وأما تحديد المرض بما يحصل منه الهلاك غالبًا فيلزم عليه ألا يحجر على الحامل حين الطلق، لأنه لا يغلب منه الهلاك ولا يتساوى الهلاك والنجاة في أزمانهم بل السلامة هي الغالبة (١) .
الراجح: ذهب الجمهور في تعريف مرض الموت إلى أنه ما يعتبر الموت بسببه غير نادر، ولا شك أن الإيدز إذا أصاب شخصًا فمصيره إلى الهلاك إذ لا علاج له عند الأطباء (٢) ولا فرق بين كلمة إيدز وكلمة الموت عند من عرف خطورته في المجتمعات التي انتشر فيها وقد شبهه بعض الأطباء بالقنبلة التي يخشى انفجارها في أي وقت.
أضف إلى ذلك أن كثيرًا من مرضى الإيدز قد يصابون في بعض مرحل المرض ببعض الاضطرابات العصبية وأكثرها شيوعًا هو الاعتلال الدماغي المصاحب للإيدز الذي يحدث بسببه تغيرات سلوكية شبيهة بالخرف الموجب للحجر، والله أعلم (٣)
المطلب الثاني
شروط مرض الموت
لعل العلة المؤثرة في تصرفات المريض هي: أنه إذا أحس دنو أجله وأنه سيرحل عما قريب ويترك أمواله احتملت تصرفاته حينئذ احتمالًا قويًا أنه قصد بها المحاباة لبعض الورثة، أو الإضرار بالبعض الآخر والغرماء فشرع الحجر عليه حماية لحقوق الوارثين والغرماء (٤)
وقد اشترط الفقهاء لهذا المرض شرطين أساسيين:.
أحدهما: أن يصل هذا المرض إلى درجة من الخطورة والخوف على المريض من الهلاك إذ ليس كل مرض مميت، وينبغي الرجوع إلى الأطباء ليبينوا طبيعته هل هو مخوف أو لا؟
стр. 15787
الثاني: أن يحصل الموت بعد المرض مباشرة سواء كان الموت بسببه أم بسبب آخر كقتل أو حرق أو تصادم.
فإن برئ من المرض فتصرفاته صحيحة، حيث ظهر أنها صدرت من الأهل في المحل ولا مانع من النفاذ (١) .
ولا فرق بين الأمراض المزمنة وغيرها فما خشي منه الهلاك فهو مرض موت، وما لم يخش منه الهلاك ليس كذلك.
جاء في المدونة سئل الإمام مالك – ﵁ – عن أهل البلايا مثل المفلوج أو المجذوم أو الأبرص أو ما أشبه هؤلاء، في أموالهم إذا أعطوها أو تصدقوا بها في حالاتهم قال مالك: ما كان من ذلك أمرًا يخاف على صاحبه فلا يجوز له إلا في ثلث ماله وما كان من ذلك لا يخاف على صاحبه منه فرب مفلوج يعيش زمانًا (٢) .
وجاء في شرح مجلة الأحكام العدلية مرض الموت مقيد بغير الأمراض المزمنة التي طالت ولم يخف منها الموت كالفالج ونحوه وإن صيرته ذا فراش (٣) .
فمدار الحكم على خوف الهلاك حيثما وجد حجر على المريض وإن طال بقاء المرض، وما لم يوجد خوف الهلاك كانت تصرفات المريض تصرفات صحيح، وإن قصرت مدة المرض ومات به، والله أعلم.
стр. 15788
الخاتمة
الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، أحمده حمدًا يليق بجلال وجهه وعظيم سلطانه، وأصلي وأسلم على خير خلقه وعلى آله وصحبه وأسلم تسليمًا كثيرًا ... وبعد:
فهذا آخر البحث الذي قمت به عن مرض الإيدز – نقص المناعة المكتسبة – وقد اتضح لي عدة نتائج أذكر أهمها ملخصًا فيما يلي:
١- إن الله ما خلق من داء إلا وله دواء ولكن قد تحجب معرفته عن الناس عقوبة أو ابتلاء.
٢-إن مرض الإيدز لم يكتشف له علاج ولا مصل واق حتى أنهيت كتابة هذا البحث.
٣- إن العالم قد وصل إلى منتصف الطريق بمعرفة أكثر وسائل انتقاله وطرق الحماية منه.
٤- إن هذا المرض عقوبة معجلة بسبب البعد عن منهج الله القويم وطريقه المستقيم فهو ينتشر في الشاذين جنسيًا والزناة ومدمني المخدرات ومن له علاقة بهم.
٥- ظهور بعض المعجزات التي أخبر عنها الصادق المصدوق ﷺ بقوله: ((لم تظهر الفاحشة في قوم قط حتى يعلنوا بها إلا فشى فيهم الطاعون والأوجاع التي لم تكن مضت في أسلافهم الذين مضوا)) . . . . (١) .
стр. 15789
وقوله: ((لا تزال أمتي بخير ما لم يفش فيهم ولد الزنى فإذا فشى فيهم ولد الزنى فيوشك أن يعمهم الله بعقاب)) (١)
وهذا المرض الخطير والوباء العظيم الذي ظهر في فئات المجرمين وغيرهم عقوبة من عقوباته على ارتكاب معاصيه.
٦- حيث إن المرض ينتقل بالمعاشرة الجنسية فإذا أصاب أحد الزوجين كان للآخر حق المفارقة ووجوب الاحتياط ومتابعة حالته إن حصلت معاشرة جنسية بينهما.
٧- إيقاف الرضاعة من الأم المصابة إذا توفر البديل المناسب.
٨- منع المرأة المصابة من الحمل محافظة على صحتها من التدهور وحماية للطفل من العدوى.
٩- عدم جواز إجهاض الجنين المصابة أمه بعد نفخ الروح فيه.
١٠- وجوب الاحتياط والحذر في حضانة المصاب لطفل سليم حتى يقطع بعد انتقال المرض بالملاصقة بين المصاب والسليم.
١١- جناية المريض وتسببه في إصابة غيره قد تكون من باب الفساد في الأرض وقد تكون من صور القتل العمد بالأسباب الخفية وقد تكون قتل خطأ موجب للدية والكفارة وقد تكون بسبب تفريط الأطباء والفنيين في المستشفيات أثناء نقل الدم ومشتقاته أو استعمال الإبر.
١٢- مرض الإيدز مرض موت تترتب عليه آثاره.
١٣- لزوم تكثيف التوعية للحجاج بخطورة الحلاقة المتكررة بآلة واحدة لعدة مرات ومنع المرضى والذين لا يتخذون الاحتياطات اللازمة من مزاولة هذه المهنة.
١٤- حينما يؤدي كل دوره بداية من الأسرة حماية وتوعية ومضيًا إلى دور التعليم والتربية وانتقالًا إلى مجالات الحياة المختلفة في المسجد ومواقع العمل وسائر الأنشطة اليومية وذلك برسم أهداف متكاملة تنفذ بوسائل تتم السيطرة على المرض والحماية منه بإذن الله.
وصدق الله إذ يقول: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ [الإسراء: ٣٢] .
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
стр. 15790
فهرس المصادر والمراجع
- البابرتي، العناية على هامش فتح القدير.
- البخاري، الجامع الصحيح مع فتح الباري، مطابع الشعب: ١٣٧٨.
- البسام، نيل المآرب، الطبعة الأولى، مكتبة ومطبعة النهضة الحديثة.
- البعلي، اختيارات شيخ الإسلام ابن تيمية، تحقيق الفقي، مكتبة السداوي.
- البهوتي، شرح منتهى الإرادات، مطبعة أنصار السنة المحمدية:١٣١٦.
- البهوتي، كشاف القناع، مكتبة النصر الحديثة – الرياض.
- البيهقي، السنن الكبرى، الطبعة الأولى: ١٣٥٣ هـ، دار المعارف العثمانية الهند.
-ابن تيمية، القواعد النورانية، الطبعة الأولى: ١٣٩٢ هـ، مكتبة الكليات الأزهرية.
- الثبيتي، التفريق بين الزوجين، الطبعة الأولى، دار إحياء التراث
- الجبوري، عوارض الأهلية عند الأصوليين، جامعة أم القرى.
- ابن حزم، المحلى، تحقيق محمد منير الدمشقي، مكتبة الجمهورية العربية: ١٣٨٧ هـ.
- الحلي، شرائع الإسلام، الطبعة الأولى: ١٣٨٩.
- ابن حميد، مرض الموت، رسالة ماجستير بجامعة أم القرى.
- ابن حنبل، المسند الطبعة الثانية ١٣٩٨ هـ، المكتب الإسلامي للطباعة والنشر، بيروت.
- الخرشي، شرح مختصر خليل، دار صادر.
- ابن خطيب الدهشة، مختصر قواعد العلائي.
- أبو داود، السنن، تحقيق: محمد محيي الدين، دار إحياء السنة النبوية.
- الدردير، الشرح الصغير، دار المعارف.
- الدردير، الشرح الكبير، على هامش حاشية الدسوقي.
- الدسوقي، حاشية على الشرح الكبير – المكتبة التجارية الكبرى، دار الفكر.
- رفعت كمال، قصة الإيدز، مطابع دار أخبار اليوم.
- الرملي، نهاية المحتاج، المكتبة الإسلامية، رياض الشيخ.
- الزيلعي، تبيين الحقائق، الطبعة الأولى:١٣١٣ هـ، المطبعة الكبرى الأميرية ببولاق – مصر.
стр. 15791
- السرخسي، المبسوط، الطبعة الأولى، مطبعة السعادة.
- السيوطي، الأشباه والنظائر، دار إحياء الكتب العربية.
- ابن الشحنة، لسان الحكام مع معين الحكام.
- الشربيني، مغني المحتاج، المكتبة الإسلامية.
- الشوكاني، نيل الأوطار، مصطفى البابي الحلبي.
- ابن أبي شيبة، المصنف، الطبعة الأولى: ١٣٩٠ هـ، مطبعة العلوم الشرقية.
- الصاوي، حاشية علي الشرح الصغير، على هامش الشرح الصغير.
- الصنعاني، سبل السلام، الطبعة الرابعة: ١٣٧٩ هـ، مصطفى البابي الحلبي وأولاده.
- الصنعاني، المصنف، الطبعة الأولى.
- الطرابلسي، معين الحكام، الطبعة الثانية: ١٣٩٣ هـ، مصطفى الحلبي.
- ابن عابدين، حاشية رد المحتار، الطبعة الثانية: ١٣٨٦ هـ، مصطفى البابي الحلبي.
- عبد الرحمن بن حسن، فتح المجيد، الطبعة الأخيرة، ٣٨٦ هـ، مطبعة المشهد الحسيني.
- الصنعاني، المصنف، الطبعة الأولى.
- الطرابلسي، معين الحكام، الطبعة الثانية: ١٣٩٣ هـ، مصطفى الحلبي.
- ابن عابدين، حاشية رد المحتار، الطبعة الثانية: ١٣٨٦هـ، مصطفى البابي الحلبي.
- عبد الرحمن بن حسن، فتح المجيد، الطبعة الأخيرة: ١٣٨٦ هـ، مطبعة المشهد الحسيني.
- العلائي، المجموع المذهب في قواعد المذهب – مخطوط.
- الفتوحي، منتهى الإرادات، تحقيق: عبد الغني عبد الخالق، مكتبة دار العروبة.
- الفيروز آبادي، القاموس المحيط، المؤسسة العربية للطباعة والنشر.
- الفيومي، المصباح المنير، مطبعة مصطفى البابي الحلبي وأولاده.
- ابن قاسم، حاشية علي تحفة المحتاج، دار صادر.
- ابن قدامة، المغني، مكتبة الجمهورية.
- قليوبي حاشية علي شرح المحلى على المنهاج، الطبعة الثالثة: ١٣٧٥ مصطفى البابي الحلبي.
- قيس مبارك، التداوي والمسؤولية الطبية، الطبعة الأولى: (١٤١٢ هـ، مكتبة الفارابي.
стр. 15792
- ابن القيم، تحفة المودود في أحكام المولود، الطبعة الأولى: ١٣٩١ هـ، مكتبة دار البيان.
- زاد المعاد، الطبعة الثالثة: ١٣٩٢ هـ، دار الفكر.
- الطب النبوي.
- مفتاح دار السعادة، دار الكتب العلمية – بيروت.
- الكاساني، بدائع الصنائع، مطبعة العاصمة – بالقاهرة.
- ابن ماجه، السنن، الطبعة الأولى، المطبعة التازية.
- المحلى، شرح المنهاج على هامش حاشيتي قليوبي وعميرة، ط ٣: ١٣٨٥ هـ مصطفى البابي.
- محمد علي البار، العدوى بين الطب وحديث المصطفى، دار الشروق.
- محمد البار، ومحمد صافي، الإيدز، الطبعة الأولى: ١٤٠٧ هـ، دار المنارة.
- محمد فيض الله، نظرية الضمان، الطبعة الأولى: ١٤٠٣ هـ، مكتبة دار التراث – الكويت.
- المرتضى، البحر الزخار، الطبعة الأولى: ١٣٦٧ هـ.
- المرداوي، الإنصاف، الطبعة الأولى: ١٣٦٧ هـ
- مسلم، الجامع الصحيح مع شرح النووي.
- الموصلي، الدر المختار مع حاشية ابن عابدين.
- ابن نجيم، الأشباه والنظائر، مؤسسة الحلبي وشركاه: ١٣٨٧ هـ
- النووي، روضة الطالبين المكتب الإسلامي للطباعة والنشر.
- شرح صحيح مسلم، الطبعة الثانية: ١٣٩٢ هـ
- ابن الهمام، فتح القدير، الطبعة الأولى: ١٣١٥ هـ، المطبعة الأميرية ببولاق – مصر.
- الصحف: صحيفة عكاظ – صحيفة المدينة – صحيفة الهدف.
стр. 15793
الأسرة ومرض الإيدز
إعداد
الدكتور جاسم علي سالم
مدرس قانون المعاملات المدنية
بكلية الشريعة والقانون بجامعة الإمارات العربية المتحدة
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الأسرة ومرض الإيدز
مقدمة:
إن الأمراض الوبائية غير محددة، وتختلف في مدى خطورتها على الإنسان وحياته، بل المرض الواحد منها قد تختلف درجة خطورته من إنسان إلى آخر حسب الصحة الجسمانية للمصاب بالمرض.
ونرى أن خطورة المرض تأتي من كونه ينتقل بالعدوى، ذلك لأنه سيخلق الرعب والخوف من احتمال انتقاله، وإن كان لم ينتقل حقيقة.
ويخفف من ذلك إمكانية الحد منه بمعرفة طرق انتقاله والسيطرة عليه.
والإيدز الذي يسمى طاعون العصر يعرف بأنه مجموعة أعراض متزامنة للنقص المكتسب في المناعة (١) ، إنه مجموعة أعراض وليس مرضًا محددًا واحدًا، ولا يتأتى عن جرثومة ولا عن مورثة، إنما هو مجموعة متعددة العوامل من الأعراض لها تعريفها الخاص (٢) .
والإيدز لم يعد كما كان متصورا في السابق أن طريق انتقاله من المصاب إلى السليم عن طريق الاتصال الجنسي، فنقل الدم والحمل والرضاع والصلة الحميمة بين الأم والطفل، قد تسبب هذا المرض (٣) .
وقد ينتقل عن طريق المخدرات والإبرة المستعملة وغير ذلك من الأجهزة الملوثة، والإيدز لم يصبح مشكلة صحية يعاني منها المصابون به أو المتصلون به فقط، بل الإيدز الآن مشكلة اقتصادية واجتماعية.
فهو مشكلة اقتصادية من حيث تطلبه للميزانيات العالية التي يجب أن تخصص لمرض الإيدز. والمصيبة الأكبر إذا كان أكثر المصابين به هم الشباب والذين يعتبرون عماد الدولة ومركز نمائها، حيث ذكر في بعض الإحصائيات أن ٩٢ % من المصابين به في أمريكا هم الأفراد ما بين سنة ١٧ – ٤٩ (٤) .
والإيدز كذلك مشكلة اجتماعية مرعبة، إذ هذا المرض لا يؤثر فقط في المصاب بل في المجتمع برمته فهو مرض اجتماعي نفسي أيضًا، ووجود هذا المرض كشف زيف الحريات الشخصية والتي يستظل بها الشاذون والداعرون والمدمنون، ومن هنا بدأت المجتمعات تحاول أن تبني الجانب الأخلاقي المفقود، وتنفق في سبيل ذلك الأموال الطائلة، وتجدد التعاليم الدينية والأخلاقية المفقودة، وتحاول إعطاء المدرسة والجامعة دورًا رئيسيًا في هذا البناء المجتمعي.
стр. 15794
على كلٍ فهو مرض يجدر أن تبحث آثاره الاجتماعية، وكذلك الشرعية والقانونية وما ينتج عنه من مسؤوليات جنائية أو مدنية أو شرعية، وستكون دراستنا هنا الإيدز وأحكام الأسرة نتناول فيها موضوعات عديدة وهي كالآتي:
١- مدى جواز إلزام الزوجين بالفحص الطبي قبل الزواج.
٢- وجوب إعلام الزوج المصاب زوجته بمرضه.
٣- هل للولي أن يمنع عقد زواج موليته من مصاب الإيدز؟
٤- طلب الزوج السليم الفرقة إذا أصيب الآخر بالإيدز.
٥- هل أسباب الفرقة للعيوب محصورة فيما ذكره الفقهاء من عيوب أم تتعدى لغيرها لذات العلة؟
٦- تواجد فيروس الإيدز في لبن المرضع.
٧- مدى جواز حضانة المصابة بالإيدز للطفل السليم.
أولًا: مدى جواز إلزام الزوجين بالفحص الطبي قبل الزواج
إن الله قد مَيَّزَ الإنسان عن غيره من المخلوقات بميزات كثيرة أهمها العقل المفكر الذي هو مناط الأحكام، إذ غير العاقل في الأصل لا يؤاخذ على تصرفاته، لذلك يجب إعمال العقل في تحقيق مصلحة الإنسان، والمصلحة تستوجب أن يكون هو إلزام الشارعين في الزواج بإجراء الفحص الطبي للتأكد من الخلو من الأمراض الخطيرة والخبيثة، والفحص هنا لن يتوقف على مرض الإيدز بل سيشمل أمراضًا كثيرة لا بد من التأكد منها خاصة أنها أصبحت ظاهرة، مثل الإنيميا المنغلية والتي إذا تواجدت في الزوجين جاء الأبناء ضعافًا مرضى، مهددين بالموت أو العيش غير أصحاء، ونرى أن كثيرًا من الأمراض التي قيل عنها إنها انقرضت قد صحت مرة أخرى، فما دام العلم يستطيع أن يكشف لنا ذلك على وجه الدقة في كثير من الأحيان فلا موازنة في أعمال الكشف الطبي قبل عقد الزواج (١) .
والكشف الطبي للتأكد من خلو الزوجين من الموانع المرضية يقع تحت قاعدة: (لا ضرر ولا ضرار) . . . . (٢) .
стр. 15795
وقد سيق ذلك بأسلوب نفي الجنس ليكون أبلغ في النهي (١) .
وكذلك على أساس قاعدة (دفع الضرر المتوقع مستقبلًا) وهو الضرر الذي لم يقع بعد، ولكن ظروف الحال تنبئ بوقوعه، فإذا كان الضرر سيقع لا محالة فإن دفعه يكون حقًا (٢) .
وكذلك قاعدة (الضرر يزال) . . . . أي يجب إزالته باعتبار أن الأخبار في كلام الفقهاء للوجوب (٣) .
وإذا ظن البعض أن هذا الأمر فيه تكلف ومشقة على الراغبين في الزواج، فإن التأكد من السلامة أمر أكثر أهمية حتى لا يقع ما يندم عليه، وكل ذلك يخضع تحت قاعدة الضرر الأشد يزال بالضرر الأخف ويقال: إذا تعارض مفسدتان روعي عظمهما بارتكاب أخفهما (٤) .
وهذا الأمر إذا كان لم ينص عليه الشرع أو لم يذكره الفقهاء السابقون إلا أنه بتحقيقه المصلحة العامة للمجتمع يقع تحت مضمون القاعدة التي تقول: التصرف على الرغبة منوط بالمصلحة (مادة ٥٨ من مجلة الأحكام العدلية) .
ونضيف في ختام هذه المسألة ما جاء في مجلة البحوث الفقهية المعاصرة تحت مسائل في الفقه كالآتي: حكم الشرط القاضي بتحليل دم الزوج للتأكد من سلامته من مرض نقص المناعة.
ومفاد هذه المسألة أن شابًا تقدم إلى أب يطلب يد ابنته للزاج، فسأل هذا أن يحضر شهادة عن تحليل دمه موثقة من مستشفى أو مختبر معترف بهما تثبت أنه سليم من مرض نقص المناعة، فاعترض الشاب على ذلك بحجة عدم لزوم هذا الشرط من الناحية الشرعية – فما هو الحكم في ذلك؟.
الجواب على ذلك جواز هذا الشرط.
فمن حيث العموم يحق للعاقد عند عقده اشتراط ما يراه في مصلحته أو مصلحة من ينوب عنه، على ألا يكون في هذا الشرط ما ينافي الأحكام الشرعية استدلالًا بقول رسول الله ﷺ : ((المسلمون على شروطهم إلا شرطًا حرم حلالًا أو أحل حرامًا)) . . . . (٥) .
стр. 15796
ومن حيث الخصوص يحق لأب المرأة أو وليها اشتراط ما يراه لمنفعتها عند عقد زواجها ما لم يكن في ذلك أيضًا مخالفة للأحكام الشرعية استدلالًا بقول رسول الله ﷺ فيما رواه عقبة بن عامر أنه قال: ((أحق الشروط أن تفوا بها ما استحللتم به الفروج)) . . . . (١) .
ثم ذكر أن الشروط لمنفعة الزوجة على ثلاثة أوجه، وذكر في الوجه الثالث: أن يتشرط الأب عليه (أي على المتقدم للزواج) ما فيه دفع ضرر محتمل عنها مثل معرفة قدرته على انجاب الولد أو سلامته من الأمراض مثل الجذام أو نقص المناعة محل السؤال أو أي مرض آخر ينتقل إليها منه فيعرض حياتها للخطر، ذلك أن الأصل دفع الضرر متى كان من الممكن دفعه، فالأب ومن في حكمه أمين على موليته، فإذا خشي عليها من احتمال انتقال العدوى إليها من الزوج وجب عليه الاحتراز من ذلك ابتداء بالتثبت من سلامة الزوج، ولما كانت بعض الأمراض – كما هو الحال في مرض نقص المناعة – من الأمراض المعدية ولا تظهر آثاره إلا بعد مدة من الزمن، ولما كان وجوده من عدمه يتطلب فحص الدم وتحليله حق للأب ومن في حكمه أن يشترط على من يريد الزواج من ابنته سلامته منه، بل الواجب على طالب الزواج أن يكشف ما قد يكون لديه من الأمراض أو العيوب، فقد روي أن عمر ﵁ بعث رجلًا على بعض السقاية فتزوج من امرأة وهو عقيم فقال له عمر: هل أعلمتها أنك عقيم؟ قال: لا، قال: فأعلمها ثم خيرها (٢) .
وقال أبو محمد صاحب الإمام أبي حنيفة ينبغي خلو الزوج من كل عيب لا يمكن الزوجة المقام معه إلا بضرر كالجنون والجذام، وجعل الشرط لها في ذلك أوجب من شرط الزوج له، ذلك أن هذا يمكنه دفع الضرر عن نفسه بالطلاق لأنه بيده والمرأة لا يمكنها ذلك لأنها لا تملك الطلاق (٣) .
ويرى الإمام ابن تيمية أن الأصل في الشروط الصحة واللزوم ما لم يدل الدليل على خلافه، وذكر ما قيل بأن الأصل في الشروط عدم الصحة إلا ما دل الدليل على خلافه، ورأى أن القول الأول هو الصحيح إذا لم يكن المشروط مخالفًا لكتاب الله (٤) .
стр. 15797
وخلاصة المسألة أن شرط الأب ومن في حكمه على طالب الزواج من ابنته إثبات سلامته من مرض نقص المناعة شرط صحيح، وإذا ثبت بعد الزواج أن الزوج مصاب بهذا المرض – أو أي مرض معد آخر– حق للزوجة فسخ عقد النكاح، أما إذا كان المرض عضالًا غير معد فلها الخيار وللزوج كذلك عندما تكون هي المريضة.
فإن قيل فما الحكم إذا طلب راغب الزواج إثبات سلامة الزوجة من هذا المرض خاصة إذا كانت مطلقة؟ فالجواب يجوز له ذلك، إذا فالحكم في كلتا الحالتين واحد؛ طالما أن المقصود هو التحرز من مرض عضال ينتقل بالعدوى ويؤدي للضرر بأحد الزوجين (١)
ثانيا: وجوب إعلام الزوج المصاب زوجه
وهذه نقطة تترتب على سابقتها، فلو أن أحد الزوجين أصيب بمرض الإيدز وعلم به بعد الفحص فهل من حقه كتم هذا المرض عن أسرته وخاصة زوجه مع العلم أنه قد تنتقل آثار هذا المرض إلى السليم عن طريق المعاشرة الجنسية مثلًا؟ فالجواب هو الوجوب بالإفضاء وعدم إخفائه وذلك للأدلة الشرعية والعقلية التالية:
١- روي أن النبي ﷺ تزوج امرأة من بين غفار، فلما دخل ووضع ثوبه وقعد على الفراش أبصر بكشحها بياضًا (أي البرص) فانحاز عن الفراش ثم قال: ((خذي عليك ثيابك ولم يأخذ مما أتاها شيئًا)) . . . . (٢) .
وفي رواية ((الحقي بأهلك)) وزاد البيهقي: (فلما أدخلت رأى بكشحها وضحًا فردها إلى أهلها وقال: ((دلستم علي)) ) (٣) .
стр. 15798
والتدليس هو الغش بحيث يخفى العيب المعلوم عند التعاقد من قبل الطرف الآخر لكونه مؤثرًا في محل العقد، وقال رسول الله ﷺ : ((من غشنا فليس منا)) . . . . (١) .
٢- وعن أنس بن مالك أن عمر بعث رجلًا على بعض السقاية فتزوج امرأة وكان عقيمًا فقال له عمر: أعلمتها أنك عقيم؟ قال: لا، قال فانطلق فأعلمها ثم خيرها (٢) .
وكذلك ما ورد عن سليمان بن يسار أن ابن سندر تزوج امرأة وهو خصي فقال له عمر أعلمتها؟ قال: لا، قال: أعلمها ثم خيرها (٣)
وعن سعيد بن المسيب أنه قال: أيما رجل تزوج امرأة، وبه جنون، أو ضرر، فإنها تخير فإن شاءت رضيت، وإن شاءت فارقت (٤) .
ومن الممكن الاستفادة هنا أن أمير المؤمنين ارتأى عدم جواز إخفاء العقم عن الزوجة، وهو أمر قد يكون ضرره مقصورًا على النفس، فكيف لمرض يؤثر على البدن والنفس تأثيرًا خطيرًا قد ينتج عنه الموت وفقًا للمسلمات الطبية؟!
٣- وقد روي كذلك عن عمر: إذا تزوج الرجل المرأة وبها جنون أو جذام أو مرض أو قرن، فإن كان دخل بها فلها الصداق بمسه إياها، وهو له على الولي (٥) .
كأنه هنا أوجب على الولي أن يخبر الخاطب قبل الدخول، ولكن إن لم يخبره ودخل بها كان على الولي دفع المهر الذي قدمه للزوجة، وطبعًا هذا إذا كان الزوج لم يكن عالمًا بالمرض قبل الدخول بها وإلا سقط بها حقه برضائه الضمني وهو الدخول بها بعد علمه.
стр. 15799
٤- وكذلك فإن حديث ((لا ضرر ولا ضرار)) . . . . (١) . والمقصود بلا ضرر: أنه لا يجوز الإضرار ابتداء بمعنى أنه لا يجوز للإنسان أن يضر شخصًا آخر في نفسه وماله لأن الضرر ظلم والظلم ممنوع في كل دين (٢) ، وأما قوله ولا ضرار: فإنه لا يجوز مقابلة الضرر بمثله هوهو الضرار، كما لو أضر شخص آخر في نفسه وماله لا يجوز للشخص المتضرر أن يقابل ذلك الشخص بضرر، بل يراجع الحاكم ويطلب إزالة الضرر (٣) .
ونقل مرض الإيدز ضرر وأي ضرر، فيمتنع على الإنسان نقله إلى الآخرين وعليه إعلامهم به في الحالة التي لا يجوز السكوت عنها كتجنيبه المخالطة معه.
وعدم الإفضاء يعد تدليسًا، فيذهب جمهور الفقهاء من المالكية والشافعية والحنابلة إلى أنه إذا دلس أحد الزوجين على الآخر، بأن كتم عيبًا فيه، يثبت الخيار، لم يعلمه المدلس عليه وقت العقد ولا قبله وهو خيار فسخ النكاح (٤) .
وقد جاء في المادة ١٨٦ من قانون المعاملات المدنية الإماراتي (يعتبر السكوت عمدًا عن واقعة أو ملابسة تغريرًا إذا ثبت أن من غرر به ما كان ليبرم العقد لو علم بتلك الواقعة أو هذه الملابسة (. . . . وهنا تتحقق الوسيلة التغريرية المطلوبة بمجرد كتابة أمر يجب الإفصاح عنه عمدًا (٥) .
وهذا الالتزام قد يجد مصدره في طبيعة عقد النكاح الذي يتطلب درجة عالية من الثقة بين طرفيه مما يفرض على كل منهما الإفضاء للآخر بالمعلومات المؤثرة في العقد.
ولنا أن نتساءل: هل عدم الإفضاء يرتب المسؤولية المدنية الشرعية؟
أما المسؤولية المدنية: والجنائية، فإننا نقول نعم وفقًا لأحكام الديات والأروش وحكومة العدل، ونعلم أن من مقاصد الشرع رفع الظلم وجبر الضرر، ونحن هنا لن نبحث هذه الموضوعات باعتبار أن موضوعنا هو في أحكام الزواج، أما مسألة الميراث، فإذا كان المتسبب في إصابة الآخر بالإيدز هو الزوج مثلًا بحيث أصاب زوجته وماتت بهذا المرض قبله فهل يرثها؟ وإذا كان قد ترتب عليه دفع الدية، فهل يرث من الدية؟
стр. 15800
يجب علينا هنا أن نوضح بأن الزوجة التي ماتت بسبب الإيدز الذي نقله إليها زوجها وهو يعلم بإصابته، أو كان يفترض علمه باعتبار مخالطته للمومسات في بلد أو منطقة اشتهر إصابة النساء العاهرات بالإيدز.. فلا يعد هذا قتل خطأ، فهو قتل عمد على اعتبار تجريح موت الشخص نتيجة لإصابته بهذا المرض (١) .
فإذا قلنا بذلك فإن الأحناف قد بينوا بأن القتل الذي يمنع الميراث هو القتل العمد العدوان، والقتل الذي يشبه العمد، والقتل الخطأ، والقتل الذي يشبه الخطأ، أو ما جرى مجرى الخطأ (٢) .
ويذهب المالكية والحنابلة إلى أن القاتل عمدًا مباشرًا أو متسببًا يمنع من الميراث من المال والدية (٣) ، ويذهب الشافعية إلى أن القاتل لا يرث من مقتولة مطلقًا سواء أكان مباشرة أم تسببًا، ودليلهم عموم خبر الترمذي وغيره ((ليس للقاتل شيء)) أي من الميراث. (٤) ولذا نرى أن عقوبة المنع من الميراث تطال الزوج عند جميع الفقهاء على اعتبار أن قتلها عدوان.
ثالثًا: هل للولي أن يمنع عقد زواج موليته من مصاب بالإيدز؟
القياس هنا يكون على المصاب بالجذام والبرص، فقد ورد في المذهب الحنبلي أنه يجوز للولي أن يمنع موليته من الزواج لاعتبارات الضرر، وأنه عار عليها وعلى أهلها وضرر بالولد من هذا النكاح، فقد ذكر ابن قدامة في جواز منع الولي لموليته من الزواج من الأبرص والمجذوم وجهين في الفقه الحنبلي (أحدهما) لا يملك منعها لأن الحق لها والضرر عليها فأشبه المجبوب والعنين (والثاني) له منعها لأن عليه ضررًا فإنه يتعير به ويخشى تعديه إلى الولد فأشبه التزويج لمن لا يكافئها وهذا مذهب الشافعي، والأولى أن له منعها في جميع الصور لأن عليها فيه ضررًا دائمًا وعارًا عليها وعلى أهلها، فملك منعها منه كالتزويج بغير كفء، أما إذا اتفقا على ذلك ورضي به جاز وصح النكاح لأن الحق لهما ولا يخرج عنهما، ويكره لهما ذلك لما ذكره الإمام أبو عبد الله من أنها وإن رضيت الآن تكره فيما تكره بعد، ويحتمل أن يملك سائر الأولياء الاعتراض عليهما ومنعهما من هذا التزويج لأن العار يلحق بهم وينالهم الضرر فأشبه ما لو زوجها بغير كفء (٥) . وكذلك ذكر البهوتي: وإن اختارت مكلفة أن تتزوج مجنونًا أو مجذومًا أو أبرص فلوليها العاقد منعها منه لأن فيه عارًا عليها وعلى أهلها وضررًا يخشى تعديه إلى الولد، كمنعها من تزويجها بغير كفء (٦) .
стр. 15801
ونحن نؤيد هذا الاتجاه بالقول بأن لولي المرأة المصاب زوجها التفريق خاصة لما يثيره هذا المرض من المخاطر والمخاوف والأهل يعيرون بهذا المرض الخطير، والذي يعادل الآن الخوف من الإصابة منه الإصابة ذاتها على النفس، ويمكن أن يكيف العقد هنا على اعتبار عدم اللزوم للكفاءة بين الزوجين لإصابة أحدهما بمرض الإيدز الخطير، خاصة إذا تحللنا من النظرة الضيقة لمعنى الكفاءة بحيث تكون صورها تتحدد وفق الأعراف والعادات والتي قد تطرأ عليها ظروف اجتماعية تفيد الانسجام والاستقرار المطلوب بين الزوجين ونستشهد بقول الأستاذ الدكتور عبد الرحمن الصابوني في إعطائه لعناصر الكفاءة منظورًا واسعًا متغيرًا فيقول: وليست عناصر الكفاءة كما حددها الفقهاء من نسب ومال وحرفة، بل هي كل ما كان يؤدي وجوده بين الزوجين إلى عدم الانسجام من فوراق في أمور اجتماعية تحول غالبًا دون التوافق والانسجام والاستقرار، ولهذا فأمر هذه العناصر متروك للعرف غير محدد، والفقهاء حين ذكروا هذه العناصر ذكروها لأنها كانت في عصرهم معيارًا للتكافؤ، ولهذا فإننا نرى لا لزومًا إطلاقًا لحصر عناصر الكفاءة بالأمور التي ذكرها الفقهاء، وفق تلك المقاييس التي وضعوها لملائمة عصرهم والتي لم تعد تتلائم بعد قرون وقرون من غير تلك العصور (١)
رابعًا: طلب الزوج السليم الفرقة إذا أصيب الآخر بالإيدز
نفترض هنا أن الزوج أو الزوجة أصيب أحدهما بهذا المرض الخطير هل يحق للسليم أن يطلب فك رابطة الزواج أم لا؟
بالرجوع إلى أقوال الفقهاء نراهم في بحثهم حول العيوب أو الأمراض التي يتم على أثرها الفرقة بين الزوجين قد ميزوا بين أنواع مختلفة من العيوب التي تصيب الزوجين، ومن ثم اختلفت المذاهب فيما إذا كان الحق في فك عقدة الزواج يعد حقًا للزوج والزوجة أم غير ذلك؟ وهل فك عقدة الزواج هو فسخ له أم طلاق؟
وبما أننا نبحث في مرض له نتائج خطيرة على المصاب ومعد ويصيب الإنسان في صحته البدنية كما هو الأمر في نفسه، وكما أوضحنا سابقًا يقاس على ما ذكره العلماء في مرض البرص والجذام والأمراض التناسيلة، أكثر من غيرها من الأمراض، فلذا سيكون حديثنا في القياس على الفقهاء على هذين الداءين دن غيرهما من العيوب.
стр. 15802
أ- فأما الظاهرية فمذهبهم لا يجوز رد النكاح بأي عيب وجده أحد الزوجين بالآخر مهما كان العيب والمرض. وحجتهم في ذلك أنه لم يثبت دليل صحيح في هذا الأمر سوى من كتاب الله أو عن رسول الله ﷺ أو صحابته، فالأصل إذن بقاء النكاح ولا يزول إلا بدليل هنا على إزالته (١) .
إلا أن ابن حزم قال في هذا الأمر أنه إذا شرط أحد الزوجين على الآخر السلامة من العيوب، فالشرط يلزم الطرف الآخر ويكون لصاحبه إبطال العقد، فقد جاء في المحلى: فإن اشترط السلامة في عقد النكاح، فوجد عيبًا - أي عيب كان - فهو نكاح مفسوخ مردود لا خيار له في إجازته ولا صداق فيه ولا ميراث ولا نفقة، دخل أو لم يدخل، لأن التي أدخلت عليه غير التي تزوج، لأن السالمة غير المعيب فإذا لم يتزوجها فلا زوجية بينهما (٢) .
ب- مذهب الحنفية: قصر أبو حنيفة وأبو يوسف التفريق على الأمراض التناسلية كالجب، والعنة، والخصاء دون الأمراض المنفرة والمضرة (٣) ، أما محمد بن الحسن فقد أثبت خيار الفسخ للمرأة دون الرجل في حالة كون الزوج مصابًا بعيب لا يمكنها المقام معه بضرر كالجنون والجذام والبرص، ونقيس عليها الإيدز لأن العلة هنا أوضح (٤) .
إلا أن إثبات الفرقة هنا مقتصر على الزوجة دون الرجل باعتبار أن الرجل يملك حق الطلاق (٥) .
ج- مذهب الجمهور: ويذهب المالكية والشافعية والحنابلة إلى أن الحق للزوجين في طلب التفريق لهذه الأمراض، وقد قسم المالكية الأمراض والعيوب إلى ثلاثة أقسام فيفرق بالعيوب عندهم كالتالي:
- عيوب توجد في الرجال وهي الجب والخصاء والعنة والاعتراض.
стр. 15803
- وعيوب النساء هي الرتق والقرن والعفل والإفضاء والبخر.
- والعيوب المشتركة هي الجنون والجذام والبرص والعذيطة والحنانة المشكلة (١)
وعند الشافعية يفرق بالعيوب التالية:
- عيوب الرجال وهي العنة والجب.
- عيوب النساء هي الرتق والقرن.
- أما العيوب المشتركة فهي الجنون والجذام والبرص (٢) .
عند الحنابلة يفرق بالعيوب التالية:
- عيوب الرجال وهي العنة والجب.
- وعيوب خاصة بالنساء هي الفتق والقرن والعفل.
- وعيوب مشتركة، هي الجنون والبرص والجذام (٣) .
دليل الجمهور في حق كل من الزوجين طلب التفريق للأمراض:
١- إن رسول الله ﷺ تزوج امرأة من بني غفار فلما دخلت عليه أبصر بكشحها وضحًا فردهًا إلى أهلها وقال: ((دلستم علي)) (٤) .
٢- ما رواه البخاري أن النبي ﷺ قال: ((فر من المجذوم فرارك من الأسد)) . . . . والفسخ طريقة الفرار (٥) .
٣- وقد روي عن عمر أنه قال: أنه إذا تزوج الرجل المرأة وبها جنون أو جذام أو مرض أو قرن فإن كان دخل بها فلها الصداق بمسه إياها وهو له على الولي (٦)
٤- ما رواه الشعبي عن علي بن أبي طالب: أيما امرأة نكحت وبها برص أو جنون أو جذام أو قرن فزوجها بالخيار ما لم يمسها؛ إن شاء أمسك، وإن شاء طلق (٧) .
стр. 15804
وهل يشترط أن يكون العيب المراد الرد به قديمًا؟
يتفق الفقه على أن العيب السابق على العقد وكذلك المقارن له أي الحادث أثناء العقد يجوز به الرد. أما إذا كان العيب طارئًا بعد العقد فقد ذهب المالكية على أنه إذا كان العيب الطارئ على العقد في الزوجة لم يكن للزوج خيار الرد مطلقًا، وهو مصيبة حلت به وله حق الطلاق.
وأما العيب الطارئ على الزوج بعد العقد فلهم تفصيل في ذلك حيث قالوا: للزوجة فقط الرد بالجذام البين ضد الخفي وإن قل، والبرص المضر أي الفاحش الحادثين بعد العقد سواء بعد العقد وقبل الدخول أو بعد الدخول (١) .
وذهب المالكية إلى العيوب التي يرجى البرء منها يجب التأجيل فيها كالجنون والبرص والجذام والرتق والقرن والعفل والبخر فإذا كان البرء منها مرجوًا يؤجله القاضي بحسب ما يراه مناسبًا، شهرًا أو شهرين ولم يحدوا لذلك حدًا (٢) .
ويرى الشافعية في العيب القديم: يخير به الزوج مطلقًا، أما العيب الحادث بعد العقد: فإذا كان العيب الحادث في الزوج تخيرت قبل الدخول جزمًا وبعد الدخول على الأصح. وإن كان العيب حادثًا بالزوجة بعد العقد، في القديم عند الشافعي لا يخير الزوج لتمكنه من الطلاق بخلافها، وفي القول الجديد أنه يخير كالزوجة لتضرره بالعيب القديم، ولا معنى لإمكان تخلصه منها بالطلاق دونها لأنه سيغرم نصف الصداق لها قبل الدخول دون الفسخ بالعيب (٣) .
وعند الحنابلة ذكر ابن قدامة عن الخرقي من الحنابلة يثبت الخيار في العيب القديم والعيب الحادث بعد العقد.
وذهب أبو بكر وابن حامد من الحنابلة إلى أن العقد يفسخ بالعيب القديم والمقارن للعقد لا الطارئ عليه لأن العقد أصبح لازمًا، فلا يفسخ (٤) .
وظاهر كلام الخرقي أن خيار العيب ثابت على التراخي لا يسقط ما لم يوجد منه ما يدل على الرضا به من القول والاستمتاع للزوج والتمكن من الزوجة وذكر القاضي أنه على الفور (٥) .
خامسًا: هل أسباب الفرقة للعيوب محصور فيما ذكره
الفقهاء من عيوب أم تتعدى لغيرها لذات العلة؟
ظاهر نصوص الفقهاء توحي بحصر أسباب الفرقة للعيوب في هذه الأمراض.
فقد جاء في بداية المجتهد وفي حكم الرد، فاتفق مالك والشافعي على أن الرد يكون من أربعة عيوب: الجنون والجذام والبرص وداء الفرج الذي يمنع الوطء (٦) . وجاء في مغني المحتاج قوله: واختصار المصنف على ما ذكره من العيوب يقتضي أنه لا خيار فيما عداها، قال في الروضة: وهو الصحيح الذي قطع به الجمهور (٧) . وكذلك ما أورده ابن قدامة ثلاثة يشترك فيها الزوجان وهي الجنون والجذام والبرص ... (٨) .
مع ذلك إننا نجد نصوصًا للفقهاء تدل على عدم حصر التفريق على العيوب التي ذكروها، وإن ما ذكر إنما على سبيل المثال لا الحصر لديهم، فقد يكون باعتبار شهرة هذه الأمراض ومسمياتها عندهم دون الأخرى، أو عدم معرفة أسماء الأخرى، وإن كان الجامع بينها هو الضرر والنفور والخوف من العدوى، منها ما ذكره الكاساني من قول محمد بن الحسن: خلوه من كل عيب لا يمكنها المقام معه إلا بضرر، كالجنون والجذام والبرص شرط للزوم النكاح حتى يفسخ النكاح وهي قد جاءت بصيغة التمثيل (٩) .
وكذلك ما جاء في بداية المجتهد حيث يقول ابن رشد: واختلف أصحاب مالك في العلة التي من أجلها قصر الرد على هذه العيوب الأربعة، فقيل لأن ذلك شرع غير معلل، وقيل لأن ذلك مما لا يخفى، ومحمل سائر العيوب على أنها مما لا تخفى وقيل لأنها يخاف سريانها إلى الأبناء، وعلى هذا التعليل يرد القرع، وعلى الأول يرد بكل عيب إذا علم أنه مما خفي على الزوج (١٠) .
ومن ذلك ما قاله ابن تيمية في الاختيارات العلمية: وترد المرأة بكل عيب ينفر من كمال الاستمتاع (١١) . وكذلك ما ذكره ابن قيم الجوزية: وأما الاقتصار على عيبين وستة أو سبعة أو ثمانية دون ما هو أولى منها , مساو لها بلا وجه له.
فالعمى والخرس والطرش وكونها مقطوعة اليدين والرجلين أو أحدهما، أو كون الرجل كذلك من أعظم المنفرات. وقوله: والقياس أن كل عيب ينفر الزوج الآخر منه، ولا يحصل به مقصود النكاح من الرحمة والمودة يوجب الخيار (١٢) .
стр. 15805
ونرى أن هذا الاتجاه مقبول واقرب إلى التطبيق من الاتجاه الأول في حصر الأمراض التي يجوز بها الفرقة، ذلك لأن حصر الفرقة في تلك الأمراض قد يكون من الممتنع حيث إن بعض تلك الأمراض قد وجد لها العلاج في هذا الزمان، فلابد أن يتغير حكمها تطبيقًا لقاعدة لا ينكر تغير الأحكام بتغير الأزمان، وكذلك هنا من الأمراض ما هو أشد منها خطرًا وفتكًا بالناس ولم يوجد لها علاج حتى يومنا هذا فلابد من إعطاء الحق للسليم في طلب الفرقة من غير السليم وهو المصاب بها.
وما ذكر في الموطأ بسندنا حيث قال عن سعيد بن المسيب أنه قال: أيما رجل تزوج امرأة وبه جنون، أو ضرر فإنها تخير، فإن شاءت قرت، وإن شاءت فارقت (١) .
لذلك نرى القياس اعتبار مرض الإيدز من الأمراض التي يحق بها التفريق من باب أولى لكون العلة ليست مساوية فحسب بل أظهر فيه من غيره.
نوع الفرقة الثابتة بالعيب وطريق وقوعها:
يرى الحنفية والمالكية أن الفرقة للعيب طلاق بائن، أما الشافعية والحنابلة فهم على أنها فسخ وليس طلاقًا.
ويرى الحنفية أن الفرقة للعيب لا تقع بغير الرفع إلى القاضي ثم القاضي يكلف الزوج بالطلاق، فإن طلق فيها وإلا طلقها عليه، وروي عنهم أن الفرقة تقع باختيار الزوجة نفسها بانتهاء المدة المضروبة في العنة بدون قضاء، وهو ظاهر الرواية (٢) .
ويذهب المالكية إلى ما ذهب إليه الحنفية إلا أنهم اشترطوا إذن القاضي لها بالتطليق إذا كان بقولها وأن يحكم به القاضي بعد ذلك رفعًا للخلاف، والحكم هنا إنما هو للإشهاد والتوثيق، لا لوقوع الطلاق، لأنه وقع بقولها (٣) .
وللشافعية قولان أحدهما: أنها تستقل بالفسخ بعد ثبوت حقها فيه لدى القاضي بيمينها أو إقراراه. وثانيهما: لابد من فسخ القاضي رفعًا للخلاف (٤) . .
стр. 15806
أما الحنابلة فإن الفسخ لا يتم إلا بحكم القاضي (١) وقد نص مشروع قانون الأحوال الشخصية بدولة الإمارات العربية في المادة ١٣٤ على التالي: لكل من الزوجين أن يطلب التفريق إذا وجد بالآخر عيبًا مستحكمًا لا يمكن البرء منه أو يمكن بعد زمن طويل ولا يمكن المقام معه إلا بضرر كالجنون والجذام والبرص سواء أكان ذلك العيب قائمًا قبل العقد ولم يعلم به الطالب أم حدث بعد العقد ولم يرض به. فإن تم الزواج وهو عالم بالعيب أو حدث العيب بعد العقد ورضي به صراحة أو دلالة بعد العلم فلا يجوز له أن يطلب التفريق
والمستخلص من النص المذكور الآتي:
١- أعطى النص لكل من الزوجين الحق في التفريق موافقًا بذلك مذهب الجمهور المالكية والحنابلة والشافعية.
٢- ساق النص الأمراض التي ذكرها على سبيل التمثيل لا الحصر، وإن ذكر بعض الأمراض للقياس عليها بكونها معدية خطيرة يخشى انتقالها للغير.
٣- وجواز التفريق للأمراض المخيفة سواء أكان هذا المرض قائمًا قبل العقد ولم يعلم به طالب الفرقة أو حدث بعد العقد ولم يرض به.
أما إذا كان عالمًا بالعيب قبل العقد ورغم ذلك تم العقد فإن حقه يسقط في طلب الفرقة.
ولكن ما الحكم إذا تطور المرض بعد العقد ورغم العلم السابق به؟ فهل يعطي ذلك للطرف الآخر الحق في الفسخ؟ يجيبنا على ذلك الأستاذ الدكتور عبد الرحمن الصابوني على أنه لابد من الإشارة أن سكوته على مرض معين إذا بقي المرض في حدوده التي أطلع عليها، أما إذا تطور المرض إلى حالة أشد أو أخطر فإن حق السليم متجدد بالمطالبة بالتفريق (٢) .
стр. 15807
سادسًا: مدى جواز إجهاض جنين الأم المصابة بالإيدز
يوضح علماء الطب المتخصصون بأن مرض الإيدز المصاب به الأم الممكن أن ينتقل إلى الجنين في حالات مختلفة منها:
١- قد تحدث الإصابة للجنين عن طريق الحيوان المنوي الذي يلقح البويضة بسبب إصابة القيحة أو النطفة الأمشاج، وهذا يؤدي إلى إصابة الأجنة في مرحلة مبكرة (١) .
٢- قد يصاب الجنين بالعدوى من الأم المصابة بعدوى الفيروس وتعد الإصابة بالعدوى أثناء وجود الجنين بالرحم، هي أهم وسائل انتقال العدوى من الأم إلى المولود حيث تكون هناك مدة طويلة أثناء فترة الحمل يمكن للفيروس خلالها أن ينتقل إلى الدورة الدموية للجنين من خلال مشيمة الأم التي تحمل الفيروس في دمها (٢) .
٣- يصاب الطفل أثناء عملية الولادة ونزوله من الرحم والمهبل المصاب.
٤- قد تحدث الإصابة بعد الولادة نتيجة الالتصاق والصلة الحميمة بينه وبين الأم أو الأب والمصاب.
٥- احتمال حدوث ذلك أثناء التلقيح الصناعي وأطفال الأنابيب (٣) .
بناء على استعراضنا لطرق انتقال مرض الإيدز للطفل سواء عن طريق الأب أو عن طريق الأم مما يعني جواز الاحتياط عند الاتصال الجنسي وقد نجد فيما كان يفعله بعض الصحابة من العزل ولم يمنعهم رسول الله ﷺ دليلًا، فقد جاء في الصحيحين عن جابر ﵁ قال: ((كنا نعزل على عهد رسول الله ﷺ والقرآن ينزل وجاء في صحيح مسلم أنه قال: فبلغ ذلك رسول الله ﷺ فلم ينهنا)) .
ومما جاء في الصحيحين عن أبي سعيد الخدري أنه قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ في غزوة بني المصطلق وأحببنا العزل وسألنا عن ذلك رسول الله ﷺ فقال: ((ما عليكم أن لا تفعلوا فإن الله كتب ما هو خالق إلى يوم القيامة)) . . . . (٤) .
стр. 15808
ويقول الإمام أبو حامد الغزالي: (ليس العزل كالإجهاض والوأد لأن ذلك جناية على موجود حاصل، وقال: إن من البواعث على العزل استبقاء جمال المرأة وسمنها لدوام الاستمتاع بها، واستبقاء حياتها خوفًا من خطر الطلق، والخوف من كثرة الحرج بسبب كثرة الولد، وقال: ليس شيء من هذه الأشياء منهيًا عنه، وإنما المنهي عنه منع الحمل خوفًا من إنجاب أنثى مسايرة لبعض الطبائع الفاسدة) . . . . (١) .
ويذهب الفقهاء من الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة إلى جواز إباحة العزل في الأصل (٢) . وهناك الآن أنواع كثيرة من طرق العزل التي تمنع تلقيح البويضات في الرحم كما نعلمها.
ولكن ما هو الحل في حالة أن الجنين قد بدأ تكونه في الرحم هل يجوز إجهاضه أم لا؟.
يتفق الفقه على تحريم الإجهاض بعد نفخ الروح إلا لعذر والتقدير للمدة التي يتضح منها الرجوع أربعة أشهر أو مائة وعشرون يومًا حسب رأي الفقهاء ولا يجوز الإجهاض إلا لعذر كأن يكون بقاء الحمل فيه خطرا مؤكدًا على حياة الأم (٣) .
فقد نص فقهاء الحنفية على أنه يباح للمرأة إسقاط الولد قبل أربعة أشهر ولو بلا إذن الزوج. وقد نقل ابن عابدين في حاشيته عن النهر ما يفيد ذلك وهو أنه يباح الإسقاط بعد الحمل ما لم يتخلق من الولد شيء ولا يكون ذلك إلا بعد مائة وعشرين يومًا، فإذا كان قد تخلق منه شيء وجبت الغرة على المتسبب في الإجهاض.
كما نقل ابن عابدين عن صاحب الخانية أنه لا يجوز ويأثم فاعل الإجهاض سواء أكان الأب أم الأم أم غيرهما، واستدل صاحب الخانية على أن المحرم لو كسر بيض الصيد ضمنه لأنه أصل الصيد. وعلى هذا فإن الطرح الذي لم يتبين بعض خلقه هو مبتدأ الخلقة إذا لو ترك لكان نفسًا كاملة. نعم إذا كان هناك عذر يؤيد الإسقاط كانقطاع لبن الأم بعد ظهور الحمل. وكشعورها بالضعف عند تحمل أعباء الحمل وكون الوضع يتم بالنسبة لها من غير طريقه الطبيعي أي بالعملية القيصرية.
стр. 15809
وما نقل ابن وهبان من أن وجود العذر يبيح الإجهاض قبل الأربعة أشهر كأن ينقطع لبنها بعد ظهور الحامل، وليس لأبي الصبي ما يستأجر به الظئر ويخاف هلاكه، وما نقل عن الذخيرة من أن المرأة لو أرادت إلقاء ما في بطنها قبل نفخ الروح فإن الفقهاء يختلفون في إباحة ذلك.
وينقل عن الفقيه على بن موسى القول بكراهة ذلك لأن الماء بعدما دفع في الرحم مآله الحياة، فيكون له حكم الحياة، ومثله في الظهيرية، وعلق ابن وهبان على ذلك بأن إباحة الإسقاط محمولة على حالة العذر أو أنها لا تأثم إثم القتل (١) .
أما المالكية فيفهم من كلامهم أنهم يمنعون الإجهاض ولو قبل الأربعين يومًا فقد جاء في شرح الدردير لا يجوز إخراج المني المتكون في الرحم ولو قبل الأربعين يومًا، وإذا نفخت فيه الروح حرم إجماعًا وقال الدسوقي في حاشيته: إنه المعتمد (٢) . فالنص على أنه لا يجوز ولو قبل الأربعين يومًا كأنهم لا يجيزون إسقاط ما استقر بالرحم حتى ولو كان نطفة في طورها الأول.
فكل ما طرحته المرأة من مضغة أو علقة مما يعلم أنه ولد فهو جنين وفيه غرة، بل رتب بعض المالكية المسؤولية في الدم الخارج مما لا يقبل الذوبان إذا صب عليه ماء حار (٣) .
وأما الشافعية فقد جاء في نهاية المحتاج أنه اختلف في النطفة قبل تمام الأربعين يومًا على قولين: قيل لا يثبت لها حكم السقط والوأد وقيل لها حرمة ولا يباح إفسادها (٤) ، وجاء في إحياء علوم الدين أن أول مراتب الوجود أن تقع النطفة في الرحم وتختلط بماء المرأة وتستعد لقبول الحياة وإفساد ذلك جناية (٥) .
وقال الشيرازي: وإن ضربت بطن امرأة فألقت مضغة فيها صورة لآدمي فشهد أربعة نسوة أن فيها صورة الآدمي وجبت فيه الغرة (٦) .
стр. 15810
أما في الفقه الحنبلي فقد ذكر عن ابن قدامة أنه إذا أسقطت المرأة ما ليس فيه صورة آدمي فلا شيء فيه ولو شهد ثقات من القوابل أن في الطرح مبدأ خلق آدمي، لو بقي تصور، فأصح الوجهين أنه لا شيء فيه لأن الأصل براءة الذمة فلا تشغل بالشك (١) ، وقد ذكر ابن رجب أنه يجب الغرة بقتله إذا ألقته أمه ميتًا من الضرب، وهو ثابت بالسنة الصحيحة، وقد أنكر النبي ﷺ على من اعترض على ذلك ... فإن الجنين إما أن يكون صادفه الضرب وفيه حياة ويكون ذلك قبل وجود الحياة فيه ولا يجوز أن يكون قد فارقته الحياة لأنه لو مات لم يستقر في البطن، وحينئذ فالجاني إما أن يكون قتله أو منع انعقاد حياته فضمنه بالغرة لتفويت إبقاء حياته (٢) .
والخلاصة من هذه الآراء التي سقناها أنه إذا كان الإجهاض بعذر كوجود ضرر يلحق بالأم مع بقاء الجنين، فإنه يجوز الإجهاض سواء قبل المائة والعشرين يومًا أو بعدها، أما غير ذلك فلا يجوز بعد المائة والعشرين يومًا أو قبلها حتى ولو خيف على أن يخرج الجنين مشوهًا، ذلك لأنه إذا قيل بانعقاد حياته بعد المائة والعشرين يومًا فنقول إنه بطرحه قبل هذه المدة قد فوت انعقاد حياته وهو اعتراض على إرادة الخالق وحكمته، ولذا فنحن نؤيد عدم جواز إجهاض الجنين من أم أو أب مصابين بالإيدز. والآن التقنية العلمية توضح مدى حالة الطفل وهو في بطن أمه، بل هو يعالج وتجرى له العمليات وأمه حامل به، فيكون الأمر خاضعًا للقرارات العلمية الطبية أفضل من التقدير الفقهي إذ يكون بعيدًا عن التقديرات أو التأكيدات الطبية.
موقف القانون في دولة الإمارات العربية المتحدة:
ولا يبعد عن قولنا الذي نجد أساسه في الفقه المالكي، وكذلك عند ابن رجب من الحنابلة فيما سبق سياقه، ما أورده قانون المعاملات المدنية الإماراتي، فقد نص القانون في المادة ٧١ منه على الآتي:
١ – تبدأ شخصية الإنسان بتمام ولادته حيًا وتنتهي بموته.
٢- ويعين القانون حقوق الحمل المستكن.
стр. 15811
رغم أن القانون أوضح أن الشخصية القانونية للإنسان منذ لحظة ولادته حيًا حتى تنتهي حياته بالممات، إلا أنه باعتبار استقراره في بطن أمه وأن حياته أصلا انعقدت في بطن أمه منذ يوم كونه مضغة في الرحم، فهو هنا باعتبار استقراره في بطن أمه كان احتمال ولادته حيًا أغلب، وبالتالي يزداد احتمال اكتساب هذا الجنين بعد ولادته الشخصية القانونية، ولهذا كان لابد من إثبات الحقوق الشخصية القانونية ولكن مع وجود الاحتمالية غير المؤكدة تمامًا لذلك، فإن الشخصية القانونية هنا بالنسبة له مجازية أو كما يقول بعض الفقه القانوني، شخصية قانونية باعتباره إنسانًا ممكنًا أو محتملًا وليست نهائية، حيث تبقى معلقة على شرط فاسخ وهو تمام ولادته حيًا (١) .
ولهذا السبب فقد أثبت القانون بعض الحقوق للجنين ومنها حقه في عدم الاعتداء عليه ورعايته حتى يولد سليمًا، وبما أن قانون المعاملات المدنية الإماراتي أحال على القانون في بيان حقوق الحمل، ولم يصدر حتى الآن القانون أو القوانين المنظمة لذلك، فإننا نرجع لتطبيق المادة الأولى من قانون المعاملات المدنية الإماراتي، فإنه تسري هنا أحكام الشريعة الإسلامية على أن يراعى تخير أنسب الحلول من مذهبي الإمام مالك والإمام أحمد بن حنبل، فإذا لم يوجد فمن مذهبي الإمام الشافعي والإمام أبي حنيفة، وكما رأينا فإن المذهب المالكي قد تشدد في جواز إسقاط الجنين ورتب الغرة والإثم على ذلك، وكذلك ما رأيناه في قواعد ابن رجب الحنبلي (٢) .
стр. 15812
سابعا: تواجد فيروس الإيدز في لبن المرضع
تؤكد تقارير الأطباء من تواجد فيروس الإيدز في لبن الأم المصابة بمرض الإيدز، فقد ذكر الدكتور عبد الهادي مصباح المهدي في هذا الموضوع الآتي: والوقت الذي يصاب فيه الجنين إذا أصيب أثناء وجوده في رحم الأم بالعدوى غير محدد أو معروف، والإصابة بالعدوى يمكن أن تحدث أثناء الحمل، أو أثناء الولادة، أو بعد الولادة، عن طريق لبن الأم، أو الوسائل الأخرى الملوثة التي يمكن أن تصل إلى الطفل من خلال الأم (١) .
وقد جاء في كتاب (الإيدز وباء العصر) عند عرض كيفية الفيروس للأجنة الإشارة إلى انتقال الفيروس عبر الثدي أيضًا أثناء الرضاعة، وقد ذكر صاحب الكتاب أنه قد تأكد وجود الفيروس في لبن الأم وأن ذلك ويؤكد احتمال الإصابة عن طريق الرضاعة من الأم (٢) .
ووفقًا لهذه المعطيات فهل يسمح للأم المصابة بإرضاع طفلها؟
للإجابة على هذا السؤال نرى أنه إذا كان الطفل مصابًا فلا يمنع من إرضاعه فالمصيبة قد حلت، أما إذا كان لم يصب فإن احتمال إصابته عن طريق لبن الأم متوافرة ومقررة من أهل العلم فيجب أن تمنع الأم من إرضاع طفلها، ونجد في كتب القه الإسلامي معينًا لهذا الرأي فقد ذكر البهوتي الآتي: وإذا كان بالأم برص أو جذام سقط حقها من الحضانة كما أفتي به المجد بن تيمية، وصرح بذلك العلائي الشافعي في قواعده، وقال: لأنه يخشى على الولد من لبنها ومخالطتها (٣) .
وكذلك تطبيقًا لقاعدة الضرر يدفع بقدر الإمكان وكذلك (لا ضرر ولا ضرار) . . . . وكذلك (دفع الضرر المتوقع مآلًا) . . . . (٤) ، فيكون الضرر متوقعًا إذا لم يقع بعد، ولكن كافة الظروف المحيطة تشير إلى أنه سيقع حتمًا، فإذا كان الضرر سيقع لا محالة فإن دفعه واجب وفقًا لقاعدة الضرر يزال. ويتفرع على هذه المسألة حضانة الأم المصابة بالإيدز لطفلها.
стр. 15813
ثامنًا: مدى جواز حضانة المصابة بالإيدز للطفل السليم
كما تعرض علماء الطب لأمر حضانة الأم المصابة بالإيدز لطفلها السليم، فقد أجابو على هذا التساؤل بالآتي حيث جاء في (كتاب الإيدز وباء العصر) : تحدث الإصابة بعد الولادة نتيجة الالتصاق والصلة الحميمة بينه وبين الأم أو الأب المصاب قبل ظهور الأعراض غالبًا (١) .
ولقد جاء في كشاف القناع: إذا كان بالأم برص أو جذام سقط حقها من الحضانة كما أفتى به المجد بن تيمية وصرح بذلك العلائي الشافعي في قواعده. وقال: لأنه يخشى على الولد من لبنها ومخالطتها انتهى. قال في الإنصاف: وقال غير واحد وهو واضح في كل عيب متعد ضرره إلى غيره، وإلا فخلاف لنا (ويأتي في التقرير أن الجذامى ممنوعون من مخالطة الأصحاء) فمنعهم من حضانتهم أولى (٢) .
ومع هذه النصوص فإننا نعرف أن الإيدز له طرق ينتقل بها إلى الطفل أو الجنين كنقل الدم والحمل والرضاع، إنما مسألة الحضانة فأمر فيه نظر، حتى إن كتبًا كثيرة في علم الطب قد تطرقت للعناصر المختلفة في انتقال المرض، ولم تتعرض لانتقاله عن طريق الحضانة إذا ما تم اتخاذ الرعاية ووسائل الوقاية، فلذا لا يجوز إسقاط حضانة الأم فقط لأنها مصابة بالإيدز إذا لم تكن الحضانة تؤدي للإصابة بالإيدز (٣) .
ومع ذلك فإذا كان مرض الإيدز يؤثر على الحواس بحيث تصبح الأم في حالة جنون أو عته إذا ما كان المرض في ازدياد فإن الحضانة هنا تسقط عنها بناء على آراء الفقهاء (٤) .
الخاتمة
وفي ختام هذا البحث أرى بأننا لن نجد أقوى من تقوية الوازع الديني لدى أفراد المجتمع والتمسك بمبادئ الدين الحنيف والبعد عن الرذائل وما قرب إليهما من عمل.
- وكما ذكرنا فإنه لا بد في عصرنا هذا – وقد زادت الأمراض والأوبئة وانتشرت بين الناس – من أن يتقرر الزواج بعد إجراء الكشف الطبي على الطرفين، وذلك حماية لهما وصيانة من كل داء قد يصل لهما، وهذا مدعاة لخلق أسرة مسلمة قوية متماسكة، وهذا أفضل من اكتشاف المرض بعد الزواج مما يعكره أو ينقصه.
وهنا لا بد أن نذكر بأنه إذا كان الناس لم يألفوا ذلك، فإن زماننا هذا يتطلب ذلك، وتغير الأحكام بتغير الأزمان لا ينكر، فعلى العلماء والقائمين على الأمر تنبيه الناس سواء من فوق منابر المساجد أو الوسائل الإعلامية المختلفة.
وبعد ذلك لا بد من أن يكون لولاة الأمر شأن في دعوة الناس لذلك وحثهم عليه.
- أن يعتاد الناس على المراجعة الوقائية عن طريق المراكز الطبية وأن تقوم الدول الإسلامية بتهيئة هذه المراكز وتسهيلها.
- ورغم ما ذكرنا من أقوال العلماء والشراح في أحكام الفقه الإسلامي فإنه من الضروري أن يرتبط ذلك بعلماء الطب المتخصصين ويا حبذا وجود الطبيب العالم والمتفقه.
-وكذلك يجب على العالم الإسلامي أن لا ينتظر الحلول تأتيه من الغرب، فلا بد من أن يكون إيجابيًا ويقوم بدوره بإجراء التجارب والاختبارات للوصول إلى حلول للأمراض والأوبئة المنتشرة والتي من المحتمل وصولها إلينا.
- وفي النهاية لا بد من أن نحث الشباب على الزواج بناء على حديث رسول الله ﷺ ((من استطاع منكم الباءة فليتزوج ...)) . . . . كما يجب علينا توفير الاستطاعة للشباب، وفي كافة المجتمعات كما هو الآن – والله الحمد – في دولة الإمارات حيث تدخلت السلطة بقيادة رئيس الدولة – حفظه الله – في تخفيف أعباء الزواج حتى تنحل عقدة التعنس وكذلك حل مشكلة الشباب غير القادرين على الزواج للأسباب الاقتصادية.
وما توفيقي إلا بالله رب العالمين.
الدكتور جاسم علي سالم
стр. 15814
إجراءات الوقاية الزوجية في الفقه الإسلامي
من مرض نقص المناعة المكتسبة (الإيدز)
إعداد
الشيخ أحمد موسى الموسى
وزارة الشؤون الإسلامية والأوقاف
في الإمارات العربية المتحدة
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وعلى آله وأصحابه ومن سار على نهجهم إلى يوم الدين.
استجابة لتوصيات مجمع الفقه الإسلامي في دورته الثامنة التي عقدت في بروناي – دار السلام – عام ١٩٩٣ م، وبالنظر إلى الموضوعات التسعة التي يرغب المجمع الموقر إغناءها بالبحث والحوار في دورته التاسعة التي سيعقدها في مدينة أبو ظبي ١٩٩٥ م، فقد اخترت أن أساهم في ذلك بالموضوع التاسع الذي جعلته تحت عنوان: إجراءات الوقاية الزوجية في الفقه الإسلامي من مرض نقص المناعة المكتسب (الإيدز) وسلكته في قسمين.
القسم الأول: تشخيص الأزمة علميًا وأخلاقيًا، وفيه.
١- مقدمة تاريخية حول الكوارث المرضية في تاريخ الطب.
٢- موقف الأديان السماوية من الشذوذ الجنسي.
٣- وموقفها من جريمة (الزنى) .
٤- تحليل وتفسير آية الزنى في سورة الإسراء
القسم الثاني: إجراءات الوقاية الزوجية من الإيدز، وفيه:
١- أحكام المصابين بالإيدز في الفقه الإسلامي.
أ- المباحث الأصولية المستخدمة هنا.
ب- القضايا المعاصرة المطروحة.
ج- فتاوى وأقضية.
والله أسال أن يسدد الفكر ويحفظ من الزلل، إذ الموضوع جديد وهو يندرج فيما لا نص فيه من الأحكام ولا بد للفقه الإسلامي أن يقدم رؤيته في تطويق هذا المرض العصري الخطير، وأن يعلن عن الأحكام التي يراها حلولًا مناسبة لجملة من القضايا التي تتعلق بشؤون الأسرة والحياة الزوجية.
стр. 15815
القسم الأول
التشخيص العلمي والأخلاقي
يحدثنا تاريخ القرون الوسطى أن وباء الطاعون كان قد اجتاح أوربا فحصد منها عشرات الملايين ويقول مؤرخو الطب: كان الطاعون يستأصل من البشرية أكثر ما تستأصله الحروب.
ويقال إن أول من طبق الحرب الجرثومية هم التتار في عام ١٣٤٧ حيث حاصروا قلعة في القرم تحصن فيها قراصنة البندقية وتجارها، فلقد لاحظوا أن الآلاف ماتوا خلال أيام بسبب المرض، فما كان منهم لشدة غيظهم إلا أن حملوا جثث الأموات وقذفوها بالمنجنيق فوق أسوار القلعة فانتشر الطاعون بين الإيطاليين فقضى عليهم، ومن تبقى منهم هرب في السفن إلى إيطاليا، حيث انتشر المرض بكل قوته في أوربا فقضى خلال سنوات قليلة على حوالي ٢٥ مليون، وحتى نعرف معنى الرقم فيجب أن نعلم أن عدد السكان في كل أوربا لم يكن يتجاوز ١٠٠ مليون نسمة.
واليوم يطل على الإنسانية وباء مرعب، حتى الآن تشير الإحصائيات المعلنة أنه قد حصد خمسة عشر مليونًا، وإنه سريع الانتشار كسرعة وسائل المواصلات بين البشر ثورة والاتصالات ... إنه الإيدز.
وإذا كانت البشرية قد أنفقت أربعمائة عام حتى تمكن الطب من كبح جماح الطاعون بإيجاد الأمصال والأدوية اللازمة للانتصار على الطاعون فكم يلزمها لكبح جماح الإيدز؟!.
إننا رغم النجاحات المذهلة في العلم – خاصة في الطب ومستلزماته – فقد وقف المعنيون اليوم مندهشين أمام اجتياحات هذا الطاعون الجديد، وهم عاجزون أيضًا عن مواجهته باكتشاف الأدوية المضادة وهو الآن يتغلغل في مجامع الناس والمجتمعات، قاصيها ودانيها، وإنه يهدد الحضارة الإنسانية المعاصرة بعذابه الأليم والمهين، إنه يهدد كبرى المدن الأمريكية مثل نيويورك ولوس أنجلوس وغيرهما من كبريات مدن أوروبا والعالم مع انتشار الفوضى الجنسية، والشذوذ الجنسي – اللواط – والمخدرات.
стр. 15816
وكأننا مرة أخرى نقف وجهًا لوجه أمام حقائق التاريخ الغابر بأحداثه الكويتية وكوارثه الضخمة، مستسلمين، وكذلك وكم نحس ونحن نعيد تلاوة سورة النجم في القرآن الكريم: ﴿وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَادًا الْأُولَى (٥٠) وَثَمُودَ فَمَا أَبْقَى (٥١) وَقَوْمَ نُوحٍ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا هُمْ أَظْلَمَ وَأَطْغَى (٥٢) وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَى (٥٣) فَغَشَّاهَا مَا غَشَّى (٥٤) فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكَ تَتَمَارَى (٥٥) هَذَا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الْأُولَى (٥٦) أَزِفَتِ الْآَزِفَةُ (٥٧) لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ (٥٨) أَفَمِنْ هَذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ (٥٩) وَتَضْحَكُونَ وَلَا تَبْكُونَ (٦٠) وَأَنْتُمْ سَامِدُونَ (٦١) فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا (٦٢) ﴾ [النجم: ٥٠ –٦٢] .
إن براهين الإسلام ونظامه الأخلاقي ليشع بهما القرآن الكريم وهو يبني المجتمعات الراقية، حيث لا يمكن أن ينتشر هذا الطاعون الجديد في بيئة اعتنى الإسلام بطهارة أذواقها وسمو العلاقات الأخلاقية بين أفرادها، وترشيد التواصل الطبيعي بين الرجال والنساء ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ﴾ [الأنعام: ١٥١] .
﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ [الإسراء: ٣٢] .
لقد اكتشف الإيدز عام ١٩٨١ م، وعقد له أكبر مؤتمر دولي في لندن في مطلع عام ١٩٨٨ م، ومثلته معظم دول الأرض، إذ وصل عددها ١٥٠ دولة.
وفكر المؤتمرون في جدية المواجهة، وكيفية المكافحة لهذا الوباء المستطير، فكان أن قرروا ودعوا بالدرجة الأولى إلى الطهارة الأخلاقية والحياة الجنسية أي الكفاح عن سلامة الحياة العائلية التي توصل الجنس البشري إلى تشكيلها خلال رحلته الأثربولوجية الطويلة.
وفي أعقاب هذه الدعوة تشكلت في الغرب جبهة أخلاقية تصدر النشرات والدوريات وتعقد الندوات، من نماذجها مجلة (إيما) التي تصدرها إيليس شفارتزر.
стр. 15817
ولأول مرة في العالم الغربي الصناعي نهض من يحرض على نمو الأخلاق العلمية بجدية في مواجهة ثورة الإباحية المجنونة، ولأول مرة بدأت الروح الأخلاقية هناك تحظى بالجلال العلمي، والنظر إلى القيود الجنسية التي جاءت بها الأديان، ومنها الإسلام، بأنها في مصلحة حماية الجنس البشري، وبذلك تصبح العفة والأمانة الزوجية، والإخلاص للعائلة مؤسسة ليس فقط على المواعظ، بل على قوانين صارمة تشبه قوانين الفيزياء والكيمياء، وهذا تطور جديد في علم الأخلاق لم يره إلا جيلنا نحن فقط، وصدق تعالى إذ يقول: ﴿وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ﴾ [ص: ٨٨] .
إنني أشير هذا إلى جملة من المواقف، منها ما طلع به الفيلسوف الحقوقي جاك فاسي في ميونيخ إذ دعا إلى تطبيق قوانين الأوبئة في ألمانيا لحماية صحة الأمة بمعنى إخبار الدولة بلا سرية واضطلاعها بالمهمة اللازمة حيال كل حالة إيدز – كما فعلت السويد.
وذكرت مجلة الشترن الألمانية (النجمة) أن العلماء بدأوا يوردون أدلة المتدينين ويؤيدونها بقوة العلم.
وهكذا صار بإمكاننا أن نكرر ما قاله الفيلسوف الهولندي (اسبينوزا) في القرن السابع عشر حين طرح عنونًا لكتابه (الأخلاق مؤيدة بالبرهان الهندسي) وإذا كانت أزمة الأخلاق في موجات الإباحية، والفوضى الجنسية والشذوذ والمخدرات، هي مفاتيح البحث حول نقص المناعة، الإيدز، فليكن حديثي اليوم حول المحاور الثلاثة التالية:
١-موقف الأديان من الشذوذ الجنسي، (عمل قوم لوط) .
٢-موقف الأديان من الزنا.
٣-أحكام المصابين بالمرض في الفقه الإسلامي.
стр. 15818
(قصة لوط في العهد القديم)
جاء في سفر التكوين (١) ما يلي: وقال الرب إن صراخ سدوم وعمورة قد كثر، وخطيتهم قد عظمت جدًا، فجاء الملكان إلى سدوم مساء، وكان لوط جالسًا في باب سدوم، فلما رآهما لوط قام لاستقبالهما وسجد بوجهه إلى الأرض.
ولما اضطجعا أحاط بالبيت رجال المدينة – رجال سدوم من الحدث إلى الشيخ ... كل الشعب من أقصاها – فنادوا لوطًا وقالوا له أين الرجلان اللذان دخلًا إليك الليلة أخرجهما إلينا لنعرفهما.. فخرج إليهم لوط إلى الباب، وأغلق الباب وراءه، وقال: لا تفعلوا شرًا يا إخوتي ... فألحوا على الرجلِ لوطٍ جدًا، وتقدموا ليكسروا الباب فمد الرجلان أيديهما وأدخلا لوطًا إليهما إلى البيت وأغلقا الباب. وأما الرجال الذين على باب البيت فضرباهم بالعمى من الصغير إلى الكبير، فعجزوا عن أن يجدوا الباب، ولما طلع الفجر كان الملكان يعجلان لوطًا قائلين: قم خذ امرأتك وابنتيك الموجودتين لئلا تهلك بإثم المدينة. ولما توانى أمسك الرجلان بيده وبيد امرأته وبيد ابنتيه لشفقة الرب عليه، وأخرجاه ووضعاه خارج المدينة، وكان لما أخرجاهم إلى خارج أنه قال: اهرب لحياتك، لا تنظر إلى ورائك ولا تقف في كل الدائرة.
وفي سفر التكوين (٢) : وإذا أشرقت الشمس على الأرض، دخل لوط إلى صوغر، فأمطر الرب على سدوم وعمورة كبريتًا ونارًا من عند الرب من السماء، وقلب تلك المدن، وكل الدائرة وجميع سكان المدن ونبات الأرض. ونظرت امرأته من ورائه فصارت عمود ملح، وبكر إبراهيم في الغد إلى المكان الذي وقف فيه أمام الرب وتطلع نحو سدوم وعمورة ونحو كل الأرض الدائرة، ونظر وإذا دخان الأرض يصعد كدخان الأتون.
(قصة لوط في الإنجيل)
وورد في إنجيل لوقا (٣) إشارة موجزة تقول: وكما حدث في عهد لوط، إذ كانوا يأكلون ويشربون ويبيعون ويغرسون ويبنون ولكن يوم خرج لوط من سدوم، أمطر الله نارًا وكبريتًا من السماء فأهلكهم أجمعين.
ولا ذكر لقصة لوط في بقية الأناجيل، وإنما ورد التحذير من الزنا.
стр. 15819
ففي إنجيل متى (١) قال السيد المسيح: (سمعتم أنه قيل لا تزنِ، أما أنا فأقول لكم إن كل من نظر إلى امرأة حتى يشتهيها فقد زنى بها في قلبه، فإن عثرتك عينك اليمنى فاقلعها وانبذها عنك بعيدًا فإنه خير لك أن يهلك أحد أعضائك ويلقى جسدك كله في جهنم) .
وفي رسالة بولس إلى أهل قورنتس (٢) يقول: (اهربوا من الفجور، إن كل خطيئة يفعلها الإنسان هو خارج الجسد) أما الفاجر فإنه يجرم إلى جسده، أولا تعلمون أن أجسادكم هي هيكل الروح القدسي الذي فيكم، الذي نلتموه من الله؟ (٣) .
(قصة لوط في القرآن الكريم) .
جاءت قصة لوط في / ١٤ / موضعًا من القرآن الكريم هي السور التالية:
الأعراف – الأنعام – هود – الحجر – الشعراء – النمل – العنكبوت – الحج – القمر – التحريم – الأنبياء – الصافات – ص – ق
بينما ورد ذكر لفظ الزنا في أربعة مواضع: الإسراء – الفرقان – النور – الممتحنة.
والمرض الحديث (الإيدز) الذي انتشر من خلال الشيوعية الجنسية، والجماع الشرجي (عمل قوم لوط) ... فيه معنى كبير لإظهار آية الله في خلقه.
стр. 15820
ففي سورة هود قال : ﴿وَلَمَّا جَاءتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقَالَ هَذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ، وَجَاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ وَمِنْ قَبْلُ كَانُواْ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ قَالَ يَا قَوْمِ هَؤُلَاءِ بَنَاتِيِّ هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ فَاتَّقُواْ اللَّهَ وَلاَ تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي أَلَيْسَ مِنكُمْ رَجُلٌ رَّشِيدٌ، قَالُواْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ، قَالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أو آوِي إلى رُكْنٍ شَدِيدٍ، قَالُواْ يَا لُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَن يَصِلُواْ إِلَيْكَ فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ وَلاَ يَلْتَفِتْ مِنكُمْ أَحَدٌ إِلاَّ امْرَأَتَكَ إِنَّهُ مُصِيبُهَا مَا أَصَابَهُمْ إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ، فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِن سِجِّيلٍ مَّنضُودٍ، مُسَوَّمَةً عِندَ رَبِّكَ وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ﴾ [هود: ٧٧ – ٨٣] .
هنا ملاحظتان:
الأولى: أنه كان في قوم لوط رجم جماعي قام به جنود ربك وما يعلم جنود ربك إلا هو.
الثانية: لقد ذكرت مجلة ميونيخ الطبية الأسبوعية بعد المؤتمر الطبي الألماني الأول للإيدز في مطلع عام ١٩٨٨م، أنه مع مزيد من المعلومات والدراسة عن طبيعة الفيروسات يبدو الموضوع أكثر تعقيدًا أو أشد غموضًا، ومن أحدث المعلومات تبين أن الفيروس لا يهاجم فقط نوعًا من الخلايا البيض المناعية، بل له ولع بخلايا الجهاز العصبي المركزي – المخ – فضلًا عن مهاجمة الغشاء المخاطي للجهاز الهضمي – والنقطة الأخيرة ذات أهمية، لأنها ألقت الضوء على السبب في انتقال المرض عن طريق اللواط، فلقد وجد أن للفيروس مسامير خاصة على قشرته الخارجية بإمكانه أن يغطس بواسطتها في جدار الخلايا المخاطية، حتى إذا استقر وتسمر على ظهر الخلية، أمكنه أن يدخل مقذوفه النووي إلى داخل الخلية وبالتالي الإصابة. هذا خلافًا للنظرية القديمة التي كانت ترى أن العمل الجنسي باللواط يؤدي إلى تشققات في جدران المستقيم، وبالتالي انتفاخ مجاري الدم وتسرب الفيروس عبره.
فلا حاجة لشقوق، بل يكفي الدخول إلى هذا الشق الآثم فقط وفيه الكفاية وزيادة.
هذا الكشف الأخير الذي توصل إليه فريق من الأطباء في أمريكا بعد دراسة مطولة على مجموعة من المصابين بواسطة الدكتور ليفي Levy ومجموعته.
стр. 15821
حكم اللواط: قال الأئمة: مالك وأحمد والشافعي في قول: أي قول جمهور الفقهاء (حده القتل سواء كان بكرًا أم ثيبًا، فاعلًا أو مفعولًا به) .
وهذا القول مروي عن أبي بكر وعمر وابن عباس رضوان الله عليهم، وإليه ذهبت طائفة من العلماء، ونقل بعض الحنابلة إجماع الصحابة على أن الحد في اللواط القتل واستدلوا بحديث: ((من وجدتموه يعمل عمل قوم لوط فاقتلوا الفاعل والمفعول به)) . رواه الخمسة إلا النسائي عن ابن عباس.
واستدلوا أيضًا بما روي عن أبي بكر أنه جمع أصحاب رسول الله ﷺ فسألهم عن رجل ينكح كما تنكح النساء فكان أشدهم يومئذ قولًا علي بن أبي طالب، قال: هذا ذنب لم تعص به أمة من الأمم إلا أمة واحدة صنع الله بها ما قد علمتم، نرى أن نحرقه بالنار فكتب أبو بكر إلى خالد بن الوليد يأمره أن يحرقه بالنار، أخرجه البيهقي بسند مرسل.
تحليل آية الزنا في سورة الإسراء
قال : ﴿وَلاَ تَقْتُلُواْ أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُم إنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئا كَبِيرًا وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا وَلاَ تَقْتُلُواْ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلَّا بِالحَقِّ﴾ [الإسراء: ٣١ – ٣٣] .
والسؤال العلمي المطروح: لماذا زج الله جل وعز آية الزنا بين قتلين.
هل هنا دائرة للجريمة محورها آية الزنا؟
كيف نظر المفسرون إلى هذا النسق في الأسلوب القرآني؟
وأي الآيات الثلاث أشد نهيًا وأبلغ في التحذير؟
لماذا لم يسلط النهي على الزنا مباشرة، وإنما سلط على مجرد القرب منه أي مقدماته: من الخلوة والمعاشرة والقبلة ثم الزنا متضمنًا.
стр. 15822
إن بيانات بعض التفاسير تظهر أن الزنا نوع من القتل المعنوي للمرأة، إذ تفقد كرامتها ومكانتها في المجتمع. ولكنني لا أعتقد أن هذا يعد سببًا وجيهًا أو كافيًا وأعتقد كذلك أن أسلوب النهي الخاص بمشكلة الزنا، أبلغ تحذيرًا. علمًا أن هذا النسق من النواهي – ضمن ما يسمى في الديانات السابقة: الوصايا العشر – قد ورد مرة أخرى في سورة الأنعام: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [الأنعام: ١٥١] .
هذا ما أجبت به طلاب كلية الطب في جامعة حلب يوم تجمع بعضهم حولي وسألوني عن موقف القرآن الكريم من هذا الوباء الجديد (الإيدز) ....
وهكذا يصور لنا النسق القرآني المعجز في السورتين جريمة الزنا – وبالمنطق الهندسي للأخلاق – محور الدائرة القتل التي نهانا الفكر الديني عن اقترافها.
ومن أجل ذلك يتحدث النبي العظيم صلوات الله عليه وعلى آله، وهو الشارح الأول لكتاب الله فيما يرويه ابن عمر قال: أقبل علينا رسول الله ﷺ فقال: ((يا معشر المهاجرين – خمس خصال إذا ابتليتم بهن – وأعوذ بالله أن تدركوهن:
* لم تظهر الفاحشة في قوم قط حتى يعلنوا بها إلا فشا فيهم الطاعون والأوجاع التي لم تكن مضت في أسلافهم الذين مضوا (في رواية الطبراني: (( ((إلا فشا فيهم الموت)) )) .
* ولم ينقصوا الميزان والمكيال إلا أخذوا بالسنين وشدة المئونة وجور السلطان عليهم.
* ولم يمنعوا زكاة أموالهم إلا منعوا القطر من السماء، ولولا البهائم لم يمطروا.
* ولم ينقضوا عهد الله ورسوله إلا سلط الله عليهم عدوًا من غيرهم فأخذوا بعض ما في أيديهم.
* وما لم تحكم أئمتهم بكتاب الله، ويتخيروا فيما أنزل الله، إلا جعل الله بأسهم بينهم)) – رواه ابن ماجة، واللفظ له، كما في الترغيب للمنذري (١) .
стр. 15823
القسم الثاني
إجراءات الوقاية الزوجية في الفقه الإسلامي
أ- المباحث الأصولية المستخدمة:
يندرج الإيدز فيما لا نص فيه من الأحكام – فيجب فيه الاجتهاد لأن لله في كل حادثة حكمًا معينًا، بيد أن الحوادث قد اقتضت نواميس الحياة أنها لا تظهر على مسرحها دفعة واحدة، فما صادف وجوده عصر التشريع بين الوحي حكمه، وما ظهر على مسرح الوجود بعد انقطاع الوحي، ترك الله أمر حكمه إلى أهل الذكر من المجتهدين ومن أهل الاختصاص – قال تعالى: ﴿فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ﴾ [الحشر: ٢] وقال كذلك: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣] .
ومن أجل هذا كان الاجتهاد – الذي هو بذل الجهد للتوصل إلى الحكم فيما لا نص فيه بالتفكير واستخدام الوسائل التي هدى الشرع إليها – أمرًا ضروريًا يحتمه علينا واقعنا ومجريات أمورنا، والوقائع التي تجري بين الناس قد يدل على حكمها الكتاب أو السنة، فإن دل الكتاب على الحكم فقد تكون الدلالة قطعية – وهنا لا اجتهاد.
وقد تكون الدلالة ظنية – كتحديد معنى القرء – فهنا محل الاجتهاد وكذلك السنة – فإذا كانت ثابتة على سبيل القطع بأن كانت متواترة – فلا اجتهاد وإنما المجال للاجتهاد فيه من حيث الدلالة إذا كانت الدلالة ظنية.
стр. 15824
وإن كانت السنة ثابتة على سبيل الظن بأن كانت من أخبار الآحاد كان مجال الاجتهاد فيها من حيث السند ومن حيث الدلالة معًا – إن كانت الدلالة ظنية.
الغاية من الاجتهاد:
بعد هذه المقدمة المركزة نقول: إذا حدثت واقعة ليس فيها نص للشارع كان للمجتهد أن يبحث عن الحكم الشرعي لهذه الواقعة على ضوء الأدلة الشرعية الأخرى – وهي هنا القياس والمصلحة المرسلة – والاستحسان والعرف وسد الذرائع – فإذا ما وفقه الله إلى حكم عمل به وأفتى بمقتضاه وحكم على أساسه، وهذا الحكم وإن لم يكن حكم الله نصًا، فإنه مما وفق الله المجتهد للاهتداء إليه، من خلال التعرف عليه بالأمارات التي نصبها الشارع للوصول إلى الأحكام التي لم ينص عليها، فالغاية من الاجتهاد إذن هي وصول المجتهد إلى ما يرجح في رأيه أنه حكم الشارع (١) . وإنما كان الحكم الذي يصل المجتهد بوساطة هذه المصادر حكمًا شرعيًا لأن الحكم يرجع في النهاية إلى نص شرعي وبناء على ما تقدم فإنا في قضايا وباء (الإيدز) لابد أن نتوسل بمباحث:
القياس – أي إلحاق أمر لم يرد نص في حكمه، أو إجماع – بأمر ورد في حكمه نص أو إجماع، لاشتراكهما في المعنى الذي شرع هذا الحكم من أجله، وبذلك تتسع الشريعة بحيث تكون وافية بحاجة العباد ومصالحهم كقياس حالات متعددة من المصابين بالإيدز في نسخ العقد وما يتبع ذلك بالعيوب المنصوص عليها أو طلب الطلاق.
والمصالح: إذ هدف الشارع من الأحكام: تحقيق مصالح الناس ورفع المفاسد عنهم، وعلى هذا الأصل ينبغي أن يتصدر التشريعات الاجتهادية في الأشياء التي لا نص فيها مطلقًا، فيجب أن تكون وفق مصالح الناس ويجب أن تنزه عن أهوائهم وعن رغباتهم.
стр. 15825
غير أن هذه المصالح قد يرشدنا الشارع إلى اعتبارها بنص خاص، وقد يرشدنا إلى إلغائها بنص خاص، وقد يسكت، فهي بهذا الاعتبار تتنوع إلى مصالح معتبرة وإلى مصالح ملغاة، وإلى مصالح مرسلة، فالمصالح المعتبرة – كحفظ الكليات الخمس، والملغاة كانتحار المريض الميئوس من شفائه، فإن هذه المصلحة قام الدليل الشرعي على إلغائها – قال تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ [النساء: ٢٩] فهذه الآية تقطع بحرمة قتل النفس مطلقًا ولو كان مصابًا بالإيدز، والمصالح المرسلة هي كل وصف لم يرد فيه نص شرعي معين بالاعتبار أو الإلغاء إن حقق مصلحة كقوانين السير، وبناء المشافي، واتخاذ السجون ... والمصلحة العامة تقدم على الخاصة عند التعارض كإسقاط الحمل للزوجين المصابين بالإيدز وهي مصلحة خاصة خشية ولادات مصابة تنتشر في المجتمع.
وسد الذرائع: من حيث إن موارد الأحكام قسمان:
١-مقاصد وهي الغايات التي تشتمل على المصالح أو المقاصد.
٢-وسائل وهي التي تفضي إلى هذه المقاصد وتوصل إليها.
وحكم هذه الوسائل حكم ما أفضت إليه من تحريم أو تحليل، غير أن الوسائل أخف رتبة من المقاصد في الحكم.
ومثالها: منع الزوجين المصابين بالإيدز من الإنجاب أصلًا خشية الحمل بمن يحمل هذه العدوى – وكضرورة خضوع الخاطبين للفحص الطبي قبل إجراءات العقد، وتقديمهما تقريرًا طبيًا يثبت عدم إصابتهما بالأمراض الخطرة والمعدية.
الاستحسان: هو العدول في مسألة عن تطبيق حكم نظائرها عليها إلى حكم آخر نظرًا لوجود ما يقتضي هذا العدول من نص أو إجماع أو ضرورة أو عرف أو مصلحة أو قياس، وما يلزمها هنا هو الاستحسان الثابت بالمصلحة والاستحسان الثابت بالقياس.
فمن الاستحسان الثابت بالمصلحة: إلزام الخاطب أو المخطوبة بالتفريق إذا طرأ على أحدهما مرض الإيدز قبل العقد ولو كانا متحابين، إذ يتحقق هذا الاستحسان في كل مسألة عدل فيها عن حكم نظائرها إلى الحكم آخر اقتضته المصلحة، والمثال المذكور من هذا القبيل، إذ القاعدة المقررة: استمرار الإباحة وتعايش الراغبين في الزواج في السراء والضرار، ومراعاة الجوانب الإنسانية، خاصة في التحمل والتضحية، لكن يعدل عن هذه القاعدة المقررة، ويحكم بالتفريق صونًا لحياة الصحيح من العدوى المحققة بالمصاب.