← Фикх общий

Фикх общий · id 8356

مجلة مجمع الفقه الإسلامي

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (22 276 стр.). Показаны 15681–15720 · переход к 15686.

стр. 15681

وعلى القول الثاني جاز أن يلجأ إلى التحكيم على أساس ما أقره الإسلام من قواعد قال ﵇ في العهد الذي كتبه لأهل المدينة: ((أنه ما كان بين أهل هذه الصحيفة من حدث أو اشتجار يخاف فساده فإن مرده إلى الله وإلى محمد رسول الله (١) ، وقال تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ [النساء: ٦٥] )) . وقد ذكر ابن هشام أن تحكيمًا جرى بين رسول الله ﷺ وبين نصارى نجران دعاهم الرسول ﷺ إلى المباهلة فقال له أحدهم: أحكمك اليوم والليلة فمهما حكمت فهو جائز (٢) وإذا كانت المادة (٣٣) من ميثاق الأمم المتحدة تحدد طرق الوسائل السلمية لحل الخلافات وفض النزاعات والتحقق والتوفيق والتحكيم والتسوية القضائية والالتجاء إلى المنظمات الإقليمية وغيرها من الوسائل السلمية التي يرضاها الطرفان، فالنص على رضا الطرفين أساسي في اختيار القانون الذي يحكمان به، ولذلك فإن الالتجاء إلى التحكيم الدولي أو إلى محكمة العدل الدولية يقتضي من الدول الإسلامية أن تختار اللجوء إلى الأحكام الشرعية وذلك لقوله تعالى ﴿وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ [البقرة: ٢١٣] ، وقوله سبحانه: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ﴾ [النساء: ١٠٥] ، ولقوله تعالى: ﴿فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئًا وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [المائدة: ٤٢] ، وما دامت القواعد العامة التي يلجأ إليها هي العدل وعلى أساس احترام الحق (كما جاء في المادة (٣٧) من اتفاقية لاهاي) فإن العدل والحق يتمثلان في القواعد والأحكام التي جاءت بها الشرائع السماوية ومنها الإسلام. قال سبحانه ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى﴾ [ص: ٢٦] ، وقال ﴿وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ [النساء: ٥٨] ، ويرى الشيخ وهبة الزحيلي أنه (لا مانع من تطبيق القانون الدولي (قواعد الحق والعدالة) في التحكيم لأن الرسول حدد مقدمًا لسعد بن معاذ في قضية التمكين في يهود بني قريظة القواعد التي قضي بها.

стр. 15682

وقواعد التمكين في محكمة العدل الدولية لا تخرج عن كونها إما اتفاقًا دوليًّا أو عرفًا عامًّا سارت الدول على مقتضاه، أو قاعدة من قواعد العدل والإنصاف، فإذا اضطرت قاعدة ما بالمسلمين كانوا بالخيار كما هو المقرر دوليًّا في عدم عرض النزاع على محكمة العدل المذكورة (العلاقات الدولية في ظلال الإسلام) / ٧٧ وهذا الكلام لا يقبل على إطلاقه من الدكتور الزحيلي للأسباب التالية: ١- التحكيم إنما يكون لشرع الله سبحانه، وقواعد التحكيم أو الحكم في محكمة العدل الدولية لا ترجع إلى الشريعة الإسلامية بل ترجع إلى الاتفاقات الدولية أو العادات الدولية المرعية أو مبادئ القانون العامة التي أقرتها الأمم المتمدنة، فهل هذه متطابقة مع شرع الله أو مستمدة منه، وقد بلونا الأمرين من الاتفاقات الدولية التي ما وضع أكثر أحكامها إلا لتمكين الدول الكبرى المتحكمة من الاستمرار في السيطرة على الشعوب والأمم وابتزاز خيراتها. ٢- الأعراف الدولية منها ما هو عرف صحيح ومنها ما هو عرف فاسد فكيف نلجأ إلى تحكيمهم في رقابنا والله يقول ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ [النساء: ١٤١] . ٣- قواعد (الحق والعدالة) أو قواعد العدل والإنصاف) قواعد مبهمة تختلف باختلاف وجهات نظر الدول والقضاة، فلا يصح الرجوع إلى أمر مبهم غامض أو فيه اختلاف وجهات النظر. والفرق بين الرأيين: أن الرأي الأول لا يجيز اللجوء إلى التحكيم الدولي أو محكمة العدل الدولية إلا إذا كان المحكمون مسلمين، أما الرأي الثاني فيشترط الحكم بالقواعد والتعاليم الشرعية ولو لم يكن المحكمون مسلمين.

стр. 15683

والرأي الذي أراه أن اللجوء إلى المحكمين يقتضي أن يكون بينهم مسلمون، وأن يلتزم بأحكام الشريعة الإسلامية في التحكيم أو أن لا يكون القانون أو القواعد التي يلجأ إليها المحكمون متعارضة مع نص الشريعة الإسلامية أو مقاصدها الشرعية، لا سيما وأن فيها من البنود ما يجعل وضع قواعد التحكيم متروكًا للدولتين المتنازعتين (١) . وأما اللجوء إلى المحاكم الدولية مما لم يكن القانون الذي يحكم به موافقًا لما جاء به الإسلام، وما لم تكن مواد القانون قد وضعت باشتراك الدول الإسلامية وأقرتها طبقًا لفلسفتها ودستورها، فلا يجوز اللجوء إليها لما ذكرنا من النصوص القرآنية الصريحة؛ لأن ذلك اعتراف بسيادة قانون غير إسلامي ليحكم به في خلافات المسلمين. وقد نص الفقهاء على أن شرط التحكيم من جهة المحكم العقل والإسلام، وأن شرط المحكم أن يكون فهيمًا وأمينًا وقادرًا على التمييز وصلاحيته للقضاء وقت التحكيم. ونحن من الرأي القائل بأن التحكيم إنما يكون في سائر الأمور المالية والاجتهادات، كما نص على ذلك صاحب الهداية والدر المختار والبحر الرائق والفتاوى الهندية. وينفذ حكم المحكم أو محكمة العدل الدولية في حق المتنازعين فقط الذين حكماه به أو لجأ إلى المحكمة فيه، ولا يتجاوزه إلى غيره من سائر الخصومات، وينفذ على من رضي به من المحكمين (٢) . والله أعلم وبالله التوفيق. ٢٥ / شوال / ١٤١٤ هـ الدكتور عبد العزيز الخياط

стр. 15684

التحكيم في الفقه الإسلامي إعداد الأستاذ محمود شمام الجمهورية التونسية بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ بسم الله الرحمن الرحيم والحمد لله رب العالمين الحكيم الذي له الحكم وهو أحكم الحاكمين والصلاة والسلام على رسوله الأمين محمد بن عبد الله وآله وصحبه أجمعين وسلم تسليمًا. ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ [النساء: ٥٨] . صدق الله العظيم التحكيم إن الإنسان مدني بالطبع وهو في حاجة أكيدة وشديدة إلى التعامل مع أفراد مجتمعه للتحصيل على ضروريات قوته ومعاشه وتحقيق متطلبات حياته. وهذه الحاجة يتبادلها الأفراد كما تتبادلها الجماعات بحكم الضرورة الملحة والمصلحة الدافعة. ويحدث الخلاف والنزاع والشقاق وتباين وجهة النظر والرأي ثم إسناد المنافع وتبنيها واقتنصاها. وقد شرع الله وسائل لسد الذرائع وحماية المجتمع وأفراده في تعاملهم وفي حياتهم المدنية والاجتماعية والشخصية الفردية. وجاءت وسائل الإثبات وإقامة الحجج ورسم الخطط لدفع هذا النزاع ورده وصده. ولكن مع كل ما يحاط به الموضوع من حماية ورعاية فالخلافات تتوجد وتتكون والنفوس تتقاذفها الأهواء وتتجاذبها المنافع فتدفعها دفعًا إلى إهدار الواجبات والارتماء خلف الادعاءات الكاذبة الباطلة توصلًا لأغراض زائلة وأعراض فانية وأرباح تافهة.

стр. 15685

واحتيج إلى التقاضي والالتجاء إلى الحكم بين الناس واحتيج إلى من ترفع إليه القضايا ليحسم الخلافات ويقضي على النزاعات ويحافظ على سلامة المجتمعات ويحمي أفرادها من تنطع بعضهم وتعمده دوس الحقوق واجتياز الحدود والاستيلاء باطلًا على أموال الناس. والحكم هو العلم والفقه والتفقه والقضاء بالعدل بين الناس وهو مصدر حكم يحكم وجمعه أحكام والتحكيم إسناد الفعل يقال: حكمت فلانًا أي أطلقت يده ورأيه وأوكلت الله تنفيذه. جاء في لسان العرب: مادة حكم الحكم هو القضاء وجمعه أحكام وهو مصدر قولك: حكم فيهم يحكم أي قضى وحكم له وحكم عليه. وحكموه بينهم انتخبوه للحكم وأجازوا ما يقضي به. وفي مختار الصحاح في نفس المادة: حكمه في ماله تحكيمًا إذا جعل إليه الحكم فيه. وجاء في نفس المادة من كتاب المصباح المنير: الحكم هو القضاء حكمت الرجل بالتشديد فوضت إليه الحكم وجاء التشريع الإسلامي قاضيًا بأن من دعي إلى حاكم لفض خلاف ونزاع فعليه الإجابة والامتثال. ودليل ذلك قوله : ﴿وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ [النور: ٤٨] . يقول الماوردي (١) : الآية دليل على وجوب الاستجابة لدعوة القضاء، ويقول: إنه ورد عن الحسن بن علي بن أبي طالب ﵄ قوله: إن النبي ﵊ قال: ((من دعي إلى حاكم من حكام المسلمين فلم يجب فهو ظالم لا حق له)) . . . . .

стр. 15686

والله يقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ [النساء: ٥٨] . وعرف الإمام ابن عرفة القضاء بقوله (١) : (صفة حكمية توجب لموصوفها النفوذ الشرعي ولو بتعديل تجريح لا في عموم مصالح المسلمين) . شرع الرصاع على حدود ابن عرفة والقضاء حددت معالمه وحددت مفاهيمه في الحديث النبوي الشريف عن أبي ذر: قلت: يا رسول الله ألا استعملتني؟ فضرب بيده على منكبي ثم قال: يا أبا ذر، إنك ضعيف وإنها أمانة وإنها يوم القيامة خزي وندامة إلا من أخذها بحقها وأدى الذي عليه فيها. ولقد كان رسول الله ومصطفاه محمد بن عبد الله أول قاض في الإسلام. فالله يقول: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥] . والله سبحانه يخاطب نبيه الأمين عليه الصلاة والتسليم ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ﴾ [المائدة: ٤٨] . وهو يخاطبه جل شأنه قائلًا: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ (٤٩) أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (٥٠) ﴾ [المائدة: ٤٩ – ٥٠] .

стр. 15687

وفي الحديث الصحيح المتفق عليه الذي رواه الإمام أحمد في مسنده عن أم سلمة عن زوج النبي ﷺ أنها قالت: جاء رجلان يختصمان في مواريث بينهما قد درست ليس بينهما بينة فقال رسول الله ﷺ : ((إنكم تختصمون إلي ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض فأقضي له على نحو ما أسمع منه. فمن قضيت له بشيء من حق أخيه فلا يأخذه؛ فإنما أقطع له قطعة من النار)) . فالقاضي إذا أصدر حكمه وأصبح نهائيًّا غير قابل للطعن اعتبر هذا الحكم عنوان الحقيقة ووجب احترامه والخضوع له وأصبح لا مفر من تنفيذه إذا طلب المحكوم له ذلك. أما ما يصدر عن رجل العلم والفتوى فهو محل للمناقشة ويصح الأخذ به أو العدول عنه. القاضي يعتمد فيما يصدره من أحكام على الدليل والحجة والراجح من الأقوال في مذهبه كما يعتمد البينة أي يبين الحق ويظهره ويثبته ويرد الباطل ويدحضه ويقضي على ألاعيب الخصوم وحيلهم. وقد يكون رأي هذا القاضي مخالفًا حين ينتصب للفتوى فيفحص الموضوع من زاوية أخرى ويأخذ بالمرجوح من الأقوال ليطبقه على الموضوع المطروح عليه مراعيًا في ذلك المصلحة العامة المرسلة مجتهدًا في التيسير سالكًا سبل الوصول إلى الحق من أيسر الطرق ((ومن يشاد هذا الدين يغلبه)) . فالنص الشرعي الثابت المسند إليه يمكن أن يعتمد ويستدل به على صرح ما يفهم من عبارته أو إشارته أو دلالته أو اقتضائه، وهذه طرق متفاوتة في قوة دلالتها وعند التوقف والتعارض يرجح المفهوم بالعبارة على المفهوم بالإشارة ويجرح المفهوم بأحدهما على المفهوم بالدلالة وطبعًا مع الإسناد فيما أبداه من الرأي وأدى إليه اجتهاده فيما صرح به. قال بعضهم: الفرق بين القضاء وفقه القضاء فرق بين الأخص والأعم، ففقه القضاء أعم؛ لأنه الفقه بالأحكام الكلية وعلم القضاء هو العلم بتلك الأحكام الكلية مع العلم بكيفية تنزيلها على النوازل الواقعة والقاضي بمعزل عن الإفتاء وإبداء الرأي في القضايا التي من المفروض أن تنشر لديه.

стр. 15688

يقول ابن عاصم: ومنع الإفتاء للحكام، في كل ما يرجع للخصام. وهذا هو الفرق بين علم الفتيا وفقه الفتيا. ففقه الفتيا هو العلم بالأحكام الكلية أما علم الفتيا فهو معرفة تلك الأحكام مع معرفة تنزيلها على أهم النوازل. فالمقلد قد يحفظ مذهب إمامه وهو عاجز عن الغوص في أعماقه ومعرفة غوامضه وهو قاصر عن تقدير أدلته ومرجحات آرائه. وقد تجد الرجل يحفظ كثيرًا من الفقه ويفهمه ويدرسه ويعلمه للناس فإذا سئل عن واقعة وقعت أو نازلة نزلت فهو لا يحسن الجواب بل ولا يفهم المراد ضرورة أنه لا يجدها فيما حفظه ووعاه. وصدق رسول الله ﷺ إذ يقول: ((لا حسد إلا في اثنين رجل آتاه الله مالًا فسلطه على هلكته في الحق ورجل آتاه الله الحكمة فهو يقضي بها ويعمل بها)) . وما العمل بها إلا إرشاد الناس وتوجيههم والسعي إلى حل مشاكلهم في نطاق مبادئ الشريعة السمحة وما جاءت به من أحكام شاملة. يقول شيخنا شيخ الإسلام محمد العزيز جعيط: الحكم يلزم أن يكون فيما يتناوله الخصم والتداعي وإلا كان فتوى لا حكمًا، وهذا كأن يدعي الاستحقاق أبناء أخ في وقف سبله واقفه على أولاده وأولادهم والطبقة السفلي لا تشارك الطبقة العليا، ثم مات الواقف عن ولدين ومات بعده أحدهما عن أولاده وأخيه، فنازعهم العم في استحقاقهم بدعوى أن كل فرد من أفراد الطبقة العليا يحجب الطبقة السفلي عن الاستحقاق فحكم القاضي المالكي باستحقاق أولاد الأخ مع العم وبأن الطبقة العليا إنما تحجب فرعها لا فرع غيرها. فالمعتبر حكمًا هو استحقاق هؤلاء الأفراد مع عمهم أما حكمه بأن الطبقة العليا إنما تحجب فرعها لا فرع غيرها فخارج مخرج الفتوى لا يمنع حاكمًا آخر يرى خلاف هذا المذهب أن يحكم فيما سيحدث في هذا الوقف من النزاع بحرمان فرد من أهل الطبقة السفلى (من غير المحكوم عليهم أولًا) من الاستحقاق لوجود فرد من أهل الطبقة العليا وإن لم يكن أصلًا للمحكوم بحرمانه، ولا يصده عن الحكم حكم الأول بأن الطبقة العليا إنما تحجب فرعها لا فرع غيرها لخروج هذا الحكم مخرج الفتوى. وفتوى المفتي بشيء لا تمنع فتوى غيره بخلاف فتواه ولا حكم غيره بخلاف ما ارتآه؛ لأن الغرض من الحكم سد باب الخصومات وحسم النزاعات ودرء الظلامات وتمكين أهل الحقوق من حقوقهم فيجب أن يقتصر فيه على ما يفي بهذا الغرض. اهـ (١) . وشيخنا ﵀ يشير إلى أن فقه القضاء وتعليل الأحكام وإيضاح الأحكام وإيضاح أسانيد الرأي فيها لا يعني اتصال القضاء في ذلك ولا يمنع من حرية الاجتهاد لاحقًا في القضاء والفتوى.

стр. 15689

مبدأ التحكيم في الفقه الإسلامي وإذا كان القضاء هو مكان التقاضي ترفع إليه الخصومات والنزاعات لفصلها والبت في شأنها فما هو دخل غير القضاة في فصل النزاعات وحلها؟ لقد سمح بهذا التحكيم نفاذًا لإرادة المتخاصمين وإطلاقًا لحريتهم وتخفيفًا من حدة التقاضي أمام القضاة. وهو تحكيم في عموم قضايا الأموال وجملة حقوق المتنازعين وتحكيم يتعلق بالخصام بين الزوجين والخلافات بينهما التي قد يتعذر إثباتها ونسبة أضرارها لفاعلها. والأصل في ذلك أي في إثبات تحكيم القرآن الكريم قال الله : ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آَمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾ [النساء: ٦٤] . والآية بعدها ٦٥: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥] . قال النسيابوري: اختلف المفسرون في المراد من الطاغوت على أقوال متعددة ترجع كلها إلى معنى واحد وهو التحاكم لغير كتاب الله وسنة رسوله والتحاكم إلى الطاغوت هو كفر بالله والكفر بالطاغوت إيمان بالله ورسوله. قال سبحانه: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٥٦] . جاء في سبب نزول تلكم الآية عدة أقوال منها أنها نزلت في رجل منافق يقال له بشر تخاصم مع يهودي في أمر بينهما تنازعاه واختلفا عليه والتجآ إلى التحاكم فطلب بشر من اليهودي أن يحكم بينهما كعب بن الأشرف وطلب اليهودي أن يتحاكما إلى رسول الله ﷺ الذي حكم لفائدة اليهودي، فلما خرجا من عنده قال بشر: لا أرضى بهذا الحكم فاجعل بيني وبينك أبا بكر الذي نظر في الموضوع ثم حكى لليهودي فلما خرجا قال بشر لا أرضى بهذا الحكم، بيني وبينك عمر بن الخطاب، فقصداه وقص عليه اليهودي القصة من أولها وأخبره بما حكم به الرسول ﵊ وكذلك ما حكم به أبو بكر. فسأل عمر بشرا هل هذا حقًا؟ فقال له نعم! فأخذ عمر بسيفه وضرب عنقه وقال هكذا أقضي على من لم يرض بقضاء الله ورسوله وبلغ الأمر إلى النبي عليه أفضل الصلاة والسلام فقال لعمر: ((أنت الذي يفرّق الله به بين الحق والباطل، أنت الفاروق)) .

стр. 15690

قال أبو بكر الجصاص: إن من رد أوامر الله أو أوامر رسوله ﷺ فهو خارج من الإسلام سواء رده من جهة الشك فيه أو من جهة ترك القبول والامتناع من التسليم. والظاهر أن المراد بكفر الشرك الجحود لأن جحود حكم الله أو الحكم بغيره من الإخبار بأنه حكم الله هو كفر، وفاعله مرتد إن كان قبل ذلك مسلمًا به هـ. والله يقول: ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [النور: ٥١] . واجتهاد سيدنا عمر بقتل المنافق الذي لم يرض بقضاء رسول الله ﷺ قد نزل القرآن موافقًا له فيما قضى به. قال الله : ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥] . يقول ابن العربي: إذا كان النزاع بين معاهد ومسلم فالنظر لقضاء المسلمين ولا يقع التقاضي لدى أهل الذمة. أما بين أهل الذمة فأمرهم إليهم فإذا جاء إلى قاضي المسلمين فإن شاء حكم وإن شاء أعرض هـ. والله لا يجبر على مقاضاة غير المسلمين أمام القضاء الإسلامي ويقرر أنهم إذا رغبوا في التقاضي أمام المسلمين فعلى هؤلاء أن يحكموا بينهم بالقسط طبق الشرع الإسلامي. وهذا صريح قوله : ﴿فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئًا وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [المائدة: ٤٢] . وقوله : ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ﴾ [المائدة: ٤٩] . وقال تعالى: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [المائدة: ٥٠] . ويروي مالك والبخاري ومسلم والترمذي وأبو داود عن جابر بن عبد الله: ((رجم زانيين من اليهود بقضاء الرسول ﵊ بعد الإطلاع على حكم التوراة واستشارة من يعرف أحكامها)) .

стр. 15691

وفي صحيح مسلم عن البراء بن عازب قال: مر على النبي ﵊ بيهودي محمم (أي طلي وجهه بالفحم) مجلودًا فدعاهم وقال لهم: ((هكذا تجدون حد الزاني في كتابكم؟)) . . . . قالوا: نعم، فدعى رجلًا من علمائهم وقال له: ((أنشدك الله الذي أنزل التوراة على موسى؛ أهكذا تجدون حد الزاني في كتابكم؟.)) قال لا ولولا أنك نشدتني بهذا لم أخبرك فحده الرجم، ولكنه كثر في أشرافنا فكنا إذا أخذنا الشريف تركناه، وإذا أخذنا الضعيف أقمنا عليه الحد فقلنا: تعالوا فلنجتمع على شيء نقيمه على الشريف والوضيع، فجعلنا التحميم والجلد مكان الرجم. فقال رسول الله ﷺ : ((اللهم إني أول من أحيا أمرك إذ أماتوه)) وأمر به فرجم وقال: ((إني أحكم بما في التوراة)) . والرسول الكريم عليه أفضل الصلاة والتسليم يقول في الحديث الصحيح الذي رواه الخمسة عن عائشة ﵂ وعن أبيها: ((أيها الناس إنما هلك الذين من قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد. وايم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها)) . يقول القرطبي: إن اليهود حكمت النبي ﵊ فحكم عليهم بمقتضى ما في التوراة. والتحكيم جائز بصورة عامة في كل حق اختصم به الخصوم، وينفذ حكم المحكم وذلك في الأموال والحقوق التي تخص الطرفين ضرورة أن التحكيم حق للطرفين ولم يكن من حق القاضي. ويؤيد هذا ما يقوله الإمام مالك بن أنس ﵁ (إذا حكم رجل رجلًا فحكمه ماض وإن رفع إلى قاض أمضاه) . ويقول سحنون معلقًا: يمضيه إن رآه صوابًا. وقد أخرج الحاكم في المستدرك وأبو داود والدارقطني أن أم سلمة ﵂ قالت: ((اختصم إلى رسول الله ﷺ رجلان من الأنصار في مواريث متقادمة فقضى ﵊ بينهما في بيتي)) .

стр. 15692

وجاء في سنن النسائي كتاب آداب القضاة باب إذا حكموا رجلًا فقضى بينهم (١) . قال أخبرنا قتيبة قال حدثنا يزيد وهو ابن المقدام بن شريح عن شريح بن هاني عن أبيه هاني أنه لما وفد إلى رسول الله ﷺ سمعه وهم يكنون هانئًا أبا الحكم، فدعاه رسول الله ﷺ فقال له: ((إن الله هو الحكم وإليه الحكم فلم تكنى أبا الحكم؟)) فقال له: إن قومي إذا اختلفوا في شيء أتوني فحكمت بينهم فرضي كلا الفريقين قال: ((ما أحسن هذا؟ ... فمالك من الولد؟)) قال لي: شريح وعبد الله ومسلم: قال: ((فمن أكبرهم؟)) قال: شريح. قال: ((فأنت أبو شريح)) ودعا له ولولده. يقول جلال الدين السيوطي في شرح هذا الحديث والتعليق عليه: ما أحسن هذا أي الذي ذكرت من الحكم على وجه يرضي المتخاصمين فإنه لا يكون دائمًا على هذا الوجه إلا بكونه عدلًا. وقد جرى عمل الصحابة بالتحكيم فقد روي البيهقي (سنن البيهقي ج ١٠، ص ١٤٤) عن الشعبي أن عمر بن الخطاب وأبي بن كعب تقاضيا إلى زيد بن ثابت ﵃ فقال زيد لعمر: لو أرسلت إلي لجئتك فقال عمر: في بيته يؤتى الحكم (٢) . فأخذ زيد وسادته ليجلس عليها عمر الذي قال له: هذا أول جورك سو بيننا في المجلس، فجلسا بين يديه ونظر في شأنهما فتوجهت اليمين على عمر فقال زيد لأبي لو عفوت أمير المؤمنين عن اليمين فقال عمر: ما يدري زيد ما القضاء. قال في كتاب العناية على الهداية (بهامش فتح القدير جزء ٥ صفحة ٤٩٨) : الصحابة رضي الله عليهم مجمعون على جواز التحكيم وهو فرع من فروع القضاء والتحكيم له جذور بعيدة تحدث عنه القرآن الكريم، وقص أخباره. ولا مراء ولا خلاف أن المصدر الأول والمرجع الأساسي للتشريع الإسلامي هو كتاب الله القرآن الذي أحكمت آياته، هذا الكتاب الذي لا يتطرق الشك إلى صحة نصه خلافًا لكل الكتب الأخرى.

стр. 15693

وروى ابن جرير عن عامر قال: جاء رجلان إلى القاضي شريح فقال أحدهما إن شاة هذا قطعت غزلًا لي فقال شريح: نهارًا أم ليلًا؟ إن كان نهارًا فقد برئ صاحب الشاة وإن كان ليلًا ضمن. ثم تلا قوله ﴿وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ﴾ [الأنبياء: ٧٨] . وهكذا قضى شريح بما جاء في الحديث السابق مطبقًا الآية الكريمة باعتبار أن أصل الضمان محمول على كاهل رب الغنم التي تنهمل ليلًا بدون راع وتفسد أشياء الآخرين. وقد اختلف الفقهاء فيما أفسدته المواشي والدواب على أربعة أقوال: الأول: إن كان دابة مرسلة غير محفوظة فصاحبها ضامن لما أفسدته. الثاني: أن لا ضمان على صاحب الدابة. الثالث: إن أرباب الدواب يضمنون ليلًا لا نهارًا. الرابع: وجود الضمان في غير المنفلت دون المنفلت. وقد ذهب إمام دار الهجرة مالك بن أنس ﵁ إلى الضمان ليلًا لا نهارًا؛ إذ العادة الغالبة حفظ الزرع نهارًا والدابة ليلًا، ولذا فإن كل واحد يتحمل مسؤولية حفظه لما يملك، ويؤيد ذلك ما ذهب إليه الإمامان الشافعي والحنبلي ﵄. أما الإمام أبو حنيفة ﵁ فإنه يرى أن لا ضمان إطلاقًا وأن البهائم إذا أفسدت زرعًا ليلًا أو نهارًا فإن صاحبها لا يغرم وإن حديث البراء منسوخ بحديث آخر وقوله ﵊ ((جرح العجماء جبار)) . . . . أي هدر. وعمدة مالك والشافعي وابن حنبل آية ﴿وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ﴾ [الأنبياء: ٧٨] . وحديث ناقة البراء المتقدم، ويقولون إن حديث جرح العجماء جبار. لم يكن ناسخًا بل هو عام وخص منه الزرع بحديث البراء، هذا وقد استفاد التقنين الوضعي من هذا الاختلاف الفقهي واعتمد واضعوه تلكم المبادئ في مسؤولية صاحب الحيوان عما أتلفه حيوانه من الزرع وإن اختلفت الفروع فقد اتحد الأصل (يراجع في ذلك الأحكام المتعلقة بالفصل ٩٤ من المدونة المدنية التونسية والمادة ١٧٦ من القانون المدني المصري الفصل ١٧٧ من القانون المدني السوري والمادة ٢٤٣ من القانون الكويتي كما يراجع ما كتبه السنهوري في هذا الموضوع (١)

стр. 15694

والآية الكريمة تضمنت موضوع الاجتهاد القضائي وأن المجتهد إذا اخطأ في حكمه فلا إثم عليه لأن الله أثنى على سليمان بصوابه وعذر داود باجتهاده ولم يذمه بل قال: ﴿وَكُلًّا آَتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا﴾ [الأنبياء: ٧٩] . وقد روى مسلم وغيره عن عمرو بن العاص (إذا حكم الحاكم فاجتهد فأصاب فله أجران وإذا حكم فاجتهد فأخطأ فله أجر) . قال البغوي: هذا حديث متفق على صحته (١) . والحديث رواه مسلم في الأقضية إذا حكم فاجتهد، بدأ بالحكم قبل الاجتهاد مع أن الاجتهاد مقدم على الحكم والمعنى – والله أعلم – إذا أراد أن يحكم كما في قوله . ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآَنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ [النحل: ٩٨] . والمجتهد المصيب في اجتهاده وفي قضائه له أجر من أجل إعمال الفكر والتدبر والاجتهاد وله أجر آخر من أجل الإصابة. أما الآخر فله أجر واحد من أجل الاجتهاد وإعمال الفكر وتحريض على السير حتى يصل إلى الصواب دون تحجر. قال علي بن الجعد، أنبأنا شعبة عن سيار عن الشعبي قال: أخذ عمر فرسا من رجل على سوم فحمل عليه فعطب فخاصمه الرجل. فقال عمر: اجعل بيني وبينك رجلًا: أي حكما فقال صاحب الفرس إني أرضى بشريح العراقي ولم يكن وقتها قاضيا فقال شريح: أخذته صحيحا سليما فأنت له ضامن حتى ترده صحيحا سليما فأعجب به عمر وقال في شأن اجتهاد القاضي كلمته الخالدة: (ما استبان لك من كتاب الله فلا تسأل عنه فإن لم يستبن من كتاب الله فمن سنة رسوله فإن لم تجد في السنة فاجتهد رأيك) . وطبعي أن القاضي المجتهد الذي له أجر واحد هو القاضي العالم الباحث عن وجه الحق والصواب، والدارس للأحكام وفقه القضاء السابق، والذي أداه نظره إلى الحكم بما رآه صوابا وعدلا أو ظنه صوابا وحقا وعدلًا، لأن الرسول الكريم عليه أفضل الصلاة والتسليم يقول: ((القضاة ثلاثة: اثنان في النار وواحد في الجنة، قاض عرف الحق فقضى به فهو في الجنة، وقاض يجهل فهو في النار، وقاض عرف الحق فجار فهو في النار)) .

стр. 15695

والآية الكريمة: (وداود وسليمان) التي أوردناها كأصل ثابت في شأن التحكيم قد تضمنت عدة مبادئ قضائية منها: مبدأ رجوع القاضي عن اجتهاده ورأيه الأول إلى اجتهاد أرجح، وقضاء أفضل في إصابة الحق ونشر العدل، فإن سيدنا داود ﵇ وهو النبي قد رجع إلى رأي ابنه وقضى بتنفيذه. كما تضمنت الآية الكريمة موضوع تعقب الأحكام بالمراجعة والمناقشة وإمكانية نقضها وإبرامها من جديد متى اتضح الصواب، وألهم الله القاضي طريق الحق في القضية المعروضة عليه وقد أطنب الماوردي ﵀ وبسط القول في هذه النظرية في كتاب أدب القاضي ج١ صفحة ٦٨٥ وما بعدها. فالتحكيم هو الالتجاء إلى محكمين لا سلطة قضائية لهم ويقع الفزع إليهم مع وجود سلطة القضاء الرسمي. والتحكيم عمل قضائي صرف لا محالة، وما يصدر عن المحكمين لا يمكن أن يوصف بأنه الصلح الذي يشترط فيه حصول اتفاق ورضا كافة الأطراف، وكذلك لا يمكن أن يقال إن المحكمين وكلوا من طرف من انتبدهم، لأن الوكيل ملزم باتباع مصلحة من وكله، لا اتباع طريق العدل والإنصاف والحق، ومن هنا فإن العمل الذي كان يقوم به شيخ القبيلة وزعيمها هو أقرب للقضاء لا للتحكيم، ونحن نجزم بأنه لم يوجد تحكيم قبلي قبل الإسلام يحمل تلكم المواصفات التي أشرنا إليها سابقًا، وكما علمنا فإن القضاء مختلف عن التحكيم مهما كان النظام القضائي القائم والمعمول به. وقد رأينا بعض من كتب في الموضوع يشير إلى وجود تحكيم سابق عن الإسلام له أساس ومد قبلي، فالأستاذ محمد مصطفى حسن نائب رئيس هيئة التحكيم الدولية لغرفة التجارة ومقرها باريس يكتب في نشرية التحكيم التجارية الدولي في مايو سنة ١٩٩٢ فيقول: (وقد كان هناك نوع من التحكيم في الإسلام وحتى في العصر السابق على ظهور الإسلام غير أن هذا التحكيم ذا الأساس والمد القبلي أو الذي ينصب على مسائل من الأحوال الشخصية كالزواج أو الذي تكون أهدافه أقرب إلى الناحية السياسية ليس هو بالتأكيد التحكيم التجاري الدولي الذي اكتسب منذ عهد ليس بالقريب ولا يزال يكتسب بسرعة فائقة خصوصيات حية حتى بالنسبة للتحكيم التجاري الداخلي) . وقد اختلطت في نظره الأمور فهو يجعل تصرف القادة والزعماء القبليين تحكيما ثم لا يعترف بفضل الأسبق الذي بنى الأسس، لأن من جاء بعده سعى إلى الزيادة والتحسين وهو أمر طبعي لا ينفي الأصل بل يقره مع الاعتراف بفضله ولا يمكن جحوده ونكرانه.

стр. 15696

الاحتكام إلى المحاكم الأجنبية هذا موضوع جدير بالدرس والعناية والمراجعة وأخذ القرار. فالمسلم الخاضع لجنسية بلاده والذي يتمتع بحقوقه المدنية ويلتزم بما سنته له دساتير وطنه وحددته قوانينه قد يجد نفسه في يوم ما فريسة ضياع وضحية حيرة بسبب عمل ما قام به وساقه إلى هذا الضياع وتلك الحيرة. فالهجرة إلى البلاد الأجنبية والإقامة بها والاستقرار هناك والالتحام مع شعوب لا تدين بدين الإسلام، وتخضع لقوانين وضعية تجافي المبادئ الإسلامية، مع وفرة المهاجرين من بلدان إسلامية إلى بلاد أوربا، كون مشكلة عويصة الحل اختلفت فيها الآراء وتطورت مع الزمن، حتى آلت إلى مكانة من الخطورة تستحق المراجعة السريعة والاحتكام إلى مبادئ الشريعة الإسلامية ورح الحضارات المنبثقة عنها. فأبناؤنا المهاجرون للعمل في البلاد الأوروبية والآسيوية والأمريكية قد يجدون أرباحا مادية تغريهم بالإقامة هناك، والتزوج من الأجنبيات لاكتساب الجنسيات، ثم النزوح النهائي عن البلاد التي خرجوا منها، والبعد عن تعاليم دينهم وثوابت ومبادئ وقيم أوطانهم، والالتجاء عند التقاضي إلى الاحتكام إلى محاكم تقضي حتى في أحوالهم الشخصية، التي لها التصاق تام بدينهم وماضيهم، تقضي فيها بأحكام وقوانين وضعية تتعارض مع ذلكم الدين وذلكم الماضي وتتجافى مع المثل العليا التي وضعها لهم تشريعهم الإسلامي. والعمل المضمون في بلاد الكفر وإن كان حلالا إلا أن البعض قد يندفع بإغراء المنافع والمصالح المادية إلى طلب التجنس بجنسية البلاد التي يقيم فيها، وهكذا تنقطع كل صلة له بوطنه وقومه وبلاده، ويصبح أبناؤه في انبتات وضياع حتى التلاشي التام، وتونس في نهضتها الحديث سعت إلى تلافي بعض تلكم المضار، فربطت الصلات وكونت الإذاعات المسموعة والمنظورة المشاهدة وكثفت من البعثات، وحرضت على تعلم العربية للبراعم الصغار، وجلبت الأنظار إلى الأوطان، وحببت الأبناء الصغار في أوطانهم ومدنهم وقراهم، وكونت رحلات تربط الحاضر بالماضي، وتشهد المجد التالد بهذه الحياة الجديدة المتقلبة الغربية في صورها وألوانها. وقد ينفع هذا ويجنبنا الكارثة ويبعدنا عن الهاوية وهو عمل مشكور وجهد مبارك وسعي حميد يصد ويرد ويقي.

стр. 15697

أما ما يهمنا هنا: فهو ما حكم احتكام المسلم إلى محاكم غير إسلامية في بلاد كافرة؟ ثم الخضوع إلى أحكام الأحوال الشخصية بالأخص والتحكم فيها؟ والنزاعات التي تحدث بين المتخاصمين وموضوع اكتساب الجنسية الأجنبية والرضوخ لقوانينها والالتزام بالعمل بها؟ واخترنا لإيضاح هذا الموضوع فتاوى صدرت عن علماء جلة من أكابر علماء المسلمين قديما وحديثًا. وفي عرض هذه الفتاوى بيان يمهد الطريق وينير السبيل. وأولى هذه الفتاوى فتوى صدرت حوالي ١٢٩٠ / ١٨٧٣ عن قاضي تونس وعالمها المرحوم محمد الطاهر النيفر المتوفى ١٣١١ / ١٨٩٣ في شأن قبول شهادة المقيم ببلاد الكفر عن اختيار وطواعية أو عدم قبول شهادته (نشر هذه الفتوى حفيده من جهة الأم المرحوم الأستاذ الطيب العنابي بمجلة القضاء والتشريع) . يقول فيها: (إن من احتمى حماية دينية حتى يخلص بذلك من أحكام قضاة المسلمين هو كافر لا تقبل شهادته ولو كان متزيئا ًبزي المسلمين) . وقد علق على هذه الفتوى الصديق العالم الأستاذ أحمد حماني رئيس المجلس الإسلامي الأعلى بالجزائر بقوله: إن الذين تخلوا عن جنسيتهم ورفضوا الشريعة الإسلامية قد ارتدوا عن الإسلام وقد أفتى بذلك علماء الجزائر سنة ١٩٣٨. هذا وقد أفتى شيخ الإسلام محمد بيرم الرابع – ﵀ – بكفر من ينبذ الأحكام الشرعية ويلتزم أحكام الكفار، وكان ذلك جوابا عن رسالة وجهها إليه ملك البلاد أحمد باشا الأول في جمادى الأولى سنة ١٢٦٠ في شأن شهادة الشهود المقيمين بديار للكفر. وهو يقول فيها: إذا كان حال الخروج عن ربقة الأحكام الشرعية ونبذها والتزام أحكام الكفار فذلك موجب للكفر.

стр. 15698

والفتوى الثالثة: صدرت عن عالم من متأخري علماء تونس الشيخ محمد المختار بن محمود المفتي الحنفي – ﵀ – وكان مدرسا بالكلية الزيتونية ويرأس تحرير المجلة الزيتونية العلمية وقد نشر بها دراسة قيمة تحت عنوان: (حكم الله في المتجنس) بتاريخ ١٣٥٦ / ١٩٥٧ المجلد الأول ج ١٠ نقتطف منها بعض الفقرات: ... من المصائب التي ابتلي بها المؤمنون وزلزلوا زلزالا شديدا فتنة التجنيس، لأنها ترجع إلى المساس بروح الدين الذي يضحي في سبيله المسلمون بكل عزيز ونفيس، وقد كان التجنيس مثار فتن كبرى واضطرابات متنوعة وسببا في تشتيت شمل بعض العائلات وإحداث الإحن والأحقاد بين الأخوة والأقارب. يقوم شيخنا ابن محمود برد الله ثراه وجعل الجنة مأواه: (وينبغي أن نضبط الموضوع بذكر صورة عقدة التجنيس لنبني عليها الأحكام) . يكون الإنسان مسلما يعمل بالإسلام ويهتدي بهديه ويأتمر بما جاء به، فيتعلق غرضه بالانسلاخ عن الجنسية الإسلامية والعياذ بالله – لغرض أدبي سافل أو مادي زائل، فيعتنق جنسية دولة من الدول الأجنبية التي تدين بالمسيحية، ويصير كفرد من أفرادها، ويلتزم في عقدة التجنيس بالانسلاخ عن أحكام الشريعة الإسلامية، وعن العمل بمقتضاها، ويلتزم بالعمل بقوانين الدولة التي تجنس بجنسيتها، سواء في أحواله الشخصية أو في المعاملات أو في العقود والالتزامات، أو في جميع الجزئيات، فيكون بذلك قد نبذ الإسلام وانسلخ عنه، ودخل في الكفر راضيا مختارًا، ويترتب عن ذلك تغيير في أحواله من جميع النواحي، يطلق امرأته فيكون طلاقه غير نافذ، ويجبر على البقاء معها والإنفاق عليها، ويموت فتقسم تركته على غير الفريضة الشرعية ويصير مجبورا على التحاكم إلى غير قضاة الشرع. وقبل أن يمضي على عقد التجنيس يكون عالما بجميع ذلك مطلعا عليه، فهذه هي عقدة التجنيس، ولا شك أن انتقال الإنسان من جنسيته الأصلية إلى جنسية أخرى هو اعتراف باحتقار جنسيته، وازدرائه بها، فهو كمن ينكر أباه لحقارته أو ينكر نسبه لوضاعته، أو بلاده لانحطاطها، والمتجنس يجني على وطنه بعمله الشنيع وانتحاله لجنسية أخرى.

стр. 15699

ومن الناحية الشرعية فإن حكم الله في المتجنس (إنه مرتد يعامل معاملة المرتدين وتنطبق عليه جميع أحكامهم) . وقد نقل الشيخ ابن محمود كلام الفقهاء في هذا الموضوع مستندا لما جاء في الخيرية والفتاوى الهندية وغيرها من كتب التفسير والحديث. ودراسة الشيخ ابن محمود جديرة بالنشر والاهتمام لأنها تحقيق من رجل عالم فقيه كاتب نحرير. هذا وقد كانت البلاد التونسية لها كلمة الفصل في هذا الموضوع منذ القديم فقد كان وزير المعارف بها المرحوم حسين استصدر فتوى في الموضوع من علماء تونس، في شأن تونسي يهودي سرق أموال الدولة التونسية وذهب لإيطاليا وتجنس بجنسيتها. فأفتى شيخ الإسلام المنعم أحمد ابن الخوجة بعدم تجنسه، ووافقه على ذلك عدة علماء: منهم الشيخ مصطفى رضوان والشيخ الشاذلي ابن القاضي والشيخ محمود بيرم وهذه الفتوى مؤرخة في جمادى الأولى سنة ١٢٩٤ الملاقي سنة ١٨٧٧ وقد نشر هذه الفتوى بنصها المرحوم الجيلاني الفلاح سنة ١٣٤٢ / ١٩٢٤ في كتابه الشعب التونسي والتجنيس. ثم إن تونس كانت استصدرت فتاوى من عدة علماء وفقهاء قصد إيضاح الموضوع. فقد نشر من علماء الهند الشيخ عبد العزيز الحيدر أبادي فتوى نشرت بجريدة الخلافة في بمباي عدد ٢ ج ٣ يوم ١١ جمادى الآخرة جانفي سنة ١٣٤٢ / ١٩٢٤ نصت على ردة المتجنس. كما أفتى بذلك عدة علماء منهم الشيخ محمد أمين الحسيني مفتي بيت المقدس، والشيخ محمد شاكر وكيل شيخ الأزهر، والشيخ يوسف الدجوي، والشيخ علي محفوظ، والشيخ محمد عبد الباقي الزرقاني، والشيخ محمد رشيد رضا. وهكذا تضافرت الفتاوى متحدة شارحة حكم الله في المتجنس الذي اختار عن طواعية جنسية الكفار وارتضى أحكامهم. واليوم تصدر اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء فتواها في الموضوع بإمضاء العلماء الفقهاء المشائخ السادة: عبد الله قعود وعبد الرحمن عفيفي وعبد العزيز بن عبد الله بن باز جاء فيها: (لا يجوز لمسلم أن يتجنس بجنسية بلاد حكومتها كافرة لأن ذلك وسيلة إلى موالاتهم والموافقة على ما هم عليه. وقد أجمع المسلمون على وجوب الهجرة من بلاد الشرك إلى بلاد الإسلام مع الاستطاعة) . (الفتوى رقم ٢٣٩٣ صفحة ٦٩) .

стр. 15700

وبمثل ذلك صدرت الفتوى رقم ٦٥٨٢ بإمضاء السادة العلماء المشائخ عبد الله قعود وعبد الله بن غذيان وعبد الرزاق عفيفي وعبد العزيز بن عبد الله بن باز ونشرت بصفحة ٧٢ من المصدر. تقول هذه الفتوى: انتقال المسلم من جنسية دولته المسلمة إلى جنسية دولة أخرى كافرة لا يجوز. وبمثل ذلك جاءت فتوى رقم ٨٠٧٣ صفحة ٧٣ من نفس المصدر: يجري ذلك على المسلم المتجنس بالجنسية الكافرة لكن مع جواز العمل في الدولة الكافرة إذا أمن على نفسه من الفتنة في دينه. نفس المصدر صفحة ٧٥. وقد كتب بعضهم يتلمس طرق الجواز ويسوغ انتحال الجنسيات بدافع المنافع والعمل والقضاء على البطالة واستفادة البلاد من هذا الصنيع المادي. والمشكلة لازالت مطروحة على بساط الحل خاصة وأن المجمع الفقهي المتفرع عن رابطة العالم الإسلامي بمكة المكرمة صانها الله كان أصدر توصية رقم ٧ سنة ١٤٠٣ / ١٩٨٣ لم ينته فيها إلى رأي بات إذ قال في هذه التوصية: إن مجلس المجمع الفقهي الإسلامي في دورته السادسة المنعقدة بمقر الأمانة العامة لرابطة العالم الإسلامي بمكة المكرمة قد اطلع في جلسته السابعة صباح يوم الأحد ١٦ من ربيع الآخر سنة ١٤٠٣ المصادف ٢٣ جانفي سنة ١٩٨٣ على البحوث والتقارير المقدمة إليه من بعض أعضائه وسواهم بشأن الحكم الشرعي فيمن يتجنس بجنسية دولة أجنبية غير إسلامية أو يقيم فيها بأسرته ويعيش هناك في ظل نظام غير إسلامي. وتدارس المجلس هذا الأمر فوجدت فيه ملابسات كثيرة مختلفة وظروف متفاوتة جدا بين الأفراد والجماعات الإسلامية التي تؤلف أقلية في بلد أجنبي هو بلدهم الأصلي أو هم طارئون عليه لأسباب معاشية أو للقيام بالدعوة الإسلامية أو لتلبية حاجات تلك الأقليات في الإفتاء وتعلم الدين الإسلامي واللغة العربية أو لأسباب أخرى. وتدارس أيضا ما ينتج عن التجنس من التزامات بقوانين تلك الدول غير الإسلامية في سائر ما تفرضه تلك القوانين على مواطنيها ورعاياها. وقد رأى المجلس أن الموضوع تحف به الاعتبارات المختلفة من سلبية وإيجابية ومصالح ومفاسد وضرورات وعدمها مما يجعل من غير الممكن إصدار رأي عام وإنما يجب فيه رعاية وضع كل فئة وواقعة وظروفها بحسبها.

стр. 15701

لذلك رأى المجلس أن يترك ذلك للفتوى بحسب ظروف الجهة المستفتية في الجواز الشرعي والله ولي التوفيق وصلى الله على خير خلقه سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. الإمضاء: عبد العزيز بن عبد الله بن باز رئيس المجمع ومحمد أحمد قمر مقرره – ١هـ. فهل يمكن اعتبار هذا القرار حاسما أم أنه إجراء للنظر إلى فرصة أخرى وهل حلت المشكلة إذا على مستوى الفتوى أم بقيت على حالها؟ والمجمع الفقهي الإسلامي كان ناقش هذا الموضوع نقاشا عميقا صريحا واضحا شارك فيه أفذاذ من علماء الإسلام وذلك في دورته المنعقدة بعمان عاصمة المملكة العربية الأردنية الهاشمية من ٨ صفر إلى ١٣ من سنة ١٤٠٧ الملاقي ١١ – ١٦ أكتوبر سنة ١٩٨٦. وقد كلف المجمع ثلة من أعضائه ومستشاريه بدرس الموضوع والإجابة عنه فأدى هؤلاء الأمانة وقدموا تقاريرهم ودراساتهم واتحدت كلمتهم على نبذ كل متجنس أراد نبذ أحكام دينه والتجأ إلى أحكام البلاد الكافرة التي لبس جنسيتها. وانتهى بعضهم إلى أن التجنيس بجنسية دولة غير إسلامية معصية لا تبلغ درجة الكفر إذا كان إقدام المتجنس على ذلك الفعل لتسوية أوضاعه المادية مع اقتناعه وإيمانه بأن الإسلام هو الدين الوحيد، وأنه يغضب لله من كل من يحاول النيل من الإسلام أو التطاول عليه، أما إذا كان أمر الدين عنده لا يوازي مصالحه، وأنه متهاون به لا يشعر برابطة بينه وبين دينه إلا برابطة تاريخية ضعيفة فلا شك حينئذ في ردته. والمطالع للمناقشات بين أعضاء المجمع في جلساته يستنتج مدى الأهمية التي تخضع لها الحلول المعروضة لحل هذه المشكلة ومدى أهمية الدراسات المقدمة في الموضوع. لكن المجمع أرجأ اتخاذ القرار في الموضوع إلى دورة أخرى لاحقة ولم يقع البت بصفة نهائية. (انظروا مجلة المجمع الفقهي الإسلامي – الدورة الثالثة الجزء الثاني سنة ١٤٠٨ ففيها بسطة مفيدة جدا) . التحكيم في الفقه الإسلامي سوف نحاول هنا بإيجاز واقتضاب إعطاء صورة عن التحكيم الفقهي الإسلامي في كلياته ومحاوره الكبرى، ضاربين صفحا عن الجزئيات والشرح لأن ذلك له مراجع ومصادر يمكن الرجوع إليها، وقد أشرنا إلى بعضها لمن يريد التبسط والضبط والتدقيق. ونرغب هنا في بيان الأسس الموضوعة لهذا التحكيم حتى يتمكن الدارس من إجراء المقارنة بين هذا الأساس القويم وبين ما قنن وصنع بعد ذلك في العصور الحديثة مما وضعه الإنسان ونشير إليه في فصل آخر من هذه الدراسة. يقول الإمام مالك ﵁: (إذا حكم رجل رجلا فحكمه ماض وإن رفع إلى قاض أمضاه إلا أن يكون جورا) . ويقول سحنون: يمضيه إذا رآه صوابا وهو يشير بذلك إلى التنفيذ كيف يكون؟ وهل القاضي مجبر على تنفيذ ما صدر به حكم المحكم دون مراجعة منه أو نظر؟. ويقول ابن فرحون المالكي: إذا حكم الخصمان بينهما رجلا وارتضياه لأن يقضي ويحكم بينهما فذلك جائز في الأموال وما في معناها (التبصرة لابن فرحون) ويقول الونشريسي المالكي في المعيار: من لم يكن مقدما من إمام للقضاء فلا يحق له الحكم في شيء إلا ما تراضى عليه الخصمان بين يديه، وحكماه فيه، ولم يرجعا قبل نفاذ حكمه على خلاف هذا. وجاء في كتاب التفريع لأبي القاسم عبيد الله بن الجلاب البصري المالكي المتوفى سنة ٢٧٨ هـ في تحكيم غير القاضي: (إذا حكم الرجلان رجلا فحكم بينهما فرضى أحدهما بحكمه وسخط الآخر لزمه حكمه – إذا كان من أهل العلم – وحكم بما يجوز بين المسلمين سواء وافق قاضي البلد أو خالفه ما لم يخرج بحكمه عن إجماع أهل العلم) .

стр. 15702

ويقول الماوردي الشافعي في كتابه: أدب القاضي: إذا حكم خصمان رجلا من الرعية ليقضي بينهما فيما تنازعاه في بلد به قاض أو ليس فيه قاض جاز. وفي المغني لابن قدامة: إذا تحاكم رجلان إلى رجل يصلح للقضاء جاز ذلك ونفذ حكمه ولا ينقض. ويقول ابن رشد الحفيد في بداية المجتهد (١) : واختلفوا في نفوذ حكم من رضيه المدعيان ممن ليس بوال على الأحكام فقال مالك يجوز، وقال الشافعي في أحد قوليه: لا يجوز، وقال أبو حنيفة: يجوز إذا وافق حكمه حكم قاضي البلد ونقل في العناية على الهداية إجماع الصحابة رضوان الله عليهم على جواز التحكيم (٢) . فالتحكيم حينئذ جائز شرعا متفق على شرعيته وجوازه. والأصل في ذلك القرآن الكريم يقول : ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا﴾ [النساء: ٣٥] . يقول القرطبي في تفسيره (٣) : وآية ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا﴾ دليل على إثبات التحكيم وليس كما جاء على لسان الخوارج أن ليس التحكيم لأحد سوى الله لأن هذه كلمة حق يريدون بها الباطل. ويقول الكاساني في البدائع (٤) : إن التحكيم جائز ومشروع لقوله : ﴿فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ﴾ – الآية فكأن الحكم من الحكمين بمنزلة القاضي المقلد. موضوع التحكيم: التحكيم يكون في حقوق يملك التصرف فيها الخصمان المتنازعان حقوق ترجع لهما، ولهما حق التصرف والتفويت فيها. يقول القرطبي في تفسيره (٥) : الضابط في موضوع التحكيم أن كل حق اختص به الخصمان يجوز التحكيم فيه. ويقول ابن فرحون (٦) : التحكيم جائز في الأموال وما في معناها والمحكم لا يقيم حدًا ولا لعانًا ولا يحكم في قصاص أو قذف أو طلاق أو نسب. الونشريسي في المعيار يضيف أنه لا يجوز له النظر في الوصايا والأحباس والمواريث.

стр. 15703

والماوردي يقول في كتابه أدب القاضي (١) : التحكيم يكون في أحكام مخصوصة فهو جائز في الأموال والمعاوضات وما يصح فيه العفو والإبراء. ولا يجوز فيما اختص به القضاة من حقوق الله تعالى والولايات على الأيتام وإيقاع الحجر على مستحقيه واختلف في النكاح واللعان والقذف والقصاص. وقال القاضي ابن عبد الرفيع في كتابه معين الحكام (٢) : (ولا يجبر على الأيتام إلا القاضي وكذلك على كل سفيه مستوجب الولاية. وهذه إحدى المسائل الأربع التي لا يحكم فيها إلا القضاء والثانية الغائب والثالثة إقامة الحدود والرابعة القسم بين الصغار والكبار) . وجاء في الشرح الصغير للدردير بحاشية الصاوي: إن التحكيم جائز في الأموال والجراح وكل حقوق العباد لا يجوز في الحدود كجلد أو رجم ولا قتل في ردة أو حرابة أو قصاص أو لعان أو نسب أو طلاق أو فسخ نكاح، لأن هذه الأمور إنما يحكم فيها القضاة فلا يجوز التحكيم فيها لتعلق حق الغير فيها بغير الخصمين إما لله تعالى كالحدود والطلاق وإما لآدمي كاللعان الذي يقطع نسب الابن (٣) . وقد جاء في حاشية رد المحتار لابن عابدين: (التحكيم في مالك لغيرك وتولية الخصمين حاكمًا يحكم بينهما) (٤) . وقالت مجلة الأحكام العدلية: إن التحكيم عبارة عن اتخاذ الخصمين واحدًا أهلًا للحكم حاكمًا برضاهما لفصل خصوماتهما ودعواهما – المادة ١٧٩٠. وجاء في شرح المجلة على هذه المادة لعلي حيدر: (إن ركن التحكيم هو إيجاب المتخاصمين بقولهما للمحكم: احكم بيننا وإننا نصبناك حكمًا ثم قبول المحكم ذلك) (٥) . أما الموضوع فقد نصت المادة ١٨٤١ من مجلة الأحكام العدلية على أنه يجوز التحكيم في دعاوى المال المتعلقة بحقوق الناس. والخلاصة أن التحكيم يمكن أن يكون في الحقوق المدنية المالية وما إليها وكذلك في الحقوق الشخصية في اختلاف الوجهين حسبما يأتي شرحه. أما ما هو راجع للحق العام فلا.

стр. 15704

رضا الخصوم والرجوع في التحكيم: المحكمون لا صفة رسمية لهم فهم أشخاص اختارهم الخصوم لفصل نزاعاتهم في أمور معينة محددة يمكن تجاوزها، ولذا فإنه لا يمكن تصور وجود تحكيم دون موافقة ورضا الخصوم من البداية ودون الاتفاق على المحكم والعمل بما يقضي به. ومن هنا فإن الخصوم تشترط فيهم أهلية الرضا بشروطها وحدودها المعروفة ذلك لأن التحكيم قد يكون فيه تفريط في حقوق أو تنازل عنها وضياع وهدر لها. يقول ابن فرحون المالكي في كتاب التبصرة: ولا يتشرط دوام الرضا إلى حين نفوذ الحكم، ويرى أصبغ وسحنون أنه إذا ترافع عنده فليس لهما الرجوع ويرى ابن الماجشون أنه ليس لأحدهما العدول عن التحكيم قبل أن يقاعد صاحبه ويطارحه الخصومة (١) . وجاء في المغني لابن قدامة – معجم الفقه الحنبلي: (إذا تحاكم رجلان إلى رجل حكماه بينهما جاز ذلك ونفذ حكمه عليهما ولا يجوز نقض حكمه لكن لكل واحد من الخصمين الرجوع عن تحكيمه قبل شروعه في الحكم وإن رجع بعد شروعه ففيه وجهان) (٢) . من هو المحكم: يشترط فيه أن يكون ثقة، اشتهر بالنزاهة لم يعرف عنه سوء، عالمًا أو مسترشدًا يطلب المعرفة ويستعين بمشاورة أهل العلم، فطنًا عارفًا بعرف وعادات الناس وأقضيتهم ومعاملاتهم وشؤون حياتهم. وإذا عين له الخصمان مذهبًا فإنه يتقيد به حسب الأرجح من الأقوال لأن اتفاق الخصمين من شأنه أن يحدد له خطى سيره. ويلاحظ الإمام المازري في هذا الشأن: إذا كان المحكم من أهل الاجتهاد مالكيًا ولم يخرج باجتهاده عن مذهب مالك لزم حكمه، وإن خرج عن ذلك لم يلزم إذا كان الخصام بين مالكيين، لأنهما لم يحكماه على أن يخرج عن قول مالك وأصحابه، وكذلك إن كانا شافعيين أو حنفيين وحكماه على مثل ذلك لم يلزم حكمه إن حكم بينهما بغير ذلك. والمالكية والشافعية والحنابلة يشترطون العدالة، خلافًا للحنفية الذين يسوغون قضاء الفاسق عند الحاجة لذلك. جاء في الهداية شرح بداية المبتدي للمرغيناني: (يشترط في المحكم أن يكون أهلًا للقضاء أي أهلًا لتحمل الشهادة) (٣) . واشترط الشيخ الدردير في الشرح الصغير بحاشية الصاوي أن يكون غير خصم وعالمًا بموضوع الخلاف (٤) . التحكيم بين الزوجين إذا ظهر الشقاق بين الزوجين دون معرفة المتسبب في ذلك أو إذا خيف الشقاق بينهما قبل حدوثه وقبل وقوعه بتشكك أحد الزوجين فالقرآن الكريم يرشد إلى علاج ذلك في آية صريحة واضحة يقول الله : ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا﴾ [النساء: ٣٥] . والشقاق هو المنازعة والمجادلة والمخالفة، أصله من الشق وهو الجانب فكان كل واحد من شق غير شق صاحبه. قال الشاعر: وإلا فاعملوا أنا وأنتم بغاة ما بقينا في شقاق وقيل إن الشقاق مأخوذ من فعل ما يشق ويصعب فكأن كل واحد من الفريقين يحرص على ما يشق على صاحبه. قال الله : ﴿فَإِنْ آَمَنُوا بِمِثْلِ مَا آَمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [البقرة: ١٣٧] . والمخاطب بقوله سبحانه: فإن خفتم هو القاضي الذي رفع إليه النزاع حسب المشهور الراجح. من هما الحكمان وما هي شروطهما؟ يشترط في الحكمين هنا أن يكونا من أهل الزوجين إلا إذا تعذر ذلك فيقع الالتجاء إلى بعث الأجانب عنهما. والله سبحانه يشير إلى بعث حكمين من الأهل لأنهم أعرف الناس ببواطن الأمور، والنفوس ترتاح لمن كان قريبًا صديقًا فيقع البوح له من الزوج أو الزوجة بالسر وحقيقة ما يشكو منه، ويفضي إليه بما قدم يخفيه عن غيره من الناس، وعلى كل فالقاضي يحاول الكشف عن أسباب الخلاف والشقاق، ويسعى لإزالتها وقطع دابر الخلاف لإرجاع العلاقة الحسنة إلى سالف عهدها، وعودة الصفاء والود إلى عمدتي الأسرة، فهو لذلك يختار من يرسله ويرى فيه صلاحية القيامة بالمهمة. يقول القرطبي: الحكمان لا يكونان إلا من أهل الرجل والمرأة إذ هما أقعد بأحوال الزوجين، بشرط كونهما من أهل العدالة وحسن النظر والتبصر بالفقه فإن لم يوجد من أهلهما من يصلح لذلك فيرسل غيرهما من أهل الثقة والعدل، كل ذلك إذا أشكل الأمر، فإن علم القاضي من الظالم من الزوجين فإنه يأخذ منه الحق ويجبره على إزالة الضرر) (٥) .

стр. 15705

ويقول شيخ الإسلام المرحوم محمد الصالح ابن المراد: الحكمان اللذان أمر الله بإرسالهما لإصلاح ذات البين بين الزوجين، هما اللذان تتوفر فيهما شروط الكفاءة من الصلاح والإقناع والعدل والمعرفة، مع كونهما حسني السياسة والنظر في حصول المصلحة ليهتديا إلى المقصود من البعث ويرجى نجاحهما. وكون الحكمين من الأقارب ليس شرطًا لزوميًا في نظر الشارع كما هو مقتضى إطلاق الآية، إذ قد تفوت الكفاءة ولا تتوفر الشروط اللازمة فيهما، فيفوت المعنى المقصود من إرسالهما ولا يقدران على إنهاء القضية وإزالة الخلاف، فلم يجعل سبحانه القرابة شرطًا، نعم إن إرسالهما مع كونهما قريبين متوافرة فيهما الشروط أمر مستحب شرعًا، لأنهما أعرف ببواطن أحوال الزوجين، وإليهما تسكن نفوسهما فيبرزان لهما ما في ضمائرهما من الحب والبغض وإرادة الصحبة والفرقة وموجبات كل من الأمرين. انتهى (١) . وقد اقتبس التقنين هذا المبادي وأدرجها في بنود أحكامه، فقانون الأحوال الشخصية المصري رقم ٤٤ لسنة ١٩٧٩ جاء في مادته السابعة: يشترط في الحكمين أن يكونا عدلين من أهل الزوجين إن أمكن وإلا فمن غيرهم ممن لهم خبرة وقدرة على الإصلاح. وبينت بقية المواد طرق عمل الحكمين وما يقدمانه من تقارير للمحكمة. وجاءت المادة الخامسة عشرة من القانون السوداني الصادر سنة ١٩١٥ قائلة: إذا تشاق الزوجان وتعددت شكوى الزوجة من ضرر الزوج إياها بدون حق شرعي، ولم تستطع إثبات ذلك، بعث القاضي حكمين واحدًا من أهله وواحدًا من أهلها إن أمكن، والأفضل أن يكونا جارين فإن لم يكن ذلك بعث أجنبيين، ويشترط أن يكون الحكمان عدلين عالمين بأحكام النشوز فإن لم يكونا عالمين علمهما القاضي ذلك. أما مجلة الأحوال الشخصية التونسية فقد جاء الفصل الخامس والعشرون منها قائلًا: (إذا اشتكى أحد الزوجين من الإضرار به ولا بينة له، وأشكل على الحاكم تعيين الضرر بصاحبه، يعين حكمين، وعلى الحكمين أن ينظرا فإن قدرا على الإصلاح أصلحا ويرفعان الأمر إلى الحاكم في كل الأحوال.

стр. 15706

وجاء الفصل السادس والخمسون من مدوّنة الأحوال الشخصية المغربية قائلًا: (إذا ادعت الزوجة على زوجها إضراره بها بأي نوع من أنواع الضرر الذي لا يستطاع معه دوام العشرة بين أمثالها وثبت ما ادعته وعجز القاضي عن الإصلاح بينهما طلقها عليه. وإذا رفض طلب التطليق وتكررت الشكوى ولم يثبت الضرر بعث القاضي حكمين للسداد بينهما، وعلى الحكمين أن يتفهما أسباب الشقاق بين الزوجين ويبذلا جهدهما في الإصلاح، فإن أمكن على طريقة معينة قرراها، وإذا عجزا عن الإصلاح رفعًا الأمر إلى القاضي لينظر في القضية على ضوء تقريرهما) . ونصت المادة ٥٦ من قانون الأسرة الجزائري على ما يلي: (إذا اشتد الخصام بين الزوجين ولم يثبت الضرر، وجب تعيين حكمين للتوفيق بينهما، ويعين القاضي حكمًا من أهل الزوج وحكمًا من أهل الزوجة، وعلى هذين الحكمين أن يقدما تقريرًا عن مهمتهما في أجل شهرين) . وجاءت لائحة القانون العربي الموحدة للأحوال الشخصية الصادرة عن وزراء العدل العرب ناصة: (لكل من الزوجين طلب التطليق للضرر الذي يتعذر معهد دوام العشرة بينهما.) وإذا لم يثبت الضرر واستمر الشقاق بين الزوجين وتعذر الإصلاح، يعين القاضي حكمين من أهلهما إن أمكن. وإلا فممن يوسم فيه القدرة على الإصلاح ويحلفهما على أن يقوما بمهمتهما بعدل وأمانة ويحدد لهما مدة التحكيم. ومما سبق بسطه نشاهد أن مبدأ التحكيم بين الزوجين قد أسسه القرآن الكريم وعبد به الطريق لإصلاح ذات البين بين الزوجين وسن بذلك فكرة التحكيم في عموم مفهومها ومع اتساع دائرتها. التحكيم في الحج اعتماد التحكيم في أمور العبادات من أول الأنظمة الشرعية الحكيمة التي أرشد القرآن ودل على اعتمادها عند مخالفة المحرم بالحج أو العمرة بالإقدام على قتل الصيد مع أنه منهي عنه. وقد سن الله كفارة لذلك تمحي الذنوب، وترد الفاعل إلى طريق الحق والصواب وترشده إلى الخير وتفتح في وجهه أبواب رحمة الله وعفوه.

стр. 15707

وهذا الضرب من التحكيم له قواعده وشروطه وحاجياته وسوف نشرحها باختصار في الأسطر التالية: جاء في تحريم الصيد على من كان محرمًا بالحج أو بالعمرة بقول الله : ﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ﴾ [المائدة:١] . وقوله حرم بضمتين جمع حرام أي المحرم بالحج أو بالعمرة، وإن كان في الحل واحتيج لمعرفة جزاء وعقاب من يعمد إلى قتل الصيد وهو محرم وكيف يحصل الجزاء وبماذا يحصل ومن يحكم به؟ وافترع الإسلام الحكيم في هذا الموضوع الذي يخص عبادة هي من أركان الإسلام وهي الحج والإحرام له أو لقربة وعبادة العمرة والإحرام لها. قال الله في سورة المائدة الآية ٩٥: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ﴾ [المائدة: ٩٥] . قال المفسرون: لأن المحرم جاء راجيًا متذللًا عابدًا والقتل يتنافى مع ذلك وقد استثنى من ذلك ما جاء في الحديث الذي أخرجه الشيخان البخاري ومسلم عن عائشة ﵂ وأرضاها: أن النبي ﷺ قال: ((خمس من الدواب كلهن فاسق يقتلن في الحرم: الغراب والحدأة والعقرب (وفي رواية الحية) والفأرة والكلب العقور)) . وقد أوكل أمر تقدير – المثل – في هذه المخالفة إلى رأي مجتهدين عدلين لهما فطنة ونباهة. وقد انتدب لهذه المهمة في مناسبات حدثت خيرة من الصحابة كابن عباس وعمر وعلي وأبي عبيدة وعبد الرحمن بن عوف وغيرهم وعينوا المثل من النعم حسب المخالفة وأهميتها.

стр. 15708

جاء في الأثر: اخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني والحاكم وصححه عن قبيصة بن جابر قال: حججنا زمن عمر فرأينا ظبيًا فقال أحدنا أتراني أبلغه فرمى حجرا فما أخطأ حشاه فقتله، فأتينا عمر بن الخطاب فسألنا عن ذلك وإذا إلى جنبه رجل (هو عبد الرحمن بن عوف) فالتفت إليه فكلمة، ثم أقبل على صاحبي فقال: أعمدًا قتلته أو خطأ؟ قال الرجل: تعمدت رميه وما أردت قتله، قال عمر: ما أراك إلا قد أشركت بين العمد والخطأ، اعمد إلى شاة فاذبحها وتصدق بلحمها واسق إهابها – يعني ادفعه إلى مسكين يجعله سقاء، فقمنا من عنده فقلت لصحابي: أيها الرجل أعظم شعائر الله، والله ما درى أمير المؤمنين ما يفتيك حتى شاور صاحبه اعمد إلى ناقتك فانحرها، ففعل ذلك. قال قبيصة: وما أذكر الآية في سورة المائدة: ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [المائدة: ٩٥] . قال: فبلغ عمر مقالتي فلم يفاجئنا إلا ومعه الدرة: فعلا صاحبي ضربًا بها وهو يقول: أقتلت الصيد في الحرم وسفهت الفتيا؟ ثم أقبل علي يضربني قلت: يا أمير المؤمنين، لا أحل لك مني شيئًا مما حرم الله عليك، قال: يا قبيصة إني أراك شابًا حديث السن فصيح اللسان فسيح الصدر، وإنه قد يكون في الرجل تسعة أخلاق صالحة، وخلق سيء، فيغلب خلقه السيء أخلاقه الصالحة، وإياك وعثرات الشباب (١) . ونقل السيوطي تفسيرًا لذلك قال: عن ابن جرير عن بكر بن عبد الله المزني قال: كان رجلان من الأعراب محرمين فأجاش أحدهما ظبيًا فقتله الآخر فأتيا عمر وعنده عبد الرحمن بن عوف فقال له عمر: ما ترى؟ قال: شاة. قال عمر وأنا أرى كذلك. أذهبا فأهديا شاة، فلما مضيا قال أحدهما لصاحبه: ما دري أمير المؤمنين ما يقول حتى سأل صاحبه، فسمعهما عمر فردهما وأقبل على القائل بالدرة ضربًا وقال: تقتل الصيد وأنت محرم وتغمض الفتيا، إن الله يقول ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [المائدة: ٩٥] ثم قال: إن الله لم يرض بعمر وحده فاستعنت بصاحبي هذا.

стр. 15709

ونقل القرطبي في تفسيره: روى مالك عن عبد الملك بن قريب عن محمد بن سيرين أن رجلًا جاء إلى عمر بن الخطاب فقال إني أجريت أنا وصاحب لي فرسين لنستبق إلى ثغرة ثنية (١) . فأصبنا ظبيًا ونحن محرمان فماذا ترى؟ فقال عمر لرجل كان جالسًا إلى جنبه: تعال نحكم أنا وأنت. فحكما عليه بعنز، فولى الرجل وهو يقول: هذا أمير المؤمنين لا يستطيع أن يحكم في ظبي حتى دعا رجلًا يحكم معه، فسمع عمر قول الرجل فدعاه وسأله هل تقرأ سورة المائدة؟ فقال: لا، قال هل تعرف الرجل الذي حكم معي؟ فقال لا، فقال عمر ﵁ لو أخبرتني أنك تقرأ سورة المائدة لأوجعتك ضربًا ثم قال: إن الله يقول في كتابه: ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ [المائدة: ٩٥] ,وهذا الذي معي هو عبد الرحمن بن عوف، ومن هنا نستروح أن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ طبق أحكام القرآن في هذا التحكيم، فانتخب الحكمين وتشاورا وحكما وهو بذلك يكون فقهًا قضائيًا يشرح وينير الطريق أمام المجتهدين. ومثل هذا الأثر تقريبًا ما جاء في تفسير ابن جرير: وقد أطنب المفسرون في بيان جزاء هذه المخالفة والحاجة فيها إلى حكم الحكمين لأن المماثلة بين النعم من إبل وبقر وغنم وبين الصيد الوحشي وله عدة أنواع أمر قد يخفى على أكثر الناس (٢) . قال ابن جرير: ووجه حكم العدلين إذا أرادا أن يحكما بمثل المقتول أن ينظرًا إلى المقتول وإن كان قد فقداه يستوصفاه فإن ذكر أنه أصاب ظبيًا صغيرًا حكمًا عليه من ولد الضأن بنظير ذلك الذي قتله سنًا وجسمًا وإن كان الذي أصاب من ذلك كبيرًا حكما عليه من الضأن بكبير. أما إذا أصاب حمار وحش فالحكم عليه يكون ببقرة، وإن كان المقتول ذكرًا فمثله من ذكر البقر، ,إن كان أنثى فمثله من إناث البقر. وقال ابن حاتم: حدثنا أبي حدثنا ابن نعيم الفضل بن دكين حدثنا جعفر بن نرقان عن ميمون بن مهران أن أعرابيًا أتى أبا بكر فقال: قتلت صيدًا وأنا محرم فما ترى علي من الجزاء؟ فقال أبو بكر ﵁ لأبي بن كعب وهو جالس عنده: ما ترى فيما قال الأعرابي؟ فقال الأعرابي: أتيتك وأنت خليفة رسول الله ﷺ أسألك وأنت تسأل غيرك! فقال أبو بكر: وما تنكر من ذلك والله سبحانه يقول: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [المائدة: ٩٥] فشاورت صاحبي إذا اتفقنا على أمر أمرناك به. فبين له الصديق الحكم برفق وتؤدة لما رآه جاهلًا بهذا الأمر ناسيًا ما انزل في شأنه في حكم القرآن. وفي هذه القصة، وفي قضاء عمر ﵁ بيان لهذا التحكيم الذي لم يكن معروفًا سابقًا، وبيان لكيفية تطبيق إجراءاته، وهو إنشاء وسن تطبيقي لأمر صار الآن محط الأنظار في مختلف الأقطار والأمصار بعد أن تطور واتسعت رقعته وشمل عدة ميادين.

стр. 15710

- منظمات التحكيم - محكمة العدل الدولية بلاهاي حسب ميثاق الأمم المتحدة المؤرخ في ٢٦ جوان سنة ١٩٤٥ حددت مهمة محكمة العدل في الفصل الأول من نظامها ونص هذا الفصل: محكمة العدل الدولية تأسست بموجب وثيقة هيئة الأمم المتحدة كأداة قضائية أساسية لهذه الهيئة تتكون وتعمل بموجب هذا النظام، ومحكمة العدل هي الأداء القضائية الرئيسية للأمم المتحدة حلت محل محكمة العدل الدولية الدائمة التي أنشئت عقب الحرب العالمية الأولى، وتباشر محكمة العدل الدولية وظائفها وفقًا لأحكام نظامها الأساسي وهو جزء من ميثاق الأمم المتحدة، وجميع الدول الأعضاء في الأمم المتحدة أطراف في القانون الأساسي للمحكمة، ويجوز لدولة ليست عضوًا في الأمم المتحدة الانضمام للنظام الأساسي لمحكمة العدل الدولية بشروط تحددها الجمعية العامة للأمم المتحدة، وتتألف المحكمة من خمسة عشر قاضيًا، ينتخبون بغض النظر عن جنسيتهم، من الأشخاص ذوي الصفات الخلقية العالية والحائزين في بلادهم لأرفع المناصب القضائية أو من المشهود لهم بالكفاءة في القانون الدولي، ولا يجوز أن يكون بالمحكمة أكثر من قاض واحد من دولة واحدة، وقضاة محكمة العدل الدولية تنتخبهم الجمعية العامة ومجلس الأمن من الأشخاص الذين رشحتهم الشعب الأهلية في لجنة التحكيم الدائمة، ويراعى في انتخاب قضاة محكمة العدل الدلوية تمثيل الدول الكبرى والنظم القانونية الرئيسية في العالم، وينتخب القضاة لمدة تسع سنوات، ويجوز إعادة انتخابهم: وللدول وحدها الحق في أن تكون أطرافًا في النزاعات التي ترفع للمحكمة، ويشمل نظر المحكمة جميع القضايا التي يعرضها الأطراف عليها، وكذلك جميع المسائل المنصوص عليها في ميثاق الأمم المتحدة، أو في المعاهدات والاتفاقات المعمول بها، والدول ليست ملزمة بعرض قضاياها على المحكمة لأن ولاية محكمة العدل الدولية ولاية اختيارية أصلًا، غير أن للدول الأطراف في نظام المحكمة أن تصرح بأنها تقر الولاية الإجبارية للمحكمة على النظر في جميع المنازعات القانونية التي تقوم بينها وبين دولة تقبل نفس الالتزام، وذلك وفقًا للشروط الواردة في هذا الإقرار، وتفصل المحكمة في المنازعات التي ترفع إليها وفقًا لأحكام القانون الدولي ويجوز لها أن تفصل في القضية وفقًا لمبادئ العدل والإنصاف متى وافق الأطراف، وللمحكمة وظيفة أخرى هي الإفتاء في أية مسألة قانونية، بناء على طلب الجمعية العامة أو مجلس الأمن، ويجوز للفروع الأخرى للأمم المتحدة وللدول إذا أذنت لها الجمعية العامة في ذلك أن تطلب من المحكمة إفتاءها فيما يعرض لها من المسائل القانونية الداخلة في نطاق أعمالها.

стр. 15711

محكمة العدل الإسلامية الدولية في جانفي سنة ١٩٨١ انعقدت بالمملكة العربية السعودية القمة الإسلامية الثالثة، وفيها تقدمت دولة الكويت باقتراح يقضي بإنشاء محكمة عدل دولية إسلامية مهمتها فصل وتسوية ما ينشب من نزاع وخلاف بين منخرطيها من الدول الإسلامية. وتشكل لجنة أنهت وضع مشروع لذلك قدمته سنة ١٩٨٦ تبنى وصاية القمة ووضع الخطط الأساسية لنظام هذه المحكمة. والأستاذ عبد الله الأشعل المستشار القانوني لمنظمة المؤتمر الإسلامي يتفضل فيحدثنا عن مكونات هذه اللائحة ومحاورها ومشمولاتها فيقول مشكورًا: أ- إن ما يصدر من قرارات عن هذه المحكمة أساسه الشريعة الإسلامية. ب- تشكل المحكمة من سبعة قضاة مسلمين ينتمون إلى الدول الأعضاء في المنظمة لهم خبرة فقهية وقانونية يقع انتخابهم من طرف مؤتمر وزراء الخارجية لمدة اربع سنوات ولا يقال القضاة إلا برغبة منهم. ج- المحكمة لها اختصاص قضائي وآخر إفتائي، ولها اختصاص يمكن أن يطلق عليه الاختصاص الدبلوماسي والتحكيمي. فالمحكمة تقوم بمساعي الوساطة والتوفيق. والتحكيم يكون إما بطلب مباشر من الأطراف المتنازعة أو بقرار من المؤتمر الإسلامي غير مفروض بل صادر عن تراضي كل الأطراف. وإذا أبت تنفيذ ما صدر عن المحكمة فالدولة الأخرى تفزع إما إلى مؤتمر وزراء الخارجية للدول الإسلامية أو إلى مؤتمر القمة نفسه. د- تستخدم المحكمة اللغات الرسمية الثلاث في منظمة المؤتمر الإسلامي وهي العربية والإنجليزية والفرنسية. وعند الاختلاف يقع الاعتماد على النص العربي.

стр. 15712

منظمة التحكيم الدولية التابعة لغرفة التجارة الدولية غرفة التجارة الدولية هي: (منظمة دولية لرجال الأعمال) أنشئت سنة ١٩١٩ تهدف إلى تأمين عمل ناجع ومتواصل في الميادين الاقتصادية والقانونية من أجل الإسهام في الإنماء المتناسق للمبادلات الدولية وحريتها ومن أجل تقديم الخدمات العملية والمتخصصة لعالم الأعمال الدولي. هذه المنظمة أوجدت بعد سنة واحدة من إنشائها مركزًا للتحكيم من أجل حل المنازعات التجارية، وهذا المركز له نظام مستقل عن تلكم المنظمة الأم، ومقر الجميع الآن بباريس، وتصدر هيئة التحكيم الدولية التابعة لغرفة التجارة الدولية نشرة مرتين في السنة وعن النشرة الصادرة في مايو سنة ١٩٩٢ نقلنا بعض المعلومات عن هذه المؤسسة ويمكن الرجوع إلى نشراتها لمزيد التعمق في معرفة أعمالها وتصرف حكامها. مركز دولي للتحكيم بتونس تطمح تونس إلى بعث مركز دولي للتحكيم بها، وقد بدأت هذه الفكرة تتبلور أثر صدور مجلة التحكيم التونسية في ٢٦ أبريل سنة ١٩٩٣ وسوف نتحدث عنها فيما بعد. تقول جريدة الصباح الغراء عن هذا الموضوع: منذ فترة قصيرة طرحت فكرة بعث مركز دولي للتحكيم بتونس والواقع أن هناك نخبة كبيرة من رجال القانون التونسيين وحتى الأجانب إلى جانب عدد هام من رجال المال والأعمال قد تحمسوا لهذا المشروع واعتبروا أن إقامة هذا الفضاء القانوني الجديد قد حان وقته في ظل المنافسة الدولية، وكل عوامل نجاحه متوفرة، فموقع بلادنا التونسية الجغرافي والاستقرار السياسي الذي تتمتع به إلى جانب وجود الضمانات العديدة للاستثمار التجاري بكل أنواعه يدعم جدوى بعث مركز دولي للتحكيم في تونس. والتحكيم يشكل إطارًا استثماريًا متميزًا اقتصاديًا، وتونس أقدمت على خوض تجربة التحرر الاقتصادي، ووفرت من أجل ذلك ضمانات في مقدمتها جملة الاستثمارات الموحدة ومحكمة التحكيم، وتدفق الاستثمارات وازدهار المعاملات لا يخلو من عوامل تستوجب الفزع إلى طريقة حضارية هي التحكيم.

стр. 15713

وقد وقع ملتقى دولي بتونس نظمه مركز الدراسات القانونية والقضائية بوزارة العدل خلال يومي ٢٦ – ٢٧ نوفمبر سنة ١٩٩٣ حضرته وجوه عالمية في مجال التحكيم تتمتع بخبرة واسعة في هذا الميدان، أمثال الدكتور نبيل انتاكي المقيم بكندا والمشرف على مركز التحكيم الدولي هناك، وهو سوري الأصل، والدكتور محمد نادر جابر من المملكة العربية السعودية، متخصص في ميدان التحكيم ويشرف على مراكزه في جده والقاهرة ولندن، وكذلك الدكتور حسين عبد الغفار من الإمارات العربية المتحدة وهو محكم دولي له نشاطات في أوروبا وأمريكا. وحضر هذا الملتقى من تونس الدكتور الأستاذ نور الدين الغزواني الأستاذ الجامعي والمحامي رئيس جمعية الإجراءات القضائية والتحكيم، والأستاذ توفيق بو عشبة الأستاذ الجامعي المتخصص في تدريس موضوع التحكيم، وكذلك الدكتورة أليفة فاروق المديرة بوزارة التعاون الدولي والاستثمار الخارجي. وقد طرحت في هذا الملتقى عدة قضايا وأبدى الحاضرون آراءهم حول موضوع التحكيم الذي هو هام جدًا. التحكيم في القانون عالجنا فيما مضى التحكيم في التشريع الإسلامي وفي الفقه المنبثق عنه. وعرفنا باختصار معالمه وتاريخ وآثاره وأحكامه، وشاهدنا أن الإسلام حدد أركانه وأوضح شروطه وعالج كلياته وجزئياته وذلك منذ قرون خالية. ولابد أن نوضح هنا ولو في حدود ضيقة معاني التحكيم في القانون وبالأخص في القانون التونسي الذي قنن أحكام التحكيم منذ فترة بعيدة. ثم عالج الموضوع من جديد في مجلة التحكيم حديثة العهد والوضع. يقوم التحكيم في القانون على عنصرين اثنين: - الإرادة الثابتة للخصوم أطراف النزاع - موافقة القانون على هذه الرغبة والإرادة. فالتحكيم إذا: هو اتفاق يحصل بين أطراف الخصومة على انتخاب أشخاص معينين بأسمائهم وصفاتهم ليتولوا فصل النزاع والتحقيق فيه، دون الالتجاء إلى المحاكم القضائية ذات النظر وذات الاختصاص حسب القوانين المعمول بها تراضيًا.

стр. 15714

فإرادة الخصوم ورغبتهم هي التي تكون هيئة التحكيم وتنتخب أفرادها للفصل في النزاع، وهذه الإرادة هي التي تحرك النظام القانوني للتحكيم وتوضح معالمه وتحدد خطواته وعلى أساس هذه الإرادة وذلك الاتفاق يقع التحكيم وتنفذ قراراته، ولكن كل ذلك بشرط إعطاء الضوء الأخضر من القانون، ولا بد من وجود نص يجيز هذا التحكيم ويباركه ويسمح به في نطاق الشكل الذي تسمح به الإجراءات بصورة عامة. وحكم المحكمين الذي توفرت أركانه وإجراءاته يعد حكمًا قانونيًا نافذًا رغم أنه صادر من أشخاص لم تكن لهم ولاية قضائية ذلك أن المقنن أراد ذلك احترامًا لإرادة الخصوم. يقول أحد شراح القانون: (التحكيم قضاء حقيقي يسعى إليه الأطراف بمحض إراداتهم ويطرحون نزاعهم على مجرد أشخاص عاديين ليفصلوا فيه.) . وقد شرحت مجلة الأحكام العدلية في مادتها ١٨٤٢ موضوع التحكيم بقولها: (هو عقد بين طرفين متنازعين يجعلان فيه برضائهما شخصًا آخر حاكمًا بينهما لفصل خصومتهما، وقد يكون بين أكثر من اثنين وقد يكون معينًا من قبل الخصوم أو من طرف القاضي، فكل من الطرفين المتنازعين محتكم والشخص الذي اختارا تحكيمه حكم (بفتحتين) أو محكم بضم الميم. وسوف نشرح هنا المعطيات التي حددها القانون في هذا النطاق وبذلك نوضح السبل الموصلة إلى تحقيق هذا النظام الاستثنائي الذي سمحت به الإجراءات المدنية في نطاق مخصوص وتحت قيود وشروط خاصة. التحكيم في الإجراءات المدنية جاءت أحكام في مجلة المرافعات المدنية والتجارية والتونسية سابقًا قبل صدور مجلة التحكيم من الفصل ٢٥٨ حتى الفصل ٢٨٤ ثم صدرت مجلة التحكيم حسب القانون عدد ٤٢ في ٢٦ أبريل سنة ١٩٩٣ ونشرت بالرائد عدد ٣٣ لنفس العام. وجاءت إجراءات التحكيم بقانون المرافعات المصري المادة ٨١٨ وما بعدها. وكذلك بقانون المرافعات المدنية والتجارية الكويتي المادة ١٧٣ وما بعدها. وسوف نتعرض بإيجاز تام إلى التحكيم في بعض هذه القوانين لنوضح أحكامه وشروطه وآثاره. موضوعه: يجوز الاتفاق على التحكيم في كل نزاع معين موجود كما يجوز اشتراط التحكيم فيما قد ينشأ من النزاعات المتعلقة بالالتزامات والمبادلات التجارية، والنزاعات بين الشركاء في شأن الشركة – المادة ٢٥٨ من مجلة المرافعات المدنية والتجارية، ومن هنا نفهم أن التحكيم نوعان: عقد التحكيم، واشتراط التحكيم في عقود الشركة. أما العقد فهو الذي ينبرم عند حدوث المنازعة والخلاف فعلًا. فإذا حدث الخلاف وصعب الوفاق فقد يعمد طرفا الخلاف إلى إبرام اتفاق بينهما يقتضي إقامة محكمين للنظر في هذا الخلاف وفضه بإصدار قرار ينهي الشقاق والنزاع ويلتزم الطرفان بتنفيذه. أما القسم الآخر اشتراط التحكيم في صلب عقود الشركات: فإنه يقع ويتقرر عند التعاقد قبل نشوب أي خلاف بين أطراف العقد، فهم يسعون إلى فصل ما قد يحدث من خلافات بأسهل طريق وأيسره، وذلك بالالتجاء إلى نظام التحكيم الذي من شأنه أن يسرع بفصل النزاع وإنهاء الخصام ويحد من المصاريف والخسائر، وهو أخصر من التقاضي الاعتيادي حسب درجاته خاصة وأن التحكيم معين له أجل لإنهاء الخصومة. وهذا التقسيم الذي تحدثنا عنه هو الذي تحدثت عنه المادة ٨١٨ من قانون المرافعات المصري: يجوز للمتعاقدين أن يشترطوا بصفة عامة عرض ما قد ينشأ بينهم من النزاع في تنفيذ عقد معين على محكمين. (ويجوز الاتفاق على التحكيم في نزاع معين) . هذا التقسيم نجده في بقية قوانين المرافعات. فالمادة ١٧٣ من قانون المرافعات الكويتي تنص: (يجوز الاتفاق على التحكيم في نزاع معين كما يجوز الاتفاق على التحكيم في جميع المنازعات التي تنشأ عن تنفيذ عقد معين) . وما دمنا نتحدث عن موضوع التحكيم بعد تعريفه نذكر أن بعض القوانين تحجر وتمنع التحكيم في بعض مواضيع منصوص عليها بالذات، فقد جاءت المادة ٢٥٩ من مجلة الإجراءات المدنية التونسية ناصة على منع التحكيم في الأمور المتعلقة بالنظام العام والجنسية وبالمسائل التي لا يجوز فيها الصلح. وهذا ما أشارت إليه المادة ٨١٩ مرافعات مصرية.

стр. 15715

وفي خصوص من له حق التحكيم اتفقت الكلمة على أنه لا يصح التحكيم إلا ممن له أهلية التصرف في حقوقه، ولا يصح تحكيم القاصر أو المحجور عليه أو المفلس أو المحروم من حقوقه المدنية، المادة ٢٥٩ مرافعات مدنية تونسية والمادة ٨١٩ مصرية والفقرة الثالثة من المادة ١٧٣ كويتية. وكيف يثبت التحكيم؟ جاءت المادة ٢٦١ مرافعات تونسية قديمة تنص على أن التحكيم لا يثبت إلا بكتاب سواء كان رسميًا أو بخط اليد أو بتحرير محضر جلسة ممضى من كافة الأطراف. وتقول المادة ٨٢١ مرافعات مصرية أن التحكيم لا يثبت إلا بالكتابة. وفسر فقه القضاء المصري بأنه لا صيغة خاصة أو شكلًا خاصًا لهذا الكتاب الذي هو وسيلة إثبات فقط لا لإيجاد العقد وتكونه. هذا وقد نصت القوانين على وجوب تعيين موضوع النزاع وعلى أسماء المحكمين في كتب الاتفاق على التحكيم. ومن هم المحكمون وكيف يقع اختيارهم وما هي واجباتهم وشروطهم وكيف يقع عزلهم , كيف يتخلون عن مهمة التحكيم؟ كل ذلك عالجته مجلة المرافعات المدنية التونسية سابقًا وبينت واجبات المحكمين وإمكانية تخليهم أو موت أحدهم، وبينت كيفية التجريح فيهم وآجال عملهم وكيفية المناقشة والمفاوضة وما يشتمل عليه الحكم الذي يصدر؟ وكيف ينفذ؟ ووسائل الطعن وإمكانية طلب إبطال أحكام المحكمين النهائية حتى مع شرط الخصوم خلاف ذلك في أحوال خاصة مثل إذا اشتمل الحكم على أمور لم يقع طلبها. كل ذلك تعرضت له المواد من ٢٦٢ حتى ٢٨٤ مرافعات تونسية، والمواد المصرية من ٨٢٣ حتى ٨٥٠. ويقال ذلك المواد ١٧٨ حتى ١٨٨ مرافعات كويتية. مجلة التحكيم التونسية هذه المجلة عوضت أحكام هذا الموضوع بصفة عامة وشاملة وجامعة وقد أصدرها القانون عدد ٤٢ لسنة ١٩٩٣ المؤرخ في ٢٦ أبريل سنة ١٩٩٣ ونشر هذا القانون بالرائد عدد ٣٣ لنفس السنة وتضمن أمر الإصدار أربعة فصول. يقول الفصل الأول: تصدر بمقتضى هذا القانون: مجلة التحكيم المنظمة لإجراءات التحكيم الداخلي والتحكيم الدولي، وينص الفصل الثاني على أن أحكام هذه المجلة لا تمس بالقوانين الخاصة التي يتضح أنها تحجر تسوية منازعات معينة عن طريق التحكيم، أو تفرض إجراءات خاصة للاتجاء إليه، وألغى البند الثالث من هذا القانون أحكام الفصول من ٢٥٨ حتى ٢٨٤ من مجلة المرافعات المدنية والتجارية الصادرة سنة ١٩٥٩ وقد كنا تعرضنا لها سابقًا.

стр. 15716

ونص الفصل الرابع الأخير منه على أن بداية العمل بمجلة التحكيم يكون بعد ستة أشهر من صدور أمر إدراجها أي أواخر أكتوبر سنة ١٩٩٣. وقد عرف الفصل الأول والثاني من مجلة التحكيم التونسية: موضوع التحكيم بأنه: طريقة خاصة لفصل بعض أصناف النزاعات من قبل هيئة تحكيم يسند إليها الأطراف مهمة البت فيها بموجب اتفاقية تحكيم، وهي التزام أطراف على أن يفضوا بواسطة التحكيم كل أو بعض النزاعات القائمة أو التي قد تقوم بينهم بشأن علاقة قانونية معينة تعاقدية كانت أو غير تعاقدية وتكتسي الاتفاقية صيغة الشرط التحكيمي أو صيغة الاتفاق على التحكيم. وعرف الفصل الثالث والرابع ذلك التقسيم بقوله: الشرط التحكيمي هو التزام أطراف عقد بإخضاع النزاع التي قد تتولد عن ذلك العقد للتحكيم. أما الاتفاق على التحكيم فهو التزام يتولى بمقتضاه أطراف نزاع قائم عرض هذا النزاع على هيئة تحكيم. وقانون مجلة التحكيم يحتوي على ٨٢ فصلًا تشمل ثلاثة أبواب الأول: في أحكام مشتركة وبه خمسة عشر فصلًا، والباب الثاني: في التحكيم الداخلي وبه ٣٠ فصلًا، والثالث: يتعلق بالتحكيم الدولي ويشتمل على ٣٦ فصلًا. وتعرضت المجلة إلى كليات وجزئيات التحكيم التي تعرضنا إليها سابقًا وألمت إلمامًا كاملًا بالموضوعي من كافة أطرافه. ونظرًا لحداثة صدور هذه المجلة وجدة التطبيق وعدم وجود فقه قضائي يشرح النصوص ويبين غموضها: فإن الباحث يعسر عليه إلقاء الأضواء الكافية ولابد من الانتظار فترة أو , فترات لإعادة الشرح والتعليق. ولكن نلاحظ من الآن عناية التقنين التونسي ورغبته في تركيز عمليات التحكيم على أساس متين، فقد صدر القانون عدد ٥٦ المؤرخ في ١٦ مايو سنة ١٩٩٤ المنشور بالرائد عدد ٤٠ لسنة ١٩٩٤ بإعفاء عمليات التحكيم من إجراء التسجيل وذلك بإضافة فقرة لمجلة معالم التسجيل والطابع الجبائي تقتضي أن اتفاقات وقرارات التحكيم والأحكام والقرارات الصادرة لتنفيذها أو للطعن فيها معفية من إجراء التسجيل.

стр. 15717

ملاحق بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله على رسوله الآمين وعلى آله وأصحابه والتابعين. تقديم اعتاد المجمع الفقهي الإسلامي دراسة مواضيع معينة في كل دورة من دوراته ينتهي فيها إلى حل المشاكل المعروضة عليه وإبداء الرأي الفقهي في شأن هذه الحلول وعرضها على المجتمع لتطبيقها. ولقد وفق المجمع بجهود أمينة العام إعانة أعضائه ومستشاريه إلى بناء صرح عتيد أصبح من المراجع المعتمدة بما وضعه من تحارير قيمة ودراسات معمقة نشرها في دورياته التي أضافت الكثير إلى المكتبة الإسلامية وأثرتها وغذت الباحثين الدارسين. وفي هذه الدورة التاسعة طرح المجمع على أعضائه ومستشاريه الكتابة في عدة مواضيع قيمة منها (مبدأ التحكيم في الفقه الإسلامي) . ونظرًا لأهمية هذا الموضوع الذي أعتني به أخيرًا من عدة دول وعقدت في شأنه لقاءات ومؤتمرات ونظرًا لصلتي الوثيقة بالقضاء الذي مارست مهامه مدة أربعين عامًا زيادة عن تدريس مواده في الكليات فقد اخترت هذا الموضوع وحررت فيه الدراسة المصاحبة. وقد مهدت لنا الطريق وعبدت السبيل إدارة المعهد بأن وضعت محاور الموضوع وعينت المنهج الذي ينبغي اتباعه في البحث واشترطت الاختصار وعدم الإطالة. وهذه هي المحاور المعروضة والمعينة: ١- معنى التحكيم ٢- الفرق بين التحكيم والقضاء والإفتاء. ٣- بيان قواعد وشروط التحكيم في الخلاف. ٤- ما يجري فيه التحكيم. ٥- عزل المحكمين. ٦- الرجوع عن التحكيم، هل يجوز للحكم أن يرجع عن حكمه؟ وهل له أن يرجع عن الحكم لأحدهما بمحل النزاع ويقضي للآخر؟ ٧- تنفيذ حكم المحكمة مباشرة أو باتصال القضاء به. ٨- احتكام غير المسلم إلى محاكم إسلامية في دولة إسلامية. ٩- احتكام المسلم إلى محاكم غير إسلامية في بلاد كافرة. ١٠- قضايا الأحوال الشخصية بين المسلمين في غير البلاد الإسلامية، التحكيم فيها ورفع نتائج ذلك إلى المحاكم المحلية لتكتسي صبغة التنفيذ. ١١- مبدأ التحكيم في الخلاف وموقف الفرق الإسلامية من مشروعيته، ذكر بعض الوقائع والقضايا التي حصل فيها التحكيم في عهد الصحابة، رضوان الله عليهم. ١٢- الإسلام ومبدأ التحكيم الدولي، نبذة مختصرة عن نشأة محكمة العدل الدولية، ومشروع محكمة العدل الإسلامية – الكويت. ١٣- احتكام المسلمين إلى المحكمة الدولية في نزاعاتهم فيما بينهم، وحكم ذلك إذا كان النزاع فيما بين المسلمين وغيرهم.

стр. 15718

وقد حاولت في هذه الدراسة الإحاطة بقدر الإمكان بكل تلكم العناصر والإلمام بكلياتها وجزئياتها واعتنيت بإجراء المقارنة بين الفقه الإسلامي وما وضع لموضوع التحكيم أخيرًا. مع الملاحظة أن كل عنصر من عناصر الموضوع حسب الجدول السابق يصلح أن يكون موضوع دراسة كاملة فكل العناصر لها أهمية قصوى وهي تستدعي المزيد من العناية والبحث ولا يمكن غمط حقها وأهدراه. تعرضت في بحثي المعروض على جنابكم إلى عدة نقط هامة لا زال الغموض يغمرها والظلام يعم جوانبها وسعيت في غضون العرض والتحليل إلى الإشارة إلى الحل. ١- عرفت بالتحكيم لغة واستعمالًا وأبنت أن العرب مارسوا التحكيم في استعمالهم اليومي وأن رسول الرحمن الأمين ﵊ حكمه العرب وارتضوه وأثنوا على خلاله وصفاته فوضع الحجر الأسود عند بناء الكعبة بيديه الشريفتين. ٢- تعرضت إلى موضوع التفرقة بين القضاء والإفتاء والتحكيم. ٣- شرحت مبدأ التحكيم في الفقه الإسلامي والأصل فيه القرآن الكريم والسنة النبوية وعمل الصحابة وبينت حوادث وقعت وقضايا نزلت وأسماء المحكمين ثم شرحت آية – ﴿وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ﴾ . ٤- الاحتكام إلى المحاكم الأجنبية. أثرت هنا مشكلة عويصة صعب حلها وعم ضررها هي احتكام المسلم إلى محاكم غير إسلامية في بلاد كافرة وأثرت موضوع اكتساب الجنسية الأجنبية وذكرت الفتاوى الصادرة في شأنها من علماء جلة من بلاد إسلامية مختلفة. وذكرت بمناقشة المجمع لهذا الموضوع في دورته المنعقدة بعمان في ٨ صفر سنة ١٤٠٧ الملاقي ١١ أكتوبر سنة ١٩٨٦. ٥- التحكيم في الفقه الإسلامي. بسطت آراء المذاهب وبينت وجوب رضا الخصوم وشرحت أوصاف المحكم. ٦- ثم شرحت ما سنه القرآن الكريم من التحكيم بين الزوجين وهو تحكيم معمول به واقتبست أحكامه كل القوانين بالبلاد الإسلامية وبينت بنود هذه القوانين في بعض البلاد الإسلامية مثل تونس والسودان والمغرب والجزائر ولائحة القانون العربي الموحد للأحوال الشخصية.

стр. 15719

٧- وشرحت نوعًا من التحكيم سنة القرآن الكريم في شأن المحرم بالحج أو بالعمرة الذي يقتل صيدًا مع النهي عن ذلك. ٨- ثم تعرضت لمنظمات التحكيم وأولها محكمة العدل الدولية بلاهاي. وتعرضت إلى الاقتراح بإنشاء محكمة عدل دولية إسلامية من طرف القمة الإسلامية وبينت عناصر المشروع ومحاوره. ثم تعرضت لمنظمة التحكيم الدولية التابعة لغرفة التجارة الدولية وتاريخ إحداثها ومناطق عملها ومقرها ونشرياتها. ٩- وتحدثت باختصار عن طموح تونس لإنشاء مركز دولي للتحكيم بها وما قيل في شأن ذلك. ١٠ – وأخيرًا وإكمالًا للفائدة عرضنا باختصار شديد موضوع التحكيم في القانون لأن المقارنة مفيدة جدًا وكذلك الاطلاع على أفكار الآخرين ثم بيان الاقتباسات عن الفقه الإسلامي. ١١-وأخيرًا كتبنا هذه المقدمة وأضفنا جدولًا في المراجع والمصادر حتى يتمكن الباحث الدارس من الرجوع بسهولة إلى مصادر البحث. وترجمنا تراجم مختصرة لبعض العلماء الذين جاء ذكرهم في هذه الدراسة اعترافًا بفضلهم وتنويهًا بشأنهم. * * * المصادر والمراجع - تفسير البيضاوي - تفسير الجامع لأحكام القرآن للقرطبي. - تفسير الفخر الرازي طبع المطبعة العامرة الشرقية. - تفسير الألوسي - تفسير المنار للشيخ محمد رشيد رضا. - أحكام المنار للشيخ محمد رشيد رضا. - أحكام القرآن للجصاص. - الدر المنثور للسيوطي. - الفروق للقرافي. - فتح الباري شرح صحيح البخاري.

стр. 15720

- مسند الإمام أحمد. - شرح السنة للبغوي - سنن النسائي - سنن البيهقي - المدارك للقاضي عياض تحقيق أحمد باكير ج ٢. - الدستور القرآني والسنة النبوية في شؤون الحيان لمحمد عزت دروزه. - لسان العرب لابن منظور. - المدونة ج ٢ طبع بيروت. - مواهب الجليل شرح مختصر خليل للحطاب المالكي. - التحفة لابن عاصم. - التبصرة لابن فرحون. - بداية المجتهد ونهاية المقتصد لابن رشد. - الشرح الصغير على أقرب المسالك إلى مذهب الإمام مالك (باب القضاء) - كتاب المعيار للونشريسي أحمد بن يحيى. - كتاب معين الحكيم للقاضي إسحاق بن إبراهيم بن عبد الرفيع. - كتاب حدود الإمام ابن عرفة وشرح الرصاع عليها. - كتاب أثر الاختلاف في القواعد الأصولية في اختلاف الفقهاء لمصطفى سعيد الخن. - كتاب الصلح لمحمود محجوب عبد النور. - الموسوعة الفقهية الكويتية الجزء العاشر صفحة ٢٣٣ - الفقه الإسلامي وأدلته وهبة الزحيلي. - البديع من شرح التفريع لعبد الله بن عبد الرحمن (مخطوط) - كتاب التفريع لأبي القاسم عبيد الله بن الجلاب تحقيق حسين الدهماني. - البدائع للكاساني. - الهداية شرح بداية المبتدي للمرغيناني. - شرح فتح القدير لابن همام. - حاشية رد المحتار لابن عابدين على الدر المحتار. - فتح القدير للكمال بن الهمام وبهامشه العناية على الهداية ج ٥ باب التحكيم.
следующие страницы →