صاحب السمو الملكي:
أصحاب السماحة والفضيلة والمعالي:
إنه ليسرني أن أزف إلى المجمع الكريم بشرى إنجاز النسخة التجريبية من مشروع المكنز الشامل للفقه والأصول والآداب الشرعية، وتتضمن النسخة التجريبية التي أنجزت في نطاق التعاون بين وزارة الأوقاف الكويتية والبنك الإسلامي للتنمية عشرة من الكتب المعتمدة، وحملت في قرص ممغنط، وسيكتمل إدخال بقية الكتب المئة التي تستوعب عددا من المذاهب الفقهية في غضون خمسة أشهر بإذنه تعالى.
وسيتيح هذا المكنز للمجمع وباحثيه الاستفادة من هذه المصادر الفقهية عبر دليل ميسر للوصول إلى نحو تسعمائة ألف عنوان من عناوين المسائل الجزئية.
وباعتبار أن هذا المكنز مستوعب لنصوص أمهات الكتب الفقهية وتحليلها الموضوعي، فهو يتيح أقصى استفادة من الحاسب الآلي، ويوفر جهد العلماء ووقتهم إلى درجة كبيرة.
كما يؤمل أن يعين هذا المكنز الخبراء الاقتصاديين وسائر ذوي الاختصاص في فروع المعرفة المهتمين بصلة الفقه بتخصصاتهم، حيث يسهمون في بحث الحكم الشرعي إزاءها.
ويسعد البنك أن يعمل معكم في تكملة منافع هذا المكنز بدعم إنجاز مشروع أمانة المجمع بإنشاء معلمة وافية للقواعد الفقهية، متكاملة مع المكنز، وشاملة للضوابط والفوائد والأشباه والنظائر والفروق، وربط الأدلة بالأحكام الفقهية.
стр. 16067
وسيتيح البنك الإسلامي للتنمية مخاطبة قاعدة المعلومات الفقهية المذكورة عن طريق شبكة معلوماته، وذلك ضمن قواعد البيانات التي توفرها شبكة معلومات الدول الإسلامية لمراكز البحوث في الدول الأعضاء.
صاحب السمو الملكي:
أصحاب السماحة والفضيلة والمعالي:
إنه ليسعدني أن أجدد لسموكم الكريم عبارات الشكر على افتتاح هذا المؤتمر، كما يسرني أن أعبر عن صادق التقدير لمعالي الدكتور بكر بن عبد الله أبو زيد رئيس مجلس المجمع، ولسماحة الشيخ محمد الحبيب أبن الخوجة الأمين العام لمجمع الفقه الإسلامي , على حرصهم الدائب على تطوير أعمال المجمع.
وأتوجه إلى العلي القدير أن يسدد خطا مجلسكم الموقر لكل ما فيه خدمة الأمة للسير على هدي القرآن والسنة المطهرة.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
стр. 16068
كلمة
معالي رئيس مجلس المجمع
فضيلة الدكتور بكر بن عبد أبو زيد
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله والشكر له على ما أولانا وهدانا لعقد الدورة العاشرة لمجمع الفقه الإسلامي على أرض المملكة العربية السعودية في ضيافة خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبد العزيز آل سعود، ملك المملكة العربية السعودية، أجزل الله مثوبته، وأيده، ونصره ونصر به الحق، آمين. وتشريفه- حفظه الله- لافتتاح هذا المؤتمر في دورته العاشرة بنيابة صاحب السمو الملكي الأمير الموفق المسدد سعود بن عبد المحسن بن عبد العزيز آل سعود نائب أمير منطقة الحرم الحرام وفقه الله لكل خير ونصر به الحق، آمين.
ويأتي هذا المؤتمر العاشر في دورة المجمع العاشرة على تمام عشر دورات مضت؛ أربع منها عقدت في أقطار أربعة من العالم الإسلامي، في المملكة الأردنية الهاشمية، وفي دولة الكويت، وفي سلطنة بروناي دار السلام، وفي أبو ظبي، وست دورات منها عقدت على أرض المملكة العربية السعودية في ضيافة خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبد العزيز آل سعود- أيده الله- وليس ذلك غريبا على مقامه الكريم، وهو يحتضن الفقهية الإسلامية محليا ودوليا، ويدعمها ماديا ومعنويا، فجزاه الله خير الجزاء، ووفقه وولي عهده وسائر أعوانه إلى ما فيه صلاح البلاد والعباد, إنه على كل شيء قدير.
стр. 16069
صاحب السمو الملكي
الأمير سعود بن عبد المحسن بن عبد العزيز آل سعود
صاحب المعالي الأمين العام لمجمع الفقه الإسلامي
الشيخ محمد الحبيب ابن الخوجة
صاحب المعالي الأمين العام لرابطة العالم الإسلامي
الشيخ عبد الله بن صالح العبيد
صاحب المعالي رئيس البنك الإسلامي للتنمية
الدكتور أحمد محمد علي
أصحاب السماحة والمعالي والفضيلة
رجال المجمع أعضاءه وخبراءه وباحثيه.
تَحَدُّثًا بنعمة الله- تعالى- على هذه البلاد وعلى سائر بلاد العالم الإسلامي وجود هذا المجمع الذي أثرى الحياة العلمية بجوانب متعددة منها ما يزيد عن أربعمائة بحث أنتجت نحو مئة قرار في مختلف القضايا الفقهية, في أمل من آمال الأمة تزف به عاجل البشرى إلى المسلمين في علاج داء من أدوائها لتمسح عن الأمة عن محيا وجهها بعض ما ألَمَّ بها في بعض من قضاياها، لإخراجها من عنوستها والبحث عن الحلول والبدائل لها، كل هذه تجري - بحمد الله- على قال الله تعالى، قال رسوله ﷺ ، قال الصحابة رضي الله تعالى عنهم، قال التابعون لهم بإحسان المستضيئون بنور السنة والقران.
ولهذا، فهذا المجمع بحمد الله- وليس معصوما- لا مجال فيه للفتاوى الطائرة، التي تسلق فيها الفتاوى من غير بحث ولا روية ولا سداد رأي، ولا مجال فيه للفتاوى المغتصبة التي ينابذ فيه الإسلام ,ويهرع فيها إلى القول الشاذ، ولا مجال فيه إلى العود على قراراته بالنكث بعد الإبرام. هذه مسيرة مشى عليها المجمع، ولهذا اكتسبت قراراته الثقة في العالم الإسلامي على مستويات متعددة.
صاحب السمو الملكي:
أيها الجمع الكريم:
أبدي خالص الشكر والتقدير لجميع أعضاء هذا المجمع ورجاله وباحثيه وخبرائه والعاملين فيه، وفي مقدمتهم معالي الأمين العام لمجمع الفقه الإسلامي، الشيخ محمد الحبيب ابن الخوجة على ما أولاه ويوليه من تتبع دقيق لسير العمل في أمانة هذا المجمع، وحتى بلغت دوراته عشرا في عمره الذي بلغ نحو أربعة عشر عاما، وإنما النسيء هنا زيادة في الخير، والله يحفظنا وإياكم بالإسلام.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
стр. 16070
كلمة
معالي الدكتور محمد الحبيب ابن الخوجة.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
نحمدك اللهم ونشكرك، ونثني عليك ونذكرك، ونستعينك ونستغفرك، ونؤمن بك ولا نكفرك، ونصلي ونسلم على محمد عبدك ونبيك ورسولك ومصطفاك، الداعي إلى الحق وإلى صراط مستقيم، وعلى آله وصحبه.
حضرة صاحب السمو الملكي الأمير سعود بن عبد المحسن نائب أمير منطقة مكة المكرمة.
حضرة صاحب السعادة السفير الأستاذ محمد صالح الزعيمي
ممثل صاحب المعالي الدكتور عز الدين العراقي الأمين العام لمنظمة المؤتمر الإسلامي.
стр. 16071
حضرة صاحب المعالي الدكتور عبد الله بن صالح العبيد
الأمين العام لرابطة العالم الإسلامي.
حضرة صاحب المعالي الدكتور أحمد محمد علي رئيس البنك الإسلامي للتنمية.
حضرة صاحب السماحة الشيخ الدكتور بكر بن عبد الله أبو زيد رئيس مجلس المجمع.
حضرات أصحاب السماحة والفضيلة والمعالي والسعادة.
حضرات ضيوفنا الكرام:
السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته، وبعد:
باعد ما بين دورتينا الدورة التاسعة دورة أبو ظبي، ودورتنا الحالية العاشرة دورة جدة - عروس المملكة العربية السعودية، وبوابة الحرمين الشريفين - شملنا من جديد على بركة الله في هذه الدورة في نهاية شهرنا هذا شهر صفر الخير ١٤١٨. والأيام مهما طالت والشهور مهما تعددت وتوالت، لا يفت انصرامها في ساعد الجد، ولا تلحق بمجمعكم الموقر مللا ولا فتورا ولا وهنا، بل هي بحمد الله لا تزيد العاملين في رحابه والمنتسبين إليه إلا حماسا ومضاء وعزما.
стр. 16072
ودعما لهذه المسيرة، وحرصا على استمرارية الاجتهاد في القضايا المطروحة على الأمة جمعاء وعلى الإنسانية في هذا العصر، تجلت من جديد الرعاية السابغة والعناية البالغة من لدن خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبد العزيز آل سعود ملك المملكة العربية السعودية، حفظه الله بألطافه، وأمد في عمره وأيده ونصره, فأشرف على افتتاح الدورة العاشرة بتكليف صاحب السمو الملكي الأمير سعود بن عبد المحسن نائب أمير منطقة مكة المكرمة بإلقاء خطابه الشريف عنه، وقدم للمجمع كعادته منحة سنية تعينه على عقد مؤتمره، وتقديم ما لديه من بحوث ودراسات وقرارات وتوصيات ينتفع بها عامة المسلمين، بإذن الله، في شتى الميادين ومختلف مجالات الحياة.. وذلك شأن خادم الحرمين الشريفين- رعاه الله- مع سائر المؤسسات الإسلامية في أطراف العالم، حتى لقد أصبح لسانها مفضيا بما تكنه للمقام السامي من عرفان وامتنان، ومترجما عن بالغ تقديرها لجهوده في هذه السبيل، قائلا:
يا قوام الدين قدها صعبة
لم تكن تتبع من قبل الزماما
أنت فينا هضبة الله التي
زادها قرع المقادير التئاما
ويد للدهر موهوب لها
إن أساء الدهر يوما أو ألاما
كل يوم نعم مشفوعة
لاحقات وتوال وقدامى
стр. 16073
ولقد قطعنا المدة الفاصلة بين المؤتمرين، التي نحسبها طويلة، باجتماعات مفيدة ولقاءات مشهودة في أعمال جد نافعة، وبحوث ودراسات متنوعة هامة ومعتبرة، لها- إن شاء الله- بعيد الأثر في التنظيم والترتيب عن طريق شعبة التخطيط، وفي العطاء والبذل في مجالات النظر والفكر والاجتماع والسياسة، مما له مساس أو علاقة بالواقعات والتطورات وسير الأحداث في المجتمع العربي والإسلامي وفي سائر بلاد العالم.
وتتضح هذه الجهود باستعراض المحاور التي قامت عليها، والاهتمامات التي صرفت فيها، والأعمال التي حرص المجمع على الإعداد لها والوفاء بإنجازها.
وأول هذه المحاور الموسوعة الفقهية التي تناول فيها المجمع في اللجنة الخاصة بها؛ دراسة وبحث ثمانية وعشرين موضوعا من موضوعات الاقتصاد وفقه المعاملات في شكليهما المرجعي الثابت، والمستجد المتطور. وقد وزعت هذه الموضوعات التي لا نطيل بذكرها كلها على زمر ثلاث, تناولت الأولى منها الصرف وبيع الذهب، والاعتمادات المستندية، والحوالات المصرفية، والاستثمار في الأسهم، وعائد الاستثمار، وأذونات الخزانة، واقتطاع الاحتياطيات، وتوزيع الأرباح على المساهمين، وعقد التوريد. وقد تم في جميعها الاستكتاب والمراجعة للبحوث، وأقر منها للنشر بحث اقتصادي في الحوالات المصرفية، ومثله في الاعتمادات المستندية، وثالث في الاستثمار في الأسهم، وبحث شرعي اقتصادي في عقد التوريد. ولن نشرع في طبع هذه البحوث الموسوعية بإذن الله حتى نكون قد وفينا بمراجعة بحث الزمرة الثانية التي تعد قدرا مساويا لموضوعات الزمرة الأولى. وعينا للزمرة الثالثة وهي عشرة موضوعات- ضبطنا محاورها، وناقشناها بين أفراد لجنة الموسوعة- من سيعالجها من الباحثين الأخصائيين.
стр. 16074
أما المحور الثاني فهو جمع القواعد الشرعية العامة والمقاصد، والضوابط والقواعد الأصولية. وهذا الموضوع الهام المتميز الذي سيساعد على التفقه، وعلى دراية أدق وأوسع بموضوعات الفقه، فروعه ووسائله، في مختلف المذاهب، ويعين على الفتوى، وعلى تطبيق الأحكام على مناطاتها، والاهتداء إلى حكم الله في يسر في القضايا المستجدة والمعقدة؛ هو موضوع المعلمة الفقهية، التي يشارك الآن في إعدادها ثمانية عشر فقيهاً أصولياً. وقد تم استمداد تلك القواعد والمقاصد وما جرى مجراها من المبسوط للسرخسي، ومن الأم للشافعي، ومن كشاف القناع للبهوتي، ومن المغني لابن قدامة، ومن مقدمات وفتاوى ابن رشد الجد، ومن البيان والتحصيل له، ومن إيضاح المسالك. وبقي بين أيدي الباحثين والدارسين أكثر من أربعين مصنفاً حددت الآجال للحصول على نتائج النظر فيها، لنتمكن بعد مراجعتها من تكوين لجنة من أصحاب الاختصاص تتولى ضبط هذه الأعمال في جملتها، وترتيبها على أكمل وجه يتم به إنشاء المعلمة، ومحاولة تخزينها في الحاسوب، فينتفع الخاص والعام بالإفادة منها تعريفا وتفسيرا، والوقوف على التراث الفقهي الإسلامي في أدق مميزاته، والإطلاع على فلسفة التشريع الإسلامي في مختلف قضايا الفقه وأبوابه.
وأما المحور الثالث فهو عبارة عن الندوات الأربع التي عقدها المجمع هنا بجدة، وبكوالالمبور بماليزيا، وبالدار البيضاء بالمغرب:
стр. 16075
الندوة الأولى: كانت حول التضخم، أقيمت بالاشتراك بين مجمع الفقه الإسلامي بجدة ومصرف فيصل الإسلامي بالبحرين، وقد أنجز منها حلقتا عمل؛ الأولى بجدة ٢٨- ٧/٢٩/ ١٤١٦ هـ (٢٠- ٢١/ ١٢/ ١٩٩٥ م) ودارت بحوثها حول التضخم النقدي: مسبباته، أنواعه، آثاره. والثانية بكوالالمبور ٢٠- ٢١/ ٢/ ١٤١٧ هـ (٦- ٧/ ٧/ ١٩٩٦ م) وتناولت بالبحث التضخم وآثاره على المجتمعات.
الندوة الثانية: حول حقوق الإنسان. عقدت بجدة بين الثامن والعاشر من محرم ١٤١٧هـ/ ٢٥- ٢٧ مايو ١٩٩٦م. وهي متعددة المحاور:
تناول الأول منها: المحور التاريخي: حصر ودراسة حقوق الإنسان.
وتناول الثاني: النظرة التحليلية لحقوق الإنسان.
والثالث: تطور النظرة لحقوق الإنسان.
والرابع: التطلعات المعاصرة والمستقبلية لحقوق الإنسان.
وقد قدم لهذه الندوة ثلاثة عشر بحثا، واستعرض فيها إعلان القاهرة، وتوصيات ندوة الخبراء حول دور المرأة في تنمية المجتمع الإسلامي.
стр. 16076
كما جمعت كل الدراسات وما تبعها من مناقشات وما صدر عن الندوة من توصيات إعدادا لطبعها في أقرب فرصة ممكنة.
الندوة الثالثة: جمعت المستكتبين والأخصائيين في فن القواعد فيما بين ٢٣- ٢٥ شعبان ١٤١٧هـ/ ٤- ٦ يناير ١٩٩٧م. استعرض فيها ما أنجز من أعمال، ودار بين أعضائها نقاش ممتع ومفيد، كما صدرت عنها توصيات لتوجيه بعض الأعمال المعينة، وما سيستكتب فيه من موضوعات جديدة.
الندوة الرابعة: عقدها المجمع بالتعاون مع المنظمة الإسلامية للعلوم الطبية بالكويت في منتصف هذا الشهر بين ١٤-١٧ يونيو ١٩٩٧م بالدار البيضاء. وتناولت القضايا المستجدة والعبادية منظورا إليها من وجهات النظر الحكمي الطبي، ومن خلال آراء الفقهاء المبنية على التفاصيل المعروضة والحقائق العلمية التي دلت عليها الدراسات المتخصصة والبحوث. وقد تناول البحث جملة من القضايا التي سيطرح بعضها في مؤتمرنا هذا، وهي: الاستنساخ، والمفطرات، والمواد الإضافية في الغذاء والدواء، والاستحالة وضوابطها الشرعية.
ويمكن أن نضيف، بحمد الله، إلى هذه الإنجازات الكريمة إصدارات جديدة للمجمع، تتمثل في مؤلفين جليلين من تأليف وتحقيق سماحة الدكتور الشيخ بكر بن عبد الله أبو زيد، حفظه الله، الأول منهما (المدخل المفصل إلى فقه الإمام أحمد بن حنبل وتخريجات الأصحاب) ويقع في جزئين، والثاني تحقيق لكتاب (بلغة الساغب وبغية الراغب) للفخر ابن تيمية.
стр. 16077
وإنا بعد هذا العرض لجملة من نشاطات المجمع التي ملأت ما بين المؤتمرين التاسع والعاشر لنلفت نظر حضراتكم إلى طبيعة الموضوعات الجديدة المطروحة على هذه الدورة.
فمنها الشرعي الفقهي العبادي مثل الذبائح والطرق الشرعية للذكاة, وهي القضية التي مازال أهلونا من الجاليات الإسلامية بأوروبا وغيرها يلقون العنت لاختلاف السبل فيها، فيسائلون ويستفتون، ويتطلعون إلى حسم يزيل اللبس ويملأ النفوس طمأنينة.
ومنها المفطرات التي تزداد مع الأيام تعقيدا لما لها من علاقة وارتباط بأحوال المرضى وبطرق العلاج, فاحتاجت إلى مزيد من الدرس والتشاور مع أهل الذكر لتطبيق الأحكام الشرعية على الوجه المطلوب في ركن من أركان الدين وشعيرة من شعائر المسلمين.
ومنها مستجدات علمية وابتكارات ثورية كقضية الاستنساخ, وهي قضية الساعة التي أثارتها البحوث البيولوجية والاختراعات في مجال الهندسة الوراثية، ودفعت بالناس عامتهم وخاصتهم إلى التساؤل عنها، والرجم بالغيب فيها، وإبداء الرأي حولها, وهي تتطلب قبل كل شيء تجلية مواقف العلماء منها بما يكشف عن حقيقتها، ويرشد إلى منافعها، وينبه على مضارها، فيسلك الفقهاء فيها مسلكا ينسجم مع التقدم العلمي، ويسير على الهدي الديني يزن الاستنساخ بميزان الشرع.
стр. 16078
وموضوع العقود المستجدة وبيان ضوابطها، والتعريف بما يبرم من عقود منها، وهو موضوع اقتصادي معقد يتصل بواقعنا اليومي, فيحتاج من الفقهاء إلى إخضاعها لأحكام المعاملات في الإسلام مع توقي المحاذير، واجتناب المنهيات، والحرص على تحقيق المقاصد الشرعية ورعاية المصالح المعتبرة.
ولعلنا بعون الله وتوفيقه نضيف من نتائج هذه البحوث المعروضة في القضايا المطروحة، إلى ما توصلنا إليه من مكاسب وتحقيقات وأحكام صدرت بها عن المجمع قراراته وتوصياته السابقة، ما يزداد به النفع وتكمل به الفائدة للأمة قاطبة.
وفي ختام هذه الكلمة أغتنم فرصة افتتاح الدورة العاشرة لمجلسكم الموقر لأزجي الشكر مجددا لحضرة صاحب السمو الملكي على تفضله بتشريف هذا الاجتماع، وللتنويه بجهود معالي الدكتور عز الدين العراقي الأمين العام لمنظمة المؤتمر الإسلامي على ما يبديه من رعاية كريمة ومساندة قيمة للمجمع.
стр. 16079
ولا أغفل عن الإشادة بالتعاون العلمي الكبير القائم بين مجمعنا ومعهد البحوث والتدريب بالبنك الإسلامي للتنمية، ومع المنظمة الإسلامية للعلوم الطبية بالكويت، ومصرف فيصل الإسلامي بالبحرين. وإني لأشكر لسماحة الدكتور بكر بن عبد الله أبو زيد تجاوبه مع الأمانة العامة للمجمع، ودعمه ورعايته لمشاريعنا العلمية وأنشطتنا المجمعية, ولا أنسى أحدا من الشيوخ الفقهاء الأجلاء، والأساتذة العلماء الألباء، من أعضاء المجمع وخبرائه والاقتصاديين والأطباء، الذين يلتقون جميعهم في رحاب هذه المؤسسة في كل دورة على إيمان وهدى، وعلم وحكمة، وروية ودراية، واجتهاد وعمل صالح.
فما شئت من داع إلى الله مسمع
ومن ناصر للحق ماضي الضرائب
هم استخدموا الأملاك عزا وأرهفوا
بصائرهم بعد الردي والمعاطب
تساموا إلى العز الممنع وارتقوا
من المجد أنشاز الذرى والغوارب
على إرث مجد الأولين تعلقوا
ذوائب أعناق العلى والمناصب
فهنيئا لنا بكم، وطوبى لنا باجتماعكم. وحللتم أهلا ونزلتم سهلا، والله يسدد خطانا وخطاكم، ويمدنا ويمدكم بعونه وتوفيقه. نعم المولى ونعم النصير. وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
стр. 16080
بحث
أحكام الذبائح واللحوم المستوردة
إعداد
القاضي محمد تقي العثماني
قاضي محكمة النقض العليا بباكستان
مقدمة البحث
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسوله الكريم، وعلى آله وأصحابه أجمعين، وعلى كل من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد:
فإن الله أحل للمسلمين أن يأكلوا من لحوم الحيوانات الطيبة، وينتفعوا بأجزائها الأخرى، ولكن جعل هذا الحل خاضعا لأحكام شرعها في الكتاب والسنة، وإن هذه الأحكام ترجع إلى التنويه بأن الحيوان في أصله مثل الإنسان من حيث يوجد فيه الروح والإدراك، والحواس التي تبعث فيه الراحة والألم. ومن هذه الجهة، كان الأصل أن لا يباح للإنسان ذبحه وأكل لحمه، والانتفاع بأجزائه, ولكن الله سبحانه جعل الإنسان أشرف المخلوقات ومخدوما للكون، وخلق لصالحه جميع ما خلق، قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ اسْتَوَى إلى السَّمَاء فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٩] .
وبما أن أكل الحيوانات إنما أبيح على خلاف الأصل بمحض فضل من الله ، فقد جعله الله تعالى خاضعا لبعض الأحكام التعبدية، ينبئ الامتثال بها عن اعتراف العبد بأن حل الحيوان له نعمة من الله وفضل منه، وأنه لا يستحق الاستمتاع بمثله من الحيوان، والالتذاذ بأكله إلا بعد الاعتراف بهذه النعمة والشكر عليها، والالتزام بالطرق التي شرعها الله سبحانه لإزهاق روح الحيوان.
стр. 16081
ومن هنا، امتازت الشريعة الإسلامية عن الشرائع الأخرى في تحديد طرق الذبح، ووضع مبادئها وشرع أحكامها. فليست قضية ذبح الحيوان من الأمور العادية التي يتصرف فيها الإنسان كيفما يشاء حسب حاجته، أو مصلحته، أو حسبما يتيسر له دون أن يتقيد في ذلك بأصول وأحكام، وإنما هي من الأمور التعبدية التي يجب على المسلم الالتزام بأحكامها المبينة في الكتاب والسنة.
فما ذهب إليه المفتي محمد عبده وتلميذه الشيخ رشيد رضا من كون ذبح الحيوان من الأمور العادية التي يجوز أن يتصرف فيها الإنسان بكل حرية (١) ، خطأ صريح، وقول مصادم للنصوص الصريحة، ولقد صح عن رسول الله ﷺ أنه قال:
((من صلى صلاتنا، واستقبل قبلتنا، وأكل ذبيحتنا فذلك المسلم الذي له ذمة الله ورسوله)) .
وأصرح من ذلك رواية أخرى، ولفظها:
((أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فإذا قالوها, وصلوا صلاتنا، واستقبلوا قبلتنا، وذبحوا ذبيحتنا، فقد حرمت علينا دماؤهم وأموالهم إلا بحقها)) (٢) .
وقد قرن رسول الله ﷺ ذبح الذبيحة في هذا الحديث بالصلاة واستقبال القبلة، وجعله من ميزات الشريعة الإسلامية التي يمتاز بها المسلم عن غيره، ومن العلامات والشعائر التي تنبئ عن كون الرجل مسلماً، والتي يعصم بها دمه وماله. وأية شهادة أكبر من شهادة رسول الله ﷺ على أن ذبح الحيوان بالطريق المشروع من الأمور التعبدية، ومن شعائر الدين التي تدل على إسلام من يمارسه؟ ويقول الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى في شرح هذا الحديث:
(وفيه أن أمور الناس محمولة على الظاهر، فمن أظهر شعار الدين أجريت عليه أحكام أهله ما لم يظهر منه خلاف ذلك) (٣) .
ولولا أن ذبح الحيوان خاضع لأحكام خاصة، لجاز كل حيوان قتله وثني أو مجوسي أو دهري، ولما اقتصر الحل على ذبيحة مسلم أو كتابي. ومن الواضح أن الأغذية غير الحيوانية المصنوعة من النباتات وغيرها لا يشترط فيها أن يكون صانعها مسلما أو كتابيًا، بل يجوز تناول هذه الأغذية بقطع النظر عن ديانة صانعها، فلو كان الذبح من الأمور العادية التي لا تتقيد بأحكام تعبدية، لجاز أكل لحم الحيوان بقطع النظر عن ديانة الذابح, وهذا دليل على أن الأغذية الحيوانية لها وضع خاص في الشريعة الإسلامية، ولا بد لحلة تناولها أن تكون موافقة لأحكام الذبح المشروعة في الكتاب والسنة.
стр. 16082
ومن هنا أصبحت أحكام الصيد والذبائح من أهم أبواب الفقه الإسلامي، وقد بسط الفقهاء هذه الأحكام مستمدة من القرآن الكريم والسنة المطهرة، وآثار الصحابة والتابعين ﵃، بحيث لا يخلو كتاب من كتب الفقه، إلا وهو مشتمل على "كتاب الصيد والذبائح ".
ولا نريد في هذا البحث استقصاء هذه الأحكام، ولكن الغرض بيان مبادئها الأساسية، وتطبيقها على الأوضاع المعاصرة. وقد قسمنا هذا الموضوع على فصول آتية:
١- التذكية الشرعية وشروطها:
أ- طريق إزهاق الروح
ب- ذكر اسم الله تعالى عند الذبح
ج- كون الذابح مسلما أو كتابيا
٢- طرق الذبح المستخدمة في المسالخ الحديثة.
٣- حكم ما جهل ذابحه.
٤- حكم اللحوم المستوردة.
ونسأل الله التوفيق للسداد والصواب والهداية إلى ما يحبه ويرضاه.
стр. 16083
التذكية الشرعية وشروطها:
التذكية والذكاة في أصل اللغة بمعنى الإتمام، ومن ذلك الذكاء في السن والفهم وهو التمام (١) . وسمي الطريق المشروع للذبح ذكاة، لأنه يتم الشروط التي يباح بها أكل الحيوان. وفسر القرطبي ﵀، قول الله سبحانه في سورة المائدة: ﴿إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ بقوله: (أي أدركتم ذكاته على التمام) (٢) .
وذهب بعض العلماء إلى أن التذكية الشرعية مأخوذة من التذكية بمعنى التطييب، وهو من قولهم: (رائحة ذكية) ، والحيوان إذا أسيل دمه فقد طابت رائحته.
هذا بالنسبة لمعناها اللغوي, أما معناها الاصطلاحي، فقد ذكره القرطبي: أنه عبارة عن إنهار الدم وفري الأوداج في المذبوح، والنحر في المنحور، والعقر في غير المقدور عليه؛ مقرونا بنية القصد لله تعالى وذكره عليه (٣) .
وبما أن بعض الشروط التي ذكرها القرطبي في هذا التعريف مختلف فيها، فالأحسن في تعريف الذكاة أن يقال: (إزهاق روح الحيوان بالطريق المشروع الذي يجعل لحمه حلالا للمسلم) .
أما الشروط التي ذكرها الفقهاء للذكاة الشرعية، فإنها ترجع إلى ثلاثة عناصر، الأول: طريق إزهاق الروح، والثاني: ذكر اسم الله، والثالث: أهلية الذابح. فلنتكلم على هذه العناصر الثلاثة بشيء من التفصيل، والله المستعان.
стр. 16084
أ- طريق إزهاق الروح:
إن طريق إزهاق الروح الذي اعتبرته الشريعة الإسلامية كافيا لحصول الذكاة الشرعية يختلف باختلاف أنواع الحيوان، فالحيوان الذي هو غير مقدور عليه- إما لكونه وحشياً، وإما لكونه شاردا من الحيوانات الأليفة- يكفي فيه أن يجرح بأية آلة جارحة تنهر الدم حتى يموت، ولا يشترط له أن يذبح أو ينحر. وهذا النوع من الذكاة يسمى: ذكاة اضطرارية، وهي مشروعة في حالة الصيد، ولسنا بصدد بيان أحكامها في هذا البحث.
أما الحيوانات المقدور عليها، إما لكونها أليفة، أو لكونها سيطر عليها الإنسان من الحيوانات الوحشية، فالواجب فيها إنهار الدم عن طريق فري الأوداج, والعمدة في ذلك النصوص الآتية:
(١) - عن رافع بن خديج، ﵁، في حديث طويل، أن جده ((سأل رسول الله ﷺ : أفنذبح بالقصب؟ فقال رسول الله ﷺ : ما أنهر الدم وذكر اسم الله فكل)) (١) . وكان السؤال عن الذبح، والذبح قطع الأوداج كما فسره عطاء فيما علق عنه البخاري (٢) ، فدل مجموع السؤال والجواب على أن الذكاة الشرعية تحصل بقطع الأوداج بما يسبب إنهار الدم.
(٢) - عن ابن عباس وأبي هريرة، ﵄، قالا: ((نهى رسول الله ﷺ عن شريطة الشيطان، وهي التي تذبح، فيقطع الجلد ولا تفرى الأوداج، تترك حتى تموت)) (٣) .
стр. 16085
وقال ابن الأثير ﵀: "الشريطة: الناقة ونحوها التي شرطت، أي أثر في حلقها أثر يسير كشرطة الحجام، من غير قطع الأوداج، ولا إجراء الدم، وكان هذا من فعل الجاهلية، يقطعون شيئا يسيرا من حلقها، فيكون ذلك تذكيتها عندهم. وإنما أضافها إلى الشيطان، كأن الشيطان حملهم على ذلك". (١)(٣) - عن عدي بن حاتم الطائي رضي عنه قال: ((قلت: يا رسول الله، إن أحدنا أصاب صيدا، وليس معه سكين، أيذبح بالمروة وشقة العصا؟ فقال: "أمرر الدم بما شئت، واذكر اسم الله ) (٢) ، وأخرجه النسائي، ولفظه: إني أرسل كلبي فآخذ الصيد، فلا أجد ما أذكيه به، فأذبحه بالمروة والعصا، قال: "أنهر الدم بما شئت، واذكر اسم الله " (٣)(٤) - عن عبد الله بن عباس ﵄ أنه قال: "ما فرى الأوداج فكله" (٤)
стр. 16086
وعلى أساس هذه الأحاديث وأمثالها اشترط الفقهاء لشرعية الذبح أن تقطع الأوداج. والأوداج جمع الودج- بفتحتين- وهو عرق في العنق، وهما في الأصل ودجان، قال ابن منظور ناقلا عن ابن سيده: (الودجان: عرقان متصلان من الرأس إلى السحر، والجمع أوداج) (١) ولكن توسع بعض الفقهاء في استعمال هذه الكلمة بما يشمل الحلقوم والمريء. قال الكاساني: (ثم الأوداج أربعة؛ الحلقوم والمريء، والعرقان اللذان بينهما الحلقوم والمريء) (٢) والحلقوم مجرى النفس، والمريء مجرى الطعام. ولا خلاف في أن الأكمل قطع هذه الأربعة جميعاً؟ الحلقوم، والمريء، والودجين (٣) ولكن اختلف الفقهاء فيما إذا قطع بعضها دون بعض على أقوال:
فقال الشافعي ﵀: يجب قطع الحلقوم والمريء، وإن ذلك يكفي للذكاة ولو لم يقطع من الودجين شيئا (٤)
واختلفت الروايات عن مالك، والراجح عندهم فيما هو مذكور في كتبهم أنه يجب قطع الحلقوم والودجين، ولا يجب قطع المريء (٥)
стр. 16087
واختلفت الروايات كذلك عن أحمد بن حنبل، ﵀، فعنه رواية موافقة لقول الشافعي، ورواية أخرى أنه يجب قطع الودجين مع الحلقوم والمريء، فكأنه اشترط قطع الأربعة جميعا (١)
وقال الإمام أبو حنيفة، ﵀: إذا قطع الثلاثة- أية ثلاثة كانت-وترك واحدا يحل الحيوان. وقال أبو يوسف: لا يحل حتى يقطع الحلقوم والمريء وأحد العرقين. وقال محمد: لا يحل حتى يقطع من كل واحد من الأربعة أكثره (٢)
وبالرغم من اختلاف الفقهاء في هذه التفاصيل الجزئية، فإنهم اتفقوا
على أن محل الذكاة الاختيارية هو الحلق واللبة، ولا بد من قطع أكثر من واحد من هذه الأربعة. والظاهر أن من اشترط قطع أحد الودجين على الأقل، فإن قوله هو الراجح، لأن إنهار الدم بكامله إنما يتحقق بقطع الودج الذي هو مجرى الدم. قال القرافي رحمه الله تعالى: (٣) "ويؤكده قوله ﵇: ((ما أنهر الدم وذكر اسم الله فكل)) . وإنهار الدم إنما يكون من الأوداج، وأصل الإنهار: السعة، ومنه النهر، لاتساعه للماء، والنهار، لاتساع الضوء فيه".
стр. 16088
ووجه قول الإمام أبي حنيفة أن قطع الثلاثة من العروق الأربعة يقوم مقام الكل، على أن للأكثر حكم الكل فيما بني على التوسعة في أصول الشرع، والذكاة بنيت على التوسعة، حيث يكتفي فيها بالبعض بلا خلاف بين الفقهاء، وإنما اختلفوا في الكيفية، فيقام الأكثر فيها مقام الجميع (١)
آلة الذبح:
واتفق الفقهاء على أنه يجب للذكاة الشرعية أن تكون آلة الذبح محددة, تقطع أو تخرق بحدها لا بثقلها، ولا يجب أن تكون سكينا، بل يجوز الذبح بكل ما له حد، سواء كان من الحديد أم من الحجر أم الخشب. والدليل على ذلك ما أخرجه الشيخان وغيرهما من حديث رافع بن خديج ﵁: ((قلت: يا رسول الله! إنا ملاقو العدو غدًا وليس معنا مدى، أفنذبح بالقصب؟ قال: "ما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه فكلوه، ليس السن والظفر)) (٢)
وقد مر حديث عدي بن حاتم، ﵁، حيث سأل رسول الله ﷺ عن الذبح بالمروة وشقة العصا، فقال: ((أمرر الدم بما شئت)) . ولكن الأحاديث كلها متفقة على أنه يجب إنهار الدم بما يقطع ويخرق. ووجوب كون الآلة محددة كلمة إجماع فيما بين الفقهاء المتبوعين، غير أنهم اختلفوا في السن والظفر، فذهب الأئمة الحجازيون إلى عدم جواز الذبح بهما، سواء كانا متصلين بالجسم أو منفصلين، وذلك لعموم حديث رافع بن خديج ﵁ الذي مر آنفا، وقد استثنى فيه رسول الله ﷺ السن والظفر. أما أبو حنيفة، ﵀: فحمل الحديث على السن والظفر إذا كانا قائمين في الجسم، لأن الموت حينئذ يحصل بالخنق. أما إذا كانا مقلوعين، فتحصل منهما الذكاة مع الكراهة (٣)
стр. 16089
إزهاق الروح بغير قطع الأوداج:
أما إزهاق الروح بغير فري الأوداج، فلا تحصل به الذكاة الشرعية في الحيوان المقدور عليه، واتفق على ذلك الفقهاء. وقال الله : ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣) ﴾ [المائدة: ٣] .
وقال ابن كثير ﵀ في تفسيره: "والمنخنقة، وهي التي تموت بالخنق، إما قصدا، وإما اتفاقا، بأن تتخبل في وثاقتها فتموت به، فهي حرام. وأما الموقوذة، فهي التي تضرب بشيء ثقيل غير محدد حتى تموت، كما قال ابن عباس وغير واحد: هي التي تضرب بالخشبة حتى يوقذها فتموت. قال قتادة: كان أهل الجاهلية يضربونها بالعصي، حتى إذا ماتت أكلوها. وفي الصحيح أن عدي بن حاتم قال: قلت: يا رسول الله! إني أرمي بالمعراض (١) الصيد، فأصيب، قال: ((إذا رميت بالمعراض فخزق (٢) فكله، وإن أصاب بعرضه فإنما هو وقيذ، فلا تأكله)) (٣) ففرق بين ما أصابه بالسهم أو بالمزراق ونحوه بحده فأحله، وما أصاب بعرضه فجعله وقيذا لم يحله، وهذا مجمع عليه عند الفقهاء ... وأما المتردية فهي التي تقع من شاهق أو موضع عال فتموت بذلك فلا تحل. قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: المتردية: التي تسقط من جبل.
стр. 16090
وقال قتادة: هي التي تتردى في بئر، وقال السدي: هي التي تقع من جبل أو تتردى في بئر. وأما النطيحة، فهي التي ماتت بسبب نطح غيرها لها فهي حرام، وإن جرحها القرن وخرج منها الدم، ولو من مذبحها ...
﴿وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ﴾ أي ما عدا عليها أسد أو فهد أو نمر أو ذئب أو كلب فأكل بعضها فماتت بذلك، فهي حرام، وإن كان قد سأل منها الدم ولو من مذبحها، فلا تحل بالإجماع، وقد كان أهل الجاهلية يأكلون ما أفضل السبع من الشاة أو البعير أو البقرة أو نحو ذلك، فحرم الله ذلك على المؤمنين. وقوله: ﴿إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ عائد على ما يمكن عوده عليه مما انعقد سبب موته، فأمكن تداركه بذكاة، وفيه حياة مستقرة، وذلك إنما يعود على قوله: ﴿وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ﴾ قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله: إلا ما ذكيتم، يقول: إلا ما ذبحتم من هؤلاء، وفيه روح فكلوه، فهو ذكي. وكذا روي عن سعيد بن جبير، والحسن البصري والسدي ".
وتبين بهذه الآية الكريمة أن الحيوان إنما يحل إذا وقع إزهاق روحه بالذكاة الشرعية، ولا يحل بالخنق أو الوقذ ولا بأن يسيل دمه بأي طريق كان، لأن النطيحة ربما يسيل الدم من مذابحها، وكذلك ما قتله السبع، ولكن صرح القران الكريم بحرمتهما، فظهر بذلك أن الحيوان لا يحل بمجرد سيلان الدم، ولو من مذابحه، وإنما يجب أن يسيل الدم بطريق شرعه الله للتذكية.
стр. 16091
ب- التسمية عند الذبح:
ذهب جمهور الفقهاء إلى أنه يجب للذكاة الشرعية أن يذكر الذابح اسم الله تعالى عند الذبح، فإن ترك التسمية عمدا فلا تحل ذبيحته عند أبي حنيفة ومالك وأحمد وجمهور الفقهاء، وأما إذا نسيها فالذكاة معتبرة عند الحنفية والمالكية، ولا فرق عندهم في هذا بين الذبيحة والصيد. أما عند الحنابلة، فالنسيان معفو عنه في الذكاة الاختيارية فقط. أما في الصيد فلا تعتبر الذكاة إذا لم يذكر الصائد اسم الله عند إرسال السهم أو الكلب، سواء أتركها عمدا أم نسيان (١)
أما الإمام الشافعي ﵀ فالمشهور عنه أن التسمية ليست واجبة عنده، وإنما هي سنة (٢) فتحل الذبيحة وإن تركها الذابح عمدا, ولكن الذي يظهر من مراجعة كتاب الأم للشافعي أنه لم يصرح بحل متروك التسمية عمدا، وإنما صرح يحل ما نسي الذابح ذكر الله عليه, وعبارته ما يلي:
"وإذا أرسل الرجل المسلم كلبه أو طائره المعلمين أحببت له أن يسمي، فإن لم يسم ناسيا فقتل أكل، لأنهما إذا كان قتلهما كالذكاة، فهو لو نسي التسمية في الذبيحة أكل، لأن المسلم يذبح على اسم الله وإن نسي" (٣)
стр. 16092
ثم إن الإمام الشافعي ﵀ صرح فيما بعد بأن من يترك التسمية عند الذبح استخفافا لا يحل أكل ذبيحته، فقد ذكر ﵀ في معرض ما هو مسَلَّم عنده:
"أن المسلم إن نسي اسم الله تعالى أكلت ذبيحته، وإن تركه استخفافاً لم تؤكل ذبيحته" (١)
وقد صرح بعض العلماء بأن الفقهاء أجمعوا على ذلك. فقد جاء في التفسير المظهري نقلا عن شرح المقدمة المالكية:
"وكل هذا في غير المتهاون، وأما المتهاون فلا خلاف أنها لا تؤكل ذبيحته تحريماً، قاله ابن الحارث والبشير؛ والمتهاون هو الذي يتكرر منه ذلك كثيرا، والله أعلم" (٢)
وهذه العبارات تدل على أن مذهب الإمام الشافعي ﵀ ليس على إطلاق الحل فيما تعتمد ترك التسمية عليه، وإنما تحرم الذبيحة عنده إذا ترك عليها التسمية تهاونا واستخفافا، وجعله الرجل عادة له. ومفاد ذلك أن حكم الحل مقتصر عنده على من ترك التسمية مرة أو مرتين اتفاقا، لا تهاونا واستخفافا، وفي تلك الصورة أيضا لا يخلو ذلك من كراهة، لأنه قال:"أحببت له أن يسمي". وقد صرح الفقهاء الشافعية بأن ترك التسمية عمدا مكروه، وأنه يأثم به التارك (٣)
стр. 16093
وبهذا ظهر أن متروك التسمية عمدا حرام عند الحنفية والمالكية والحنابلة، وحرام عند الشافعي، ﵀، أيضا إذا كان ذلك استخفافا وتهاونا، وصار كالعادة للذبائح. وما وقع اتفاقا فإنه لا يحكم بحرمته عنده، ولكنه لا يخلو من كراهة. وهذه الرخصة أيضا لا تساندها نصوص القرآن والسنة، حيث تضافرت الآيات والأحاديث على اعتبار التسمية ركناً من أركان الذكاة الشرعية. قال الله : ﴿وَلاَ تَأْكُلُواْ مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إلى أَوْلِيَآئِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾ ٍ. [الأنعام: ١٢١]
وأية عبارة أصرح على كون متروك التسمية حراماً من هذه الآية الكريمة الواضحة التي ليس فيها إجمال ولا خفاء؟ فإن فيه نهياً صريحاً، والنهي يقتضي التحريم، ولم يكتف القرآن بصيغة النهي، بل أتبعها بقوله ﴿وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ [الأنعام: ١٢١] بما يقطع كل شبهة في هذا الباب. وليست هذه الآية هي الآية الوحيدة في القرآن الكريم، التي تدل على كون التسمية ركنا من أركان الذكاة، وإنما جاءت في القرآن الكريم آيات كثيرة تدل على ذلك، فمنها الآيات الآتية:
(١) ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُم مِّنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللهُ فَكُلُواْ مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُواْ اسْمَ اللهِ عَلَيْهِ وَاتَّقُواْ اللهَ إِنَّ اللهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ [المائدة: ٤] .
(٢) ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكًا لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُم مِّن بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ﴾ [الحج: ٣٤] .
(٣) ﴿وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُم مِّن شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُون﴾ [الحج: ٣٦] .
(٤) ﴿وَقَالُواْ هَذِهِ أَنْعَامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ لاَّ يَطْعَمُهَا إِلاَّ مَن نّشَاء بِزَعْمِهِمْ وَأَنْعَامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُهَا وَأَنْعَامٌ لاَّ يَذْكُرُونَ اسْمَ اللهِ عَلَيْهَا افْتِرَاء عَلَيْهِ سَيَجْزِيهِم بِمَا كَانُواْ يَفْتَرُونَ﴾ [الأنعام: ١٣٨] .
(٥) ﴿وَمَا لَكُمْ أَلاَّ تَأْكُلُواْ مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُم مَّا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلاَّ مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ وَإِنَّ كَثِيرًا لَّيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِم بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ﴾ [الأنعام: ١١٩] .
стр. 16094
وهذه الآيات كلها تدل بأساليب مختلفة أن ذكر اسم الله تعالى من أهم العناصر التي تحل للمسلم أكل لحم الحيوان، ولم يكتف القرآن ببيان ذلك في آية أو آيتين، وإنما ذكر هذا الركن في كل من الذبيحة والصيد والأضحية بصفة مستقلة، وأنكر على من يتركه إنكارا بليغا، فجعله افتراء على الله، وأنكر أيضاً على من لا يستحل الذبيحة التي ذكر اسم الله عليها، بما يدل على أنه من أعظم الشروط للذكاة الشرعية.
وكذلك تكاثرت الأحاديث التي ذكر فيها رسول الله ﷺ التسمية في معرض الأركان التي يجب توافرها لحلة الذبيحة والصيد، وانظر الأحاديث الآتية:
(١) عن رافع بن خديج ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((ما أنهر الدم وذكر اسم الله فكل)) (١)(٢) عن عبد الله بن عمر ﵁, عن رسول الله ﷺ أنه لقي زيد بن عمرو بن نفيل بأسفل بلدح، وذاك قبل أن ينزل على رسول الله ﷺ الوحي، فقدمت إلى النبي ﷺ سفرة، فأبى أن يأكل منها، ثم قال زيد: إني لست آكل مما تذبحون على أنصابكم، ولا آكل إلا ما ذكر اسم الله عليه (٢)
وهذا دليل على أن حرمة متروك التسمية كانت من جملة شريعة إبراهيم ﵇.
(٣) عن جندب بن سفيان البجلي، قال: ((ضحينا مع رسول الله ﷺ أضحاة ذات يوم، فإذا أناس قد ذبحوا ضحاياهم قبل الصلاة، فلما انصرف رآهم النبي ﷺ أنهم قد ذبحوا قبل الصلاة, فقال: من ذبح قبل الصلاة فليذبح مكانها أخرى، ومن كان لم يذبح حتى صلينا فليذبح على اسم الله.)) (٣)
стр. 16095
(٤) عن عباية بن رفاعة، عن جده أن النبي ﷺ قال: ((ما أنهر الدم وذكر اسم الله فكل)) (١)(٥) عن أبي ثعلبة الخشني ﵁ أنه سأل رسول الله ﷺ أسئلة، فأجاب رسول الله ﷺ عن سؤاله في الصيد، فقال: ((فما صدت بقوسك فأذكر اسم الله وكل، وما صدت بكلابك المعلمة فاذكر اسم الله وكل)) (٢)(٦) عن عدي بن حاتم ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: ((إذا أرسلت كلابك المعلمة وذكرت اسم الله فكل مما أمسكن عليك)) (٣)(٧) عن عدي بن حاتم قال: ((قلت: يا رسول الله إني أرسل كلبي أجد معه كلباً آخر، لا أدري أيهما أخذه؟ فقال: لا تأكل، فإنما سميت على كلبك، ولم تسم على غيره)) (٤)(٨) وعنه ﵁ مرفوعا: "وإذا خالط كلابا لم يذكر اسم الله عليها فأمسكن فقتلن فلا تأكل " (٥)
ٍ (٩) وعنه ﵁ قال: قلت: يا رسول الله إن أحدنا أصاب صيدا وليس معه سكين، أيذبح بالمروة وشقة العصا؟ قال: "أمرر الدم بما شئت واذكر اسم الله ". (٦)
стр. 16096
وإن هذه النصوص من الكتاب والسنة تدل على مدى التأكيد والتركيز على ذكر اسم الله تعالى عند الذبح, وإن النص الواحد من هذه النصوص كان كافيا لبيان أن التسمية ركن من أركان الذبح، ولكن الشارع لم يكتف ببيان هذا الحكم مرة واحدة، وإنما جاء به مرارا وتكرارا في عدة مناسبات وبأساليب مختلفة، وما ذلك إلا لأهميته البالغة، ولكونه شرطاً قطعيا لحصول الذكاة الشرعية في الحيوان.
وإن الحالة الوحيدة التي استثنيت من وجوب التسمية هي حالة النسيان. قال الجصاص رحمه الله تعالى:
"إن ترك التسمية ناسياً لا يمنع صحة الذكاة، من قبل أن قوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ خطاب للعامد دون الناسي، ويدل عليه قوله تعالى في نسق التلاوة: ﴿وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ وليس ذلك صفة للناسي، ولأن الناسي في حال نسيانه غير مكلف بالتسمية، وروى الأوزاقي عن عطاء بن أبي رباح، عن عبيد بن عمير، عن عبد الله بن عباس، قال: قال رسول الله ﷺ : ((تجاوز الله عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه)) . وإذا لم يكن مكلفاً للتسمية فقد أوقع الذكاة على الوجه المأمور به فلا يفسده ترك التسمية. وغير جائز إلزامه ذكاة أخرى لفوات ذلك منه، وليس ذلك مثل نسيان تكبيرة الصلاة، أو نسيان الطهارة ونحوها، لأن الذي يلزمه بعد الذكر هو فرض آخر، ولا يجوز أن يلزمه فرض آخر في الذكاة لفوات محلها" (١)
стр. 16097
ويدل على ذلك أيضاً ما أخرجه الدارقطني والبيهقي عن ابن عباس ﵄: أن النبي ﷺ قال: ((المسلم يكفيه اسمه، فإن نسي أن يسمى حين يذبح فليسم، وليذكر اسم الله ثم ليأكل)) (١) ذكره الحافظ في التلخيص، ثم قال: وقد صححه ابن السكن (٢) وقد أعله بعض المحدثين بمعقل بن عبد الله، ومحمد بن يزيد بن سنان. ولكن معقل بن عبد الله من رجال مسلم، ومحمد بن يزيد بن سنان وثقه ابن حبان والنفيلي ومسلمة, (٣) وقد أخرج عبد بن حميد عن راشد بن سعد مرسلا أن النبي ﷺ قال: ((ذبيحة المسلم حلال سمي أو لم يسم، ما لم يتعمد، والصيد كذلك)) ذكره السيوطي في الدر المنثور. (٤)
وهذه الروايات المرفوعة مؤيدة بما علقه البخاري عن ابن عباس موقوفا قال: " من نسي فلا بأس ". (٥) ووصله الدارقطني، وسعيد بن منصور وغيره، ثم قال الحافظ: "وسنده صحيح " (٦)
وبإزاء النصوص المتكاثرة التي تدل على وجوب التسمية عند الذبح، ما يستدل به الشافعية على عدم وجوبها لا يداني هذه النصوص في الثبوت والدلالة.
فمثلا: استدل بعضهم بقول الله تعالى: ﴿إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ قائلين: إن الله أطلق التذكية ولم يقيده بالتسمية، فظهر أنها غير واجبة. والجواب عن هذا الاستدلال واضح، وهو أن التذكية لها مفهوم معين في الشريعة، وقد دلت النصوص التي أسلفناها على أنها لا تحصل إلا بالتسمية، فالتسمية داخلة في مفهوم التذكية الشرعي، كما أن فري الأوداج داخل فيه. فذكر الله سبحانه التذكية كمفهوم كلي يشمل جميع أركانه الشرعية الثابتة بغيرها من النصوص، ومن جملتها التسمية، فالتسمية ملحوظة في قول الله : ﴿إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ .
стр. 16098
وكذلك استدل بعضهم بما أخرجه البخاري من حديث عائشة ﵂: ((أن قوما قالوا للنبي ﷺ : إن قوما يأتوننا بلحم لا ندري أذكر اسم الله عليه أم لا؟ فقال: "سموا عليه أنتم وكلوه ". قالت: وكانوا حديثي عهد بالكفر)) (١)
ولكن هذا الحديث لا يتم به الاستدلال على حلة ما علم فيه باليقين أن ذابحه ترك التسمية عمدا، لأن غاية هذا الحديث حمل فعل المسلم على الوجه الصحيح، ومفاده أن المسلم إن قدم لحماً أو طعاماً، فالظاهر أنه حلال مذبوح بطريقة مشروعة، فيحمل على الظاهر، ونحن مأمورون بإحسان الظن بكل مسلم، فلا يجب البحث عن طريقة ذبحه، ما لم يتبين أنه ذبحه بطريقة غير مشروعة. وإن هؤلاء القوم الذين وقع السؤال عنهم كانوا مسلمين، وإن كانوا حديثي عهد بالكفر، كما صرحت به عائشة، فأمر رسول الله ﷺ بحمل فعلهم على الظاهر، وهو أنهم ذكروا اسم الله عليه، ولا يلزم منه حل الذبيحة إذا تيقن الرجل بأن ذابحها ترك التسمية متعمدا. ومن البديهي أن هذا الحديث صريح في أن السؤال إنما كان عن حالة لا نعلم فيها بيقين أن الذابح المسلم سمي على الذبيحة أو لم يسم؛ وهذا هو الواقع الذي يقع لمعظم المسلمين في اللحم الذي يوجد في أسواق المسلمين، فإننا لم نشاهد الذين ذبحوه هل سموا عند الذبح أم لا؟ فالحديث يبين حكم هذه الحالة، وأين ذلك من الحالة التي نعلم فيها بيقين أن الذابح ترك التسمية عن قصد وعمد؟ وكيف تقاس الحالة الثانية على الأولى؟
стр. 16099
وقد يستدل بعضهم بما رواه أبو داود في مراسيله عن الصلت السدوسي مرسلا, أن رسول الله ﷺ قال: ((ذبيحة المسلم حلال، ذكر اسم الله أو لم يذكر، إن ذكر لم يذكر إلا اسم الله)) (١) ، وهذا الحديث مروي عن الصلت السدوسي، وهو مجهول، كما قال ابن حزم وابن القطان: إنه لا يعرف بغير هذا الحديث، ولا روي عنه غير ثور بن يزيد (٢) فإسناده لايخلو من ضعف، ولئن ثبت بطريق صحيح، فيمكن حمله على ترك التسمية في حالة النسيان، وذلك لتطبيقه على النصوص المتظاهرة المتكاثرة التي تدل على وجوب التسمية، وعلى أن ما ترك عليه التسمية عمدا حرام.
ومن أجل هذه الدلائل القوية، رجح بعض العلماء الشافعية قول الجمهور في هذا الباب. قال الحافظ ابن حجر ﵀:"وقواه الغزالي في الإحياء محتجا بأن ظاهر الآية الإيجاب مطلقاً وكذلك الأخبار، وأن الأخبار الدالة على الرخصة تحتمل التعميم وتحتمل الاختصاص بالناسي فكان حمله عليه أولى، لتجري الأدلة كلها على ظاهرها، ويعذر الناسي دون العامد". ولم يعقبه الحافظ بشيء (٣) وقد ذكر عبارة الغزالي ﵀ في باب ذبيحة الأعراب، ويظهر من صنيعه أنه مائل أيضا إلى ترجيح قول الجمهور في وجوب اشتراط التسمية، حيث ذكر قول الغزالي ﵀ في ختام البحث، وضعف الحديث الذي استدل به على جواز متروك التسمية (٤)
стр. 16100
جـ- شروط في الذابح:
ومن الشروط المهمة لحصول التذكية الشرعية أن يكون الذابح مسلما أو كتابيا، على كونه عاقلا مميزا، فلا تجوز ذبيحة غير أهل الكتاب من الكفار والمشركين، وهذا الشرط قد اتفق عليه الفقهاء، لا نعلم بينهم في ذلك خلافا، حتى حكى بعض العلماء الإجماع على ذلك (١) وإن معنى تحريم ذبيحتهم أن الكافر من غير أهل الكتاب -وإن ذبح ذبح المسلمين- فإنه لا تؤكل ذبيحته، قال الجصاص ﵀: "وقد علمنا أن المشركين وإن سموا على ذبائحهم لم تؤكل". (٢)
ولقد شذ بعض المعاصرين، فقصر الحرمة على ذبيحة الوثنيين من أهل العرب، وأباح ذبيحة سائر الكفار غيرهم، سواء أكانوا وثنيين، أم ملحدين، أم دهريين، أم عبدة النار. وهذا قول خاطئ لا عهد به في الكتاب والسنة، ولا في أقوال السلف رحمهم الله تعالى، وإنما اشتبه الأمر عليهم بما زعموا أنه لا يوجد هناك نص صريح في الكتاب أو السنة يدل على أن ذبيحة غير أهل الكتاب من الكفار حرام، والأصل في الأشياء الإباحة، فلا يقال بحرمتها إلا بالنص (٣)
стр. 16101
والواقع أن الأصل في الحيوانات الحرمة، ولا تحل إلا بما جاءت الشريعة بحله , والدليل على ذلك ما مر من حديث عدي بن حاتم ﵁: " قلت: يا رسول الله، إني أرسل كلبي أجد معه كلبا آخر، لا أدري أيهما أخذه؟ فقال ((لا تأكل، فإنما سميت على كلبك، ولم تسم على غيره)) (١) فهذا الحديث يدل على أنه متى وقع الشك في حصول الذكاة الشرعية واستوى الاحتمالان، حرم أكل الحيوان، وهو دليل على أن الأصل في الحيوان الحرمة، فإنه لو كان الأصل الإباحة لما حرم الحيوان في حالة الشك.
ثم إن قول الله سبحانه قد خص الحل بذبيحة أهل الكتاب حيث قال: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ [المائدة: ٥] ، ولو كان طعام جميع الكفار حلالا لما خضهم بالذكر, وليس هذا استدلالا بمفهوم اللقب، كما زعمه بعض المعاصرين، وإنما هو رجوع في المسكوت عنه إلى الأصل، وهو الحرمة في الحيوان كما قدمنا.
стр. 16102
فالصحيح الذي أجمعت عليه الأمة طوال القرون أنه لا تحل الذبيحة للمسلمين إلا إذا كان الذابح مسلما أو من أهل الكتاب، والمراد بأهل الكتاب؛ اليهود والنصارى، وهناك بعض أقوال شاذة في اعتبار المجوس من أهل الكتاب استدلالا بقول رسول الله ﷺ : ((سنوا بهم سنة أهل الكتاب)) (١) ولكن الصحيح أن هذا الحديث إنما يتعلق بأخذ الجزية منهم، فإن الحديث ورد في هذا الموضوع, وإن سيدنا عمر بن الخطاب ﵁ كان مترددا في أنه هل تؤخذ منهم الجزية، حتى أخبره عبد الرحمن بن عوف ﵁ بهذا الحديث، فأخذ الجزية من المجوس. روى مالك في الموطأ عن محمد بن علي أن عمر بن الخطاب ﵁ ذكر المجوس فقال: ما لك كيف أصنع في أمرهم؟ فقال عبد الرحمن بن عوف: أشهد لسمعت رسول الله ﷺ يقول: ((سنوا بهم سنة أهل الكتاب)) (٢)
واستدل الجمهور على اقتصار لقب أهل الكتاب على اليهود والنصارى بقول الله : ﴿أَن تَقُولُواْ إِنَّمَا أُنزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَآئِفَتَيْنِ مِن قَبْلِنَا وَإِن كُنَّا عَن دِرَاسَتِهِمْ لَغَافِلِينَ﴾ [الأنعام: ١٥٦]
وبأن رسول الله ﷺ ما عد المجوس من جملة أهل الكتاب، وإنما قال: ((سنوا بهم سنة أهل الكتاب)) ، يعني في أخذ الجزية، فتبين أنهم ليسوا من أهل الكتاب، وإنما يعاملون معاملة أهل الكتاب في قبول الجزية منهم.
стр. 16103
مسألة ذبائح أهل الكتاب:
أما أهل الكتاب من اليهود والنصارى فقد أجمعت الأمة على أن ذبيحتهم حلال، وهم من أهل التذكية، والدليل عليه قول الله : ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ﴾ [المائدة: ٥] ، والمراد من الطعام في هذه الآية الذبائح بإجماع أهل العلم. قال ابن كثير رحمه الله تعالى:
﴿وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم﴾ قال ابن عباس وأبو أمامة ومجاهد وسعيد بن جبير وعكرمة وعطاء والحسن ومكحول وإبراهيم النخعي والسدي ومقاتل بن حيان: يعني ذبائحهم. وهذا أمر مجمع عليه بين العلماء أن ذبائحهم حلال للمسلمين، لأنهم يعتقدون تحريم الذبح لغير الله، ولا يذكرون على ذبائحهم إلا اسم الله، وإن اعتقدوا فيه تعالى ما هو منزه عنه تعالى وتقدس" (١)
وهل يشترط في ذبح أهل الكتاب ما يشترط في ذبح المسلمين من فري الأوداج، ومن الآلة المحددة، ومن ذكر اسم الله؟ هذه المسألة تحتاج إلى دراسة بالنظر إلى ما ادعى بعض المعاصرين من حل ذبيحتهم، بقطع النظر عن الطريق الذي اختاروه لذلك. ونريد أن نتكلم على هذه المسألة في شقين: الشق الأول: هل يجب لحل ذبيحة أهل الكتاب أن يذبحوا الحيوان بطريقة مشروعة للذبح من فري الأوداج بآلة محددة؟ والشق الثاني: هل يجب أن يذكروا اسم الله تعالى عند الذبح؟
стр. 16104
أما المسألة الأولى: فالجمهور من الفقهاء على أن ذبيحة الكتابي إنما تحل إذا ذكاها بقطع العروق اللازمة بآلة محددة، وهو الحق الثابت بالأدلة الناطقة التي سنذكرها إن شاء الله تعالى، لكن زعم بعض المعاصرين أن ذبيحة الكتابي حلال، بأي طريق قتلها، لأنه داخل في عموم قول الله تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ﴾ وتمسكوا في ذلك بقول القاضي ابن العربي ﵀ حيث قال: "ولقد سئلت عن النصراني يفتل عنق الدجاجة ثم يطبخها: هل يؤكل معه أو تؤخذ طعاما منه؟ وهي المسألة الثامنة. فقلت: تؤكل لأنها طعامه وطعام أحباره ورهبانه، وإن لم تكن هذه ذكاة عندنا، ولكن الله تعالى أباح طعامهم مطلقا، وكل ما يرونه في دينهم فإنه حلال لنا في ديننا، إلا ما كذبهم الله سبحانه فيه" (١)
ولكن هذا القول الغريب من ابن العربي ﵀ متعارض تمام التعارض مع الأصل الذي ذكره هو نفسه في نفس الكتاب قبل نحو صفحة من هذه العبارة، وعبارته هناك ما يلي:
"فإن قيل: فما أكلوه- أي أهل الكتاب- على غير وجه الذكاة كالخنق وحطم الرأس؟ فالجواب: أن هذه ميتة، وهي حرام بالنص، وإن أكلوها فلا نأكلها نحن، كالخنزير فإنه حلال لهم ومن طعامهم، وهو حرام علينا، فهذه مثله، والله أعلم" (٢)
стр. 16105
وهذا تعارض صريح في عبارتي ابن العربي، ومتى وقع التعارض بين عبارتيه، فالأجدر بالقبول ما هو ثابت بالنصوص، ومؤيد بتعامل الأمة، دون الفتوى الشاذة التي تنابذها الأدلة القوية الآتية:
١- إن الله قال: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣) ﴾ ٍ [المائدة: ٣] فحرم المنخنقة والموقوذة على الإطلاق. فيشمل كل ما مات بالخنق والوقذ، فمن يستدل بعموم قوله تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ على كون مخنوقة الكتابي أو موقوذته حلالا، يلزمه أن يقول بحل الخنزير الذي ذبحه كتابي، لأنه من جملة "طعام أهل الكتاب "، فإن تمسك بالآية المذكورة في حرمة لحم الخنزير، فإن نفس الآية تحرم المنخنقة والموقوذة، ولا سبيل إلى التفريق بينهما, فإن خصت الآية المذكورة لحم الخنزير من عموم "طعام أهل الكتاب " فإنها خضت المنخنقة والموقوذة أيضا على قدم سواء، بل بالطريق الأولى، لأن الخنزير حلال في دينهم، والمنخنقة والموقوذة حرام في أصل دينهم، كما سيأتي إن شاء الله تعالى، فإن كان الطعام الذي هو حلال في دينهم- وهو الخنزير- مستثنى من طعام أهل الكتاب المباح للمسلمين، فالطعام الذي هو حرام في أصل دينهم - وهو لحم المنخنقة والموقوذة- يكون مستثنى بالطريق الأولى.