رأي الشيخ محمد رشيد رضا:
ذهب الشيخ محمد رشيد رضا إلى رأي غريب عن العلم الإسلامي الشرعي كل الغرابة، فهو يرى أن كل وسيلة يمكن بها إزهاق روح الحيوان بيسر وسهولة تكفي في إحلال لحمه للمسلم، ونحن ننقل نصه ليتم تصور مراده بوضوح، قال عفا الله عنه: "لما كانت التذكية المعتادة في الغالب لصغار الحيوانات المقدور عليها هي الذبح كثر التعبير به، فجعله الفقهاء هو الأصل، وظنوا أنه مقصود بالذات لمعنى فيه، فعلل بعضهم مشروعية الذبح بأنه يخرج الدم من البدن الذي يضر بقاؤه فيه؛ لما فيه من الرطوبات والفضلات، ولهذا اشترطوا قطع الحلقوم والودجين والمريء على خلاف بينهم في تلك الشروط، وإن هذا لتحكم في الطب والشرع بغير بينة، ولو كان الأمر كما قالوا لما أحل الصيد الذي يأتي به الجارح ميتا.
والصواب أن الذبح كان ولا يزال أسهل أنواع التذكية على أكثر الناس، فلذلك اختاروه، وأقرهم الشارع عليه، لأنه ليس فيه من تعذيب الحيوان ما في غيره من أنواع القتل، كما أقرهم على صيد الجوارح والسهم والمعراض ونحو ذلك، وإني لأعتقد أن النبي ﷺ لو اطلع على طريقة للتذكية أسهل على الحيوان ولا ضرر فيها كالتذكية الكهربائية- إن صح هذا الوصف فيها- لفضلها على الذبح، لأن قاعدة شريعته أنه لا يحرم على الناس إلا ما فيه ضرر لأنفسهم أو غيرهم من الأحياء، ومنه تعذيب الحيوان بالوقذ وغيره ". (١)
وهذا الرأي من الشيخ محمد رشيد رضا لا نقول فيه إلا أنه (زلة من زلات العلماء) ولكل جواد كبوة، ولن نتوقف عنده لنرد عليه، إذ يمكن لكل طالب علم أن يرد عليه بالنصوص الواضحة من الكتاب والسنة وإجماع أهل العلم وكل ما يمت إلى الإسلام بصلة.
ونقول: غفر الله للشيخ رشيد ورحمه، فقد جاهد في سبيل نشر دعوة الإسلام، واستنفد عمره في ذلك بما يغطي هذه الزلة ويفيض عنها أضعافًا مضاعفة، ولا نعلم أحدا من معاصريه ولا من بعدهم قبلها منه، والحمد لله فإن الحق أبلج.
стр. 16347
التوقف في الذبح عند حد العظم:
يحسن من الذابح أن لا يتجاوز في الذبح قطع الودجين، فإن تجاوز حتى شرع في العظم، أو دخل بالسكين حتى قطع (النخاع) وهو الحبل العصبي الذي في داخل الفقرات، والممتد من الدماغ حتى العصعص، وتتفرع منه أعصاب الحس إلى سائر البدن؛ كره له ذلك، ولم تحرم الذبيحة.
ووجه ما قلناه أمور:
ا- عدم الحاجة إليه، ففيه إيلام بلا فائدة، كما قاله الحنفية في الذبح من القفا، كما يأتي.
٢- أنه مخالف للصفة الواردة في الذبح عن النبي ﷺ .
٣- أنه ورد النهي عنه من بعض الصحابة، روى البخاري قال: "قال ابن جريج، عن عطاء: الذبح قطع الأوداج. قلت: فيخلف الأوداج حتى يقطع النخاع؟ قال: لا إخال. وأخبرني نافع أن ابن عمر نهى عن النخع، يقول: يقطع ما دون العظم، ثم يدع حتى يموت " (١)
٤- من حيث المعنى: فإنه إذا ترك النخاع سليما فإن التواصل بين الدماغ والقلب يبقى مستمرا، وهذا في تقديري يعطي الفرصة لاستمرار حركة القلب بإشارة الدماغ عبر النخاع، فيستمر ضخه للدم، فيخرج منهرا شخبا من الودجين المقطوعين، وذلك يؤدي إلى تفريغ جميع عروق البدن من الدم بأسرع ما يمكن، وتنتهي حياة الذبيحة في دقيقة أو أقل، أما إن قطع النخاع فذلك يضعف تدفق الدم أو يوقفه، لأنه يوقف الدورة الدموية كما تذكره بعض الكتابات في هذا الموضوع، وبذلك لا يخرج من دم الذبيحة إلا نسبة ضئيلة، لكن إثبات هذا أو نفيه يتوقف على قول أهل الخبرة.
стр. 16348
سلخ الحيوان أو تقطيعه قبل أن تزهق روحه:
يجب على الذابح أن يتمهل على الذبيحة، ولا يعجل بسلخها أوكسر عظم فيها، أو قطع عضو منها، ما لم تسكن حركتها تماما، لأن النبي ﷺ ((نهى أن تفرس الذبيحة حتى تموت)) وورد أن النبي ﷺ قال: ((لا تعجلوا الأنفس أن تزهق)) (١)
شريطة الشيطان أو ذبيحة الشيطان:
مقتضى ما تقدم من اشتراط قطع الودجين في الذكاة أنه لو قطع الذابح الجلد من مقدم العنق ولم يقطع الودجين، كما يقع من بعض من لا يحسنون الذبح، أو ممن استعمل آلة كالة (غير حادة) فلم يتمكن من قطع الودجين، ثم ترك الذبيحة حتى تموت من ذلك، فإنها لا تحل، وفي حديث ابن عباس وأبي هريرة مرفوعا: نهى النبي ﷺ عن شريطة الشيطان "، وفي رواية:
"عن ذبيحة الشيطان " (٢) وفي سنن أبي داود: هي التي تذبح فيقطع الجلد ولا تفرى الأوداج، ثم تترك حتى تموت.
قطع رأس الذبيحة هل يكون ذبحا شرعيا؟
قطع عنق شاة أو بطة بضربه بسيف أو سكين فأطار رأسها بنية التذكية، فقد أفتى الإمام أحمد أنها تذكية صحيحة، ونقل مثل ذلك عن أبي حنيفة والشعبي والثوري، واستدل لذلك بأن عليا ﵁ سئل عن ذلك فقال: "تلك ذكاة وَحْيَة"، أي سريعة، وأجازه ابن عمر وعمران بن حصين وأنس، كما في المغني وفتح الباري (٣) .
стр. 16349
ذبح الحيوان من قفاه:
لو ذبح الحيوان من قفاه، فإن لم يصل إلى الودجين وماتت الذبيحة من ذلك لم تحل. وإن أسرع في القطع حتى وصل إلى الودجين، فقطعهما وبالحيوان حياة مستقرة، فهي مثل ما ذكرناه في قطع الرأس.. ويصرح الحنفية بكراهة الذبح من القفا، لأن فيه زيادة إيلام (١) ومذهب المالكية أن ما كان ذبحه كذلك لا يؤكل، ذكره في الكافي (٢)
النحر في الإبل والذبح في الغنم والبقر:
الوضع الأمثل هو ذبح الحيوان من الغنم والبقر وغيرهما- ما عدا الإبل- من مقدم العنق من أعلاه، وهو الموافق لما كان النبي ﷺ يفعله، والأفضل في الإبل النحر، وهو الطعن بحربة في الوهدة التي في أصل العنق (٣) لقوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُواْ بَقَرَةً﴾ [البقرة: ٦٧] ، وقوله: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ [الكوثر: ٢] وقد ورد أن النبي ﷺ في حجة الوداع: نحر بدنه , وفي حديث الأضحية: ((ضحى النبي ﷺ بكبشين ذبحهما بيده)) والأحاديث في ذلك كثيرة.
ولو ذبح ما ينحر، أو نحر ما يذبح، فالجمهور على جوازه، وكرهه الإمام مالك، كما في المغني، وفي فتح الباري (٤) : منعه ابن القاسم. وبهذا أخذ خليل في مختصره وشارحوه، حتى قال الدردير: "إن نحر الغنم أو الطير ولو سهوا لم يؤكل، لكن صرح ابن عبد البر في الكافي أنه لا يؤكل كراهة لا تحريما". (٥)
وقد صرح الحنفية بأن كل ما بين اللبة واللحيين موضع للذبح المشروع، وصرح به الشافعي في (الأم) (٦)
стр. 16350
المبادئ العامة التي قصدتها الشريعة الإسلامية في الذكاة:
نستطيع أن نلخص المبادئ الأساسية التي راعتها الشريعة الإسلامية في مجال إزهاق روح الحيوان من أجل اتخاذه طعاما للآدميين، وذلك باستعراض ما وردت النصوص الشرعية، في الكتاب والسنة فيما يتعلق بذلك، مما أوردناه في هذا البحث، ومن التوجهات الفقهية لدى علمائنا، وهي كما يلي:
المبدأ الأول: أن الحيوانات البرية لا يحل أن تكون طعاما إلا بتذكية صحيحة، إلا في حال الاضطرار، وهو الجوع الشديد الذي لا يجد معه الإنسان طعاما حلالا، فيجوز له إذا خاف الهلاك أن يأكل الميتة أو غيرها من المحرمات بالقدر الذي يندفع به الضرر.
المبدأ الثاني: إخراج دم الذبيحة هدف أساسي من أهداف الذكاة، من أجل تطييب اللحم وإخراج الدم الخبيث، وكلما كان ما أخرج من دم الذبيحة أكثر فهو أفضل.
المبدأ الثالث: إراحة الحيوان عند الذكاة هدف مقصود، وهو من الإحسان الذي يحبه الله تعالى، وهذا ما لم يتعارض مع المبدأين السابقين، فكل ما فيه زيادة إيلام للحيوان مما يمكن الاستغناء عنه في الذكاة فإنه يكون مكروها شرعا.
المبدأ الرابع: أن إجراءات التذكية نوع من الشعائر الدينية الإسلامية يجب مراعاتها.
المبدأ الخامس: تعظيم الله تعالى بالذبح مع وجوب الحذر من تحول الذبح إلى وسيلة لعبادة غير الله تعالى.
المبدأ السادس: أن لا تستعمل أي طريقة للاقتدار على الحيوان وتسكينه وشل مقاومته يمكن أن يكون بها الحيوان عند ذبحه قد فارق الحياة أو فقد الحياة المستقرة.
стр. 16351
الطريقة المثالية للذبح في الشريعة الإسلامية:
الطريقة المثالية للذبح هي المشتملة على سنن الذبح وآدابه، وتتلخص فيما يلي:
١- تقدم الذبيحة إلى الذبح برفق، ولا يجرها برجلها إلى المذبح، ولا يقل الذابح: إنها ستفارقها الروح بعد قليل فما جدوى الرفق؟.
٢- أن يحضر السكين قبل أن يضجع الذبيحة، وينبغي أن تكون حادة، وأن تكون طويلة، ليكون إجهازها على الذبيحة أسرع، وإن احتاجت إلى شحذ فليشحذها قبل أن يضجع الذبيحة، ودليل هاتين السنتين ما رواه مسلم في كتاب الصيد من صحيحة، أن النبي ﷺ قال: ((إن الله كتب الإحسان على كل شيء، فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة، وليحد أحدكم شفرته وليرح ذبيحته)) . و ((رأى النبي ﷺ رجلا يضجع شاة وهو يحد شفرته، فقال: أردت أن تميتها موتات، هلا حددتها قبل أن تضجعها)) .
٣- لا يستعمل الصعق ونحوه، ويمكن استعمال التخدير، ويأتي الكلام في هذا بالتفصيل لاحقا.
٤- أن يضجع ذبيحته إن كانت شاة أو بقرة أو نحوها، على جنبها الأيسر، ليتمكن من ذبحها بيمينه، أما الإبل فيندب تذكيتها وهي قائمة، لقول الله تعالى ﴿فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا﴾ [لحج: ٣٦] وجبت: أي وقعت، ويكون وجهها متجها إلى القبلة، ثم يضع قدمه اليمنى على صفحة عنقها ليتمكن منها، ويمسك رأسها بيده، ولا بأس أن يستعين بمن يساعده على تسكين حركتها، ثم يوضح موضع الذبح بإزاحة ما عليه من صوف أو شعر حتى تظهر البشرة.
стр. 16352
٥- يقصد إلى مقدم العنق وأعلاه من جهة الرأس، فيضع السكين هناك، على أن ينزل قليلا، بحيث تبقى الغلصمة- وهي العقدة التي في أعلى الحلق- مع الرأس.
٦- يسمي الله تعالى قائلا: باسم الله والله أكبر، ثم إن كانت الذبيحة أضحية أو قربانا دعا الله تعالى بما ورد أو نحوه.
٧- يعتمد بالسكين على الموضع المحدد بقوة، ثم يحركها ذهابا وإيابا بسرعة وقوة.
٨- ينبغي أن لا يرفع يده قبل تمام الذبح، وأوجبه المالكية على تفصيل عندهم في ذلك (١)
٩- إذا أتم قطع الودجين ووصل القطع إلى عظم العنق يتوقف ولا يتجاوزه، فلا يفصل الرأس ولا يقطع العظم ولا النخاع، لأن النبي ﷺ ((نهى أن تنخع الشاة إذا ذبحت)) .
١٠- لا يعجل بسلخ الجلد، أو بقطع أي جزء من الذبيحة، ولا بتغطيسها في ماء حار أو بارد إلا بعد أن تسكن حركتها تماما (٢) .
стр. 16353
الفصل الثاني
الطرق التي تتبع في المسالخ العصرية لإزهاق أرواح الحيوانات
إن كثيرا من الدول تنشئ المسالخ في ضواحي المدن، ليجري ذبح الحيوانات المأكولة فيها، وتحظر على الناس أو تقيد حريتهم في أن يذبحوا حيوانات داخل بيوتهم وفي أماكنهم الخاصة، بهدف تقليل الآفات التي تنتشر بانتشار الأقذار والفضلات في الأمكنة الخاصة، وربما كانت المسالخ في بعض البلدان تتبع شركات متخصصة.
والمسالخ تطبق القواعد العلمية في جمع فضلات الذبائح والتخلص منها بحرقها أو تحويلها إلى مواد نافعة كالسماد، مع توقي مخاطرها التي قد تؤثر على حياة الناس وصحتهم، أو على البيئة.
والهيئات القائمة على المسالخ تكون أعرف وأقدر على ذلك من عامة الناس لو ترك للناس الخيار في الذبح في أي مكان حسب رغبتهم.
وتجمع من تلك الحيوانات والطيور في المسالخ أعداد كبيرة كل يوم، قد تصل الألوف وربما الملايين في كل مسلخ، ليجري تجهيزها، ثم شحنها إلى الأسواق.
وهذا الأمر يطرح مشكلات لم تكن معروفة، تحتاج إلى حلول شرعية تنفي الحرج، وتيسر أمر العمل في تلك المسالخ، مع المحافظة على التعليمات الشرعية في ميدان التذكية، لتنفذ أحكام الله تعالى وتكون كلمته هي العليا، فما حرمه يجب اجتنابه والتحول عنه إلى طريق الحلال.
والمشكلات التي تعرض العمل في الذبح في تلك المسالخ كثيرة؛ من أهمها أن ذبح الحيوانات الكبيرة كالإبل والبقر، وربما الغنم، يكون صعبا إن لم توجد طريقة ميسرة للسيطرة على الحيوان عند ذبحه، من أجل التمكن منه ومنع نفاره، وشل مقاومته، ولو لم تعمل بطريقة تيسر ذلك لكان من الصعب والشاق على العمال تنفيذ الذبح في الأعداد الكبيرة المطلوبة لحاجة المستهلكين، وربما عاد ذلك بتكلفة زائدة ترفع الأسعار إلى حد يرهق المستهلكين.
وكذلك في الطيور، كالدجاج الذي تذبح منه مئات الألوف بل الملايين في كل يوم، في كل بلد، فإذا لم يمكن السيطرة عليه بطريقة ما، فإنه عند الذبح يزعج العمال والمستخدمين برفرفته وصياحه، فلا يتمكنون من تنفيذ ما يطلب منهم، ويبطئ العمل، وذلك يرفع التكلفة كما قدمنا. ومن الأهداف التي تتوخاها المسالخ إراحة الحيوان، ليكون إزهاق روحه بدون أن يحس بالألم.
стр. 16354
ومن هنا فإن الطرق التي يبحثون عنها تهدف إلى تحقيق هذين الأمرين معا:
الأول: إزهاق روح الحيوان بدون ألم.
والثاني: تيسير العمل من أجل تسريعه، لخفض التكلفة، وبالتالي تجنب رفع الأسعار.
وأكثر الطرق تعتمد لتحقيق ذلك: إفقاد الحيوان وعيه بأسلوب ما، ثم إجراء العمل على الجثة في أثناء فقدان الحيوان الوعي.
ولم تزل المسالخ تبحث عن أدوات لذلك تيسر لها العمل، وتطور تلك الأدوات، وخاصة في البلاد الأجنبية، سعيا وراء السرعة وكثرة الإنتاج وخفض التكلفة، قدر المستطاع.
وقد عرف الآن من الطرق المستخدمة لذلك أنواع، بعضها لا يقره الشرع، وبعضها جائز، والطرق المعروفة المستخدمة هي:
ا- الصعق الكهربائي.
٢- التدويخ بغاز ثاني أوكسيد الكربون.
٣- ضغط الهواء داخل صدر الحيوان حتى يختنق.
٤- التخدير.
٥- استعمال الآلات (الماكينات) السريعة لقطع الرأس، وخاصة في الطيور الداجنة.
ونحن نستعرض تلك الطرق واحدة واحدة:
стр. 16355
أ- طريقة الصعق الكهربائي:
وتكون بتسليط التيار على الموضع الملائم من رأس الحيوان: وإذا حصل ذلك حصلت للمخ صدمة عصبية يفقد الحيوان على أثرها الوعي، وقد تكون قاتلة إن كان الضغط الكهربائي أعلى مما يطيقه الحيوان، فإن كانت ضعيفة فإنها لا تفقد الحيوان الوعي، ويتعذب الحيوان بها، حسبما نقدر. ولم نطلع على وصف علمي لهذه الطريقة، يبين أثرها على الحيوان من حيث مقدار إحساسه بالألم، ومن حيث المقارنة بين مقدار ما ينسفح من الدم إذا ذبح أثناء الصعق، وبين الدم الذي ينسفح إذا ذبح بدون صعق.
لكنا نقول: إن كانت الصعقة قاتلة فالحيوان موقوذ، وإن كانت مفقدة للوعي دون أن تقتل، فإن أدرك الحيوان بعدها فذبح على الطريقة الشرعية حل، وإن لم يذبح ولكن بدئ بسلخه وتقطيعه دون ذبح- وهو الذي نظن أن مسالخ بعض الدول الغربية تفعله- فإنه لا يكون حلالا، وإن كانت الصعقة ضعيفة لا تفقد الحيوان الوعي؛ ففي تقديري أن الآلام التي تصيب الحيوان بضربة التيار تكون مخيفة لا تحتمل، إلا أن يكون هناك طريقة فنية لتجنب الحيوان هذا الألم.
والقول بجواز استعمال هذه الطريقة في مسالخ البلاد الإسلامية ينبني عندي على تحقيق خمسة أمور:
ا- التحقق من أن هذه الطريقة ليست قاتلة، ولو لبعض الحيوانات، ويمكن معرفة ذلك بالتجربة، بأن تترك مجموعات من الحيوان بعد صعقها فلا تذبح، فإن عاشت ولم تمت حصل التحقق المذكور بعد إجراء عدد كاف من التجارب.
٢- التحقق من أنها لا تصحبها آلام للحيوان.
٣- التحقق من أن الصعق لا يحول دون تدفق الدم عند إجراء الذبح بعدها، ولا ينقصه عما يحصل إن ذبح الحيوان دون صعق.
٤- التحقق من أن الذبح يحصل فورا بعد الصعق وبالحيوان حياة مستقرة.
٥- أن يتحقق من عدم تأثير هذه الطريقة بحصول فساد في اللحم أو نقصان لطيبه.
فإذا حصل التحقق من هذه الأمور الخمسة بما يفيد الطمأنينة، وينقطع به الشك، جاز استعمال هذه الطريقة، إذ لا يوجد محذور شرعي، ولما فيها من الفوائد.
стр. 16356
والفوائد كما يلي:
ا- إنهاء مقاومة الحيوان، مما يريح الذابح ولا يحتاج إلى استعمال العنف أو الآلات القابضة ذات الأثر القاسي التي قد تستعمل لإمساك الحيوان وتسكين حركته ليتمكن من ذبحه.
٢- كثرة الإنتاج مما يخفض التكلفة على المستهلكين.
على أننا نرى أن الأفضل عدم الأخذ بهذه الطريقة بالكلية، ولو بالذبح الشرعي اللاحق لها، لأن السيطرة على المسالخ لا يمكن أن تكون كافية في جميع الأحوال، بحيث تطبق الشروط بحذافيرها، ويفضي التساهل الذي لابد أن يحصل إلى إطعام المسلمين الميتات، فينبغي إغلاق الباب بالكلية سدا للذريعة.
ثم نقول: الاكتفاء بصعق الحيوان بهذه الطريقة وإعداده للاستهلاك البشري من دون أن يذبح، كما هو معمول به في بعض المسالخ في الدول الغربية، لا شك أنه محرم من جهة أنه ميتة، لأنه لم يذبح، وإماتته بهذه الطريقة شبيهة بخنقه، من جهة أن الدم يبقى محتقنا في العروق، وبذلك يسرع الفساد إلى اللحم.
وقد ذكر الأستاذ الدكتور محمد فتحي الدريني أن أهل الدانيمارك رفعوا إلى حكومتهم شكوى لإبطال العمل بهذه الطريقة، لأنها تفضي إلى تعفن اللحم وتغير طعمه، كأثر للصدمة الكهربائية (١)
стр. 16357
٢- طريقة المسدس أو الشاكوش، والبلطة، والمطرقة:
وهي تكون بأن يهوي الذابح بالبلطة على رأس الحيوان، فتتلف دماغه، أو يضربه في دماغه بالمسدس بحيث تدخل الطلقة في رأسه، فيفقد الوعي، وربما بقي قلبه ينبض دقائق قليلة بعد تلف الدماغ، وهي طلقة راجعة، والأكثر أنها تنطلق بقوة ضغط الهواء، أو يضربه على مؤخرة رأسه بين الأذنين بمطرقة أو مرزبة لا تهشم دماغه، ولكنها تفقده الوعي فورا.
رأينا في هذه الطريقة:
لاشك أنه إن اكتفي بذلك ولم يذبح الحيوان بعدها بالطريقة الشرعية، يكون من الميتة الموقوذة ولا تحل لمسلم، وكذا لو ذبح الحيوان بعد أن فارقته الروح.
وإن ذبح فورا بعد الضربة، ففي صحة الذبح شرعا شك من جهتين:
الأولى: أن هذا إنفاذ لمقاتل الحيوان، فالذبح بعدها لا يجزئ عند بعض الفقهاء، لأنه يكون قتل بسببين مبيح وحاظر، بل نسبة الزهوق إلى الضرب أولى من نسبتها إلى الذبح.
الثانية: أن هذه وحشية لا تقبل من مسلم يدين بشرع الإسلام الذي يقول نبيه ﷺ : ((إن الله كتب الإحسان على كل شيء، فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة، وليحد أحدكم شفرته وليحد ذبيحته)) ، ولكونه قد ورد أنه ﷺ نهى عن الذبح بالأسنان والأظفار، أي لئلا يشبه عمل الأمم المتوحشة، وهذا مثله بل أولى، فإذن يجب الامتناع عن استعمال هذه الطريقة بالكلية في المسالخ، لأنها يجب أن تراعي المناهج المقبولة شرعا في الذبح من عامة المسلمين، وأيضا يجب منعها من باب سد ذرائع الفساد. وإن الفورية في الذبح بعد الطلقة أو ضرب البلطة، قد تتساهل المسالخ في تطبيقها في بعض الحالات، فيتطور الأمر إلى ذبح الموقوذات وإطعامها للمسلمين، كما نبهنا إليه في الطريقة السابقة.
стр. 16358
٣- الخنق والمواد الخانقة:
وهي طريقة تستريح إليها المسالخ عند من لا يخافون الله تعالى، ولا يرجون له وقارا، ولا يحذرون من يوم الحساب، وهم لا ينظرون إليها إلا على أساس أنها مربحة تجاريا بتقليلها التكلفة وحفظ الدم.
وهي تستعمل في الحيوانات الصغيرة الكثيرة العدد، بإطلاق الغاز المذكور عليها في غرف مقفلة.
وإن استعمال الخنق أو المواد الخانقة نحو ثاني أوكسيد الكربون لإزهاق أرواح الحيوانات يجب منعها والامتناع عن استعمالها في مسالخ البلاد الإسلامية، لأمور:
الأول: أن المنخنقة محرمة بنص القرآن.
الثاني: ما في الخنق من التعذيب للحيوان تعذيبا قد يطول أو يقصر، والإسلام دين الرحمة والرفق بالإنسان والحيوان.
الثالث: أن جميع دم الحيوان يبقى في جسده ولا يخرج منهرا ولا يذهب منه قطرة، والدم محرم على المسلمين لخبثه، كما سبق بيانه.
الرابع: أن اللحم المأخوذ من الحيوان المخنوق يسرع إليه الفساد والإنتان فيما نظنه، لأن الميكروبات التي في الدم المحتقن تسرع في التكاثر، بخلاف ما إذا أفرغ الجسد الحيواني منه، فإنه يطيب ويكون أشهى وألذ مذاقا.
стр. 16359
٤- الطريقة الإنجليزية في قتل الحيوان للأكل:
ذكر الأستاذ الدكتور محمد فتحي الدريني أن هذه الطريقة يزعم بأنها طريقة بارعة في الذبح في نظر الأوروبيين كافة، وهي تكون بخرق جدار الصدر بين الضلعين الرابع والخامس، ومن خلال هذا الخرق ينفخ هذا الحيوان بمنفاخ، فيختنق الحيوان نتيجة لضغط الهواء على الرئتين أي لأنها لا تتمكن من التمدد لجذب الهواء النقي من خارج البدن (١)
ولا يخفى أن هذا النوع داخل في (المنخنقة) المحرمة بالنص القرآني، ولا ينهر الدم كله ولا شيء منه، فيبقى محتقنا في العروق، بالإضافة إلى ما في هذه الطريقة من التعذيب للحيوان بهذا (الخرق) و (النفخ) و (الضغط) .
стр. 16360
٥- طريقة التخدير قبل الذبح:
وهي تكون بإعطاء الحيوان قبل ذبحه مادة مخدرة، كالبنج مثلا، بشكل طعام أو حقن، فتخدره حتى يفقد الوعي تماما، كما يعطى الإنسان حقنا تخدره وتفقده الوعي قبل إجراء عملية جراحية في بطنه أو قلبه أو رأسه أو أي جزء من جسده، فتجرى له العملية من دون أن يحس بأي نوع من الألم، ثم بعد تمام العملية يعود إلى الإفاقة والنشاط كأن شيئا لم يحصل، فكذلك يمكن بهذه الطريقة السيطرة على الحيوان بسهولة، وإجراء عملية الذبح دون أي نوع من شعور الحيوان بالألم، فتحصل جميع المتطلبات الشرعية، وكذلك الأغراض التجارية من جهة تقليل التكلفة.
وقد قيل: إن عملية التخدير هذه باهظة التكلفة (١) ، وهو ما نشك فيه، بالنسبة للاستعمال الحيواني، لأننا نعلم أن كثيرا من الناس يصطادون الطيور بهذه الطريقة، فيضعون لها حبوبا قد خلطت بمواد تخدرها وتفقدها الوعي إذا التقطتها، فيلتقطها الصيادون وهي في تلك الحال، ثم هي تعود إلى الوعي بعد ساعات لتجد أنفسها داخل الأقفاص.
ويحتاج- من أجل الاطمئنان إلى أفضلية هذه الطريقة- إلى معرفة أمرين:
الأول: أن قوة أنهار الدم لا تخف بسبب التخدير، لأن حركة القلب تكون- في تقديري- ضعيفة أثناء فترة التخدير.
الثاني: أن المادة المخدرة لا تضر اللحم، ولا تفقده شيئا من الخصائص الجيدة فيه.
стр. 16361
٦- الذبح بالآلات السريعة:
وهو أمر نسمع به، ولم نشهده، ولم نطلع على كتابة علمية فيه يعتمد عليها، وقيل: إنها تستعمل في ذبح الدجاج بقطع رؤوسه بآلات فيها شفرات حادة تدور بسرعة، فيتمكن بذلك من ذبح مجموعات كبيرة من الطيور في وقت قليل، مما يقلل تكلفة الذبح إلى درجة دنيا.
والغالب أن يجتمع مع هذه الطريقة الصعق بالكهرباء، ويكون الصعق سابقا لوصول الدجاجة إلى الآلة الذابحة بوقت قصير، بغرض أن تكون مشلولة منعدمة الحركة كما تقدم.
وقد تقدم الكلام في هذا البحث، وذكرنا أن أكثر العلماء على أن المذبوح بطريقة قطع الرأس عند كثير من العلماء مباح، وأن عليا ﵁ قال فيه: "تلك ذكاة وَحِيَّة". لكن من أجازها اشترط أن يقطع الودجين قبل أن يموت الحيوان بقطع النخاع.
ونحن نرى أنه لا ينبغي استعمال هذه الطريقة في المسالخ في البلاد الإسلامية لما يأتي:
ا- فيه المحاذير المذكورة في طريقة الصعق كلها.
٢- أن الطيور تعلق من أرجلها في علاقات مثبتة في سيور محركة تمر بها على (الذباحة) والطيور ليست أجسامها على طول واحد، فقد تضرب الشفرة موضع الذبح من عنق الدجاج، فإن كان جسم الدجاجة أقصر ربما ضربت الرأس نفسه أو المنقار، فتقتله بما ليس ذبحا شرعيا، وإن كان جسم الدجاجة أطول فتضربها في صدرها.
٣- هذا بالإضافة إلى أن تحمل الدجاج للصدمة الكهربائية ليس بدرجة واحدة، فإن كان جسم الدجاجة أصغر من المعدل مات بالصعقة، وإن كان أكبر من المعدل لم يفقد الوعي، فيكون صعقه تعذيبا له.
стр. 16362
التسمية بالنسبة للمجموعات الكبيرة:
إن التسمية في حال المجموعات الكبيرة، ولو ذبحت باليد على الطريقة الإسلامية، تكون مرهقة للذباحين، فإنه لو كلف مثلا أن يذبح (١٢٠٠) دجاجة في الساعة بمعدل دجاجة كل ثلاث ثوان، لكان إلزامه بأن يقول "بسم الله والله أكبر" (١٢٠٠) مرة في الساعة إرهاقا له وعنتا شديدا، والعنت والحرج مرفوع في الشريعة لقوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨] .
ومن هنا أفتت هيئة الفتوى في الكويت، وكنت أحد أعضائها وقت إصدار هذه الفتيا، بأنه عند ذبح مجموعة كبيرة من الدواجن يكفي التسمية عليها مرة واحدة عند أولها إن جرى الذبح بصورة متتابعة دون توقف، فإن جرى توقف لسبب ما، فعلى الذابح أن يسمي على المجموعة الباقية من جديد.
стр. 16363
تغطيس الدجاج في الماء الذي يغلي:
إذا فعل بالحيوان بعد ذبحه وقبل خروج الروح ما يعين على موته، كأن تطأه سيارة، أو يغطس في ماء يغلي أو ماء بارد، فإن جمهور الفقهاء يرون أنه لا يحرم بذلك، لأنه لا يكون بذبحه في حكم الميت.
ويرى الإمام أحمد أنه يكون بذلك حراما، قياسا على ما ورد في حديث الصيد: "وإن وجدته غريقا في الماء فلا تأكل " أي لأن تغرقه في الماء يعين على قتله (١) .
وعندي أن قول الجمهور هو الصحيح، والقياس على الصيد لا يستقيم لأنه يحتمل أن إصابة الصيد لم تكن قاتلة، كما لو كسر جناحه فوقع في الماء، فإن موته يمكن أن يكون بسبب الغرق في الماء لا بسبب الإصابة، فيكون ميتة، بخلاف ما إذا ذبح الدجاج ذبحا صحيحا وأنفذت مقاتله بالذبح، فإن ما يرد عليه بعد ذلك لا ينسب إليه القتل.
وعلى هذا فجائز لمن يذبح الطيور أن يغطسها في الماء الذي يغلي من أجل نتف ريشها، لكن الأولى أن يتركها حتى تنتهي حركتها بخروج الروح، لقول عمر ﵁: "لا تعجلوا الأنفس أن تزهق " أورده ابن قدامة، ولأن فيه تعذيبا للحيوان المذبوح (٢)
وكذلك لا ينبغي سلخه ولا قطع عضو من أعضائه قبل تمام سكون حركته.
стр. 16364
الفصل الثالث
الجهل بتحقق شروط الذبح المشروع
من قدم إليه لحم في بلاد كل أهلها مسلمون أو غالبهم، ولم يعلم تحقق شروط الذبح الشرعي في ذلك اللحم، فإنه حلال له أن يأكله، ما لم تكن هناك قرائن قوية تدل على أن شيئا من شروط الذبح لم يتحقق، ويشمل ذلك ما يلي:
ا- جهالة عين الذابح.
٢- جهالة حاله من كفر أو إسلام.
٣- جهالة كون اللحم لحم حيوان حلال أو محرم.
٤- جهالة أنه هل سمي عليه أم لم يسم.
٥- جهالة طريقة التذكية.
وهذا مستند إلى منطوق الحديث "سموا الله عليه أنتم وكلوا" بالنسبة إلى جهالة التسمية، ومفهوم الموافقة بالنسبة إلى الصور الأربعة الأخرى.
وهذا النوع في الحقيقة هو أكثر ما يقع في بلاد الإسلام منذ عصر النبوة وحتى الآن، فيمكن الادعاء بأن حكمه مجمع عليه إجماعاً عملياً، فالمؤمن غالباً ما يأكل اللحم في بيته أو عند صديقه، ولم يذبح هو ولا صديقه، وإنما ذبحه لهم ذابح آخر لم يحضروا ذبحه، وذلك الذابح الآخر يحتمل أنه تعمد ترك التسمية أو ذبح بطريقة غير مشروعة، وكذلك ما يشترى في أسواق المسلمين، لم يطلع مشتريه على ذابحه، ولعله مرتد أو مجوسي، أو لم يذبح بقطع الودجين ... إلخ، ولعله ذبح حيوانا لا يؤكل لحمه.. ولم ينقل عن أحد من أهل العلم أو العوام أنه تحرج من أكل شيء من ذلك، لكن إن قامت قرينة تدل على أن الذبح كان على غير الطريقة الشرعية فإن الحكم يختلف، كما ذكر أن عالما قال لمن يذبح: "اذكر اسم الله " فقال قد ذكرت، فقال: اذكر اسم الله " فقال: قد ذكرت، فحلف ألا يأكل منه شيئا ويمكن الاستدلال على ذلك بالآية القرآنية: ﴿وَلَا عَلَى أَنفُسِكُمْ أَن تَأْكُلُوا مِن بُيُوتِكُمْ أو بُيُوتِ آبَائِكُمْ أو بُيُوتِ أُمَّهَاتِكُمْ أو بُيُوتِ إِخْوَانِكُمْ أو بُيُوتِ أَخَوَاتِكُمْ أو بُيُوتِ أَعْمَامِكُمْ أو بُيُوتِ عَمَّاتِكُمْ أو بُيُوتِ أَخْوَالِكُمْ أو بُيُوتِ خَالَاتِكُمْ أو مَا مَلَكْتُم مَّفَاتِحَهُ أو صَدِيقِكُمْ﴾ [النور: ٦١] ولم تشترط الآية حصول العلم بالطهارة والتذكية.
стр. 16365
وهذا أمر لا يسع الناس غيره، ويستحيل أن تشتمل الشريعة الحنيفية السمحة على اشتراط العلم اليقيني.
فقد تظافر على إباحة هذا النوع السنة والإجماع العملي ودلالة النص ونفي الحرج.
أما إن وجدت قرائن تدل على خلاف الظاهر، وكانت دلالتها قوية، فينبغي أن يعمل بها، كأن ترى عند مضيفك علبا فارغة كتب عليها أنها (لحم خنزير) أو ترى رجلا خرج من بيت مضيفك عليه أثر دماء الذبيحة وأنت تعرف أن ذلك الرجل هندوسي أو شيوعي ونحو ذلك.
وكلما كانت القرينة أقوى كان العمل بها أوجب، ولا حاجة إلى النظر إلى القرائن الضعيفة، وهو ما انتهى إليه الحديث المتقدم: "أن قوما حديثا عهدهم بالإسلام ... إلخ " فإن كونهم حديثي عهد بالإسلام قرينة ضعيفة والله أعلم، ولم يأمر النبي ﷺ بسؤالهم ولا بالاستفسار عن حالهم.
قال القرافي: "من أمر غلامه بالتسمية، مرتين أو ثلاثا، وهو يقول: سميت، ولم يسمعه، يصدقه ويأكل، ولا يظن بالمسلم غير ذلك " (١) , وقال ابن عبد البر بعد أن أورد الحديث: "فيه أن ما ذبحه المسلم يؤكل، ويحمل على أنه سمى، لأن المسلم لا يظن به في كل شيء إلا الخير حتى يتبين خلاف ذلك " (٢) وقال ابن مفلح الحنبلي: "يحل مذبوح منبوذ بموضع بحل ذبح أكثر أهله، ولو جهلت تسمية الذابح " (٣) .
стр. 16366
الفصل الرابع
حكم اللحوم المستوردة
حجم المشكلة:
لم تكن مشكلة اللحوم المستوردة من غير بلاد المسلمين تشغل بال علماء المسلمين قديما، بسبب ما كان عليه المسلمون من الاكتفاء الغذائي الذاتي.
وأما في العصر الحاضر- ابتداء من منتصف القرن العشرين- فقد ضعف الإنتاج الحيواني بدرجة كبيرة لأسباب كثيرة اجتمعت جميعا، منها:
ا- انحياز جمهرة السكان إلى العواصم والمدن الكبرى، الأمر الذي كان نتيجة تقصير الحكومات الإسلامية في رعاية الأرياف والقرى، فالخدمات الصحية والتعليمية والثقافية والترفيهية والمواصلات كلها في المدن خاصة، والمؤسسات والجامعات فيها، وهذا الأمر أدى إلى ضعف الأرياف والقرى، وهي الأماكن التي تتمكن من تربية الحيوانات، وأما المدن فيصعب فيها ذلك، بل قد يمتنع بالقرارات الحكومية، ولم يصحب هذا التركيز في المدن والعواصم إنشاء مشاريع لتربية الأنعام والدواجن، كافية لتعويض ما نشأ عن الانحياز المذكور.
٢- تضخم الثروات في بعض البلاد الإسلامية الغنية، واتجاه أهلها إلى الإنفاق الاستهلاكي دون الإنفاق الإنتاجي؛ مما مكن أهلها من كثرة استهلاك اللحوم، الأمر الذي أدى إلى فناء النسبة الكبرى من الثروة الحيوانية في البلاد العربية، حتى أوشكت على الانقراض.
стр. 16367
ولما طال الأمر على هذا الحال بدأت تنهال على البلاد الإسلامية الواردات من اللحوم ومشتقاتها من أوروبا والأمريكيتين وأستراليا وسائر بلاد العالم.
وكان من المفترض أن تحرص حكومات البلاد الإسلامية، وهي المفروض فيها أن تقوم على حراسة الدين وسياسة الدنيا، أن تقوم بالنيابة عن أفراد شعوبها بما يمليه عليها واجبها في هذا الباب بما يطمئن المسلمين إلى أنهم حين يأكلون اللحوم المستوردة والأطعمة المشتقة يأكلون ما هو حلال في دينهم، لكن كانت الحكومات ما بين نائمة عن الموضوع، أو متنبهة لكنها لا تدري كيف تصنع، أو تدري لكنها تنشط أحيانًا وتكسل أحيانا، وبين علمانية أو كالعلمانية لا تبالي بهذا الأمر لأنه لا يعنيها، حتى إن لحم الخنزير ومشتقاته تدخل إلى بعض البلاد الإسلامية بيسر أحيانا، وخفية أو مع التمويه أحيانا.
هذا في الوقت الذي يصر فيه اليهودي أينما ذهب على أن يحصل- إن شاء- على لحم وغذاء يرتضيه يوافق شريعته ولا يخالفها (١)
стр. 16368
وعانى المسلمون الغير من هذا الأمر كل بقدره، وكان الأكثر معاناة هم المسافرين والطلبة والمغتربين المقيمين في ديار الغربة من بلاد النصارى.
ولعل أحد أسباب القصور في معالجة المسألة عدم وضوح الأحكام الشرعية المتعلقة بها، إذ لم تقم جهة إسلامية موثوقة بوضع نظام واضح مركز ومحدد يضبط الأمر، ووضع آلية سهلة التطبيق واضحة المعالم تحكم الأمر.
هذا ومما يزيد المسألة تعقيدا حرص تجار اللحوم ومنتجيها، في البلاد الأجنبية- من منطلق التنافس التجاري الصرف- على إدخال لحم الخنزير في اللحوم المعلبة، وإدخال شحومها في الأطعمة المصنعة كالبسكويت والشوكولاتة والبوظة ونحو ذلك، لأن شحم الخنزير في بعض بلاد النصارى أرخص ثمنا وأقل تكلفة من لحم البقر والغنم، لكثرة توالد الخنازير، وكونها ترضى بالعلف الرديء والقذر.
وأيضا في مجال لحوم البقر والغنم والدجاج، تفقد الذبائح نسبة من وزنها (٧ %) تقديرا إذا ذبحت بالطريقة الإسلامية، وذلك بما تفقده من الدم المسفوح.
وأيضا فإن الذبح الإسلامي على الطريقة التي حددناها فيما مضى من هذا البحث، يحتاج إلى تكلفة إضافية، وهي أجرة الذباحين، فإن الذبح الآلي أسرع بكثير من الذبح اليدوي.
стр. 16369
ومن هنا- ولأجل المنافسة التجارية بفارق السعر- يحرص تجار اللحوم المصدرون لها إلينا على أن يتخلصوا من طلبات الالتزام بالذبح الإسلامي، وعلى المراوغة والتخفي والتمويه في الأطعمة المعلبة والمجمدة وغيرها.
وهذا نسوقه من أجل مزيد من اليقظة والانتباه والعمل المنظم المبني على الأصول الشرعية الصحيحة.
مع أننا أيضا نلفت النظر إلى ما سبق أن نادت به بعض الحكومات الإسلامية، وهو وضع الخطط والسياسات وإقامة المشاريع ووضع الأنظمة من أجل الوصول بالبلاد الإسلامية إلى مرحلة الاكتفاء الذاتي والأمن الغذائي، بل إلى مرحلة التصدير، حيث إن الإمكانيات المادية متوفرة، والإمكانيات البشرية في تقدم مستمر، ولا يبقى إلا العزم والإصرار والتقدم إلى الأمام، والله الهادي إلى الطريق الأقوم.
стр. 16370
ا- تعليق الحكم بالبلد إن جهلت ديانة الذابح بالنسبة للحوم المستوردة:
تقدم أن ذبائح غير المسلمين وأهل الكتاب ليست حلالا للمسلمين، أما ذبائح المسلمين والكتابيين فهي حلال إذا استوفت الشروط، وبناء على ذلك وجد في العصر الحاضر توجه عند العلماء وداخل المجتمع الإسلامي، إلى رفض استيراد وأكل اللحوم الواردة من البلاد الوثنية والشيوعية في آسيا الشرقية والجنوبية وفي أوروبا، وإن كان من المحتمل أن الذابح مسلم ملتزم أو كتابي، واقتصر الاستيراد على ما يرد من بلاد المسلمين أو النصارى, ونحن نقر هذا التوجه ونرى أنه توجه صحيح نابع من العقيدة والشريعة الإسلامية.
لكن هل كل ما يرد من بلاد النصارى يجوز أكله؟
إن ما تقدم في هذا البحث كان التركيز فيه على الذكاة بأيد إسلامية.
أما ما يذبحه أهل الكتاب، وخاصة في العصر الحاضر، فسنزيد التركيز عليه فيما بقي من هذا البحث.
على أن تعليق الحكم بالبلد بصفة عامة فيه ما فيه، لأمرين:
ا- أن البلد الواحد كفرنسا أو البرازيل مثلا ليس كل أهله كتابيين، بل منهم الغرباء القادمون من الشرق ممن يدين بالوثنية، كبعض الهنود والصينيين مثلا، وخاصة وأن أهالي البلاد الغربية يتركون في الغالب هذه المهن- التي يعتبرونها حقيرة، ويتعرض أصحابها للأقذار- لهؤلاء القادمين.
стр. 16371
٢- أن أهل تلك البلاد في الغالب تركوا التمسك بالديانة المسيحية، وتحولوا لا دينيين أو شيوعيين لا يؤمنون بإله ولا كتاب ولا رسول، والسيادة والأمر والنهي فيها في الغالب لهؤلاء.
وهذان الأمران أيضا موجودان في حالة بعض البلاد المنتسبة شعوبها إلى الإسلام.
ومن هنا نستطيع أن نقول: إن عرف الذابح بعينه أنه مسلم أو كتابي فهو أولى بأن تكون ذبيحته حلالا.
وإن جهل ذلك يعلق المحكم بغالبية أهل البلد، فإن كان غالبية أهله مسلمين أو نصارى، يمكن- على ضعف- اعتباره كما لو كان الذابح معلوم الديانة مسلما أو كتابيا، وتكون الأغلبية مغلبة على الظن، وغلبة الظن تجري مجرى العلم في الشرعيات.
وقد قبل هذا المبدأ- وهو مبدأ تعليق الحكم بغالبية أهل البلد المستورد منها اللحم- عامة العلماء في العصر الحاضر الذي تميز بكثرة استيراد اللحوم، وصدرت على أساسه الفتاوى الكثيرة، وله جذور في بعض كتب الفقه.
لكننا نود التنبيه إلى أن روسيا والبلاد التي كانت خاضعة للشيوعية قبل أن يهوي صنمها كان غالب أهلها مسلمين أو نصارى، ولم يكن الأفراد المنتمون إلى الحزب الشيوعي يزيدون عن (١٠ %) من مجموع السكان - على ما أوردته بعض وسائل الإعلام في ذلك الوقت- ولكن كانت وسائل الإنتاج بأيدي الشيوعيين وتحت سيطرتهم ومنها المسالخ، فهل يرجح في مثل هذه الحال أغلبية السكان، أم السيادة السياسية، وأيهما أقرب للاعتبار من حيث الاستدلال به على كون الذابح مسلما أو كتابيا: القلة السائدة الكافرة، أم الكثرة التي لا تأثير لها؟
стр. 16372
٢- طريقة الذبح عند أهل الكتاب في العصر الحاضر:
ذبائح اليهود فيما نعلمه، وخاصة ما ذبحوه لليهود، ويسمونه الآن (الكوشر) تذبح بالطريقة المعروفة عند المسلمين وهي قطع الودجين، أما النصارى فقد كان بعض علمائنا الذين اطلعوا على طرائقهم في الذبح يحذرون من أكل ذبائحهم، لأنهم يرون أنه لا بأس عليهم من أكل الميتات والموقوذات، قال القرافي: " لا يختلف اثنان ممن يسافر أن الإفرنج لا تتوقى الميتة، ولا تفرق بينها وبين التذكية، وأنهم يضربون الشاة حتى تموت وقيذة بالعصي وغيرها، ويسلُّون رؤوس الدجاج من غير ذبح، وهذه سيرتهم ". قال: "وقد صنف الطرطوشي ﵀ رسالة في تحريم جبن الروم كتابا، وهو الذي عليه المحققون، فلا ينبغي لمسلم أن يشتري من حانوت فيها شيء منه، لأنه ينجس الميزان والبائع والآنية". (١) ا. هـ.
وكان هذا في عصرهم، أما في عصرنا فقد كثر المسافرون من المسلمين إلى هنالك والمقيمون، فعلم ذلك من قبلهم ومن مصادر أخرى سوف نشير إليها.
وقد كره علماؤنا أن يتخذ الكتابي جزارا يذبح لنا، فينبغي تجنب ذلك ما أمكن ولوكان يذبح بمشهد من المسلمين.
стр. 16373
ما أزهق الكتابي روحه بغير الذبح أو النحر بالطريقة الشرعية:
وقد تقدم ذكر بعض طرقهم:
ا- فالأكثرون يضربون رأس الثور أو البقرة بالمسدس حتى يموت، ثم يذهب به إلى السلخ والتقطيع، وتقطع رقبة الثور بعد أن تكون روحه قد خرجت.
٢- ومنهم من يضرب رأس الثور بمطرقة من حديد ضربا قويا يفقد الحياة بها فورا أو يفقده الوعي.
٣- ومنهم من يدخل في فم الدجاجة مقسًا، فيقطع عظم الرقبة عند أسفل الرأس من دون أن يقطع الودجين.
٤- ومنهم من يخنق الدجاج أو غيره بآلات خانقة أو بثاني أوكسيد الكربون، ليمكن إماتة أعداد هائلة منها بسرعة، بحبسها في أماكن مقفلة وإطلاق الغاز المذكور عليها.
٥- ومنهم من يفقد الحيوان وعيه بالصعق الكهربائي, ثم بعد ذلك لا يجري- في كثير من الأحوال- ذبح الحيوانات، وإن جرى يكون ذلك بعد موتها.
وكل ذلك مع الحرص منهم على إماتة أعداد كبيرة من الحيوانات في أقصر وقت، مع عدم إهدار شيء من الوزن بإخراج الدم.
وإن جرى الذبح قبل الزهوق يكون خروج الدم بكميات قليلة جدا، لا ينطبق عليها ما دعا إليه نبي الإسلام ﷺ حين قال: ((ما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه فكلوا)) .
стр. 16374
ويختلف النظر في حكم هذه الطرق شرعا، وقد تقدم بيان الحكم الشرعي فيما إن كان الذابح مسلما.
أما إن كان الذابح كتابيا، فإن جمهور الفقهاء لم يفرقوا بينه وبين ذبح المسلم، لأنه إن كان قتله بالضرب فهو موقوذة، أو بالخنق أو بثاني أوكسيد الكربون أو بالتغريق في الماء فهو من المنخنقة، فهو داخل فيما نص القران على تحريمه.
وذهب آخرون من الفقهاء إلى التخفيف في ذلك في حق أهل الكتاب، منهم الشيخ أبو بكر بن العربي المالكي، قال في كتابه (أحكام القرآن) ما نصه: "سئلت عن النصراني يفتل عنق الدجاجة ثم يطبخها هل تؤكل معه أو تؤخذ منه طعاما؟ فقلت: تؤكل لأنها طعامه وطعام أحباره ورهبانه، وإن لم تكن هذه ذكاة عندنا، ولكن الله أباح لنا طعامهم مطلقا، وكل ما يرونه في دينهم حلالا، فإنه حلال لنا إلا ما كذبهم الله فيه " (١)
وتابعه على هذه الفتوى الشيخ محمد عبده، والشيخ محمد رشيد رضا (٢)
стр. 16375
ونقل بعض الباحثين أن ابن العربي له في كتابه نفسه ما ينقض فتواه هذه حيث قال: "فإن قيل: فما أكلوه على غير وجه الذكاة كالخنق وحطم الرأس، فالجواب أن هذا ميتة وهي حرام بالنص، وإن أكلوها فلا نأكلها نحن كالخنزير، فهو من طعامهم وهو علينا حرام ". (١)
ولعل مقصوده أن ما اعتبره أهل دينهم ذكاة، كفتل عنق الدجاجة يؤكل، وإن لم يعتبره أهل دينهم ذكاة كالخنق فلا نأكله، والله أعلم. والواضح أن الراجح من ذلك مذهب الجمهور، وهو أن ما لم يكن ذبحا صحيحا من المسلم كالخنق ونحوه، فلا يكون ذبحا مبيحا إذا فعله أهل الكتاب، والاستناد إلى آية ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ [المائدة: ٥] كما لم يفد في إباحة الخنزير لنا، فكذلك لا يبيح المخنوق والموقوذ، ويبقى عموم آية: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالْدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ﴾ [المائدة: ٣] محفوظا.
стр. 16376
حكم ما جهلت كيفية ذبحه من اللحوم المستوردة من بلاد أهل الكتاب:
إن ما علمت طريقته من ذبحهم فحكمه واضح مما تقدم، وأما ما جهلت طريقته فهو مشكل، وقد صدرت في هذه المسألة فتويان متعارضتان, أحداهما لفضيلة شيخنا المبجل الشيخ عبد العزيز بن عبد الله آل باز حفظه الله وأبقاه بخير وعافية، مفتي عام المملكة العربية السعودية حاليا، ونصها:
"طعام أهل الكتاب مباح لنا إلا إذا علمنا أنهم ذبحوا الحيوان على غير الوجه الشرعي؛ كأن يذبحوه بالخنق أو الكهرباء أو ضرب الرأس، فإنه يكون منخنقا أو موقوذا فيحرم علينا للآية". (١)
والفتوى الثانية لفضيلة الشيخ عبد الله بن محمد بن حميد شيخ المسجد الحرام رحمة الله عليه المتوفى سنة ١٤٥٢ هـ ونصها:
"ما يرد من اللحوم إن كان استيراده من بلاد إسلامية، أو من بلاد أهل الكتاب، أو معظمهم وأكثرهم أهل كتاب، وعادتهم يذبحون بالطريقة الشرعية، فلا شك في حله، وإن كانت عادتهم أو أكثرهم يذبحون بالخنق أو بضرب الرأس أو الصعق بالكهرباء ونحو ذلك فلا شك في تحريمها.
أما إذا جهل الأمر ولم يعلم عن حال أهل تلك البلد هل يذبحون بالطريقة الشرعية أم لا، فلا شك في تحريم ما يرد من تلك البلاد المجهول أمر عادتهم في الذبح، تغليبا لجانب الحظر، وهو أنه إذا اجتمع مبيح وحاظر فيغلب جانبا لحظر كما في الصيد".
стр. 16377
وهذه الفتوى توافق تقريبا ما ذهب إليه المالكية من أن "اللحم الذي يباح لنا من ذبح النصراني هو ما ذبحه بمحض مسلم عالم بأحكام الذبح، أما ما غاب عليه- أي ذبحه من غير أن يراه مسلم- فإنه يكون حراما لأنهم يستحلون الميتة، وهذا بخلاف اليهود، فإنهم لا يستحلونها". (١)
فللحوم المستوردة من بلاد النصارى ولم نعلم ديانة ذابحها على التحديد ثلاثة أحوال اتفقت الفتويان على حاليين منها:
ا- أن نعلم أن عادة أهل البلد الذبح بطريقة شرعية، فيكون اللحم حلالا.
٢- أن نعلم أن عادة أهل البلد الذبح بطريقة غير شرعية، فيكون اللحم حراما.
واختلفت الفتويان في الحالة الثالثة:
٣- وهي أن نكون جاهلين طريقتهم في الذبح:
فالفتوى الأولى تقتضي إباحة هذه اللحوم، بناء على أنها من طعام أهل الكتاب.
والفتوى الثانية تقتضي تحريمها بناء على أن الأمر تردد بين الحظر والإباحة، فيقدم جانب الحظر، كما في مسائل النكاح.
стр. 16378
ونحن نميل إلى جانب الفتوى الأولى، لأنه لو قدم جانب الحظر في الأطعمة لما وجد الإنسان طعاما من مصدر حيواني يأكله، فالجهل في الأطعمة نعمة تشكر، كما بينه شيخ الإسلام ابن تيمية فيما أذكر، ولست أستحضر الآن الموضع الذي قاله فيه، ونستأنس بما تقدم عن الزهري أنه قال: "إن سمعته يذكر اسم غير الله فلا تأكل، وإن لم تسمعه فقد أباح الله طعامهم لنا وهو يعلم ما يقولون ".
استدراك:
هذا الكلام المتقدم هو في المبدأ والنظرية، أما الواقع فأمره مختلف، فهل ما يرد من تلك البلاد معلومة طريقة ذبحه أم مجهولة:
إن طريقة ذبحهم في بلاد النصارى معلومة وليست مجهولة:
فمن جهة تواترت عنهم الأخبار أن كثيرا منهم لا يذبحون، وإنما يقتلون بالخنق أو الكهرباء أو بالمسدس الخاص.
ومن جهة أخرى هناك الكتب المؤلفة من أهل تلك البلاد وجهاتهم الرسمية، والموسوعات العلمية العامة والخاصة، التي تبين بجلاء كيف يجري الذبح عندهم في كل بلد من بلادهم، وكلها تقرر ما لا يقره الشرع من طرائق الذبح، بل جاءت الأخبار من بعض بلادهم بأنهم يعتبرون طريقة ذبحنا همجية ووحشية، وخالية من الرفق بالحيوان، ولذلك تمنعها قوانينهم، وتراقبها جمعيات الرفق بالحيوان، وتعترض على ما شم ذبحه بها، وخاصة في إحدى البلاد التي عرف أهلها بذبح الشعوب واستنزاف دمائها وخيراتها.
فادعاء أن طرقهم في الذبح مجهولة لنا، شبيهة بمن يغطي عينيه ثم يقول: لا أدري الشمس طالعة أم لا، وبمن يقول في رمضان: آكل الطعام لأن الصبح لم يتبين لي، وهو لو فتح النافذة أو نظر لساعته في معصمه لعلم.
كما أن من اليسر بمكان الإطلاع المباشر على طرائقهم في الذبح من جهة الباحثين وأهل العلم، أو من جهة المبتعثين لهذه الغاية، وهو أمر يقطع الشك باليقين.
стр. 16379
الشهادات التي تأتي مع اللحوم لإثبات ذبحها بالطريقة الإسلامية في بلاد أهل الكتاب:
إن الشهادات المذكورة إن جاءت من جهة إسلامية موثوقة تشهد بأنها ذبحت على الطريقة الإسلامية فإن ذلك يكفي لاعتبارها حلالا، ولا إشكال في ذلك، ما لم يتبين خلافه، وإن جاءت من جهات أهلية أو حكومية في تلك البلاد فإنها لا تعتبر ولا قيمة لها، لأن المشكلة تبقى قائمة، لأنهم يكتبون ذلك صوريا ولا يؤمنون بأي أهمية للموضوع، بل قد يسخرون ممن يبدي أية عناية واهتمام بذلك.
والقاعدة عند الفقهاء أن خبر الكافر لا يقبل في الأمور الدينية كالقبلة والطهارة ونحوها، ومسألة الذبح من هذا الجنس.
وأما الكتابات التي توجد على بعض المعلبات، أو اللحوم المستوردة وغيرها من الأطعمة، الآتية من بعض بلاد النصارى، من أنها ذبحت على الطريقة الإسلامية، فقد أصبحت أمرا لا قيمة له، بعد أن كثرت الوقائع الشاهدة ببطلانه، من ذلك واقعتان شهدتهما وأشهد بهما:
ا- ورد إلى الكويت في أواخر السبعينات من هذا القرن كميات كبيرة من سمك الزبيدي جيد النوعية، معبأ في أكياس بلاستيكية كتب عليها بحروف كبيرة (ذبح على الطريقة الإسلامية) ، وقد بيعت تلك الكمية في سوق السمك في الكويت، واشتريت منها وأكلت منها أنا وأفراد عائلتي، واشتراه كثير ممن نعرف، وكان ذلك مثار تندر طويل لأهل الكويت.
٢- وردت إلى الكويت أيضا لحوم معبأة في علب معدنية، كتب عليها بالعربية (لحم بقر مذبوح على الطريقة الإسلامية) وبالإنكليزية (Luncheon meat) أي لحم للطعام، وبالألمانية كلمة لا أذكرها الآن، لم نكن نعرف معناها، فكشفنا عنها في المعجم فإذا هي تعني (لحم خنزير) ، ولذلك ينبغي الاقتصار على الشهادات التي تأتي من جهات إسلامية موثوقة، أو أن يكون للشركات المستوردة موظفون موثوق بديانتهم يحضرون عمليات الذبح ويستخدمون الذباحين المسلمين.
стр. 16380
واجب الدول الإسلامية تجاه استيراد اللحوم:
إن الوضع الحاضر للحوم المستوردة إلى كافة البلاد الإسلامية من البلاد غير المسلمة وضع سقيم بلا شك، وهو بحاجة إلى إصلاح وتنظيم، ليكون ما يأكله المسلمون حلالا سائغا لا شبهة فيه ولا مخالفة لشريعة الله, ونرى أن ذلك يمكن أن يتم بما يلي:
أولا: أن توجد جهة إسلامية موحدة، تجمع بين المقدرة والأمانة، لتتولى إصلاح هذا الوضع وتنظيمه، وتضمن استمرارية التنفيذ,
وليس أولى من ذلك في نظري من (رابطة العالم الإسلامي) فإنها موضع ثقة المسلمين، ولديها إمكانيات علمية وإدارية كافية.
ثانيا: تشكل الجهة التي يوكل إليها هذا الأمر إدارة أو مؤسسة تتولى العمل المباشر، وتتفرغ له تفرغا كليا.
ثالثا: تضع تلك الإدارة، مع الاستعانة بآراء الخبراء الشرعيين والإداريين لائحتين: إحداهما شرعية تبين ما يجب مراعاته في شأن اللحوم المستوردة؛ والثانية إدارية تتضمن كيفية تسيير دفة العمل بما يحكم الرقابة ويقضي على الفوضى.
стр. 16381
رابعا: لا يجوز أن يكون من يتولى الذبح في المجازر التي يوافق على الاستيراد من ذبائحها جزارا غير مسلم، لأنه إن لم يكن مسلما ولا كتابيا فذبيحته محرمة، وإن كان نصرانيا فهو يستحل الميتة، ولا يبالي بأي طريقة كان الذبح، أما إن كان يهوديا فذبحه عموما جيد إن ذبح لليهود، لكنه يكره المسلمين ويكيد لهم، فلا يبالي كيف ذبح لهم، وقد نص المالكية على أنه يكره تمكين الكتابي من أن يكون جزارا في أسواق المسلمين أو بيوتهم، بخلاف ما لو ذبح لنفسه أو قومه فلا يكره أكله لأنه طعامهم، ومن هنا قال الإمام الشافعي: "أحب أن يكون المذكي بالغا مسلما فقيها". وقال القرافي في الذخيرة: "قد أمر عمر أن يقام الكتابيون من أسواقنا: الجزارون وغيرهم " (١) .
خامسا: توضع على اللحوم التي يوافق على استيرادها، وهي التي حازت شروط القبول الشرعي، علامة تجارية مميزة، تسجل لدى جميع الدول في سجل العلامات التجارية، ويطلب من الدول المصدرة الاعتراف بها كعلامة خاصة مملوكة للجهة الإسلامية القائمة بالأمر، وإدخالها ضمن العلامات التجارية المحمية بالقانون، بحيث يمكن مقاضاة أي جهة تستعملها استعمالا غير مرخص به من جهة المؤسسة المالكة لها.
سادسا: يمكن أن يوضع لاستعمال تلك العلامات رسوم مادية بحيث تكون موردا تمول منه العملية بكاملها. والله الموفق للصواب والهادي إلى سبيل الرشاد.
стр. 16382
خلاصة البحث
ا- حيوان البحر، وما لا دم له سائلا من حيوان البر، كالجراد، يحل أكله دون تذكية.
٢- التذكية بذبح الحيوان البري ذي الدم السائل، أو نحره، من أجل التغذية الإنسانية، أمر مطلوب شرعا على طريق الوجوب، ولا يحل الحيوان المقدور عليه إلا بذلك، وذلك لأن الشرع أمر باستخدام هذه الطريقة، ولأنها خير الطرق لاستنزاف دم الحيوان ليطيب لحمه.
٣- التذكية الاضطرارية بطعن الحيوان بجارح، يجوز استخدامها بالنسبة إلى الصيد غير المقدور عليه، وبالنسبة للحيوان الأهلي إن ندّ أو تردى بطريقة لا يقدر فيها على ذبحه أو نحره.
٤- من تولى الذبح وكان على ملة غير الإسلام ولا النصرانية ولا اليهودية، أو كان مرتدا أو شيوعيا أو ملحدا أو دهريا فذبيحته ميتة لا تحل للمسلم.
٥- لا تحل الذكاة في الحيوان النجس العين كالخنزير والكلب، وتعمل فيما عداه في الحيوانات غير المحرمة، وتعمل في الحيوانات المحرم أكل لحمها بتطهير أجزائه من جلد وغيره، لاستعمالها في غير الأكل.
٦- لا تعمل الذكاة في حيوان ميت، أو مشرف على الموت ما لم يكن فيه حياة مستقرة، بحيث يتحرك بسبب الذبح ويسيل الدم.
стр. 16383
٧- لا يجوز أن يذبح الإنسان الذبيحة بنهش مذبحها بأسنانه وأظفاره، بل لا بد من استعمال آلة محددة كالسكين ونحوها، سواء كانت من حديد أو غيره.
٨- على المسلم عند الذبح أن يذكر اسم الله تعالى، فإن تعمد أن يترك ذكر اسم الله تعالى لم تحل ذبيحته، وإن تركها نسيانا أو جهلا تؤكل.
٩- إن سمي على الذبيحة اسم غير الله تعالى استقلالا، أو مع ذكر اسمه تعالى حرمت، سواء كان الذابح مسلما أو غير مسلم.
١١- لا تكون التذكية الاختيارية إلا بذبح الحيوان بقطع الودجين في مقدم العنق، أو بنحره في اللبة، وهي الوهدة في أسفل العنق.
١١- يفضل الاقتصار على قطع الودجين، ولا ينبغي التجاوز بقطع الرقبة كلها، أو القطع من القفا.
١٢- يحسن بالمسلم إذا أراد الذبح التقيد بآداب الذبح المبينة في مكان آخر من هذا البحث، امتثالا لقول النبي ﷺ : ((إن الله كتب الإحسان على كل شيء ... )) الحديث.
١٣- لا بأس في المسالخ من استعمال طرق للسيطرة على الحيوان المراد ذبحه، بشرط أن لا يكون في الطريقة المستعملة تعذيب للحيوان يمكن الاستغناء عنه بطرق أخرى، وأن يؤمن من موت الحيوانات أو بعضها قبل أن تذبح.
١٤- لا يجوز استعمال الوقذ والمسدس والخنق بثاني أكسيد الكربون أو ضغط الهواء في جوف الحيوان حتى يموت، وكل ذلك حرام.
١٥- لا مانع من استخدام التخدير قبل الذبح إن ثبت أنه لا يضعف تدفق الدم.
١٦- يجوز الذبح للطيور ونحوها بالآلات السريعة، إن كانت متقنة بحيث يؤمن من أن تقطع في غير محل القطع.
стр. 16384
١٧- يجزئ في المجموعات الكبيرة من الطيور إن كثرت كثرة يشق على الذابح التسمية عليها واحدا واحدا، أن يكتفي بالتسمية مرة واحدة على كل مجموعة يتوالى الذبح فيها بسرعة، فإن توقف لسبب ما، وأراد أن يعود، فعليه أن يسمي مرة أخرى.
١٨- اللحم الذي يذبح في ديار المسلمين، أو الديار التي أغلب أهلها مسلمون، ويوجد في أسواقهم، يحل للمسلم أكله، ولو لم يعلم كيف تم ذبحه، ما لم تقم القرائن القوية على أنه ذبح بطريقة غير مشروعة.
١٩- اللحوم المستوردة إلى بلاد المسلمين من بلاد غالب أهلها وثنيون أو شيوعيون لا يحل للمسلم تناولها ما لم يؤت بشهادة من جهة إسلامية موثوقة أنه ذبح على الطريقة الإسلامية وبأيد إسلامية.
٢٠- اللحوم المستوردة من بلاد نصرانية أو غالبية أهلها نصارى لما كانت تزهق أرواح الذبائح عندهم بطريقة غير مقبولة شرعا، كالصعق بالكهرباء، والضرب في الدماغ بالمسدس القاتل، والخنق بضغط الهواء في الصدرأو بثاني أوكسيد الكربون، وأصبح هذا عنهم معلوما علما ينفي الريب، فلا يحل المستورد من عندهم إلا إن علم عن جهة معينة عندهم أنها تذبح على طريقة مقبولة شرعا، أو تأتي الشهادة المعتبرة شرعا أن المجموعة المستوردة ذبحت بطريق مقبولة شرعا.
٢١- ينبغي للدولة الإسلامية- حرصا على دينها ومصلحة شعوبها ودينهم- التدخل في الأمر، لتحقيق الأحكام الشرعية فيما يستورد إليها من اللحوم من البلاد غير الإسلامية.
والله تعالى أعلم وأحكم، والحمد لله رب العالمين.
د. محمد سليمان الأشقر
стр. 16385
مراجع البحث
* ابن تيمية، أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام، تقي الدين، شيخ الإسلام، (٦٦١-٧٢٨ هـ) - اقتضاء الصراط المستقيم في مخالفة أصحاب الجحيم، تحقيق الشيخ محمد حامد الفقي، القاهرة، مكتبة السنة المحمدية، ١٣٦٩ هـ.
* ابن حجر، أحمد بن علي العسقلاني، شهاب الدين (٧٧٣- ٨٥٢ هـ) - فتح الباري شرح صحيح البخاري، القاهرة، المكتبة السلفية، تمت طباعته سنة ١٣٩٠ هـ.
* ابن عبد البر، يوسف بن عبد الله بن محمد، النمري القرطبي (٤٦٣ هـ) - الكافي في فقه أهل المدينة المالكي، بتحقيق محمد أحمد أحيد أحيد ولد ماديك الموريتاني، الرياض، مكتبة الرياض الحديثة، ١٣٩٨ هـ.
*ابن قدامة، عبد الله بن أحمد بن محمد، موفق الدين المقدسي الحنبلي (٥٤١- ٦٢٠هـ) - المغني شرح مختصر الخرقي، ط ثالثة، القاهرة، دار المنار، ١٣٦٧ هـ.
* ابن كثير، إسماعيل بن عمر، أبو الفداء (٧٥١- ٧٧٤ هـ) - تفسير القرآن العظيم، بيروت.
* ابن مفلح، محمد بن مفلح، أبو عبد الله (٧٦٣ هـ) - الفروع في الفقه الحنبلي، راجعه عبد الستار فراج ط ٤، بيروت، عالم الكتب ١٤٠٥ هـ.
* ابن همام الدين، محمد بن عبد الواحد السيواسي الإسكندري الحنفي (٧٩٠- ٨٦١ هـ) - شرح فتح القدير على الهداية للمرغيناني، بيروت، المكتبة العلمية.
* أبو سريع محمد عبد الهادي- الأطعمة والذبائح في الفقه الإسلامي، مصر، دار الاعتصام، (د، ت) .