حكم اللواط: قال الأئمة: مالك وأحمد والشافعي في قول: أي قول جمهور الفقهاء (حده القتل سواء كان بكرًا أم ثيبًا، فاعلًا أو مفعولًا به) .
وهذا القول مروي عن أبي بكر وعمر وابن عباس رضوان الله عليهم، وإليه ذهبت طائفة من العلماء، ونقل بعض الحنابلة إجماع الصحابة على أن الحد في اللواط القتل واستدلوا بحديث: ((من وجدتموه يعمل عمل قوم لوط فاقتلوا الفاعل والمفعول به)) . رواه الخمسة إلا النسائي عن ابن عباس.
واستدلوا أيضًا بما روي عن أبي بكر أنه جمع أصحاب رسول الله ﷺ فسألهم عن رجل ينكح كما تنكح النساء فكان أشدهم يومئذ قولًا علي بن أبي طالب، قال: هذا ذنب لم تعص به أمة من الأمم إلا أمة واحدة صنع الله بها ما قد علمتم، نرى أن نحرقه بالنار فكتب أبو بكر إلى خالد بن الوليد يأمره أن يحرقه بالنار، أخرجه البيهقي بسند مرسل.
تحليل آية الزنا في سورة الإسراء
قال : ﴿وَلاَ تَقْتُلُواْ أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُم إنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئا كَبِيرًا وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا وَلاَ تَقْتُلُواْ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلَّا بِالحَقِّ﴾ [الإسراء: ٣١ – ٣٣] .
والسؤال العلمي المطروح: لماذا زج الله جل وعز آية الزنا بين قتلين.
هل هنا دائرة للجريمة محورها آية الزنا؟
كيف نظر المفسرون إلى هذا النسق في الأسلوب القرآني؟
وأي الآيات الثلاث أشد نهيًا وأبلغ في التحذير؟
لماذا لم يسلط النهي على الزنا مباشرة، وإنما سلط على مجرد القرب منه أي مقدماته: من الخلوة والمعاشرة والقبلة ثم الزنا متضمنًا.
стр. 15822
إن بيانات بعض التفاسير تظهر أن الزنا نوع من القتل المعنوي للمرأة، إذ تفقد كرامتها ومكانتها في المجتمع. ولكنني لا أعتقد أن هذا يعد سببًا وجيهًا أو كافيًا وأعتقد كذلك أن أسلوب النهي الخاص بمشكلة الزنا، أبلغ تحذيرًا. علمًا أن هذا النسق من النواهي – ضمن ما يسمى في الديانات السابقة: الوصايا العشر – قد ورد مرة أخرى في سورة الأنعام: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [الأنعام: ١٥١] .
هذا ما أجبت به طلاب كلية الطب في جامعة حلب يوم تجمع بعضهم حولي وسألوني عن موقف القرآن الكريم من هذا الوباء الجديد (الإيدز) ....
وهكذا يصور لنا النسق القرآني المعجز في السورتين جريمة الزنا – وبالمنطق الهندسي للأخلاق – محور الدائرة القتل التي نهانا الفكر الديني عن اقترافها.
ومن أجل ذلك يتحدث النبي العظيم صلوات الله عليه وعلى آله، وهو الشارح الأول لكتاب الله فيما يرويه ابن عمر قال: أقبل علينا رسول الله ﷺ فقال: ((يا معشر المهاجرين – خمس خصال إذا ابتليتم بهن – وأعوذ بالله أن تدركوهن:
* لم تظهر الفاحشة في قوم قط حتى يعلنوا بها إلا فشا فيهم الطاعون والأوجاع التي لم تكن مضت في أسلافهم الذين مضوا (في رواية الطبراني: (( ((إلا فشا فيهم الموت)) )) .
* ولم ينقصوا الميزان والمكيال إلا أخذوا بالسنين وشدة المئونة وجور السلطان عليهم.
* ولم يمنعوا زكاة أموالهم إلا منعوا القطر من السماء، ولولا البهائم لم يمطروا.
* ولم ينقضوا عهد الله ورسوله إلا سلط الله عليهم عدوًا من غيرهم فأخذوا بعض ما في أيديهم.
* وما لم تحكم أئمتهم بكتاب الله، ويتخيروا فيما أنزل الله، إلا جعل الله بأسهم بينهم)) – رواه ابن ماجة، واللفظ له، كما في الترغيب للمنذري (١) .
стр. 15823
القسم الثاني
إجراءات الوقاية الزوجية في الفقه الإسلامي
أ- المباحث الأصولية المستخدمة:
يندرج الإيدز فيما لا نص فيه من الأحكام – فيجب فيه الاجتهاد لأن لله في كل حادثة حكمًا معينًا، بيد أن الحوادث قد اقتضت نواميس الحياة أنها لا تظهر على مسرحها دفعة واحدة، فما صادف وجوده عصر التشريع بين الوحي حكمه، وما ظهر على مسرح الوجود بعد انقطاع الوحي، ترك الله أمر حكمه إلى أهل الذكر من المجتهدين ومن أهل الاختصاص – قال تعالى: ﴿فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ﴾ [الحشر: ٢] وقال كذلك: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣] .
ومن أجل هذا كان الاجتهاد – الذي هو بذل الجهد للتوصل إلى الحكم فيما لا نص فيه بالتفكير واستخدام الوسائل التي هدى الشرع إليها – أمرًا ضروريًا يحتمه علينا واقعنا ومجريات أمورنا، والوقائع التي تجري بين الناس قد يدل على حكمها الكتاب أو السنة، فإن دل الكتاب على الحكم فقد تكون الدلالة قطعية – وهنا لا اجتهاد.
وقد تكون الدلالة ظنية – كتحديد معنى القرء – فهنا محل الاجتهاد وكذلك السنة – فإذا كانت ثابتة على سبيل القطع بأن كانت متواترة – فلا اجتهاد وإنما المجال للاجتهاد فيه من حيث الدلالة إذا كانت الدلالة ظنية.
стр. 15824
وإن كانت السنة ثابتة على سبيل الظن بأن كانت من أخبار الآحاد كان مجال الاجتهاد فيها من حيث السند ومن حيث الدلالة معًا – إن كانت الدلالة ظنية.
الغاية من الاجتهاد:
بعد هذه المقدمة المركزة نقول: إذا حدثت واقعة ليس فيها نص للشارع كان للمجتهد أن يبحث عن الحكم الشرعي لهذه الواقعة على ضوء الأدلة الشرعية الأخرى – وهي هنا القياس والمصلحة المرسلة – والاستحسان والعرف وسد الذرائع – فإذا ما وفقه الله إلى حكم عمل به وأفتى بمقتضاه وحكم على أساسه، وهذا الحكم وإن لم يكن حكم الله نصًا، فإنه مما وفق الله المجتهد للاهتداء إليه، من خلال التعرف عليه بالأمارات التي نصبها الشارع للوصول إلى الأحكام التي لم ينص عليها، فالغاية من الاجتهاد إذن هي وصول المجتهد إلى ما يرجح في رأيه أنه حكم الشارع (١) . وإنما كان الحكم الذي يصل المجتهد بوساطة هذه المصادر حكمًا شرعيًا لأن الحكم يرجع في النهاية إلى نص شرعي وبناء على ما تقدم فإنا في قضايا وباء (الإيدز) لابد أن نتوسل بمباحث:
القياس – أي إلحاق أمر لم يرد نص في حكمه، أو إجماع – بأمر ورد في حكمه نص أو إجماع، لاشتراكهما في المعنى الذي شرع هذا الحكم من أجله، وبذلك تتسع الشريعة بحيث تكون وافية بحاجة العباد ومصالحهم كقياس حالات متعددة من المصابين بالإيدز في نسخ العقد وما يتبع ذلك بالعيوب المنصوص عليها أو طلب الطلاق.
والمصالح: إذ هدف الشارع من الأحكام: تحقيق مصالح الناس ورفع المفاسد عنهم، وعلى هذا الأصل ينبغي أن يتصدر التشريعات الاجتهادية في الأشياء التي لا نص فيها مطلقًا، فيجب أن تكون وفق مصالح الناس ويجب أن تنزه عن أهوائهم وعن رغباتهم.
стр. 15825
غير أن هذه المصالح قد يرشدنا الشارع إلى اعتبارها بنص خاص، وقد يرشدنا إلى إلغائها بنص خاص، وقد يسكت، فهي بهذا الاعتبار تتنوع إلى مصالح معتبرة وإلى مصالح ملغاة، وإلى مصالح مرسلة، فالمصالح المعتبرة – كحفظ الكليات الخمس، والملغاة كانتحار المريض الميئوس من شفائه، فإن هذه المصلحة قام الدليل الشرعي على إلغائها – قال تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ [النساء: ٢٩] فهذه الآية تقطع بحرمة قتل النفس مطلقًا ولو كان مصابًا بالإيدز، والمصالح المرسلة هي كل وصف لم يرد فيه نص شرعي معين بالاعتبار أو الإلغاء إن حقق مصلحة كقوانين السير، وبناء المشافي، واتخاذ السجون ... والمصلحة العامة تقدم على الخاصة عند التعارض كإسقاط الحمل للزوجين المصابين بالإيدز وهي مصلحة خاصة خشية ولادات مصابة تنتشر في المجتمع.
وسد الذرائع: من حيث إن موارد الأحكام قسمان:
١-مقاصد وهي الغايات التي تشتمل على المصالح أو المقاصد.
٢-وسائل وهي التي تفضي إلى هذه المقاصد وتوصل إليها.
وحكم هذه الوسائل حكم ما أفضت إليه من تحريم أو تحليل، غير أن الوسائل أخف رتبة من المقاصد في الحكم.
ومثالها: منع الزوجين المصابين بالإيدز من الإنجاب أصلًا خشية الحمل بمن يحمل هذه العدوى – وكضرورة خضوع الخاطبين للفحص الطبي قبل إجراءات العقد، وتقديمهما تقريرًا طبيًا يثبت عدم إصابتهما بالأمراض الخطرة والمعدية.
الاستحسان: هو العدول في مسألة عن تطبيق حكم نظائرها عليها إلى حكم آخر نظرًا لوجود ما يقتضي هذا العدول من نص أو إجماع أو ضرورة أو عرف أو مصلحة أو قياس، وما يلزمها هنا هو الاستحسان الثابت بالمصلحة والاستحسان الثابت بالقياس.
فمن الاستحسان الثابت بالمصلحة: إلزام الخاطب أو المخطوبة بالتفريق إذا طرأ على أحدهما مرض الإيدز قبل العقد ولو كانا متحابين، إذ يتحقق هذا الاستحسان في كل مسألة عدل فيها عن حكم نظائرها إلى الحكم آخر اقتضته المصلحة، والمثال المذكور من هذا القبيل، إذ القاعدة المقررة: استمرار الإباحة وتعايش الراغبين في الزواج في السراء والضرار، ومراعاة الجوانب الإنسانية، خاصة في التحمل والتضحية، لكن يعدل عن هذه القاعدة المقررة، ويحكم بالتفريق صونًا لحياة الصحيح من العدوى المحققة بالمصاب.
стр. 15826
ومن الاستحسان الثابت بالقياس: وهو كل مسألة يجتمع فيها قياسان أحدهما ظاهر جلي والآخر خفي، ثم يعدل عن الأخذ بمقتضى الجلي ويؤخذ الخفي، من هذا النوع إرادة الزواج بامرأة مصابة بمرض الإيدز – مع العلم مسبقًا بأنها مصابة – القياس الجلي منع هذا الزواج وكفى، لكن يعدل عن ذلك ويؤخذ بالقياس الخفي، وهو تحريم الراغب بهذا الزواج ومعاقبته تعزيرًا – إن أصر – لأنه شروع في الانتحار، يشبه محاولة الانتحار بتجرع السم، أو بالتردي من شاهق، بل يعاقب كل من يحاول المساهمة في تسهيل هذا الزواج.
ب- المشاكل المعاصرة المطروحة
وهكذا – ومن خلال هذه القواعد الأصولية – نجتهد ونقبل اجتهاد الآخرين في المشاكل الإنسانية والاجتماعية، فردية كانت أو عامة، تلك الناجمة عن آثار هذا الوباء العصري المسمى بالإيدز فهو بكل المقاييس الطبية والفقهية مرض خطير ومعد، وإذا حدثنا الفقهاء القدامى عن العيوب الزوجية التي تبيح فسخ العقد أو التفريق أو الطلاق، وذلك بحسب مواطن الاتفاق أو الافتراق فيما بين المذاهب ورجالها، فإنا اليوم أمام عيب عصري لا يرقى إلى خطورته أي من العيوب المذكورة في كتب الفقه القديمة، وأحسب أن فقهاء عصرنا هذا مجمعون إجماعًا مطلقًا على هذا حتى الظاهريين الذين يسقطون الخيار مطلقًا.
وبالنظر إلى توصيات مجلس المجمع في دورته الثامنة في بروناي ١٩٩٣م الصادرة بالقرار رقم ٨٦ / ١٣ / د ٨ وما يضاف إليه من أسئلة وقضايا أخرى ما تزال تثار وبالنسبة إلى ما يخص الحياة الزوجية منها تحديدا، نقول وبالله التوفيق.
стр. 15827
للحياة الزوجية أهداف أساسية يطلب التشريع الإسلامي توافرها، ولاستقرار النفس البشرية في ظل أسرة متنامية متكاملة: من أهمها سلامة الزوجين من العيوب والأمراض التي تحول دون استقرار النفس في سكنها الروحي والاجتماعي، وسلامة حياة الأطفال من عدوى الوالدين، لكن هذه المسائل الشائكة ستتدخل حتمًا فيها المسألة الإنسانية (التضيحة) الشخصية بالمسائل المتصلة بالحق العام، صونًا للمجتمع كله من الخطر.
فإذا كانت (التضيحة) الشخصية لأحد الزوجين في تحمل زوجه والصبر على شدته مندوبة ومن أشهر الفضائل الإنسانية، فإنها لا بد أن تكون مقيدة بشرط أمن العاقبة أما أن يعرض المرء نفسه للهلكة، أو خطر الموت برضاه – كحالة الإصابة بمرض الإيدز – فإن ذلك لا يجوز شرعًا لما يأتي:
ورد في البخاري وغيره عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : ((وفر من المجذوم فرارك من الأسد)) . . . . .
وورد في صحيح مسلم (٢٢٣١) عن عمرو عن أبيه قال: كان في وفد ثقيف رجل مجذوم فأرسل إليه النبي ﷺ : ((ارجع فقد بايعناك)) .
وفي الصحيحين عن أبي هريرة قال النبي ﷺ : ((لا يوردن ممرض على مصح)) .
وهناك القاعدة الكلية المشهورة الواردة في نص الحديث المروي عن ابن عباس – أن رسول الله ﷺ قال لا ضرر ولا ضرار (١) .
وفي صحيح مسلم ٢٢١٨ عن أسامة بن زيد ﵁. قال، قال رسول الله ﷺ : ((الطاعون رجز أو عذاب أرسل على بني إسرائيل أو على من كان قبلكم فإذا سمعتم به في أرض فلا تقدموا عليه وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا فرارًا منه)) .
وقد ثبت أنه ﷺ تزوج فلما رأى بكشحها بياضًا – وهو علامة على إصابتها بالبرص – لم يدخل بها وفارقها.
بعد هذا لا يصح الاغترار بشعار التضحية الإنسانية، مقابل الوقوع في الانتحار البطيء من جراء العدوى بالإيدز.
стр. 15828
ولقد اهتمت وزارة الشؤون الإسلامية والأوقاف في دولة الإمارات العربية المتحدة مع جهات رسمية أخرى منذ فترة بهذه المسألة، فاستكتبت نخبة من علمائها وباحثيها، فقدموا دراسة نشرت مؤخرًا ضمن كتاب: الزواج في الإسلام نوجزها فيما يلي:
هناك ثلاث حالات يكتشف فيها مرض الإيدز بأحد الزوجين أو بكليهما.
الحالة الأولى: أن يكتشف المرض قبل إجراء العقد، والحكم فيها وقف إجراء العقد وأن يمضي كل طرف إلى سبيله.
الحالة الثانية: اكتشاف المرض بعد العقد، وفيها عشر مسائل:
١-٢ هل اكتشف المرض قبل الدخول أم بعده؟
٣-٤ هل كان المريض عالمًا بوجود مرضه قبل العقد أم لا؟
٥-٦ هل رضي الطرف الآخر – مع علمه بوجود المرض – بالاستمرار وإمضاء العقد أم لم يرض؟
٧-٨ هل المصاب الزوج أم الزوجة؟
٩-١٠ هل حصل المرض بفعل حرام يستوجب العقوبة أم بفعل جائز وقع فيه بالخطأ أو النسيان أو الإهمال؟
(ففي المسألة الأولى)
نحكم بوجوب التفريق بين الزوجين فورًا قبل أن يقع المحظور.
(وفي المسألة الثانية)
وهي اكتشاف المرض بعد الدخول نفصل:
فإن لم تنتقل العدوى إلى الطرف الآخر فرق بين الزوجين في الحال وإن انتقلت العدوى كان الخيار لمن ابتلى بها بالتفريق أو الاستمرار لكنني أميل إلى ضرورة الاستمرار في الحياة الزوجية ومراعاة الجانب الإنساني حتى يقضي الله أمرًا كان مفعولًا.
стр. 15829
بيد أن المهم جدًا في هذه الحالة – كما تقول الدراسة – التأكيد على امتناع الزوجين عن الإنجاب بكل الوسائل الممكنة، رحمة بالأولاد الذين سيولدون وهم يحملون المرض نفسه، ومن المهم أن لولي الأمر حرصًا على السلامة العامة وحماية للمجتمع من هذا الوباء الخبيث أن يتخذ كل الإجراءات الكفيلة بمنع الإنجاب من أبوين مصابين بهذا المرض ولو بإجراء فحوص دورية لهما والسعي للإجهاض في الأيام الأولى من الحمل إن وقع ذلك.
(المسألة الثالثة)
وهي أن يكون العاقد المريض عالمًا بوجود المرض فيه، وهذا هو الغش والخداع والمكر والتدليس، فمن حق الطرف الآخر السليم، حماية نفسه واتخاذ كافة الأسباب اللازمة لذلك بما فيها المطالبة بدفع التعويضات المناسبة للأضرار التي لحقت به فعلًا من جراء هذا الغش، ثم هناك حقوق أخرى تخص عصبته وورثته.
(المسألة الرابعة)
وهي التي لا يكون العاقد المريض عالمًا بمرضه قبل العقد، وهذه الحالة وإن كانت تعفيه من العقوبات الخاصة بالضرر والغش، لكنها لا تمنع من مطالبته بالتعويض عن الأضرار الناجمة، ولا تمنع كذلك الطرف الآخر حقه في طلب التفريق إن رغب به.
(المسألة الخامسة)
وهي حالة رضا الطرف الآخر السليم باستمرار العقد رغم اكتشاف المرض – وهنا لا بد من التفصيل.
إن لم يحصل دخول أو عدوى لزم التفريق، وإن رضي السليم بالاستمرار فذلك من حق المجتمع ممثلًا بولي الزوجة أو القاضي، لمنع الأفراد من ممارسة حقوقهم فيما يرجع عليهم وعلى الناس والأجيال بالضرر.
وإن حصل الدخول أو انتقلت العدوى، كان الخيار للآخر بين الاستمرار أو طلب الفسخ مع التعويض عن الأضرار.
وفي حالة اختياره الاستمرار لزم اتخاذ الإجراءات الكفيلة بمنع الإنجاب كما أشرنا إلى ذلك في المسألة الثانية.
(المسألة السادسة)
وهي حالة عدم رضا الطرف الآخر بالاستمرار، ومن حقه ذلك فيفرق بينهما ويعوض المتضرر.
стр. 15830
(المسألة السابعة)
وهي ما إذا كانت الإصابة بالزوج، وهنا يتفق جمهور الفقهاء على أن من حق الزوجة طلب التفريق عند القاضي، إلا إذا شرطت عند العقد أن تكون العصمة في يدها فتستطيع عندئذ استعمال حقها في الانفصال، ولا بد أن يكون ذلك بحكم القاضي إن طالبت بالتعويض عن الأضرار الحاصلة من جراء الدخول في هذا العقد.
(المسألة الثامنة)
وهي إذا كانت الإصابة بالزوجة، وهنا يختلف الفقهاء في حق الزوج في طلب التفريق للعيب – فقد ذهب الحنفية إلى أن الزوج لا يملك طلب التفريق لأنه يمكنه دفع الضرر عن نفسه بالطلاق – أما الزوجة فلا يمكنها دفع الضرر عن نفسها إلا بإعطائها الحق في طلب التفريق لأنها لا تملك الطلاق ... إلا إذا شرطته لنفسها في العقد (وبمذهب الأحناف أخذ كل من القانون المصري رقم ٢٥ لسنة ١٩٢٠ في المواد ٩ – ١٠ – ١١) .
وكذلك القانون السوري الذي أجاز للمرأة طلب التفريق في المواد (١٠٥، ١٠٦، ١٠٧) .
وذهب الأئمة الثلاثة إلى إعطاء هذا الحق لكل من الزوجين، لأن كلا منهما يتضرر بالعيوب، أما اللجوء إلى الطلاق فيؤدي إلى الإلزام بكل المهر بعد الدخول وبنصفه قبل الدخول، لكن التفريق بسبب العيب يعفي الرجل من نصف المهر قبل الدخول، وبعد الدخول للمرأة المسمى بالاتفاق.
ومن حق الزوج بعد ذلك أن يرجع بالمهر بعد الدخول على ولي الزوجة لتدليسه بكتمان العيب وليس للزوجة في هذه الحالة سكنى ولا نفقة ....
وقد أخذ مشروع قانون الأحوال الشخصية الموحد لدول مجلس التعاون بمذهب الأئمة المالكية والشافعية والحنابلة فأعطى للزوجين حق الطلب بالتفريق للعيب، فنص في المادة (٩٩) الفقرة (أ) على أن لكل من الزوجين التفريق لعلة في الآخر يتعذر معها استمرار الحياة الزوجية ولا يرجى منها برء، أو يرجى البرء بعد مضي أكثر من سنة، سواء أكانت العلة عقلية أو عضوية، وسواء أصيب بها قبل العقد أو بعده.
وفي حالة مرض الإيدز الذي نحن بصدده نرى الأخذ بمذهب الجمهور وبما اتجه إليه مشروع قانون الأحوال الشخصية الموحد لدول مجلس التعاون، فنعطي حق طلب التفريق للطرفين والله تعالى أعلم.
стр. 15831
(المسألة التاسعة والعاشرة)
وهما ما إذا كان المرض الذي أصيب به الزوج ناشئًا عن ارتكاب فعل محرم، أو كان ناشئًا عن فعل جائز بسبب الخطأ والنسيان أو الإهمال.
وللحكم في هاتين المسألتين ينبغي أن نلحظ أمورًا:
الأول: يجب التفريق في التعامل بين المصاب بفعل جائز والآخر المصاب بفعل حرام، والأول مريض معذور يحتاج إلى العناية والرعاية والشفقة وتخفيف الآلام والمتاعب، والثاني مذنب لا يعامل معاملة المريض المعذور إلا بعد التوبة أو أخذ حظه من العقوبة الشرعية.
والثاني: يجب التخفيف ما أمكن عن المصاب المعذور بحيث لا تتعاظم عليه المصيبة وتتضاعف من جهتين أو أكثر، بينما يلزم التشديد على الآخر ما أمكن زجرًا له وردعًا لأمثاله عن ارتكاب المحرم ومواقعة الفواحش.
الثالث: دعوى التفريق للعيب بسبب هذا المرض الخبيث (الإيدز) لا يعتبر قذفًا للطرف المريض ما دامت الدعوى قاصرة على طلب التفريق للعيب.
الرابع: دعوى التفريق بسبب هذا المرض أيضًا لا يعتبر شهادة صالحة لإقامة نصاب الشهادة الشرعي في كل من الزنا واللواط.
الخامس: حالة واحدة يتعين بها على القاضي إقامة الحد الشرعي على المصاب من فعل محرم وهي ما إذا حصل منه إقرار بارتكاب إحدى الفاحشتين: الزنا أو اللواط.
الحالة الثالثة: وهي الحالة التي يطرأ فيها المرض على أحد الزوجين خلال حياتهما الزوجية وهنا صورتان:
الأولى: أن يكون المرض ناشئًا عن ارتكاب الفاحشة.
والحكم هنا أن يلجأ إلى إثبات ذلك بالبينة الشرعية إن كانت لديه، فإن ثبت الحد على المصاب، حكم القاضي عليه بالرجم في حالة الزنا وبالقتل في حالة اللواط (أو الرجم على الخلاف بين العلماء في هذا) وتحصل الفرقة بين الزوجين ضرورة.
وإن لم يكن لدى الطرف الآخر بينة لجأ إلى اللعان.
فإن أقر المصاب بارتكاب الفاحشة لزمه الحد الشرعي وإلا فرق القاضي بين الزوجين فالفرقة في الحالتين حاصلة بالضرورة والحكم.
стр. 15832
ويمكن للطرف الآخر إن لم يختر طريق الخلاص بدعوى إصابة الطرف المصاب للحد، أن يطلب التفريق دون التعرض لمسألة الحد من أساسها، ويرجع تفصيل الحكم إلى ما نذكره في الصورة التالية:
الصورة الثانية: أن يطرأ المرض بفعل جائز بسبب الخطأ أو النسيان أو الإهمال ويتفرع على هذه صور أخرى.
الأولى: أن تحصل المعاشرة بعد حصول الإصابة بالمرض فتنتقل العدوى للآخر، وهنا يجوز طلب التفريق ويلزم لأن المحذور قد وقع بانتقال العدوى، ولكنهما إذا اختارا الاستمرار في الحياة الزوجية لزمهما اتخاذ الإجراءات الكيلة لمنع الحمل كما ذكرنا سابقًا في المسألة الثانية من النقطة الثانية.
الثانية: أن يمتنع الطرف الآخر عن المعاشرة ويبقى معافا من الإصابة، وهنا يجوز له أن يطلب التفريق حماية لنفسه ومستقبله ومستقبل أولاده من العدوى الممكنة في كل وقت بالدم أو المعاشرة أو اللبن.
كما يجوز له الإقامة على عهده مع زوجته بشرط الامتناع عن كل أسباب العدوى وأن يتخذ كل الاحتياطات اللازمة لمنع انتقال العدوى إليه.
ويجوز لولي المرأة كما سبق أن ذكرنا في الأحوال المماثلة حين يرى المصلحة مقتضية للتفريق أن يطلب التفريق عند القاضي ولو كان ذلك بغير رضاها، كما يجوز لولي الأمر التدخل بالتفريق حين تدعوا الحاجة أو الضرورة لذلك.
وقد رأينا كيف أعطى مشروع القانون الموحد للأحوال الشخصية لدول مجلس التعاون الحق لكل من الزوجين طلب التفريق للعلة، سواء أكانت عقلية أم عضوية وسواء أصيب بها الطرف الآخر قبل العقد أم بعده وذلك في المادة (٩٩) من المشروع.
وهل يسقط الحق في طلب التفريق إذا علم به الآخر ورضي به صراحة أو دلالة أم لا؟
يمكن تصوير المسألة في حالتين: الأولى أن يكون العيب موجودًا قبل العقد والثانية: أن يجد بعد العقد.
стр. 15833
فإن كانت الأولى: فالاتجاه العام عند الفقهاء يذهب إلى أن هذا الحق يسقط إذا علم الطرف الآخر بالعيب ورضي به صراحة أو دلالة.
لأن من شروط الفقهاء لطلب التفريق بالعيب السابق على العقد.
١-ألا يكون طالب التفريق عالمًا بالعيب وقت العقد، فإن علم به في العقد وأتم العقد لم يحق له طلب الفسخ، لأن قبوله التعاقد مع علمه بالعيب رضًا منه به.
٢-أن يرضى بالعيب بعد العقد، فإن علم بوجوده بعده وأظهر رضاه صراحة كأن يقول: رضيت. أو دلالة كأن يمكن الآخر من الاستمتاع سقط حقه أيضًا في الفسخ (١)
وإن كانت الثانية: وهي حالة ما إذا طرأ العيب بعد نفاذ العقد، ورضي به الطرف الآخر هل يسقط حقه في طلب التفريق بعد الرضا أو لا؟
من الظاهر جدًا أن الفقهاء إذا كان اتجاههم العام يقول بسقوط حق المتضرر في الفسخ للعيب الحاصل قبل العقد إذا رضي به فلأن يقولوا بالسقوط هنا أولى، بل قد ذهبوا إلى أبعد من هذا.
فقال الحنفية: بأن المرأة إذا جن زوجها أو أصبح عنينًا بعد الزواج وكان قد دخل بها ولو مرة واحدة لا يحق لها طلب الفسخ لسقوط حقها بالمرة الواحدة قضاء لا ديانة.
وفرق المالكية بين عيب الزوج وعيب الزوجة فقالوا: إن كان العيب بالزوجة فليس للزوج الخيار أو طلب التفريق بهذا العيب، لأنه مصيبة نزلت به وعيب حدث بالمعقود عليه بعد لزوم العقد فأشبه العيب الحادث للمبيع، وإن كان العيب الحادث بالزوج فللزوجة الحق في طلب التفريق إن كان العيب جنونًا أو مرضًا لشدة التأذي به وعدم الصبر عليه، وليس لها الحق في التفريق بالعيوب التناسلية الأخرى من جب وعنة أو خصاء.
стр. 15834
وأطلق الشافعية والحنابلة القول بجواز التفريق بالعيب الحادث بعد الزواج، كالعيب القائم قبله لحصول الضرر به، وكالعيب المقارن للعقد، ولأنه لا خلاص للمرأة إلا بطلب التفريق بخلاف الرجل الذي يمكنه الخلاص بالطلاق.
لكن الشافعية استثنوا طروء العنة بعد الدخول بالزوجة ولو مرة واحدة، فإنهم لا يجيزون لها طلب الفسخ لحصول مقصود النكاح بمرة واحدة.
فإذا كانت هذه أقوالهم في العيب الحادث بعد العقد فلأن يقولوا بسقوط الحق بعد الرضا بالعيب أولى.
والذي يبدو لنا ما قدمناه في هذه المسألة من أقوال وآراء للعلماء تتعلق بسقوط حق الطرف المتضرر بالعيب بعد رضاه به، سواء أكان ذلك العيب حاصلًا قبل العقد أم حادثًا بعد العقد ومضي الحياة الزوجية مقبول في الجملة في العيوب التي ذكروها.
ولكننا أمام هذا البلاء الخطير المسمى بالإيدز: نرى أن حق الطرف المتضرر باستمرار العقد مع الضرر لا يسقط بحال حتى ولو رضي به، لأن قاعدة (الساقط لا يعود) قد تطبق في كل عيب ولا يكون في تطبيقها أي ضرر عام، أم هنا فإن ضرر المرض العام والخاص يقضي بقبول طلب لفسخ حتى من الذين رضوا بالعيب أو لا؛ كأية قضية من قضايا النظام العام الذي لا يجوز التراضي على خلافه، لأنا نرى أن الاستمرار في مثل هذه الأحوال في الحياة الزوجية كمحاولة الانتحار – قياسًا – كما سبق بيانه.
هذا ويبقى أمام النظر الفقهي جملة من الأسئلة تتعلق بما ذكره المجمع الموقر في الدورة الثامنة – نرجو أن يشبعها الفقهاء والأطباء بحثًا، لنبرز للعالم رحمة الإسلام بالبشرية عامة، حيث يقدم لها الحلول مجانًا كما أشرت إلى ذلك – وقانا الله جميعًا من السوء –والسلام عليكم.
الشيخ أحمد موسى الموسى
стр. 15835
أهم مراجع البحث
- القرآن الكريم.
- صحيح البخاري.
- صحيح مسلم.
- سنن الترمذي
- سنن أبي داوود
- الترغيب والترهيب للمنذري.
- نيل الأوطار للشوكاني.
- فيض القدير شرح الجامع الصغير للمناوي
- حاشية ابن عابدين – رد المحتار.
- حاشيتي قليوبي وعميرة
- الشرح الصغير مع حاشية الدردير.
- المغني لابن قدامة.
- روائع البيان في تفسير آيات الأحكام للصابوني.
- قوانين الأحكام الشرعية، ومسائل الفروع الفقهية لابن جزي المالكي.
- قانون الأحوال الشخصية المصري.
- قانون الأحوال الشخصية السوري.
- قانون الأحوال الشخصية لدول مجلس التعاون الخليجي.
- الزواج في الإسلام – إعداد مؤسسة صندوق الزواج – أبو ظبي.
- الإيدز – الطاعون الجديد للدكتور خالص جلي.
- العهد القديم.
- الأناجيل.
- بعض النشريات لوزارة الصحة السورية.
стр. 15836
رؤية إسلامية للمشاكل الاجتماعية لمرض الإيدز
ملخص
لأعمال الندوة الفقهية السابعة
للمنظمة الإسلامية للعلوم الطبية بالكويت
إعداد
الدكتور أحمد رجائي الجندي
الأمين العام المساعد للمنظمة الإسلامية للعلوم الطبية بالكويت
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
يعتبر مرض الإيدز من أخطر الأمراض التي أصابت البشرية منذ خلق الله الأرض ومن عليها، وقد ثار جدل كثير حول كيفية ظهور المرض وتشخيصه لأول مرة، وقد أثبتت الأبحاث والدراسات أنه رغم أن أول حالة مكتشفة لمرض الإيدز كانت عام ١٩٨١ إلا أنه ثبت أيضًا بتحليل عينات الدم التي كانت محفوظة لمدة في المعامل المركزية بالولايات المتحدة لأشخاص توفوا دون معرفة سبب الوفاة أن هذا المرض كان موجودًا منذ عام ١٩٦٥ من بين تلك العينات المحفوظة ... وليس هذا مهمًا إلا أن المهم أن فيروس هذا المرض ضعيف جدًا ولا يقاوم درجة الجفاف أو ارتفاع الحرارة إلا أنه إذا دخل دم الإنسان فإنه لايترك صاحبه إلا معه في القبر.
وحتى الآن لم يتم التوصل إلى علاج المرض، وليس ثمة أمل في العشر سنوات القادمة للوصول إلى علاج حاسم للمرض أو لقاح واق نتيجة التطور السريع للفيروس وعدم ثباتة على شكل أو صورة معينة مما يسبب الكثير من المتاعب للعلماء لكي يتوصلوا إلى معرفة دواء لهذا الوباء.
وأهم ما توصل إليه العلماء حتى الآن بعد حصر طرق عدواه هي:
١-طريق الجماع الجنسي سواء أكان ذلك بين رجل وامرأة أو رجل ورجل أو امرأة وامرأة.
٢-الدخول إلى الدم إما عن طريق نقل الدم أو عن طريق الحقن أو الجروح النافذة.
٣-من الأم المصابة لجنينها إما أثناء الحمل أو أثناء الولادة.
стр. 15837
والطريقان الأخيران أمكن السيطرة إلى حد كبير عليهما خاصة بعد اكتشاف طرق الكشف عن الفيروس بالطرق السريعة والحديثة ورغم هذا فهناك الكثير من المآسي التي نسمع بها من وقت لآخر سواء في فرنسا أو المانية أو بلاد أخرى، إلا أن هذه الصور في طريقها إلى الاختفاء إن شاء الله.
والطريق الأول في نقل العدوى وهو الجنس والذي يمثل أخطر الطرق وأكثرها شيوعًا وتصل نسبة الإصابة عن هذا الطريق إلى ٨٠ % والباقي بواسطة الطرق الأخرى، ويمكن السيطرة عليه لو أننا مسلمون أو غير مسلمين اتبعنا الأوامر الربانية التي تنهى عن الزنا وتعتبره حرامًا واجتناب الطرق المؤدية إليه حتى لا يقع الإنسان أمام ضعفه البشري مصداقًا لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ [الإسراء: ٣٢] .
فالشهوة إحدى الصفات الحيوانية كما وصفها الرسول الكريم في حديثه: ((رَكَّبَ الله الحيوان من شهوة بلا عقل وركَّب الملائكة من عقل بلا شهوة وركَّب الإنسان من كليهما فمن طغت شهوته على عقله كان عند الله أشر من البهائم ومن طغى عقله على شهوته كان عند الله أخير من الملائكة)) ولم يدرك الغرب فداحة الأمر وبدلًا من الدعوة إلى الفضيلة والحث عليها خرجوا بمصطلحات ما أنزل الله بها من سلطان مثل الجنس الآمن باستعمال العازل الذكري أو الأنثوي والذي ثبت فشله في الوقاية في كثير من الأحوال إذ نجاحه يحتاج استخدامه منذ بداية العملية إلى نهايتها والحرص الشديد ألا يخرج منيٌّ خارجه ولا يصل السائل المهبلي على الذكر وبرغم كل هذه الاحتياطات الشديدة فقد ثبت أن نسبة الأمان لا تصل إلى مائة بالمائة حسب إحصائيات منظمة الصحة العالمية. وقد أظهر كثير من الاستطلاعات مع من أصيبوا بالفيروس بأن العازل الذكري كان في متناول أيديهم لكنهم ساعة العملية نسوا الله فأنساهم أنفسهم وتلك كانت العاقبة.
وكذلك فإن تفشي الإصابة بهذا المرض أصبحت علامة مميزة لتلك الدول التي ظهر فيها ما يسمى بصناعة أو سياحة الجنس فهناك قرى كاملة أبيدت عن آخرها بسبب هذا المرض أو أبيد فيها شبابها وتركوا من ورائهم ذرية ضعافًا أو كهولًا لا يقدرون على إنتاج شيء.
стр. 15838
ومن حسن الحظ أن العدوى بفيروس هذا المرض قد وصلت إلى الدول الإسلامية متأخرة وبعد التعرف على بعض من خصائص الفيروس وطرق عدواه فتنبهت هذه الدول وأصدرت الكثير من التحذيرات والتعليمات إلى أبنائها لكي يتجنبوا الإصابة بهذا المرض الخطير، وتظهر الإحصائيات العالمية أن الدول الإسلامية والجاليات الإسلامية التي تعيش في المهجر ما زالت نسبة الإصابة فيها أقل من مثيلاتها في الدول غير الإسلامية وليس هناك من سبب يميز دولنا الإسلامية عن غيرها، إلا الوازع الديني في بلاد المسلمين الذي أولى جريمة الزنا خصوصية كبيرة وشدد عقوبتها لعلها الجريمة الوحيدة في الإسلام المنصوص عليها بالتفصيل الكامل وهي عقوبة زاجرة.
إلا أن الحقائق المتوفرة الآن حول المرض تدل على أن جميع دول العالم بها إصابات ولا يوجد شعب محصن ضد هذا المرض، بل الأخطر من ذلك بأن بداية المرض كانت الإصابات فيه إصابات خارجية أي أتت من خارج ديار المسلمين، أما الجديد الآن فإن كثيرًا من الإصابات أصبحت إصابات داخلية أي من بين أفراد البلد الواحد وهذا مؤشر خطير يجب أخذه بعين الاعتبار نحو التوعية من المرض وطرق الإصابة والتوعية بطرق الوقاية.
إضافة إلى ذلك فإن أعداد المصابين بالمرض في زيادة مستمرة عامًا بعد آخر، وأن معظم الحالات بين الذكور وتصل إلى حوالي ٧٥ % من الحالات وعمر المصابين يتراوح بين ١٥ – ٤٩ عامًا، أي عمر الإنتاج والعمل والشباب والفتوة، وهذا يمثل ٩٠ % من الحالات والمتوقع أن يصل عدد المصابين في عام ٢٠٠٠ إلى حوالي ٤٠ مليون ما بين طفل ورجل وامرأة، وسيصل عدد الأيتام إلى حوالي ١٠ ملايين طفل يتيم، ولقد تبين من الإحصائيات العالمية أن المرض أكثر انتشارا في إفريقيا وجنوب شرق آسيا والهند حيث يكثر الفقر وتتحول الدعارة والجنس إلى مصدر للرزق أو صناعة يتولاها ويمولها تجار الموت كما في المخدرات، كما بدأت تظهر علامات خطيرة كمضاعفات للإصابة بمرض الإيدز في تفشي كثير من الأمراض التي تسمى أمراضًا انتهازية والتي كان العالم على وشك إعلان التخلص منها فحالات السل الرئوي في ازدياد خطير ولعل أخطر المناطق في إفريقيا حيث يصل عدد الإصابات بفيروس الإيدز فيها إلى حوالي ٩ مليون إصابة وقد توفي منهم حوالي مليونين وتحول نظام الرعاية الصحية في هذه الدول إلى رعاية لمرضى الإيدز والذين يحتلون حوالي ٧٥ % من الأسرة في جميع المستشفيات التي لا يتوافر فيها الحد الأدنى من العلاج لارتفاع تكاليفه.
стр. 15839
يأتي بعد إفريقيا جنوب آسيا إذ يقدر عدد الإصابات الآن بحوالي مليوني مواطن في الفترة الأخيرة وهي أربعة أضعاف ما كانت عليه الحالة في عام ١٩٩١ وتقدر السلطات المسؤولة في تايلاند بأنه بحلول عام ٢٠٠٠ سوف تكون قيمة خسائرها حوالي ٩ مليار دولار بسبب مرض الإيدز وبذلك نجد أن المرض كان مشكلة الدول المتقدمة إلا أنه الآن أصبح الخطر الداهم والمشكلة الكبرى للدول النامية والفقيرة لسببين:
أ- إذ أن سن الإصابة هي سن الإنتاج والسعي والإعالة وعند الوفاة تفقد الأسرة مواردها وعائلها وتفقد الدولة عنصرًا من عناصر الإنتاج.
ب- التكلفة المالية لمريض الإيدز عالية جدًا وتمثل عبئًا خطيرًا على موارد الدولة حيث تحولت الخدمات الصحية الأولية الضرورية والتي من المفروض تقديمها لأبناء هذه الدول إلى خدمات لمرضى الإيدز مما يشكل نكسة في الخدمات الصحية.
هذا عن مرض الإيدز وما يمثله من مخاطر على المجتمعات الإنسانية جميعًا سواء أكانت الإصابة به عن طريق الجنس أو الدم أو الأم.
ونتيجة لتراكمات لاثني عشر عامًا منذ ظهور أول حالة مرضية حتى الآن ظهرت مشاكل اجتماعية كثيرة اجتهدت فيها الدول الغربية وعقدت الكثير من اللقاءات والاجتماعات لوضع الأطر التي تحدد حقوق وواجبات المصابين والمرضى بمرض الإيدز وغاب الرأي الإسلامي إلا من اجتهادات فردية جاءت غير ملبية للمتطلبات العامة فبادرت المنظمة الإسلامية للعلوم الطبية لعقد ندوتها الفقهية الطبية السابعة بمشاركة وزارة الصحة بالكويت ومجمع الفقه الإسلامي بجدة والمكتب الإقليمي بالإسكندرية لمنظمة الصحة العالمية.
والمشاكل الاجتماعية التي ناقشتها الندوة هي:
حكم عزل مريض الإيدز – حكم تعمد نقل العدوى – حقوق الزوج المصاب وواجباته – حكم زواج حاملي فيروس الإيدز – حق المعاشرة بالنسبة للمصابين – حق السليم من الزوجين في طلب الفرقة – حق طلب التفريق أو الطلاق للزوج السليم – حكم إجهاض الحامل في ظل مرض الإيدز – حكم حضانة الأم المصابة لوليدها السليم وإرضاعه – حكم اعتبار مرض الإيدز مرض الموت.
стр. 15840
ومرفق مع هذا ملخص عن الجوانب الطبية والرأي الفقهي في المشاكل الاجتماعية التي نوقشت أثناء الندوة والتوصيات التي أوصى بها المؤتمرون، إضافة إلى ذلك كتبنا في بداية الملخص كيف يمكن معالجة الإصابة بالمرض باتباع التعاليم الإسلامية، ولعلي هنا أقول بأن العالم غير الإسلامي يرفع شعار الجنس الآمن باستخدام العوازل الذكرية والأنثوية لتقليل فرص الإصابة.
بينما المنظمة الإسلامية للعلوم الطبية والمكتب الإقليمي بالأسكندرية لمنظمة الصحة العالمية برفع شعار (الجنس الحلال) عن طريق اتباع ما أحله الله لنا والعفة والفضيلة والابتعاد عما نهانا عنه هو الضمان بعدم الإصابة نهائيًا لا تقليلها والحد من عدد الإصابات الحالية.
وقد تصادف بعد عقد ندوتنا أن عقدت الكويت مؤتمرها العالمي الرابع عن مرض الإيدز وشارك فيه نخبة من العلماء العاملين في هذا المرض وقد تبين الآتي:
١-أن المرض ليس قاصرًا على قطر بعينه دون آخر فجميع دول العالم ظهرت فيها الإصابة كما أن الفيروس يصيب جميع الأعمار ولا يختص عمرًا معينًا.
٢-أن عوامل انتشار المرض هي إشاعة الفاحشة والجري وراء الغرائر.
كالحيوانات أو أشد سوءًا أو الوقوع في براثن إدمان المخدرات والمسكرات.
٣-أن عوامل الانتشار هذه تكثر حيث يقل الوازع الديني ويكثر الفقر والفاقة وهما من العوامل المساعدة لانتشار الإصابة بالمرض.
٤-أن الإصابة بالفيروس كانت قليلة خاصة في أفريقيا وجنوب شرق آسيا إلا أنها انفجرت وأصبحت كالنار في الهشيم، ويمكن حدوث ذلك في أي منطقة من مناطق العالم لأن الفيروس لم يعد كامنًا ولا مختصًا بالجماعات التي تمارس الشذوذ الجنسي وعلى الجميع أن يعوا الدروس المستفادة من تلك المناطق حتى لا تقع في بلادهم واتباع أسلوب وقائي فعال خاصة أن الدول الإسلامية لديها تراثها وتقاليدها التي يمكن أن تلعب دورًا هامًا في حماية مواطنيها من الإصابة.
٥-توعية الشباب بأن الطرق الخاصة (بالجنس الآمن) غير مضمونة فهي تعتمد على عوامل كثيرة لكن الحلال هو الطريق الوحيد المضمون مائة بالمائة.
٦-عمل برامج توعية ومخاطبة الناس باللغة التي يفهمونها وحسب تقاليدهم بأخطار المرض فقد ثبت أن الإنسان يهتم حيثما كان بالاستماع والتعلم إذا كان الأمر يتعلق بحياته أو حياة أسرته.
стр. 15841
٧-الاهتمام بالشباب خاصة في الدول ذات الوفرة المالية والتي يستطيع أبناؤها السفر خاصة إلى المناطق الموبوءة فيجب الحض على الفضيلة والعفة والسلوك السوي ويجب أن تكون التوعية بالصورة الحقيقية عن المرض دون إفراط أو تفريط.
٨-يجب أن يشارك في انحصار المرض كل أفراد المجتمع والجهات المسؤولة من الإعلام والتربية والتعليم والعمل والشئون الاجتماعية.
٩-يجب العناية بمن أصيبوا بالفيروس وأن يقدم لهم كل الرعاية الصحية الممكنة وألا يتعرضوا للأذى النفسي أو الاجتماعي بسبب الإصابة.
السياسة الشرعية في مواجهة مرض الأيدز
نطلق اسم الأمراض المعدية على طائفة من الأمراض تسببها كائنات دقيقة تدعى المكروبات أو الجراثيم.
والعادة أن يكون لكل جرثوم مستقر ومستودع. أما مستقره الذي يهمنا فهو الإنسان. وأما مستودعه فهو المنبع الذي يضمن استمرار العدوى.
ونعني بالعدوى نزول الجرثوم بساحة البدن، أي دخوله إليه وتكاثره فيه.
ولا تعني العدوى حتمًا حدوث المرض، لأن الله سبحانه قد زود الإنسان بجهاز مناعي يتولى مسؤولية الدفاع عن البدن ضد هذه العداوى ويقوم الجهاز المناعي بهذا العمل بواسطة أصناف متعددة من الخلايا، منها ما يهاجم الجرثوم بذاته فيلتهمه أو يقتله، ومنها ما يهاجم الجرثوم بمفرزاته (التي نسميها الأجسام المضادة أو الأضداد) ، ومنها ما يساعد الأصناف الأخرى من الخلايا في الهجوم فيقوم بدور المؤازر والمساعف.
من أجل ذلك إذا حدثت العدوى، فيمكن أن تتطور الأمور في أحد اتجاهات أربعة.
стр. 15842
أولها- أن تتغلب وسائل المقاومة أو المناعة في البدن على الجرثوم، وتقضي عليه قبل أن يتمكن من الجسم، وبذلك لا تظهر أعراض المرض.
وثانيها- أن يتغلب الجرثوم ابتداء على وسائل دفاع البدن، فيحدث مرض عدوائي (أي ناجم عن العدوى) ، قد تكون مدته قصيرة وقد تطول، وفي النهاية إما أن يتغلب الجسم فيحدث الشفاء، أو يتغلب الجرثوم فتحدث الوفاة.
وثالثها- أن تقوم وسائل المناعة بتطويق الجرثوم المعتدي، وتضيق عليه الخناق وتحاصره بسور تحيطه به، فيخنس مؤقتا، ولكنه يبقى حيًا متربصًا ينتهز فرصة للانقضاض.
ورابعها- أن تصل الحرب بين وسائل دفاع البدن وبين الجرثوم إلى مرحلة هدنة مسلحة، لا يقضي فيها الجسم على الجرثوم، كما أن الجرثوم لا يقوم بإيذاء البدن، ولكن الشخص يمكن أن ينقل الجرثوم إلى جسم آخر فيسبب فيه العدوى وربما المرض، ويسمى الشخص في هذه الحالة حامل الجرثوم. على أنه في بعض أحوال هذه الهدنة المسلحة، ولا سيما تلك التي يطول أمدها، يقوم الجرثوم خلسة بمحاولاته لتدمير الجهاز المناعي وتخريب خلاياه، فإذا نجح في ذلك تحول الوضع لصالح الجرثوم.
وهكذا، فقد يكون الإنسان مصابًا بعدوى جرثوم معين، وهو يحمل هذا الجرثوم فيه ولكنه لا ينقله، وقد يكون مصابًا بالعدوى وهو قادر على نقل الجرثوم للآخرين ولو لم يظهر عليه المرض (وهو من دعوناه حامل الجرثوم) ، وقد تتطور العدوى فيه إلى مرض صريح، يعاني منه صاحبه وينقل جرثومه إلى الآخرين.
الايدز
كلمة الأيدز مؤلفة من الأحرف الأولى بالانكليزية لاسم مرض خطير يدعى (متلازمة العوز المناعي المكتسب) هو متلازمة أي مجموعة من الأعراض المرضية تتلازم وتتزامن. وهو مكتسب لأن الإنسان يكتسبه اكتسابًا بالعدوى. ولما كان الجهاز المناعي في هذا المرض يتم تدميره تدميرًا كبيرًا، فإن الإنسان يصاب بعوز مناعي، أي نقص شديد في عناصر المناعة، ينجم عنه عجز الإنسان عن مجابهة سائر أنواع الجراثيم، بما في ذلك تلك الجراثيم التي ليس من عادتها أن تحدث المرض في الإنسان، ولكنها تنتهز فرصة العوز المناعي لتحدثه، ولذلك تدعى الجراثيم الإنتهازية.
стр. 15843
ومرض الأيدز هذا سببه فيروس، وهو كائن دقيق لا يرى إلا بالمجهر الإليكتروني، يطلق عليه اسم (فيروس العوز المناعي البشري) . وهو ينتقل من الإنسان إلى الإنسان بواسطة سوائل البدن التي تحتوي عليه، وهي بالدرجة الأولى السوائل الجنسية (المني وسوائل عنق الرحم والسائل المهبلي) ، والدم. وعلى هذا يكون الانتقال إما بالاتصال الجنسي (بين شخصين من الجنس نفسه أو من جنسين مختلفين) وإما بنقل الدم نقلًا علاجيًا أو دخوله مع حقن المخدرات أو الأدوات الواخزة للجلد.
طرق انتقال العدوى بفيروس الأيدز
تم اكتشاف الفيروس كما ذكرنا في معظم سوائل الجسم، إلا أن الدراسات الوبائية التي أجريت في شتى أنحاء العالم قد أثبتت أن العدوى تنتقل بثلاثة طرق رئيسية هي:
١- الاتصالات الجنسية: بين أفراد الجنس الواحد أو الجنسين على السواء. وهذا الطريق يمثل أكثر من ٩٠ % من حالات العدوى ولا سيما بعد تناقص أهمية الطرق الأخرى. وهناك ممارسات جنسية معينة تزيد من خطر انتقال العدوى، مثل تعدد القرناء الجنسيين واللواط، والمخالطة الجنسية للبغايا، وكذلك وجود أمراض تناسلية أخرى.
٢-الدم ومشتقاته: سواء بنقل الدم العلاجي أو باستخدام الإبر والمحاقن الملوثة بالفيروس ولا سيما في حالة تعاطي المخدرات حقنا. وقد قلت أهمية نقل الدم العلاجي بعد اكتشاف وتطبيق وسائل التأكد من خلو الدم المنقول من الفيروس. أما الانتقال في حالة تعاطي المخدرات حقنا فلا تزال له أهمية كبيرة.
٣-انتقال العدوى من الأم للجنين: دل استعمال أحدث طريقة لكشف جزئيات الفيروس، على أن نسبة إصابة الجنين وهو في داخل الرحم بالعدوى هي نسبة ضئيلة لا تتجاوز العشرة بالمائة. وتحدث معظم حالات العدوى للجنين أثناء الولادة من جراء تلوث الجنين بالمفرزات التناسلية المعدية بمعدل ثلاثين بالمائة. ولا تنتقل العدوى من الأم إلى الجنين في ستين بالمائة من الحالات.
стр. 15844
الطرق الأخرى: لا توجد بينات على أن العدوى تنتقل عن طريق الحشرات، أو الطعام أو الشراب، أو المراحيض، أو المسابح (حمامات السباحة) أو المقاعد، أو أدوات الطعام المشتركة، أو حتى الملابس المستعملة.
وقد ذكرت حالات معدودة في العالم كله يعتقد أن العدوى فيها قد انتقلت عن طريق لبن الأم، ومن أن فيروس الإيدز يوجد في لبن الأم في نسبة قليلة جدًا من الحالات، كما هو الحال في إفرازات البدن الأخرى كاللعاب والعرق والبول، فإن العدوى لا تتم عن طريق الجهاز الهضمي، ولكن يظن ظنًا أن المص الذي يمارسه الرضيع مع ما يرافقه من ضغط شديد على الغشاء المخاطي الرقيق في فمه، قد يؤدي إلى انتقال العدوي إذا كانت حلمة الثدي متشققة دامية، ولكن الاحتمال كما ذكرنا ضئيل جدًا.
بعد أن تتم العدوى بهذا الفيروس (أي دخول الفيروس إلى البدن) ، فإنه يختفي بسرعة داخل بعض الخلايا ويندمج فيها ويأخذ في التكاثر تدريجيًا وفي تدميره هذه الخلايا. وتمر العدوى في الجسم بمراحل من أهمها مرحلة الكمون، وهي مرحلة تستغرق ما بين عدة أشهر وعدة سنوات. وخلال هذه المدة يتكاثر الفيروس، ويهاجم خلايا الجهاز المناعي مما يؤدي إلى تناقص عددها شيئًا فشيئًا حتى تصل إلى المستوى الحرج، الذي لا يستطيع معه الشخص المصاب مقاومة جراثيم الأمراض أو الخلايا الضارة مثل الخلايا السرطانية، فيحدث ما هو معروف بمرض الإيدز على وجه الخصوص. وتكون مرحلة الكمون – أي المرحلة ما بين العدوى وبين ظهور الأعراض المميزة للمرض – قصيرة نسبيًا في الأطفال (أقل من سنتين) وتتراوح في البالغين ما بين ٧ – ١٠ سنوات. وتقصر هذه المدة بحدوث أمراض أخرى مصاحبة، أو سوء التغذية، أو الحمل في المرأة. ولذلك فإن متوسطها في إفريقيا خمس سنين لما فيها من سوء في التغذية وأمراض أخرى كالملاريا مثلًا، في حين يكون متوسطها في أمريكا عشر سنين بفضل التغذية الجيدة والعلاج المناسب للأمراض المرافقة.
ويكون الشخص معديًا طوال هذه المدة.
أما مرض الإيدز على وجه الخصوص، فهو المرحلة الأخيرة من مراحل العدوى بفيروس الإيدز، وهي مرحلة تتصف بأعراض وعلامات مرضية ظاهرة ترافقها أمراض الجراثيم الإنتهازية والأورام الخبيثة، وذلك من جراء تدمير الفيروس لخلايا الجهاز المناعي التي تفتك بالجراثيم والخلايا السرطانية. والغالب أن المريض الذي يصل إلى هذه المرحلة، يموت خلال فترة قصيرة قد تكون أشهرًا قليلة ولا تتعدى السنتين.
стр. 15845
طرق المقاومة والمكافحة
تجدر الإشارة إلى أنه لا توجد حتى الآن علاجات شافية ولا لقاحات واقية من العدوى. ولذلك فإن الابتعاد عن السلوكيات المحفوفة بالمخاطر هي السبيل الوحيد لاجتناب العدوى. ومن الممكن حاليًا الوقاية بدرجة كبيرة - تكاد تكون مؤكدة - من العدوى عن طريق الدم المنقول، والحقن والأدوات الثاقبة للجلد، وهناك بعض الأمور التي يحدث فيها جدل كثير ومنها موضوع عزل المريض، وكذلك الأمور المتعلقة بانتقال العدوى من الأم إلى الجنين، سوف نتطرق إليها فيما بعد.
خير سبيل للخروج من المآزق والحماية من المهالك في زمان تكالبت فيه الشهوات وكثرت صنوف المغريات هو تربية النفس الإنسانية على عدم الإفراط في طلب الشهوات والإغراق في المتع والملذات وتربيتها – كذلك – على إحداث توازن بين الغرائز الإنسانية يحقق الهدف من خلفها ويمنعها من التجاوز والطغيان.
فهذان أساسان تقوم عليهما السياسة الإسلامية في مواجهة أسباب هذا المرض ومكافحة الانحرافات والجرائم.
وخير عاصم هو الدين الإسلامي وتعاليمه التي توثق الصلة بالله، فالدين يهدف إلى تحقيق العبودية لله التي تستلزم الخضوع لسلطانه، وتنمي الإحساس بدوام مراقبته، وتعلمه تحمل المسؤولية، والخوف من يوم الحساب وبذلك يكون المسلم ملتزمًا في جميع تصرفاته وفي كل ما يأخذ أو يدع، وكل ما يفعل أو يتجنب، يهتدي فيه بهدى القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة.
وما أكثر الآيات القرآنية التي تبين أن أساس الفلاح في الدنيا والآخرة هو الإيمان بالله واتباع هداه، وأن أساس الفساد والشقاء في الدنيا والنكال في الآخرة هو اتباع الهوى، في قوله تعالى: ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى (١٢٣) وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (١٢٤) قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا (١٢٥) قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آَيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى (١٢٦) ﴾ [طه: ١٢٣، ١٢٦] . وقوله: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى (٤٠) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى (٤١) ﴾ [النازعات: ٤٠ ٤١] .
وما ذكرى الهوى في القرآن الكريم إلا في معرض الذم: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنَ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ﴾ [القصص: ٥٠] ، ﴿أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ كَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ﴾ [محمد: ١٤] ، ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ﴾ [محمد: ١٦] ..
стр. 15846
وإن الإيمان يجعل الإنسان في حصن من الوقوع في الخطايا لقوله ﷺ : ((لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن)) . . . . (١) .
وحتى حين يزين له الشيطان السوء تنفعل نفسه بالإيمان، أو يترك الإيمان في قلبه فيذكر الله ويستحضر جلاله ويخشى عقابه فيرجع إلى الحق والهداية لقوله سبحانه:: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ﴾ [الأعراف: ٢٠١] .
وفي القرآن الكريم كثير من الأمثلة التي بلغت النفس الإنسانية فيها أعلى درجات الكفاءة في التسامي على الشهوات والتنزه عن الهفوات في رسل الله ﵈ ومن سار على دربهم ومن أتباعهم الكرام.
ما رسمه القرآن للوقاية من هذا المرض:
وفضلًا عما أفاض فيه القرآن من تربية النفس على الإيمان والفضائل، فقد وضَّح لنا طريق الوقاية من هذا المرض، بل ومن كل سوء.
وهذا الطريق يتركز على ثلاث شعب، الزواج، الوقاية من الوقوع في الحرام، الردع.
ويجب على من أراد أن يحمي بني البشر من الدمار أن يتبع هذا النهج.
١- الزواج:
فالزواج هو الطريق الإيجابي لمنع الناس من الوقوع في المحرمات التي تجر إلى هذا الوباء وإلى الدمار، فالحكيم سبحانه وهو رب عباده والخبير بما يصلحهم قد أغلق باب الزنا لمضرته، وفتح في مقابل ذلك أبواب الخير على مصاريعها، فخير صارف للناس عن الحرام هو فتح أبواب الحلال، كما رغَّبنا سبحانه في الزواج على الرغم من أنه استجابة للفطرة.
стр. 15847
ودعانا رسوله الكريم ﷺ إلى تيسير سبيله، وأعلمنا أن تنكُّب هدي الإسلام في الزواج يؤدي إلى الفساد، ففي الحديث الشريف: ((إذا أتاكم من ترضون دينه وأمانته فزوجوه، إلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد عريض)) . . . . (١) .
والآيات القرآنية والأحاديث النبوية التي تحض على الزواج وتبين أحكامه تجل عن الحصر.
٢- الوقاية من الوقوع في الحرام
وإن المشرع سبحانه لحكمته ورحمته بعباده قد أغلق الأبواب أو سد الذرائع الموصلة للحرام، وأساس هذه الوقاية هو البعد عن المثيرات وهي:
أ- تحريم النظر، فقد فطرنا الله على أن نتأثر بما نرى ونشاهد، حتى قيل: النظر بريد الزنا، ولذا علمنا الرسول عندما يثار أحد أن يلجأ إلى زوجته، ففي الحديث الشريف: (إن المرأة تقبل في صورة شيطان، فمن وجد من ذلك شيئًا فليأت أهله فإنه يذهب ما في نفسه)) . . . . (٢) .. لهذا أمرنا سبحانه بغض البصر ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾ . [النور: ٣٠] .
وفي توجيه الأمر إلى الرسول ﷺ ليأمر به المؤمنين ما يشعر بأهمية الأمر وتوكيده، حيث يصبح أمرين، أمرًا من الله، وأمرًا من رسوله الذي كلفنا الله اتباعه والانصياع لأمره.
وقدمت الآية غض البصر على حفظ الفرج، لأن الثاني مترتب على الأول، ثم بينت الآية أن ذلك أطهر للنفوس وأقوم للحياة، لأنه يؤدي إلى الاستقرار والبعد عن المهالك وحفظ الفروج يقتضي سترها وحمياتها من الوقوع في الحرام.
стр. 15848
وذيلت الآية الكريمة بما يردع النفوس، فمن يتلصص أو يحاول اختلاس النظر فإن الله خبير بفعله وسيجزيه عليه ويوضح ذلك قوله تعالى: ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ [غافر: ١٩] ، أي يعلم ما يحدث من عبده من نظرة خائنة وما يترتب على ذلك حين ترتسم صورة المرئي في صدر الرائي ثم يتخيل نفسه معها في أوضاع محرمة، والنساء – كذلك – مأمورات بغض البصر ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ﴾ [النور: ٣١] .
وقد نهى الرسول ﷺ عن النظر في أحاديث متعددة.
ب- وجوب الحجاب، فقد أوجب الله على المرأة – من باب الاحتياط، حتى إذا وجد من لا يمتثل لأمر غض البصر فإنه لا يرى ما يثيره – أن تستر بدنها وألا تظهر زينتها، اللهم إلا ما جرت العادة بظهوره وكان في ستره حرج ومشقة كالوجه والكفين، في قوله تعالى: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾ [النور: ٣١] .
وقد نهى الرسول ﷺ عن النظر في أحاديث متعددة.
ومما يؤكد أن المرأة منهية عن فعل ما يثيره قوله تعالى في ختام الآية ﴿وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ﴾ [النور: ٣١] .
فالآية تنهي المرأة عن أن تضرب برجلها فيظهر صوت خلخالها، لأن ذلك يثير الرجال، ومثله صوت الأساور والتكسر في المشية وما إلى ذلك.
ومن المعلوم أن من شروط لباس المرأة أن يكون سادلًا فضفاضًا لا يشف عما تحته غير براق أو ملفت للنظر.
ج- تحريم الخلوة فلا يجوز شرعًا أن يخلو رجل بامرأة لا تحل له، لقوله ﷺ : ((لا يخلون رجل بامرأة إلا مع ذي محرم)) . . . . . (١) ..
والحكمة من ذلك فضلًا عن حمايتها من قالة السوء وضحها الرسول ﷺ في قوله: ((لا يخلون رجل بامرأة إلا كان ثالثهما الشيطان)) . . . . (٢) .
د- تحريم الاختلاط والتبرج، فلقد حرم الله اختلاط الرجال والنساء – غير المحارم – ولو بدون خلوة، في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾ [الأحزاب: ٣٣] ، وذلك لأن الله تعالى خلق الرجال ميالين إلى النساء مفتونين بهن، مصداقًا لقوله تعالى: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [آل عمران: ١٤] ، ولقوله ﷺ : ((ما تركت فتنة أضر على الرجال من النساء)) . . . . (٣) .
стр. 15849
ومما قاله المفسرون في تفسير التبرج: أن النساء كن يتمشين مع الرجال، وكانت المرأة تستر بدنها وشعرها، ولكنها كانت لا تلوي الخمار على عنقها فترى فتحة قميصها، والجاهلية الأولى: المغرقة في الجهالة.
هـ – وجوب الاستئذان عند الدخول في كل وقت للبالغين، لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا﴾ [النور: ٢٧] .
ووجوب استئذان غير البالغين والخدم في ثلاث أوقات هي مظنة عدم اكتمال الستر، في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ مِنْ قَبْلِ صَلَاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ وَمِنْ بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ﴾ [النور: ٥٨] .
والحكمة من ذلك حفظ الحرمات واستقرار البيوت ومنع الإثارة وحماية الصغار من تفتح أذهانهم على العورات وإثارة غرائزهم ليتربوا على الحياء والفضيلة.
و تحريم المثيرات من الأغاني واللهو والمسلسلات والأفلام التي لا هم لها إلا تهييج الغرائز وإثارة الشهوات، في قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ [لقمان: ٦] فقد فسر الصحابة ذلك بأنه الغناء، ولن يضل المرء غيره إلا إذا أصبح إمامًا في الضلال، والشراء مستعار لأن ترك ما يجب فعله، واتباع هذه المنكرات شراء لها.
وهذا كله من فعل الشيطان، لقوله تعالى: ﴿وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ﴾ [الإسراء: ٦٤] ، أي استزل، أوقعه في الزلل والمعصية، واستخفه وأقطعه عن الحق (القرآن والعلم) إلى الباطل (الغناء والمزامير واللهو) ..
وحذرنا الرسول ﷺ من الأغاني واللهو في قوله: ((من ذهب إلى قينة (مغنية) صب في أذنه الآنك (الرصاص المذاب) يوم القيامة))
ز- تحريم المسكرات، كما حرم سبحانه ما يذهب العقل الذي هو صمام الأمن لدى الإنسان كي يبقى المرء على إنسانيته وثباته فلا يقع في الضار والمحرم، لأن الذي يفقد عقله يقع في أكبر الفواحش، فقد قال ﷺ : ((الخمر أم الفواحش وأكبر الكبائر ومن شرب الخمر ترك الصلاة ووقع على أمه وخالته)) . . . . (١) .
стр. 15850
ورب العزة سبحانه قد نفرنا من الخمر حيث قرنها بنوعين من الشرك بالله، في العبادة: (الأصنام) وفي علم الغيب: (الأزلام) وبين لنا أن الشيطان فيما يزينه لنا من شربها يوقع بيننا العداوة والغضاء ويصرفنا عن ذكر الله فلا نأبه بالوقوع في محرم ولا نؤدي الصلاة وغيرها من الواجبات، يقول عز من قائل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٩٠) إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ (٩١) ﴾ [المائدة: ٩٠ – ٩١] .
٣- العقوبة الزاجرة:
فإذا لم يجد التربية، ولا فتح باب الحلال ولا سد أبواب الإثارة، ووقع المرء في السوء فلابد من عقوبة رادعة.
والحكمة من مشروعية العقوبة هي مساعدة المرء على الكف عن المعصية وعدم الوقوع فيها، وذلك لأن النفس إذا دعتها الشهوة إلى ارتكاب المعصية وتذكرت العقوبة المترتبة على ذلك فإن ألم العقوبة سيرجح على لذة المعصية فيقل عن الوقوع في السوء.
وقد قرر الله للزنا عقوبة رادعة هي الجلد مائة جلدة لغير المحصن، لقوله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور: ٢] ..
وقد نهت الآية الكريمة عن الرأفة بالجاني لمصلحته هو أولًا، لأنه إذا أيقن بالعقاب إن وقع في السوء كف عن السوء واتجه إلى الحلال ولمصلحة المجتمع لحمايته من الدمار.
وأما المحصن وهو من سبق له زواج شرعي، حتى ولو طلق أو ترمل، مسلمًا كان أو ذميمًا فإن حده الرجم حتى الموت، لقوله ﷺ : ((خذوا عني خذوا عني قد جعل الله لهن سبيلًا، البكر بالبكر جلد مائة ونفي سنة، والثيب بالثيب جلد مائة والرجم)) . . . . (١) .
стр. 15851
وقد أمر ﷺ برجم من جاءه من المحصنين معترفًا بجريمة الزنا، كماعز والغامدية، والرجم شرعة قديمة نزلت به التوراة، فعن البراء بن عازب قال: مر على النبي ﷺ بيهودي محممًا (دهن وجهه بالقار) مجلودًا، فدعاهم، فقال. ((أهكذا تجدون حد الزنا في كتابكم؟)) قالوا: نعم فدعا رجلًا من علمائهم فقال: ((أنشدك بالله الذي أنزل التوراة على موسى أهكذا تجدون حد الزنا في كتابكم)) ؟ فقال: لا، ولولا أنك نشدتني بهذا لم أخبرك بحد الرجم، ولكن كثر في أشرافنا، وكنا إذا أخذنا الشريف تركناه، وإذا أخذنا الضعيف أقمنا عليه الحد، فقالوا تعالوا لنجتمع على شيء نقيمه على الشريف والوضيع، فجعلنا التحميم والجلد مكان الرجم، فقال صلوات الله وسلامه عليه (١) . ((اللهم إني أول من أحيا أمرك إذ أماتوه، وأمر به فرجم))
ورجم الزاني المحصن هو الجزاء العادل، فما أشبهه بالعضو الفاسد الذي يجب بتره لسلامة الجسم، فمن يعرف طريق الحلال ثم ينصرف عنه إلى الحرام ويأبى إلى الإفساد والاعتداء على الأعراض، والعمل على تدمير الناس وإهلاكهم فلابد من تطهير المجتمع منه.
عقوبة اللواط:
لقد شدد الله النكير على من وقعوا في هذه الجريمة النكراء التي ليس لها نظير عند غير بني الإنسان (٢) ، حيث جعل عالي قريتهم سافلها وأمطرهم حجارة من نار أعدت لمن يتجاوز الحد ويخرج عن الطريق المستقيم، بقوله سبحانه: ﴿فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ (٨٢) مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ (٨٣) ﴾ [هود: ٨٢ –٨٣] . (٣)
وإنما أباد الله قوم لوط – لإصرارهم على هذه الجريمة -، لأنهم أشد على النسل من الوباء الفتاك، فلو فشا فعلهم هذا فلسوف يؤدي إلى فناء البرية بانعدام الذرية.
стр. 15852
وتذييل الآية الثانية يفيد أن ذلك العذاب ليس ببعيد على من يفعل فعلهم فيكون ممن ظلموا أنفسهم بكفرهم وعصيانهم وظلموا أهلهم بهذا العدوان.
والذي يقع في هذه الجريمة النكراء يرى قلة من العلماء أن يقاس حده على الزنا، فيرجم المحصن ويجلد من عداه مائة جلدة.
ولكن جمهور العلماء يرون أنه يقتل مطلقًا، لا فرق بين بكر وثيب، ولا بين كون المفعول به كبيرًا أو صغيرًا، ذكرًا أو امرأة أجنبية (١) ، لأن القياس لا يصح مع وجود النص، فقد قال ﷺ : ((من وجدتموه يعمل عمل قوم لوط فاقتلوا الفاعل والمفعول به)) (٢) .
ويجب إقامة حد السكر على متعاطي المخدرات، وأما مروجوها فيقام عليهم حد الحرابة، لأنهم ساعون في الأرض بالفساد.
وقد رفع المنتدون توصية إلى الحكومات والهيئات بوجوب تطبيق حدود الله على المخالفين والعمل على تيسير سبيل الزواج، لأن الوقاية خير من العلاج.
стр. 15853
حكم عزل مريض الإيدز
١- الرأي الطبي:
يعتبر عزل المريض بالمفهوم الصحيح لذلك، أحد الأساسيات في مكافحة الأمراض المعدية بشكل عام، ولكن ما نعنيه بالعزل إنما هو (منع المريض من أن يكون مصدر عدوى للآخرين) . وهذا – كما هو واضح – يختلف باختلاف وسيلة انتقال العدوى، ففي مرض الملاريا مثلًا، يكون العزل بإبعاد المريض عن احتمالات لدغ البعوض له بجعله ينام تحت ناموسية. وفي الأمراض التي تنتقل عن طريق الطعام والشراب كالحمى التيفية (التيفود) والهيضة (الكوليرا) ، يكون العزل بإبعاد مفرزات المريض ولا سيما البراز عن أن تكون مصدرًا لتلوث الأطعمة والأشربة، وذلك بجعل المريض يتبرز في مرحاض خاص، وبتطهير البراز وغسل اليدين بعد التبرز، وفي الأمراض التي تنتقل عدواها عن طريق الجهاز التنفسي كالحمى المخية الشوكي (التهاب السحايا) والتدرن (السل) ، يكون العزل بالحيلولة دون وصول المفرزات التنفسية من المريض إلى السليم، فينام المريض في غرفة وحده، ويتحاشى السعال والعطاس في وجه الآخرين.
إن السلطات الصحية في معظم دول العالم لم تعد تلجأ إلى العزل في معازل خاصة إلا في حالات استثنائية جدًا، عندما لا تتوافر أساسيات الصحة الشخصية في المنزل، وإلا فإن المنزل، بل حتى الغرفة التي يقيم فيها المريض، تفي بأغراض العزل.
وكثيرًا ما يكون العزل لمصلحة المريض، حماية له من أن يعديه الآخرون بأمراض وهو في حالته المنهكة، أو لتقديم رعاية مركزة له.
стр. 15854
فما هو مكان العزل في مرض الإيدز؟
إن مرض الإيدز ينتقل أساسًا عن طريق العلاقة الجنسية، فغاية العزل أن يتم عزل إفرازات الجهاز التناسلي في المرأة والمني في الرجل، عن الوصول إلى الغشاء المخاطي التناسلي لشخص غير مصاب بالعدوى. وقد دلت التجارب على أن استعمال الرفال أو العازل الذكري بالصورة المناسبة، يقلل من احتمالات العدوى إلى درجة كبيرة، فالعزل في الإيدز إذن هو عزل العضو التناسلي عن الإفرازات المحتوية على الفيروس بواسطة العازل الذكري.
ولنذكر أن درجة الإعداء أو احتمالات العدوى من جماع واحد لا تتعدى نصفًا بالمائة (أي مرة من كل مائتي مرة) ، إلا إذا كان أحد الطرفين مصابًا بمرض تناسلي آخر، نسبة احتمال العدوى إلى اثنين بالمائة، فإذا كان هنالك مريض بالإيدز متزوج، استخدم العازل الذكري استخدامًا صحيحًا، أي من أول عملية الاتصال الجنسي إلى آخرها، ولم يكن لديه أمراض تناسلية أخرى، فاحتمال انتقال العدوى إلى الزوجة يكاد يكون معدومًا.
أما مدة العزل، فهي طول الحقبة التي يكون فيها المرء معديًا، وهي محدودة في معظم الأمراض، أما في الإيدز فهي العمر كله.
٢- الرأي الفقهي:
بناء على قواعد الشرع العامة من الحرص على عدم انتشار المرض بين الأفراد من حديثه ﷺ : ((لا يوردن ممرض على مصح)) (١) . وحديثه ((إذا سمعتم بالطاعون في أرض فلا تدخلوها، وإذا وقع بأرض وأنتم فيها فلا تخرجوا منها)) . . . . (٢) . وحديثه للمجذوم من وفد ثقيف الذي أقبل لمبايعة النبي ﷺ : ((إنا قد بايعناك فارجع)) . . . . (٣) . وما حدث من عمر – ﵁ وقد خرج إلى الشام فسمع بالطاعون بها فاستشار الصحابة وقرر الرجوع وعدم الدخول على الوباء فقال له أبو عبيدة – ﵁ –: أفرارًا من قدر الله؟ فقال عمر: نعم، نعم نفر من قدر الله إلى قدر الله (٤) . والمعنى نفر من المرض إلى العافية وكلاهما من قدر الله.
стр. 15855
وبناء على ما قرره الأطباء من أن العدوى بمرض الإيدز لا تنقل بالممارسات العادية كلمس المريض ومخالطته وتقبيله أو الاستعمال المشترك لأدوات الطعام والشراب أو حمامات السباحة ودورات المياه، أو الاجتماع معه في المدارس والمساجد والملاعب.
وبناء على ما أوصى به الشرع وأكدته المنظمات الدولية من وجوب حسن رعاية المريض والسماح بمزاولة أعماله في صورة اعتيادية فإن عزل المصابين بمرض الإيدز من التلاميذ أو العمال أو غيرهم عن زملائهم الأصحاء ليس له ما يسوغه وكل ما هو مطلوب في هذه الحال هو تجنب ما يؤدي إلى العدوى من الأمور التي ثبت انتقال العدوى بها كالمعاشرة الجنسية، واختلاف الدم ونقله من المريض إلى الصحيح وعدم الاستعمال المشترك للمحاقن والإبر ولا الأشياء الملوثة بدم المصاب وفي حالة الزوجين المصاب أحدهما يستعمل الرفال (الواقي الذكري) عند المعاشرة مع النصيحة بالتداوي والصون والعفاف منعًا لتفاقم المشكلة، وقد يكون من الواجب على المنظمة إصدار نداء للمعتمرين والحجاج بأن يكتفى في التحلل من الإحرام بالتقصير ومن أراد الحلق فليستخدم آلة خاصة به حيث إن الاستخدام المشترك للآلات الحادة مثل الأمواس ربما ينتج عنه التلوث بالدم بين الأفراد.
حكم تعمد نقل العدوى بالإيدز
١- الرأي الطبي:
ليس في التشريعات الوضعية العالمية عقوبة لمن يثبت أنه يتعمد إعداء الآخرين بعد أن ثبتت إصابته بالعدوى أو المرض، اللهم إلا في روسيا الاتحادية حيث يتعرض متعمد الإعداء إلى العقوبة والسجن، ويبدو أن ذلك التشريع قد وضع للبغايا بصورة خاصة.
على أنه من المأمول أن تحذو القوانين الوضعية حذو الشريعة الإسلامية التي تحرم ذلك اتباعًا لقول النبي ﷺ : ((لا ضرر ولا ضرار)) . . . . مع القاعدة الشرعية الأصولية (الضرر يزال) .
стр. 15856
٢- الرأي الفقهي:
ثبت طبيًا أن أكثر طرق انتقال عدوى الإيدز انتشارًا هي المعاشرة الجنسية إذ تتسبب في ما يربو على ٩٠ % من حالات العدوى، وأنه ينقل كذلك عن طريق الحقن ونقل الدم أو عن طريق الدم من طمث أو جرح يلوث بدم المصاب، كما يحتمل أيضًا أن يحدث عن طريق حدوث خدوش أو جروح تتلوث بإفرازات المصاب بالعدوى، والتي تحتوي على المسببات، وقد يكون نقل العدوى عمدًا لفرد أو جماعات، وقد يكون خطأ أو بدون قصد، ومن الثابت طبيًا – كذلك – أن الإصابة بهذا المرض تؤدي إلى الوفاة طال الزمن أو قصر لعدم اكتشاف علاج شاف حتى الآن.
وعلى ذلك فإن نقل العدوى كوضع السم في الطعام، وهو آلة للقتل، وقد اقتص ﷺ من اليهودية التي سممت الشاة، وقدمتها إلى رسول الله ﷺ ، وأمر بقتلها لما توفي من أكل معه من الشاة، وهو بشر بن البراء بن معرور. (١) .
فالقتل بالأسباب الخفية يوجب القصاص كالقتل بالأسباب الظاهرة حتى لا يتخذها الأشرار وسيلة للوصول إلى مآربهم.
وإن نقل العدوى بالإيدز لمن أشنع صور الحرابة والإفساد في الأرض.
وبناء على ما تقدم فإن تعمد نقل العدوى بهذا المرض إلى السليم منه بأية صورة من صور التعمد، عمل محرم شرعًا، ويعد من الموبقات التي أمر الشرع باجتنابها في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ [الإسراء: ٣٣] وفي قوله ﷺ : ((اجتنبوا السبع الموبقات)) . . . . قالوا يا رسول الله وما هن؟ قال: ((الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات المؤمنات الغافلات)) (٢) .
ويستوجب هذا العمل العقوبة الدنيوية فضلًا عن العقوبة الأخروية إن لم يتب.
وتتفاوت العقوبة الدنيوية بقدر جسامة الفعل وأثره على الأفراد وتأثيره على المجتمع، فإن كان قصد المعتد إشاعة هذا المرض الخبيث في المجتمع، فعمله هذا يعد نوعًا من الحرابة والإفساد في الأرض، وقد شدد الله النكير على من يفعل ذلك حيث يقول: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآَخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [المائدة: ٣٣] .
стр. 15857
وقد رأى جماعة من السلف والمالكية أن الإمام مخير في قاطع الطريق بين هذه العقوبات (١) .
ويرى الأحناف أن الآية على التخيير في من قتل وأخذ المال فقط، فالإمام مخير فيه بين قطع اليد والرجل ثم القتل أو قطعهما والصلب أو الصلب فقط (٢) .
ورأي فريق ثالث أنها على التنويع (٣) لتفاوت الجنايات، والعقل يقتضي أن يكون الجزاء مناسبًا للجناية ويشهد لهذا الرأي ما روي عن أنس ﵁، من ((أن الرسول ﷺ سأل جبريل ﵇ عن القصاص فيمن حارب، فقال: من سرق مالًا وأخاف السبيل فاقطع يده لسرقته ورجله بإخافته، ومن قتل فاقتله، ومن قتل وأخاف السبيل واستحل الفرج والحرام فأصلبه)) (٤) .
ومما يؤكد اعتباره كالمحارب ما قاله الإمام مالك (٥) . من أن المتستر في ذلك والمعلن بحرابته سواء، والمحتال كالمحارب، وهو الذي يحتال في قتل أو أخذ مال أو هتك عرض وإن لم يشهر السلاح، وقد يكون من المناسب له أن يقتل ويصلب ليتحقق الزجر والردع.
وإن كان قصده إعداء شخص بعينه، وكانت طريقة الإعداء تصيب بهذا المرض غالبًا، وانتقلت العدوى وأدت إلى قتل المنقول إليه يعاقب بالقتل قصاصًا.
وإن تمت العدوى ولم يمت المنقول إليه، عوقب المتعمد بعقوبة تعزيزية مناسبة، وعند حدوث الوفاة يكون من حق الورثة الدية.
وأما إذا كان قصده (من تعمد نقل العدوى) إعداء شخص بعينه ولكن لم تنتقل إليه العدوى، فإنه يعاقب عقوبة تعزيرية.
وإذا تم نقل العدوى عن طريق الخطأ أو لقلة الاحتياط ومات المنقول إليه فإن ذلك قتل خطأ يستوجب الدية، وإن لم يمت المنقول إليه يعزر المتسبب في العدوى تعزيرًا مناسبًا.
стр. 15858
وتجب عليه كذلك كفارة لقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [النساء: ٩٢] . فهي واجبة لغير المحارب حتى ولو كان غير مسلم وإن عجز عن الصيام أطعم ستين مسكينًا قياسًا على كفارة الظهار والفطر العمد في رمضان.
وغني عن البيان أن ذلك لا يسقط عنه حد الجريمة التي ارتكبها في سبيل العدوى إذا كانت زنا أو لواطًا.
ففي حالة الجلد يتم جلده قبل تنفيذ حد نقل العدوى، وفي حالتي الرجم أو الإلقاء من شاهق يتحمل دية من مات بسبب نقل العدوى، وتجب على العاقلة وهم عصبة الجاني وذلك من باب التآزر، ولكي يأخذوا على الجاني فلا يقع في مثل هذا الخطأ.
حقوق الزوج المصاب وواجباته
أ- أثر الزواج في الحماية من هذا المرض.
ب- حكم الزواج من المصاب.
ج- حق المعاشرة بالنسبة للمصابين بهذا المرض.
د- حق السليم من الزوجين في طلب الفرقة.
أ- أثر الزواج في الحماية من هذا المرض:
لقد أثبتت الإحصاءات أن الممارسات الجنسية غير المشروعة بين أفراد الجنس الواحد أو الجنسين معًا لها الدور الأكبر في انتقال العدوى بفيروس الإيدز خاصة ممارسة الجنس في بيوت الدعارة حيث تكثر العدوى بالأمراض التناسلية الأخرى مما يزيد من خطورة نقل العدوى.
стр. 15859
ولهذا يدرك العقلاء حكمة الله تعالى في تحريم الإباحية وقصر قضاء الشهوة على طريق مأمون العواقب، وهو الزواج، واعتبار ذلك طريق المؤمنين الفالحين، والخروج عنه جريمة وتعديًا، حيث يقول سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٥) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (٦) فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾ [المؤمنون: ٥ – ٧]
وقد شدد الله النكير على من يقع في جريمة الزنا حيث جعل حده مائة جلدة إن كان غير محصن كما بينت الآية الكريمة: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور: ٢]
وإن كان محصنًا، وهو من سبق له زواج شرعي فحده الرجم حتى الموت لقوله ﷺ عقب نزوله الآية السابقة: ((خذوا عني، فقد جعل الله لهن سبيلًا، البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام، والثيب بالثيب جلد مائة والرجم)) . . . . (١) .
وشدد النكير كذلك على جريمة اللواط حيث جعل حدها القتل (بالحجارة أو الرمي من شاهق) في قوله ﷺ : ((من وجدتموه يعمل عمل قوم لوط فاقتلوا الفاعل والمفعول به)) . . . . (٢) .
ويدركون الحكمة كذلك في تسمية الزواج إحصانًا والمتزوج محصنًا في قوله تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ﴾ [النساء: ٢٤] وقوله: ﴿مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ﴾ [النساء: ٢٥] .
ولذا رغبنا الشرع في الزواج لأنه الطريق الوحيد لإرواء الغرائز وابتغاء النسل وتحقيق كرامة الإنسان، حيث بين لنا الله أن ذلك من سنن المرسلين في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً﴾ [الرعد: ٣٨] . وبينه الرسول ﷺ في قوله: ((أربع من سنن المرسلين: الحياء، والتعطر والسواك والنكاح)) (٣) .
стр. 15860
وعَدَّ الرسول ﷺ الزوجة الصالحة خير متاع الدنيا حيث يقول: ((الدنيا متاع، وخير متاعها المرأة الصالحة)) (١)
ويعتبره صلوات الله وسلامه عليه عبادة يستكمل بها المرء نصف دينه، حيث يقول: ((من رزقه الله امرأة صالحة فقد أعانه على شطر دينه فليتق الله في الشطر الباقي)) . . . . (٢) . وذلك لأن الزواج يعف المرء عن الزنا فيغلق بابًا من بابي الذنوب، وهو باب الفرج، لقوله ﷺ : ((من وقاه الله شر اثنتين له الجنة، ما بين لحييه (فكيه) وما بين رجليه)) (٣) .
وعلى ذلك، فالزواج نعمة من الله تستوجب الشكر، ولذا امتن الله علينا في قوله: ﴿وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ [الروم: ٢١] .
ومدح من يسأله من عباده الزوجة والذرية، حيث يقول: ﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ﴾ [الفرقان: ٧٤] .
وقد كلَّف الله الأمة أن تزوج من لا زوج له في قوله تعالى: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [النور: ٣٢] .
وشرع الله – على مر العصور – تعدد الزوجات ليكون صمام أمن من الوقوع في المحارم، حيث يقول سبحانه: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ [النساء: ٣] ، فقد قال العلماء في العلاقة بين فعل الشرط وجوابه في الآية الكريمة يا من تحذرون ظلم اليتامى احذروا الزنا وأمامكم الحلال الطيب من واحدة إلى أربع.