← Фикх общий

Фикх общий · id 8356

مجلة مجمع الفقه الإسلامي

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (22 276 стр.). Показаны 16241–16280 · переход к 16246.

стр. 16241

"قلنا الذكر يكون باللسان ويكون بالقلب والذي كانت العرب تفعله تسمية الأصنام والنصب باللسان، فنسخ الله ذلك بذكر الله في الألسنة واستمر ذلك في الشريعة، حتى قيل لمالك: هل يسمي الله إذا توضأ؟ فقال: أيريد أن يذبح؟ إشارة إلى أن موضع التسمية وموضوعها إنما هو في الذبائح لا في الطهارة، وأما الحديث الذي تعلقوا به في قوله: "اسم الله على قلب كل مؤمن " فحديث ضعيف لا تلتفتوا إليه" (١) . هذا نص كلامه وهو صريح في أن الذكر المطلوب الذي يتوقف عليه حل الأكل لابد من أن يكون باللسان، ولا يكتفى بما في القلب وحده، وهذا هو الذي يتفق مع نسق التشريع وتقتضيه سنن التعبد، فإن الله تعالى يصف القرآن بقوله: ﴿بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ [العنكبوت: ٤٩] ، وقد فرض على عباده أن يقرؤوه بألسنتهم في صلواتهم، ولا يكتفى من أحد إن قال: إن القرآن الكريم كله في قرار نفسي وملء ذاكرتي، فلا داعي إلى أن أقرأ شيئا منه في صلاتي. ولا تكون صلاته بذلك صحيحة بالإجماع.

стр. 16242

وأما الصورة الثانية التي أسقط فيها اشتراط الذكر لحل المذبوح وهي أن يقول الذابح: إن الذبح ليس قربة فلا داعي إلى ذكر اسم الله عليه، فنعرضها أيضا على كلامه بنفسه، فقد قال بعد ذكره لأدلة وجوب التسمية: "وهذه أدلة ظاهرة غالبة عالية وذلك من أظهر الأدلة وأعجب لرأس المحققين إمام الحرمين يقول في معارضته هذا: وذكر الله إنما شرع في القرب، والذبح ليس بقربة، قلنا: هذا فاسد من ثلاثة أوجه: أحدها: أنه يعارض القرآن والسنة كما قلنا. الثاني: أن ذكر الله مشروع في كل حركة وسكنة حتى في خطبة النكاح، وإنما تختلف درجاته بالوجوب والاستحباب. الثالث: أن الذبيحة قربة بدليل افتقارها إلى النية عندنا وعندك، وقد قال الله تعالى: ﴿لَن يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِن يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنكُمْ﴾ ". [الحج: ٣٧] (١) ولئن كان مأخذ الذابح التارك لاسم الله هنا نظرة يعارضها القرآن والسنة- وهما أصلا التشريع- كما يفيده كلام ابن العربي بل ويعارضها الأصل الثالث وهو الإجماع، كما سبق نقله عن الإمامين النووي والحافظ ابن حجر، فما هو الأولى؟ هل هو ترك ما دلت عليه أصول الشريعة، والأخذ بما أفرزته أوهام البشر، وإقرار أخطائهم المعارضة لما دلت عليه الدلائل القطعية؟ أو أن الأولى أن يقتفى نهج الشريعة المتمثل في الكتاب والسنة والإجماع، وترد إليها أخطاء الناس فتحكم فيها؟ مع أن الله تعالى يقول: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [النساء: ٥٩]

стр. 16243

الرأي المختار: إن الذي استقر في ذهني- بعد استعراض هذه الأقوال وأدلتها وما يتوجه إلى كل منها من إيراد ودفع- أن من تجرد في هذه المسألة من جميع العوامل النفسية، وأسلس القيادة للدليل وحده لا يرتاب في أن القول الأول هو أصح هذه الأقوال وأعدلها وأبينها حجة وأوضحها محجة، ولو لم يكن عليه من دليل إلا قوله تعالى: ﴿وَلاَ تَأْكُلُواْ مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ [الأنعام: ١٢١] لكن، كيف والأدلة تكتنفه من كل جانب. أما ما تشبث به معارضوه من أن الآية مقيدة بجملة حالية وهي قوله: ﴿وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ [الأنعام: ١٢١] ، فيجري حكمها في قيدها، ويحمل على ما أهل به لغير الله، لأنه المنصوص عليه أنه فسق في العديد من الآيات؛ فهو تشبث بما لا طائل تحته، لأنه مبني على أن جملة " وإنه لفسق " حال؛ وهو متعذر لأمرين: تأكيدها بأن واللام، والعطف عليها بما يتعذر حمله على الحال في قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إلى أَوْلِيَآئِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾ [الأنعام: ١٢١] ، فإن كل ذي ذوق ليدرك أنه لا معنى لتقييد النهي بحال وحي الشياطين إلى أوليائهم بمجادلة المؤمنين في هذا الحكم، والعطف بين الجمل يفيد اشتراكها في حكمها، فإن كانت الجملة المعطوف عليها حالا فلابد أن تكون المعطوفة مثلها وتفيد ما تفيده من التقييد، على أن ما ذكروه أمر لا يلتفت إليه الذهن بنفسه عند تلاوة هذه الآية- كما يقول الإمام المودودي-: "إلا إن وطد الإنسان نفسه مقدما على استحلال ذبيحة لم يذكر عليها اسم الله، فإنه عندئذ يتكلف خلع هذا المعنى على الآية". (١)

стр. 16244

ولم يكن منشأ هذا التأويل البعيد إلا ما فهموه من منع العطف بين جملتين لم تتفقا في الخبرية والإنشائية، وهو أساس متداع فإنه- وإن قال جماعة من النحويين بالمنع من هذا العطف- منقوض بالشواهد الكثيرة التي تفيد الجواز، وإن تأول المانعون بعضها فإن غالبها يستعصي على التأويل، منها قوله تعالى: ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِّلنَّاسِ وَأَمْناً وَاتَّخِذُواْ مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى وَعَهِدْنَا إلى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ﴾ [البقرة: ١٢٥] ، فإنَّ "اتخذوا" إنشاء معطوف على "جعلنا"، وهو خبر وعطف عليه خبر آخر وهو "عهدنا"، ومنه قوله تعالى: ﴿وَلاَ تَنكِحُواْ الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلأَمَةٌ مُّؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِّن مُّشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلاَ تُنكِحُواْ الْمُشِرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُواْ وَلَعَبْدٌ مُّؤْمِنٌ خَيْرٌ مِّن مُّشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢١] ، وهو كما يظهر للجميع تضمن إنشائين وخبرين، فقد عطفت جملة ﴿وَلأَمَةٌ مُّؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِّن مُّشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ﴾ [البقرة: ١٢٥] وهي خبر ,على جملة ﴿وَلاَ تَنكِحُواْ الْمُشْرِكَاتِ﴾ وهي إنشاء، ثم عطف عليها جملة ﴿وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ [البقرة: ١٢٥] وهي إنشاء، ثم جملة ﴿وَلَعَبْدٌ مُّؤْمِنٌ خَيْرٌ مِّن مُّشْرِكٍ﴾ [البقرة: ١٢٥] وهي خبر؛ ومثله قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [النور: ٤] ، فإن اختلاف الجملتين في ذلك واضح، وبهذا الذي قلناه قال جماعة من محققي النحويين، فقد ذكر الحافظ ابن حجر بأن سيبويه ومن تبعه من المحققين يجيزون ذلك ولهم شواهد كثيرة (١) ، ونسب الإمام محمد الطاهر بن عاشور القول بالجواز إلى المحققين (٢) ، وممن قال به الإمام المفسر النحوي أبو حيان (٣) وحمل عليه عطف قوله تعالى: ﴿وَبَشِّرِ الَّذِين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ﴾ [البقرة: ٢٥] على قوله: ﴿أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ٢٤] ، واستشهد له بقول امرئ القيس: وإن شفائي عبرة إن سفحتها وهل عند رسم دارس من معول وقول الشاعر: تناغي غزالا عند باب ابن عمر وكحل مآقيك الحسان بإثمد

стр. 16245

وعزا ابن هشام في المغني (١) والسيوطي في الهمع (٢) إجازته إلى الصفار تلميذ ابن عصفور وجماعة، وإن الصفار استدل له بقول الشاعر: وقائلة خولان فانكح فتاتهم وأكرومة الحيين خلو كما هيا وأما دعوى أن الآية في الميتة تعويلا على حديث ابن عباس فهي مبنية على الأخذ بخصوص السبب وإلغاء ما يدل عليه عموم اللفظ من شمول الحكم لما هو خارج سببه، وهي مخالفة صريحة لما استقر عليه جمهور الأصوليين والفقهاء من أنه لا عبرة بخصوص السبب مع عموم اللفظ، وفي هذا ما يكفي لدحض هذه الدعوى فضلا عن كون الرواية نفسها غير صحيحة، وذلك من وجوه: أحدها: أن اليهود لا تستحل الميتة حتى تجادل فيها. الثاني: أن الآية في سورة الأنعام وهي مكية، والمجادلة بين المسلمين واليهود إنما كانت بالمدينة بعد الهجرة. الثالث: أن روايات أخرى دلت على أن الذين جادلوا من غير اليهود، فقد أخرج الطبراني من طريق عكرمة عن ابن عباس، ﵄، قال: لما نزلت ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١٢١] ، أرسلت فارس إلى قريش إن خاصموا محمدا وقولوا له: فما تذبح أنت بيدك فهو حلال وما ذبح الله بشمشير من ذهب فهو حرام؟ فنزلت الآية ﴿وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إلى أَوْلِيَآئِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾ [الأنعام:١٢١] وهذه الرواية تدل على أن ما نزل بسبب المجادلة هو آخر الآية، وأن أولها المفيد للمنع نزل قبلها، على أن هذه القصة نفسها بعيدة أيضا، فإن القرآن الكريم إبان نزوله بمكة المكرمة لم يكن صيته يصل إلى بلاد فارس حتى يزعجهم فيكتبوا إلى قريش بهذه المجادلة. وروى الترمذي بلفظ "أتى أناس " ولم يذكر أنهم من اليهود، وكذلك رواه ابن جرير من طرق عن ابن عباس من غير ذكر لليهود، وما من شك أن مع مثل هذا الاضطراب تكون الرواية واهية الحجة.

стр. 16246

وأما ما عول عليه أصحاب القول الثاني- وهم الذين فرقوا بين حالتي العمد والنسيان- في إسقاط حكم المنع عما إذا كان ترك الذكر نسيانا من الاستدلال بحديث "رفع عن أمتي الخطأ والنسيان " وبأن الناسي لا يفسق حتى يقال ﴿وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ [الأنعام: ١٢١] فمدفوع بأن الآية ما جاءت بصيغة النهي عن الذبح بدون ذكر اسم الله، بل جاءت بصيغة النهي عن الأكل مما لم يذكر عليه اسم الله، فإن استيقن أحد أن لحما ما ذبح ولم يذكر عليه اسم الله عمدا أو نسياناً فأقدم على أكله فإنما يقدم على مخالفة نهي عن عمد فيصدق عليه أنه مرتكب لمنهي عنه؛ نعم لو وجد هذا اللحم بيَدِ من تجوز ذبيحته شرعا ولم يكن يعلم أن ذابحه لم يذكر اسم الله عليه فلن يكون عليه حرج إن أكله استصحابًا لأصل الحل فيه، ولا يصدق عليه في هذه الحالة أنه مرتكب لمنهي عنه. ومن أمعن نظره في هذه الآيات وغيرها وفي الأحاديث الصحيحة التي ذكرنا جانبًا منها لم يخف عليه أن ذكر اسم الله شرط لصحة الذكاة التي يترتب عليها حل اللحم، والشرط لا يسقطه النسيان لأنه يلزم من عدمه العدم، فهو من خطاب الوضع الذي لا يلتفت فيه إلى عمد أو خطأ أو ذكر أو نسيان، أرأيتم الصلاة وشروطها كالطهارة؟ فإنه لو نسي أحد شيئا منها وصلى لم تكن صلاته صحيحة، اللهم إلا إن استمر على نسيانه فإن الناسي معذور، لكنه لو قام إلى صلاته وهو متلبس بحدث أصغر أو أكبر فتذكر قبل دخوله فيها لم يكن له أن يدخل وهو بتلك الحالة، أو بعد الدخول لم يكن له أن يستمر على صلاته، فإن خالف كان مؤاخذا بعمده لأنه مضيع لفرضه.

стр. 16247

وليس اشتراط التسمية عند التذكية إلا لحكمة بالغة يجب أن لا تعزب عن المسلم، فإن الحيوان المذكى كائن ذو روح يحب الحياة والراحة ويكره الموت والألم بطبعه، والإقدام على ذبحه إزهاق لروحه وتنغيص لراحته وتفويت لحياته وماله فيها من متع، فلو لم يأذن به الله خالقه ومالكه لكان عدوانا وأي عدوان، إلا أن الله سبحانه الذي له الخلق والأمر، والذي جعل الإنسان خليفة في الأرض وسخر له ما سخر من منافعها ومنافع ما فيها أباح له هذا التصرف فأصبح أمرا مشروعا عندنا يأتيه من بابه ويقدم عليه بإذن من ربه، وليس هذا الذكر المشروع إلا إعلانا منه بأنه ما كان صنيعه هذا اتباعا لهواه وعدوانا على ما خلق الله سبحانه وإنما هو استجابة لداعي الله تعالى الذي يحثه على الانتفاع بالطيبات ويمنعه من تحريمه على نفسه، فالذكر إذن هو الذي يضفي على عمله هذا صفة الشرعية ويصبغه بصبغة التعبد وينأى به عن تبعات الظلم والتعدي ويرفعه إلى درجات القربات، وحسبكم أن الذبح قرنه النبي ﷺ بالصلاة والقبلة عندما قال: ((من صلى صلاتنا واستقبل قبلتنا وأكل ذبيحتنا فهو مسلم)) (١) فلا غرو مع ذلك كله أن أغلظ القرآن حكم ترك التسمية على هذا الأمر التعبدي، فزجر عن أكل ما لم يذكر اسم الله عليه إلى حد إعلان أنه فسق، لأنه بلا ريب خروج عن طاعة من له الطاعة، والفسق أصلا هو الخروج.

стр. 16248

أما استدلال الذين فرقوا بين حكم العمد والنسيان بحديث ابن عباس ﵄ "المسلم يكفيه اسمه إن نسي أن يسمي الله حين يذبح، فليذكر اسم الله وليأكله " فجوابه ما قاله الحافظ ابن كثير من أن رفع هذا الحديث خطأ أخطأ فيه مغفل بن عبيد الله الجزري، فقد أخرجه سعيد بن منصور من رواية عمرو بن دينار عن أبي الشعثاء عن عكرمة عن ابن عباس من قوله (١) ولئن ثبت أنه من قول ابن عباس فهو موقوف، والحجة إنما هي في المرفوع دونه، وأما حمل النهي في الآية الكريمة على الكراهة فهو كحمل أحاديث اشتراط التسمية لجواز الأكل على الاستحباب والندب، كل منهما مخالف للأصل بلا دليل، فإن الأصل في النهي التحريم، وفي الأمر الوجوب، إلا مع قيام دلالة مقبولة شرعا على صرفهما عن أصلهما، والأدلة هنا كلها شاهدة على بقاء الأصل كما هو فلا مفر من الأخذ به. هذا وقد ذكر الشيخ الدكتور يوسف القرضاوي أنه ذهب بعض العلماء إلى أن ذكر اسم الله لابد منه ولكنه ليس من اللازم أن يكون ذلك عند الذبح بل يجزئ عنه أن يذكره عند الأكل، فإنه إذا سمي عند الأكل على ما يأكله لم يكن آكلًا ما لم يذكر اسم الله عليه (٢) ، وذكر استدلال أصحاب هذا القول بحديث عائشة، ﵂، ((أن الناس سألوا رسول الله ﷺ عن اللحم الذي يأتيهم ولا يدرون أذكر اسم الله عليه أم لا فأمرهم النبي ﷺ أن يسموا الله هم ويأكلوا.)) وقد سبق بيان المحمل الصحيح لهذا الحديث فلا داعي إلى إعادة القول فيه، ولم يبين الشيخ القرضاوي أحدا من هؤلاء العلماء الذين ذهبوا هذا المذهب.

стр. 16249

وقد كان استقر في نفسي منذ عقود من السنين أن هذا هو رأي الإمام ابن عبد البر، وذلك بسبب قراءتي لما نقله عنه الإمام القرطبي في تفسيره، إلا أني بعد إطلاعي على نص ما قاله ابن عبد البر في الاستذكار والمقارنة بينه وبين ما نقله عنه القرطبي اتضح لي أن القرطبي لم ينقل عبارته كاملة وإنما اقتضبها، فلذلك يتوهم من اطلع على النقل أن ابن عبد البر يرى حمل مشروعية التسمية في الآية على حالة الأكل دون الذبح مع أن عبارة ابن عبد البر صريحة بخلاف ذلك، ومما جاء في كلامه: "إنما قال لهم رسول الله ﷺ ذلك ليعلمهم أن المسلم لا يظن به ترك التسمية على ذبيحته، ولا يظن به إلا الخير، وأمره محمول على ذلك ما خفي أمره حتى يستبين فيه غيره " (١) ، وهذا هو الذي نقله أيضا الحافظ ابن حجر عنه في الفتح (٢) ، وقد اتضح من هذا التأويل الصحيح للحديث أن التسمية المطلوبة فيه عند الأكل غير التسمية المطلوبة عند التذكية بقوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١٢١] ونحوه، وهو مما يتبادر للذهن من أول لحظة، فإنه من المعلوم أن قوله: ﴿لاَ تَأْكُلُواْ﴾ [الأنعام: ١٢١] نهي، والنهي حكمه مستقبلي إذ" لا" الناهية تخلص المضارع للاستقبال، وقوله: ﴿لَمْ يُذْكَرِ﴾ [الأنعام: ١٢١] نفي للذكر فيما مضى فإن المضارع تنصرف دلالته إلى الماضي عندما تدخل عليه "لم " الجازمة، ومثله قوله تعالى: ﴿فَكُلُواْ مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١١٨] فإنه أمر بالأكل ودلالة الأمر مستقبلية، وقوله: ﴿ذُكِرَ اسْمُ اللهِ﴾ [الأنعام: ١١٨] دال على أن الذكر واقع بالمأمور بأكله قبل حالة الأكل، ولا حالة أنسب بذلك من حالة التذكية، وقد نص عليها القرآن في قوله : ﴿فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ﴾ [الحج: ٣٦] ، ونصت عليها الأحاديث التي ناطت إباحة الأكل بوقوع التسمية عند الذبح والصيد. ***

стр. 16250

خاتمة في الفرق بين التذكية الشرعية والطرق الحديثة في إزهاق الروح إن المقارنة بين هذه التذكية المشروعة وبين ما يجرى في بلاد الغرب أو الشرق من إزهاق روح الحيوان بالطرق القديمة أو الحديثة متعذرة لبعد ما بينهما، فإن الحق والباطل لا يلزان في قرن، وشتان بين ما كان تعبدا ربانيا وما كان عادة بشرية مستمدة من إيحاءات نفوس شيطانية وأفكار مأفونة وفطر منحرفة عن سواء السبيل، على أن تلك الطرق التي يتبعونها في ذلك لا تزال امتدادا للتقاليد الوثنية التي كانت متبعة في عهود الرومان قبل اعتناق الإمبراطور قسطنطين للنصرانية (١) ولئن كانت تطورت شكلياً بتطور وسائلها الحديثة فإن آثارها واحدة، فقد كانوا يستخدمون البلطة والمطرقة والمرزبة لتهشيم رأس الحيوان قبل ذبحه، وكثيرا ما يؤدي بها ذلك إلى الموت من غير ذبح، كما كانوا يستخدمون المنفاخ الآلي بعد خرق حائط صدر الحيوان بين الضلعين الرابع والخامس إلى أن يختنق الحيوان بضغط الهواء على الرئتين؛ ولم يتركوا هذه الطرق إلا إلى مثيلاتها كاستعمال مسدس الطلقة المسترجعة وذلك بتوجيه طلقة إلى جمجمة الحيوان ونسيج مخه من أجل تدويخه، وهو مما قد يؤدي إلى موت الحيوان قبل الذبح، وقد لا يصلون بذلك إلى غرضهم من إفقاد الحيوان إحساسه فيستعينون بإدخال سلك فولاذي عدة مرات في الثقب الذي أحدثه المسدس في الجمجمة؛ أو استخدام التدويخ الكهربائي الذي شاع في دول متعددة ونص عليه القانون البريطاني في عام ١٩٥٨ م، أو التخدير بثاني أكسيد الكربون، وهي طريقة تعود أولى تجاربها إلى عام ١٩٠٤ م؛ إلا أن إدخالها في عالم صناعة اللحوم تمت في عام١٩٥٠م، في أحد مصانع اللحوم المحلية بأمريكا، ثم انتقلت إلى الدانمارك، ثم شملت معظم الدول الأوروبية.

стр. 16251

وهذه الطرق كلها بعيدة عن الذكاة الشرعية وما فيها من خصائص الرحمة والرفق والشعور بالمسؤولية أمام الله ولا حاجة بنا في هذه العجالة إلى بحث ما في استخدام الطرق القديمة من مضار وإنما يكفينا أن نلم إلمامة خاطفة بالطرق المستحدثة. فأولاها: وهي طريقة استخدام مسدس الطلقة المسترجعة، فتنتج عنها حالة باللحم تسمى بالتبقع الدموي، وهي نقط نزيفية أو بقع أو خطوط في أجزاء مختلفة من أعضاء الذبيحة. أما الطريقة الثانية: وهي التدويخ الكهربائي، فإن عدم الدقة والإتقان في استخدامها يؤدي إلى نتيجة سلبية حتما، فعندما ينخفض التيار يشل الحيوان شللا تاما مع بقاء وعيه، وتسمى هذه بالصدمة الضائعة، وعندما يزداد- التيار- يصاب الحيوان بالسكتة القلبية القاتلة، وقد عدل عن استخدام هذه الطريقة في الطيور والدواجن منذ عام١٩٧٠ بإمرارها في حمام مائي مكهرب ليجتمع لها الغرق والصعق؛ على أن التدويخ الكهربائي في جميع أحواله يؤدي إلى إسراع التعفن في اللحم. قال الدكتور عبد الله عبد الرحيم العبادي: إن دارسي علم وظائف الأعضاء "الفسيولوجي " يقدرون أن الذبح يحدث صدمة نزيفية بها يجتذب كل الدم السائل إلى دورة الدم ويهرب من خلال العروق المقطوعة، بينما يحدث العكس عندما تدوخ الحيوانات أولا، فالتدويخ بالإضافة إلى كونه مؤلما فهو طريقة أقل كفاية من النزيف (الإدماء) ، ففي التدويخ لا يمكن إدماء الحيوان إذا لم يوضع تحت التحكم، وفي ذلك الحين يمكن أن يكون الحيوان ميتا (توقف قلبه بسبب الصدمة) ولا يكون جدوى من نزيف حينئذ؛ والتدويخ قد يكون أكثر رفقا من طرق القتل الجماعي التي وجدت في الماضي في الغرب، لكنه ليس أكثر رفقا من الذبح، ففي الذبح ينتج نزيف شديد مع أول قطع، وفائدته أن الحيوان ينزف منذ أول قطع حتى يتوقف قلبه، وبالتدويخ يطول وقت النزيف وأحيانا عدم وجود وقت للنزيف، فإن التدويخ قبل النزيف له عيب هو أن يحدث صدمة عصبية، وهي حالة يغادر فيها الدم الدورة (١)

стр. 16252

وقال أيضًا: والحقيقة التي لا يمكن إنكارها والتي نخرج بها من تاريخ المدوخات الآلية هي أنه بعد أكثر من نصف قرن من التجارب لا يوجد مدوخ واحد استخدامه مأمون (١) وأما الطريقة الثالثة: وهي التخدير بثاني أكسيد الكربون، فمن أشهر عيوبها أنها تؤدي إلى سرعة فساد اللحم، كما قد تؤدي إلى اختناق الحيوان وموته لعدم التحكم في كمية الغاز. هذا ومن المعلوم أن الذبح بالآلات الكهربائية يفتقد فيه عنصر التعبد اللازم في الذكاة الشرعية؛ لأنه يؤدي إلى حصد ما لا يحصر من الحيوانات بطريقة آلية من غير أن يكون لأحد توجه بالقصد إلى تذكية شيء منها بعينه، وقد عرفنا مما تقدم أن الذكاة الشرعية تتوقف على النية. هذا ويتميز الذبح في الإسلام بالعديد من المزايا: ا- أنه طريقة لإدماء الحيوان، فهو أقل ألماً وأشبه بإدماء المتبرع بالدم، بعكس غيره فإن الحيوان يدمى حتى الموت. ٢- أنه يؤدي إلى سرعة موت الحيوان ويعجل بإخراج روحه نتيجة النزيف الشديد الناتج عن فري الأوداج. ٣- أنه أشبه بالتخدير، أي حالة إفقاد الشعور بالألم، بخلاف التدويخ- إفقاد الوعي بضربة أو صدمة- وهو الشكل البدائي الذي تخلى عنه الإنسان منذ سنين. ٤- أنه طريقة صحية إنسانية تمدنا بلحم خال من الدم، فهو صحي ولذيذ (٢) .

стр. 16253

المحور الثاني حكم ما جهل إسلام ذابحه مما حل أكل لحمه لا يخلو المجتمع الذي تجهل فيه هوية ذابح اللحم، إما أن يكون مجتمعاً إسلاميا أو كتابيا أو يكون مجتمعا آخر كالمجتمعات الإلحادية والوثنية، فإن كان من النوع الأخير فالتحريم فيه ظاهر؛ لأنه مجتمع ليس له دين تستباح به ذبيحته، وإن وجد في أوساطه مسلم أو كتابي فهو كالشاذ الذي لا يعتد به ما لم يتيقن أنه هو الذي تولى التذكية. وإن كان مجتمعا إسلامياً فإن الأصل فيما يوجد بينه الحل ما لم يشتبه في حرمته، والأصل في ذلك ما أخرجه البخاري من حديث عائشة رضي الله تعالى عنها: أن قوما قالوا للنبي ﷺ إن قوما يأتوننا بلحم لا ندري أذكر اسم الله عليه أم لا؟ فقال: ((سموا وكلوا)) ، وقد سبق نقل ما قاله الحافظ ابن حجر أنه يستفاد منه أن كل ما يوجد في أسواق المسلمين محمول على الصحة (١) وإليه يومئ كلام الحافظ ابن عبد البر، وقد تقدم ونص عليه كثيرون ومنهم الإمام المودودي الذي سبق نقل كلامه.

стр. 16254

ومثله حكم المجتمع الكتابي الذي لم ينغمس في الإباحية والإلحاد، كما يدل عليه حديث عبد الله بن مغفل ﵁ عند الشيخين قال: ((دلي جراب من شحم من قصر خيبر فدنوت لآخذه، فإذا رسول الله ﷺ يبتسم إلي)) فإنه بالقطع لم يكن معلوماً عين من ذبحه، ولكن بما أنه بين اليهود الكتابيين عد في حكم ما ذبحه أهل الكتاب، وفي هذا تيسير للناس إذ الحكم إنما هو للأكثر الغالب؛ ولكن الإمام النووى نص على خلافه، حيث قال: "لو وجدنا شاة مذبوحة ولم ندر من ذبحها، فإن كان في بلد فيه من لا تحل ذكاته كالمجوس، لم تحل سواء تمحضوا أو كانوا مختلطين بالمسلمين؛ للشك في الذكاة المبيحة والأصل التحريم، وإن لم يكن فيه أحد منهم حلت " (١) . ويستفاد منه أن وجود واحد من هذا الصنف في مجتمع أغلبه مسلمون أوكتابيون كاف في تحريم ما لم يعرف ذابحه، ولا يخفى ما فيه من التشديد، وهو يؤدي إلى حرج عظيم، وإن كان مبنيا على الأصل وهو حرمة اللحوم ما لم تثبت تذكيتها ,إلا أن هذا الأصل مدفوع بأصل آخر، وهو أن ما وجد في بلاد الإسلام محمول على موافقة الشريعة الإسلامية. على أن الأخذ بما ذهب إليه النووي يؤدي إلى تحريم أن يتزوج أحد في بلد له فيها محارم مجهولة بالنسب أو الصهر أو الرضاع، ما لم يتيقن أن التي تزوجها ليست من محارمه، فإن الأبضاع الأصل فيها الحرمة ما لم يثبت حلها؛ إلا أننا نجد من العلماء من نص على أن جهل النسب لا يؤدي إلى حرمة الزواج ما لم يتبين موجبها, (٢) وهو الأيسر والأرفق بالناس.

стр. 16255

المحور الثالث: حكم اللحوم المستوردة لا يخلو اللحم المستورد إما أن يستورد من بلاد الإسلام أو غيرها، فإن كان استيراده من بلاد الإسلام، فلا شبهة في حله لأن الأصل فيما كان عند المسلم الحل، وأعمالهم محمولة على موافقة الشريعة إلا إن ثبت خلافها، وهذا هو عين ما دل عليه حديث عائشة ﵂ السالف الذكر في ذبائح الأعراب، وإن كان استيراده من غير بلاد الإسلام فإن كان من بلاد غير كتابية كبلدان الهندوس والملاحدة وسائر الوثنيين؛ فلا خلاف في أن حكمه الحرمة، لأنه معدود في ذبائحهم المحرمة فهو ميتة قطعا، وإن كان من بلاد كتابية وعرف أن الذبح من قبل أهل الكتاب أنفسهم مع محافظتهم على طرق الذكاة الشرعية، وكان من لحوم البهائم المحللة فهو أيضا حلال، لأنه داخل في طعام أهل الكتاب الذي أحله الله لنا. أما إن كان القطر الذي استورد منه اللحم يرفع شعار الانتساب إلى أهل الكتاب من أجل مصلحة سياسية، أو أغراض دنيوية مع انغماسه في الإباحية والإلحاد بسبب تلاشي العقيدة الدينية في نفوس أبنائه، كما هو الشأن في بلاد الغرب اليوم؛ فالواجب تمحيص مسألة اللحوم المستوردة منه والوقوف عندها طويلا من أجل استظهار الحق، ويزيد ذلك تأكيدا ما عرف عنهم من أنهم يتبعون في الذبائح طرقا غير مشروعة في الدين، بل هي أقرب إلى أن تكون قتلًا للحيوان.

стр. 16256

وإذا جئنا إلى ما قاله العلماء المعاصرون نجدهم في ذلك مختلفين إلى ثلاثة اتجاهات: الاتجاه الأول: اتجاه من أباح أكل هذه اللحوم على علاتها نظرا إلى ما يوجد في تلك الأقطار التي تستورد منها من الكنائس التي هي رمز التدين عندهم وما فيها من الرهبان والقسيسين وسائر طبقات رجال الدين الذين ترجع إليهم قضايا الدين في تلك الشعوب مع الاستناد إلى عموم قول الله تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ [المائدة: ٥] ، وممن نحا هذا المنحى الإمام محمد عبده في الفتوى الترنسفاليه التي أحدثت ضجة كبرى في مصر وغيرها، وتابعه على ذلك تلميذه العلامة السيد محمد رشيد رضا في تفسير المنار وفي فتاواه، ووافقهما جماعة من أهل العلم منهم: العلامة الشيخ عبد الله بن زيد آل محمود، والشيخ الإمام إبراهيم بن عمر بيوض في بعض فتاواه، والشيخ العلامة عبد الرحمن بن عمر بكلي (١) ، وبه كان يفتي شيخنا إبراهيم بن سعيد العبري، وبه أخذ الدكتور يوسف القرضاوي (٢) , واستأنس جماعة من هؤلاء بقول ابن العربي: "ولقد سئلت عن النصراني يفتل عنق الدجاجة ثم يطبخها هل يؤكل معه أو تؤخذ طعامًا منه؟ فقلت: تؤكل؟ لأنها طعامه وطعام أحباره، وإن لم تكن هذه ذكاة عندنا، ولكن الله تعالى أباح طعامهم مطلقا، وكل ما يرونه في دينهم فإنه حلال لنا في ديننا إلا ما كذبهم الله سبحانه فيه، ولقد قال علماؤنا أنهم يعطوننا أولادهم ونساءهم ملكًا في الصلح، فيحل لنا وطؤهن، فكيف لا تحل ذبائحهن، والأكل دون الوطء في الحل والحرمة" (٣)

стр. 16257

الاتجاه الثاني: اتجاه من أباحها مع مراعاة الضوابط الشرعية التي تحل بها الذبيحة، منها أن يكون الذابح يهوديا أو نصرانياً وأن يكون ذبحه إياها في رقبتها أو نحرا في لبتها حال كونها حية، وأن يذكر اسم الله عليها على رأي من يشترط في صحة الذكاة، وأن لا يذكر عليها غير اسمه تعالى، وأن لا تكون موقوذة بإطلاق مسدس عليها أو تسليط تيار كهربائي إلى أن تموت، وهو الذي نصت عليه الفتوى رقم (١٢١٦) الصادرة عن اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء في الرياض بالمملكة العربية السعودية بتاريخ ٢٠/ ٣/ ١٣٩٦ هـ، ومثله جاء في الفتوى رقم ٥٦/ ٨٢ الصادرة عن لجنة الفتوى في وزارة الأوقاف الكويتية بتاريخ ١٧ جمادى الآخرة ١٤٠٢ هـ، وهو قول جماعة من العلماء (١) الاتجاه الثالث: اتجاه من تشدد في هذه اللحوم وعدها في حكم الميتة المحرمة بالنص، وأفتى بحرمة الاتجار فيها كحرمة أكلها، وهو قول طائفة كبيرة من أهل العلم منهم الإمام المودودي (٢) , والعلامة الشيخ عبد الله بن محمد بن حميد (٣) ، وعزي إلى كل من الشيخ محمد الخضر حسين الذي كان شيخًا للأزهر، والشيخ عبد العزيز الناصر الرشيد، والدكتور عبد الله عزام، والشيخ صالح علي العود، والشيخ عبد الله علي الغضية، والشيخ عبد اللطيف مشتهري، والدكتور محمد حميد الله، والدكتور عمر الأشقر، والدكتور محمد بن عبد الكريم، وهو الذي اعتمده المجلس الأعلى العالمي للمساجد في مكة المكرمة في دورته الرابعة (٤) ، وهو الذي جزم به شيخنا العلامة أبو إسحاق اطفيش في تعليقه على جوهر النظام (٥) ؛ وقد استند هؤلاء إلى أمور:

стр. 16258

أ- أن معظم شعوب هذه الدول قد تخلت في العصر الحديث عن الدين، ولم يبق له عندهم أي سلطان على حياة الناس العقدية والعملية، وإنما بقيت المحافظة على الكنائس في تلك الدول مظهرا لا أثر له في الفكر ولا في السلوك، ولم تعد الكنائس قادرة على مواجهة التيار الإلحادي الهادر، الذي يأتي على كل أثر من آثار التدين، وقد يكون استبقاء هذه الكنائس لأغراض سياسية، فإنها من وسائل نفوذهم في الشعوب التي يسعون إلى غزوها بأفكارهم وتخديرها بمكرهم. وهذا هو الذي سجله الكتاب الأوروبيون بأقلامهم؛ ودونكم شهادة شاهد من أنفسهم، يقول الأستاذ (جود) - الذي كان رئيس قسم الفلسفة وعلم النفس في جامعة لندن -: "سألت عشرين طالبا وتلميذة كلهم في أوائل العقد الثاني من أعمارهم: كم منهم مسيحي بأي معنى من معاني الكلمة؟ فلم يجب بنعم إلا ثلاثة فقط، وقال سبعة منهم: إنهم لم يفكروا في هذه المسألة أبدا، أما العشرة الباقية فقد صرحوا أنهم معادون للمسيحية. ويضيف إلى ذلك الأستاذ جود قوله: أنا أرى أن هذه النسبة بين من يؤمن بالمسيحية ويدين بها، وبين من لا يؤمن في هذه البلاد ليست شاذة ولا غريبة، نعم إذا وجه هذا السؤال إلى مثل هذه الجماعة قبل خمسين سنة أو عشرين كانت الأجوبة مختلفة". (١) ، هذه شهادة من أحد أبناء جلدتهم، وهو غير خارج عن ملتهم ولا مفارق لهم في بيئتهم، وقد قرر في كلامه أن هذه الأجوبة من أولئك التلاميذ إنما كانت ناشئة من حال مجتمعهم، ولم تكن مجرد تصرف صبياني، كيف وهو يقول بأن هذه النسبة في تلك البلاد ليس شاذة ولا غريبة.

стр. 16259

وهاكم شهادة عادلة من رجل نشأ في هذه البيئة المتعفنة ثم هداه الله للإسلام، وهو الأستاذ (محمد أسد) الألماني الذي يقول: "لا شك أنه لا يزال في الغرب أفراد يعيشون ويفكرون على أسلوب ديني، ويبذلون جهدهم في تطبيق عقائدهم بروح حضارتهم، ولكنهم شواذ؛ إن الرجل العادي في أوروبا ديمقراطيا كان أو فاشيا، رأسماليا كان أو اشتراكيا، عاملا باليد أو رجلا فكريا؛ إنما يعرف ديناً واحدا، وهو عبادة الرقي المادي والاعتقاد بأنه لا غاية في الحياة غير أن يجعلها الإنسان أسهل، وبالتعبير الدارج: حرة مطلقة من قيود الطبيعة؛ أما كنائس هذا الدين فهي: المصانع الضخمة، ودور السينما، والمختبرات الكيماوية، ودور الرقص، ومراكز توليد الكهرباء؛ وأما كهنتها فهم: رؤساء الصيارف، والمهندسون، والممثلات، وكواكب السينما، وأقطاب التجارة والصناعة، والطيارون والمبرزون الذين يضربون رقماً قياسياً". (١) . وفي هذا يقول المفكر الإسلامي الكبير الشيخ أبو الحسن الندوي: "وعلى كل حال فقد وقع المحذور وانصرف اتجاه الغرب إلى المادية بكل معانيها وبكل ما تتضمنه هذه الكلمة من عقيدة ووجهة نظر ونفسية وعقلية وأخلاق واجتماع وعلم وأدب وسياسة وحكم، وكان ذلك تدريجيا وكان أولا ببطء وعلى مهل، ولكن بقوة وعزيمة، فقام علماء الفلسفة والعلوم الطبيعية ينظرون في الكون نظرًا مؤسسًا على أنه لا خالق ولا مدبر ولا آمر، وليس هناك قوة وراء الطبيعة والمادة تتصرف في هذا العالم وتحكم عليه وتدبر شؤونه، وصاروا يفسرون هذا العالم الطبيعي ويعللون ظواهره وآثاره بطريق ميكانيكي بحت، وسموا هذا نظرا علميًا مجردا، وسموا كل بحث وفكر يعتقد بوجود آلة ويؤمن به طريقا تقليديًا لا يقوم عندهم على أساس العلم والحكمة، واستهزؤوا به واتخذوه سِخريا، ثم انتهى بهم طريقهم الذي اختاروه وبحثهم ونظرهم إلى أنهم جحدوا كل شيء وراء الحركة والمادة، وأبوا الإيمان بكل ما يأتي تحت الحس والاختبار ولا يدخل تحت الوزن والعد والمساحة، فأصبح بحكم الطبيعة وبطريق اللزوم الإيمان بالله وبما وراء الطبيعة من قبيل المفروضات التي لا يؤيدها العقل ولا يشهد بها العلم ".

стр. 16260

ثم يقول: "إنهم لم يجحدوا بالله إلى زمن طويل، ولم يجحدوا به كلهم، ولكن منهج التفكير الذي اختاروه والموقف الذي اتخذوه في البحث والنظر لم يكن ليتفق والدين الذي يقوم على الإيمان بالغيب وأساسه الوحي والنبوة ودعوته ولهجه بالحياة الآخروية، ولا شيء من ذلك يدخل تحت الحس والاختبار ويصدقه الوزن والعد والمساحة، فلم يزالوا يزدادون كل يوم شكًّا في العقائد الدينية، ولكن رجال النهضة الأوروبية ظلوا قرونا يجمعون بين النظر المادي الجاحد والحياة المادية والطقوس الدينية المسيحية بالتقليد أو بتأثير المحيط الذي لايزال في العالم النصراني أو بمصالح خلقية واجتماعية كانت تقتضي البقاء ولو بالاسم على نظام ديني يؤلف بين أفراد الأمة ويحفظها من الفوضى، حتى افتضحوا في الأخير وصعب الجمع بينهما بسرعة سير الحضارة المادية وتخلف الدين والتقاليد وعجزها عن مسايرتها وما في الجمع بينهما من متاعب وضياع للوقت، وتكلفهم لما هم في غنى عنه، فطرحوا الحشمة ورموا برقع النفاق، ونهض الكتاب والمؤلفون والأدباء والمعلمون والاجتماعيون والسياسيون في كل ناحية من نواحي أوروبا ينفخون صور المادية وينفثون بأقلامهم سمومها في عقل الجمهور وقلبه، ويفسرون الأخلاق تفسيرا ماديًا، تارة ينشرون الفلسفة النفعية، وطورًا فلسفة اللذة الأبيقورية (١)

стр. 16261

ومع هذا الطغيان المادي لا يمكن أن تبقى القيم الدينية عند جمهور الشعوب، ولئن كان هناك من يتردد بينهم على الكنائس، فإن ذلك لم يكن بباعث من عقيدة، وإنما هو لأغراض نفعية، على أن هؤلاء يتناقصون باستمرار، فقد كان عدد المحافظين على صلاتهم الأسبوعية في فرنسا عام ١٩٦٧ م يبلغ ٢١ % من مجموع الشعب الفرنسي، وبلغت هذه النسبة بعد عشر سنوات ١٩ %، وقد حمل هذا الوضع بعضهم على وصف البلاد الغربية بأنها مرحلة ما بعد النصرانية (١) . ب- أن ذبائح الغربيين اليوم لا تخرج عن كونها موقوذة أو منخنقة، وقد نص على تحريمها في القرآن، وذلك أنه تواتر اليوم أن هذه الدول تقتل إما بواسطة الصعق الكهربائي أو بالمسدس أو بالبلطة أو بالغازات، وهذا ما نقله الثقات الذين زاروا مسالخ هذه الدول، ورأوا بأم أعينهم ما تقشعر منه الجلود من ارتكاب المخالفات التي لا يقرها الدين في إزهاق روح الحيوان (٢) .

стр. 16262

ج- أنه ثبت بالعيان تزوير الشهادات التي تلصق بغلف هذه اللحوم من أجل خداع الناس بأنها مذكاة على الطريقة الإسلامية، فقد جاء في رسالة موجهة من رئيس بلدية دولة الكويت الشقيقة إلى وزير الأوقاف الكويتي بتاريخ ٢٤ محرم ١٣٩٩ هـ ما نصه: "نود إفادتكم أن مسؤولين من المسلخ المركزي قاموا بزيارة إلى كل من بلغاريا ورومانيا، وزاروا المسالخ في هذين البلدين للتحري عن مدى التزامها بطريقة الذبح، خاصة وأن المستوردين يقدمون شهادات من مفتي المسلمين تفيد بأن الذبح تم بحسب الشريعة الإسلامية، وعاد الوفد المذكور باقتناع تام، وهو أن الذبح يتم بطريقة لا تتمشى مع الشريعة الإسلامية، وأن الشهادات ما هي إلا شكلية". (١) وكثير من الناس اشتروا دجاجًا كتب على غلافه مذبوح على الطريقة الإسلامية، وإذا به لا أثر به للذبح قط، وإنما هو مخنوق ولم يقطع جلده، فضلا عما يجب قطعه في الذبح، وقد جاء أحد هؤلاء إلي، وأراني الدجاجة وغلافها والشهادة المطبوعة عليه.

стр. 16263

د- أن الأغنام والأبقار تذبح في بلاد الغرب مع الخنازير، فتختلط لحومها، والخلطة في مثل هذه الحالة تؤدي إلى الحرمة، لتعذر التمييز معها بين الحلال والحرام. هـ- أنه ثبت في تعاملهم الغش، فقد نقل عدد من الناس أنهم رأوا أسماكًا معلبة مكتوبا عليها (ذبح على الطريقة الإسلامية) (١) على أن هذا الغش قد يكون حتى من المستوردين في بلاد الإسلام، فقد قال الدكتور عبد الله عزام: في عمان اكتشفت أمانة العاصمة قبل سنوات عند شركة ملصقات كثيرة مكتوب عليها (مذبوح على الطريقة الإسلامية) حتى تلصقها على علب اللحوم فور وصولها، ولقد جاء إلى وزارة الأوقاف الأردنية- وأنا فيها- علبة لحم مكتوب عليها (مذبوح على الطريقة الإسلامية لحم بقر صاف ١٠٠ %) ، وفي الجهة المقابلة باللغة الألمانية أنها تحتوي على نسبة من شحم الخنزير. (٢)

стр. 16264

وبعد هذه الجولة بين منحنيات هذه الحقائق لا يبقى ريب لمرتاب أن القول الثالث هو أقوم قيلًا وأصح دليلا، على أن القول الثاني يعود إليه- كما ذكر الأستاذ الشريف في رسالته- لانعدام تلك الضوابط التي وضعها أصحاب هذا القول في اللحوم المستوردة من بلاد الغرب، وعليه فالخلاف بين القولين لا يعدو أن يكون لفظيا، وإنما الخلاف بينهما وبين القول الأول الذي يبيح هذه اللحوم من غير مراعاة شيء من تلك الضوابط، ويستند إلى عموم قوله تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ [المائدة: ٥] وهو استدلال في منتهى البعد، وذلك يتضح بالنظر إلى هذه الأمور: أولها: أنه لا يكفي في إعطاء أحد حكم أهل الكتاب إلا إن كان على عقيدة تقوم على الإيمان بكتابه، وأنى ذلك في أمة فقد سوادها الأعظم هذا الإيمان، واستولى عليها الإلحاد وتفشت فيها الإباحية- كما تقدم- ولا يغني عنهم انتسابهم إلى أصول تؤمن بالكتاب شيئا، فإن الرجل الذي كان نفسه على الإسلام وولد من أبوين مسلمين مؤمنين قانتين إن ارتد عن إسلامه - والعياذ بالله- لم يغن عنه كل ذلك شيئا، ولم يعط أحكام المسلمين في إباحة أكل ذبيحته ولا غيرها، وما الفارق في ذلك بين المسلم والكتابي؟ ثانيها: أن قوله تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ [المائدة: ٥] جاء إثر تحريم طائفة من الحيوان منها المنخنقة والموقوذة، فكيف يمكن أن يكون دليلا على إباحة المخنوق والموقوذ إن كانا على يد كتابي، مع أنهما حرام بالقطع إن كان الواقذ أو الخانق مسلما؟ وهو مما يترتب عليه كون الكتابي أكرم على الله من المسلم، لأنه أباح على يديه ما لم يبحه على يدي المسلم، ويأبى الله ذلك، فإن الإسلام يعلو ولا يعلى عليه. ثالثها: أن يلزم هؤلاء أن يحلوا بهذا لحم الخنزير إن كان على مائدة كتابي لأنه من طعامهم الذي استحلوه بهوى أنفسهم كما استحلوا المنخنقة والموقوذة وغيرهما، ولا فرق بين الصورتين، فإن تحريم المنخنقة والموقوذة جاء في نسق واحد مع تحريم الخنزير ومع تحريم الميتة والدم. رابعها: أن الآية الكريمة مصدرة بإباحة الطيبات، ولا يقول عاقل أتاه الله رشدا: إن المنخنقة والموقوذة وغيرهما مما حرمه الله عليه تعد من جنس الطيبات، وهل يطيبها أن يكون الواقذ أو الخانق من جنس الكفار الذين رفضوا الاستجابة لدعوة كتابهم إلى الإيمان بخاتم الرسل عليه أفضل الصلاة والسلام، الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل؛ وهذه مغالطة للحقيقة ليس أبعد منها مغالطة، فكيف يكون الشيء الواحد خبيثا إن كان على يد المسلم وطيبا إن كان على يد غيره؟

стр. 16265

وقد استدل بعض أصحاب هذا القول لما ذهبوا إليه بحديث عائشة ﵂ في ذبائح الأعراب، وهو استدلال منتقض من أساسه، فإن أولئك الأعراب ما كانوا على ملة غير الإسلام، ولا ثبت أنهم يرتكبون مخالفات للشريعة في ذبحهم، وإنما وقع في نفوس بعض الناس شكٌّ في تسميتهم على الذبح لحداثة عهدهم بالكفر، فأجابهم النبي ﷺ بما يفيدهم أن أعمال المسلم- وإن كان جديد عهد بالإسلام- محمولة على موافقة الحق ما لم يثبت خلافه له. وأما ما استأنسوا به من كلام ابن العربي الذي يبيح أكل الدجاجة التي يفتل عنقها النصراني؛ فهو مدفوع بما نص عليه ابن العربي نفسه قبله بسطور معدودة، وهو قوله: "فإن قيل فما أكلوه على غير وجه الذكاة كالخنق وحطم الرأس؛ فالجواب أن هذه ميتة وهي حرام بالنص وإن أكلوها فلا نأكلها نحن، كالخنزير فإنه حلال لهم ومن طعامهم، وهو حرام علينا". (١) فيا ترى هل نترك من كلامه ما وافق الدليل القرآني إلى ما خالفه؟ على أن أي أحد وإن بلغ ذرى المراتب في العلم والفضل لا يحتكم إلى كلامه مع قيام الدليل الشرعي، بل يحكم الشرع في كلامه لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء: ٥٩]

стр. 16266

أما محاولة الجمع بين الكلامين بحمل المنع على غير ما يعتقدونه ذكاة عندهم، والإباحة على ما اعتقدوه تذكية، فهي محاولة فاشلة؛ لأن الصورة واحدة، وهم هم أنفسهم، مع أنه يفيد كلامه أن ذلك يحرم علينا وإن كانوا هم في اعتقادهم له مستحلين، بدليل تمثيله بالخنزير، وقوله بأنه حلال لهم ومن طعامهم وهو حرام علينا. على أنا لا نسلم أن الخنزير حلال لهم، فإنهم لم يأكلوه استنادا إلى نص كتاب على حله، ولكن بفتوى من أفتاهم بذلك من رهبانهم، ومثله الميتة- ومنها المنخنقة والموقوذة- إذ النصارى لم يبح لهم إلا ما أباحته التوراة إلا ما كان تحريمه في التوراة وقتيا عقوبة لليهود على سوء صنيعهم وشططهم في العناد ومكابرة الحق. على أنه لو ادعى أحبارهم ورهبانهم حل ذلك لهم لم يصدقوا فيه، كما قال الإمام الرهوني: "كيف يقبل قولهم بعد إخبار الله تعالى عنهم بأنهم حرفوا وبدلوا حسبما أفصحت بذلك الآيات القرآنية والأحاديث النبوية المتواترة- إلى أن قال- على تسليم تصديقهم تسليما جدليا فلا وجه في تصديقهم أن المنخنقة والمسلولة العنق والموقوذة المضروبة في الرأس بشاطور مثلا حلال عندهم، وعدم تصديقهم في أن الميتة والخنزير حلال عندهم، وما فرق به- يعني أبا عبد الله الحفار المنتصر لرأي ابن العربي - من أن الله قد كذبهم في الميتة والخنزير دون المضروبة بشاطور مثلا، وما ذكر معه لا يصح؛ لأنه إن عنى أن الله كذبهم في إخبارهم بحليتها فليس في القرآن ولا الأحاديث شيء من ذلك، وإن عنى أن الله كذبهم بقوله: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ﴾ [المائدة: ٣] فهذه مصادرة لأن الله قد كذبهم فيما زعم أنهم يصدقون فيه؛ لأنها إما منخنقة أو موقوذة، وقد ذكر الله حرمة كل واحدة منهما في الآية نفسها بقوله عز من قائل: ﴿وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ﴾ [المائدة: ٣] ، وقد قال ابن العربي نفسه في الأحكام ما نصه: "وأما قوله والمنخنقة فهي التي تختنق بحبل بقصد أو بغير قصد أو بغير حبل " (١)

стр. 16267

هذا وأما استدلال ابن العربي لحلية طعام الكتابي مطلقاً بأنهم يعطوننا أولادهم ونساءهم ملكا في الصلح فيحل لنا وطؤهن، فكيف لا تحل ذبائحهم، والأكل دون الوطء في الحل والحرمة، فهو غير مسلم إن كان ذبحهم خنقا أو وقذا؛ لمجيء النص القطعي بحرمة الموقوذة، والمنخنقة فهو قياس في مقابلة النص، على أنه يترتب على قوله أن تباح بسبب ذلك ذبائح المشركين، فإن ماذكروه من حكم الأولاد والنساء لا ينحصر في أهل الكتاب دونهم. وللعلامة الرهوني في رد احتجاج ابن العربي هذا بحث موسع اكتفينا عنه بما ذكرناه، فليرجع إليه من شاء الإطلاع والاستفادة (١) . هذا وللأمانة العلمية لابد من ذكر أن من مشايخنا الذين يجنحون إلى القول بإباحة اللحوم المستوردة من بلاد الغرب من كان يتشدد أحيانا في ذلك في بعض فتاواه، وهو الإمام إبراهيم بن عمر بيوض، فقد جاء في بعض ما أفتى به تقييد هذه الإباحة بكون الذابح من اليهود أصحاب التوراة أو النصارى أصحاب الإنجيل، ويكون الذبح على الطريقة المشروعة عندهم بحسب شريعتهم، وقال في الذبح بواسطة الكهرباء: "إن كانت هي تسليط التيار الكهربائي على الحيوان المراد ذبحه حتى يموت بتأثير التيار، فإن هذا قتل لا ذبح ولا نحر ولا ذكاة، فلا يحل به الحيوان المقتول ". وقال في التخدير: "إن كان قاتلا مميتا فإنه حرام قطعا تحرم به الذبيحة؛ إذ لا يجوز استعمال أي شيء لإزهاق روح الذبيحة أو للتعجيل به غير الذبح الأصلي المشروع أو النحر الأصلي المشروع، كذلك فيما ينحر نحرا كالإبل، ثم تترك الذبيحة على حالها حتى تبرد وتسكن حركتها فيشرع في سلخها (٢) .

стр. 16268

وما من ريب أننا نتفق مع القائلين بالإباحة عندما نوقن أن القائم بالذبح من الذين يستمسكون بما عندهم من علم الكتاب ولا يتجاوزون فيه الحدود التي رسمها لهم كتابهم في التذكية، وكان الحيوان المذبوح من جنس ما يباح في الإسلام، مع علمنا اليقيني أن أحكام التذكية لا تختلف فيما بيننا وبينهم، بدليل أن اليهود لا تختلف طرق التذكية عندهم عما هو عندنا، والنصارى متعبدون بإتباع شريعة التوراة كاليهود، إلا في جزئيات قليلة نسخت فيما أنزله الله على عيسى ﵇، وهي التي يشير إليها ما يحكيه الله عنه من قوله: ﴿وَلِأُحِلَّ لَكُم بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ﴾ [آل عمران: ٥٠] ، ويعني بذلك ما كان تحريمه موقوتا عقوبة لليهود على ركوبهم متن العناد في مواجهة دعوات أنبيائهم وإصرارهم على الظلم الذي نهوا عنه، ولا تدخل في ذلك المنخنقة ولا الموقوذة. ومن أجل التزام اليهود بالطريقة الصحيحة في التذكية إلى وقتنا هذا؛ رأينا بعض مشايخنا يوصون التلاميذ الوافدين إلى بلاد الغرب إن لم يجدوا جزارين مسلمين أن لا يشتروا اللحم إلا من الجزارين اليهود، ومن الذين كانوا يحرصون على ذلك شيخنا الإمام أبو إسحاق إبراهيم اطفيش، وقد عمل بذلك نفسه عندما دفعته الظروف إلى السفر إلى نيويورك في عام ١٣٨٠ هـ، وكتب بذلك رسالة إلى أحد أصدقائه جاء فيها: "منذ حللت بنيويورك كنت آكل السمك وخليطا من الخضر وزيت الزيتون لغاية أربعين يوما، حتى عرفت في المآدب الرسمية بأنني لا آكل إلا السمك، فكانت تلك الأوانس يبادرن إلي بالسمك والسلاطة الخضراء، أنا وسيف الإسلام اليمني دون غيرنا، حتى وجدت مطعما باكستانيا لمسلم اسمه الحاج علي بهجت، وحيث إن القاديانيين يوجدون كثيرا في تلك النواحي خشيت أن يكون منهم، فاستوثقت أنه حنفي المذهب، وأنه يطبخ بلحم الكشير، وأنت تعلم أن ذبيحة الكتابي متى كانت ذكاة شرعية ذكر اسم الله عليها حل لنا أكلها، وهذه حال اليهود المتدينين، ومع الأسف أقول: إنهم لا يزالون على عهدهم هذا أكثر من المسلمين بهذه الربوع- إلى أن قال- ولقد امتاز الإسرائيليون بأمريكا دون سواهم بالانفراد بالذبيحة، وأما النصارى فبالآلة كما عندكم في الحراش، وذلك ميتة قطعا- وهكذا إلى أن قال- على أنني لما استوثقت من الباكستاني أنه يطبخ اللحم الكشير، وهو عندهم الشرعي صرت آكل أحيانا عنده، ولم أضطر والحمد لله إلى زعم أن الضرورات تبيح المحظورات، ولا الأخذ بعموم الآية لأن دعوى العموم باطلة، والحمد لله ". (١)

стр. 16269

خاتمة في نتائج البحث بعد هذه الجولة والتنزه في واحات العلم وتفيئ ظلالها الوارفة واقتطاف ثمارها اليانعة والرشف من أنهارها المطردة نقدم بإيجاز أهم نتائجها: ا- إن كان الحيوان المذكى مقدورا عليه فذكاته إما أن تكون نحرا في اللبة أو ذبحًا في الحلق، والأول في طويل الرقبة كالإبل، والثاني في قصيرها كالغنم، ويجوز في البقر الأمران باتفاق. ٢- الذبح المجمع على أجزائه هو قطع الحلقوم والمريء والودجين من قبل مقدمة العنق، وفيما عداه خلاف. ٣- يجزئ الذبح عن النحر والعكس في قول الجمهور، وقيل بعدم الأجزاء، لتعين كل واحد منهما بموضعه. ٤- التذكية أمر تعبدي، فلا يجزئ عنها غير ما أذن به الشارع، وإن ذهب إلى خلاف ذلك بعض المعاصرين. ٥- اختلف في بعض التجاوزات في الذبح هل تؤثر شيئا على حكم الذبيحة أو لا؟ منها خروج الغلصمة إلى جهة البدن، وذلك بعدم وقوع الذبح عليها في منتصفها، ومنها قطع جميع الرأس والنخاع، والذبح من القفا، والتراخي اليسير في الذبح ... كما هو مفصل في البحث. ٦- تذكية غير المقدور عليه سواء ما كان أصله وحشيا أو ما كان أهليا فَنَدَّ أن يرمى بما ينهر الدم كالسهم، أو يصطاد بالجوارح كالكلاب، مع النية والقسمية على قول الأكثر، فإن أدرك حيا ذكي ذكاة المقدور عليه، وألا كان ذلك تذكية له، ولا خلاف في ذلك فيما كان أصله وحشيا، وإنما الخلاف فيما كان أهليا فند، وألحق الجمهور بالنَّادِّ ما وقع في بئر أو نحوها فتعذر التوصل إلى تذكيته بالذبح أو النحر.

стр. 16270

٧- يشترط في المذكي أن يكون مسلما أو كتابيا، ولا تجوز ذكاة سواهما من المشركين والملاحدة، واختلف في بعض الشروط كالعقل والبلوغ وعدم محاربة الإسلام. ٨- المرتد لا تحل ذبيحته عند الجمهور وإن ارتد إلى النصرانية أو اليهودية. ٩- من تهود أو تنصر من العرب حكمه كسائر أهل الكتاب عند الجمهور، ورأى بعض أهل العلم خلاف ذلك. ١٠- تباح ذبيحة الأعجم عند أكثر العلماء إن فهمت إشارته، وذهب آخرون إلى خلاف ذلك. ١١- ذهب جمهور أهل العلم إلى أن ذبيحة المعتدي كالسارق والغاصب لا تحرم، وذهب آخرون إلى حرمتها، وهو الراجح بالأدلة. ١٢- اختلف فيما حرم على أهل الكتاب أو حرموه على أنفسهم، هل يباح للمسلم إن هم قاموا بالتذكية؟ والصحيح الإباحة. ١٣- تجوز التذكية بكل ما أنهر الدم ما عدا السن والظفر والعظم. ١٤- اختلف فيما لم يذكر اسم الله عليه عمدا أو نسيانا هل يحل أكله أو لا؟ والصحيح المنع. ١٥- الذبح بالطرق الحديثة أو القديمة المخالفة لطريقة الذكاة الشرعية تعد قتلا للحيوان، فلا يحل بها أكله، مع الفارق البين بين الذكاة الشرعية وبينها من حيث إراحة الحيوان وطيب لحمه. ١٦- ما جهل ذابحه في المجتمعات الإسلامية أو الكتابية المحافظة حلال أكله، وأما في سائر المجتمعات فلا يحل. ١٧- اللحوم المستوردة من بلاد الإسلام حلال أكلها ما لم يتبين ما يوجب حرمتها، وكذلك ما استورد من أهل الكتاب الملتزمين بالذكاة الشرعية، مع ضمان كونها من جنس ما يجوز أكل لحمه، وما استورد من بلاد المشركين والملاحدة فلا يحل، واختلف العلماء المعاصرون في جواز أكل ما يستورد الآن من بلاد الغرب، والصحيح المنع إلا إن ثبت بما لا يدع مجالا للريب أنه مذكى ذكاة شرعية ممن تجوز ذكاته شرعا، وأنه من جنس الحلال الطيب، ولا عبرة بما يلصق به من شهادات أنه ذبح على الطريقة الإسلامية. هذا والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أحمد بن حمد الخليلي

стр. 16271

المراجع ا- أحكام الذبائح في الإسلام، د. محمد عبد القادر أبو فارس، مكتبة المنار- الزرقاء، الأردن. ٢- أحكام القرآن، أبو بكر محمد بن عبد الله ابن العربي، مكتبة دار المعرفة- بيروت، لبنان. ٣- الاختيار لتعليل المختار، على الله بن محمود بن الودود الموصلي الحنفي، دار الدعوة. ٤- الأطعمة المستوردة، طبيعتها- حكمها- حل مشكلاتها، محمد بن عبد الغفار الشريف، ط ١٤٠٣ هـ، دار الدعوة- الكويت. ٥- الإيضاح، عامر بن علي الشماخي، ط ١٣٩٤ هـ/ ١٩٧٤ م، دار الفكر. ٦- البحر الرائق، زين الدين بن نجيم الحنفي، دار المعرفة- بيروت، لبنان. ٧- البحر المحيط، ابن حيان. ٨- بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع، أبو بكر بن مسعود الكاساني الحنفي، الناشر: زكريا علي يوسف- مصر. ٩- بداية المجتهد ونهاية المقتصد، أبو الوليد محمد بن أحمد بن رشد القرطبي.

стр. 16272

١٠- بيان الشرع، محمد بن إبراهيم الكندي، ط ١٤٠٨ هـ/ ١٩٨٨ م. وزارة التراث القومي والثقافة- مسقط، عمان. ١١- تاج العروس، للزبيدي. ١٢- التحرير والتنوير، ابن عاشور. ١٣- تفسير القران الحكيم (المنار) ، محمد رشيد رضا، دار المعرفة- بيروت، لبنان. ١٤- تفسير القران العظيم، ابن كثير. ١٥- التفسير الكبير. ١٦- التلخيص، ابن حجر. ١٧- تيسير التفسير، محمد بن يوسف اطفيش، وزارة التراث القومي والثقافة- مسقط، عمان. ١٨- جامع ابن بركة، أبو محمد عبد الله بن محمد بن بركة البهلوي، وزارة التراث القومي والثقافة- مسقط، عمان. ١٩- جامع أبي الحسن. ٢٠- جامع البيان في تفسير القران، أبو جعفر محمد بن جرير الطبري، دار المعرفة- بيروت، لبنان. ٢١- الجامع الصحيح مسند الإمام الربيع بن حبيب بن عمر الفراهيدي، مكتبة الاستقامة- روي، عمان. ٢٢- الجامع للأحكام، للقرطبي. ٢٣- جوهر النظام في علمي الأديان والأحكام، أبو محمد عبد الله بن حميد السالمي، ط ١٤١٠ هـ/ ١٩٨٩ م، دار الفاروق- بيروت، لبنان.

стр. 16273

الذبائح والطرق الشرعية للذكاة إعداد أ. د إبراهيم فاضل الدبو الأستاذ بكلية الآداب- قسم الشريعة جامعة العلوم التطبيقية- الأردن بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ المقدمة: الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسوله الأمين، وعلى آله وصحبه الطيبين الطاهرين، وبعد: إن بحثنا المتواضع هذا الذي أقدمه للدورة العاشرة لمجلس مجمع الفقه الإسلامي، يتناول الذبائح وطرق تذكيتها من وجهة نظر الشريعة الإسلامية، وقد اقتصرت في البحث على المقدور عليه من الأنعام، أما غير المقدور عليه كالصيد الذي يتم صيده بواسطة الكلاب المعلمة أو الطيور الجارحة أو المعراض أو الطلقات النارية، فلا يدخل في بحثنا هذا. وقد ختمت البحث بحكم الشريعة الإسلامية في اللحوم المستوردة من بلاد غير المسلمين. سائلا الله أن يجعل عملنا هذا خالصا لوجهه الكريم، وأن ينفع ببحثنا هذا أمتنا المسلمة. إنه سميع مجيب.

стр. 16274

الذبائح التي تحل بالذكاة: قبل البدء في الكلام عن الذكاة الشرعية وشروطها عند الفقهاء، أود أن نبين أن الحيوان الذي نعنيه بالبحث هنا، هو الحيوان مأكول اللحم، أي غير محرم- نص الشارع على تحريمه- قال الله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ الآية [المائدة: ٣] وما عدا هذا فما استطابته العرب فهو حلال لقول الله تعالى: ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ﴾ [الأعراف: ١٥٧] ، يعني ما يستطيبونه دون الحلال، بدليل قوله في الآية الأخرى: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ﴾ [المائدة: ٤] ولو أراد الحلال لم يكن ذلك جوابا لهم (١) , وما استخبثته العرب فهو محرم لقوله تعالى: ﴿وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَآئِثَ﴾ [الأعراف: ١٥٧] والعرب الذين تعتبر استطابتهم للحيوان واستخباثهم هم أهل الحجاز من أهل الأمصار، لأنهم المخاطبون بالكتاب وبالسنة النبوية، فيعتبر عرفهم في تفسير المطلق من ألفاظهما دون غيرهم. ولا عبرة بعرف أهل البادية، لأنهم يأكلون ما يجدونه في حالة المجاعة والاضطرار. وما وجد في ديار المسلمين مما لا عهد لأهل الحجاز به، رد إلى أقرب ما يشبهه في الحجاز، فإن لم يشبه شيئا منها فهو مباح لقول الله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الأنعام: ١٤٥] الآية، ولقول النبي ﷺ : ((وما سكت الله عنه فهو مما عفا عنه)) (٢) .

стр. 16275

الذكاة لغة واصطلاحا: قال الخرشي: الذكاة في اللغة هي التمام، يقال: ذكيت الذبيحة، ذلك إذا أتممت ذبحها، ويقال: ذكيت النار إذا أتممت إيقادها، ورجل ذكي تام الفهم والحدة. (١) وجاء في كفاية الأخيار: الذكاة في اللغة التطيب، من قولهم رائحة ذكية أي طيبة، ومن هنا سمي الذبح بالذكاة لتطييب أكله بالإباحة (٢) . وفي الشرع كما قال ابن وضاح: "هي السبب الذي يتوصل به إلى إباحة الحيوان البري ". (٣) وعرفها الماوردي بقوله: " قطع مخصوص " (٤) . وهي عند الكمال بن الهمام: "ذبح الحيوان مأكول اللحم أو نحره بإزهاق روحه في الحال بغية الانتفاع بلحمه بعد ذلك " (٥) . حكمها: الحيوان المأكول لا يحل أكل شيء منه إلا بتذكيته، قال الله تعالى: ﴿إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ [المائدة: ٣] أي ذبحتم. قال ابن قدامة: "لا خلاف بين أهل العلم أن المقدور عليه من الصيد والأنعام لا يباح إلا بالذكاة" (٦) . وإذا ظهر لنا أن المباح من الحيوان لا يحل لنا إلا بعد تذكيته، تبين لنا أن التذكية شرط لصحة أكله، وعند فقدان الشرط يحرم علينا أكله. حكمة مشروعيتها: للذكاة الشرعية أكثر من حكمة، فبها نعرف حلال اللحم من حرامه، لأن فقدان الحيوان حياته بغير ذكاة، يعني صيرورته ميتة محرمة، وهذا جانب من جوانب العبادة, وهناك جانب صحي، وهو أن الذكاة تطهير للحيوان، لأن الحيوان إذا أسيل دمه فقد طهر وطاب أكله، لأنه يسارع إلى التجفيف. فالذكاة تطييب للذبيحة بإخراج دمها، وهذا تطييب حسي، وفيه فائدة صحية.

стр. 16276

شروط صحة الذكاة الشرعية: بعد أن بينا الذبائح التي أباح الإسلام أكلها، نقف الآن على ما اشترطه الفقهاء من شروط لصحة الذكاة. والذكاة الشرعية على نوعين: ا- ذكاة اضطرارية. ٢- ذكاة اختيارية. الذكاة الاضطرارية: وتقع هذه الذكاة في الحيوان غير المقدور عليه، كحيوان الصيد في الغابة, أو المستأنس إذا توحش كالبعير الناد الذي لم يستطع أحد السيطرة ,وللفقهاء رأيان في طريقة تذكيته: الرأي الأول: وهو مذهب أكثر الفقهاء، ويقضي هذا الرأي بأن تذكية مثل هذا الحيوان تتم بجرحه في أي موضع يقدر عليه، فيسيل من جراء الجرح دمه فيقتله، وحينئذ يحل أكله. ومثل ذلك ما لو تردى حيوان في بئر مما يعجز أحد عن تذكيته، فلو جرح في أي موضع يقدر عليه، فقتله، جاز أكله، إلا إذا كانت رأسه متدلية في الماء لا يؤكل، لأن الماء يعين على قتله، فيعتبر من قبيل الخنق، وحكمه حكم الميتة. هذا ما ذهب إليه أكثر فقهاء الصحابة، منهم: علي وابن مسعود وابن عمر وابن عباس وعائشة ﵃، وبه قال من فقهاء التابعين: مسروق والأسود والحسن وعطاء وطاوس وإسحاق (١) وإلى هذا ذهب الحنفية (٢) والشافعية (٣) والحنابلة (٤) .

стр. 16277

دليل هؤلاء العلماء فيما ذهبوا إليه: أ- ما رواه رافع بن خديج قال: كنا مع النبي ﷺ فندَّ بعير وكان في القوم خيل يسيرة فطلبوه فأعياهم، فأهوى إليه رجل بسهم فحبسه الله، فقال النبي ﷺ : ((إن لهذه البهائم أوابد كأوابد الوحش فما غلبكم منها فاصنعوا به هكذا)) , وفي لفظ "فما ند عليكم فاصنعوا به هكذا" (١) . ب- كما استدلوا ببعض الآثار التي حكت فعل كثير من الصحابة، التي تؤيد هذا الرأي، منها أن ثورًا حَرِبَ في بعض دور الأنصار، فضربه رجل بالسيف وذكر اسم الله عليه، فسئل علي ابن أبي طالب، فقال: ذكاة وَحْيَة، فأمرهم بأكله (٢) ج- ومن المعقول قولهم: إن الاعتبار في الذكاة بحال الحيوان وقت ذبحه لا بأصله، بدليل أن الوحشي إذا قدر عليه، وجبت تذكيته بقطع الحلق واللبة، وكذلك الحال في الحيوان الأهلي إذا توحش، فالاعتبار يقع بحاله (٣)

стр. 16278

الرأي الثاني: وهو لفقهاء المالكية، ويقضي رأيهم بعدم جواز أكل الحيوان الإنسي الشارد أو المتردي في حفرة إلا بعد ذكاته، قال الخرشي معقبا على ما جاء في مختصر سيدي خليل: (لا نَعْم شرد أو تردى بكوة) : أن النعم إذا نفر شيء منها ولحق بالوحشي، فإنه لا يؤكل بالعقر، أما الإبل فبلا خلاف، وأما البقر فعلى المشهور". (١) وحكى ابن قدامة مثل هذا الرأي عن ربيعة والليث من فقهاء السلف. واحتج لهذا الرأي، بأن الحيوان الإنسي لو توحش، فلا يثبت له حكم الوحشي، بدليل لو أن محرما قتله فلا يلزمه الجزاء، ولو كان وحشيا للزمه ذلك، كما أن الحمار الأهلي لا يصبح مباح الأكل فيما لو توحش, وعلى هذا لا يثبت للحيوان الإنسي إذا ند أو تردى من علو حكم المتوحش. والراجح من القولين هو قول الجمهور؛ لصحة الآثار التي استدلوا بها، لا سيما حديث رافع بن خديج، ولعل الإمام مالكا - كما قال الإمام أحمد - لم يبلغه حديث رافع, والله أعلم.

стр. 16279

الذكاة الاختيارية: وقفنا قبل قليل على رأي الفقهاء في الذكاة الاضطرارية، ونقف الآن على الشروط التي ذكروها لصحة الذكاة الشرعية في حالة السعة والاختيار. والشروط منها ما يتعلق بالذابح، ومنها ما يتعلق بآلة الذبح، أو محل الذبح من الحيوان، أو فعل الذابح وما يلزمه من ذكر عند الذبح. شروط الذابح: اشترط الفقهاء فيمن يتولى الذبح أن تتوفر فيه أهلية الذكاة الشرعية، والأهلية تتحقق بالعقل والدين. أولا-العقل: وشرط العقل محل اتفاق عند جمهور الفقهاء، لأن الذكاة عبادة تفتقر إلى النية، ومن لا عقل له لا يصح منه القصد. هذا ما صرح به الحنفية في كتبهم، قال الكاساني: "لا تؤكل ذبيحة المجنون والصبي الذي لا يعقل والسكران الذي لا يعقل، أما لو عقل الصبي الذبح وقدر عليه وكذلك السكران، فإن الحكم يختلف عندئذ، إذ تحل ذبيحتهما في هذه الحالة" (١) . وهذه وجهة نظر المالكية (٢) ,وبه قال الحنابلة أيضا (٣) . ولفقهاء الشافعية قولان في المسألة: أحدهما يتفق مع وجهة نظر الجمهور هذه، مدللين على ذلك بما استدل به الجمهور من عدم توفر القصد من هؤلاء الذي هو شرط لصحة الذبح، فأشبه فعلهم النائم الذي سقطت من يده السكين على حلقوم شاة فقطعته، فإنها لا تحل، كذلك الأمر في فعل هؤلاء. (٤) والقول الآخر وهو الأظهر عندهم، يقضي بحل ذبيحة هؤلاء الذين في تذكيتهم خلاف بحجة أن للمذكورين قصدا وإرادة في الجملة، بخلاف النائم فإنه معدوم القصد والإرادة، وقد شبهوا فعل المذكورين بالذي قطع حلق شاة ظانا أنه خشبة، فالشاة تحل في هذه الحالة، كذلك الحال بالنسبة لمن لا يعقل (٥) . ومحل الخلاف بين الرأيين كما ذكر العلامة البغوي، هو إذا لم يكن للمجنون والسكران تمييز أصلا، أما إذا كان لهما أدنى تمييز، فإن ذبيحتهما تحل قطعاً. والقول الأول هو الصحيح عند الإمام الغزالي وجماعة من فقهاء المذهب، في حين نسب القول الثاني لأبي حامد وأبي إسحاق الشيرازي , وقد حكى صاحب كفاية الأخيار عن بعض كتب المذهب القول بالحل. (٦)

стр. 16280

الرأي المختار: إن القول بحل ذبيحة المجنون والسكران ونحوهما سواء كان لهم أدنى إدراك أو لم يكن قول فيه نظر، لأنه كما قال الجمهور: إن الذكاة عبادة تفتقر إلى نية، وهؤلاء لا تعتبر نيتهم، مثلهم مثل الصبي غير المميز في هذه الحالة. وقياس بعض فقهاء الشافعية حل ذبيحة هؤلاء على النائم، أن هذا القول غير مسلم من جميع فقهاء المذهب، فقد حكى الدارمي وجهين لهم في ذبح النائم. وقال الخطيب الشربيني عن ذبيحته: "والذي ينبغي القطع به عدم حله ". (١) لذا يكون قول الجمهور هو المختار في هذه المسألة، والله أعلم. ذكاة المرأة: أجاز الفقهاء ذكاة المرأة وإن كانت حائضا، واحتج لحل ذبحها بما ورد: ((أن جارية لآل كعب كانت ترعى غنما لهم فمرضت شاة منها، فكسرت مروة وذبحتها، فسأل مولاها رسول الله ﷺ فأجاز لهم أكلها)) . (٢) وقد حكى ابن المنذر إجماع العلماء على حل ذبيحتها (٣) ثانيا-الدين: لا خلاف بين العلماء أن المسلم أهل للذبح سواء كان عدلا أم لا، إذا أطاق الذبح (٤) .
следующие страницы →