← Фикх общий

Фикх общий · id 8356

مجلة مجمع الفقه الإسلامي

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (22 276 стр.). Показаны 16626–16665 · переход к 16631.

стр. 16626

الشيخ الصديق الضرير: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد، خاتم النبيين وعلى سائر الأنبياء والمرسلين. عندي مسألتان فقط. المسألة الأولى: دفاع عن ابن العربي الذي اتهمه بعض الباحثين- وهم ثلاثة- بالتناقض في كلامه، أولهم القاضي العثماني، ولكي يتضح هذا أقرأ لكم عبارة ابن العربي التي فهمها بعض المعاصرين على غير ما تدل عليه، وفهموا منها أن ابن العربي يجيز أكل ذبيحة الكتابي ولو كانت مخنوقة أو متردية أو نطيحة، ونقل الشيخ العثماني وغيره ما اعتمدوا عليه من عبارة ابن العربي وفهموها كما فهمها هؤلاء المعاصرون, قبل العبارة يحسن أن أقرأ لكم: زعم بعض المعاصرين- هذا تعبير القاضي العثماني- أن ذبيحة الكتابي حلال بأي طريقة قتلها، لأنه داخل في عموم قول الله تعالى ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ [المائدة: ٥] ، وتمسكوا في ذلك بقول القاضي ابن العربي ﵀ حيث قال: ولقد سئلت عن النصراني يفتل عنق الدجاجة، ثم يطبخها هل يؤكل معه أو يؤخذ طعام منه؟ وهي المسألة الثامنة فقلت: تؤكل لأنها طعامه وطعام أحباره ورهبانه، وإن لم تكن هذه ذكاة عندنا ولكن الله تعالى أباح طعامهم مطلقًا وكل ما يرونه في دينهم فإنه حلال لنا في ديننا إلا ما كذبهم الله سبحانه فيه. هذه خاتمة العبارة الأولى: "إلا ما كذبهم الله سبحانه فيه ".

стр. 16627

يعلق القاضي العثماني على هذا: ولكن هذا القول الغريب من ابن العربي- ﵀ متعارض تمام التعارض مع الأصل الذي ذكره هو نفسه في نفس الكتاب قبل نحو صفحة من هذه العبارة، وعبارته- أي ابن العربي-: "فإن قيل: فما أكلوه- أي أهل الكتاب- على غير وجه الذكاة كالخنق وحطم الرأس، فالجواب أن هذه ميتة وهي حرام بالنص، وإن أكلوها فلا نأكلها نحن كالخنزير؛ فإنه حلال لهم ومن طعامهم وهو حرام علينا، فهذه أمثلة". ثم قال القاضي العثماني: وهذا تعارض صريح في عبارتي ابن العربي، ومتى وقع التعارض بين عبارتين فالأجدر بالقبول ما هو ثابت بالنصوص، إلى آخره. وأخذ يفند هذا القول. الواقع أنه لا تعارض مطلقا في عبارتي ابن العربي اللتين ذكرهما، ولا يمكن أن نتصور أن ابن العربي يرى أن المخنوقة يجوز أكلها بأي حال من الأحوال سواء كانت من مسلم أو من غير مسلم, وهذا التصور جاء من العبارة الأولى، والتي فيها: سئل عن النصراني يفتل عنق الدجاجة ... فهموا من هذا أن هذه مخنوقة. ابن العربي لم يرد هذا، بدليل قوله في آخر العبارة نفسها، لأنه لو أراد هذا لكانت العبارة نفسها متناقضة، وليست متناقضة مع العبارة التالية، لأنه قال في آخرها: " إلا ما كذبهم الله فيه "، والقرآن كذبهم في المنخنقة، فكيف يجيزها قبل ثلاثة أسطر ثم يمنعها بعد ذلك. هذا لا يمكن أن يتصور أن يصدر من ابن العربي، فابن العربي لا يرى في فتل عنق الدجاجة أنها منخنقة، ولذلك أجازها بدليل أنه في العبارة الأخرى قال. عندما سئل وجه الذكاة فقال: كالخنق وحطم الرأس "، منعه بعبارة واضحة، فكيف نظن به التناقض؟!

стр. 16628

لم أستطع أن أفهم أن ابن العربي يجيز المخنوقة على أي حال سواء كان مصيبا أم مخطئا في هذه، قد يكون تأويله، هو اعتبر فتل الدجاجة ليس خنقا، لأنه لا يمكن أن أفهم أن ابن العربي يعتبر فتل الدجاجة خنقا ثم يقول بجوازه، ويأتي في آخر العبارة ويقول: "إلا ما كذبهم الله فيه " وهو يعلم أن الله كذبهم في المنخنقة وغيرها مما في الآية ومما ذكره هو نفسه في العبارة الثانية!! فهذا هو التأويل الأولى بكلام ابن العربي، لأنه يؤدي إلى أمر لا يصح أن ننسبه إلى ابن العربي, هذا ما فهمه بعض المعاصرين وكما فهمه الذين نقلوا عنه، لكن ابن العربي في عبارته هذه لا يرى أن الفتل خنقا، ولذلك جوزه. المسألة الثانية: أورد بعض الباحثين من ضمن الشروط ألا يكون الذابح شيوعيا، وفصل بعضهم في هذا فذكر أن اللحوم التي تأتينا من البلاد الشيوعية أو التي أغلبها شيوعيون لا يحل أكلها وهذا مقبول ولا شك فيه، لكن العبارة الأخرى التي وردت في بعض البحوث من ضمن الشروط ألا يكون مرتدا وألا يكون ملحدا وألا يكون مشركا وألا يكون شيوعيا، ونحن نعلم أن الشيوعيين في بلاد المسلمين، فهل الشيوعي الذي في بلاد المسلمين ويذبح الذبيحة لا نأكلها؟ إذا حكمنا عليه بأنه مرتد فيدخل في المرتدين، أما إذا لم نحكم عليه بهذا.. ظاهر العبارات التي وردت في أكثر من بحث أن ذبيحته لا تجوز، لأنه ذكره مع المرتد والملحد. وهذه مسألة تحتاج إلى جواب من الذين ذكروها. أكتفي بهذا، وشكرا لكم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

стр. 16629

الشيخ عكرمة: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله. وبعد؛ فإني أثمن الجهود الطيبة المباركة التي قدمها الإخوة الباحثون والمعقبون والمتداخلون، وسوف أحرص على ألا أكرر ما تفضل به الإخوة جميعهم، وسأنحو منحى آخر بما لا يتناقض مع ما تفضل به الإخوة الكرام. ما من شك أن مجمع الفقه الإسلامي لم يطرح موضوع اللحوم المستوردة إلا بعد أن شك أو تيقن بأن هناك خللا موجودا في هذه اللحوم المستوردة، وألا لما طرح للمناقشة والبحث، ومعنى هذا لابد أن نعالج الموضوع معالجة جذرية عملية بالإضافة إلى الأحكام الفقهية الشرعية. أولا: أن تعتمد الدول والأقطار العربية والإسلامية جميعها على نفسها في الذبح اليدوي أو في الذبح الآلي وفي تعليب المعلبات. ثانيا: إذا اضطر أي قطر من الأقطار الإسلامية إلى الاستيراد ينبغي أن يكون ذلك من قطر إسلامي آخر ليطمئن المسلمون على سلامة الذبح من جهة، ومن جهة أخرى ليحصل على نوع من التقارب والتعاون بين الأقطار الإسلامية من الناحية الاقتصادية. ثالثا: إذا لم يتوفر فائض من المواشي واللحوم المذبوحة أو المعلبات في الأقطار العربية والإسلامية، فلا مانع من الناحية الشرعية الاستيراد من الدول غير الإسلامية، ولكن شريطة الإشراف المباشر للذبح وللتعليب من قبل لجنة فنية متخصصة، وحتى نتأكد من صحة الشعار الذي يكتب على المعلبات: "ذبح على الطريقة الشرعية". ليس هذا فحسب، بل إن بعض الدول الأجنبية المصدرة للمعلبات فإنها تصدر اللحوم- أحيانا- الفاسدة أو التي انتهى مفعولها إلى العالم العربي والإسلامي، فهل يجوز من الناحية الشرعية أن تكون بلادنا الإسلامية حقلا للتجارب وحقلا للتسويق؟ فإني أميل إلى الدعوة للاعتماد والاكتفاء الذاتي فيما بيننا كعرب ومسلمين، ولا ينقصنا أي شيء، كما أميل إلى مقاطعة الاستيراد من الدول غير الإسلامية في موضوع المأكولات، ويا حبذا أيضا في غير المأكولات, وأناشد مجلس مجمع الفقه بما يحمله من السمعة الطيبة والثقة الجيدة، وبما يضم من علماء أفذاذ أن يستفيد من نفوذه للتأثير على مقاطعة ما أمكن من الصناعات الأجنبية بما فيها المأكولات وذلك من باب سد الذرائع من جهة، ومن جهة أخرى لنقوي أنفسنا نحن العرب والمسلمين اقتصاديا، ولا نكون نحن سببا في تقوية الاقتصاد غير الإسلامي، وآمل أن تسجل الملاحظة لدى المجمع في التوجه نحو الاعتماد على الذات ومقاطعة المأكولات الأجنبية، وأيضا تقوية الاقتصاد الإسلامي. وبارك الله فيكم جميعا، والسلام عليكم.

стр. 16630

الشيخ ثقيل الشمري: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين. في الحقيقة الكثير مما أحببت أن أقوله تحدث عنه كثير من المتدخلين وفقهم الله، ولكنني سأركز على بعض النقاط التي أرى أنها مهمة. أولا: في الموضوعات التي تحدث عنها بعض أصحاب الفضيلة في موضوع الاقتصاد، في الحقيقة نحن الآن نعيش عولمة الاقتصاد، وانعزالنا عن العالم يعني كأننا ندس رؤوسنا ونخفي الواقع, فينبغي أن نتعامل مع واقع معين من الناحية الاقتصادية، وموضوع اللحوم هو من هذه الموضوعات, لا شك أن الذبح من الأمور المهمة في واقع المسلمين وفي طعامهم وشرابهم، وموضوع التذكية كما تحدث عنه المتحدثون أمر لا يعنينا كثيرا لأن في كلامهم كفاية، ولكن الموضوع المهم أن الذبح لغير الله هو فيه إشراك بالله- فما ذبح على القبور أو نذر لأصحاب القبور أو نذر للأولياء فهو شرك بالله وإشراك مع الله- ولا يجوز لنا أن نفصل في ذلك وأن ندخل في النوايا لأن ظاهر الأمر ينصرف إلى أن هذا الإنسان ما ذبح إلى صاحب الضريح أو صاحب القبر إلا لأنه يعتقد أن صاحب القبر أو الولي أو كذا له نفع بقدر ما يكون يعتقد ذلك الذابح كان كبيرا أو صغيرا فإن هذه الذبيحة محرمة لا تجوز.

стр. 16631

ثانيا: في البحث الذي تفضل به الدكتور الهواري قال: إن الطرق الحديثة في الذبح أو في التدويخ هي طرق لا تقضي على الحيوان المذبوح، وإنما تدوخه ويمكن بعد فترة أن ينتعش وأن يعود, فإذا دوخ بهذه الطريقة التي نتيقن معها أن الحيوان الذي يراد ذبحه لا يموت بها، فهذا التدويخ أظنه يدخل في إراحة الذبيحة التي أمر بها الشرع وأمر به النبي ﷺ : ((فليحد أحدكم شفرته وليرح ذبيحته)) فهذه من الإراحة المطلوبة وعلى الإخوة أن يتأملوا في هذا الموضوع، وكما ذكر الدكتور أن هذا التدويخ لا يقتل الحيوان، أما إذا كان يقتله أو نشك أن هناك ما يموت منها بهذه الطريقة فهذا موضوع نقاش. أما أهل الكتاب فقد سماهم الله- (أهل كتاب) ، وكذلك النبي ﷺ والصحابة من بعده فعلوا ذلك، فهم أهل كتاب، والرخصة في طعامهم أي في ذبائحهم ونكاح العفائف من نسائهم، هذه من الرخص الشرعية التي تكلم عنها الفقهاء، فلسنا في حاجة إلى أن نبحثها إلا إذا كنا نتيقن أن ذبائحهم يذبحونها بطريقة هي محرمة في شرعنا وفي ديننا، وعند ذلك لا يجوز أكلها.

стр. 16632

أما موضوع الدول الإسلامية أو إثبات الهوية كما تحدث عنه فضيلة الشيخ ابن منيع حفظه الله فإثبات الهوية لا أظن أن أحدا من الحاضرين أنه ينازع فيه، فإثبات الهوية أمر مطلوب، ولكن بعض المتحدثين يتمنى أماني في الحقيقة بعيدة لا ينبغي أن نعيشها في الأحلام، وإن حق لهم أن يحلموا ما شاؤوا، ولكن هناك واقع معين، ينبغي أن نتعامل مع واقع معين، وأن نعيش فيه, فواقعنا يحتاج في كثير من الأمور الاقتصادية وأمور الذبائح إلى قرار، وهذا القرار من يملكه؟ يعني نحن إذا أوصينا بتوصيات ولم تتابع ولم تنفذ لا قيمة لها، فلماذا نخوض في أمور بعيدة عن الواقع؟ نحن نريد أن نبين الحكم الشرعي في هذه المسألة أما القرارات تترك لأصحابها إلا إذا كنا نعتقد أننا نملك مثل هذا القرار أو نبلغه إلى من يملكونه، فإن كان هناك توجه للمجمع بتوصية بإثبات الهوية للمسلمين في أمور الاقتصاد وأخذ بتوصية الشيخ ابن منيع فأنا معه على ذلك. الأمر الآخر في موضوع التسمية على الذبيحة، أنا أريد أن أقتصر وقد تم التحدث في موضوع التسجيل، إذا كانت المجموعة تدخل- وهذا ما ذكره الشيخ الأشقر في بحثه- أنه إذا دخلت هذه المجموعة وسمي عليها وهي في وقت واحد في مجموعة واحدة، فهذه التسمية الواحدة تكفي وأنا معه في هذا، أما قضية التسجيل فأمر لا ينبغي أن يفعل وأمر لا يجوز، وأظن أن الشيخ وهبة يمكن أن يرجع عن هذا بعدما سمع كلام فضيلة الرئيس. هذا ما أحببت أن أقوله. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

стр. 16633

الشيح علي السالوس: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله، والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله. قبل أن أدخل في الذبائح أحب أن أشير إلى نقطة تتصل بالمنهج في النقاش والتعليق, أحد الإخوة الكرام وهو يختلف مع أخ كريم آخر؛ استشهد بقول السابقين (قولي صواب يحتمل الخطأ، وقول غيري خطأ يحتمل الصواب) ، وهذا أدب لعلنا نستمر عليه، وأعتقد أن المجمع منذ بدئه كان يسير على هذا المنهج، ولكن اليوم استمعنا إلى بعض العبارات التي تؤثر في النفوس، وهذا أمر لا نرتضيه.. إنما أقول لألفت نظره إلى هذا الخطأ لأنه لم يفهم معنى الآية، أنه اضطراب في الفتوى ... مثل هذه الكلمات أعتقد لو استبعدناها من حوارنا كان أفضل. نقول مثلا العبارات الأخرى تكون أفضل من هذا. بعد ذلك أقول إن الذكاة عبادة، والعبادة تحتاج إلى الاحتياط مع رفع الحرج أيضا. مسألة ميتة أهل الكتاب ومنخنقة أهل الكتاب - سواء كان ابن العربي قد وقع في التناقض أم لم يقع، سواء هذا أم ذاك- فأعتقد أن الاتجاه العام يتجه إلى تحريم هذه الميتة وهذه المنخنقة. فإذا انتهى المجمع إلى هذا، وأرجو أن ينتهي إلى هذا، فأرجو ألا نكتفي بذكر القرار؛ لأن إخوة أجلاء لهم مكانتهم في العالم الإسلامي دافعوا عن تحليل هذه الميتة وهذه المنخنقة، وآراؤهم منتشرة في الغرب والشرق وبلاد الإسلام، ولذلك أرى إذا انتهى المجمع إلى التحريم أن يذكر الأدلة بالتفصيل، ولنا في مجمع الرابطة أسوة حسنة، فمثلا عندما تحدث عن التأمين فصل الشُبه ورد عليها، لأنه احتمال أن يقول قائل: لو أن المجمع قرأ كذا وعرف كذا واطلع على أدلة فلان وهو علم مشهور لما أصدر هذه الفتوى, لكن ذكر الأدلة بالتفصيل يبين أن المجمع على علم بهذا ويرد على هذه الأدلة لأن الأمر خطير, ميتة المسلم ومنخنقة المسلم حرام وأهل الكتاب حلال؟! أمر خطير في الحقيقة, وأرجو من المجمع إذا تكرم أن يسلك في هذا مسلك ذكر الشبهة التي أثيرت ورد عليها، والإخوة الأفاضل أصحاب البحوث- جزاهم الله خيرا- تولوا هذا بالتفصيل.

стр. 16634

التدويخ بالتيار الكهربائي - كما رأينا منه, كما ذكر الأخ الكريم الهواري بالنسبة للدجاج- توقف القلب في ٩٠ %، والموت ١٥ %، إذن الدجاج إما أن يتوقف قلبه أو يموت، والدجاجة التي نأخذها لا ندري أهي توقف قلبها أم ماتت؟ وحتى توقف القلب, لذلك بالنسبة لمثل هذه الأمور أرجو أن نفضل لأن هذا الذي ذكر- التوضيحات هذه- كثير مما كتب ليس في هذا إنما الكتابات الموجودة أن هذا التيار الكهربائي على عمومه دون تفصيل لا يؤثر، لأنه مجرد راحة للذبيحة, والأخ الدكتور الهواري- جزاه الله خيرا- بين أن الذبح بالطريقة الإسلامية هو أكثر راحة للذبيحة من هذا التدويخ. أمر آخر هنا بالنسبة للتدويخ ما ذكره أيضا - جزاه الله خيرا- من أن الدول التي اعترفت بالإسلام وأباحت للمسلمين أن يذبحوا بطريقتهم لم يستطع المسلمون أن يذبحوا بالطريقة وأن يتجنبوا التدويخ بسبب صدور فتاوى تبيح هذا التدويخ, إذن الفتاوى التي صدرت للتيسير- الهدف كان منها التيسير- جاءت هنا على عكس الهدف، أي أن هؤلاء الإخوة المسلمين في بلاد الغرب لو أن الفتوى صدرت بالمنع واعترفت تلك الدول بالإسلام وسمحت لهم بالذبح بالطريقة الإسلامية لاستطاعوا أن يذبحوا بالطريقة الإسلامية. لذلك مسألة التيسير، والتيسير مطلوب، لكن لا بد أن نراجع أنفسنا عندما نصدر فتوى لنرى هل فيها تيسير فعلا أم ليس فيها تيسير؟ وهل هي متفقة مع القواعد العامة أم لا؟ وأكتفي بهذا، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

стр. 16635

الشيخ محمد علي التسخيري: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ فضرورة حسن التعبير في تعبيراتنا، وأذكر أن من سنة علمائنا القدامى أنهم عندما- أحيانا- يريدون أن ينتقدوا عالما آخر ربما لا يذكرون اسمه، يقولون: ذكر بعض العلماء ذلك، ونرى أنه لم يصب الحق. لي بعض الملاحظات: الملاحظة الأولى: أنا لم أشأ أن أذكرها، لكن طلب بعض المتحدثين- حفظهم الله- أن أتحدث. الإمامية مشهورهم من أشد المذاهب في مسألة الذبح, فهم أولا يشترطون أن يكون الذابح مسلما، وقد يبدو هذا لأول وهلة مخالفا، طبعا مشهورهم يشترط هذا. والرأي الثاني لا يشترط. والرأي الثالث- وذلك بناء على طلب الأستاذ العبادي أن نفصل الرأي الثالث- ما إذا سمعت التسمية منهم. هؤلاء عندما يقولون ذلك يقولون إن كلمة (وطعامهم حل لكم) هذه الكلمة مطلقة، لكن هذا الإطلاق مخدوش تماما, نحن نعلم علما من الخارج من القناعة من الضرورة الفقهية من الضرورة المعرفية أن هذا الكلام لم يبق على إطلاقه مطلقا، وإنما طعامهم من الخنزير مرفوض، طعامهم من الخمر مرفوض، طعامهم النجس مرفوض، طعامهم من الميتة مرفوض، المنخنقة.. فمعنى أن هذا الإطلاق لم يبق على إطلاقه، وإنما يقتصر منه القدر المتيقن. القدر المتيقن هو نسبة هذا الطعام إلى أهل الكتاب, هو كأن المقصود هو دفع توهم في ذهن الناس أننا يجب أن نقاطع أهل الكتاب تماما، ومن أساليب مقاطعتهم عدم أكل طعامهم, فدفعت هذه العبارة شبهة مسألة الانتساب، ولذلك قالوا: إن التحليل جهتي، من جهة كونهم أهل كتاب، ولم يفسروا ﴿وطعامهم﴾ بذبائحهم، لأن الطعام أعم من مسألة الذبائح، يشمل حتى الأمور التي ليس فيها ذبح, هذا هو اتجاههم في هذا المعنى. أيضا هم يشترطون في أن يكون الذبح مستقبلا القبلة، طبعا شرط ذكري يعني إذا ذكر ذلك، أما إذا نسي فلا مانع. يشترطون أيضا أن يكون الذبح بحديدة فلزية، يعني الشرط أن يكون بالحديد، وربما ذلك من النصوص التي ركزت على أن تكون الآلة القاطعة آلة حديدية، فكان هناك اشتباه بين أن يكون الحديد حديدا فلزيا أو لا، الحديد معناه حاد ﴿فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ﴾ [ق: ٢٢] أي نافذ، على أي حال هناك اختلاف , وما أردت أن أتحدث في هذا الموضوع لولا طلب الأستاذ العبادي ذلك, ومن هنا نحن مصيبتنا في شراء اللحوم الخارجية أشد, نحن نشترط أن تكون الآلات باتجاه القبلة, ونشترط أن يكون الذبح بحديدة، ونشترط أن يكون الذابح مسلما، ولذلك إما من مسلمي المنطقة أو نرسلهم هناك، وأنا أشرف على العملية، ونشترط على الشركات إذا تخلف أي شرط فسوف نرجع الكمية بكاملها، وقد أرجعنا كميات ضخمة، ولم يستطيعوا أن يردوا ذلك، لا أعلم هل باعوها إلى مناطق إسلامية أخرى أم لا؟

стр. 16636

النقطة الثانية: البحث الآخر هناك بحث أصولي، وأنا أركز عليه لأن هذا البحث الأصولي يدخل- طبعا أنا أشير إلى نتائجه فقط- في قضية مسائل الذبح والتذكية, يقول العلماء: إذا جاءنا إطلاقان متعارضان أحدهما يحظر والآخر يبيح، فإذا كان أحد الإطلاقين مخدوشا يقدم الإطلاق الآخر. هنا عندنا إطلاق من كلمة ﴿َالْمُنْخَنِقَةُ﴾ [المائدة: ٣] يشمل منخنقة المسلم ومنخنقة الكافر، وعندنا لفظ ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ﴾ [المائدة: ٥] أيضا مطلق يشمل المنخنقة وغير المنخنقة. المناطقة يقولون: إن النسبة بينهم عموم من وجه. هذا التعارض يرتفع بتقديم كل ما لدينا من أدلة في قضية التذكية على هذا الدليل، يعني على هذا الإطلاق الموجود في أهل الكتاب باعتبار أنها إطلاقات سليمة وإطلاق ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ [المائدة: ٥] مخصص أو مقيد بتعبير أدق. النقطة الثالثة: أصولية أيضا , عندما نشك في كون هذا مذكى, تارة نحن في سوق المسلمين شكنا لا قيمة له, سوق المسلمين أمارة عامة على صحة ما يأتي، أما عندما لا يكون هناك سوق مسلمين، وأشك في كون هذا اللحم مذكى، لا ريب أن المحكم هنا أصالة عدم التذكية أصلا، استصحاب عدم التذكية لم يكن مذكى، وأشك في أنه ذكي استصحب العدم, والدليل هنا هو الاستصحاب، وهو دليل مقبول عند عموم العلماء، وليس دليلا كما تفضل فذكره إمام المسجد الحرام المرحوم ابن حميد؛ أنه من باب تغليب الحظر على الإباحة، يعني ليس هنا نقاش بين الحظر والإباحة، وإنما هنا حالة سابقة يجب أن تبقى حتى تنقض بيقين لاحق. الحالة، حالة استصحاب، وأصالة عدم التذكية جارية بشكل كامل, هناك شيء يترتب: نشترط ويشترط كثير من العلماء أن تكون الصلاة في ثوب، من جلد، طاهر مذكى، أي أن تكون هناك تذكية في البيت, هنا يمكن التمسك بأصالة أخرى وهي أصالة الطهارة طبق قاعدة "كل شيء لك طاهر حتى تعلم أنه نجس "، هنا أصالة الطهارة جارية، وهناك بحث عند العلماء كيف يحرم علينا لحمه، ولكن يسمح لنا بلبسه في الصلاة؟

стр. 16637

الواقع هناك نقطة أصولية أخرى أود أن أشير بها إلى الأستاذ محمد الحاج الناصر عندما قال: لا يمكن أن ننسب ما ننتهي إليه إلى الإسلام وأنه حكم إسلامي, هذه سنة كل العلماء عندما يصل إلى نتيجة قاطعة هو يطمئن إلى أنه رأي الإسلام, هناك بحث للعلماء حول الحجة والحجية, يعني عندما يقوم لي دليل حجة من خبر عادل أو من ظهور حجة, الحجية يقولون هي توجب تنجز الأمر، بمعنى إذا دلت على شيء فهو ينجز عليَّ، وعليَّ العمل به حتى ولو كان في علم الله لم يصدر، ويعذر أي إذا كانت الحجة معذرة أي مرخصة ومبيحة، حتى لو كان في علم الوجود، لكن مادام الدليل عذرني فأنا أقول وأيضا نتائج الحجية نسبة هذا الأمر إلى الإسلام أو إلى الله حتى. يعني أقول: هذا ما ثبت لي من حكم الله، هذا ما أراه حكمًا لله في حقي، هذه ليست جرأة بل هي سنة، هذا ما أراه وقد أكون أنا مخطئا, إذن لا أعتقد أن هناك تجرؤا في البين وأعتذر من سماحة شيخنا.

стр. 16638

النقطة الأخرى: التي أرجو أن نلاحظها، وهي نقطة مهمة وأتصور أن الكثير ربما كانوا ينظرون إلي عندما يتحدثون عن مسألة الذبح. الحقيقة أنا أولا أعتقد أن عملية التذكية هي عملية توصلية ليست عملية تعبدية، يشترط فيها أن يذكر اسم الله، ولكن ليست كالصلاة بمعنى أنه إذا قصد أي أمر آخر في هذا المعنى يبطل هذا المعنى. الصلاة لو قصدت فيها أن أقوي عضلاتي إلى جانب القصد إلى قربة الله تعالى فصلاتي باطلة, الحقيقة أن هذه عملية توصلية بمعنى أي حكم شرعي أطبقه إذا لم يكن يشترط فيه قصد القربة الصلاتية التي أشرت إليها هذا العمل يؤدي أثره, غسل الثوب حتى لو كان بنية التطهير يؤدي أثره وهو تطبيق لحكم شرعي. الشيخ الخليلي قال: إنه مادام هو مشترط بشروط شرعية فهو عمل قربى. ما أكثر الأحكام الشرعية التي تشترط ولكن ليس فيها عنصر القربة, يشترط التسمية لكن إذا كان هناك من يقوم بهذا العمل ويسمي الله (بسم الله والله أكبر) بل يوجه إلى القبلة، ولكن يريد من ذلك بعد ذلك أن يبتهج ويعلن ابتهاجه بقدوم- مثلا- هذا الرئيس، أو يريد أن يطعم الفقراء والمساكين، أو يريد أن يهدي ثواب هذا الإطعام لروح هذا الولي الكبير مثلا، الحقيقة يجب ألا نتهمه بسرعة بأنه مشرك، وهو يسمي الله ويقول (بسم الله) ويقول (الله أكبر) ، ويوجه هذه الذبيحة إلى الكعبة، وباسم الله تعالى يذبح، لكن يريد أن يعبر عن نوع من التعبيرات الابتهاجية، أنه حاج قدم, هل عندما يذبح هؤلاء العوام الذبيحة للحاج يشركون الحاج بالله تعالى؟ حاج عليه نور الحج يشركونه بالله! الواقع عندما أقول بتعبيرنا العامي تفتق قلبه، هو لا ينظر لمسألة الشرك مطلقا، هو يقول: (بسم الله) ويقول: (الله أكبر) ويوجه إلى الكعبة, مثلا يعبر عن ابتهاجه لقدوم الحاج، وهذه أشياء صدقات تبذل للفقراء والمساكين.

стр. 16639

أنا أؤيد ما يقوله الشيخ العبادي من أننا يجب أن نتوقف في نسبة الشرك لمثل هذه الأمور, فرق إذن بين أن أقصد التعبير بابتهاجي وأحقق كل الشرائط المطلوبة في الذبح وباسم الله تعالى أذبح، وبين أن أشرك بالله هذا الولي أو الحاج أو الرئيس ... وما إلى ذلك. النقطة الأخيرة: أنا أعتقد أن الملاحظ ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١٢١] يعني يجب أن يكون الذبح في إطار وفي جو التسمية لله تعالى بعيدا عن ما يفعله المشركون وأمثالهم، في قضية فرد يقف والشريط يتحرك والدجاجات تمر أمامه، هذا الفرد الذي يقف ربما ضحكنا عندما قيل: إن هناك فردا يسمي، والشريط يمر أمامه. لا، هذا الفرد هو مسيطر على هذا الشريط يمكن أن يطفئ الكهرباء فيقف الشريط عن عمله لأنه مسيطر وهو الذي يدفع التيار الكهربائي يمشي ويحرك هذا الشريط. هذا الرجل هو مشرف على الشريط تماما، وهو رجل يسمي بتسميات عرفية يقول: (بسم الله) ، (بسم الله والله أكبر) ويستمر في هذه التسمية. هذا الشيء الذي يذبح في جو تسمية بشكل كامل، وجو التسمية هنا متحقق، وحينئذ نستطيع أن نتقبل منه هذا الجو إذا كان إنسانا لا مسجلا. وشكرا لكم.

стр. 16640

الشيخ ناجي عجم: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد، سيد المرسلين. أرى أن موضوع كيفية التذكية، قد أشبعه السلف- جزاهم الله خيرا- بحثا، وما أراه أنه هو موضوع البحث، إنما موضوع البحث المستجد في إسقاط هذه الكيفية أو تطبيق مدة الكيفية على الطرق المستحدثة والمبتدعة من النصارى - بالوراثة لا الواقع والحال- هذه الطرق التي ابتدعوها في إزهاق الروح وقبلها الصعق الكهربائي والتدويخ والتخدير وضغط الهواء ... وغير ذلك، ثم نحن نستورد هذه اللحوم وإخواننا المسلمون الذين يعيشون بينهم مضطرون ومحتاجون إلى تناول هذه اللحوم، والحمد لله، هذه المشكلة غير موجودة في بلاد المسلمين وما حصلت شكوى، وإنما وجدت المشكلة عندهم ونحن محتاجون إلى أن نستورد. أيها الإخوة؛ ضوابط التذكية المشروعة واضحة جدا، وإنما كما أشار الإخوة في أبحاثهم- جزاهم الله خيرا- ضعف الالتزام بهذه الضوابط أو عدم الاهتمام بها والتساهل من بعض المسلمين في الأكل لعلهم يعتمدون على الفتوى التي نقلها الإخوة عن الشيخ رشيد رضا رحمه الله تعالى أنه يجيز أكل الحيوان الميت ولو بالصعق الكهربائي. أرى أن هذه هفوة منه رحمة الله عليه, وعليه أنا أثني على الاقتراح الذي تفضل به الأخ الدكتور محمد الأشقر في بحثه أن تشكل جهة إسلامية موحدة تتابع ما يذبح في بلاد الكفر وفي بلاد النصارى، ورشح أن تكون رابطة العالم الإسلامي ونعم هذا الترشيح، تشكل هذه اللجنة لتتابع هذه الذبائح، ويكون لها ختم أو يكون لها علامة وممكن أن تتقاضى رسوم مقابل وضع هذه الأختام على أن هذا الذبح تم بإشرافها ومعرفتها، تتقاضى رسوما لتغطية النفقات ولا بأس بهذا مع وضع خطة وتوصية للحكومات الإسلامية لكي يكون الاكتفاء الذاتي في الثروة الحيوانية، على الأقل نصدر لإخواننا المسلمين الذين يعيشون في بلاد الكفار، فيأكلون من ذبائح المسلمين في بلاد المسلمين، لا أن نأكل نحن من ذبائحهم, والله الموفق، وشكرا.

стр. 16641

الشيخ أحمد بن حميد: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وأصحابه ومن والاه. أحب أن أشير وباختصار إلى أمور ثلاثة: الأمر الأول: ما أشارت إليه بعض الأبحاث وما سمعناه أثناء عرض الدكتور الهواري -جزاه الله خيرا- من أن الطيور في المذابح الآلية تمر بثلاث مراحل: مرحلة الماء المكهرب، ثم مرحلة السكين، ومرحلة الماء الحار, وأن الوفاة تحدث في أحد هذه المراحل، وإن كان بعضها أغلب من بعض, فهذه إن غلب على الظن حدوثها في مرحلة معينة فيعمل بهذا الظن، فإن غلب على الظن حدوث الوفاة بالسكين كانت حلالا بعد توفر الشروط الشرعية الأخرى، وإن غلب على الظن حدوثها بالماء المكهرب أو الماء الحار كانت حراما؛ لأن الظن كالعلم في عامة فروع الشريعة، وأما إذا شككنا في ذلك ولم تتوفر غلبة الظن المعمول بها شرعا، فيمكن أن يؤخذ بالقاعدة الفقهية المشهورة، وهي أن الأصل في كل حادث تقديره بأقرب زمن , وحينئذ على الترتيب السالف الذكر- الماء المكهرب ثم السكين ثم الماء الحار- تعتبر الوفاة حدثت في مرحلة الماء الحار، فتكون حراما.

стр. 16642

الأمر الثاني: فإن الإشارة أو التأكيد على القاعدة الفقهية والمهمة -وإن كان أشار إليها بعض المداخلين -وهي: أن الأصل فيما يذكى الحرمة حتى تثبت ذكاته بيقين. ولها أدلة واضحة الدلالة؟ كحديث عدي بن حاتم وغيره، ومقتضى هذه القاعدة أننا إن شككنا في توفر شروط الذكاة الشرعية من أهلية المذكي أو كون الذكاة على الوجه الشرعي، إذا شككنا في ذلك فنأخذ بالأصل وهو الحرمة ولا ننتقل عنه إلا بيقين. وهذه القاعدة هي العمدة في هذا الباب، وهي الفيصل في الموضوع, وقد يشكل على هذه القاعدة حديث عائشة ﵂ ((سموا الله وكلوا)) . فيستدل بحديث عائشة على حل أكل ما جهل حاله، غير أنه إذا حمل حديث عائشة ﵂ على ما كان في بلاد المسلمين؛ فهذا لا يشرع للإنسان أن يسأل عنه ولا أن يفتش بل يسمي الله ويأكل، أما اللحوم المستوردة من بلادٍ الغلبة فيها لغير المسلمين، أو يغلب على الظن أنها تذبح على غير الطريقة الإسلامية، فهذه يعمل بالقاعدة السابقة التي يقتضيها حديث عدي، وهو أن الأصل فيما يذكى الحرمة، جمعا بين حديث عائشة وحديث عدي، إذ المعروف أن العمل بالدليلين أولى من إهدار أحدهما. بقي أن أشير إلى قضية وهي تتصل بالتسمية الجماعية لكن من جانب آخر، وهي ما استدل به بعض الباحثين من أن قول الله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١٢١] أنها تدل بظاهرها على أن كل حيوان يحتاج إلى تسمية مستقلة, الذي يبدو ويظهر أن الآية لا تدل على ذلك، لأن الآية دلت في منطوقها على عدم الأكل مما لم يذكر اسم الله عليه، ودلت في مفهومها على جواز الأكل مما ذكر اسم الله عليه، أي كلوا مما ذكر اسم الله عليه، فالمفهوم هنا، وهو من باب المطلق، والقاعدة الأصولية "أن المطلق يصدق بأي صورة كان " كما قرر ذلك علماء الأصول، فإن ذكر اسم الله عليه استقلالا فهو داخل، وإن ذكر اسم الله عليه مع غيره فهو داخل أيضا بدلالة ظاهر الآية, هذا ما أحببت أن أقوله، والله أعلم.

стр. 16643

الرئيس: في الواقع بقي ما يزيد عن عشرة من أصحاب الفضيلة الذين طلبوا الكلمات والوقت تجاوزناه بنحو خمس وأربعين دقيقة، ولعلكم ترون أن ننهي الجلسة. بسم الله الرحمن الرحيم،الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. من خلال المداولات في موضوع الذبائح، وطرق التذكية الشرعية، وضوابطها، فإن المداولات تضمنت أمرين تبعا للبحوث: الأمر الأول: البحث في المسائل التي هي كمرتكزات وأصول للقضايا المستجدة والتي بحثها الفقهاء وفرغ منها كما ذكره بعض أصحاب الفضيلة الأعضاء. والأمر الثاني: في المستجدات التي من أجلها طلب عرض هذا الموضوع على المجلس. ولهذا فإننا نرجو من اللجنة التي تؤلف أن تركز- وقد سمعت وقيدت ما دار في هذا الموضوع- على المستجدات التي حصلت في موضوع الذبائح وحصل فيها المداولة والبحوث ومن أجلها أدرج هذا الموضوع في جدول أعمال المجلس, وقد ترون مناسبا أن تكون اللجنة من أصحاب الفضيلة المشائخ: الشيخ تقي العثماني، الشيخ محمد الأشقر، الشيخ الخليلي، الشيخ أحمد بن حميد، الشيخ علي محي الدين القره داغي، الطيب الهواري، الطيب هيثم. وقبل أن ترفع الجلسة أحب أن أشير إلى أن الموضوع في الجلسة الصباحية ليوم الأربعاء- إن شاء الله تعالى- غدا هو موضوع العقود المستجدة، والعقود المستجدة يحتوي على أمور: العقود المركبة، والشركات المتناقصة، والإيجار المنتهي بالتمليك وبطاقة الائتمان، وعدد من المعاملات الأخرى. وتعلمون أن ما يتعلق ببطاقة الائتمان سبق وأن درست في دورة أو دورتين، فالنفوس متهيئة والأبحاث موجودة، وآخر بحث معد من الشيخ عبد الوهاب أبو سليمان موجود وموزع عليكم، وكون هناك جلستان صباحية ومسائية لهذه العقود هذا من العسر بمكان كبير، فلهذا نرى أن يكون الاقتصار على بطاقات الائتمان، ويكون التحضير غدا - إن شاء الله تعالى- لهذا الموضوع، ويكن العرض فيه للشيخ عبد الوهاب، وأما الشيخ نزيه والشيخ محمد القري بن عيد فلهم السبق فيما يتعلق بقضية بطاقة الائتمان؛ فيدخلون في المناقشة في هذا الباب. وبهذا ترفع الجلسة، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 16644

القرار بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد خاتم النبيين وعلى آله وصحبه قرار رقم ١٠١/ ٣/ د١٠ بشأن الذبائح إن مجلس مجمع الفقه الإسلامي المنعقد في دورة مؤتمره العاشر بجدة بالمملكة العربية السعودية خلال الفترة من ٢٣ إلى ٢٨ صفر ١٤١٨هـ (الموافق ٢٨ يونيو-٣ يوليو ١٩٩٧ م) . بعد إطلاعه على البحوث المقدمة في موضوع الذبائح، واستماعه للمناقشات التي دارت حول الموضوع بمشاركة الفقهاء والأطباء وخبراء الأغذية، واستحضاره أن التذكية من الأمور التي تخضع لأحكام شرعية ثبتت بالكتاب والسنة، وفي مراعاة أحكامها التزام بشعائر الإسلام وعلاماته التي تميز المسلم من غيره، حيث قال النبي ﷺ : ((من صلى صلاتنا، واستقبل قبلتنا، وأكل ذبيحتنا، فذلك المسلم الذي له ذمة الله ورسوله)) . قرر ما يلي: أولا: التذكية الشرعية تتم بإحدى الطرق التالية: ١- الذبح: ويتحقق بقطع الحلقوم والمريء والودجين، وهي الطريقة المفضلة شرعا في تذكية الغنم والبقر والطيور ونحوها، وتجوز في غيرها. ٢- النحر: ويتحقق بالطعن في اللبة، وهي الوهدة (الحفرة) التي في أسفل العنق, وهي الطريقة المفضلة شرعا في تذكية الإبل وأمثالها، وتجوز في البقر. ٣- العقر: ويتحقق بجرح الحيوان غير المقدور عليه في أي جزء من بدنه، سواء الوحشي المباح صيده، والمتوحش من الحيوانات المستأنسة، فإن أدركه الصائد حيا وجب عليه ذبحه أو نحره.

стр. 16645

ثانيا: يشترط لصحة التذكية ما يلي: ا- أن يكون المذكي بالغا أو مميزا، مسلما أو كتابيا (يهوديا أو نصرانيا) ، فلا تؤكل ذبائح الوثنيين، واللادينيين، والملحدين، والمجوس، والمرتدين، وسائر الكفار من غير الكتابيين. ٢- أن يكون الذبح بآلة حادة تقطع وتفري بحدها، سواء كانت من الحديد أم من غيره مما ينهر الدم، ما عدا السن والظفر. فلا تحل (المنخنقة) بفعلها أو بفعل غيرها، ولا (الموقوذة) وهي التي أزهقت روحها بضربها بمثقل (حجر أو هراوة أو نحوهما) ، ولا (المتردية) وهي التي تموت بسقوطها من مكان عال أو بوقوعها في حفرة، ولا (النطيحة) وهي التي تموت بالنطح، ولا (ما أكل السبع) وهو ما افترسه شيء من السباع أو الطيور الجارحة غير المعلمة المرسلة على الصيد. على أنه إذا أدرك شيء مما سبق حيًّا حياة مستقرة فذكي جاز أكله. ٣- أن يذكر المذكي اسم الله تعالى عند التذكية، ولا يكتفى باستعمال آلة تسجيل لذكر التسمية، إلا أن من ترك التسمية ناسيا فذبيحته حلال. ثالثا: للتذكية آداب نبهت إليها الشريعة الإسلامية للرفق والرحمة بالحيوان قبل ذبحه، وفي أثناء ذبحه، وبعد ذبحه: فلا تُحَدُّ آلة الذبح أمام الحيوان المراد ذبحه، ولا يذبح حيوان بمشهد حيوان آخر، ولا يذكى بآلة غير حادة، ولا تعذب الذبيحة، ولا يقطع أي جزء من أجزائها، ولا تسلخ ولا تغطس في الماء الحار، ولا ينتف الريش إلا بعد التأكد من زهوق الروح.

стр. 16646

رابعا: ينبغي أن يكون الحيوان المراد تذكيته خاليا من الأمراض المعدية، ومما يغير اللحم تغييرا يضر بآكله، ويتأكد هذا المطلب الصحي فيما يطرح في الأسواق، أو يستورد. خامسا: أ- الأصل في التذكية الشرعية أن تكون بدون تدويخ للحيوان، لأن طريقة الذبح الإسلامية بشروطها وآدابها هي الأمثل، رحمة بالحيوان وإحسانا لذبحته وتقليلا من معاناته, ويطلب من الجهات القائمة بالذبح أن تطور وسائل ذبحها بالنسبة للحيوانات الكبيرة الحجم، بحيث تحقق هذا الأصل في الذبح على الوجه الأكمل. ب- مع مراعاة ما هو مبين في البند (أ) من هذه الفقرة، فإن الحيوانات التي تذكى بعد التدويخ ذكاة شرعية يحل أكلها إذا توافرت الشروط الفنية التي يتأكد بها عدم موت الذبيحة قبل تذكيتها، وقد حددها الخبراء في الوقت الحالي بما يلي: ١- أن يتم تطبيق القطبين الكهربائيين على الصدغين أو في الاتجاه الجبهي- القذالي (القفوي) . ٢- أن يتراوح الفولطاج ما بين (١٠٠- ٤٠٠ فولط) . ٣- أن تتراوح شدة التيار ما بين (٠.٧٥إلى ١.٠ أمبير) بالنسبة للغنم، وما بين (٢ إلى ٢.٥ أمبير) بالنسبة للبقر. ٤- أن يجري تطبيق التيار الكهربائي في مدة تتراوح ما بين (٣ إلى٦ ثوان) . جـ- لا يجوز تدويخ الحيوان المراد تذكيته باستعمال المسدس ذي الإبرة الواقذة أو بالبلطة أو بالمطرقة، ولا بالنفخ على الطريقة الإنجليزية. د- لا يجوز تدويخ الدواجن بالصدمة الكهربائية، لما ثبت بالتجربة من إفضاء ذلك إلى موت نسبة غير قليلة منها قبل التذكية. هـ- لا يحرم ما ذكي من الحيوانات بعد تدويخه باستعمال مزيج ثاني أكسيد الكربون مع الهواء أو الأوكسجين، أو باستعمال المسدس ذي الرأس الكروي بصورة لا تؤدي إلى موته قبل تذكيته.

стр. 16647

سادسا: على المسلمين المقيمين في البلاد غير الإسلامية أن يسعوا بالطرق القانونية للحصول على الإذن لهم بالذبح على الطريقة الإسلامية بدون تدويخ. سابعا: يجوز للمسلمين الزائرين لبلاد غير إسلامية أو المقيمين فيها، أن يأكلوا من ذبائح أهل الكتاب مما هو مباح شرعا، بعد التأكد من خلوها مما يخالطها من المحرمات، إلا إذا ثبت لديهم أنها لم تذك تذكية شرعية. ثامنا: الأصل أن تتم التذكية في الدواجن وغيرها بيد المذكي، ولا بأس باستخدام الآلات الميكانيكية في تذكية الدواجن ما دامت شروط التذكية الشرعية المذكورة في الفقرة (ثانيا) قد توافرت، وتجزئ التسمية على كل مجموعة يتواصل ذبحها، فإن انقطعت أعيدت التسمية. تاسعاً: أ- إذا كان استيراد اللحوم من بلاد غالبية سكانها من أهل الكتاب، وتذبح حيواناتها في المجازر الحديثة بمراعاة شروط التذكية الشرعية المبينة في الفقرة (ثانيا) فهي لحوم حلال لقوله تعالى ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ [المائدة: ٥] . ب- اللحوم المستوردة من بلاد غالبية سكانها من غير أهل الكتاب محرمة، لغلبة الظن بأن إزهاق روحها وقع ممن لا تحل تذكيته. ج- اللحوم المستوردة من البلاد المشار إليها في البند (ب) إذا تمت تذكيتها تذكية شرعية تحت إشراف هيئة إسلامية معتمدة وكان المذكي مسلما أو كتابيا فهي حلال. ويوصي المجمع بمايلي: أولا: السعي على مستوى الحكومات الإسلامية لدى السلطات غير الإسلامية التي يعيش في بلادها مسلمون، لكي توفر لهم فرص الذبح بالطريقة الشرعية بدون تدويخ. ثانيا: لتحقيق التخلص نهائيا من المشكلات الناجمة عن استيراد اللحوم من البلاد غير الإسلامية ينبغي مراعاة ما يلي: أ- العمل على تنمية الثروة الحيوانية في البلاد الإسلامية لتحقيق الاكتفاء الذاتي. ب- الاقتصار ما أمكن على البلاد الإسلامية في استيراد اللحوم. جـ- استيراد المواشي حية وذبحها في البلاد الإسلامية للتأكد من مراعاة شروط التذكية الشرعية. د- الطلب إلى منظمة المؤتمر الإسلامي لاختيار جهة إسلامية موحدة تتولى إصلاح مهمة المراقبة للحوم المستوردة، بإيجاد مؤسسة تتولى العمل المباشر في هذا المجال، مع التفرغ التام لشؤونه، ووضع لوائح مفصلة عن كل من شروط التذكية الشرعية، وتنظيم المراقبة والإشراف على هذه المهمة؛ وذلك بالاستعانة بخبراء شرعيين وفنيين، وأن توضع على اللحوم المقبولة من الإدارة علامة تجارية مسجلة عالميا في سجل العلامات التجارية المحمية قانونيا. هـ- العمل على حصر عملية المراقبة بالجهة المشار إليها في البند (د) ، والسعي إلى اعتراف جميع الدول الإسلامية بحصر المراقبة فيها. و إلى أن تتحقق التوصية المبينة في البند (د) من هذه الفقرة يطلب من مصدري اللحوم ومستورديها ضمان الالتزام بشروط التذكية الشرعية فيما يصدر إلى البلاد الإسلامية؛ حتى لا يوقعوا المسلمين في الحرام بالتساهل في استيراد اللحوم دون التثبت من شرعية تذكيتها. والله أعلم

стр. 16648

المفطرات إعداد الشيخ محمد المختار السلامي مفتي الجمهورية التونسية بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ المقدمة اللهم صل وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه. إن التخطيط الذي ضبط به الموضوع قد قسمه إلى شعبتين: - المفطرات في مجال التداوي. - المفطرات في مجال الحالات المرضية. وإنه بعد تتبعي وجدت أن الفطر لا يختلف تحققه سواء أكان صاحبه مريضًا أم صحيحًا معافى، فما يعتبر مُفَطِّرًا للمريض يعتبر مفطرًا للصحيح، وإنما يفترق المريض عن الصحيح في حكم الإقدام على تناول المفطر. يقول الكاساني: (انتقاض الشيء عند فوات ركنه أمر ضروري، وذلك بالأكل والشرب والجماع، سواء كان صورة ومعنى، أو صورة لا معنى، أو معنى لا صورة، وسواء كان بعذر أو بغير عذر ". (١)

стр. 16649

الباب الأول المرض وعلاقته بالصيام الصيام عزيمة وحكم عام ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٨٣] رخص الله للمريض أن يفطر، قال تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٤] إن ظاهر الآية يقتضي أن كل من صدق عليه الوصف " مريض " يجوز له أن يفطر، ويكون داخلًا ضمن إطار المرخص لهم. ومن يصدق عليه الوصف مراتب: ١) من لا يقدر على الصوم. ٢) من يقدر عليه بجهد ومشقة. ٣) من يقدر عليه من غير جهد ومشقة، ولكن يتوقع أن يضاعف الصيام مرضه. ٤) المريض الذي يشعر بألم في جزء من بدنه , ولكن تأثير الصيام والفطر على مصدر الألم لا يختلف. ٥) الصحيح الذي يخشى المرض. ٦) المريض الذي يكون الصيام أعون على شفائه. ٧) المرضِع الصحيحة التي تتناول الدواء لتعالج به رضيعها.

стр. 16650

حكم كل مرتبة: أولا: من لا يقدر على الصوم. الصيام تكليف، وما لا يطاق مجمعٌ على عدم وقوع التكليف به في الشريعة الإسلامية (١) ثانيا: من يقدر على الصوم بجهد ومشقة. يقول ابن رشد: "والمريض الذي يصح له الفطر هو الذي لا يقدر على الصيام أو يقدر عليه بجهد ومشقة من أجل مرضه " (٢) . ظاهر كلام ابن رشد أن الفطر جائز، والجواز ينبغي أن يفهم على أنه جواز الإقدام، فيشمل الوجوب، يقول خليل: " ووجب أن خاف هلاكا أو شديد أذى ". يقول في البحر: " الفطر رخصة والصوم عزيمة، فكان أفضل إلا إذا خاف الهلاك فالإفطار واجب ". هكذا في البدائع (٣) وأجرى الشافعية فطر المريض على تيممه، وحكم ما إذا كان المريض يخاف تلف نفس أو عضو أو فوات منفعة عضو أنه يجوز له التيمم فيجوز له الفطر (٤) . ثالثا: من يقدر عليه من غير جهل ومشقة، ولكنه يتوقع أن يضاعف الصيام مرضه. يقول ابن رشد:" قيل أن الفطر له جائز. وهي رواية أصبغ عن ابن القاسم في العتبية، وقيل أن ذلك لا يجوز له؛ لأن الصوم عليه واجب لقدرته عليه، وما يخشى من زيادة مرضه أمر لا يستيقنه، فلا يترك فريضة بشك، والأول أصح ". (٥) وذكر القرطبي: "قال جمهور العلماء إذا كان به مرض يؤلمه أو يؤذيه أو يخاف تماديه أو يخاف تزيده صح له الفطر ". قال ابن عطية: وهذا مذهب حذاق أصحاب مالك وبه يناظرون، ورجح القرطبي أن الفطر مستحب ولا يصوم إلا جاهل (٦) . وفي البحر: "أن شرعية الفطر لدفع الحرج، وتحقق الحرج منوط بزيادة المرض أو إبطاء البرء أو إفساد عضو ". (٧) وذكر النووي أنه أن خاف إبطال البرء أو زيادة المرض - وهي كثرة الألم، وإن لم تطل مدته - أو شدة الضنى - وهو الداء الذي يخامر صاحبه، وكلما ظن أنه برئ نكس، وقيل: هو النحافة والضعف - أو خاف حصول شين فاحش على عضو ظاهر؛ ففي هذه الصور وقع الخلاف، والأصح جواز التيمم، أي وكذلك الفطر (٨) .

стр. 16651

رابعا: المريض الذي يشعر بالألم ولكن فطره لا يعجل برءه ولا يؤخره، فمن أخذ بظاهر الآية أجاز له الفطر، روي عن طريف بن تمام العطاردي أنه دخل على محمد بن سيرين وهو يأكل في رمضان فلم يسأله؛ فلما فرغ قال له: إنه وجعت أصبعي هذه. (١) وحجته أنه متى حصل الإنسان في حالي يستحق بها اسم المرض صح الفطر قياسا على المسافر لعلة السفر، وإن لم تدع إلى الفطر ضرورة (٢) . ويكاد ابن سيرين ينفرد بهذا الرأي، والقواعد الشرعية لا تساعده، وتسويته بين السفر والمرض تسوية بين المظنة والعلة، فإن السفر مظنة المشقة، ولما كانت المشقة غير منضبطة أقام الشارع المظنة مقام العلة، أما المرض فهو نفس العلة، فما دام المرض لم يبلغ الدرجة المقتضية للتخفيف يلغى من الاعتبار، وسنزيد هذا توضيحا عند ضبط مفهوم الرخصة. خامسا: الصحيح الذي يخشى المرض. جاء في الفتاوى الهندية أن الصحيح الذي يخشى المرض هو كالمريض، هكذا في التبيين (٣) . وفي البحر نقلا عن التبيين أيضا: لو برأ من المرض ولكن الضعف باقٍ وخاف أن يمرض بالصوم فهو كالمريض قال: " ومراده بالخشية غلبة الظن ". ونقل في فتح القدير أنه سأل عنه القاضي الإمام فقال: " الخوف ليس بشيء ". (٤) المذهب المالكي في الصحيح الذي يخشى المرض: يقول الزرقاني في شرح قول خليل: " وجاز الفطر بمرض موجود ". ثم صرح بمفهوم هذا الوصف فقال: " ومفهوم قوله (بمرض) أن خوف أصل المرض بصومه ليس حكمه كذلك، وهو كذلك على أحد قولين إذ لعله لا ينزل به، والآخر يجوز ". (٥)

стр. 16652

وفي حاشية العدوي: " واعلم أن الصحيح إذا خاف بصومه الهلاك أو شدة الأذى يجب عليه الفطر، ويرجع في ذلك إلى أهل المعرفة، والجهد يبيح الفطر ولو للصحيح كما هو ظاهر الخطاب، وصرح به بعض الشراح، لكن ما في المجموعة وذكره اللخمي أنه إنما يبيح ذلك للمريض ". (١) فالمذهبان الحنفي والمالكي أثر عنهما الاختلاف في حكم الصحيح الذي يخاف المرض إذا هو صام. والشافعية سووا بين الترخص بالتيمم والترخص بالفطر , وفي التيمم جاء في المجموع: " إذا خاف حدوث مرض يخاف منه تلف النفس أو عضو أو فوات منفعة عضو، أنه يجوز له التيمم بلا خلاف بين أهل المذهب إلا صاحب الحاوي، فإنه حكى في خوف الشلل طريقين، كما في خوف زيادة المرض، وأصحهما القطع بالجواز ". (٢) وعليه فإن حكم خوف حدوث المرض هو كحدوثه فعلا عند الشافعية. ومذهب أحمد أصرح المذاهب في اعتبار الترخص بخوف حدوث المرض، جاء في المغني: " والصحيح الذي يخشى المرض بالصيام كالمريض الذي يخاف زيادته في إباحة الفطر؛ لأن المريض إنما أبيح له الفطر خوفا مما يتجدد بصيامه من زيادة المرض وتطاوله، فالخوف من تجدد المرض في معناه ". (٣) وصرح البهوتي بأن الفطر مع خوف المرض سنة، وأن الصوم مكروه. (٤)

стр. 16653

سادسا: المريض الذي يكون الصوم أعون على شفائه. لم أجد من صرح بحكم هذا النوع، ولكن القواعد تقتضي أنه يجب عليه الصوم ويحرم عليه الفطر، وأن مذهب ابن سيرين لا ينسحب على هذا النوع. سابعا: المرضع التي تتناول الدواء ليصل أثره إلى رضيعها المريض. في الظهيرية: " رضيع مبطون يخاف موته من هذا الداء، وزعم الأطباء أن الظئر إذا شربت دواء كذا برئ الصغير وتماثل، وتحتاج الظئر إلى أن تشرب ذلك نهارا في رمضان، قيل: لها ذلك إذا قال الأطباء الحذاق، وهو محمول على الطبيب المسلم دون الكافر، قياسا على من شرع في الصلاة بتيمم، فوعد له كافر إعطاء الماء فإنه لا يقطع الصلاة. أما المرضع في ذاتها فلا يعتبر قيامها بالإرضاع مرضا مبيحا للفطر، بخلاف الحامل إذا خافت على حملها. جاء في المدونة: " قلت: ما الفرق بين الحامل والمرضع؟ فقال: لأن الحامل هي مريضة، والمرضع ليست بمريضة ". (١) هل تعتبر المرضع في تناولها الدواء لإبلاغ أثره إلى رضيعها مترخصة؟ إن التحقيق الذي ضبط به أبو إسحاق الشاطبي الرخصة ينفي أن تكون المرضع في هذه الحالة داخلة تحت قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى. . . .﴾ يقول الشاطبي: " من لا يقدر على القيام رخص له أن يصلي جالسا، فهذه رخصة محققة، فإن كان المترخص إماما فقد جاء في الحديث: ((إنما جعل الإمام ليؤتم به)) ثم قال: ((وإن صلى جالسا فصلوا جلوسا أجمعون)) (٢) فصلاتهم جلوسا وقعت لعذر إلا أن العذر في حقهم ليس المشقة، بل لطلب الموافقة للإمام وعدم المخالفة عليه، فلا يسمى مثل هذا رخصة ". (٣) فإقدام المرضع على تناول الدواء في نهار رمضان، ليصل عبر لبنها إلى جسم الرضيع المريض، إقدامها ليس من قبيل الرخصة، وإنما سبيله حفظ الحياة للرضيع المسؤولة عن احترامه، ويفهم هذا على أنه تعينت تلك الطريقة لإنقاذ حياة الرضيع.

стр. 16654

تأصيل ما قدمناه: ارتبط التخفيف بحصول المشقة التي تفتح للصائم باب الترخص، لذا يكون ضبط المشقة وضبط الرخص يعطي لما قدمناه وضوحًا وتدقيقا. المشقة: عقد القرافي في الفروق (الفصل الرابع عشر للفرق بين المشقة المسقطة للعبادة والمشقة التي لا تسقطها) أورد فيه سؤالا مهماً وهو: ما ضابط المشقة المؤثرة في التخفيف من غيرها؟ يقول: فإذا سألنا الفقهاء يقولون: يرجع إلى العرف، فيحيلون على غيرهم، ولا نجد ذلك، ولم يبق بعد الفقهاء إلا العوام، وهم لا يصح تقليدهم في الدين، ثم أن الفقهاء من جملة أهل العرف، فلو كان في العرف شيء لوجدوه معلومًا لهم أو معروفًا. ويجيب عنه، بأن هذا السؤال ينبغي أن يكون الجواب عنه أن ما لم يرد فيه الشرع، بتحديد يتعين تقريبه بقواعد الشرع؛ لأن التقريب خير من التعطيل فيما اعتبره الشرع، فنقول: يجب على الفقيه أن يبحث عن أدنى مشاق تلك العبادة المعينة فيحققه بنص أو بإجماع أو استدلال، ثم ما ورد عليه بعد ذلك من المشاق مثل تلك المشقة أو أعلى منها جعله مسقطًا، وإن كان أدنى منها لم يجعله مسقطًا، مثاله التأذي بالقمل في الحج جعله مبيحًا للحلق في حديث كعب بن عجرة، فأي أمر كان مثله أو أعلى منه أباح وإلا فلا، والسفر مبيح للفطر بالنص فيعتبر به غيره من المشاق ". (١) فالقرافي أراد أن يحرر الترخص بضبط المعيار الذي توزن به المشاق فجعله في المقدار الذي له دليل شرعي على اعتباره، ثم مقارنة ما يعرض على الفقيه بذلك المستوى، وفي باب الصيام اعتبر المعيار المنصوص عليه هو السفر، والسفر حسب طبيعته ليس علة ولكنه مظنة العلة، وذلك لعدم انضباطه، فليس السفر راجلًا كالسفر راكبًا، والركوب على الدابة غير الركوب على الدراجة والسيارة والطائرة، ومشقة السفر زمن الحَرِّ الشديد أو البرد المجمد غيرها زمن اعتدال الهواء والحرارة، ولعل وجعَ الأصبع الذي رفض قبوله الفقهاء أشق من السفر بالطائرة من جدة إلى المدينة في فصل الربيع، ولذا فإن ضبط المشقة برجوعنا إلى التأصيل تبعا للقواعد والتعمق في أسرار التشريع أعون على إدراك المرض المسقط للوجوب. ولما كان الانتقال من تحتم الصيام إلى الإذن في الفطر رخصة؛ يكون ضبط الرخصة وتحديدها مساعدًا في هذا المقام على تبين حكم الإفطار بعذر المرض.

стр. 16655

مفهوم الرخصة: حاول شهاب الدين القرافي تعريف الرخصة، فانتقد أولًا تعريف الإمام فخر الدين في المحصول، ثم حصل من تقليب وجوه النظر تعريفا ارتضاه، ثم انتقد تعريفه هذا الذي ظنه في بادئ الأمر كاشفًا عن مفهوم الرخصة، يقول إثر ذلك: " فبقيت بعد ذلك أستصعب تحديدها، فمن انضبط له ذلك فليفعله ". (١) واستمر الإشكال معه، فقد ذكر في شرح التنقيح: " والذي تقرر عليه حالي في شرح المحصول وههنا أني عاجز عن ضبط الرخصة بحدٍ جامعٍ مانع ". (٢) ونظر أبو إسحاق الشاطبي نظره الذي يتجاوز الجزئيات ليؤلف عنها المفهوم الشرعي، فحالفه التوفيق في تعريف الرخصة لما قال: " الرخصة ما شرع لعذر شاقٍّ، استثناء من أصل كلي يقتضي المنع، مع الاقتصار على مواضع الحاجة فيه ". يعلق على تعريفه: " أن علماء الأصول قبله قصروا التعريف على الخاصة (ما شرع لعذر) ، وهو لهذا غير مانع، إذ يدخل فيه القراض والمساقاة والسلم ونحوها من العقود المستثناة، مع أنها لا تسمى رخصة لبقاء حكمها حتى مع عدم وجود العذر، فالقادر على استثمار المال يجوز له أن يعطي المال قراضا، وذلك لأن هذا ونحوه راجع إلى أصل اعتبار الحاجي من كليات الشريعة، وكذلك ما كان راجعا إلى مكمل فمن لا يقدر على القيام في الصلاة اعتبرت المشقة مخففة، وأداؤه للصلاة من جلوس رخصة، أما مساواة المأمومين لإمامهم إذا كان لا يقدر على القيام؛ فليس برخصة لأن العذر في حقهم ليس المشقة وإنما طلب موافقة الإمام". (٣)

стр. 16656

حكم الرخصة: يرى الشاطبي أن حكم الرخصة من حيث إنها رخصة هو الجواز مطلقا، وذلك لدلالة نصوصها على رفع الحرج، ولأن أصل الرخصة هو السهولة واليسر، وفي الالتزام والحث ما ينافي السهولة، ولأن الرخص لو كانت مأمورًا بها لانقلبت عزائم، وينهي بحثه بقوله: " فإذا كان ذلك كذلك ثبت أن الجمع بين الأمر والرخصة جمع بين متنافيين، وذلك يبين أن الرخصة لا يكون مأموراً بها ". (١) لكن إذا ورد الإلزام فليس ذلك تبعًا للرخصة، وإنما هو لقيام دليل آخر يفيد الندب أو الوجوب. فالمؤمن إذا شق عليه الصيام رخص له في الإفطار ودفع عنه الحرج، ثم إن حكم إفطاره قد يكون محتَّمًا أو راجحًا تبعًا للدليل الدال على تناول المشروب أو المأكول في نهار رمضان، فإذا بلغ به الأمر إلى الخوف على حياته وجب الفطر، وإن لم يصل إلى ذلك ولكن مشقة الصوم تضعفه عن القيام بالعبادات الأخرى أو بمهامه الحياتية فإن الفطر راجح غير واجب.

стр. 16657

الرخصة شخصية: إنه لا يوجد ضابط يحدد الرخصة بطريقة تطبق بها على جميع المكلفين، ذلك أنها تستند إلى المشقة، والمشاق تختلف قوة وضعفًا في ذاتها، وتبعًا للظروف التي يقع فيها العمل، وحسب الأحوال والزمان والمكان، وحسب قدرة التحمل عند الأفراد بعوامل قوة البدن وضعفه والسن ومضاء العزيمة أو وهنها. يقول الشاطبي في السفر: " فرُبَّ رَجُلٍ جَلد ضَرَيٍّ على قطع المَهَامِهِ حتى صار ذلك عادة له لا يحرج بها , ولا يتألم بسببها , يقوى على عباداته وعلى أدائها على كمالها وفي أوقاتها، ورب رجل بخلاف ذلك، وكذلك في الصبر على الجوع والعطش. . . وإذا كان كذلك فليس للمشقة المعتبرة في التخفيفات ضابط مخصوص، ولا حد محدود يطرد في جميع الناس. ولذا أقام الشارع في جملة منها السبب مقام العلة - يعني أقام المظنة مقام العلة - فإذن ليست أسباب الرخص بداخلة تحت قانون أصلي ولا ضابط مأخوذ باليد، بل هو إضافي بالنسبة إلى كل مخاطب في نفسه، فمن كان من المضطرين معتادًا للصبر على الجوع، لا تختل حاله بسببه كما كانت العرب، فليست إباحة الميتة له على وزان من كان بخلاف ذلك ". (١) اختلاف الفقهاء في حكم الترخص: بناءً على ما قدمناه فإن اختلاف الفقهاء في حكم الترخص بالفطر ليس اختلافًا حقيقيًّا، وإنما هو اختلاف في حال؛ لأن حكم الترخص بالفطر شخصي، فقد يكون أخوان مرضهما واحد وفطر أحدهما واجب والآخر راجح، وهذا ما أغناني عن تتبع الأقوال، لارتباطها بهذا الضابط الذي أراه هو الحق الذي لا محيد عنه.

стр. 16658

الباب الثاني ما يعتبر مُفَطِّرًا للصائم من العلاج ينقسم العلاج أولًا إلى قسمين: أ - البحث عن المرض، للتأكد من وصف الاختلال لذي طرأ على الجسم. ب - الدواء الذي يداوي به المريض داءه. وينقسم ثانيا: أ - إلى التداوي بمباشرة الدواء للجسم. ب - إلى التداوي بفصل شيء عن الجسم. *وتحت هذين التقسيمين الكبيرين أنواع عديدة. وينقسم ثالثا: أ - إلى التداوي النافذ إلى باطن الجسم من منافذه. ب - إلى التداوي الظاهر الذي لا يتجاوز السطح الخارجي لجسم المريض. * وتحت هذه الأقسام أنواع كثيرة.

стр. 16659

الفصل الأول التداوي من المنافذ إلى الباطن المنفذ الأول: الفم (١) أولا - دواء الفم تحديد الفم: الفم هو ما بين باطن الشفتين والحلق. ينقسم إلى ثلاثة أقسام، أعلى الحلق: وهو مخرج الغين والخاء المعجمة، ووسط الحلق: وهو مخرج الحاء والعين المهملتين، وأقصى الحلق من الباطن: وهو مخرج الهمز والهاء. جاء في كلام الحنفية ما يفيد أن الفطر لا يتحقق إلا بمجاوزة الدواء الحلق بأقسامه الثلاثة، يقول في الدر عادًّا لما لا يفطر: " أو خرج الدم بين أسنانه ودخل حلقه، يعني ولم يصل إلى جوفه ". (٢) وجاء في البحر نقلا عن الفتاوى الظهيرية ما يفيد الاختلاف في التأثير: " ولو أن رجلًا رمى إلى رجل حبة عنب فدخلت حلقه وهو ذاكر لصومه يفسد صومه، وما عن نصير الدين بن يحيى فيمن اغتسل ودخل الصاء في حلقه لم يفسد ". (٣) ، علق ابن نجيم على القول الثاني أنه خلاف المذهب.

стр. 16660

وقد يكون وجه الاختلاف أن المتعرض لحبة العنب، وهو ذاكر لصومه متجاوز بذلك، بينما المغتسل غير متجاوز باغتساله. وعند المالكية قولان، أن الحلق كله من الداخل الذي يفطر الصائم بوصول مائع أو متحلل إليه، يقول الزرقاني: " وصول المائع إلى الحلق يوجب الفطر، ولو رده على المشهور، فالقول بأن الواصل من الأعلى يشترط فيه أن يجاوز الحلق قول ضعيف في المذهب، والمذهب أن الفطر يتحقق بوصوله إلى الحلق، وإن لم يجاوزه ". (١) ثم عقد تنبيها جاء فيه: " ظاهر قول خليل (حلق) شموله لمخارجه الثلاثة، ونص الشيخ علي الأجهوري أنه لم ير نصا لشيوخ المالكية يفصل ما بين أعلى الحلق وأسفله ". ووجه الرهوني القول بأن كل ما وصل إلى الحلق مفطر بأن المتحلل إذا رجع من الحلق لا يسلم غالبا من أن يبقى في الحلق منه ما يصل إلى الجوف مع الريق، بخلاف غير المتحلل. (٢) ومذهب الشافعية أن مضغ العلك مكروه، ولا يفطر بمجرد المضغ ولا بنزول الريق منه إلى جوفه، فإن تفتت فوصل شيء إلى جوفه عمدًا أفطر، وإن شك لم يفطر، ولو نزل طعمه في جوفه أو ريحه دون جرمه لم يفطر؛ لأن ذلك الطعم بمجاورة الريق له، هذا هو المذهب. وحكى الدارمي وجهًا عن ابن القطان أنه أن ابتلع الريق وفيه طعمه أفطر، وليس لهذا القول وجه. (٣) ومذهب الشافعي أن مخرج الخاء والغين المعجمتين من الظاهر، ومخرج الهمز والهاء من الباطن، والاختلاف في مخرج الحاء والعين المهملتين. (٤)

стр. 16661

وما يترتب على هذا في باب التداوي: ١) تناول الأدوية التي يغرغر بها المريض، فهي واصلة قطعا إلى أعلى الحلق، فهي مفطرة على الراجح عند المالكية، غير مفطرة عند الحنفية والشافعية، ولكن ينبغي أن يبصق بعد المج. يقول ابن عابدين: " لاختلاط الماء بالبصاق فلا يخرج بمجرد المج، نعم لا يشترط المبالغة في البصق؛ لأن الباقي بعده مجرد بلل ورطوبة لا يمكن التحرز منه ". (١) ٢) مضغ دواء لا يتحلل منه شيء إلى المعدة، ففي التتارخانية أنه إذا مضغ الإهليلج، ولم يدخل منه شيء إلى المعدة إلا أن الريق المتأثر بالمضغ قطعًا وصل إلى معدته، أنه لا يفطر. (٢) وعند المالكية أنه من يمضغ العلك الذي لا يتحلل منه شيء ثم يمجه لا يضره، وقيده أبو الحسن الصغير في تعليقه على المدونة أن محل ذلك إذا مضغه مرة واحدة ليداوي به شيئا، وأما إذا كان يمضغه مرارا ويبتلع ريقه فلا شك أنه يفطر؛ لأنه يبتلع بعض أجزائه مع ريقه. (٣) وفي مذهب أحمد قال إسحاق بن منصور: قلت لأحمد: الصائم يمضغ العلك؟ قال: لا. وقال أصحابه: ما يتحلل من العلك لا يجوز مضغه إلا أن لا يبلع ريقه، فإن فعل فنزل إلى حلقه منه شيء أفطر به، وأما ما لا يتحلل منه شيء فهو كالحصاة مضغها في فيه، إلا أنه إن مضغه فوجد طعمه في حلقه دون أجزاء منه فوجهان. (٤)

стр. 16662

مداواة حفر الأسنان: يقول خليل: وكره مداواة حفر زمنه إلا لخوف ضرر. فمداواة حفر الأسنان في نهار رمضان له أحوال: أ - أن يخشى الضرر من تأخير الدواء إلى الليل أو إلى ما بعد رمضان، وهنا إن بلغ خوفَ هلاكٍ وجب، وإن خشي حدوث مرض أو زيادته أو شدة ألم جاز له الإقدام على المداواة، فإن سلم ولم يبتلع منه شيئًا صح صومه، وإن ابتلع منه غلبة قضى، وإن تعمد الابتلاع فهو كمن أكل في نهار رمضان متعمدًا. ب - أن لا يخشى الضرر ولا شدة الألم، ولكنه في حاجة إلى مداواة حفر أسنانه، فيكره له ذلك في نهار رمضان. جـ - المداواة ليلًا، فإن لم ينزل منه شيء إلى باطنه في النهار فلا حرج في ذلك، وإن نزل منه إلى حلقه فيمكن إلحاقه بالكحل، فلا حرج فيه , ويمكن التفريق بينه وبين الكحل بأن الكحل نفذ من الداخل إلى الحلق، والفم ليس من الداخلِ. (١) وجاء في نوازل ابن رشد في الذي يقلع ضرسه من وجع فلا يفتر إلا بدواء يضعه عليه كيف يفعل؟ وسئل عن الرجل يقلع ضرسه من وجع به فلا يفتر الوجع من الموضع إلا بدواء يضعه عليه، كيف يفعل في رمضان؟ فأجاب: " إذا كانت حاله على ما وصفت، فله سعة في أن يضع اللبان في موضع الضرس في رمضان , ويقضي اليوم الذي اضطر فيه إلى ذلك، والله تعالى ولي التوفيق لا شريك له ". (٢) الذي يظهر لي أن المالكية قد اعتمدوا في فتاواهم الأصل الذي توسعوا في تطبيقه والقول بمقتضاه، وهو سد الذرائع، وإلا فإنه إذا لم ينزل شيء إلى المعدة مما دخل الفم، فهو لا يختلف عن الذي تمضمض بالماء ثم مجه، ومما يوضح ذلك ما علل به الرهوني: " أن المتحلل إذا رجع من الحلق لا يسلم غالبا من أن يبقى في المحل منه ما يصل إلى الجوف مع الريق بخلاف غير المتحلل ". (٣) وما علل به أيضا ابن الماجشون بأنه ليست العبرة بالغذاء، وإنما لأن حلق الصائم حمى فلا يجاوزه شيء. (٤) الجامد إذا وصل الحلق ولم ينفذ إلى الداخل: يقول الرهوني: " إذا وصل الجامد إلى الحلق ولَفَظَه، فلغو باتفاق، خلافا لما فهمه البناني ومصطفى احتجاجا بكلام التلقين ". (٥) ولا يظن أن كلام البناني ومصطفى يدل على وجود قولين في المذهب؛ لأن مستواهما لا يعدو ضبط الأقوال وحسن فهمها وإسنادها إلى قائليها، فيعترض عليهما وعلى من كان في مرتبتهما بعدم التوفق في فهم أقوال من سبقهم فقط.

стр. 16663

ثانيا - الدواء المتجاوز للحلقوم عبر الفم الدواء المتجاوز للحلقوم عبر الفم أنواع: ١ - مائع ومثله المتحلل الواصل إلى المعدة. ٢ - جامد واصل إلى المعدة. ٣ - المتخلخل النافذ من الفم إلى الداخل. المائع والمتحلل من الأدوية المجاوز للحلق: كل مائع أو قابل للتحلل تجاوز الحلق وبلغ المعدة حالا أو توقف في المريء عند ازدراده هو مفطر بإجماع. الجامد المجاوز للحلق: الجامد غير القابل للتحلل قد يكون جهاز الكشف ينفذ إلى ما وراء الحلقوم من المريء أو المعدة. وقد يكون جهازًا مشعا يؤثر في المرض. واستقرار الجامد فيما وراء الحلقوم قد اختلف فيه الفقهاء. الحنفية: جاء في بدائع الصنائع: " لو أكل حصاة أو نواة أو خشبا أو حشيشا أو نحو ذلك مما لا يؤكل عادة ولا يحصل به قوام البدن؛ يفسد صومه لوجود الأكل صورة ". (١) وجاء في البحر: " إذا ابتلع ما لا يتغذى به ولا يتداوى به كالحصاة والحديد؛ فالقضاء لوجود صورة الفطر ". ثم واصل التمثيل لما لا يؤكل عادة وأنه مفسد للصوم موجب للقضاء. (٢) ولكن الحنفية اشترطوا لتحقق الفطر: الاستقرار، ويقصدون بالاستقرار: الانفصال الكامل عن الخارج وحوز ما بعد الحلق له بتمامه. يقول ابن عابدين: " أن ما دخل الجوف إن غاب فيه فسد الصوم، وهو المراد بالاستقرار، وإن لم يغب بل بقي طرف منه في الخارج أو كان متصلًا بشيء خارج لا يفسد لعدم الاستقرار ". (٣) وبناء على هذا الشرط، فإن المسبار النافذ من المريء إلى المعدة والذي بقي طرفه الأعلى خارج الفم لا يؤثر في الصوم، ولا يترتب عليه الفطر، إلا إذا كان إدخاله إلى المريء يتم بطلاء ظاهره بمرهم ميسر لدخوله، فإن الفطر بالطلاء لا بالمسبار ذاته.

стр. 16664

المالكية: اختلف قول المالكية في تأثير وصول ما لا يتحلل إلى ما وراء الحلق. مذهب مالك وابن القاسم أن تعمد إدخال جامد لا يتحلل إلى المعدة مقتضٍ فساد الصوم موجب للقضاء، ونقل ابن شاس عن بعض المتأخرين أن الصوم لا يفسد بذلك. وقد حقق الرهوني ذلك بما ذكرته بعد أن بين اضطراب كلام المؤلفين وأطال. (١) الشافعية: قال الشافعي والأصحاب - رحمهم الله تعالى -: إذا ابتلع الصائم ما لا يؤكل في العادة كدرهم ودينار أو تراب أو حصاة أو حشيشا أو حديدا أو خيطا أو غير ذلك؛ أفطر بلا خلاف في مذهبه. وحكي عن أبي طلحة الأنصاري ﵀ والحسن بن صالح أنه لا يفطر بذلك، وحكوا عن أبي طلحة الأنصاري أنه كان يتناول البرد وهو صائم ويبتلعه ويقول: ليس هو بطعام ولا شراب. وسند الشافعية ما رواه البيهقي بسند صحيح عن ابن عباس ﵄ أنه قال: إنما الوضوء مما يخرج وليس مما يدخل، وإنما الفطر مما دخل وليس مما خرج. (٢) الحنابلة: سوى الحنابلة بين المتحلل وغيره، يقول البهوتي عادًّا لما يترتب عليه الفطر: "أو أدخل إلى جوفه شيئا من كل محل ينفذ إلى معدته مطلقا , أي سواء كان ينماع ويغذي أو لا، كحصاة وقطعة حديد ورصاص ونحوها، ولو طرف سكين من فعله أو فعل غيره بإذنه فسد صومه ". (٣)

стр. 16665

ثالثا - المتخلخل النافذ إلى ما وراء الحلقوم المتخلخل النافذ إلى ما وراء الحلقوم يشمل: ١) الدخان ٢) الغبار ٣) البخار. ١) الدخان: الدخان هو تحول كيميائي يحصل في المادة عند الاحتراق، يدخل الدخان من الفم وينفذ إلى ما وراء الحلقوم، وكما يقول الدكتور محمد علي البار، وهو يتحدث عن دخان السجائر أو الشيشة: " إنه يمر من الفم والبلعوم الفمي، ثم ينزل جزء منه إلى البلعوم الحنجري ومنه إلى الرغامى فالرئتين وينزل الجزء الآخر إلى المريء فالمعدة ". (١) ولا شك أن الدخان يحتوي على مواد عالقة تختزن في الممرات التي تعبرها وتحدث تأثيرها. الحنفية: يفصل الحنفية بين دخول الدخان بدون قصد وبين إدخاله، يقول في الدر المختار: " لو أدخل حلقه الدخان أفطر - أي دخان كان ولو عودا أو عنبرا لو ذاكرا - لإمكان التحرز عنه فلينتبه كما ذكره الشرنبلالي ". يعلق ابن عابدين: " ولا يتوهم أنه كشم الورد ومائه والمسك، لوضوح الفرق بين هواء تطيب بريح المسك وشبهه، وبين جوهر دخان وصل إلى جوفه بفعله ". (٢) وبهذا يكون الدواء الذي يقذف به في النار ليجذبه المريض من فمه إلى الداخل مفطرا عند الحنفية. المالكية: يقول خليل فيما على الصائم تركه: (وبَخُور) ويعلق عليه عبد الباقي الزرقاني: " ويترك إيصال بخور ". وبهذا يتفق المالكية مع الحنفية أن الإيصال هو المفطر، وهو ما صرح به العدوي: " فلو وصل بغير اختياره لم يفطر ". وما ذكره خليل هو أحد قولين ذكرهما ابن عرفة بدون ترجيح، ونص السليمانية: " من تبخر بالدواء فوجد طعم الدخان في حلقه قضى صومه، والقول بأنه لا يؤثر في الصوم منقول عن ابن لبابة قائلا: إنه يكره ولا يفطر، وحمله بعضهم على الخلاف كما هو عند ابن عرفة وفهم الزرقاني، وحمله بعضهم على الوفاق على معنى أن قصد إدخال الدخان مكروه، ولا يفطر أن لم يجد طعمه، ويفطر أن وجد طعمه". (٣) حكم التداوي بالدخان: كل دواء يؤثر بواسطة إدخال دخانه إلى الباطن مفطر، لأنه يترسب من مادته ما يؤثر في الصائم، فهو والأكل في الحقيقة سواء.
следующие страницы →