أن نلاحظ تمامًا أنه خلاف القاعدة وخلاف ما أمرنا به، وفي الواقع ركون إلى قوانين غير إسلامية وركون إلى أفهام وعقول غير إسلامية وقضاة تشبعوا بالقضاء المادي. فالأصل فيه أنه يجب ألا يتم، ويجب أن يحل المسلمون قضاياهم فيما بينهم، ولكن لا يعني هذا أننا نغلق الباب بشكل كامل. إذا توقف الأمر والإصلاح ورضي الطرفان، يعني المحكمة الدولية محكمة تصالح وليست محكمة مفوضة من ولي الأمر، محكمة تصالح إذا رضي الطرفان وكانت هناك ضرورة وحرج، وأمثال ذلك بشكل استثنائي يجب أن ينعكس هذا المعنى، لا مانع لكن كما قلت في مرحلة الضرورة والحرج. والأصل أننا يجب أن نعيش في إطارانا وتحكمنا الأخوة الإسلامية. هناك نقطة أخرى وهي أن سيادة الدكتور أشار إلى أن محكمة العدل الإسلامية أقرها هذا المؤتمر، أتصور أن هناك خطأ، الذي أقر محكمة العدل الإسلامية منظمة المؤتمر الإسلامي أقرت النظام الأساسي. وأنا أضم صوتي لسيادته في دعوة الدول الإسلامية جميعًا لتطبيق نفسها بالشكل الذي يجعلها تنسجم مع هذا القرار ولننجو من مسائل اللجوء إلى المحاكم الكافرة. ولذلك هذه الدعوى في محلها، وحبذا لو تمت توصية في مسألة الإسراع في قضية المحكمة الإسلامية وهي محكمة تحكيم أيضًا، يعني محكمة صلح يتصالح عليها الطرفان، وشكرًا جزيلًا.

стр. 15741

الدكتور عبد الله محمد عبد الله: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. نشكر فضيلة المستشار العارض على حسن عرضه واستيفائه في البحوث وببيان. وأشكر أيضًا المجمع الفقهي على جعله هذا الموضوع ضمن الموضوعات التي تناولتها هذه الدورة لأهمية هذا الموضوع واتصاله بمصالح كثيرة خصوصًا في عصرنا الحاضر لا سيما إذا نظرنا إلى كثرة قضايا التحكيم التي تعرض على المحكمين الدوليين والتي أحد أطرافها دولة مسلمة. ولهذا كان المجمع موفقًا في طرحه هذا الموضوع. وكذلك موفقًا في بيان العناصر – عناصر الموضوع – بتفصيل. وقد حاولت أن أوفي الكلام على جميع العناصر، ثم عملت ملخصا لهذا البحث في صفحتين ببيان أهم العناصر في كل نقطة من النقاط. والذي يهمني الآن أن أركز عليه بعض النقاط البسيطة. أولًا موضوع التحكيم يمكن تقسيمه إلى قسمين أو تشعيبه إلى شعبتين: الشعبة الأولى: تختص في التحكم بين المسلمين في الدول الإسلامية أفرادًا وجماعات. الشعبة الثانية: التحكيم الدولي الذي أحد عناصر أو أطرافه دول إسلامية مع دولة غير إسلامية أو شركة إسلامية مع شركة غير إسلامية. وهذا الرأي يعالجه القانون بجعل التحكيم الدولي أو التجارة الدولية ... التجارة الدولية الآن تخضع معظمها لحل مشاكلها عن طريق التحكيم الدولي. وهناك هيئات دولية تختص في حل هذه المشاكل. وقد استعرضت في المقدمة جملة من القضايا المرفوعة أمام المحكمين الدوليين والتي أحد أطرافها دولة إسلامية. ولهذا أنا فرقت بين الشعبة الأولى والشعبة الثانية. فالقسم الأول هذا الذي تحدث عنه الفقهاء والذي تناوله الفقهاء في كتبهم، والشروط التي يشترطونها في المحكم، وهل المحكم قريب من القضايا فيتقاربان من حيث حفظ الشروط أم لا؟.

стр. 15742

أما الشعبة الأخرى فتخضع إلى مسألة أخرى. بالنسبة للفرد المسلم الذي يذهب إلى بلاد غير إسلامية. فالفقه الإسلامي أجاز للمسلم أن يعمل بالتجارة في بلاد غير إسلامية أن يذهب بعقد أمان، كما يدخل المستأمن الكافر في بلاد المسلمين بعقد أمان. فهنا مسألة الولاية غير واردة (وَلَنْ يَجْعَلَ الْلَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا) ، غير وارد في هذا المكان لأن هذه بلاد كافرة ولا سلطة للمسلم فيها وليست له عزة الاحتكام ولا قوة يلجأ إليها، فهو يتعامل مع الناس ومن خلال هذه المعاملات تحدث مشاكل في العقود، في البيع والشراء، وفي الإجارة، في العقود التي قد يبرمها مع هؤلاء ومع الشركات الأجنبية، فهو معرض لهذه الأمور ولابد من سبيل للوصول إلى حقه، فإما أن نقول خذ حقك بيدك وهو أضعف من الضعيف، وأما أن نقول له ألجأ إلى الجهات التي تجعلها هذه الدول لوصول الإنسان إلى حقه. وهناك كلمات ذكرتها طيبة جدًا للإمام ابن تيمية يقارن بين الدولة الكافرة إذا كانت عادلة والدولة المسلمة إذا كانت جائزة، وأن العدل والظلم لا يرتبطان دائمًا بالإسلام والكفر، فقد تكون هناك دولة كافرة ولكن يستطيع الإنسان أن يصل إلى حقه أو تمنع عنه المظالم وقد يعيش الإنسان في دولة إسلامية وهو مهدد في حياته وفي ماله وفي عرضه. فذكرت هذه الكلمات في بحثي. واستشهدت لهذه الواقعة بالمهاجرين الأولين الذين هاجروا إلى الحبشة فإن الرسول ﷺ قال: ((اذهبوا إلى الحبشة فإن فيها ملكًا لا يُظلم عنده أحد)) ، وقد تعقبتهم قريش وأرسلت عبد الله بن أبي ربيعة وعمرو بن العاص، وهناك محاولة طويلة عريضة ذكرها صاحب (الروض الأنف شرح السيرة لابن هشام) وذكرت كثيرًا من هذه الوقائع، واتفقوا مع القساوسة أو مع الرهبان أن يحولوا بين النجاشي وبين الاجتماع بالمسلمين، ولكن أصر على استدعاء المسلمين لسماع أقوالهم. فهناك لكلمات رائعة لجعفر بن أبي طالب وهو يعرض وضع المسلمين بعد الرسالة وكيف وقف ضدهم المشركون وآذوهم حتى اضطروا إلى الهجرة إلى بلاده وأنهم ينشدون العدل، وأن الرسول ﷺ أخبرهم بأنه ملك عادل لا يظلم عنده أحد، فلما سمع منهم أصدر حكمه العادل بأن منعهم من القرشيين وقال لهم: امكثوا ولن تتعرضوا لأي أذى وأن من يتعرض لكم بسوء يُغَرَّم وكرر هذه الجملة ثلاث مرات، وكلام طويل في هذا. فاستشهدت بهذه الواقعة عند المسلمين هنا ... حضروا إلى مجلس النجاشي وكان كافرا؟ في ذلك الوقت، والكل يذكر على أنه كان يعبد المسيح وما كان يقول بأنه عبد الله وحتى أراد عمرو بن العاص أن يستغل هذه الحالة فقال له: والله لأوقعن بهم، أو كذا، إنهم يقولون على المسيح إنه عبد، فلما أتى بهم سمع منهم النجاشي وقالوا: والله لن نقول إلا كما قال لنا رسول الله ﷺ وأخبرنا الله أن المسيح عبد الله ورسوله، قال: والله ما زاد ... فأخذنا من هذه الواقعة أنه يجوز للمسلم أن يحتكم إلى الكفار في بلادهم.

стр. 15743

وهناك مسائل كثيرة ذكرها محمد بن الحسن الشيباني في كتابه (السير الكبير) عن المسلم يذهب إلى بلاد الكفار فيغتصب منه ماله أو تغتصب منه وديعته فيلجأ إلى السلطان الكافر فيحكم له أو عليه. ولكن هنا مسألة بسيطة لابد أن نقف عندها وننبه لها. وهناك فرق بين المسائل الدينية والمسائل الدنيوية (الخلافات المالية) ، فإذا كان المسلم يفتتن في دنيه فلا يجوز أن يبقى في بلاد الكفر وهذا معروف، المسائل الدنيوية الخاصة كمسائل الزواج وغيرها فلا يجوز أن يحتكم فيها إذا كانت زوجته مسلمة قد يلجأ إلى الكفار في هذه الأمور، ولهذا إذا وضع للكفار مسلم يحكم بين المسلمين في هذه الأمور فهذا أمر طيب، أما إذا كان يفتن لا يترك لهم الفصل في هذه الأمور فهناك تعتبر فتنة في الدين ولا يجوز لهم البقاء في بلاد الكفر. المسألة الأخرى، احتكام المسلمين كدول إلى المحاكم الدولية أو المحافل الدولية، أيضًا ذكرت هذه المسألة للعهود والمواثيق. هناك الآن ميثاق الأمم المتحدة، هذا الميثاق وافق عليه جميع دول العالم، العربية والإسلامية وغير الإسلامية، فهناك معاهدات على حسن الجوار، وعلى التعاون، وعلى عدم الاعتداء على بعض أنا شبهت هذا الميثاق بكتاب النبي ﷺ عندما هاجر إلى المدينة وكيف آخى بين المهاجرين والأنصار ثم كتب كتابين وهو بين اليهود على أن يتناصروا ويدفعوا الظلم عن المظلوم يهودًا كانوا أم غير يهود. وأخذت من هذا دليلًا على أن ميثاق الأمم المتحدة بالتعاون على حل المشاكل وحلها سلميًا دون اللجوء إلى الحرب تدخل في هذا الباب. وأصلت أيضا باب الاستعانة بالكافر، فهنا الاستعانة قد يكون الخلاف بين دولة إسلامية ودولة غير إسلامية، وفي هذه الحالة الاستعانة بدولة إسلامية على دولة غير إسلامية أمر ميسر والخلاف فيه بسيط أيسر من لو كان الخلاف بين دولتين إسلاميتين وكان الأمر يستدعي الانتصار بالحرب. فهنا ذكرت مذاهب العلماء في هذه المسألة، طبيعي الجمهور يمنع وفريق يذهب إلى الاشتراط بالا يكونوا أقوى منا، وفريق يطلق بهذا وهم طائفة من الزيدية. وذكرت هذه النصوص وأخضعت اللجوء إلى المحاكم الدولية لهذا. وأشرت إلى إنشاء محكمة العدل الإسلامية وهذا هو الأساس للتصدي لمشاكل المسلمين وبينت أن الفصل الثامن من ميثاق الأمم المتحدة لا يعارض في إنشاء كيانات أو هيئات تتصدى لحل المشاكل الإقليمية. وهناك عدة هيئات لهذا الخصوص ومحكمة العدل الدولية ليست بدعًا من هذه الهيئات الموجودة. وشكرًا لكم،،

стр. 15744

الدكتور عبد اللطيف الفرفور: بسم الله الرحمن الرحيم، أشكر لأخي المستشار المنياوي عرضه القيم ولكن تفضل سيادته فقال: إن المذهب الحنفي يجيز – فيما أذكر – أن يكون الحكم ذميًا في قضية فيها ذمي ومسلم، ونسب ذلك إلى الحنفية. وأخذ ذلك من كتاب السير الكبير للإمام محمد، أو شرحه للسرخسي، لا أذكر بالضبط، ولكن هنا أقل عند كلمة (مذهب الحنفي) . الواقع كما تعلمون أيها السادة العلماء الأجلاء أن مذهب الحنفية إذا قلنا مذهب الحنفية يعني فتوى والفتوى عند الحنفية تقررت على رد المحتار لابن عابدين في الأعم والأغلب، وتقريراتها. وكلام الإمام محمد بن حسن على جلالته وجلالة صاحبه أحيانًا قد يترك في المذهب، فكم من الفروع أخذ فيها بقول الشيخين، أبي حنفية وأبي يوسف وترك قول الإمام محمد؟ وربما أخذ بقول الإمام محمد وترك قول الشيخين، أو أخذ بقول الصاحبين وترك قول الإمام. هذه مسائل ينبغي الرجوع فيها إلى كتب الفتيا. فتوقفت في قضية مذهب الحنفية. أنا لا أذكر، لا أقول ليس هناك أو أنفي وجود الفرع في المذهب، لا، لأنه ليس لدي الآن حاشية حتى أراجعها، والذي أذكره في مذهب الحنفية – والله أعلم – وقد راجعت في ذلك أخي وزميلي الأستاذ الشيخ خليل الميس وهو حنفي أنه لا يوجد هذه الفرع في مذهبنا على أساس الفتيا، يعني أنه لا يفتي به في دار الإسلام، وأن يكون الذمي له ولاية التحكيم في قضية فيها مسلم ولو أن فيها ذميا آخر أيضًا وبالنسبة للقضايا الفردية لا القضايا الدولية، وفي دار الإسلام لا في دار الحرب ولا في دار العهد. أما الأمر يختلف تمامًا في دار العهد أو في دار الحرب، فكما تفضل سلفي الخير – حفظه الله – فهذا كلامه صحيح لكن نتكلم عن الخلافات الفردية لأنه كما تقرر في جمهرة المذاهب الإسلامية أنه لا ولاية لكافر على مسلم، والتحكيم نوع ولاية لأنه هو جزء من القضاء، ولذلك فإنني أطالب أخي وصديقي بمراجعة هذا الفرع في حاشية رد المحتار على الدر وتكملتها، وتقريراتها الرافعي، حتى نتوثق من أن هذا الكلام هو مذهب الحنفية أو كلام الإمام محمد. أما قوله من كلام الإمام محمد فمسلم أنه نقل عنه، ومن حفظ حجة على من لم يحفظ. فأنا أسلم أن هذا الكلام كلام الإمام محمد بن حسن، ولكن لا أسلم أبدًا أن هذا هو مذهب الحنفية، حتى يرجع سيادته مشكورًا إلى حاشية ابن عابدين ويوافينا بالنص. هذه نقطة.

стр. 15745

والنقطة الثانية، هي أن التحكيم بالنسبة للأفراد في دار الإسلام أمور موجودة في كتب الفقه ولا حاجة لأن نعيد صياغة الفقه من جديد في مؤتمرنا الموقر هذا. نحن نريد أن نبحث في أمور مستجدة، والأمور الجديدة هي التحكيم الدولي. يعني الذي أراه أو الذي يظهر لي أن جهودنا يجب ألا تكون مهدورة، وألا نتكلم فيما يتكلم فيه أسلافنا العلماء القدامى – رضي الله تعالى عنهم – وأشبعوه بحثًا. هنالك اليوم تحكيم دولي مثلًا بين دولة عربية ودولة عربية، وبين دولة عربية ودولة إسلامية، بين دولة إسلامية ودولة إسلامية، بين دولة – مثلًا – إسلامية ودولة غير إسلامية (كافرة) . فمثلًا التحكيم في دار الحرب ينبغي أن نعطيه حقه، التحكيم في دار العهد، لقد سمعنا من أخينا وحبيبنا الذي تفضل قبل قليل ودخلت الجلسة الموقرة فسمعته يتكلم عن دار الحرب ولكن دار العهد لم نسمع كلامًا عن ذلك، ودار العهد لها قيمة في الفقه الإسلامي لأنه ليست الكرة الأرضية دارين، دار حرب ودار إسلام. هنالك دار إسلام ودار حرب ودار عهد – فمثلًا – وسويسرًا دار عهد، السويد دار عهد، النرويج وذلك على سبيل المثال، أما بالنسبة لإسرائيل دار حرب. فما الحكم في دار العهد؟ هل تجوز ولاية الذمي أم لا تجوز؟ لأن في دار العهد الأمر يختلف، للإنسان المسلم قيمته فيه. دار الحرب لا، المسلم لا قيمة له أبدًا لأنه خصم، بينما نجد مثلًا في دولة اسكندنافية (السويد، النرويج، الدنمارك، سويسرا) أكثر المعاهد الإسلامية والمراكزالإسلامية الموجودة هناك ويعترفون بنا وبفقهنا وبجمعياتنا الإسلامية ومراكزنا، فهناك أكبر مركز إسلامي موجود في جنيف. إذن ما هو الحكم في دار العهد؟ هذا المهم.

стр. 15746

الشيخ عبد الله بن بيه: بسم الله الرحمن الرحيم، اللهم صل على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه. في الحقيقة أعتقد أن هذه البحوث تدور حول كثير من القضايا المعروفة فيما يتعلق بالتحكيم بين المسلمين وفي أرض المسلمين ولكن الذي يجب أن نتوقف عنده هو ثلاث قضايا: القضية الأولى: تتعلق بالجالية الإسلامية في بلاد الكفر، هذه الجالية التي قد تلجأ إليها أحكام غير مسلمين وتلجؤها الضرورة إلا هؤلاء الحكام. وهذه ينبغي أن نوجه إليها كلمة. القضية الثانية: الجهات الإسلامية التي قد تكون في خصومة أو طرفًا في قضية مع شركات غير إسلامية وفي الغالب في هذه القضية الكبيرة ينص في عقد الاتفاق على جهة تعتبر حكمًا بين الخصمين في حال نشوب نزاع بينهما. وهذا أيضًا تحتاج إلى كلمة. القضية الثالثة: هي النزاع الذي قد ينشأ بين الحكومات الإسلامية، وهذا النزاع قد لا يوجد له حل إذا لم يلجأ إلى تحكيم أجنبي. هذه المسائل كلها هي تحت باب الضرورات. يجب أن نجعلها تحت هذا العنوان لأن البحث عن أحكام تفصيلية تجيزها الأصل أنها غير جائزة ويجب أن نعترف بها الأصل. الأصل أن المسلم لا يجوز له أن يتحكم أو أن يحكم غير المسلم ولكن الضرورات لها أحكامها، فإذا خيف ضياع مال كثير فإنه يجوز للمسلم في هذه الحالة وفي دار يتعذر فيها وجود مسلم ليكون حكمًا أن يلجأ إلى هذه الجهات لإنقاذ ماله. والكلمة الثانية في هذا نطلب من هذه الجاليات أن تعين مجموعة من الحكماء إذا لم نقل من الحكام ليتولوا هذا الأمر لأنه مع الوقت والنزاع يكون بين مسلمين قد يطمئن الناس إلى هؤلاء الحكام أو إلى هؤلاء الحكماء من المسلمين في هذه الجاليات. في بعض المناطق وفي بعض الدول توجد جاليات كبيرة تعدادها بالملايين في أمريكا، فرنسا، في كثير من البلاد، هذه الجاليات يجب أن نعوّدها وأن يفتي لها مجمعنا لأنها تهتم كثيرًا بفتاوى المجمع، وكنت السنة الماضية في فرنسا وكنا في لقاء إسلامي فهم يهتمون كثيرًا بهذه القضايا. هذا بالنسبة للجاليات. بالنسبة للشركات يجب أن نطلب منها أن تعتمد جهات إسلامية في التحكيم. هذه الجهات الإسلامية يجب أن تكون على مستوى عال لمعرفة قوانين التجارة والأنظمة الإدارية التي تحكم العالم حتى تجتذب وتنتزع الثقة ولتكون حكمًا ومرجعًا في خصوماتها. بالنسبة للحكومات الإسلامية يجب أن نطلب منها أن تنشئ منها محكمة عدل إسلامية في أسرع وقت ممكن، وإذا لم تنشأ هذه المحكمة فإن الاحتكام إلى تلك الجهات أولى من الدخول في حروب ومنازعات. وشكرًا،،، الرئيس: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. قد ترون مناسبًا أن تتألف اللجنة من أصحاب الفضيلة: العارض والمقرر، الشيخ عبد الله محمد، الشيخ عجيل، الشيخ وهبة. وبهذا ترفع الجلسة وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.

стр. 15747

القرار بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد خاتم النبيين وعلى آله وصحبه. قرار رقم: ٩٥ / ٨ / د٩ بشأن مبدأ التحكيم في الفقه الإسلامي إن مجلس مجمع الفقه الإسلامي المنعقد في دورة مؤتمره التاسع بأبي ظبي بدولة الإمارات العربية المتحدة من ١ إلى ٦ ذي القعدة ١٤١٥ هـ، الموافق ١ – ٦ أبريل ١٩٩٥ م. بعد اطلاعه على البحوث الواردة إلى المجمع بخصوص موضوع: مبدأ التحكيم في الفقه الإسلامي وبعد استماعه إلى المناقشات التي دارت حوله: قرر ما يلي: أولًا: التحكيم اتفاق بين طرفي خصومة معينة، على تولية من يفصل في منازعة بينهما، بحكم ملزم، يطبق الشريعة الإسلامية. وهو مشروع سواء أكان بين الأفراد أم في مجال المنازعات الدولية. ثانيًا: التحكيم عقد غير لازم لكل من الطرفين المحتكمين والحكم، فيجوز لكل من الطرفين الرجوع فيه ما لم يشرع الحكم في التحكيم، ويجوز للحكم أن يعزل نفسه – ولو بعد قبوله – ما دام لم يصدر حكمه، ولا يجوز له أن يستخلف غيره دون إذن الطرفين لأن الرضا مرتبط بشخصه. ثالثًا: لا يجوز التحكيم في كل ما هو حق لله تعالى كالحدود، ولا فيما استلزم الحكم فيه إثبات حكم أو نفيه بالنسبة لغير المتحاكمين ممن لا ولاية للحكم عليه، كاللعان لتعلق حق الولد به، ولا فيما ينفرد القضاء دون غيره بالنظر فيه. فإذا قضى الحكم فيما لا يجوز فيه التحكيم فحكمه باطل ولا ينفذ. رابعًا: يشترط في الحكم بحسب الأصل توافر شروط القضاء. خامسًا: الأصل أن يتم تنفيذ حكم المحكم طواعية، فإن أبى أحد المحتكمين، عرض الأمر على القضاء لتنفيذه، وليس للقضاء نقضه ما لم يكن جورًا بينًا أو مخالفًا لحكم الشرع. سادسًا: إذا لم تكن هناك محاكم دولية إسلامية يجوز احتكام الدول أو المؤسسات الإسلامية إلى محاكم دولية غير إسلامية توصلًا لما هو جائز شرعًا. سابعًا: دعوة الدول الأعضاء في منظمة المؤتمر الإسلامي إلى استكمال الإجراءات اللازمة لإقامة محكمة العدل الإسلامية الدولية وتمكينها من أداء مهامها المنصوص عليها في نظامها.

стр. 15748

نقص المناعة المكتسبة (الإيدز) أحكامه وعلاقة المريض الأسرية والاجتماعية إعداد الدكتور سعود بن مسعد الثبيتي الأستاذ المساعد بقسم الشريعة كلية الشريعة والدراسات الإسلامية جامعة أم القرى – مكة المكرمة المملكة العربية السعودية مقدمة إن الحمد لله نحمده، ونستعينه ونستغفره ونستهديه ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له من يضلل فلا هادي، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك ولا ند ولا نظير له ... وبعد: فما كان مرض الإيدز وباء عرف هذا العصر وأول ما عرف عام ١٩٨١ م، وسمي مرض نقص المناعة المكتسبة (١) ، وهو مرض فيروسي يصيب الخلايا اللمفاوية المناعية فيعطل وظيفتها ونشاطها المقاوم لشتى الأمراض الميكروبية والفيروسية الأخرى (٢) . وحيث إن هذا المرض لم يكتشف له علاج إلى يومنا هذا وهو من الأمراض المعدية التي لا تعرف الحدود الزمانية ولا المكانية فهو ينتقل من الآباء إلى الأبناء عن طريق الحمل والولادة، كما أنه ينتقل من قطر إلى آخر حتى لقد وجدت حالات في جميع أنحاء العالم. فالتنقل من بلد إلى آخر للدراسة أو العلاج أو التجارة أو السياحة كان سببًا في انتقاله وانتشاره فهو مرض له وطأته العالمية، ومن آخر ما نشر في تقرير لليونسيف أن المصابين به حوالي أثنى عشر مليونًا بينهم ستة ملايين ونصف مليون أفريقي (٣) ، وله آثاره النفسية والأسرية والاجتماعية والاقتصادية وقد أصبح الشغل الشاغل لأجهزة الإعلام في الدول الغربية، وأصبح اسم الإيدز يمثل الرعب الذي كان يمثله اسم الطاعون في القرون السابقة حينما كان يقضي على عشرات الملايين من البشر (٤) .

стр. 15749

ولما كان لابد من بحث الأحكام المتعلقة بالمريض وأسرته وأفراد المجتمع الذي يعيش فيه ويتعامل معهم واخترت أن يكون مجالًا لبحثي المتواضع لعلي أسهم في معرفة أحكامه وطرق الوقاية منه بعد معرفة وسائل انتقاله ولهذا قمت بقراءة بعض الكتب الطبية المتخصصة فيه، والاتصال بكثير من الأطباء الذين لهم اهتمام خاص أو مؤلفات مكتوبة وبجهات رسمية مختصة في الطب الوقائي وحماية المجتمع من انتشار الأمراض السارية (١) . فتكونت عندي فكرة جعلتني أقدم على الكتابة في أحكامه التي تعتبر نتيجة لوضوح رأي الأطباء خصوصًا في الوسائل التي ينتقل بها. وحيث إن الأمراض المعدية منها ما ينتقل عن طريق المعاشرة الجنسية ومنها ما ينتقل عن طريق الملامسة ومنها ما ينتقل عن طريق المعايشة ومنها ما ينتقل عن طريق الحشرات ... إلخ، حرصت كل الحرص على معرفة طرق انتقاله. وفرعت على ضوء ما ظهر لي وذكرت عند الاختلاف في بعض وسائل انتقاله احتمالات لكون الرأي الطبي فيها غير حاسم حتى الآن. وقد اقتضت طبيعة البحث أن أكتب تمهيدًا في القضاء والقدر وارتباط الأسباب بالمسببات ودفع توهم التعارض بين الأدلة المثبتة للعدوي والنافية لها ثم كتبت في حكم علاقة الزوج المريض مع السليم وهل يحق له فسخ النكاح أو لا؟ ثم تعرضت لأحكام جنايته وتسببه في نقل المرض إلى الأصحاء، وتقصير الأطباء المسبب لنقل المرض، وما يترتب على ذلك من أحكام، وذكرت حكم حمل المرأة المصابة وإجهاضها وحضانتها ورضاعاتها لطفلها الذي لم تظهر عليه أعراض المرض، كما عقدت مبحثًا بينت فيه حكم عزله عن المجتمع ومنعه من مشاركة غيره من التعليم والعمل وذكرت فيه الحكم على احتمالين كما جرت به عادة علمائنا الأفاضل من ذكر الاحتمالات في الأمور المشتبهة كما أنني لم أنس الإجابة على طرق الوقاية في الحج حين الحلق، وقبل الخاتمة عقدت مبحثًا في حكم اعتبار الإيدز مرض موت. والله أسأل أن يكون هذا العمل لله خالصًا وللإسلام والمسلمين نافعًا.

стр. 15750

تمهيد ويمكن تقسيم التمهيد إلى قسمين: أولًا: في الإيمان بالقضاء والقدر والأخذ بالأسباب ثانيًا: دفع التعارض بين الأحاديث الواردة في العدوى. أولًا: في الإيمان بالقضاء والقدر والأخذ بالأسباب: الإيمان بالقضاء والقدر أحد أركان الإيمان الستة التي يجب على المؤمن الإيمان بها. وهو قاعدة عقيدته، فلا يصح إيمانه إلا إذا آمن أن ما أصابه من خير أو شر فبإذن الله وقضائه وقدره. وإن الإنس والجنس لو اجتمعوا على أن ينفعوه بشيء لن ينفعوه إلا بشيء قد كتبه الله له، ولو اجتمعوا على يضروه بشيء لم يضروه إلا بشيء قد كتبه الله عليه. قال تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [التغابن: ١١] . وقوله تعالى: ﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [التوبة: ٥١] . وفي الحديث: ((احرص على ما ينفعك، واستعن بالله ولا تعجز وإن أصابك شيء فلا تقل: لو أني فعلت كذا وكذا، لكن قدر الله وما شاء فعل)) . . . . (١) . فالمؤمن مطمئن النفس هادئ البال قرير العين بإيمانه، والكافر الذي لا يؤمن بقضاء الله وقدره يخشى المستقبل، ويتوقع الخطر، ويحيطه الخوف الغامض ويحدث عنده الترقب، ولذلك كثرت نسبة المصابين بالقلق والتواتر النفسي في الدول الغربية فكثرت حوادث الانتحار مع كثرة العيادات النفسية وما تقدمه من مسكنات ومهدئات. هذا هو الفارق الواضح بين المؤمن والكافر في الدنيا. إلا أن مما ينبغي فهمه واعتباره في هذا المقام ما هو معلوم في عقيدة أهل السنة والجماعة ومرتبط أوثق الارتباط وأشده بالقضاء والقدر، من أن الأخذ بالأسباب مطلب من مطالب الشارع الحكيم وأنه لا ينافي التوكل. فالإنسان مخلوق وهبه الله العقل والإرادة الحرة والقدرة المستعدة للتنفيذ في حدود الإمكان الموهوب ولكن عمل قدرة الإنسان في آثارها إنما هو عمل الأسباب في مسبباتها لا عمل المؤثرات الحقيقية إذ إن المؤثر الحقيقي هو الله الذي علم ما سيصيبنا من خير أو شر فقدره علينا وأمرنا بسلوك طريق النجاة والبعد عن المهلكات فمن أخذ بالأسباب وآمن بالقضاء والقدر اطمأن قلبه لكل ما يجري في الكون مما لا كسب له فيه ورضي بمراد الله مهما كان الأمر محزنًا أو سارًا.

стр. 15751

ثانيًا: دفع التعارض بين الأحاديث الواردة في العدوى: قد يظن بعض من يطلع على الأحاديث الدالة على إثبات العدوى والأحاديث النافية لها أن بينها تعارضًا ولكن سرعان ما يزول هذا الظن ويندفع ذلك الإشكال المتوهم بعد الإطلاع على أقوال أهل العلم الذين جمعوا بين هذه الأحاديث والآثار. ١- ورد أن النبي ﷺ قال: ((لا عدوى ولا طيرة)) (١) كما ثبت أنه قال لا يورد ممرض على مصح (٢) . وقد جمع علماء السلف بينهما بما يزيل الإشكال ويدفع التوهم، وكان من أبينهم كلامًا في هذا الشأن الشيخ الإمام محيي الدين النووي في شرحه علي صحيح مسلم، والعلامة ابن القيم رحمهما الله تعالى. قال ابن القيم: (الحديثان صحيحان ولا نسخ ولا تعارض بحمد الله بل كل منهما له وجه ... ولكل واحد معنى في وقت وموضع فإذا وضع موضعه زال الاختلاف ... وعندي في الحديثين مسلك يتضمن إثبات الأسباب والحكم ونفي ما كانوا عليه من الشرك واعتقاد الباطل ووقع النفي والإثبات على وجهه) (٣) . وقال النووي: (قال جمهور العلماء يجب الجمع بين هذين الحديثين وهما صحيحان قالوا: وطريق الجمع أن حديث لا عدوى المراد به نفي ما كانت الجاهلية تزعمه وتعتقده أن المرض والعاهة تعدي بطبعها لا بفعل الله تعالى وأما حديث ((لا يورد ممرض على مصح)) فأرشد إلى مجانبة ما يحصل الضرر عنده في العادة بفعل الله تعالى وقدره فنفى في الحديث الأول العدوى بطبعها ولم ينف حصول الضرر عند ذلك بقدر الله تعالى وفعله وأرشد في الثاني إلى الاحتراز مما يحصل عنده الضرر بفعل الله وإرادته وقدره) (٤) . وأما حديث ((فر من المجذوم فرارك من الأسد)) . . . . (٥) ، وحديث جابر أن النبي ﷺ أكل مع المجذوم في قصعة واحدة، وقال له: ((كل ثقة بالله وتوكلًا عليه)) . . . . (٦) .

стр. 15752

فقد وضح ابن القيم وجه الجمع بينهما قوله: (غاية ذلك أن مخالطة المجذوم من أسباب العدوى وهذا السبب يعارضه أسباب أخر تمنع اقتضاءه فمن أقواها التوكل على الله والثقة به فإنه يمنع تأثير ذلك السبب المكروه ولكن لا يقدر كل واحد من الأمة على هذا فأرشدهم إلى مجانبة سبب المكروه والفرار من ذلك ولذلك أرسل إلى ذلك المجذوم الآخر بالبيعة تشريعًا منه للفرار من أسباب الأذى والمكروه وأن لا يتعرض العبد لأسباب البلاء، ثم وضع يده معه في القصعة، فإنما هو سبب التوكل على الله والثقة به الذي هو أعظم الأسباب التي يدفع بها المكروه والمحذور تعليمًا منه للأمة دفع الأسباب المكروهة بما هو أقوى منها وإعلامًا بأن الضرر والنفع بيد الله فإن شاء أن يضر عبده ضره وإن شاء أن يصرف عنه الضر صرفه بل إن شاء أن ينفعه بما هو من أسباب الضرر ويضره بما هو من أسباب النفع فعل، ليبين للعباد أنه وحده الضار النافع وأن أسباب النفع والضرر بيديه وهو الذي جعلها أسبابًا وإن شاء خلع منها سببيتها وإن شاء جعل ما تقتضيه بخلاف المعهود منها يعلم أنه الفاعل المختار وأنه لا يضر شيء ولا ينفع إلا بإذنه وأن التوكل عليه والثقة به تحيل الأسباب المكروهة إلى خلاف موجباتها) (١) . فالعبد مأمور باتقاء أسباب الشر إذا كان في عافية فكما أنه يؤمر أن لا يلقي نفسه في الماء والنار مما جرت العادة أنه يهلك أو يضر فكذلك اجتناب مقاربة المريض كالمجذوم والقدوم على بلد الطاعون فإن هذه كلها أسباب للمرض والتلف ... وأما إذا قوي التوكل على الله والإيمان بقضاء الله وقدره فقويت النفس على مباشرة بعض هذه الأسباب اعتمادًا على الله ورجاء منه أن لا يحصل منه ضرر ففي مثل هذه تجوز مباشرة ذلك لاسيما إذا كانت مصلحة عامة أو خاصة ... وعليه فالأخذ بالأسباب لا ينافي التوكل كما لا ينافيه دفع الجوع والعطش والحر والبرد باضدادها (٢) .

стр. 15753

المبحث الأول في علاقة المريض مع أسرته يمكن تقسيم هذا المبحث إلى ثلاثة مطالب: المطلب الأول: في إخبار أحد الزوجين بمرض الآخر. المطلب الثاني: في التفريق بين الزوجين لمرض الآخر. المطلب الثالث: في إجهاض الجنين وإرضاع وحضانة الطفل السليم من أم مصابة. المطلب الأول في إعلام أحد الزوجين بإصابة الآخر المعاشرة الجنسية إحدى وسائل انتقال المرض المتفق عليها بين الأطباء، والمرض كما هو معلوم عند الأطباء يمر بثلاث مراحل هي: -١ مرحلة وجود الفيروس. ٢- مرحلة سكون قد تمتد إلى عدة سنوات (١) ٣- مرحلة ظهور المرض بصورته الكاملة حيث تتدهور حالة المريض الصحية بسرعة تنتهي بالوفاة. وهو معد في مراحله الثلاث بل إن من أخطر مراحل انتقاله مرحلة السكون. ومعرفة مراحل المرض من أهم الأسباب التي ينبغي تفريغ الأحكام عليها ومن أهم الأحكام التي يجب مراعاتها واتخاذ كافة الاحتياطات للحد منه وعدم انتشاره. إذ إن الوقاية هي الوسيلة الوحيدة للحد منه حتى الآن، ولذا يجب إبلاغ الزوج الآخر بطريقة هادئة غير مروعة حتى يتخذ التدابير اللازمة ووسائل الوقاية التي يراها الأطباء أو المفارقة، ولو تتبعنا نصوص الشارع لوجدنا فيها ما يمكن أن نستدل به على وجوب الإخبار ولا سيما إذا علمت الإصابة قبل حصول معاشرة زوجة (٢) ، أما إذا حصلت المعاشرة فطريقة الإخبار تختلف عند الأطباء ولا تنافي تلك الطرق أدلة الشارع ومقاصده العامة وكما يقال: (كل مقام فله مقال) .

стр. 15754

وإليك عدة نصوص يمكن الاستدلال بها على وجوب الإعلام والإخبار منهما: ١- ما روي ((أن النبي ﷺ تزوج امرأة من بني غفار فلما دخل ووضع ثوبه وقعد على الفراش أبصر بكشحها)) (١) بياضًا (٢) فانحاز عن الفراش ثم قال: ((خذي عليك ثيابك ولم يأخذ مما آتاها شيئًا)) . . . . (٣) . وفي رواية: ((الحقي بأهلك)) . . . .، زاد البيهقي: فلما أدخلت رأى بكشحها وضحًا فردها إلى أهلها وقال: ((دلستم علي)) . . . . (٤) . والتدليس هو إخفاء العيب وكتمه (٥) . وقد قال ذلك النبي ﷺ منكرًا عليهم عدم إخباره بما فيها من عيب وأمر ببيان العيوب في المبيعات فكيف يكون الحال في مرض هو مقدمة لهلاك محقق وقد ينتقل إلى غير الزوجين، والنبي ﷺ نهى عن الضرر والإضرار، ونفاهما ونهى عن الغش والتدليس. - عن ابن سيرين قال: (بعث عمر بن الخطاب رجلًا على السعاية فأتاه فقال: تزوجت، فقال أخبرتها أنك عقيم لا يولد لك؟ قال: لا. قال: فأخبرها وخيرها) . . . . (٦) فهذا أمر من أحد الخلفاء الراشدين لرجل عقيم لا يولد له فكيف والحالة يخشى تعديها إلى الزوج الآخر بل تتعدى بظن غالب إلى الأبناء أما إذا حصلت الإصابة وشك في إصابة الآخر فيجب إخبار الزوج الآخر وتنبيهه بأن المرض معد ويجب عليه متابعة حالته، وعدم التسرع في الزواج من آخر حتى يغلب على الظن تجاوز مرحلة العدوى وأخذ الاحتياطات التي يراها الأطباء من لبس العازل الذي يقلل من انتقال العدوى إلى حد كبير إذا رغبا في استمرار الحياة الزوجية.

стр. 15755

المطلب الثاني التفريق بين الزوجين المصاب أحدهما بالإيدز مرض الإيدز وباء عصري لا نجد له ذكرًا في نصوص الفقهاء، والذي يمكننا عند إرادة معرفة أحكامه هو النظر في نصوص الفقهاء وأحكامهم في الأمراض المعدية كالجذام والبرص والسل وغيرها بجامع العدوى وإن اختلفت طرق العدوى، فالنظير يعطى حكم نظيره والمثيل يعطى حكم مثيله، وحيث إنه مرض ليس له علاج الآن ولا حدود له زمانية ولا مكانية فهو ينتقل إلى الزوجين عن طريق المعاشرة الجنسية كما قرر الأطبال فقالوا: (أصيب عدد كبير من زوجات المصابين بالإيدز وقد يكون المصاب متزوجًا ويمارس الشذوذ الجنسي أو يكون متزوجًا ويتناول المخدرات أو يكون متزوجًا ويمارس الزنا أو يكون – وهذا نادر – أحد ضحايا نقل الدم أو محتوياته. وبما أن الفيروس المسبب للمرض ينتقل عن طريق الاتصال الجنسي فإن زوجات المصابين تظهر عليهن في الغالب أعراض المرض) (١) . فالمعاشرة الجنسية بين سليم ومريض وسيلة من وسائل نقل المرض المتفق عليها بين الأطباء، وحيث إن الأمر كما ذكر فما هو حكم الشريعة الإسلامية في زوجين أصيب أحدهما بهذا المرض الخطير؟ هل يحكم ببقاء السليم مع المريض مهما كانت الحياة صعبة والنفرة موجودة والخوف والترقب والقلق يسود حياة الأسرة، أو أن في الأحكام الشرعية ما يجعل للسليم مخرجًا من هذه الحرج والمشقة؟ التي تصبح الحياة معها جحيمًا لا يطاق، وسجنًا الموت العاجل فيه أيسر من الحياة؟. الجواب على هذا السؤال سيكون باستعراض ما ذكره العلماء من اختلاف في حكم التفريق للأمراض المعدية والمنفرة التي عرفت في زمانهم وهل يمكن تخريج موضوع البحث على ما ذكروه أولا؟ يوجد اختلاف واضح في التفريق بسبب الأمراض المعدية التي يعتبر الإيدز أخطرها على الإطلاق، فالجذام والسل والبرص، أمراض لها علاج أو بطيئة الانتقال أو خطورتها وحدتها أسهل مما نحن فيه.
следующие страницы →