قال الإمام النووي في شرحه: "فيه بيان قاعدة مهمة وهي أنه إذا حصل الشك في الذكاة المبيحة للحيوان لم يحل؛ لأن الأصل تحريمه، وهذا لا خلاف فيه " (١)
ومن أصرح الأدلة على كون التذكية عبادة ما ثبت عن علي كرم الله وجهه أنه سمع النبي ﷺ يقول: ((لعن الله من ذبح لغير الله)) . (٢)
هذا وقد ثبت طبياً أن الذكاة الشرعية هي أسلم طريقة وأبعدها عن التأثر بالمضار، فما قاله الفقهاء في تعليل التذكية ومشروعيتها في موضعها لم يكن تحكما في الطب، وسنبين ذلك- إن شاء الله- في موضعه.
وأما ما ذكره العلامة ابن محمود أن قصر التذكية وحصرها في قطع الحلقوم والمريء أمر جرت به العادة في الإسلام وزمن الجاهلية، وأن من جملة أسبابه أن هذه الكيفية هي أبقى وأسلم للجلد الذي له قيمة في زمانهم، فقد تقدم فيما ذكرناه أنفا ما يدل على خلافه، ورد هذا التعليل الذي ذكره الشيخ العلامة عبد الله بن محمد بن حميد بأنه منتقض بذبحهم لما لا ينتفع بجلده كالدجاج والطيور ونحوها، فإنهم يذبحونها في حلوقها وليس لها جلد ينتفع به (٣)
هذا وهناك مسائل تتعلق بكيفية الذبح وقع الخلاف فيها بين أهل العلم نرى ضرورة إيرادها هنا:
стр. 16207
ا- عدم قطع الغلصمة: إن لم تقطع الغلصمة في منتصفها وخرجت إلى جهة البدن، فقد حكى ابن رشد عن مالك وابن القاسم أنها لا تؤكل، وعن أشهب وابن عبد الحكم وابن وهب جواز أكلها (١) وقال الإمام الثميني في النيل: "وكرهت إن ذبحت ورجعت حنجرتها لما يلي المنحر لا بفساد، لجواز قطع الحلق والحلقوم من أصلهما أو وسطهما"، وأقره شارحه ونقل عنه- أي مصنف النيل- أنه قال في التاج: "كل الرقبة مذبح من الرأس إلى استفراغها من الأسفل "، ثم قال الشارح بعد كلام: "وظاهر كلام التاج أنه إن فصل الحلق كله إلى الرأس أو إلى الجسد ولم يقطع بعضه لم تحرم على قول، والصحيح الفساد" (٢) وفي (بيان الشرع) نقلا عن كتاب الرقاع أنه لا حرمة بشيء من ذلك (٣) ونقل الدكتور العبادي جواز الأكل في هذه الحالة عن الشافعي وأبي حنيفة وأحمد لحصول المقصود بذلك (٤) ورد ابن رشد هذا الخلاف إلى اختلافهم في اشتراط قطع الحلقوم، فمن اشترطه منع أكلها، ومن لم يشترطه أجازه (٥) وذكر القرافي أن المنع مبني على مراعاة دلالة الحديث على قطعها التزاما والإباحة مبنية على أن انقطاع النفس حاصل بذلك، وهو كاف في زهوق الروح (٦)
стр. 16208
٢- قطع جميع الرأس والنخاع: وقد اختلف فيه، ففي مدونة الإمام مالك: "قلت: أرأيت إن سبقت يده في ذبيحته فقطع رأسها، أيأكلها أم لا في قول مالك؟ قال: قال مالك: يأكلها إذا لم يتعمد ذلك " (١) ومفهومه أنه إن تعمده لم يأكلها، وإن قال ابن القاسم: بأنه لم يحفظ في ذلك شيئا عنه، ونقل القرافي من المالكية عن ابن القاسم جواز أكلها وإن تعمده، وهو المنصوص عنه في المدونة، وعن اللخمي أنها لا تؤكل مع العمد (٢) وهو الذي نسبه النووي إلى مالك، وقال: "وهي رواية عن عطاء " (٣)
ولا خلاف في المذهب عندنا أنه يعذر المخطئ في ذلك، وإنما الاختلاف في العامد، وقد جاء في (بيان الشرع) ما نصه: "ومن تعمد لقطع رأس الذبيحة فقطعت فقيل إنها لا تؤكل، وإن لم يتعمد ذلك فسبقته الشفرة فلا بأس بأكلها". (٤) ونصت كتب الحنفية على كراهة ذلك من غير تحريم (٥) وعللت الكراهة في البحر الرائق وفي بدائع الصنائع بأن في ذلك زيادة تعذيب للحيوان، ونص النووي على أن مذهب الشافعي جواز أكل ما فعل به ذلك عمدًا، ونقل عن ابن المنذر أنه حكاه عن علي بن أبي طالب وابن عمر وعمران بن الحصين، وعطاء والحسن البصري والشعبي والنخعي والزهري، وأبي حنيفة وإسحاق وأبي ثور ومحمد، وحكى كراهتها عن ابن سيرين ونافع (٦)
стр. 16209
وأرى أن المتشددين في هذه المسألة نظروا إلى أن قطع جميع الرأس يفضي قطعا إلى قطع النخاع، وهو يؤدي إلى الإسراع في الموت فيكون موت الدابة بعامل آخر غير تذكيتها، والخلاف واقع بين أهل العلم في نفس قطع النخاع هل يؤدي إلى حرمة المذبوح أو لا إن تعمده؛ فمالك كره ذلك إذا تمادى في القطع ولم ينو قطع النخاع من أول الأمر، قال ابن رشد: "لأنه نوى ذلك فكأنه نوى التذكية على غير الصفة الجائزة ". (١) ومفهومه أنه إن نواه تجاوز حكم الكراهة إلى ما هو أشد منها، وقال مطرف وابن ماجشون: "لا تؤكل إن قطعها متعمدا دون جهل، وتؤكل إن قطعها ساهيا أو جاهلًا ". (٢) وفي الكنز وشرحه البحر من كتب الحنفية كراهة ذلك (٣) وهكذا في المجموع، ونقل عن ابن المنذر أنه حكي عن ابن عمر عدم جواز أكلها، وبه قال نافع، وكرهه إسحاق، قال: وكرهت طائفة الفعل وأباحت الأكل، وبه قال النخعي والزهري والشافعي وأبو حنيفة وأحمد وأبو ثور، قال ابن المنذر: بقول هؤلاء أقول، قال: ولا حجة لمن منع أكله بعد الذكاة. (٤) وأرى أن حجتهم ما ذكرته في قطع جميع الرأس، ثم وجدته منصوصا عليه في شرح النيل (٥) على أنه جاء في المسند الصحيح للإمام الربيع بن حبيب عن أبي عبيدة عن جابر بن زيد قال: "سمعت ناسا من الصحابة يروون عن النبي ((أنه نهى في الذبائح عن أربعة أوجه: الخزل والوغز والنخع والترداد)) ، وفسر الربيع النخع بكسر الرقبة، وذكر شارحه الإمام السالمي (٦) أن غير الربيع فسره أنه المجاوزة بالسكين منتهى الذبح إلى النخاع، وهو خيط أبيض داخل عظم الرقبة يمتد إلى الصلب يكون في جوف الفقار (٧) ومن المعلوم أن الأصوليين مختلفون في النهي هل هو يدل على فساد المنهي عنه أو لا؟ فلا يستبعد أن يكون ذلك منشأ الخلاف المذكور.
стр. 16210
٣- الذبح من القفا: اختلف فيه إن وصل الذابح إلى ما يجب قطعه في الذبح، فعن أحمد أنها لا تؤكل، وهو مفهوم كلام الخرقي، وحكي هذا عن علي وسعيد بن المسيب ومالك وإسحاق، قال إبراهيم النخعي: تسمى هذه الذبيحة (القفينة) ، وقال القاضي: إن بقيت فيها حياة مستقرة قبل قطع الحلقوم والمريء حلت وإلا فلا، ويعتبر ذلك بالحركة القوية، وهذا مذهب الشافعي (١) وصحح هذا الرأي صاحب المغني معللًا إياه أن الذبح إذا أتى على ما فيه حياة مستقرة أحله كأكيلة السبع والمتردية والنطيحة، وأنه لو ضرب عنقها بالسيف فأطار رأسها حلت بذلك حسبما نص عليه أحمد، إذ قال: لو أن رجلا ضرب رأس بطة أو شاة بالسيف يريد بذلك الذبيحة كان له أن يأكله، وقد روي عن الإمام علي كرم الله وجهه أنه قال: تلك ذكاة وَحْيَة.
وأفتى بأكلها عمران بن الحصين، وبه قال الشعبي وأبو حنيفة والثوري، ونقل أبو بكر عن الإمام أحمد قولين فيها، وصحح أنها مباحة لأنه اجتمع قطع ما تبقى الحياة معه مع الذبح فأبيح، وعضد ذلك بما روي عمن ذكر من الصحابة من غير مخالف، وفرع عنه صاحب المغني ما لو ذبحها من قفاها فلم يعلم هل كانت فيها حياة مستقرة قبل قطع الحلقوم والمريء أولا؟ أنه ينظر فإن كان الغالب بقاء ذلك لحدة الآلة وسرعة القتل فالأولى إباحته، لأنه بمنزلة ما قطعت عنقه بضربة السيف، وإن كانت الآلة كالة وأبطأ قطعه وطال تعذيبه لم يبح، لأنه مشكوك في وجود ما يحله، كما لو أرسل كلبه على الصيد فوجد معه كلباً آخر لا يعرفه (٢)
стр. 16211
وعند الحنفية أنه ما ذبح من قفاه مكروه إن بقيت فيه الحياة حتى وصل الذبح إلى ما تتوقف التذكية على قطعه، وإلا حرم، وعللوا الكراهة بما في ذلك من زيادة الألم (١) وذكر ابن رشد من المالكية أنه لا خلاف في المذهب المالكي أن ذلك لا يجوز، وعزاه إلى ابن شهاب وسعيد بن المسيب (٢) ، وقالت الشافعية بحلها مع مراعاة الشرط المذكور. (٣) ، ومذهبنا في ذلك كمذهب مالك في كونها لا تحل، سواء وقع ذلك عن طريق العمد أو الخطأ إلا إن كان بسبب انقلاب الآلة للقفا لتحرك المذبوح مع نية الذبح في المكان الشرعي (٤) وهو مبني على ما ذكرناه من قبل من أن التذكية أمر تعبدي، والأمور التعبدية توقيفية، فإن جاء على خلاف ما أمر به الشرع ردت لقول النبي ﷺ : ((من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد)) . (٥) ، وفي رواية: "من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد". (٦) ، ورد ابن رشد الخلاف في ذلك إلى أنه: هل تعمل الذكاة في المنفوذة المَقَاتِل أو لا؟ وذلك لأن القاطع لأعضاء الذكاة من القفا لا يصل إليها بعد قطع النخاع وهو مقتل من المقاتل فتأتي الذكاة على حيوان أصيب مقتله (٧)
стр. 16212
٤- الذبح من تحت الأوداج: هذا وقد كره أصحابنا إدخال آلة الذبح من تحت الأوداج بينها وبين النخاع وجرها إلى الأمام حتى تقطع الأوداج لما فيه من مخالفة المعهود من الذكاة والوقوع فيما ورد من الوخز وزيادة إيلام الحيوان (١)
٥- التراخي في الذبح: لا أعلم خلافا بين أهل العلم في عدم جواز التراخي في الذبح من أجل الاستراحة، وذلك بأن يشرع الذابح في ذبح الحيوان ثم يتركه فترة من الزمن ثم يعود إليه، لما في ذلك من إطالة تعذيبه، وإنما اختلفوا فيما إذا رفع يده عن الذبيحة ثم عاد إليها سريعا، فالأكثرون على أنها تؤكل، وقال سحنون من أصحاب مالك: لا تؤكل، وقيل: إن رفعها اختيارا هل تمّت ذكاتها أو لا؟ وأعادها على الفور بمجرد ما تبين أنه لم تتم أكلت، وهو أحد ما تؤول على سحنون، وقد تؤول قوله على الكراهة، وحكى ابن رشد عن أبي الحسن اللخمي أنه لو قيل عكس هذا لكان أجود، يعني أنه إذا رفع يده وهو يظن أنه قد أتم الذكاة فتبين له غير ذلك فأعادها أنها تؤكل؛ لأن الأول وقع عن شك، وهذا عن اعتقاد ظنه يقينا، وبنى ابن رشد ذلك على أن من شرط الذكاة قطع كل أعضاء الذكاة، فإذا رفع يده قبل أن تستتم كانت منفوذة المَقَاتِل غير مذكاة، فلا تؤثر فيها العودة لأنها بمنزلة ذكاة طرأت على المنفوذة المقاتل (٢) .
стр. 16213
تذكية غير المقدور عليه:
وهو نوعان:
ا- ما كان أصله وحشيا: كالظباء والوعول والبقر الوحشي والحمار الوحشي والطيور الوحشية، وحكم هذا النوع إن لم يقدر عليه بإمساكه وتذكيته كما تذكى الحيوانات الإنسية أن يصنع به مادل عليه حديث رسول الله ﷺ عندما قال: ((إذا أرسلت كلبك المعلَّم فاذكر اسم الله عليه، فإن أمسك عليك فأدركته حيا فاذبحه، وإن أدركت وقد قتل ولم يأكل منه فكله، وإن وجدت مع كلبك كلبا غيره وقد قتل فلا تأكل فإنك لا تدري أيهما قتله، وإن رميت سهمك فاذكر اسم الله عليه، فإن غاب يوما ولم تجد فيه إلا أثر سهمك فكل إن شئت، وإن وجدته غريقا في الماء فلا تأكله)) . (١)
وحاصل ذلك أن الله تعالى بفضله لم يكلف عباده في مثل هذا النوع من الحيوان أن يذكوه ذكاة الأهلي المقدور عليه، لما في ذلك من المشقة والعسر، مع أنه تعالى خلق للإنسان ما في الأرض جميعا، وأباح له الانتفاع به في حدود المصلحة التي حددتها الشريعة، فلذلك جعل له سبيلا إلى الانتفاع بهذا النوع بالوسائل المشروعة التي جاء بها القرآن في قوله : ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُم مِّنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللهُ فَكُلُواْ مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُواْ اسْمَ اللهِ عَلَيْهِ﴾ [المائدة: ٤] ، وقوله: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُواْ﴾ [المائدة: ٢] ؛ وجاءت بها السنة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام في هذا الحديث وأمثاله، وقد جعل الله تعالى في ذلك تذكية شرعية مبيحة لأكل لحمه إن لم تدرك حياته فيذكى كما يذكى الأهلي.
وقد تعورف على تسمية هذه التذكية صيدا، وعني الفقهاء ببحث أحكامها في دواوين الفقه بما يشفي الغليل ويكشف الغمة ويحدد المنهج السليم، وليس ذلك مما يتعلق ببحثنا هذا لأنه خارج عن موضوعه، وإنما ذكرناه لبيان ما يقابل المقدور عليه، وللتمهيد لما يأتي عما قريب- إن شاء الله- من بيان بعض ما يتعلق بموضوع بحثنا.
стр. 16214
٢- ما كان أصله أهليا فَنَدَّ وتعذرت السيطرة عليه بأي حيلة فإنه يعامل معاملة الوحشي في قول جمهور أهل العلم، وعزي إلى علي بن أبي طالب وعائشة وابن مسعود وابن عمر وابن عباس من الصحابة رضوان الله عليهم، وبه قال طاووس وعطاء والشعبي والحسن البصري ومسروق والأسود بن يزيد والحكم وحماد والنخعي والثوري وأبو حنيفة وأحمد وإسحاق وأبو ثور والمزني وداود، وهو قول الشافعي وأصحابه (١) وهو الذي قال به بعض أصحابنا، منهم صاحب النيل وشارحه (٢)
وذهب مالك إلى أنه لا ينتقل عنه حكم الأهلي ولا يكون الاصطياد تذكية له، بل يجب أن يذكى بالذبح أو النحر (٣) ، وبه قال ربيعة والليث بن سعد، وعليه أصحاب مالك إلا ابن حبيب، فإنه فرق بين البقر وبين الإبل والغنم، فأخذ برأي الجمهور في البقر دونهما، وعلل ذلك بأنها شبيهة بالصيد (٤) ، ويفهم من كلام النيل وشرحه أن قول مالك هو مذهب لبعض أصحابنا.
стр. 16215
وحجة الجمهور حديث رافع بن خديج قال: كنا مع النبي في غزاة وقد أصاب القوم غنما وإبلا، فند منها بعير فرمي بسهم فحبسه الله به، فقال رسول الله ﷺ ((إن هذه البهائم لها أوابد كأوابد الوحش، فما غلبكم منها فاصنعوا به هكذا)) . (١) ، وذلك أن تسليط النبي ﷺ على هذا الفعل دليل على أنه ذكاة، واستدلوا من جهة القياس أيضا أن الوحشي إذا تأنس يعامل معاملة الأهلي، فهكذا الإنسي إذا توحش (٢) ، واحتج المالكية ومن وافقهم بأنه مقدور عليه في غالب الأحوال، فلا يراعى النادر منه وإنما يكون ذلك في الصيد، وأجابوا عن حديث رافع بن خديج بأن قالوا: تسليط النبي ﷺ إنما على حبسه لا على ذكاته، وهو مقتضى الحديث وظاهره لقوله:"فحبسه " ولم يقل: إن السهم قتله. (٣)
ويستأنس لرأي الجمهور بتشبيه النبي ﷺ لأوابد البهائم الأهلية بأوابد الوحش، إذ في ذلك إشارة لطيفة إلى أنها يصنع بها كما يصنع بالوحشي، وألحق عند الجمهور بالنادّ من بهيمة الأنعام ما وقع في بئر أو نحوها، فتعذر التوصل إلى تذكيته بالذبح أو النحر (٤)
стр. 16216
المبحث الثاني: في أهلية المذكي:
لا خلاف بين الأمة في كون المسلم الدائن بوحدانية الله ، المؤمن برسالة الحق التي بعث بها رسول الله ﷺ ، وهو أولى من يقوم بالتذكية من أجل سلامة باطنه من الانحراف الفكري، وظاهره من الانحراف السلوكي، وهو أولى بأن يحافظ على الأمانة ويوفي التذكية حقها الشرعي، ولا خلاف بينها في أن المشركين من عبدة الأوثان والملاحدة الذين لا دين لهم لا تحل ذبائحهم، لأنها في حكم الميتة، ولا خلاف في أن لأهل الكتاب حكما خاصا مخالفا لأحكام المشركين في ذلك لقوله تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ﴾ [المائدة: ٥] ، وإنما وقع الخلاف في أمور منها ما يعم المسلم والكتابي، ومنها ما هو خاص بالكتابي وحده، ومن حيث أن مساحة هذا البحث محدودة وموضوعه مقيد نقتصر على ذكر بعض ما وقع فيه الخلاف:
стр. 16217
ا- هل يشترط أن يكون المذكي عاقلا؟ اختلف في ذلك، وبناء على هذا الاختلاف اختلفوا في ذكاة المجنون والسكران والصبي، فأجازها الشافعية (١) وأجاز الحنفية تذكية السكران والصبي إن ميزا، ومثلهما المعتوه حال تمييزه، دون ذكاة المجنون ومن لا يميز من السكارى والصبيان والمعتوهين (٢) ،ومنع الحنابلة والمالكية ذكاتهم لكنهم قيدوا ذلك بعدم العقل (٣) ، وهو قريب مما قاله الحنفية، ومنعت الظاهرية ذكاتهم مطلقا (٤) ، وهو الذي ذهب إليه بعض أصحابنا (٥) ، وأجاز بعضهم ذكاة الصبي بشرط التمييز والاختتان، وأكثرهم على منع أكل ذبيحة السكران والمجنون وإباحة أكل ذبيحة الصبيان بشرط التمييز وحده (٦)
ومنشأ الخلاف هل النية شرط في صحة الذكاة؟ وذلك مبني على اختلافهم فيها هل هي من العبادات أو لا؟ وقد سبق ما يدل على أنها من العبادات، فالنية لا بد منها فيها، ومن أجل ذلك اتفق علماؤنا على منع ذبيحة السكران والمجنون، واختلفوا في إباحة ذبيحة الصبيان، وأكثرهم على إباحتها، لأنهم وإن لم يكلفوا بالعبادات إلا أنها تصح منهم، ولذلك جاء في السنة ما يدل على صحة إمامتهم في الصلاة كما في قصة عمرو بن سلمة الذي أم قومه وهو صبي، لكونه أكثرهم قرآنا، وكان ذلك في عهد رسول الله ﷺ (٧)
ولئن جازت إمامته في الصلاة وهي أهم ركن عملي من أركان الإسلام فكيف لا تجوز ذبيحته؟ واستدل ابن حزم في منع ذبيحته وذبيحة السكران والمجنون بأنهم لا يشملهم خطاب الله تعالى بقوله: ﴿إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ [المائدة: ٣] ، وبأن الصبي لا يجوز إنكاحه لوليته ولا نكاحه ولا بيعه ولا ابياعه ولا توكيله، وأنه لا تلزمه صلاة ولا صوم ولا حج (٨) وفي هذا الاستدلال نظر لا يتسع له المقام.
стр. 16218
٢- المرتد: منع أصحابنا والجمهور أكل ذبيحته، لأنه لا يُقَر على ردته ولو كانت إلى اليهودية أو النصرانية، وأجازها إسحاق وكرهها الثوري (١) .
٣- الأعجم: اختلفوا في ذبيحته، فأجازها الجمهور إن فهمت إشارته، وعليه علماء المذهب عندنا بشرط أن يكون عارفا لربه، وذهبت طائفة من علمائنا إلى عدم الجواز لعدم تمكنه من ذكر اسم الله على ذبيحته (٢) ، وفي شرح النيل قول ثالث وهو كراهة أكل ذبيحته، والصحيح أنها مباحة لأنه مطالب بأن يذكر الله بقلبه كما يفعل في صلاته، وليست التذكية بأبلغ من الصلاة.
٤- المحارب من أهل الكتاب: ذهب الجمهور إلى صحة تذكيته وهو قول بعض أصحابنا، وذهب أكثرهم إلى المنع من أكل ما ذكاه، كما لا تنكح نساؤهم المحاربات (٣) ، ويؤيد قول الجمهور ما رواه الشيخان عن عبد الله بن مغفل قال: ((دلي جراب من شحم من قصر خيبر، فدنوت لآخذه فإذا رسول الله ﷺ يبتسم إلي)) . فإن ابتسامته ﷺ دليل إقراره على ذلك مع أن القوم كانوا محاربين.
٥- من تنصر أو تهود من العرب: كبني تغلب وبهراء وتنوخ، اختلف في ذبائحهم فأباحها الجمهور، ومنعها عمر وعلي ﵄، وهو رأي للإمام الشافعي، واقتصر عليه وأيده النووي في المجموع (٤) والقولان في المذهب عندنا (٥) ، وقيد الإمام اطفيش شارح النيل جوازها بشرط أن يقرأوا الإنجيل، ليكونوا على علم بأحكام الحلال والحرام، ويتقيدوا في ذكاتهم بما هو مشروع عندهم، إلا أنه نص على أنه لا يشترط أن يقرأه كله وإنما يكفي لذلك بعضه (٦) ، وجاء نحو هذا في بيان الشرع (٧)
стр. 16219
ورد ابن رشد الخلاف في ذلك إلى الاختلاف في تناول اسم الذين أوتوا الكتاب للعرب المتنصرين والمتهودين كما يتناول ذلك الأمم المختصة بالكتاب وهم بنو إسرائيل والروم (١) ، والتحقيق أنه: يصدق عليهم جميعا لأن الروم أيضا لم يكونوا من الذين أوتوا الكتاب عندما أنزل الإنجيل على عيسى ﵇، بل كانوا من الذين يحاربون الكتاب وأهله إلى أن تنصر قسطنطين ملكهم وتابعه على ذلك الشعب الرومي، وقد خاطبهم النبي ﷺ خطاب أهل الكتاب عندما بعث إلى ملكهم هرقل كتابا منه ضمَّنه قوله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْاْ إلى كَلَمَةٍ سَوَاء بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللهِ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقُولُواْ اشْهَدُواْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ٦٤] (٢)
٦- أن يعتدي على ما لا يملك: كالسارق والغاصب، اختلفوا في حلية ما ذكاه، فالجمهور على أنه حلال، وعزاه النووي إلى الزهري ويحيى ابن سعيد الأنصاري وربيعة ومالك وأبي حنيفة، وهو مذهب الشافعي (٣) ، وذهبت الظاهرية إلى حرمته، ونسبه ابن حزم إلى طاووس وعكرمة وإسحاق ابن راهويه (٤) ، ونسب إليهم النووي القول بالكراهة، ولعلها كراهة تحريم كما هو معهود في عبارات السلف، ونسب ابن رشد التحريم إلى داود وإسحاق، وفي المذهب عندنا في ذلك ثلاثة أقوال: المنع وعليه الأكثر، والإباحة مطلقا، والإباحة بشرط أن يكون الغاصب أو السارق سمع منه ذكر اسم الله تعالى على الذبيحة أو أخبر به ثقة (٥) .
стр. 16220
واستدل ابن حزم لمنع ذلك بثلاثة أدلة:
أولها: أن الله تعالى حرم أكل لحم الحيوان إلا بعد تذكيته، إذ قال بعد تعداد المحرمات: ﴿إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ وحرم الاعتداء في الأموال بقوله: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ [البقرة: ١٨٨] ، وقول النبي ﷺ : ((إن دماءكم وأموالكم عليكم حرام)) (١) ، ولا يشك مسلم أن المسروق والمغصوب إن ذبح أو نحر لا يكون ذبحه ونحره حقا، وإنما هو باطل، والباطل لا يتوصل به إلى حل ما حرم، على أن الذكاة المشروعة حق مأمور به طاعة لله، والاعتداء على مال الغير معصية لأمره تعالى والمعصية لا تنوب عن الطاعة، ولئن كانت الفروج المحرمة لا تحل إلا بالعقد المأمور به لا بالعقد المحرم، فكيف يباح الحيوان المحرم بالفعل المحرم؟ وما الفرق بين تصيد المُحْرِم للصيد المُحَرَّم، وبين ذبح المتعدي لما حرم عليه ذبحه؟ ثانيها: ما أخرجه مسلم في صحيحه من طريق رافع بن خديج ﵁ قال: ((كنا مع رسول الله ﷺ بذي الحليفة من تهامة فأصبنا غنما وإبلا فعجل القوم فأغلوا بها القدور فأمر بها رسول الله ﷺ فأُكفئن ثم عدل عشرا من الغنم بجزور)) (٢) ، ووجه الاستدلال أن النبي ﷺ لم يكن ليأمر بإكفاء ما في القدور لوكان حلال الأكل لأنه نهى عن إضاعة المال، وإنما يدل ذلك يقيناً أنه حرام محض، وأن ذبحه ونحره تعد يوجب الضمان ولا يبيح الأكل لأنها غنائم لم تقسم.
ثالثها: ما أخرجه أبو داود من طريق عاصم بن كليب عن أبيه عن رجل من الأنصار قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ في سفر فأصاب الناس حاجة شديدة وجهد، فأصابوا غنما فانتهبوها فإن قدورنا لتغلي إذ جاء رسول الله ﷺ يمشي على قوسه فأكفأ قدورنا بقوسه، ثم جعل يرمل اللحم بالتراب ثم قال ((إن النهبة ليست بأحل من الميتة، أو إن الميتة ليست بأحل من النهبة)) ، شك أبو الأحوص - رواية عن عاصم- في أيتهما قال ﵇، ووجه الاستدلال أن النبي ﷺ لم يكتف بمنع أولئك من أكل اللحم وإنما أفسده إذ خلطه بالتراب حتى لا ينتفع به آكل، ولو من ملاك الغنم أنفسهم (٣)
стр. 16221
وهذه الأدلة في غاية القوة والوضوح ويتبين لنا منها رجحان القول بعدم حل ذبيحة المعتدي على غيره، على أن القائلين بخلافه لم نجد منهم دفعا لهذه الأدلة ولا استدلالا بحجة، ما عدا أن الأصل في ذبيحة المسلم الحل، غير أن ابن حزم ذكر أن بعضهم موه بخبر روي أيضا عن طريق عاصم بن كليب عن أبيه عن رجل من الأنصار قال: كنا مع رسول الله ﷺ في جنازة فاستقبله داعي امرأة فجاء وجيء بالطعام فوضع يده ثم وضع القوم أيديهم فأكلوا ورسول الله ﷺ يلوك لقمة في فيه ثم قال: ((أجد لحم شاة أخذت بغير إذن أهلها)) فأرسلت المرأة: يا رسول الله إني أرسلت إلى البقيع يشترى لي شاة فلم أجد، فأرسلت إلى جار لي قد اشترى شاة أن أرسل إلي بها بثمنها، فلم يوجد، فأرسلت إلى امرأته فأرسلت إلي بها. فقال رسول الله ﷺ : ((أطعميه الأسارى)) . (١)
وأجاب ابن حزم عنه بالعديد من الأجوبة لا يخلو بعضها من نظر (٢) ،وإنما أقواها أن تلك الشاة لم تؤخذ تعديا وإنما أخذت بوجه تعارف الناس على مثله عادة لا سيما الجيران، وقد كانت مضمونة على المرأة بثمنها كما دلت على ذلك الرواية من قول المرأة: "ابعث إلي بثمنها".
стр. 16222
٧- الأقلف من الرجال: ذهب جمهور علماء الأمة إلى حل ذبيحته، وذهب ابن عباس ﵄ إلى منع أكلها، وهو إحدى الروايتين عن الحسن البصري (١) ، وهو قول أصحابنا الإباضية باتفاق (٢) ، إلا أنهم استثنوا من امتنع من الختان لعذر شرعي، كما استثنوا من هذا الشرط أهل الكتاب فلم يروا بأسًا بذبيحتهم وإن لم يختنوا، وقيد بعضهم الاستثناء بالنصارى وحدهم، لأن الختان مشروع عند اليهود كالمسلمين (٣)
٨- ما حرمه الله تعالى على أهل الكتاب أو حرموه على أنفسهم وقد ذكوه:
هل يحل للمسلم أكله أو لا؟ قيل بالمنع منه مطلقا، وهو معزو إلى ابن القاسم من المالكية، وقيل بالإباحة، وهو ظاهر كلام أحمد والخرقي واختاره من أصحابه أبو حامد وأبو الخطاب، وهو مذهب ابن وهب وابن عبد الحكم من أصحاب مالك، وقيل بمنع ما حرمه الله عليهم لا ما حرموه على أنفسهم، رواه أحمد عن مالك، ووصفه بأنه مذهب دقيق، وبه قال أشهب، وقيل: بالكراهة دون التحريم، وهو معزو إلى بعض المالكية (٤) .
ولعلماء مذهبنا في ذلك ثلاثة أقوال: المنع، والإباحة، والتفريق بين ما حرم عليهم أو حرموه بأنفسهم (٥) ؛ ورجح الإمام اطفيش (٦) في (هيميان الزاد) الإباحة (٧) ، وهو القول الصحيح سواء فيما حرم عليهم أو فيما حرموه على أنفسهم، أما ما حرم عليهم فإن ذلك كان شرعا موقوتا عقوبة لهم على سوء صنيعهم، وقد نسخ ذلك بشريعتنا، والكل متعبد بها، وأما ما حرموه على أنفسهم فذلك أبعد من أن يؤخذ به، لأنه مجرد افتراء ما أنزل الله به من سلطان.
стр. 16223
وحجة المانعين أن الله أباح طعامهم وذلك ليس من طعامهم، وتدخل في الإباحة على القول الراجح الشحوم ولو كانت حراما عليهم بدليل حديث عبد الله بن مغفل عندما دنا من أخذ جراب الشحم من قصر خيبر، فابتسم له رسول الله ﷺ إقرارا له، وهو قول جمهور العلماء، بل قيل إنه لم يخالف في الشحوم إلا مالك وأصحابه، وهم فيها مختلفون، منهم قال بكراهتها ومنهم من قال بتحريمها ومنهم من قال بإباحتها، ورد ابن رشد الخلاف في ذلك إلى الخلاف في تبعُّض التذكية؛ بحيث يسري حكمها على بعض الحيوان (١) دون بعض، وهو مأخذ بعيد جدا، وهو خاص بالشحوم، أما ما عداها وهو كل ذي ظفر فالخلاف فيه مبني على الاختلاف في اشتراط اعتقاد المذكي تحليل الحيوان بتذكيته، فمن اشترطه لم يبحه لأنهم يعتقدون أن التذكية تحللها، ومن لم يشترطه تمسك بعموم الآية المحللة (٢)
стр. 16224
المبحث الثالث: فيما يذكى به:
ينبغي للإنسان أن يحرص على الرفق بالحيوان حسب وسعه في تذكيته، فيختار له الآلة الأنسب التي تؤدي إلى الغرض مع تخفيف الألم عن المذكى بقدر المستطاع، ويدل عليه قول النبي ﷺ : ((إن الله كتب الإحسان على كل شيء، فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبح، وليحد أحدكم شفرته، وليرح ذبيحته)) (١) ، وعلى هذا الأساس يكون اختيار آلة التذكية، وقد وسع الله تعالى لعباده المجال في ذلك ليختاروا بأنفسهم ما يرونه أنسب، كما يدل عليه حديث رافع بن خديج ﵁ عندما قال للنبي ﷺ : إنا لاقو العدو غدا وليس معنا مدى، فنذبح بالقصب؟ فقال ﷺ : ((ما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه فكل، ليس السن والظفر وسأحدثكم عنه، أما السن فعظم، وأما الظفر فمدى الحبشة)) (٢) ، فالحديث أطلق جواز التذكية بكل ما أنهر الدم، إلا أنه استثنى شيئين دل تعليله استثناء أحدهما على استثناء ثالث لهما عندما قال: أما السن فعظم، وهو دليل على عدم جواز الذكاة بالعظام كالأسنان والأظفار، ومع هذا النص الشريف لا أجد داعيا إلى مناقشة ما اختلف فيه الفقهاء من التذكية ببعض الآلات، وبحث اختلافهم في التذكية ببعض ما استثني، وفيما إذا انفصل الظفر والسن، فإن ذلك كله لا يعدو أن يكون اشتغالًا بالإطالة فيما لا جدوى من ورائه، فإن الحديث واضح صريح، إذ أطلق الإباحة في استعمال كل ما يؤدي إلى هذه الغاية ما عدا تلك المستثنيات، ولم يقيد استثناءها بكونها غير منفصلة، وإنما يرجع إلى أهل الخبرة في معرفة الآلات التي يمكن بها قضاء هذا الوطر مع مراعاة الرفق بالحيوان، وإذ جاء نهر الله بطل نهر معقل.
стр. 16225
المبحث الرابع: في النية والتسمية:
اتضح مما سبق أن التذكية من القربات إلى الله ، والقربات لا بد لها من نية؛ للحديث الصحيح عن رسول الله ﷺ : ((إنما الأعمال بالنيات)) (١) فلذلك كانت النية شرطا في صحة الذكاة، كما نص عليه العلامة الشماخي (٢) في الإيضاح (٣) ، والإمام الثميني في النيل وشارحه العلامة اطفيش في شرحه (٤) ، والإمام ابن العربي في أحكام القرآن (٥) ، ويفهم من كلامه أنها مشروطة عند الشافعية؛ إذ ألزم إمام الحرمين باشتراطه لها كون الذكاة قربة.
ونسب ذلك ابن رشد إلى المذهب- أي مذهب المالكية- وقال:
"ولا أذكر فيها خارج المذهب في هذا الوقت خلافا" (٦) , وهو الذي يقتضيه كلام العلامة الكاساني الحنفي، حيث قال في شرائط التسمية المبيحة للذبيحة: "ومنها أن يريد بها التسمية على الذبيحة، فإن من أراد بها التسمية لافتتاح العمل لا يحل، لأن الله أمر بذكر اسم الله تعالى عليه في الآيات الكريمة، ولا يكون ذكر اسم الله عليه إلا ويكون يراد بها التسمية على الذبيحة- إلى أن قال: "وكذا لو سبح أو هلل أو كبر ولم يرد به التسمية على الذبيحة، وإنما أراد به وصفه بالوحدانية والتنزه عن الحدوث لا غير لا يحل لما قلنا" (٧) ، فإن اشتراط القصد في هذا الكلام صريح، وهو عين النية المطلوبة، ويقرب منه ما قاله العلامة السرخسي: "وإنما يتميز الذكر على الذبح وغيره بقصد منه التسمية فإذا لم يقصد التسمية لا يحل ". (٨)
стр. 16226
وأما ذكر اسم الله عند التذكية فلا خلاف في مشروعيته بين الأمة، وحكى الإجماع على ذلك النووي في شرحه على صحيح مسلم (١) ، والحافظ ابن حجر في فتح الباري (٢) ، إلا أنهم اختلفوا في كونه شرطا لصحة التذكية وما يترتب عليها من حل لحم الحيوان على أقوال:
أولها: أن ذكر الله شرط لصحة التذكية، فمن تركه عمدا أو نسيانا في ذبح أو نحر أو صيد لم يكن فعله ذكاة شرعية، وحرم بذلك لحم المذبوح أو المنحور أو الصيد، وعزا القرطبي هذا القول إلى عبد الله بن عمر وعبد الله بن عباس، وابن ربيعة ونافع وعبد الله بن زيد الخطمي وابن سيرين وأبي ثور وداود بن علي وأحمد في رواية (٣) ، وعزاه أبو محمد الحسن البسيوي (٤) إلى ابن عباس، ﵄، وذكر أبو حيان (٥) أنه رواية عنه، واقتصر عليه ابن حزم وانتصر له وعزاه إلى جماعة منهم عبد الله بن يزيد، ووصفه بأنه صحيح الصحبة، وإلى الشعبي (٦) ، وقال ابن قدامة في المغني (٧) : أنه تحقيق المذهب- أي مذهب الحنابلة-، وعزاه في بيان الشرع (٨) إلى الإمام الربيع بن حبيب (٩) ، وعزاه الكاساني (١٠) والفخر الرازي (١١) إلى الإمام مالك، وذكر الشوكاني (١٢) أنه مروي عنه، وحكاه قولًا له ابن كثير (١٣) وذكر أنه اختاره من متأخري الشافعية أبو الفتوح محمد بن محمد بن علي الطائي، وعليه العمل عند أكثر علمائنا (١٤) .
стр. 16227
ثانيها: أن ذكر الله شرط لصحة التذكية، ولكن يسقط اشتراطه في حال النسيان، فيحل أكل المذكى دونه، أما في حالة العمد فلا تصح دونه التذكية، ولا يحل مع تركه المذبوح، وبه قال إسحاق وروي عن أحمد بن حنبل، وقاله في الكتاب مالك وابن القاسم، وهو قول أبي حنيفة وأصحابه والثوري والحسن بن حي وعيسى وأصبغ، واختاره النحاس (١) ، وبه قال الناصر والقاسمية (٢) ، وعزاه في بيان الشرع (٣) إلى الإمام أفلح (٤) بن عبد الوهاب، وحكى أنه نسبه إلى الإمام أبي الشعثاء جابر بن زيد، واعتمده الإمام اطفيش في الهيميان (٥) ، ويجنح إليه كلامه في التيسير (٦) ، ونسبه ابن كثير (٧) إلى جماعة منهم الإمام علي وابن عباس، ﵃ من الصحابة، وسعيد بن المسيب وعطاء وطاووس والحسن البصري وأبو مالك وعبد الرحمن بن أبي ليلى، وجعفر بن محمد وربيعة بن أبي عبد الرحمن، وذكر ابن قدامة أن حنبل نسبه إلى أبيه الإمام أحمد إلا أنه نسب إلى الخلال أنه قال: سها حنبل في نقله، فإن في أول مسألته: إذا نسي فقتل لم يأكل (٨)
стр. 16228
ثالثها: إن التسمية ليست بشرط رأسا، فيحل أكل ما لم يذكر اسم الله عليه عمدا كان الترك أو نسيانا، وهو مذهب الشافعي وأصحابه (١) ، ونسبه القرطبي إلى الحسن، وذكر أنه مروي عن ابن عباس وأبي هريرة وعطاء وسعيد بن المسيب وجابر بن زيد وعكرمة وأبي عياض وأبي رافع وطاووس وإبراهيم النخعي وعبد الرحمن بن أبي ليلى وقتادة، ثم قال: "وحكى الزهراوي عن مالك بن أنس أنه قال: تؤكل الذبيحة التي تركت التسمية عليها عمدا أو نسيانا". (٢) ، وأضاف أبو حيان (٣) إلى هؤلاء ربيعة والأصم، وما ذكره الإمام اطفيش في تفسيره يوحي بأنه يجنح إليه، وذلك أنه قال: "أما موحد ذكى بلا ذكر لاسم الله ساهيا أو عامدا فلا بأس بذكاته ". (٤) ، إلا أنه قال بعد ذكره لبعض الروايات التي عول عليها أصحاب هذا القول: "وذلك محمول عندنا على من لم يذكر اسم الله نسيانا" (٥) ، ويفهم من كلام الإيضاح والنيل وشرحه أن الأقوال الثلاثة في المذهب (٦) ، وذكر الحافظ ابن حجر أن للشافعية في العمد ثلاثة أوجه؛ وهي أنه يكره، وخلاف الأولى، ويأثم بالترك ولا يحرم الأكل (٧) .
стр. 16229
رابعها: إن ترك التسمية عمدا كره أكلها، قاله القاضي أبو الحسن والشيخ أبو بكر من علماء المالكية (١) .
خامسها: تؤكل ذبيحة من تركها ولو عمدا إن لم يكن مستخفا بها، قاله أشهب والطبري (٢) ، ولست أرى فارقاً بين هذا القول والقول الثالث إلا أن يكون لفظيا، فإنه ليس من شأن المسلم ولو فاسقا أن يستخف باسم الله تعالى، ومن فعل ذلك فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه وصار في عداد المرتدين.
سادسها: ما ذهب إليه ابن العربي وتابعه عليه القرطبي وهو أن تارك التسمية لا يخلو من ثلاثة أحوال: "أحدها أن يترك التسمية إذا أضجع الذبيحة لأنه يقول: قلبي مملوء من أسماء الله وتوحيده فلا أفتقر إلى ذكر ذلك بلساني، فلذلك يجزيه لأنه قد ذكر الله وعظمه، وإن قال: ليس هذا موضع التسمية صريحا فإنها ليست بقربة فهذا يجزيه لكونه على مذهب يصح اعتقاده اجتهادا للمجتهد فيه وتقليدا لمن قلده، وإن قال: لا أسمي وأي قدر للتسمية؛ فهذا متهاون كافر فاسق لا تؤكل ذبيحته " (٣) ، ثم قال ابن العربي: "إنما يتصور الخلاف في المسألة على الصورتين الأوليين، فأما على الصورة الثالثة فلا تشخيص لها". (٤)
стр. 16230
بحث أدلة هذه الأقوال وتمحيصها:
استدل أصحاب القول الأول بكثير من الأدلة من الكتاب والسنة، أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿فَكُلُواْ مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١١٨] ، فإنه دال بمنطوقه على إباحة أكل ما ذكر عليه اسم الله، ودال بمفهومه على المنع مما لم يذكر اسمه، وقوله سبحانه: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١٢١] ، وهو دال بمنطوقه على المنع من أكل ما لم يذكر اسم الله عليه، وبمفهومه على إباحة أكل ما ذكر اسمه عليه، فمنطوق كل واحدة من الآيتين يعضد مفهوم الأخرى، وقوله: ﴿وَمَا لَكُمْ أَلاَّ تَأْكُلُواْ مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُم مَّا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ﴾ [الأنعام: ١١٩] ، وهو زجر عن الامتناع عن أكل ما ذكر اسمه تعالى عليه.
وتعتضد دلالة هذه الآيات بدلالة الآيات الأخرى التي تدل على الأمر بذكر اسم الله حال التذكية، وعلى أن ذكر اسمه تعالى مطلب يرتبط بما أنعم به على عباده من بهيمة الأنعام، وهي قوله تعالى: ﴿وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ﴾ [الحج: ٣٦] ، وقوله: ﴿فَكُلُواْ مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُواْ اسْمَ اللهِ عَلَيْهِ﴾ [المائدة: ٤] ، وقوله عزوجل: ﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُم مِّن بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ﴾ [الحج: ٢٨] ، وقوله: ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكًا لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُم مِّن بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ﴾ [الحج: ٣٤] .
стр. 16231
قال الإمام المودودي: " فهذا الاستعمال المتعاقب المتسلسل لاصطلاح التسمية في هذه الآيات دليل واضح على أن الذبح والتسمية كلمتان لا تدلان إلا على معنى بعينه في نظر القرآن، فلا نكاد نتصور ذبيحة مشروعة بدون أن يذكر عليها اسم الله ". (١)
وأما السنة فمنها حديث عدي بن حاتم، ﵁، أن النبي ﷺ قال له: ((أمرَّ الدم بما شئت، واذكر اسم الله عليه)) (٢) ، ومن روايته أيضا أن النبي ﷺ قال له: ((إذا أرسلت كلبك المعلم وذكرت اسم الله عليه فكل)) (٣) ، وعنه أن النبي ﷺ قال له: ((ما علمت من كلب أو باز ثم أرسلته وذكرت اسم الله عليه فكل)) (٤) ومنها حديث أبي ثعلبة الخشني أن النبي ﷺ قال له: ((ما صدت بقوسك فذكرت اسم الله عليه فكل، وما صدت بكلبك فذكرت اسم الله عليه فكل)) (٥) ، ومنها حديث رافع بن خديج أن النبي ﷺ قال: ((ما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه فكلوا)) (٦) ، إلى غير ذلك من الروايات.
стр. 16232
ووجه الاستدلال بهذه الروايات أنها جميعا تنوط إباحة الأكل بذكر اسم الله عند الذبح أو الصيد، وهذا يعني أن الإباحة معلقة على حصول هذا الشرط، وبانعدام الشرط ينعدم المشروط فلا إباحة بدونه، قال الحافظ ابن حجر: "المعلق بالوصف ينتفي عند انتفائه عند من يقول بالمفهوم، والشرط أقوى من الوصف، ويتأكد القول بالوجوب بأن الأصل تحريم الميتة، وما أذن فيه منها تراعى صفته، فالمسمى عليها وافق الوصف وغير المسمى باق على أصل التحريم " (١) .
وأجيب عن الاستدلال بالآيات بأن أقواها دلالة على الغرض هو قوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ ، وهو محمول على المنع من أكل ما أهل به لغير الله أو الميتة، أمّا حمله على أن المراد به ما أهل به لغير الله فدليله قوله تعالى إثره: ﴿وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ ، وجاء بيان الفسق في قوله: ﴿أو فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللهِ بِهِ﴾ [الأنعام: ١٤٥] ، واعترض بأن قوله تعالى ﴿وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ [الأنعام: ١٢١] ، سيق مساق التأكيد لهذا الحكم والتغليظ على من خالفه، والضمير راجع فيه إلى الأكل المفهوم من قوله: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا﴾ ، مثله في ذلك مثل قوله : ﴿اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [المائدة: ٨] ، فإن ضمير الفصل فيه عائد إلى العدل المفهوم من قوله: ﴿اعْدِلُواْ﴾ ولا اعتراض على هذا بما قاله بعضهم من أن الضمير عائد إلى عدم الذكر المفهوم من قوله: ﴿لَمْ يُذْكَرِ﴾ لأن الكلام سيق من أجل النهي عن الأكل، ومخالفة النهي الإلهي فسق.
стр. 16233
ورد عليه بأن ذلك لا يتم إلا مع جعل الواو عاطفة مع أن حملها على العطف هنا غير جائز، لعدم اتحاد الجملتين المعطوفة والمعطوف عليها، فالمعطوفة خبرية والمعطوف عليها إنشائية، ولا يجوز عطف الخبر على الإنشاء ولا العكس، وإذا تعذر العطف فلا محمل للواو إلا على الحال، ومن شأن الحال أن تفيد تقييد الحكم الذي تليه، وهذا يعني أن النهي مقيد بحال كون المنهي عن أكله فسقا، وهو ما أهل به لغير الله كما تقدم، ورد بأن حمل الواو هنا على أنها واو الحال يقتضي أن ما يعطف على الجملة التي دخلت عليها له أيضا حكم الحال، فإن العطف يقتضي اشتراك الجمل المتعاطفة في أحكامها، وقد وليت هذه الجملة جملتان في قوله عزوجل: ﴿وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إلى أَوْلِيَآئِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾ [الأنعام: ١٢١] ، وأي مكان للحال في هاتين الجملتين؟ على أن الجملة الحالية لا تكون إلا عارية من التأكيد لاستغنائها عنه، وماذا بعد التأكيد بـ إن واللام في قوله ﴿وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ [الأنعام: ١٢١] ولو أريد بها الحال لكانت: وهو فسق (١)
стр. 16234
وأما حمله على أنه في الميتة فمعوله على ما أخرجه أبو داود والطبري والبزار عن طريق ابن عباس ﵄ أن اليهود جاءت إلى النبي ﷺ وقالت: نأكل مما قتلنا، ولا نأكل مما قتل الله؟ فنزلت ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١٢١] ، وهذا يعني أن الآية إنما نزلت في تحريم الميتة، فلا يحمل على حكمها غيرها.
وأما الأحاديث التي ناطت الأكل من الصيد وغيره بذكر اسم الله عليه فهي محمولة على الندب (١) ، وأما القول الثاني- وهو قول من فرق بين حالتي العمد والنسيان- فإن أصحابه استندوا في تشددهم حالة العمد إلى ما استند إليه أصحاب القول الأول، واستدلوا على عذر الناس بقوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ ، مع ما علم من أنه لا يفسق غير العامد، كما استدلوا بقوله ﷺ : ((إن الله وضع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه)) (٢) ، وبما أخرجه البيهقي من طريق ابن عباس، ﵄، أن النبي ﷺ قال: ((المسلم يكفيه اسمه إن نسي أن يسمي حين يذبح فليذكر اسم الله وليأكل)) (٣) ، وبما رواه ابن عدي من طريق أبي هريرة ﵁ قال: "جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله أرأيت الرجل منا يذبح وينسى أن يسمي؟ فقال النبي ﷺ : ((اسم الله على كل مسلم)) (٤) .
стр. 16235
وأما القول الثالث- وهو قول من أباح ما لم يذكر اسم الله عليه عمدا كان ذلك أو نسيانا- فقد استدل أصحابه بالقرآن والسنة؛ أما القرآن فقوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ﴾ [المائدة: ٣] ، قال الدكتور أبو فارس: "وجه الاستدلال في هذه الآية أن الله ذكر المحرمات ولم يذكر فيها متروك التسمية" (١) ، وقوله سبحانه: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الأنعام: ١٤٥] ، ووجه استدلالهم به هو نفس ما ذكر من قبل (٢) , وقوله عز من قائل: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ [المائدة: ٥] ، قال الدكتور أبو فارس: "وجه الاستدلال أن الله أباح ذبائح أهل الكتاب، ولم يشترط التسمية منهم على ذبائحهم حتى تؤكل " (٣) .
стр. 16236
وأما السنة فقد استدلوا منها بما أخرجه البخاري والدارقطني عن عائشة ﵂ قالت: إن قوما قالوا للنبي ﷺ : إن قوما يأتوننا بلحم لا ندري أذكر اسم الله عليه أم لا؟ فقال: ((سموا أنتم عليه وكلوه)) (١) ، قالت: وكانوا حديثي عهد بالكفر. ووجه استدلالهم ما قاله المهلب: هذا الحديث أصل في أن التسمية على الذبيحة لا تجب، إذ لو كانت واجبة لاشترطت على كل حال، وقد أجمعوا على أن التسمية على الأكل ليست فرضا، فلما نابت عن التسمية على الذبح دل أنها سنة، لأن السنة لا تنوب عن الفرض (٢) .
وبما رواه أبو داود عن الصلت السدوسي مولى سويد بن ميمون
- وهو أحد التابعين- قال: قال رسول الله صلى الله عيه وسلم: ((ذبيحة المسلم حلال، ذكر اسم الله أو لم يذكر، إنه إن ذكر لم يذكر إلا اسم الله)) (٣) ، قال ابن كثير: هذا مرسل يعضد بما رواه الدارقطني عن ابن عباس أنه قال: "إذا ذبح المسلم ولم يذكر اسم الله فليأكل فإن المسلم فيه اسم من أسماء الله " (٤) .
стр. 16237
وهذه الأدلة كلها لا تقاوم أدلة من خالفهم ولا تدانيها، فأما ما استدلوا به من آيتي المائدة والأنعام فهو استدلال أوهن من أن يرقى إلى مراتب الأدلة الشرعية وأضعف من أن يحتاج إلى رد، فإن ذكر حكم من الأحكام في أعيان يتعلق بها لا يكون بحال دليلا على عدم تعلقه بغيرها حتى يرد به الدليل الدال على ذلك وإن كان نصا فيه.
ولو كان الأمر كما قالوا لما كان وجه لتحريم الجمع بين المرأة وعمتها وبين المرأة وخالتها لعدم ذكره في الآيات التي تحدثت عن المحرمات من النساء في سورتهن، وخصوصاً مع ما وليها من قوله : ﴿وَأُحِلَّ لَكُم مَّا وَرَاء ذَلِكُمْ﴾ [النساء: ٢٤] ، وهذا يعني إبطال مدلول حديث "لا تنكح المرأة على عمتها ولا على خالتها" (١) ، مع أن الإجماع منعقد على الأخذ به، وكذلك يترتب عليه أن لا يحرم بالرضاع إلا الأمهات والأخوات فقط، لأنهن وحدهن المنصوص عليهن بالتحريم في سورة النساء، وهو أيضاً يقتضي إسقاط الاستدلال بالأحاديث الدالة على أن كل ما يحرم بالنسب يحرم بالرضاع؛ مع انعقاد الإجماع على الأخذ بها، ويستلزم أيضا رد كل ما جاءت به الأحاديث من تحريم الحمر الأهلية، وتحريم ذوات الناب من السباع والمخالب من الطير لعدم ذكرها في آيتي المائدة والأنعام ونظائرهما.
стр. 16238
بل يترتب عليه أيضا عدم الأخذ بما في آية المائدة من الزيادة التي لم تذكر في آية الأنعام، وهي تحريم المنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وما أكل السبع، ويؤدي إلى الاسترسال في نقض كثير من الأدلة، وإنكار الكثير من الأحكام، كالرجم لعدم ذكره في سورة النور، وحرمة قذف المحصنين كقذف المحصنات ووجوب الحد عليهم، لأن ما في تلك السورة اقتصر على ذكر المحصنات وحدهن.
هذا مع أن الأدلة التي عول عليها القائلون بحرمة ما لم يذكر اسم الله عليه لا تحوم حولها ريبة ولا يدانيها لبس، فهي آيات محكمات واضحات وأحاديث صحيحة صريحة، وقد أجاد الإمام المودودي عندما قال بعد ذكر طائفة منها: " إنه لا يبقى أي مجال للشك بعد هذه الأحكام الواضحة الصريحة لله ورسوله في أن التسمية شرط لا بد من تحققه لحل الذبيحة، وإن كل حيوان يموت أو يقتل بدون أن يذكر اسم الله عليه هو حرام لا يحل أكله، ويا ليت شعري أي نوع من النصوص يجب أن يتوفر لثبوت حكم من الشريعة إذا كان هو لا يثبت بمثل هذه الآيات الواضحة والأحاديث الصريحة". (١)
وأما قوله تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ ، فهو لم يتعرض للتسمية سلباً ولا إيجاباً، فكيف ترد به النصوص الصريحة الدالة على اشتراطها؟ ودعوى أن أهل الكتاب لا يذكرون اسم الله على الذبح فارغة من كل دليل، لأنهم وإن شابوا اعتقادهم بوجود الله بما تراكم عليه من الضلالات التي حجبت نوره عن بصائرهم إلا أنهم لا ينكرون أنه خالق الوجود وباعث الرسل ومنزل الكتاب، فذكره معهود في أديانهم وشرائعهم، وما أبيحت ذبائحهم دون ذبائح المشركين إلا من أجل ما بقي عندهم من تعاليم الكتب التي بين أيديهم.
стр. 16239
قال الحافظ ابن كثير: "لا يلزم من إباحة طعام أهل الكتاب إباحة أكل ما لم يذكر اسم الله عليه، لأنهم يذكرون اسم الله على ذبائحهم وقرابينهم وهم متعبدون بذلك، ولهذا لم يبح ذبائح من عداهم من أهل الشرك ومن شابههم، لأنهم لا يذكرون اسم الله على ذبائحهم " (١)
وأما حديث عائشة، رضي الله تعالى عنها، فقد أجيب عن استدلالهم بأن دلالته على منع ما لم يذكر اسم الله عليه أقوى وأوضح، فإن الذين سألوا رسول الله ﷺ عن هذا اللحم لم يكن الباعث على سؤالهم إلا ما استقر في أذهانهم وتعورف فيما بينهم من أن التذكية تتوقف على ذكر اسم الله، وبدونه لا يكون مُذَكّى حلالا، وإنما كانت المبادرة إلى سؤالهم هذا بسبب ما اختلج في نفوسهم من الشك في حصول هذا الشرط من الأعراب الذين أسلموا من جديد، وقد أجابهم النبى ﷺ بما يقطع دابر الشك ويجتث جذور الوسوسة، ومفاد جوابه أن أعمال المسلمين -ولو دخلوا في هذا الدين من عهد قريب -محمولة على أنها وفق شريعته، فلا داعي إلى الارتياب فيها والتوقف عن الاعتداد بها، وهو معنى أمره ﷺ لهم أن يسموا ويأكلوا (٢) ، قال الحافظ ابن حجر: "ويستفاد منه أنه ما يوجد في أسواق المسلمين محمول على الصحة، وكذا ما ذبحه أعراب المسلمين لأن الغالب أنهم عرفوا التسمية" (٣) , وقال الإمام المودودي: "ومن الظاهر كذلك أن اللحم الذي يوجد في أسواق المسلمين في القرى والمدن أنى لكل واحد منا أن يمعن في التحقيق ويتبين عنه بكل دقة واستبصار أنه ذبح من الحيوان الحلال، وأنه قد روعي في ذبحه كل ما لتذكيته من الشروط، وأنه قد ذبحه رجل قديم العهد بالإسلام، وأن هذا الذابح كان عارفاً بقواعد الشريعة للذبح؟ ومتى كلفتنا الشريعة بمثل هذا التحقيق؟ " (٤)
стр. 16240
وأما حديث الصلت السدوسي فلا حجة فيه لأنه مرسل، ولا يمكن أن يعتضد بما رواه الدارقطني عن ابن عباس - وإن قال به ابن كثير - لأنه أيضا ليس بحجة فإنه موقوف عليه، والحجة إنما هي في المرفوع.
وأما القول الرابع- وهو أن أكل ما لم يذكر اسم الله عليه مكروه -
فيبدو أن من قاله حمل النهي في القرآن والسنة على الكراهة دون التحريم وهو بعيد، فإن الأصل في النهي أن يكون للتحريم، ولا يحمل على غيره إلا بدليل، ولا دليل على ذلك بل الدليل على خلافه، كيف وقد اقترن في النص القرآني بوصف المنهي عنه أنه فسق؟
وقد سبق أن القول الخامس لا يعدو أن يكون الخلاف بينه وبين القول الثالث لفظيا، ويتبعه في الاستدلال والإيراد.
وأما القول السادس الذي ذهب إليه ابن العربي وتابعه عليه القرطبي - وهو الذي يفصل أحكام المسألة بحسب اختلاف صورها، فيذهب إلى الإباحة فيما إذا كان الترك من أجل اكتفاء الذابح باسم الله الذي يملأ جوانح قلبه وإن لم يقض ذكره على لسانه، أو من أجل أنه يرى التسمية لا تتناسب مع فعله لأنه ليس بقربة وهي أولى بها القرب، ويذهب إلى المنع إن كان الترك بباعث الاستخفاف باسم الله تعالى- فإنا نرى أن نعرض هذا القول على كلام ابن العربي نفسه، فالصورة الأولى- وهي ما إذا كان ترك التسمية من أجل ما في القلب من أسماء الله- قد تعرض لها ابن العربي نفسه عندما قال: "فإن قيل: المراد بذكر اسم الله بالقلب لأن الذكر يضاد النسيان، ومحل النسيان القلب فمحل الذكر القلب، وقد روى البراء بن عازب وغيره عن النبي ﷺ ((اسم الله على قلب كل مسلم سمي أو لم يسم)) ، ولهذا تجزئه الذبيحة إن نسي التسمية تعويلا على ما في قلبه من اسم الله سبحانه".
стр. 16241
"قلنا الذكر يكون باللسان ويكون بالقلب والذي كانت العرب تفعله تسمية الأصنام والنصب باللسان، فنسخ الله ذلك بذكر الله في الألسنة واستمر ذلك في الشريعة، حتى قيل لمالك: هل يسمي الله إذا توضأ؟ فقال: أيريد أن يذبح؟ إشارة إلى أن موضع التسمية وموضوعها إنما هو في الذبائح لا في الطهارة، وأما الحديث الذي تعلقوا به في قوله: "اسم الله على قلب كل مؤمن " فحديث ضعيف لا تلتفتوا إليه" (١) .
هذا نص كلامه وهو صريح في أن الذكر المطلوب الذي يتوقف عليه حل الأكل لابد من أن يكون باللسان، ولا يكتفى بما في القلب وحده، وهذا هو الذي يتفق مع نسق التشريع وتقتضيه سنن التعبد، فإن الله تعالى يصف القرآن بقوله: ﴿بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ [العنكبوت: ٤٩] ، وقد فرض على عباده أن يقرؤوه بألسنتهم في صلواتهم، ولا يكتفى من أحد إن قال: إن القرآن الكريم كله في قرار نفسي وملء ذاكرتي، فلا داعي إلى أن أقرأ شيئا منه في صلاتي. ولا تكون صلاته بذلك صحيحة بالإجماع.
стр. 16242
وأما الصورة الثانية التي أسقط فيها اشتراط الذكر لحل المذبوح وهي أن يقول الذابح: إن الذبح ليس قربة فلا داعي إلى ذكر اسم الله عليه، فنعرضها أيضا على كلامه بنفسه، فقد قال بعد ذكره لأدلة وجوب التسمية: "وهذه أدلة ظاهرة غالبة عالية وذلك من أظهر الأدلة وأعجب لرأس المحققين إمام الحرمين يقول في معارضته هذا: وذكر الله إنما شرع في القرب، والذبح ليس بقربة، قلنا: هذا فاسد من ثلاثة أوجه:
أحدها: أنه يعارض القرآن والسنة كما قلنا.
الثاني: أن ذكر الله مشروع في كل حركة وسكنة حتى في خطبة النكاح، وإنما تختلف درجاته بالوجوب والاستحباب.
الثالث: أن الذبيحة قربة بدليل افتقارها إلى النية عندنا وعندك، وقد قال الله تعالى: ﴿لَن يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِن يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنكُمْ﴾ ". [الحج: ٣٧] (١)
ولئن كان مأخذ الذابح التارك لاسم الله هنا نظرة يعارضها القرآن والسنة- وهما أصلا التشريع- كما يفيده كلام ابن العربي بل ويعارضها الأصل الثالث وهو الإجماع، كما سبق نقله عن الإمامين النووي والحافظ ابن حجر، فما هو الأولى؟ هل هو ترك ما دلت عليه أصول الشريعة، والأخذ بما أفرزته أوهام البشر، وإقرار أخطائهم المعارضة لما دلت عليه الدلائل القطعية؟ أو أن الأولى أن يقتفى نهج الشريعة المتمثل في الكتاب والسنة والإجماع، وترد إليها أخطاء الناس فتحكم فيها؟ مع أن الله تعالى يقول: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [النساء: ٥٩]
стр. 16243
الرأي المختار:
إن الذي استقر في ذهني- بعد استعراض هذه الأقوال وأدلتها وما يتوجه إلى كل منها من إيراد ودفع- أن من تجرد في هذه المسألة من جميع العوامل النفسية، وأسلس القيادة للدليل وحده لا يرتاب في أن القول الأول هو أصح هذه الأقوال وأعدلها وأبينها حجة وأوضحها محجة، ولو لم يكن عليه من دليل إلا قوله تعالى: ﴿وَلاَ تَأْكُلُواْ مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ [الأنعام: ١٢١] لكن، كيف والأدلة تكتنفه من كل جانب.
أما ما تشبث به معارضوه من أن الآية مقيدة بجملة حالية وهي قوله: ﴿وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ [الأنعام: ١٢١] ، فيجري حكمها في قيدها، ويحمل على ما أهل به لغير الله، لأنه المنصوص عليه أنه فسق في العديد من الآيات؛ فهو تشبث بما لا طائل تحته، لأنه مبني على أن جملة " وإنه لفسق " حال؛ وهو متعذر لأمرين: تأكيدها بأن واللام، والعطف عليها بما يتعذر حمله على الحال في قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إلى أَوْلِيَآئِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾ [الأنعام: ١٢١] ، فإن كل ذي ذوق ليدرك أنه لا معنى لتقييد النهي بحال وحي الشياطين إلى أوليائهم بمجادلة المؤمنين في هذا الحكم، والعطف بين الجمل يفيد اشتراكها في حكمها، فإن كانت الجملة المعطوف عليها حالا فلابد أن تكون المعطوفة مثلها وتفيد ما تفيده من التقييد، على أن ما ذكروه أمر لا يلتفت إليه الذهن بنفسه عند تلاوة هذه الآية- كما يقول الإمام المودودي-: "إلا إن وطد الإنسان نفسه مقدما على استحلال ذبيحة لم يذكر عليها اسم الله، فإنه عندئذ يتكلف خلع هذا المعنى على الآية". (١)
стр. 16244
ولم يكن منشأ هذا التأويل البعيد إلا ما فهموه من منع العطف بين جملتين لم تتفقا في الخبرية والإنشائية، وهو أساس متداع فإنه- وإن قال جماعة من النحويين بالمنع من هذا العطف- منقوض بالشواهد الكثيرة التي تفيد الجواز، وإن تأول المانعون بعضها فإن غالبها يستعصي على التأويل، منها قوله تعالى: ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِّلنَّاسِ وَأَمْناً وَاتَّخِذُواْ مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى وَعَهِدْنَا إلى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ﴾ [البقرة: ١٢٥] ، فإنَّ "اتخذوا" إنشاء معطوف على "جعلنا"، وهو خبر وعطف عليه خبر آخر وهو "عهدنا"، ومنه قوله تعالى: ﴿وَلاَ تَنكِحُواْ الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلأَمَةٌ مُّؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِّن مُّشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلاَ تُنكِحُواْ الْمُشِرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُواْ وَلَعَبْدٌ مُّؤْمِنٌ خَيْرٌ مِّن مُّشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢١] ، وهو كما يظهر للجميع تضمن إنشائين وخبرين، فقد عطفت جملة ﴿وَلأَمَةٌ مُّؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِّن مُّشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ﴾ [البقرة: ١٢٥] وهي خبر ,على جملة ﴿وَلاَ تَنكِحُواْ الْمُشْرِكَاتِ﴾ وهي إنشاء، ثم عطف عليها جملة ﴿وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ [البقرة: ١٢٥] وهي إنشاء، ثم جملة ﴿وَلَعَبْدٌ مُّؤْمِنٌ خَيْرٌ مِّن مُّشْرِكٍ﴾ [البقرة: ١٢٥] وهي خبر؛ ومثله قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [النور: ٤] ، فإن اختلاف الجملتين في ذلك واضح، وبهذا الذي قلناه قال جماعة من محققي النحويين، فقد ذكر الحافظ ابن حجر بأن سيبويه ومن تبعه من المحققين يجيزون ذلك ولهم شواهد كثيرة (١) ، ونسب الإمام محمد الطاهر بن عاشور القول بالجواز إلى المحققين (٢) ، وممن قال به الإمام المفسر النحوي أبو حيان (٣)
وحمل عليه عطف قوله تعالى: ﴿وَبَشِّرِ الَّذِين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ﴾ [البقرة: ٢٥] على قوله: ﴿أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ٢٤] ، واستشهد له بقول امرئ القيس:
وإن شفائي عبرة إن سفحتها وهل عند رسم دارس من معول
وقول الشاعر:
تناغي غزالا عند باب ابن عمر وكحل مآقيك الحسان بإثمد
стр. 16245
وعزا ابن هشام في المغني (١) والسيوطي في الهمع (٢) إجازته إلى الصفار تلميذ ابن عصفور وجماعة، وإن الصفار استدل له بقول الشاعر:
وقائلة خولان فانكح فتاتهم وأكرومة الحيين خلو كما هيا
وأما دعوى أن الآية في الميتة تعويلا على حديث ابن عباس فهي مبنية على الأخذ بخصوص السبب وإلغاء ما يدل عليه عموم اللفظ من شمول الحكم لما هو خارج سببه، وهي مخالفة صريحة لما استقر عليه جمهور الأصوليين والفقهاء من أنه لا عبرة بخصوص السبب مع عموم اللفظ، وفي هذا ما يكفي لدحض هذه الدعوى فضلا عن كون الرواية نفسها غير صحيحة، وذلك من وجوه:
أحدها: أن اليهود لا تستحل الميتة حتى تجادل فيها.
الثاني: أن الآية في سورة الأنعام وهي مكية، والمجادلة بين المسلمين واليهود إنما كانت بالمدينة بعد الهجرة.
الثالث: أن روايات أخرى دلت على أن الذين جادلوا من غير اليهود، فقد أخرج الطبراني من طريق عكرمة عن ابن عباس، ﵄، قال: لما نزلت ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١٢١] ، أرسلت فارس إلى قريش إن خاصموا محمدا وقولوا له: فما تذبح أنت بيدك فهو حلال وما ذبح الله بشمشير من ذهب فهو حرام؟ فنزلت الآية ﴿وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إلى أَوْلِيَآئِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾ [الأنعام:١٢١] وهذه الرواية تدل على أن ما نزل بسبب المجادلة هو آخر الآية، وأن أولها المفيد للمنع نزل قبلها، على أن هذه القصة نفسها بعيدة أيضا، فإن القرآن الكريم إبان نزوله بمكة المكرمة لم يكن صيته يصل إلى بلاد فارس حتى يزعجهم فيكتبوا إلى قريش بهذه المجادلة. وروى الترمذي بلفظ "أتى أناس " ولم يذكر أنهم من اليهود، وكذلك رواه ابن جرير من طرق عن ابن عباس من غير ذكر لليهود، وما من شك أن مع مثل هذا الاضطراب تكون الرواية واهية الحجة.