٢- لجنة الفتوى بالأزهر الشريف:
لقد صدرت عن لجنة الفتوى بالأزهر الشريف فتويان:
الأولى: وتقضي بأن الأطعمة المستوردة من بلاد أهل الكتاب حلال ما لم يعلم أنهم سموا عليها غير الله، أو ذبحت بغير الذكاة الشرعية كالخنق والوقذ، ومن باب أولى ما علم أنها من الخنزير أو الميتة أو الدم.
وقد صدرت هذه الفتوى في عهد الشيخ عبد المجيد سليم ﵀.
وقد أفتى الشيخ محمود شلتوت- ﵀ بمثل ذلك (١)
والفتوى الثانية: تقضي بأن الأطعمة المستوردة من بلاد أهل الكتاب حلال ما لم تتحقق أنها من المحرم لذاته، وهو الميتة والخنزير والدم، وكل ما وراء ذلك فهو حلال وإن تحققنا أنه أهل به لغير الله أو لم يذك بالذكاة الشرعية الإسلامية (٢)
وقد صدرت هذه الفتوى في عهد الشيخ مصطفى المراغي- ﵀ وقد سبق لجنة الفتوى بالأزهر إلى هذه الفتوى الشيخ محمد عبده ﵀ , وأيده في ذلك محمد رشيد رضا ﵀، كما ذكرنا ذلك قبل قليل.
كما صدرت فتاوى أخرى من بعض المشايخ المعاصرين منهم المتشدد ومنهم المتساهل.
جل اعتماد الفتاوى المتشددة مستند إلى أن هذه اللحوم التي تستورد من بلاد كتابية أو غير كتابية لا تذبح على الطريقة الشرعية في نظر أصحاب تلك الفتاوى، إذ غالبا ما يجري الذبح في تلك البلاد بالوسائل التالية:
١- تزهق روح الحيوان في بعض البلاد بضربه على جبهته بمحتوى مسدس، ثم يهوي إلى الأرض، ثم يسلخ.
٢- تضرب جبهة الحيوان في بلاد أخرى بحديدة فيموت دون ذبح، ثم يسلخ.
٣- الدجاج يصعق بالتيار الكهربائي بمسدس في أعلى لسانه، فتزهق أرواحه، ثم يمر على آلة تقوم بنزع ريشه.
стр. 16312
وقد نقل بعض المسلمين الذين زاروا البلاد الأوروبية والأمريكية الطرق المذكورة التي يستخدمها سكان هذه البلاد في تذكية حيواناتهم.
أما مستند القائلين بتحليل اللحوم المستوردة من البلاد التي أهلها أهل كتاب، فيستندون إلى عموم الآيات القرآنية والآثار النبوية التي تبيح طعامهم، ويحرمون ما جاءنا من بلاد لا يدين أهلها بكتاب سماوي؛ كالبلدان الشيوعية والبوذية ونحوها.
الرأي المختار في اللحوم المستوردة من بلاد غير إسلامية:
بعد هذا العرض لآراء الفقهاء- رحمهم الله تعالى- في الذكاة الشرعية وما يشترط فيها، وبعد ذكرنا لآراء بعض فقهائنا المعاصرين في اللحوم المستوردة، أرجح من تلك الآراء الرأي القائل:
ا- اللحوم التي تأتي من بلاد لا تؤمن بدين سماوي كالشيوعية وغيرها حرام، إلا إذا علمنا علم اليقين أن الذي قام بالذبح مسلم أو كتابي، أما ما يأتي منها من مطعومات أخرى غير الذبائح فهو حلال كالحبوب والخضروات والفواكه والأسماك.
٢- اللحوم التي تأتينا من أهل الكتاب، يمكن تقسيمها إلى ثلاثة أقسام:
стр. 16313
القسم الأول: ما علم أنه ذبح على الطريقة الشرعية، كما لو أخبرنا بذلك من يوثق بكلامه، فهذا حلال.
القسم الثاني: ما علم أنه ذبح على غير الطريقة الشرعية بيقين، أو أهل به لغير الله، فهذا حرام.
القسم الثالث: ما جهل حاله، فلا ندري على أي صفة تمت تذكيته، وكان مصدره إحدى الدول التي تدين بدين سماوي- أي من أهل الكتاب- فالذي أميل إليه، والله أعلم، حل هذه الذبائح للأدلة التالية:
أ- إن اليقين لا يزول بالشك، فاليقين هو حل طعام أهل الكتاب بالنص، لايزول بالشك في شرعية الذبح أو عدمها، لأن حل الطعام لا يزول بالشك، ولا يحرم إلا بالتأكيد بأنها وردت من بلاد لا دينية، أو ذبحت على خلاف الطريقة الشرعية.
ب- إن الرسول ﷺ أكل من الشاة المهداة إليه من المرأة اليهودية بدون أن يسأل عن كيفية ذبحها، وكثير من الصحابة فعلوا ذلك، ولسنا مأمورين بالبحث في طريقة ذبح كل ذبيحة، إلا أن الواجب علينا أن نتحرى عن الذابح، ما إذا كان مسلما أو كتابيا، لأن الرسول ﷺ عرف أن الشاة من امرأة كتابية.
أ- روي عن عائشة ﵂ أن قوما كانوا حديثي عهد بالإسلام يأتوننا باللحم، ولا ندرى أذكر اسم الله عليه أو لا، فقال ﷺ : ((سموا أنتم وكلوا)) ، فإذا كان مجهول الحال بالنسبة إلى التسمية عند القائلين بوجوبها يؤكل بعد تسمية الآكل عليه، فكذلك مجهول الحال في طريقة الذبح؛ يسمي الآكل عليه ويأكله.
هذا والله أعلم.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين
أ. د إبراهيم فاضل الدين
стр. 16314
مصادر البحث
* (بعد القرآن الكريم)
١- صحيح البخاري.
٢- سنن أبي داود.
٣- بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع، للإمام أبي بكر بن مسعود الكاساني الحنفي، الطبعة الثانية، ١٤٠٦هـ/ ١٩٨٦م، دار الكتب العلمية- بيروت.
٤- الخرشي على مختصر سيدي خليل وبهامشه حاشية العدوي ,دار الكتاب الإسلامي لإحياء ونشر التراث الإسلامي- القاهرة.
٥- المغني، لابن قدامة المقدسي، على مختصر أبي القاسم عمر بن حسين الخرقي. الناشر: مكتبة الجمهورية العربية، مكتبة الكليات الأزهرية- القاهرة.
٦- رد المحتار على الدر المختار، شرح تنوير الأبصار (حاشية ابن عابدين) للعلامة محمد أمين بن عابدين، مطبعة مصطفى البابي الحلبي.
٧- نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج، للشيخ شمس الدين محمد بن شهاب الدين الرملي.
٨- مغني المحتاج إلى معرفة معاني ألفاظ المنهاج، للشيخ محمد الشربيني الخطيب، على متن المنهاج لأبي زكريا يحيى بن شرف النووي،شركة مصطفى البابي الحلبي بمصر، ١٣٧٧هـ/ ١٩٥٨م.
٩- بداية المجتهد ونهاية المقتصد، لابن رشد. محمد بن أحمد القرطبي، الناشر: مكتبة الكليات الأزهرية.
١٠- الفتاوى الكبرى لابن تيمية، أحمد بن عبد الحليم أبو العباس تقي الدين ابن تيمية الإمام، دار الكتب الحديثة ١٤ شارع الجمهورية، مطبعة دار الجهاد بالقاهرة، ١٣٨٥ هـ/ ١٩٦٥ م.
١١- كفاية الأخيار في حل غاية الاختصار، للإمام تقي الدين أبي بكر بن محمد الحسيني الحصني الدمشقي الشافعي، تحقيق علي عبد الحميد بلطه جي ومحمد وهبي سليمان، الطبعة الأولى ١٤١٢هـ/ ١٩٩١ م، دار الخير- بيروت.
١٢- الاختيار لتعليل المختار، تأليف عبد الله بن محمود بن مولود الموصلي الحنفي، الطبعة الثانية، مطبعة مصطفى البابي الحلبي بمصر، ١٣٧٠ هـ/ ١٩٥١م.
١٣- أحكام الأطعمة والذبائح في الفقه الإسلامي، للدكتور أبو سريع محمد عبد الهادي، دار الجيل- بيروت.
١٤- حكم اللحوم المستوردة إلى بلاد المسلمين، للدكتور محمد عبد القادر أبو فارس، دار العدوي- عمان، الأردن.
стр. 16315
الذبائح
والطرق الشرعية في إنجاز الذكاة
إعداد
الدكتور محمد سليمان الأشقر
أستاذ الشريعة الإسلامية
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
تمهيد
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله ولي المتقين، وأشهد أن محمدا رسول الله إلى الناس أجمعين، ختم الله به الرسالات، وجعله رحمة للعالمين، وصلى الله عليه وعلى آله الطيبين، وصحبه الهداة المهديين، وسلم تسليماً كثيرا.
إن الكلام في الذبائح وطرق الذبح مما يهم كل مسلم التعرف عليه وعلى الطرق الشرعية فيه، حيث إنه من الوسائل التي يتحقق بها للمسلم طيب المطعم وحله، والله تعالى أرسل رسوله يحل لنا الطيبات ويحرم علينا الخبائث، فما حرمه الله تعالى على لسان رسوله ﷺ فلا شك عند المسلم أنه خبيث، وإن لم ير فيه ضررا ظاهرا، وما أحله فهو الطيب.
والله تعالى أمرنا أن نستحل ما أحله لنا، وأن نحرم ما حرمه علينا، قال الله تعالى: ﴿فَكُلُواْ مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ إِن كُنتُمْ بِآيَاتِهِ مُؤْمِنِينَ، وَمَا لَكُمْ أَلاَّ تَأْكُلُواْ مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُم مَّا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلاَّ مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ وَإِنَّ كَثِيرًا لَّيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِم بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ﴾ [الأنعام: ١١٨-١١٩] ، وهذا تنبيه على قبح فعل من يسارع إلى تحريم ما أحله الله بناء على هوى أو جهل، وقال تعالى: ﴿وَلاَ تَأْكُلُواْ مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إلى أَوْلِيَآئِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾ [الأنعام: ١٢١]
стр. 16316
وقد قال النبي ﷺ : ((من صلى صلاتنا، واستقبل قبلتنا، وأكل ذبيحتنا، فهو المسلم)) ، فقرن ﷺ التزام الإنسان بأحكام الشريعة في الذبائح بالصلاة واستقبال القبلة في تحديد هوية المسلم، لأن هذه الأمور الثلاثة تجمع المسلمين على أمور ظاهرة، فالذبح الشرعي شعيرة من شعائر الدين، يجب أن تقام ويعتنى بها كل الاعتناء (١)
وليس معنى قولنا: "إن الذبح شعيرة" أنه عبادة يتعبد الله تعالى بها في كل حال، كما قاله ابن القيم ومن تابعه (٢) ، لأنه إنما يكون عبادة إن ذبح لوجه الله تعالى ابتغاء مرضاته، كالأضحية، والعقيقة، والقربان، والهدي، ونحو ذلك، أما إن ذبح لمجرد اللحم، سواء للأكل أو الإطعام أو البيع، فليس عبادة على الإطلاق.
ولكن مرادنا بالقول إنه من شعائر الدين أن إجراء عملية الذبح طبقا للقواعد والضوابط التي حددها الكتاب والسنة أمر مطلوب من المسلم مراعاته، واعتقاد أنه من الأمور التي يكون الالتزام بها ورعايتها من شأن المؤمن القوي الإيمان، ونحن ناظرون في هذا إلى قول النبي ﷺ : ((من صلى صلاتنا، واستقبل قبلتنا، وأكل ذبيحتنا فهو المسلم)) .
ومن هنا ينبغي أن يشكر اهتمام مجمع الفقه بهذه القضايا وحشده لها، فإن كل ذلك من تعظيم شعائر الله وتكريم شرائعه.
والله الموفق والهادي إلى سواء السبيل.
стр. 16317
تعريف التذكية:
التذكية ذبح الحيوان أو نحره أو عقره بكيفية أو أوضاع معينة بينتها الشريعة، بحيث يكون لحمه حلالا للمسلم. وهي تكون بطريقتين:
الأولى: الذبح أو النحر، وذلك في الحيوان الذي يتمكن منه، كالإبل والبقر والغنم.
الثانية: ضربه بمحدد من سهم أو رمح في أي موضع من بدنه، بحيث يخرج منه الدم، وذلك في الصيد ونحوه، لأنه لا يتمكن منه إلا بذلك، فإن صاده فأدركه حيا وتمكن من تذكيته بالذبح لم يبح إلا بأن يذبحه.
حكمة مشروعية التذكية:
إنه باستقراء دلالة النصوص الشرعية في الكتاب والسنة يمكن أن يفهم أن التذكية شرعت لأمرين:
الأول: إخراج ما في بدن الحيوان من الدم، وذلك لأن الدم في المفهوم الشرعي مادة خبيثة، وقد جعل الله تعالى الدم أحد المحرمات القطعية الأربع التي كرر ذكرها مقترنة في آيات كثيرة وهي الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به، فلا يجوز تناول الدم أصلا، ويجب إخراجه من الحيوان بالذبح، ليطيب اللحم ويخلص من هذه المادة الخبيثة (١) ، ولكن لما كان تتبع ما يبقى من اللحم في العروق عسيرا اقتصر التحريم على الدم المسفوح، أما الدم الذي يجمد في العروق فلم يحرم، بل تشمله رخصة الله تعالى تيسيرا على المؤمنين.
стр. 16318
وقد يدعي البعض أن خبث الدم مجرد دعوى لا حجة لها.
ولكن نعرف أن الدم يجري في البدن يغذيه، ثم تصب فيه الخلايا التالفة والسموم والجراثيم، فيحملها في جريانه، ويمر بها على الكليتين لتصفيته هناك منها، وإخراجها بشكل السائل المعروف بالبول، الذي هو من أخبث الخبائث، واجتمعت على إثبات خبثه بدهيات العادات، ومقررات الشرائع، وكرهته واستخبثته الفطر السليمة، لما جعل الله تعالى فيه من الروائح المنفرة لكي يتجنبه من يعلم ضرره ومن لا يعلمه.
فالدم الذي يحتوي مما على هذا البول حرمته الشريعة، لكمالها، ولم تنص على تحريم البول، لأن البول يتجنب بالفطرة، أما الدم فلا تستدعي الفطرة تجنبه، ولذلك جعلت الشريعة إخراجه من الحيوانات بالتذكية شرطا لحل لحمها، تقليلا للأضرار، وإصلاحا للأبدان، وحملا للمؤمنين على أكمل مناهج الحياة.
الثاني: أن الذبح هو أيسر الوسائل المتاحة للإنسان عادة لإخراج الدم الخبيث من الحيوان الذي يعد لحمه للأكل، فهو أيسر ما يمكن للحيوان وأقل لتألمه، لسرعة خروج الدم من الودجين، وإنهاره بقوة شديدة، وهذا يؤدى إلى إزهاق نفسه، وتخليص لحمه من دمائه، في مدة قليلة جدا بسرعة لا تحصل بجرحه في أي مكان آخر من بدنه.
стр. 16319
ويمكن أن نقارن ذلك بما فطر الله عليه بعض السباع من الأسود والنمور وغيرها إذا تمكنت من الفريسة، فإن الله تعالى قد ألهمها أن تقصد إلى مقدم عنق الفريسة، فتنهشه في نفس الموضع الذي شرع لنا الذبح فيه، والذي يبدو من حكمة كونه أخف على الحيوان المصيد، وإن كان الحيوان الصائد إنما يقصد إلى شرب الدم، فالشرع إذن موافق للحكمة في الخلق، وتبارك الله ﷻ ، الذي له الخلق والأمر، وهو الحكيم العليم الرؤوف الرحيم.
وقد يقال: إن هذه الحكمة منتقضة بالصيد، فإن الصيد لا يشترط فيه قطع الودجين ولا النحر، ومع ذلك فهو حلال مذكى شرعا، مع أنه لا يخرج من دمه إلا الشيء اليسير، ويبقى الجزء الأكبر من دمائه محتقنا في عروقه، وهو مع ذلك حلال لا شبهة فيه.
والجواب أن أكل الصيد رخصة أتت على خلاف ما تقتضيه العزيمة، وقد رخص فيه لعامة المسلمين، والأصل فيه أهل البوادي ونحوهم الذين تعز عندهم أحيانا اللحوم، فاكتفي منهم بما يسفكه السهم أو الكلب من دم الحيوان المصيد، ولا يحل لو قتله بثقله، ثم إن أدركه الصياد حيا وتمكن منه وجب عليه أن يذكيه بالذبح وإلا لم يحل.
стр. 16320
ما لا يحتاج إلى تذكية:
ليس كل حيوان بحاجة إلى التذكية ليحل، بل الذي لا يحل إلا بالتذكية هو الحيوانات الثديية البرية، وأما الحيوانات الآتي ذكرها فتحل بدون تذكية:
ا-الحيوانات المائية: التي لا تعيش إلا في ماء البحار أو الأنهار أو نحوها، فليست بحاجة إلى تذكية، لقول الله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَّكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ﴾ [المائدة: ٩٦] وقال النبي ﷺ في البحر ((هو الطهور ماؤه الحل ميتته)) , وقال أيضا: ((أحلت لنا ميتتان ودمان، فأما الميتتان فالسمك والجراد، وأما الدمان فالطحال والكبد)) .
٢-الحيوانات البرمائية: وهي التي تعيش في البحر وتعيش في البر أيضا، كالسلحفاة البحرية، فقد قيل فيها إنها أيضا من الحيوانات البحرية، ولذا لا تحتاج إلى تذكية.
وفي قول آخر للفقهاء أن جانب كونها تعيش في البر يرجح على معيشتها في البحر، كالقاعدة في الأطعمة والانكحة إذا اجتمع فيها ما يقتضي الحل وما يقتضي التحريم، وعلى هذا فما كان من الحيوانات البرمائية ذا دم سائل لابد من ذبحه، وما لم يكن له دم سائل كالسرطان، يحل بدون ذبح.
стр. 16321
وفي رأينا أن الحكم للأغلب، فما كانت عامة معيشته في البحر، ولكن يخرج إلى البر قليلا، كالسلحفاة البحرية التي لا تخرج إلى البر إلا لتبيض وتدفن بيضها في رمل الشاطئ، ثم تعود إلى البحر فورا، فهذه حكمها حكم حيوان البح تحل بدون ذكاة، وما كان عامة حياته في البر، ولكن لو وجد حواليه ماء فإنه يدخل فيه ويمكنه العيش فيه مدة، كالحيات والسلاحف البرية، فهذا لا يحل إلا بذبحه، وهذا عند من أجاز أكل الحيات (١) ، ثم وجدت في فتح الباري أن عطاء رجح ما رجحناه حيث قال: حيثما كان أكثر فهو صيد (٢) .
ونقل القرافي في الذخيرة عن المدونة: لا يحتاج فرس البحر إلى ذكاة، وإن كان له رعي في البر، ولابد من ذكاة طير الماء (٣)
٣- الحيوانات التي ليس لها نفس سائلة (أي دم سائل) لا تحتاج إلى تذكية، سواء عاشت في البحر كالسرطان، أو في البر كالجراد.
هذا وسوف نجعل الكلام في شؤون الذكاة في أربعة فصول:
الأول: في شرط الذكاة، والأوضاع الشرعية المعتبرة فيها.
الثاني: في النظر في الطرق التي تتبع في المسالخ العصرية لإزهاق أرواح الحيوانات.
الثالث: في العمل في حالة الجهل بتحقيق شروط الذكاة في اللحم المقدم للطعام.
الرابع: في مشكلات اللحوم المستوردة.
стр. 16322
الفصل الأولى
شروط التذكية الشرعية
تمثل شروط التذكية الشرعية الأوضاع التي أوجب الشرع مراعاتها ليكون أكل المذبوح حلالا.
ويلاحظ كثرة هذه الشروط، لكن بعضها إجماعي وبعضها خلافي، ومن أداه اجتهاده إلى مشروعيته فلابد له ولمن قلده من مراعاته، ومن لا فلا، غير أن الشارع الحكيم استثنى حالة الاضطرار، قال الله تعالى: ﴿وَمَا لَكُمْ أَلاَّ تَأْكُلُواْ مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُم مَّا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلاَّ مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١١٩] ، وقال بعد أن ذكر المحرمات من الأطعمة: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة: ٣] ، ومن هنا أخذت القاعدة المعروفة (الضرورات تبيح المحظورات) بقيودها المعروفة، فلا نطيل بها.
ويمكن ترتيب هذه الشروط كما يلي:
أولا: شروط في الإنسان الذابح.
ثانيا: شروط في الحيوان المذبوح.
ثالثا: شروط في الآلة التي يجري بها الذبح.
رابعا: شرط النية والقصد.
خامسا: شرط تسمية الله على الذبيحة.
سادسا: شرط عدم تسمية غير الله تعالى.
سابعا: شرط ألا يكون مما ذبح على النصب.
ثامنا: شروط في موضع ما يقطع من الحيوان بالذبح.
стр. 16323
أولا: الشروط في الذابح:
ا- يشترط في الذابح أن يكون عاقلا بالغا، رجلا كان أو امرأة أو طفلا مميزا، ليصح القصد والنية، وهذا عند الجمهور، ولم يشترط الشافعي أن يكون الذابح مميزا أو عاقلا، فتحل عنده ذبيحة السكران والمجنون وغير المميز، من حيث إنه لا يعتبر القصد والنية كما يأتي النقل عنه (١)
٢- ويشترط أن يكون الذابح مسلما أو كتابيا، والمراد بالكتابيين:
اليهود أهل التوراة، والنصارى أهل الإنجيل، وإباحة ذبائح أهل الكتاب مسألة إجماعية، وإن اختلف العلماء في بعض التفصيلات كما يأتي، ودليل إباحة ذبائحهم قول الله ﵎: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ حِلٌّ لَّكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلُّ لَّهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ [المائدة: ٥] ، ووجه الدلالة أن طعامهم الذي أحله الله يشتمل في الغالب على لحم ما ذبحوه ودهنه، وأيضا فإن ما استنبتوه من الفواكه والثمار والحبوب، أو اشتروه وطبخوه، أو صنعوه، لا إشكال فيه حتى ينص على إباحته. وإنما الذي يشك فيه الذبائح خاصة. ومن هنا فسر ابن عباس طعامهم في الآية بما ذبحوه، فقد ورد عنه أنه قال "طعامهم ذبائحهم " (٢) ، وفي حديث قصة خيبر، ورد حديث عبد الله بن مغفل ﵁، قال: ((دلي بجراب شحم يوم خيبر، فنزلت لآخذه، فالتفت فإذا رسول الله ﷺ يضحك)) (٣) .
وإنما جازت ذبيحة الكتابي وإن كان كافرًا لأنه كالمسلم من حيث إن أصل دينه التوحيد (٤)
стр. 16324
ذبائح سائر الكفار:
مفهوم هذا الشرط المتقدم أن المجوس والمشركين وسائر الكفرة وعباد الأصنام من البوذيين والهندوس وغيرهم لا تحل للمسلم ذبائحهم، وكذلك الملحدون والدهريون الذين لا يؤمنون بالله تعالى، ويعتقدون أن الكون وجد صدفة، وأن الحياة مجرد مادة تتفاعل، وتتوالد الأشياء بحسب الطبيعة المجردة، دون أن يكون لها فاعل مختار مدبر، كما هو مذهب الشيوعيين.
وتحريم ذبائح غير المسلمين وأهل الكتاب أمر مجمع عليه، قال الإمام أحمد: "لا أعلم أحدا قال بخلافه "، إلا أنه روي عن أبي ثور أنه أباح ذبائح المجوس؛ من أجل أنه ورد الحديث النبوي: " سنوا بهم سنة أهل الكتاب ". وهذا خطأ من أبي ثور ﵀ في الاستدلال، فإن هذا وارد في أخذ الجزية من المجوس، وإقرارهم أهل ذمة في البلاد الإسلامية، لا في أكل ذبائحهم أو التزوج بنسائهم، فإن الحديث وارد في هذا الشيء خاصة، كما هو معلوم في قصة ورود الحديث.
لو كان الحديث المذكور واردا مورد العموم- حسبما ادعاه أبو ثور - لكان التزوج بنساء المجوس حلالا للمسلم، وهو أمر ظاهر البطلان.
ووجه الاختصاص، والله أعلم، أن كون المجوس لهم شبهة كتاب شبهة تقتضي حقن دمائهم، وتقتضي في نفس الوقت تحريم نسائهم وذبائحهم (١) .
ولذا فالقاعدة أن من حل لنا التزوج من نسائهم حل لنا أكل ذبائحهم، ومن هنا قرنت الآية المتقدمة بين هذين النوعين من أفعال المكلفين، أعني قوله تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ حِلٌّ لَّكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلُّ لَّهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ [المائدة: ٥]
وقد جادل في تحريم ذبائح الكفار من سوى أهل الكتاب بعض المعاصرين، بدعوى أن القول بذلك لا دليل له من كتاب أو من سنة.
ولا نشتغل بالرد عليهم، لظهور فساد قولهم ومخالفته للإجماع (٢)
стр. 16325
ذبائح أهل الكتاب لكنائسهم وأعيادهم:
ما ذبح لكنائس النصارى واليهود ومعابدهم، وما يذبح في مناسباتهم الدينية، إن ذبحه مسلم وسمى الله على الذبيحة فهو حلال، وكذا ما ذبحه يهودي أو نصراني وسمى الله، بدليل الآية المتقدمة ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ [المائدة: ٥] فهذا النوع هو من طعامهم، وروي أن بعض الصحابة أكلوه، منهم العرباض بن سارية، وأبو أمامة الباهلي، وأبو مسلم الخولاني، وأبو الدرداء، ﵃، وصرح بإباحته الإمام أحمد حين سئل: "ما يقرب لآلهتهم ويذبحه رجل مسلم؛ قال: لا بأس به " أي لأنه يذكر اسم الله وحده، وقال القاضي أبو يعلى من الحنابلة: ما ذبحه الكتابي لعيده أو نجم أو صنم أو نبي فسماه على ذبيحته حرم، لقول الله تعالى: ﴿وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللهِ﴾ وإن سمي الله تعالى وحده حل، لقول الله تعالى: ﴿فَكُلُواْ مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ إِن كُنتُمْ بِآيَاتِهِ مُؤْمِنِينَ﴾ [الأنعام: ١١٨]
وفي قوله هذا نظر، فإنه إن قصد الذبح للأصنام أو لشيء يعبد من دون لله فلا يشك في تحريمه، أما الذبح لأعيادهم فينبغي القول بأنه مع الحل يكره، من أجل القصد القلبي عند الذابح أنه يريد أن يذبح في تلك المناسبة التي لا يعترف بها الشرع الإسلامي.
وهذا الحكم ينطبق على ما ذبحه مسلم أو يهودي أو نصراني بالنيابة عن مجوسي أو كافر، إذا ذبحه لمعابدهم وأعيادهم الدينية: إن سمي الله وحده حل مع الكراهة، وإن سمي غيره تعالى حرم (١) ، وإن ذبحه لما يعبد من دون الله فهو حرام.
واختار ابن تيمية أن ما ذبحه الكتابي لعيده حرام علينا (٢) .
стр. 16326
ما ذبحه أهل الكتاب مما هو عندهم حرام وعندنا حلال:
اليهودي يحرم عليه في دينه ما ذكره الله تعالى ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلاَّ مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أو الْحَوَايَا أو مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ذَلِكَ جَزَيْنَاهُم بِبَغْيِهِمْ وِإِنَّا لَصَادِقُونَ﴾ [الأنعام: ١٤٦] وحرمت عليهم الإبل أيضا، ويذكر في كتابهم تحريم كل ما لم يكن مشقوق الأصابع كالنعام والبط، وكل ذلك حلال لنا. فلو ذبحوا إبلا أو بطا أو نعاما فهل يكون لنا حلالا؟
اختلف في أكل ذلك للمسلم، على قولين:
ا- أنه حرام، وهو قول الإمام مالك وبعض الحنابلة، لقول الله تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ [المائدة: ٥] قالوا: وليس هذا من طعامهم لأنه عليهم حرام.
٢- أنه حلال، لأنه من لحم حيوان لم يحرم علينا، واستكمل شروط الذبح فيكون حلالا، وهو قول الشافعي، وإليه يذهب الحنابلة، واستدلوا أيضا بما أخرجه البخاري ومسلم من حديث عبد الله بن مغفل ﵁، أنه قال: ((دلي جراب من شحم يوم خيبر، فنزوت لآخذه، فإذا رسول الله ﷺ يبتسم إلي)) قالوا: والمراد بطعامهم في الآية ذبائحهم (١) ، لأن من الشحوم ما هو محرم عليهم كما نص على ذلك القرآن، قالوا: فلما لم يأمر النبي ﷺ عبد الله بن مغفل بترك تناول الشحم المذكور، دل على عدم تحريمه؛ إذ لا يقر النبي ﷺ أصحابه على محرم.
وهذا القول الثاني عندي أصح، لأن العبرة بما في شريعتنا، لا بما في شريعتهم.
وأيضا يذكر عنهم أن لهم في الذبح طرائق معينة، ما ذبح ولم يستكمل تلك الشروط لا يأكلونه، وهم يسمونها طريفا، على أنهم- كما سمعنا- يربون البط ونحوه، ويبيعون لحومها وأكبادها لمن حولهم من مسلمين ونصارى ويصدرونه إلى الخارج.
وهذا النوع- وهو ما لم يذكر في شرعنا تحريمه عليهم، لكن هم يقولون إنه محرم عليهم- يصرح المالكية بأنه مكروه وليس محرماً (٢) .
стр. 16327
ثانيا: الشروط في المذبوح:
إن الذكاة لا تعمل في جميع الحيوانات الثديية والطيور، بل الحيوانات بالنسبة إلى هذا الأمر على ثلاثة أنواع:
ا- ما لا تعمل فيه الذكاة اتفاقا، وهو الخنزير، فلا يحل أكله ولا يطهر بالتذكية، بل يبقى نجسا، والكلب مثل الخنزير عند الجمهور.
٢- ما تعمل فيه الذكاة مطلقا وهو الإبل والبقر والغنم وسائر الحيوانات البرية والطيور التي ليس فيها سبب من أسباب التحريم.
٣- ما تعمل الذكاة فيه بتطهير لحمه وجلده وسائر أجزائه، لكن يبقى محرما أكله، كالحمير والبغال وسائر الحيوانات الثديية المحرمة والطيور المحرمة ما عدا الخنزير (١) ، وقيل: والكلب.
هذا ويشترط أن يدرك الذابح المذبوح وفيه حياة مستقرة: فلا تحصل التذكية بذبح ما هو ميت فعلا.
وكذا لا تحصل بذبح ما فيه حياة غير مستقرة، كالشاة المريضة التي أشرفت على الموت ولم يعلم أن موتها كان بسبب الذبح أو بسبب المرض، وكذا لو كانت الشاة قد جرحت أو سقطت من علو أو نطحتها شاة أخرى، أو افترسها سبع، فأخذت منه فذبحت، ولم يعلم أنه كان فيها قبل الذبح حياة مستقرة.
стр. 16328
ودليل هذا كله قول الله ﵎: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالْدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ [المائدة: ٣] فقوله: ﴿إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ [المائدة: ٣] راجع إلى المنخنقة وما بعدها ومعناه: أن ما أمكنت تذكيته قبل أن يموت فهو حلال، فإن كانت فيها قبل الذبح حياة مستقرة حلت بالذبح.
ويمكن أن يستدل على أنه هل كان فيها قبل الذبح حياة مستقرة أم لا:
بما يصدر عنها عند الذبح؛ فإن حركت يدا أو رجلا أو ذنبا ونهر الدم منها عند الذبح، فهي حلال، وإن لم يصدر عنها شيء مما يصدر عن الحي فهي ميتة، لأنها تكون قد ماتت بالمرض أو الخنق أو نحوه لا بالذبح.
وقال المالكية: إن الفعل الذي وقع بها من التردي أو النطح أو أكل السبع إن كان قد أنفذ مقاتلها، كما لو كان السبع قد أخرج أمعاءها وفصلها عنها، أو كانت قد ضربت فانقطع نخاع ظهرها، أو كانت قد طعنت في قلبها، أو قطع السبع موضع الذكاة منها، فلا تحل بالذبح ولو تحركت ونهر الدم، وعبارتهم: (لا تعمل فيها الذكاة) ، وفي غير هذه الحالة وافقوا غيرهم على ما تقدم.
والقول الأول أصح، لأنه ظاهر قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ [المائدة: ٣] قال ابن عباس في تفسيرها: "فما أدركته من هذا يتحرك له ذنب أو تطرف له عين فاذبح واذكر اسم الله عليه فهو حلال " أخرجه البيهقي (١)
стр. 16329
ثالثا: الشروط في آلة الذبح:
لا يشترط في آلة الذبح أن تكون من حديد أو أي مادة معينة، بل يجوز الذبح بأي محدد، ولو كان من نحاس أو ألمنيوم أو خشب أو قصب، والحديد أفضلها، ويستثنى الأسنان والأظفار؛ ودليل ذلك حديث رافع بن خديج في الصحيحين أن النبي ﷺ قيل له: ((يا رسول الله ,إنا لاقو العدو غدا وليس معنا مدى، أفنذبح بالقصب؟ فقال: ما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه فكلوا، ليس السن والظفر، وسأنبئكم عن ذلك، أما السن فعظم، وأما الظفر فمدى الحبشة)) .
فكأن النبي ﷺ ، نهى عن مشابهة الحبشة في طريقة ذبحهم بأظفارهم وأسنانهم،- أي في ذلك العصر- لما في ذلك من مشابهة فعل الوحوش الضارية (١) .
ولذا ذهب أبو حنيفة - وهو قول للمالكية اقتصر عليه ابن عبد البر -إلى أن الذي يحرم من ذلك أن يذبح الإنسان الحيوان بنهش عنقه بأسنانه أو بأظفاره وهي قائمة، أما لو ذبحه بسن أو ظفر منزوع من حيوان فلا يحرم، لعدم الفارق بينه وبين سائر المحددات، ولكن يكره فيه من الشدة على الحيوان المذبوح بهما.
стр. 16330
وذهب الشافعية والحنابلة إلى أن الذبح بالسن أو الظفر لا يجوز، ولو كانا منزوعين (١)
وواضح أن قول أبي حنيفة ومالك أولى بالصحة، لأنه لو كان التحريم لمجرد كون آلة الذبح من مدى الحبشة لوجب تجنب كل نوع من أنواع المدى استعملوه ولو كان من حديد، وهو ما لم يذهب إليه عالم.
وأما سائر العظام فإن كانت محددة جاز الذبح بها عند جمهور العلماء، ولعل السر ما ذكره ابن حجر في الفتح أن جملة " أما السن فعظم ... إلخ " زيادة من الراوي مدرجة وليست من أصل الحديث (٢) وقال ابن تيمية في (اقتضاء الصراط المستقيم) : "العلة في النهي عن الذبح بالعظم تنزيهه عن التنجس بالدم، لأنه زاد الجن، كما نهي عن الاستنجاء به، فعلى هذا واضح عدم حرمة المذبوح به"
стр. 16331
رابعا: شرط النية والقصد:
قال المالكية: المراد بالنية أن يكون قصده عند الذبح أو النحر التذكية، أو ينوي ذبحها أو نحرها لتحل، أما إن كان قصده بما فعله مجرد إزهاق روح الحيوان، أو مجرد جرحه فمات، فإنه لا يحل بذلك، كما لو صال عليه حيوان فضربه أو قطع عنقه لمجرد اتقاء شره، دون أن يقصد التذكية، فلا يحل بذلك، لأن الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى (١)
وينكر الإمام الشافعي ذلك، ويقول ما نصه: "لو أن رجلا أخطأ بشاة له فذبحها لا يريد ذكاتها، أو أخذها بالليل فحز حلقها حتى أتى على ذكاتها، وهو يراها خشبة لينة أو غيرها، ما بلغ علمي أن يكون هذا محرما عليه "، ثم أطال القول في صور (متفاحشة) تلزم من اشترط النية، ثم قال: "النية أولى أن لا تكون في الذبائح والصيد تعمل شيئا، والله أعلم ".
على أن الشافعية لا يخالفون في أنه لابد للتذكية من فعل فاعل، فلو وقعت الشاة على سيف أو سكين فقطع مذبحها لم تحل (٢)
والراجح أن قصد التذكية معتبر ولابد منه.
стр. 16332
خامسا: شرط التسمية على الذبيحة:
التسمية على الذبيحة أن يذكر الذابح اسم الله تعالى، بأن يقول: (باسم الله) ، أو يقول: (باسم الله والله أكبر) وهو الأفضل، وقد ورد ((أن النبي ﷺ "ذبح في العيد كبشين، فسمى وكبر)) (١) وقد أمر الله تعالى بذلك في نحر البدن في الحج فقال. ﴿وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُم مِّن شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ﴾ [الحج: ٣٦] وأمر بذلك فيما يؤكل من اللحوم فقال: ﴿فَكُلُواْ مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ إِن كُنتُمْ بِآيَاتِهِ مُؤْمِنِينَ﴾ [الأنعام: ١١٨] ومن أوضح ما يستدل به على أن ذلك شرط في الحل قول الله تعالى: ﴿وَلاَ تَأْكُلُواْ مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إلى أَوْلِيَآئِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾ [الأنعام: ١٢١]
ومن هنا ذهب جمهور الفقهاء إلى أن الذابح إذا ترك ذكر اسم الله تعالى على الذبيحة متعمدا لم يحل للمسلم أكل لحمها، وإن ترك التسمية وهو ساه أو ناس وهو ممن شأنه أن يسمي الله تعالى، لكنه نسي، فإنها يجوز أكلها، وهذا لقول النبي ﷺ : ((رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه)) وحملوا الآية المتقدمة ﴿وَلاَ تَأْكُلُواْ﴾ على التارك المتعمد. وإلى هذا ذهب الإمامان أبو حنيفة ومالك، وهو المشهور عن الإمام أحمد.
стр. 16333
وذهب الشافعية، وروي مثله عن الإمام أحمد، ونقله الدسوقي عن ابن رشد، وقاله الخطابي أيضا في (معالم السنن) في شرحه لحديث: "سموا الله عليه أنتم وكلوه "، قالوا: إن من ترك التسمية متعمدا فذبيحته حلال أيضا، وإنما التسمية مستحبة فقط، قالوا: "لأن اسم الله على كل مسلم "، وذكروا ما رواه الإمام الدارقطني عن ابن عباس قال: "إذا ذبح المسلم ولم يذكر اسم الله فيأكل، فإن المسلم فيه من اسم الله " قال: وأما قوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ فهذه نزلت في أكل أعراب الجاهلية للميتة. روى أبو داود وغيره بسنده عن ابن عباس في قول الله تعالى: ﴿وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إلى أَوْلِيَآئِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ﴾ قال ابن عباس: يقولون: "ما ذبحه الله- أي الميتة-فلا تأكلونه، وما ذبحتموه أنتم فتأكلونه!! "، وروي من طرق أخرى عن ابن عباس.
قال ابن رشد: "معنى التسمية هنا قصد التذكية: أي لا تأكلوا الميتة التي لم تقصد ذكاتها، قال: ومثله رمي الجمار: قال الله فيه ﴿وَاذْكُرُواْ اللهَ فِي أَيَّامٍ مَّعْدُودَاتٍ﴾ [البقرة: ٢٠٣] كنى بالذكر عن رمي الجمار، للمصاحبة بينهما" ا. هـ. وذكر ابن كثير أن هناك قولا ثالثا منسوبا إلى الإمام مالك، وهو رواية عن أحمد، أن متروك التسمية لا يحل، سواء تركت عمدا أو نسيانا، لظاهر الآية، وذهب إلى هذا القول أيضا داود الظاهري وأبو ثور، وذهب إليه أيضا الشيخ أبو الأعلى المودودي، وقال: إنه مروي عن ابن عمر ونافع مولاه ومحمد بن سيرين وإبراهيم النخعي وعامر الشعبي.
стр. 16334
ويتأيد هذا القول بحديث الصحيحين عن رافع بن خديج أن النبي ﷺ قال: ((ما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه فكلوا)) ، وحديث الصحيحين أيضا عن عدي بن حاتم، وقريب منه عن أبي ثعلبة الخشني، أن النبي ﷺ قال في الصيد: ((إذا أرسلت كلبك المعلم، وذكرت اسم الله تعالى عليه فكل ما أمسك عليك)) . فشرَطَ التسمية (١)
وأرجح الأقوال أن ما تركت التسمية عليه عمدا لا يؤكل، وأن ما تركت التسمية عليه سهوا ونسيانا يؤكل، عملا بظاهر الآية والأحاديث الدالة عليه، وضعف الأدلة التي اعتمد عليها الشافعية.
وقد عني ابن كثير شيخ التفسير بالأحاديث الواردة في هذه المسألة، فجمعها في رسالة ذكر فيها مذاهب الأئمة، ومآخذهم، وأدلتهم، ووجوه الدلالات، والمناقضات والمعارضات.
ملاحظة: في الكتب المذهبية الشافعية وكثير من كتب الفقه المقارن: ينسب إلى الإمام الشافعي أن قوله في هذه المسألة إباحة ذبيحة تارك التسمية متعمدا، كما نقلناه عنهم آنفًا، لكن الذي وجدته في كتاب (الأم) له يدل صراحة على أن قوله غير ذلك، وأن المتذكر عنده لابد له من التسمية، وذلك حيث يقول في أول كتاب الصيد والذبائح من الأم ما نصه: "إذا أرسل المسلم كلبه المعلم أحببت له أن يسمي، وإن لم يسم ناسيا فقتل أكل، لأنه إذا كان قتله كالذكاة، فهو لو نسي في الذبيحة أكل، لأن المسلم يذبح على اسم الله وإن نسي ".
وعلى هذا فإن تحقيق مذهب الشافعية في هذه المسألة بحاجة إلى بحث.
стр. 16335
سادسا: شرط أن لا يذكر عند التسمية غير الله تعالى، وأن لا يقصد الذبح لغير الله:
لا تحل الذبيحة إن ذكر اسم غير الله تعالى استقلالا، كأن قال: باسم الشمس، أو القمر، أو النبي، أو الولي الفلاني، أو ملك أو جني أو غير ذلك، فإن فعل لم تحل، وكذا لو ذكر اسم الله واسم غيره معًا، كأن قال باسم الله واسم محمد رسول الله، وذلك لقوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالْدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللهِ بِهِ﴾ [المائدة: ٣] والإهلال رفع الصوت بذكر اسم المذبوح له، ولقول الله تعالى: ﴿أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِص﴾ [الزمر: ٣] ، وقال النبي ﷺ : ((لعن الله من ذبح لغير الله)) (١) وقال ابن مسعود ﵁: "جردوا التسمية".
ولا يمنع ذلك من أن يقول بعد التسمية: "اللهم تقبل مني، أو من فلان "، لأن النبي ﷺ قال بعد ذبح كبش: ((اللهم هذا عن محمد وأهل بيته)) ، وقال بعد ذبح الآخر: ((اللهم هذا عن أمة محمد ممن شهد لك بالوحدانية ولي بالبلاغ)) (٢) .
وقال مالك: لا يصلى على النبي ﷺ مع التسمية على الذبيحة، والشافعي قال: يصلى على النبي ﷺ مع التسمية على الذبيحة (٣) .
إما إن لم يذكر اسم غير الله، ولكن قصد الذبح له، فقد نقل ابن تيمية عن الإمام أحمد فيها روايتين أشهرهما التحريم، وبه أخذ ابن تيمية، وقال: هما سواء، وأطال في الاستدلال لذلك، ولعله المدلول الصريح لحديث: ((لعن الله من ذبح لغير الله)) ؛ لأن اللام التعليل الدالة على النية والقصد.
стр. 16336
وفرق المالكية بين أمرين، فقالوا: إنْ قصد جعل الذبيحة قربانا لعيسى أو الصنم أو الصليب لم تؤكل، وإن ذبحها للحم لكن ذكر عيسى لينتفع عيسى ﵇ بثوابها جاز أكلها مع الكراهة، كما لو ذبح مسلم لولي من الأولياء قاصدا إهداء الثواب إليه، وفي كلام المالكية هنا اختلاف واضطراب (١)
على أنه لا ينبغي إقرار ما يفعله بعض المسلمين من الذبح (لولي) من الأولياء، لأن كثيرا من العامة لا يفرقون بين الذبح تقربا إلى الولي لينتفع بقدرات الولي على النفع أو الضرر وإعطاء المال والولد، أو ليقربه الولي إلى الله زلفى، وهو من الشرك الذي نص عليه القرآن العظيم، وبين الذبح له بنية إهداء الثواب إليه، بل هو يذبح للولي لينفعه الولي، على طريقة أهل الجاهلية في الذبح لأصنامهم.
أهل الكتاب هل يشترط في ذبائحهم ما يشترط في ذبائح المسلمين؟
الأصل في ذبائح أهل الكتاب أن يعتبر فيها من الشروط ما يعتبر في ذبائح المسلمين، لكن وقع الخلاف بين الفقهاء في مسائل تتعلق بذلك، منها:
- التسمية: فإن سموا الله تعالى ولم يسموا غيره فالذبح صحيح.
وإن لم يسموا الله تعالى؛ فإن كانوا ممن يسمي الله، ولكن الذابح نسي جاز، كما تقدم في حق المسلمين، وإن سموا غير الله على الذبيح، ففي المسألة ثلاثة أقوال:
стр. 16337
الأول: أنها محرمة كما لو تعمد المسلم ترك التسمية، أو ذكر عليها اسم غير الله، وهذا قول الحنفية والشافعية والحنابلة، أخذا بدلالة الآية: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١٢١] وقوله: ﴿وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللهِ بِهِ﴾ [المائدة: ٣]
الثاني: أنها حلال، وهو قول عطاء ومجاهد ومكحول، استدلالا بقوله تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ [المائدة: ٥] ، قالوا: أباح الله تعالى لنا طعامهم وهو يعلم ما يقولون. (١)
الثالث: وهو للمالكية، أن التسمية لا تشترط من الكتابي، لكن إن سمي غير الله حرمت (٢)
وواضح أن منشأ الخلاف تعارض العمومين: عموم آية ﴿وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللهِ﴾ وعموم آية ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ [المائدة: ٥]
وقد رجح شيخ الإسلام ابن تيمية قول التحريم، لأن عموم آية ﴿وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللهِ بِهِ﴾ [المائدة: ٣] محفوظ لم يخص منه شيء (٣) بخلاف الآية الأخرى، وهو الصحيح، لأن ما ذكر عليه اسم غير الله تعالى داخل في الآية قطعاً، ولا فرق بين من ذبح باسم هبل أو اسم الزهرة، وبين من ذبح باسم المسيح.
стр. 16338
حكم ذبيحة النصراني أو اليهودي إن جهل أنه سمي أو لم يسم:
ما جهل من ذبائح اليهود والنصارى أنه سمي عليه أم لم يسم، ذهب بعض العلماء، ومنهم الزهري، إلى أنه حلال، قال الزهري: "إن سمعته يهل لغير الله فلا تأكل، وإن لم تسمعه فقد أحله الله وهم على كفرهم ". (١) ومن قال إنه لا تعتبر التسمية من الكتابي أصلا ولو علم ذلك، وهم المالكية، فالمجهول أنهم سموا عليه أم لم يسموا أولى بالإباحة، وكذلك من قال إن التسمية ليست شرطا في حق المسلم كالشافعية، فكذلك الكتابي عندهم.
وهذا هو المرجح عندي، كما يأتي في حق المسلمين أن الله تعالى لم يكلفنا الاطلاع والتحقق من وجود التسمية فعلا، ولو كلفنا ذلك لكان تكليفًا فيه كل الحرج والعنت، ولما حل لإنسان أن يأكل لحمًا لم يسمع ذابحه وهو يقول: (باسم الله والله أكبر) . وإنما يكتفي في ذلك بالأمر الظاهر.
على أن هذه المسألة في هذا العصر لا تأثير لها بالنسبة إلى المستورد من اللحوم من بلاد أهل الكتاب، فإن النصارى الآن لا يذكرون الله ولا المسيح ولا غيره على الذبائح، بل يذبحون للحم فقط، فالتسمية أمر بعيد عن أذهانهم كل البعد.
стр. 16339
سابعا: شرط أن لا يكون مما ذبح على النصب:
حرم الله تعالى لحم ﴿وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ﴾ [المائدة: ٣] ، والنصب: مفرد جمعه أنصاب، وقيل: النصب جمع نصيبة، وفسرها صاحب القاموس بأنها حجارة كانت تنصب حول الكعبة يذبح عليها، وقال صاحب اللسان: هو كل ما نصب فعبد من دون الله تعالى. وهذا صحيح، فقد كان بعض العرب إذا لم يجد صنما يعبده نصب حجرا فعبده، والحمد لله الذي أنقذ العرب من هذا ببعثه محمدًا ﷺ وعلى آله وأصحابه جميعا.
فلو تصور أن يقع هذا في العصر الحاضر من بعض القبائل الضاربة في التوحش والجهالة، أو التي تزعم التمدن والرقي والعراقة، كان حراما ولم يحل لمسلم أن يأكل منه.
على أن الملاحظ أن فقهاء الشريعة لم يعرضوا في كتبهم الفقهية الشاملة لهذا النوع من الذبائح، ولعلهم رأوه داخلا فيما ذكره الله تعالى في أول الآية نفسها، وهو ما أهل به لغير الله. وقد نقل القرطبي عن جابر بن زيد أبي الشعثاء تلميذ ابن عباس أنه قال: "ما ذبح على النصب وما أهل به لغير الله شيء واحد"، وقال ابن عطية المفسر: "ما ذبح على النصب جزء مما أهل به لغير الله " (١)
إلا أننا نرى أن إفراد الله تعالى لهذا النوع عنوانا خاصا يقتضينا أن نفرده أيضا من أجل لفت أنظار المؤمنين إليه.
وعلى هذا لا يحل للمسلم أن يقصد حجراً معينا، أو كومة أحجار، أو قبرا، أو شيئا مبنيا، أو علم دولة، أو صورة ملك أو شيخ، فيذبح عليه من أجل أن فيه نفعًا، أو أنه يرى فيه نفعا، أو يخشى منه ضررا، أو يذبح عنده تعظيما لصاحبه أو تقربًا إليه.
والذبح عند القبور جعله ابن تيمية شبيها بما كان يفعله أهل الجاهلية، كانوا إذا مر أحدهم بقبر من يعظمه عقر ناقته عنده، وقد أخرج أحمد وأبو داود حديث أنس عن النبي ﷺ : ((لا عقر في الإسلام)) ، قال عبد الرزاق: "كانوا يعقرون عند القبر بقرة أو شاة، فنهى النبي ﷺ عن ذلك. وقال: كره أحمد أكل لحمه ". (٢)
стр. 16340
هل يشترط أن لا يذبح الحيوان في مكان يعبد فيه غير الله تعالى:
هذا نوع ورد التنبيه إليه في بعض الأحاديث النبوية، وله شبه بما تقدم. ومرادنا حديث أخرجه أبو داود عن ثابت بن الضحاك: أن رجلا قال: يا رسول الله إني نذرت أن أنحر إبلا ببوانة، فقال النبي ﷺ : ((هل كان فيها وثن من أوثان الجاهلية يعبد؟)) قالوا: لا، قال: ((فهل كان فيها عيد من أعيادهم؟)) قالوا: لا، ((قال فأوف بنذرك)) ، وأخرجه أبو داود من رواية ميمونة بنت كردم، وفيه أن أباها كردما هو السائل صاحب الواقعة، وأنه نذر أن يذبح غنما، وأخرج قريبا منه ابن أبي شيبة ومسدد.
قال ابن تيمية: هذا يدل على أن الذبح بمكان عيدهم وأوثانهم معصية، لما في بعض روايات الحديث أن النبي ﷺ قال: ((لا وفاء لنذر في معصية الله)) (١) .
إلا أننا نقول: إن في رواية الحديث عند مسدد أن النبي ﷺ قال للسائل: الصنم؟ الوثن؟ ، قال السائل: لا، قال: فأوف بنذرك، فدلت هذه الرواية على أن المسؤول عنه الذبح لصنم أو وثن، لا الذبح في مكان فيه، أو كان فيه صنم أو وثن، وإنما قلنا هذا ليستقيم فهم الحديث مع القواعد المعلومة من سائر الأحاديث.
ومما يؤكد صحة هذا أن بوانة مذكورة في كتب الأصنام، وأنه كان فيها في الجاهلية صنم يقال له (صنم بوانة) وورد ذكره عند ابن كثير في تاريخه (٢) من رواية ابن سعد بسنده، ولذلك نرى أن هذه الرواية أرجح، وأن المنع كان لمن أراد أن يذبح للوثن، لا لمن يذبح بمكان كان فيه صنم.
على أننا مع ذلك نرى أن الذبح في مثل ذلك المكان ينبغي أن يكون مكروها فقط، أو محرما من باب سد الذرائع فقط، وذلك حيث يخشى إعادة شرائع الكفر والوثنية وشعائرهما، والله أعلم.
стр. 16341
ثامنا: الشروط في موضع ما يقطع من الحيوان بالذبح:
التذكية تكون بقطع مقدم عنق الحيوان بمحدد، فإن كان في أعلى العنق فهو الذبح، وإن كان بطعنه في الوهدة التي في أسفل العنق فهو النحر. والنحر يكون للإبل، فهو فيها أفضل، والذبح لغيرها من بقر أو غنم أو أرنب أو طير أو غير ذلك.
ويجوز الذبح أيضا في وسط الحلق: نص عليه الحنفية، كما في شرح فتح القدير، لابن الهمام، حيث قال: لقول النبي ﷺ : ((الذكاة بين اللبة واللحيين)) .
وقد أوجب المالكية في الإبل ونحوها النحر، وفي الغنم الذبح، إلا
في حال الذكاة الاضطرارية، وأجازوا الأمرين في البقر.
ولا تصلح التذكية في غير مقدم العنق، فلو طعن في الصدر أو الفخذ
أو أي جزء من الحيوان فمات من ذلك لم يؤكل ويكون ميتة.
قال ابن قدامة: "الذبح أو النحر في الحلق أو اللبة، ولا يجوز الذبح في غير هذا المحل بالإجماع ". واستدل بقول الإمام عمر بن الخطاب، ﵁: "النحر في الحلق واللبة لمن قدر"، قال ابن قدامة: "نرى أن الذكاة قد اختصت بهذا المحل لأنه مجمع العروق، فتنفسح بالذبح فيه الدماء السيالة، ويسرع زهوق النفس، فيكون أخف على الحيوان المذبوح وأطيب للحم ".
على أنه روي ما يخالف ذلك، وهو ما أخرجه الخمسة عن أبي العشراء عن أبيه عن النبي محمد ﷺ أنه سئل: ((أما تكون الذكاة إلا في الحلق واللبة؛ فقال: لو طعنت في فخذها لأجزأ عنك)) ، إلا أن سند هذا الحديث غير صحيح؟ لأن أبا العشراء أعرابي مجهول، قاله ابن حجر في تقريب التهذيب، وقاله قبله الإمام أحمد، كما في المغني، ومن قواه حمله على الذكاة الاضطرارية كما ذكره أبو داود في (السنن) .
стр. 16342
والحد الأعلى لما يجوز الذبح فيه من العنق هو ما تحت الجوزة المسماة (الغلصمة) وهي العقدة التي يجتمع فيها الحلقوم والبلعوم، فإن القطع يكون تحتها بحيث تبقى مع الرأس، فلو ذبح من فوقها لم تؤكل الذبيحة وقيل تؤكل (١) .
ويستثنى من قضية اشتراط قطع مقدم العنق في التذكية أمران:
الأول: الصيد بالجوارح، من طير أو كلاب، أو غيرها، أو بالآلات الحادة كالسهام والحراب، لقوله تعالى ﴿فَكُلُواْ مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ [المائدة: ٤] لأن من الجوارح ما تتعمد قطع مقدم عنق الصيد، ومنها ما تقتل بغير ذلك، والسهام ونحوها لا تصيب ذلك الموضع، ومع ذلك أحل الله ما صيد بهذه الطرق.
الثاني: ما يسمى التذكية الاضطرارية، وهي تكون في حال الاضطرار فقط، أي فيما ندَّ من الحيوان فلم يقدر عليه إلا برميه، ولا بد من ذكر الله عند الرمي، وكذا لو وقع بعير أو ثور في بئر وخيف موته، ولم يتمكن من ذبحه أو نحره، فيكفي طعنه في أي مكان من جسده مع ذكر اسم الله عند الطعن.
وهي رخصة شرعية أبيحت للاضطرار، لئلا يفقد المالك مالا محترما أن يضيع فلا ينتفع به.
ومن هذا الباب ذكر الحنفية أنه لو صال عليه ثور أو نحوه، ولم يمكنه دفعه، فطعنه بعد أن سمي ونوى، فهي تذكية شرعية.
стр. 16343
والقول بجواز التذكية الاضطرارية على الوجه المبين هو قول الحنفية والشافعية والحنابلة، ويخالف فيه المالكية، ويرون أن ما كان كذلك فذكاته بالذبح فقط إن كان مما يذبح، وبالنحر فقط إن كان مما ينحر، وعليه لو طعنه في فخذه أو ظهره فمات من ذلك فهو ميتة.
ولا يخفى أن مذهب الجمهور أصح وأولى بالاتباع، ثم قد قال صاحب المغني من الحنابلة: "إن كان رأس الحيوان المتردي في الماء، فلا تبيحه التذكية الاضطرارية، لأن الماء يعين على قتله " (١)
ما يجب قطعه من الحيوان بالذبح أو النحر:
أكمل ما يكون الذبح بقطع أربعة أشياء: الودجين والمريء والحلق.
стр. 16344
وقد اختلف العلماء في أقل ما يجزئ قطعه من ذلك، على أقوال:
ا- أنه يجزئ قطع الحلقوم والمريء، ولو لم يقطع الودجين، وهو قول الشافعي ورواية عن أحمد، لأن الحياة لا تبقى مع هذا القطع، قال الشافعي - كما في الفتح-: "ولا يشترط قطع الودجين لأنهما قد يسلان من الإنسان وغيره ويعيش، والمريء والحلقوم إذا قطعا لم يعش طرفة عين (١)
٢- أنه يجب قطع الأربعة، وهو قول أبي يوسف.
٣- أنه يجب قطع الحلقوم- وهو مجرى النفس- والودجين، هكذا في كتب المالكية، والنقل عنهم في كتب غير المالكية مضطرب.
٤- أنه يجزئ قطع الحلقوم والمريء وأحد الودجين، وهو قول أبي حنيفة، واحتج له بأن النبي ﷺ قال: ((أفر الأوداج بما شئت)) (٢) قالوا: و (الأوداج) جمع وأقله ثلاثة، لكن قال صاحب العناية: الأوداج لا تشمل الحلقوم أصلا، وهو الصواب.
٥- أنه يجزئ قطع الودجين، وهما عرقا الدم المحيطان بالحلقوم، اللذان يجري فيهما الدم المغذي للرأس والدماغ، ولا يشترط قطع الحلق والمريء، وهو قول سفيان الثوري، وقال البخاري: قال عطاء: الذبح قطع الأوداج (٣) وروى مالك في الموطأ بلاغا عن ابن عباس قال: ما أفرى الأوداج ذكي به، ورواه الشافعي في (الأم) (٤) .
стр. 16345
وعندي أن الصواب هو هذا الوجه الخامس، لأنه الذي يخرج به الدم، ويمتنع وصوله إلى الدماغ، فيموت الدماغ ثم سائر البدن، أما القول بأن قطع الحلقوم والمريء يجزئ، أو أنه لابد منه، فهو بعيد عندي عن الصواب، لأن قطع الحلقوم وهو مدخل الهواء، وقطع المريء وهو مدخل الطعام؛ لا تنتهي به الحياة، بل يعيش الحيوان بعده مدة تطول أو تقصر، بل قد يعيش الإنسان سنين وحلقه مقطوع ومريئه مقطوع، وقد عرف ذلك في علم الطب قطعًا، والأطباء يعرفون ذلك، وهذا إن جرى مقاومة الإنتان، وجرت تغذية المريض من خلال فتحة المريء، أو من فتحة في جدار المعدة.
أما القول بأن حياة الإنسان والحيوان تستمر بعد سل الودجين- كما قال الإمام الشافعي، ونقلناه عنه فيما تقدم- فهو قول لا تسنده المعلومات الطبية بوجه من الوجوه، وكذلك ما قاله كثير من الفقهاء الذين اشترطوا قطع الحلقوم من أن الحياة لا تبقى بعده لحظة لانقطاع النفس فهو مجرد خيال.
وعلى هذا فينبغي انتهاء الخلاف الفقهي حول هذه المسألة، بل تكون العبرة في صحة الذبح بقطع الودجين فقط، ولا يجوز الاكتفاء بقطع المريء والحلق، وأيضا لا حاجة إلى قطعهما مع قطع الودجين.
غير أنه في التطبيق العملي عادة ينقطع الحلقوم بقطع الودجين، لشدة التقارب والالتصاق بينه وبين الودجين، وكونه واقعا بينهما متقدما عليهما إلى الأمام، فلا يمكن قطعهما في الأحوال العادية إلا بقطعه، وهذا وجه اشتراط المالكية قطعه، كما صرحوا به.
стр. 16346
رأي الشيخ محمد رشيد رضا:
ذهب الشيخ محمد رشيد رضا إلى رأي غريب عن العلم الإسلامي الشرعي كل الغرابة، فهو يرى أن كل وسيلة يمكن بها إزهاق روح الحيوان بيسر وسهولة تكفي في إحلال لحمه للمسلم، ونحن ننقل نصه ليتم تصور مراده بوضوح، قال عفا الله عنه: "لما كانت التذكية المعتادة في الغالب لصغار الحيوانات المقدور عليها هي الذبح كثر التعبير به، فجعله الفقهاء هو الأصل، وظنوا أنه مقصود بالذات لمعنى فيه، فعلل بعضهم مشروعية الذبح بأنه يخرج الدم من البدن الذي يضر بقاؤه فيه؛ لما فيه من الرطوبات والفضلات، ولهذا اشترطوا قطع الحلقوم والودجين والمريء على خلاف بينهم في تلك الشروط، وإن هذا لتحكم في الطب والشرع بغير بينة، ولو كان الأمر كما قالوا لما أحل الصيد الذي يأتي به الجارح ميتا.
والصواب أن الذبح كان ولا يزال أسهل أنواع التذكية على أكثر الناس، فلذلك اختاروه، وأقرهم الشارع عليه، لأنه ليس فيه من تعذيب الحيوان ما في غيره من أنواع القتل، كما أقرهم على صيد الجوارح والسهم والمعراض ونحو ذلك، وإني لأعتقد أن النبي ﷺ لو اطلع على طريقة للتذكية أسهل على الحيوان ولا ضرر فيها كالتذكية الكهربائية- إن صح هذا الوصف فيها- لفضلها على الذبح، لأن قاعدة شريعته أنه لا يحرم على الناس إلا ما فيه ضرر لأنفسهم أو غيرهم من الأحياء، ومنه تعذيب الحيوان بالوقذ وغيره ". (١)
وهذا الرأي من الشيخ محمد رشيد رضا لا نقول فيه إلا أنه (زلة من زلات العلماء) ولكل جواد كبوة، ولن نتوقف عنده لنرد عليه، إذ يمكن لكل طالب علم أن يرد عليه بالنصوص الواضحة من الكتاب والسنة وإجماع أهل العلم وكل ما يمت إلى الإسلام بصلة.
ونقول: غفر الله للشيخ رشيد ورحمه، فقد جاهد في سبيل نشر دعوة الإسلام، واستنفد عمره في ذلك بما يغطي هذه الزلة ويفيض عنها أضعافًا مضاعفة، ولا نعلم أحدا من معاصريه ولا من بعدهم قبلها منه، والحمد لله فإن الحق أبلج.
стр. 16347
التوقف في الذبح عند حد العظم:
يحسن من الذابح أن لا يتجاوز في الذبح قطع الودجين، فإن تجاوز حتى شرع في العظم، أو دخل بالسكين حتى قطع (النخاع) وهو الحبل العصبي الذي في داخل الفقرات، والممتد من الدماغ حتى العصعص، وتتفرع منه أعصاب الحس إلى سائر البدن؛ كره له ذلك، ولم تحرم الذبيحة.
ووجه ما قلناه أمور:
ا- عدم الحاجة إليه، ففيه إيلام بلا فائدة، كما قاله الحنفية في الذبح من القفا، كما يأتي.
٢- أنه مخالف للصفة الواردة في الذبح عن النبي ﷺ .
٣- أنه ورد النهي عنه من بعض الصحابة، روى البخاري قال: "قال ابن جريج، عن عطاء: الذبح قطع الأوداج. قلت: فيخلف الأوداج حتى يقطع النخاع؟ قال: لا إخال. وأخبرني نافع أن ابن عمر نهى عن النخع، يقول: يقطع ما دون العظم، ثم يدع حتى يموت " (١)
٤- من حيث المعنى: فإنه إذا ترك النخاع سليما فإن التواصل بين الدماغ والقلب يبقى مستمرا، وهذا في تقديري يعطي الفرصة لاستمرار حركة القلب بإشارة الدماغ عبر النخاع، فيستمر ضخه للدم، فيخرج منهرا شخبا من الودجين المقطوعين، وذلك يؤدي إلى تفريغ جميع عروق البدن من الدم بأسرع ما يمكن، وتنتهي حياة الذبيحة في دقيقة أو أقل، أما إن قطع النخاع فذلك يضعف تدفق الدم أو يوقفه، لأنه يوقف الدورة الدموية كما تذكره بعض الكتابات في هذا الموضوع، وبذلك لا يخرج من دم الذبيحة إلا نسبة ضئيلة، لكن إثبات هذا أو نفيه يتوقف على قول أهل الخبرة.
стр. 16348
سلخ الحيوان أو تقطيعه قبل أن تزهق روحه:
يجب على الذابح أن يتمهل على الذبيحة، ولا يعجل بسلخها أوكسر عظم فيها، أو قطع عضو منها، ما لم تسكن حركتها تماما، لأن النبي ﷺ ((نهى أن تفرس الذبيحة حتى تموت)) وورد أن النبي ﷺ قال: ((لا تعجلوا الأنفس أن تزهق)) (١)
شريطة الشيطان أو ذبيحة الشيطان:
مقتضى ما تقدم من اشتراط قطع الودجين في الذكاة أنه لو قطع الذابح الجلد من مقدم العنق ولم يقطع الودجين، كما يقع من بعض من لا يحسنون الذبح، أو ممن استعمل آلة كالة (غير حادة) فلم يتمكن من قطع الودجين، ثم ترك الذبيحة حتى تموت من ذلك، فإنها لا تحل، وفي حديث ابن عباس وأبي هريرة مرفوعا: نهى النبي ﷺ عن شريطة الشيطان "، وفي رواية:
"عن ذبيحة الشيطان " (٢) وفي سنن أبي داود: هي التي تذبح فيقطع الجلد ولا تفرى الأوداج، ثم تترك حتى تموت.
قطع رأس الذبيحة هل يكون ذبحا شرعيا؟
قطع عنق شاة أو بطة بضربه بسيف أو سكين فأطار رأسها بنية التذكية، فقد أفتى الإمام أحمد أنها تذكية صحيحة، ونقل مثل ذلك عن أبي حنيفة والشعبي والثوري، واستدل لذلك بأن عليا ﵁ سئل عن ذلك فقال: "تلك ذكاة وَحْيَة"، أي سريعة، وأجازه ابن عمر وعمران بن حصين وأنس، كما في المغني وفتح الباري (٣) .
стр. 16349
ذبح الحيوان من قفاه:
لو ذبح الحيوان من قفاه، فإن لم يصل إلى الودجين وماتت الذبيحة من ذلك لم تحل. وإن أسرع في القطع حتى وصل إلى الودجين، فقطعهما وبالحيوان حياة مستقرة، فهي مثل ما ذكرناه في قطع الرأس.. ويصرح الحنفية بكراهة الذبح من القفا، لأن فيه زيادة إيلام (١) ومذهب المالكية أن ما كان ذبحه كذلك لا يؤكل، ذكره في الكافي (٢)
النحر في الإبل والذبح في الغنم والبقر:
الوضع الأمثل هو ذبح الحيوان من الغنم والبقر وغيرهما- ما عدا الإبل- من مقدم العنق من أعلاه، وهو الموافق لما كان النبي ﷺ يفعله، والأفضل في الإبل النحر، وهو الطعن بحربة في الوهدة التي في أصل العنق (٣) لقوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُواْ بَقَرَةً﴾ [البقرة: ٦٧] ، وقوله: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ [الكوثر: ٢] وقد ورد أن النبي ﷺ في حجة الوداع: نحر بدنه , وفي حديث الأضحية: ((ضحى النبي ﷺ بكبشين ذبحهما بيده)) والأحاديث في ذلك كثيرة.
ولو ذبح ما ينحر، أو نحر ما يذبح، فالجمهور على جوازه، وكرهه الإمام مالك، كما في المغني، وفي فتح الباري (٤) : منعه ابن القاسم. وبهذا أخذ خليل في مختصره وشارحوه، حتى قال الدردير: "إن نحر الغنم أو الطير ولو سهوا لم يؤكل، لكن صرح ابن عبد البر في الكافي أنه لا يؤكل كراهة لا تحريما". (٥)
وقد صرح الحنفية بأن كل ما بين اللبة واللحيين موضع للذبح المشروع، وصرح به الشافعي في (الأم) (٦)
стр. 16350
المبادئ العامة التي قصدتها الشريعة الإسلامية في الذكاة:
نستطيع أن نلخص المبادئ الأساسية التي راعتها الشريعة الإسلامية في مجال إزهاق روح الحيوان من أجل اتخاذه طعاما للآدميين، وذلك باستعراض ما وردت النصوص الشرعية، في الكتاب والسنة فيما يتعلق بذلك، مما أوردناه في هذا البحث، ومن التوجهات الفقهية لدى علمائنا، وهي كما يلي:
المبدأ الأول: أن الحيوانات البرية لا يحل أن تكون طعاما إلا بتذكية صحيحة، إلا في حال الاضطرار، وهو الجوع الشديد الذي لا يجد معه الإنسان طعاما حلالا، فيجوز له إذا خاف الهلاك أن يأكل الميتة أو غيرها من المحرمات بالقدر الذي يندفع به الضرر.
المبدأ الثاني: إخراج دم الذبيحة هدف أساسي من أهداف الذكاة، من أجل تطييب اللحم وإخراج الدم الخبيث، وكلما كان ما أخرج من دم الذبيحة أكثر فهو أفضل.
المبدأ الثالث: إراحة الحيوان عند الذكاة هدف مقصود، وهو من الإحسان الذي يحبه الله تعالى، وهذا ما لم يتعارض مع المبدأين السابقين، فكل ما فيه زيادة إيلام للحيوان مما يمكن الاستغناء عنه في الذكاة فإنه يكون مكروها شرعا.
المبدأ الرابع: أن إجراءات التذكية نوع من الشعائر الدينية الإسلامية يجب مراعاتها.
المبدأ الخامس: تعظيم الله تعالى بالذبح مع وجوب الحذر من تحول الذبح إلى وسيلة لعبادة غير الله تعالى.
المبدأ السادس: أن لا تستعمل أي طريقة للاقتدار على الحيوان وتسكينه وشل مقاومته يمكن أن يكون بها الحيوان عند ذبحه قد فارق الحياة أو فقد الحياة المستقرة.