Полный текст (22 276 стр.). Показаны 16591–16630 · переход к 16596.
стр. 16591
٦- الخنق بالطريقة الإنكليزية:
تعتمد على خرق جدار الصدر بين الضلعين الرابع والخامس، ومن خلال هذا الخرق ينفخ بمنفاخ (أو كير) فيختنق الحيوان نتيجة لضغط هواء المنفاخ على رئتي الحيوان، وهذا الاختناق يحول دون نزيف الدم وإنهاره, ولا نرى حاجة لبيان الحكم الشرعي لهذه الطريقة التي تؤدي لموت الحيوان بالاختناق، والمنخنقة محرم أكلها بالنص القرآني.
ثالثا- الذبح:
يتم الذبح بإنهار الدم: حيث ينزف منه حوالي (٥٠ %) , وفي حالات توقف القلب تنقص كمية الدم النازف كثيرا وخاصة في الخراف والماشية، وينحبس الدم المتبقي عادة في الأحشاء.
يجري الذبح عادة في المجازر الأوروبية بقطع الجانب البطني من العنق بجرح ينفذ حتى الفقرات.
وقد نشاهد أسلوبا آخر يتم بإحداث قطع في جانب العنق، بحيث تفري السكين الأوعية الدموية والعمود الفقاري والرغامى والمريء.
وهناك أسلوب ثالث يجري بقطع الرقبة وخلع الموصل الفقهي القذالي (القذال: مؤخر الرأس والفقهة: فقرة العنق الأولى) .
هناك بعض الدراسات التي أجريت حول عملية إراحة الحيوان قبل الذبح. يمكن أن ننظر إلى إراحة الحيوان بصورة موضوعية من خلال (٣) علامات رئيسية هي: الألم والكرب والوعي. ولا شك أن هذه العلامات متشابكة جدا ووثيقة الارتباط ببعضها البعض, فالألم يسبب الكرب ويتطلب الإحساس به، والكرب قد يحدث نتيجة لأسباب عديدة أحدها الإحساس بالألم، ومع فقدان الوعي يزول الكرب والإحساس بالألم.
стр. 16592
ا) الألم:
غياب الألم هو العنصر الرئيسي في إراحة الحيوان. ولذا كان من الضروري إنقاص الإحساس بالألم إلى حده الأدنى عند الذبح, ويعتبر هذا من الناحية العلمية من أصعب الأمور التي يمكن ملاحظتها عيانا, ولهذا ليس بالإمكان الاعتماد إلا على بعض المعايير الذاتية لمعرفة ما إذا كان الحيوان يتألم أو لا؟ وعلاوة على ذلك لا يمكن قياس درجة الإحساس بالألم بصورة كمية, وفي الواقع تختلف التفاعلات المشاهدة من فرد إلى آخر.
كما تعلمون جرى هنا في عام ١٩٨٥ م اجتماع مشترك ما بين رابطة العالم الإسلامي ومنظمة الصحة العالمية وعدد من الخبراء المتخصصين في قضايا الذبح، وتشكل عن هذا المؤتمر نتائج هي التي ترونها في هذه النشرة، وتشكل عن ذلك عدة لجان تابعت عملها خلال سنين، من هذه اللجان اللجنة التي ذهبت إلى برلين عام ١٩٨٦، ودرست القضايا المتعلقة بالصعق الكهربائي، وكان من بين أعضاء اللجنة فضيلة الشيخ محمد الحبيب بن الخوجة، ولجنة أخرى ذهبت إلى بريطانيا لدراسة الألم عند الحيوان والتخدير بالكهرباء، وكان في هذه اللجنة الأستاذ محمد عبد المنعم، وهو الذي قام بهذه الدراسات بشكل مباشر.
стр. 16593
الجدير بالذكر أن العلماء حتى الآن غير متفقين على معرفة أين يوجد مركز الألم؟ نحن نتألم في منطقة من الجلد أو في أي منطقة ما، لكن أين يوجد مركز الألم؟ هل هو في الدماغ؟ هل في جهة عصبية معينة؟ إلى الآن لم يتوصل العلم مع تقدم التجارب العلمية في هذا المجال إلى تحديد معرفة مركز الألم، هل هناك مركز للألم أم لا؟ الشيء المعروف على أن الألم يمكننا أن نتعرف عليه من خلال موضع شكة الدبوس مثلا، وهذه حالة ارتكاسات، أما الألم لا يمكن معرفته بشكل مباشر، كذلك لا يمكن قياسه بشكل كمي مثل أن نقول: عندنا (٥٠) وحدة ألم، لا توجد عندنا هذه الإمكانية لمعرفة هذا.
أجريت بعض الدراسات العملية لمراقبة إحساس الحيوان بالألم عند الذبح، ولهذا الغرض وضعت أبقار بهدوء في قفص (سينسيناتي) وتم إحكام الحاصرة بصورة تسمح للحيوان أن يسحب رأسه كيفما شاء. وجرى ذبح الحيوان بدون تدويخ- الطريقة الإسلامية- مسبق وبإمرار السكين بحركة واحدة مستمرة. ولم يلاحظ أن أحدا من الحيوانات المذبوحة قد حاول أن يسحب رأسه، وشوهدت فقط علامات ارتجاف خفيفة لدى تماس السكين مع جلد الحيوان.
وإذا لمسنا أو صدمنا أطراف الجرح بالسكين، وانغلق الجرح على السكين يلاحظ أن الحيوان يبدأ بالتخبط, وإذا كان رأس الحيوان مشدودا تماما، وتم الذبح بحركة واحدة وسريعة، فإن أغلب الحيوانات ينهار مباشرة، وبقية الحيوانات تنظر فيما حولها وكأن شيئا لم يحدث أبدا، وهذا يدعو إلى الظن بأنها لم تستوعب ما حدث.
стр. 16594
(٢) الكرب:
من الواضح أن الحيوانات تصاب بالكرب الشديد في المجازر وقبل القيام بأي نوع من التدويخ أو الذبح, وقد يتولد هذا أثناء عمليات نقل الحيوانات التي تجد نفسها مع حيوانات غريبة عنها وفي بيئة لا تعرفها مسبقا, وللتقليل من خوف الحيوان هناك بعض المبادئ السلوكية التي يحسن مراعاتها؛ وتأخذ جدارة العاملين أهمية كبيرة في هذه المرحلة, وعلى العامل أن يبقى بعيدا عن منطقة حركة الحيوانات، لتجنب حالات الهلع ومحاولة الهروب.
وتؤثر تسلية الحيوانات كثيرا على تهيجها وإثارتها؛ فالظل ووضع العاملين في مقدمة الحيوانات، وعدم توجيه النور الساطع إلى العيون مباشرة، وتخفيف الضجيج، وإخماد أصوات المحركات وصفير الهواء وقرقعة الصفائح المعدنية والصراخ، والتهوية المناسبة التي لا تحمل معها رائحة الحيوانات المذبوحة؛ كل ذلك يؤثر إيجابيا على راحة الحيوان وعدم إصابته بالكرب, وهذا يذكرنا بالأشياء المستحبة والمسنونة بسنة رسول الله ﷺ في معاملة الحيوان قبل الذبح والرأفة به.
وللدم أثر ملحوظ على الحيوانات، فإذا كان مصدر الدم من حيوان هادئ، فالملاحظ أنه لا يسبب أي خوف، بل قد يقوم بعض الحيوانات بلعق هذا النوع من الدم, وبالعكس إذا كانت هناك آثار من دم حيوان مكروب يتخبط، فالملاحظ أن الحيوانات الأخرى ترفض الدخول إلى صندوق التثبيت, ولقد تأكدت هذه الظاهرة بالنسبة لتأثير لعاب الحيوان الذبيح على الحيوانات الأخرى.
وتدخل الحيوانات بسهولة إذا ما تم غسل الصندوق بعناية، مما يشير إلى أن هناك مادة ذات رائحة خاصة تسبب هلع الحيوان.
ولقد أعيدت هذه التجارب على الجرذ، وتأكدت جميع المشاهدات السابقة.
ويعتقد بعض الباحثين أن هذه المادة التي توجد في اللعاب والدم هي الكورتيزول Cortisol أو مادة أخرى يتم إفرازها مع الكورتيزول, ولا شك أن عملية إفراز الكورتيزول في البدن تتطلب بعض الوقت، ولهذا إذا قمنا بتهييج الكرب في حيوان بتأثير بيل كهربائي شديد النور في غرفة محصورة، فالحيوان التالي مباشرة يدخل الغرفة بسهولة ويبقى هادئا، ولكن إذا بقي الحيوان الأول محصورا فترة من الزمن في الغرفة، فالحيوانات الأخرى ترفض الدخول إلى المكان خلال عدة ساعات.
стр. 16595
٣) الوعي:
إن فقدان الوعي هو العلامة المهمة جدا في إراحة الحيوان أثناء الذبح لأنه يضمن عدم الإحساس بالألم وإزالة مظاهر الكرب، ولهذا يجب الوصول إلى هذه المرحلة في أسرع وأقصر وقت ممكن.
إن استخدام المسدس الواقذ الإبري (الثاقب) يؤدي إلى فقدان الوعي آنيًا وبصورة غير معكوسة.
أما المسدس الواقذ الكروي والصدمة الكهربائية فهما يسببان فقدان الوعي بصورة وقتية محدودة ومعكوسة. واستدعى هذا أن يتم ذبح الحيوان بسرعة بعد التدويخ حتى لا تتحول حالة اللاشعور الناتجة عن عوز الأوكسجين إلى طريق استعادة الوعي والإحساس بالألم.
هذا، ولقد اعتمد في الدراسات المختلفة في مراقبة الوعي على قياسات الاستجابات البصرية وعلى قياس مخططات قشرة الدماغ.
стр. 16596
١- قياس الاستجابات البصرية الإيحائية:
يقاس النشاط الكهربائي لسطوح الدماغ البصرية بغرز مساري كهربائية في القشرة, ويتم التحريض بواسطة ومضة ضوئية flash موجهة إلى عيني الحيوان.
إن غياب الاستجابة الإيحائية في الدماغ يعتبر دليلا قاطعا على انعدام الوعي في الحيوان، ومع ذلك لا يعتبر وجود الاستجابات الإيحائية شاهدا جيدا للإدراك الشعوري، لأننا قد نشاهدها أيضا في الحيوان المخدر.
٢-التخطيط الكهربائي لقشرة الدماغ:
عندما نغرس المساري الكهربائية في جمجمة الحيوان وفي مستوى قشرة الدماغ، نستطيع أن نقيس النشاط العفوي للدماغ.
يتميز المخطط الطبيعي للحيوان المستيقظ بظهور موجة ذات سعة ضعيفة وتواتر مرتفع. بينما تشاهد السعة المرتفعة والتواتر المنخفض في الحيوانات النائمة أو المخدرة، أما المخطط الكهرساوي (المتساوي التكهرب) فيدل على موت الدماغ.
في الخراف المذبوحة بدون تدويخ مسبق (الطريقة الإسلامية) يلاحظ انعدام الاستجابات الإيحائية بعد (٢- ٧) ثوان من القطع، ويصبح المخطط كهرساويا بعد (١٠-٢٥) ثانية، ولا يتوقف القلب إلا بعد (١٠) دقائق من الذبح.
وإذا تم جرح الحيوان في جانب واحد من الرقبة (الطريقة اليهودية) فيتأخر انعدام الاستجابات الإيحائية إلى (٢٩) ثانية.
وفي الماشية المذبوحة بدون تدويخ مسبق (الطريقة الإسلامية) تنعدم الاستجابات الإيحائية بعد (٨٥) ثانية، ولا يصبح مخطط قشرة الدماغ كهرساويا إلا بعد مرور (١٣٢- ٣٢٦) ثانية من الذبح.
وقبل أن يحدث موت الدماغ هذا تلاحظ تدفقات دورية للاستجابات الإيحائية، تستمر من (١٢٣- ٣٢٣) ثانية. ومن الصعب جدا الحكم بأن هذه الاستجابات الملاحظة تدل على عودة الشعور.
وهذا كله يؤكد على حقيقة أن مطلب المسلمين في ذبح الحيوانات بدون تدويخ أمر له مبرر علمي ومبرر شرعي كما رأينا.
стр. 16597
لو سمحتم عندي توصية فقط.
الحقيقة نحن نعاني كمسلمين في الغرب، وكما تعلمون أن المسلمين في الغرب الآن يبلغ عددهم ثلاثة وثلاثين مليونا، يعانون كثيرا في التعامل مع الدول الغربية والسلطات المحلية في الحصول على أذون بالذبح على الطريقة الإسلامية بدون تدويخ.
بعض الدول ومنها بلجيكا صدر منها في العام الماضي قانون يجيز لجميع الطوائف التي تحرم على نفسها أكل الحيوان الذي يذبح بعد التدويخ، فيجيز لها أن تذبح بدون تدويخ. هولندا الآن في طريقها لإنجاز قانون بهذا الصدد.
نحن في ألمانيا على صلة مستمرة مع الدولة منذ أكثر من عشر سنوات لم ننجح إلى اليوم في الحصول على هذا، وأحد الأسباب أن الفتاوى التي صدرت عن بعض المؤسسات الفقهية المعتبرة- مثل الأزهر وغيره- كانت تجيز أنه طالما أن هذا الحيوان الذي يوقذ ويترك وهو حي وبعد ذلك يذبح؛ ففي هذه الحالة يجوز أكله لأن الذابح كتابي. نحن طبعا معهم في هذا المجال ولكن لا بد من توصية تقول بأن الدول الإسلامية على الأقل التي تستورد اللحم، لا بد أن تكون هذه اللحوم ناتجة عن حيوانات تذبح بدون تدويخ وأن يتم الإشراف عليها من هيئات إسلامية معتبرة، يمكن للمجع الفقهي أن يحدد أسماء هذه الهيئات، لأنه ثبت أن بعض الهيئات يتلاعب عليها ويُدفع لها مبالغ رمزية، ويدفع لها إيجار المكان ... إلخ، فتعطي الشهادات بدون مشاهدة حقيقية. فلا بد من تحديد هذه المراكز بشكل صحيح، وأن تعتمد شهاداتها من المؤسسات الرسمية مثل السفارات وغيرها.
أسأل الله أن أكون قد وفقت في شرح الأمور التي تساعد إخواننا الفقهاء على هذا الأمر.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
стр. 16598
التعقيب
الشيخ خليل الميس:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
مما يلفت الانتباه أن مسألة التعبد في الذكاة يبدو أن الأوراق الثانية لم تأخذ حظها، لذلك وجهت بحثي نحو مسألة (وجه التعبد في الذكاة) والذي أثار هذا الموضوع ما جاء في تفسير المنار، وقال صاحب المنار: إن المسألة ليست من المسائل التعبدية وأنه لا شيء من فروعها وجزئياتها يتعلق بروح الدين وجوهره إلا تحريم الإهلال في الذبيحة لغير الله تعالى لأن هذا من عبادة الوثنيين، فحرم أن نشايعهم أو نشاركهم فيه.
هذه المسألة كأني بها قد استلت من ظاهر مذهب الإمام الشافعي رضي الله تعالى عنه، والذي أيضا تعرض لها الشيخ تقي ولكن بإشارة دون تفصيل.
قال ابن عبد البر (المتوفي ٤٦٣ هـ) : "التسمية على الذبيحة من سنن الإسلام ". ثم زاد هذه الفكرة وضوحا وتأصيلا بقوله: "التسمية على الذبيحة سنة مسنونة لا فريضة، ولو كانت فريضة ما سقطت بالنسيان، لأن النسيان لا يسقط ما وجب عمله من الفرائض, إلا أنها عندي من مؤكدات السنن، وهي آكد من التسمية على الوضوء وعلى الأكل ".
وكأني بابن العربي ﵀ قد تلقف هذا المبدأ وعمل على تأصيل هذه الحكمة بمناسبة تفسيره قول تعالى: ﴿إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُم﴾ [المائدة: ٣] فقال: لا سيما والذكاة عبادة.
стр. 16599
إذن ابن عبد البر قال: "التسمية على الذبيحة سنة مسنونة" بينما ابن العربي قال: "الذكاة عبادة كلفها الله عباده للحكمة التي يأتي بيانها في سورة الأنعام "، وفيها يقول: "إن الذبيحة قربة بدليل افتقارها إلى النية، قالى تعالى: ﴿لَن يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِن يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنكُمْ﴾ [الحج: ٣٧] ، وقال: إن ذكر الله مشروع في كل حركة وسكنة حتى في خطبة النكاح، وإنما تختلف درجاته بالوجوب والاستحباب ".
وإن ضابط العلم الذي يجمع أنواع التذكية هو أن يكون إزهاق روح الحيوان بقصد أكله، ويشترط في ذلك شرط ديني واحد هو: ألا يكون فسقا أهل لغير الله به من مسلم أو وثني مشرك بالله كالذين كانوا يذبحون على النصب. قال ﷺ : ((سموا عليها ثم كلوها)) .
قال مالك: وذلك في أول الإسلام, وفيه من الفقه أن التسمية على الذبيحة من سنن الإسلام.
قال الباجي: " يحتمل أن يريد به الأمر بالتسمية عند الأكل لأن ذلك مما بقي عليهم من التكليف، وأما التسمية على الذبح تولاه غيرهم من غير علمهم فلا تكليف عليهم فيه، وإنما يحمل على الصحة حتى يتبين خلافها".
وقال المهذب: " وقد أجمعوا على أن التسمية على الأكل ليست فرضا، فلما نابت التسمية على الذبيحة دل على أنها سنة لأن السنة لا تنوب عن الفرض ".
стр. 16600
وفي تحرير مذهب الإمام الشافعي في حكم ترك التسمية عامدا، الشيخ تقي العثماني- حفظه الله- قال: إنه بالعودة إلى كتاب الأم لم ير هذا المذهب ولكن لو عدنا إلى ما قاله العلماء، قال ابن العربي: وإن تركها متعمدا كره أكلها ولم تحرم، وبه قال القاضي أبو الحسن والشيخ أبو بكر من أصحابنا وهو ظاهر قول الشافعي.
قال الخطابي: "وإذا ترك التسمية عامدا لم يحرم عند الشافعي ﵀ والمسلم والكتابي في ذلك سواء".
وقال الخطابي أيضا: التسمية استحباب وليس بواجب، وسواء أتركها عامدا أم ساهيا، وهو قول مالك وأحمد، وإن تركها ناسيا لم يحرم عندنا. هذه خلاصة قول الخطابي.
وعلى أية حال دليل الشافعي، وأستدل له أيضا من كتبهم- ﵀ هو حديث البراء بن عازب وأبي هريرة ﵄ أن النبي ﷺ قال: ((المسلم يذبح على اسم الله، سمي أو لم يسم)) وفي رواية قال: ((ذكر اسم الله تعالى في قلب كل مسلم)) وجه الاستدلال من الحديثين كون الذكر في قلبه في حالة العمد أظهر منه في حالة النسيان. ولما سئل ابن عباس ﵄ عن متروك التسمية قال: يحل تسمية ملته , وفي إقامة الملة مقام التسمية لا فرق بين النسيان والعمد. وسألت عائشة ﵂ رسول الله ﷺ قالت: ((إن الأعراب يأتون بلحوم فلا ندري أسموا أم لم يسموا, فقال ﵊: "سموا أنتم وكلوا")) .
стр. 16601
إذن وجه الاستدلال في هذا الحديث هو أنه لو كانت التسمية من شرائط الحل لما أمرها بالأكل عند وقوع الشك فيها، ولأن التسمية لو كانت من شرائط الحل كانت مأمورة بها، وفي المأمورات لا فرق بين النسيان والعمد كقطع الحلقوم والأوداج، وكالتكبير والقراءة في الصلاة، إنما يقع الفرق في المزجورات كالأكل والشرب في الصوم، لأن موجب النهي عنه الانتهاء والناسي اعتقادا.
إذن هكذا يتحرر مذهب الشافعي أنّ تَرْكَ التسمية عامدا لا يمنع من صحة أكلها.
ثم في ذبح الآلات. الحقيقة بعد أن سمعنا ما سمعناه.. يا ترى: هل ذبح الآلات بعد الضرب والصعق- وما إلى ذلك من هذه الصور- هل يدخل تحت عنوان الذبح الاضطراري كالنطيحة والموقوذة والمتردية؟ والذبح الاضطراري كيف يحل بعد ذلك؟. الحقيقة أن ذبح الآلات الحديثة إذا سلمنا أن هذا الضرب والصعق لا يؤديان إلى القتل هنالك كلام للفقهاء وهو أنه يخرج على حكم التسمية على الذبيحة مسائل:
- لو أضجع شاة وأخذ السكين وسمي ثم تركها وذبح شاة أخرى وترك التسمية عامدا عليها لا تحل. كذا في الخلاصة.
- وإن أخذ سهما وسمي ثم وضع ذلك السهم وأخذ آخر ورمى لم يحل بتلك التسمية.
- وإذا أضجع شاة ليذبحها وسمي عليها ثم كلم إنسانا أو شرب ماء، أو حد سكيناً، أو أكل لقمة، أو ما أشبه ذلك من عمل لم يكثر حلت بتلك التسمية.
- وإن طال الحديث وكثر العمل كره أكلها، وليس في ذلك تقدير بل ينظر فيه إلى العادة، إن استكثره الناس في العادة يكون كثيرا، وإن كان يعد قليلا فهو قليل، ثم ذكر الكاساني في هذا الفصل لفظة الكراهة.
- ولو سمي ثم انفلتت الشاة وقامت من مضجعها ثم أعادها إلى مضجعها فقد انقطعت التسمية. كذا في البدائع.
- ولو أن رجلا نظر إلى غنمه فقال بسم الله، ثم أخذ واحدة فأضجعها وذبحها وترك التسمية عامدا، وظن أن تلك التسمية تجزئه، لا تؤكل. كذا في البدائع.
إلى آخر هذه الصور.
стр. 16602
وفي الحقيقة هنالك مسائل يمكن أن تدخل فيما يعرف الآن في الرفق بالحيوان, الحقيقة في باب الذبائح لا شك أن الفقهاء تكلموا في آداب الذبح وفيها من الآداب ما لا يرقى إليه قانون وضعي في العالم, لذلك يحسن أن ننظر إليه.
يقول الكاساني: " إن المستحب أن يكون الذبح بالنهار ويكره في الليل".
الأمر العجيب أنه قيل في دول معينة أنهم يمنعون الاصطياد بالليل لأنه وقت استراحة الطير, إذن هذا الكلام عندنا في النص وهو: والأصل فيه ما روي عن رسول الله ﷺ أنه ((نهى عن الأضحى ليلا وعن الحصاد ليلا)) ، وهو كراهة تنزيه، ومعنى الكراهة يحتمل أن يكون لوجوه:
أحدها: أنه دليل وقت أمن وسكون وراحة- ما هذا؟ شيء عجيب في الفقه الإسلامي فعلا في الحقيقة ينبغي علينا أن نخرج هذه الكنوز للعالم كله, فايصال الألم في وقت الراحة يكون أشد.
الثاني: أنه لا يأمن أن يخطئ فيقطع يده ولهذا كره الحصاد بالليل.
الثالث: أن العروق المشروطة في الذبح لا تتبين في الليل.
ومنها أنه يستحب في الذبح حالة الاختيار أن يكون بآلة حادة من الحديد كالسكين والسيف ونحو ذلك، ويكره بغير الحديد وبالقليل من الحديد، إلى آخره.
والأصل فيه ما روينا عن رسول الله ﷺ قال: ((إن الله عز شأنه كتب الإحسان على كل شيء، فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتهم فأحسنوا الذبحة، وليحد أحدكم شفرته وليرح ذبيحته)) . وفي بعض الروايات ((وليشد قوائمه، وليوجهه على شقه الأيسر، وليوجهه نحو القبلة، وليسم الله تعالى عليه)) ، والذبح بما قلنا أسهل على الحيوان وأقرب إلى راحته.
ومما يستحب التدفيف- أي الإسراع في قطع الأوداج- لما روينا عن النبي ﷺ أنه قال: ((وليرح ذبيحته)) والإسراع نوع راحة له.
ومنها: الذبح في الشاة والبقر، والنحر في الإبل، ويكره القلب في ذلك لما ذكرنا فيما تقدم.
ومنها: أن يكون ذلك من قبل الحلقوم ويكره قبل القفا لما مر.
ومنها: قطع الأوداج كلها، ويكره قطع البعض لما فيه من إبطاء الموت.
هذا ما أردت أن أذكره باستعجال، إلا أننا نود أن يلحظ في التوصيات الآداب الإسلامية في التذكية مما أورده ولي الله الدهلوي في كتاب (حجة الله البالغة) , وهذا ما أردت أن أضيفه وشكرا لكم,
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
стр. 16603
الشيخ محمد الحاج الناصر:
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله، وصلى الله على رسول الله وعلى آله وصحبه.
لن يكون تعقيبي في موضوع الذكاة الحديثة أو القديمة، لكنه في موضوعات تتصل بهذا الموضوع من قريب, وهي في تقديري الأسس التي ينبغي أن تعتمد في كل محاولة لاستنباط منهاج لتكييف حدث من الأحداث الحديثة بحكم الله- في القرآن وفي السنة، ذلك بأن ما نصل إليه لا ينبغي أن يعتبر حكما، فليس لأي بشر مهما يبلغ علما وذكاء واجتهادا أن يزعم أن ما انتهى إليه فهمه واجتهاده هو حكم الله، إنما الحكم الحق لله ، والذي تنتهي إليه أفهامنا هي محاولة لاجتلاء أو استكشاف حكم الله من نص قطعي أو ظني, ولذلك كان التابعون- رضوان الله عليهم, يقولون: الأشبه كذا. وكان أئمة الاجتهاد في الأول من بعدهم يقولون: أحببت أو كرهت، أو ما إلى ذلك من المعاني، ولا يقولون: حكم الله، بل لم يقولوا: الصحيح والضعيف إلا بعد القرن الثاني.
هذه الموضوعات أرجو أن تراعى حين يراد الاستنباط لمنهاج أو لطريقة لتكييف التوافق بين حَدَثٍ حَدَثَ وأحكام الله.
أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
стр. 16604
المناقشة
الشيخ عبد الله بن بيه:
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، اللهم صل وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما.
الحمد لله على قربنا من جنابكم الممرع وروضكم المربع حتى أتيحت لنا الفرصة للتحدث في هذا الموضوع.
هذا الموضوع أعتقد أنه موضوع أطال فيه الإخوة الكلام في موضوعات لا تستحق أن تبحث هنا لأنها مفروغ منها, شروط الذكاة موضوعات معروفة في سائر أمهات الكتب، ونحن هنا شأننا الاتباع وليس الابتداع, الأشياء التي فرغ منها الفقهاء لا حاجة بإعادتها وتكرارها هنا.
في رأيي هناك أمور خاصة وإن كانت قد اختلف فيها قديما، هي التعامل مع ذبائح أهل الكتاب سواء في أرضهم أم تلك التي تستورد ونستوردها في بلادنا, والنظر في هذه القضية هو من ثلاثة أوجه:
الوجه الأول- كما طرحه بعض الإخوان-: هل هم أهل كتاب؟ هذا السؤال طرح.
السؤال الثاني: كيف يذبحون؟
السؤال الثالث: هو تحقيق حالة هذا الذبح بمعنى أننا سمعنا أنواعا من إزهاق الروح أو الوسائل التي يجعلون بها البهيمة يغمى عليها، وهي وسائل متعددة وتحتاج إلى توضيح ليحكم على كل صورة منها بحكم يخصها.
سأتحدث عن هذه المسائل عن القضيتين: مسيحيتهم أو ذبائحهم التي ترد منهم.
أولا: الجواب على المسألة الأولى أقول: إنها مسألة طرحت أيام أصحاب رسول الله ﷺ ، وقال أمير المؤمين علي ﵁ في نصارى بني تغلب: إنهم لم يتمسكوا من المسيحية إلا بشرب الخمر، ومع ذلك فإن جمهور العلماء من الصحابة وغيرهم اعتبروهم نصارى فأكلوا ذبائحهم وقالوا: "من يتولهم منكم فإنه منهم " هؤلاء النصارى.
وكذلك اعتبروا السامرية من اليهود كما قال خليل: وإن سامرية. حتى ولو كان هذا الشخص سامريا فإنه يعتبر تابعا لتلك الملة. فاستصحاب الحال في من يدعي ملته هو الأصل، لكي يجب أن نرفع هذا الحرج, وقال أبو بكر بن العربي رحمه الله تعالى أنه سأل مشايخه في القدس، في بيت المقدس عندما كان في الشام عن النصارى وقال: هل هم ما زالوا نصارى؟ فقالوا له: هم ما زالوا نصارى. والأمر في ذلك واضح لأن الله يقول: ﴿لَّقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللهَ ثَالِثُ ثَلاَثَةٍ﴾ [المائدة: ٧٣] ،
﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾ [المائدة: ٧٢]
ومع ذلك تركهم على كتاب, فالمسألة هي مسألة رخصة وليست مسألة عزيمة.
стр. 16605
هذا هو الجواب عن المسألة الأولى, إذن هم نصارى ومن ينتمي إليهم، وهذا الأمر ما زال حيا إلى اليوم.
أخيرا عين رئيس وزراء في فرنسا هو من الحزب الاشتراكي ولكنهم لاحظوا وقالوا: هذا أول بروتستاني يكون رئيس حكومة في فرنسا, كان الرؤساء كلهم من الكاثوليك، من نحلة الكاثوليك, إذن ما زال هذا حيا، وكل واحد عندما تقرأ عنه يقول: إن أبي بروتستاني أو كاثوليكي، إلى آخره، فهذه النسبة وهذا الإدعاء رخص الله لنا بعلمه ما سيكون ,وبقاؤنا معهم هذه الفترة الطويلة رخص لنا في التعامل معهم، فلنتعامل طبقا لذلك ولنستصحب الأصل ولا نحيد عنه إلا بيقين, هذه هي النقطة الأولى وفي رأيي أنها مهمة جدا ويمكن أن يبت فيها المجلس.
النقطة الثانية: هي مسألة الذبائح, الذبائح أولاً أريد أن أجيب على اعتراض وهو: هل الكافر يكون أزكى من المسلم في ذبيحته؟ الكافر.... أُعفينا من بعض القضايا ومن بعض الشروط، أعفينا من النية، وأعفينا من التسمية عند الكافر، حتى عند مالك: لو سمي عليه الصليب أو عيسى قال: أكره ذلك, ولم يقل أمنعه، وذهب كل أتباع مالك إلى أن الكراهة هذه على بابها. طبعا تعرفون أن مالكا قد يقول: أكره , لما يرى أنه من باب الحرام، ولكنهم قالوا: (أكره) هذه على بابها.
إذن سواء ذكر اسم الصليب أم المسيح فإن ذبيحته تؤكل عند مالك.
стр. 16606
إذن الكتابي له أحكام خاصة وشروط أعفيناه من تتبعها بالنسبة إليه,
هنا تأتي إشكالية أبي بكر بن العربي , أبو بكر العربي رحمه الله تعالى وكما قرره الحفار وغيره؟ هو شرط أشار الشيخ اليوم إلى كلامه، قال: إن ذبائحهم بالشكل الذي يذبحون به، وأوضح ذلك الشيخ الطاهر بن عاشور، فقال: "إذا كانت ناقصة عن ذبحنا" بمعنى أنه اعتبر النقص بالذبح، وقال: هذا النقص قد يكون بأن يضربوا بحديدة حادة الرأس، فأبو بكر بن العربي قال:
تؤكل لأنه في قوة الاستثناء، كأن الله قال: حرمت عليكم الميتة- وما أهل به لغير الله حرام - إلا إذا كان الأمر يتعلق بأهل الكتاب، كما استثنى الصيد فهو استثناء في قوة الاستثناء عندهم، هو تخصيص لذلك العام في تقرير مذهب أبي بكر بن العربي، لا أدافع عنه ولا أقول به أصلا، لكن أود أن أوضح مذهب أبي بكر بن العربي، لأنه رأى التخصيص، رأى آخر الآيات مخصصا لأولها، فمذهبه منطقي، ورأى أنه من باب الرخصة؛ فأهل الكتاب تجوز ذبائحهم حتى ولو كانت غير مطابقة لذبائحنا، وقال: آكل ما يأكله أحبارهم ورهبانهم, هذا هو تقرير مذهب أبي بكر بن العربي. ومع ذلك فإذا شككنا في أنهم لا يذبحون كذبحنا هنا قاعدة مهمة جدا, هذه القاعدة هي أن الشك في المقتضى يضر، بمعنى أننا إذا شككنا هل هذا مذكى أم ليس مذكى فالأصل في اللحوم كما يقول الحافظ ابن رجب ﵀ الحرمة، أنها حرام في اللحوم والأبضاع؛ قدم هذه القاعدة لأنها تقتضي شروطا معينة، إذا لم تتوفر هذه الشروط فلا يجوز الأكل. فهذا الاحتمال إذا كان قائما بناء على معطيات حقيقية فيجب أن نتجنب ذلك، أما إذا لم يكن قائما على معطيات حقيقية فالأصل أن الشك في المانع ليس مؤثرا. الشك في المانع لا يؤثر فيه: كطلاق وعتاق يؤثر، وعكسه الشرط كموقن ... هذا طبعا الفرق عند المالكية وليس عند غيرهم.
стр. 16607
إن الصحابة رضوان الله عليهم كانوا يأكلون أجبان أهل الكتاب، وبعضهم كان يأكل أجبان المجوسي، وقد نسب ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية إلى سلمان ﵁ وقال: " إنه كان يفتي بذلك "، وذكر حديث أبي داود، وقال: إذا كان هذا مرفوعا عن النبي ﷺ فلا نزاع في المسألة. وعمر ﵁ كتب إلى أبي موسى: "وما لم يتبين لكم - أي من الجبن- فكلوه، ولا تحرموا على أنفسكم ما أحل الله لكم "، مع أنهم قالوا: إنها تجبن بإنفحة الخنزير. وكذلك عبد الله بن عمر ﵄ أجاب امرأة لما سألته عن ذلك- كما ذكر صاحب المطالب العالية- فقالت: إنهم يجبنون بإنفحة الخنزير؟ فقال: " ما يصنع أهل الكتاب والمسلمون فكليه ". فالصحابة رضوان الله عليهم كانوا يكرهون السؤال عن مثل هذه الذبائح أو مثل الأجبان إذا كانت قادمة من بلاد أهل الكتاب.
يجب أن نضع ذلك في الاعتبار وألا نضيق على الناس، لكن إذا ظهر أنهم يأكلون الميتة وأنهم لا يذبحون أو أن هذه الذبائح تموت قبل أن تذبح، إذن هذا أمر مهم جدا، لو صعقها أو دوخها فلم تمت إلا بعد أن ذبحت فهي حلال على مذهب الثلاثة خلافا لمالك، لأن مالكا يرى الاستثناء في قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ [المائدة: ٣] استثناء منفصل، بينما يرى غيره أنه متصل, بمعنى أن مالكا لو أنفذ مقتلها ما نفعت الذكاة عنده، بينما الثلاثة يرون أنه استثناء متصل، أي هذه المذكورات إذا ذكيت قبل أن تموت، فإن الذكاة تنفع فيها. مالك قال: المنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة لا تنفع فيها ذكاة إذا أنفذت مقاتلها، وأن (إلا) هنا هو استثناء منفصل أي: وما ذكيتم فإنه يجوز لكم أن تأكلوه. هذا هو التعليق على هذه المسألة.
حسبنا أن نتبع أقوال الفقهاء، وحسبنا أن نفهم أقوالهم وأن نستنبط من أقوالهم.
نقطة أخيرة هي ما يتعلق بالمقترحات، وأعتقد أن هذه المقترحات هي متنوعة، وقد قدمها الإخوان، ويجب أن تقدم إلى إخواننا في بلاد الغربة، وأن تقدم إلى دول المسلمين والجهات المختصة حتى تطبقها؛ لأنها عندما تشير بأصبعها إلى هذه الشركات ستلتزم بالذبح الشرعي. الذي ينقص فقط هو شيء من الهمة وشيء من الاهتمام.
فأنا أرجو أن يؤكد مجلسنا هذا ذلك.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
стр. 16608
الشيخ وهبة الزحيلي:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
كلامي ينحصر في متروك التسمية عمدا وفي ذبائح أهل الكتاب وفي الطرق الحديثة للذبح الآلي أو المسالخ الآلية.
أما ما يتعلق بمتروك التسمية عمدا فأؤيد ما حققه الشيخ خليل بأن المذهب الشافعي يجيز ذلك مع الكراهة، وأن ما نقل عن الأم ليس بالضرورة أن يكون هو المذهب, فلذلك كثيرا أو بعض الحالات رجحها المتأخرون وخصوصا محرر المذهب الشافعي الإمام النووي، فليس دائما الاحتكام إلى الأم حجة في المذهب الشافعي، والدليل على ذلك أن الأوضاع الحديثة خصوصا المسالخ الآلية يتعذر فيها تحقيق التسمية، وأن الإمام الشافعي في هذا رفع الحرج عن الأمة في العصر الحاضر حينما أجاز ذلك.
والتسمية خلافا لما ذكر الشيخ تقي العثماني من أنها تعد ركنا بل إنما هي شرط عن القائلين بضرورتها، فليست التسمية من الأركان، وإنما هي من الشروط بدليل أنه مرة ذكرها وقال: إنها شرط، في آخر كلامه، وأغلب المرات قال: إنها ركن.
فإذن مترك التسمية عمدا في الواقع الأدلة على جوازه، منها حديث الدارقطني ((اسم الله على فم كل مسلم واسم الله على قلب كل مسلم)) فهذا مفترض فيه ويرفع الحرج عن المسلمين.
стр. 16609
وأما الحديث الذي ذكره فضيلة الشيخ تقي في رواية البخاري: "إن قوما حديثي عهد بالإسلام " هناك روايات أخرى: "إن قوما من أهل الكتاب يأتوننا بلحمان لا ندري أذكروا اسم الله عليه أم لا؟ فقال ﵊: سموا الله عليها وكلوا" فهذه هي الرواية الأشهر وليست رواية البخاري. أيضا ما يتعلق بالتسمية، هناك أمور نرجو أن نوضحها، الآن يتعذر تحقيق التسمية في المسالخ الآلية، فما المانع من أن يوضع جهاز تسجيل وتسجل عليه التسمية، لأن فتح المسجل يعد فعل فاعل، وتكرار ذلك كأن إنسانا يكرر، كما أن أغلب البلاد الإسلامية تعتمد في الأذان على الأذان المسجل, فلذلك إذن فعل الفاعل يكفي, وكذلك لابد من الاتجاه إلى أن نقول: إذا تعذر ذلك فالتسمية على المجموعة في حكم التسمية أيضا على كل ذبيحة من هذه الذبائح لأنه يتعذر يقينا إذ بثوان معدودة قبل أن ينطق الإنسان بالتسمية الآلة تذبح العشرات، ونحن لا نستطيع أن نلاحق الآلة في قضية تكرار التسمية.
فإذن من الممكن أن نعتمد على المسجل، ومن الممكن أن نكتفي بالتسمية على المجموعة، ولا يشترط أن يكون على كل واحدة منها.
стр. 16610
قضية الذبح الآلي: في الواقع أثيرت هذه القضية عندنا في عام١٩٦٥، وجاءنا مدير المسلخ الآلي حينما أرادوا إقامة المسلخ وقال: إنه درس في أوروبا، وأنه أكد لنا أن الأوروبيين حريصون كل الحرص على استنزاف الدم، لأنهم أصبحوا يصنعون الدم ويأكلونه، فإذن هم حريصون على أن تذبح الذبيحة وهي في حالة الحياة، وأما أنها تكون ميتة فهم بعيدون كل البعد عن ذلك في الغالب كما حقق الدكتور الهواري، وأنه يعيش في البلاد الغربية.
فالواقع من هذه الناحية ينبغي أن نلاحظها, وأما إذا تحققنا من الموت بقضية الصرع بمسدس قاتل، فلا شك أنه لا يؤكل، لكن إذا كان التأثير بالكهرباء أو بثاني أكسيد الفحم أو بشيء أخف من هذا ما لم يكن ببلطة يهشم الجملة العصبية، فحينئذ لا مانع من أكل هذه الذبائح خصوصا وأن الذبح بعد هذه الأشياء التي استخدموها لتثبيت الحيوان ومنع مقاومته للآلات، إنما تتم العملية بسرعة فائقة التصور، يعني لا يكاد أن تمر لحظات وهي أقل من نصف دقيقة ما بين التخدير أو التدويخ وبين إجراء الذبح بالمسالخ الآلية, وهذا طبق في البلاد الإسلامية ولم يعد محصورا في البلاد الغربية, أما الذبائح المستوردة من أهل الكتاب، فالواقع أن الفقهاء كلهم قرروا أن ذلك مكروه بالتأكيد. وهناك مذاهب ثلاثة لا تجيز فعلا ذبائح أهل الكتاب، وهذه المذاهب هي: الإمامية والإباضية (على لسان سماحة المفتي كما فهمنا) وعمليا الفقه الشافعي لا يجيز ذبائح أهل الكتاب. الشافعية في الواقع يشترطون شروطا تمنع من أكل ذبائح أهل الكتاب، فيشترطون في النصراني أن يعلم أن أصوله دخلوا في الدين المسيحي قبل نسخه، ومن يستطيع أن يعلم أن الشخص الفلاني دخلت أصوله في الدين المسيحي قبل مجيء الإسلام؟ وأما اليهود فالشرط أخف، قالوا: ألا يعلم أن أصوله دخلوا في الدين اليهودي قبل نسخه، فالشرط هنا أخف, التمييز لأنه يظهر أنه أسبق في الزمان ويتعذر تحقيق هذا الشرط.
الواقع هذا الشرط عند الشافعية أخف، هكذا أنا أنقل المذهب الشافعي، بمعنى الشرط عند الشافعية في ذبائح اليهودي أخف من شرط ذبيحة النصراني، لأن النصارى متأخرون وقريبون من الإسلام أما اليهود فأقدم منهم فيتعذر تحقيق هذا الشرط من قبيل دفع الحرج أو ما شاكل ذلك.
стр. 16611
فهذه المذاهب في الحقيقة بعضها يمنع صراحة على الرغم من وجود النص القرآني ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ [المائدة: ٥] وبالإجماع قالوا: إنها الذبائح كحل نساءهم أيضا.
فنحن أمام هذا الواقع ينبغي أن نختار ما يتيسر لنا في حال الحاجة أو الضرورة، لكن إذا لم نحتج إلى هذا؛ فالأولى تجنب الأكل من كل هذه اللحوم المستوردة، وخصوصا وأنهم يلبسون الأمور علينا ويدلسون في كثير من القضايا.
أشار فضيلة الشيخ محمد الأشقر إلى قضية مجهول التسمية. الواقع الأخذ برأي ابن تيمية في هذا الموضوع فيه كما ذكر أنه نعمة , وهذا وضع سليم ويمكن الأخذ به، لكن أشار إلى قضية الذبح للولي, أنا خلافا لما ذكره من إحصاءات هذه ظاهرة منتشرة بين العوام ينذرون للأولياء والعلماء والصحابة وغير ذلك، لكن ما سألت إنسانا من هؤلاء العوام حينما يذبح: هل يذبح لذات الولي أو ينذر لهذا الولي؟ في الواقع لم أجد أحدا ولو كان أميا إلا ويقول: الذبح لذات الله , هو يسيء الاستعمال فقط, ينبغي أن نعلمه ونبين له، وخصوصا المسيطر على أوضاعنا العامة هم العوام، نحن لا نمثل شيئا في المجتمع الإسلامي إلا القليل، ولا نمارس هذه الأمور، هم يمارسون الذبح والتجارة والصناعة وكل شيء، فما سألت أحدا إلا قال: أنا أذبح بسم الله وعلى اسم الله ومن أجل التقرب إلى الله ولا يذبح لذات هذا الولي، وإن أساء التعبير فهو يتأوله فورا حينما نناقشه في هذا الموضوع.
وقضية اتهام الناس في عقائدهم ليس من السهل وألا كان يكفر إذا ذبح.
صحيح أن بعض الناس يذبحون بين رجلي رئيس من الرؤساء حينما يأتي أو عند قدوم الحاج، هذا بالتأكيد لا يؤكل لأنه ذبح من أجل غير الله ، وليس فيه تعظيم ولا عبادة، فهذا لا يؤكل قطعا. الآية الكريمة: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١٢١]
الرئيس:
طيب، ما هو الفرق بين هذه الصورة وبين صورة الذبح لولي؟
стр. 16612
الشيخ وهبة:
هم هناك بين رجلي الولي، بين رجلي القادم، واضح أن الذبح لغير الله ، أما هنا فالولي ميت ولا يوجد تصور لا مادي ولا معنوي ولا شيء من هذا القبيل.
الرئيس:
عمل العوام ليس حجة على الشريعة يا شيخ، النصوص صحيحة صريحة، ومع تقديرنا لكلامك لا يمكن قبول هذا الشيء يا شيخ. والشيخ محمد الأشقر ذكر أنه يصعب التفريق بين هاتين الصورتين فألحقت أحداهما بالأخرى.
الشيخ وهبة:
نحن نعلمهم لكن لا نتهمهم، لأننا إذا سألناهم بالإجماع , أنا أسألهم حينما يستفتوننا في هذه القضايا ونسمعهم لا نقرهم نحن على هذه الحال إطلاقا، لكن هل نقول: إن هذه الذبيحة لا تؤكل؛ أغلب الناس يأكلونها، والفقراء يعيشون على هذه القربات التي تأتي إلى المساجد ويعلمون بالتأكيد أن القصد هو لله ، والذبح على اسم الله، ويسمون ولا يريدون ذات هذا الولي ولا غيره من هذا القبيل. أنا هذا ما أحصيته، على العموم القضية قضية استقراء وإحصاء.
أيضا قضية المستورد من الهند , يعني دائما نتردد في دعوة فضيلة الشيخ مجاهد الإسلام القاسمي إلى الهند بمجمع الفقه الإسلامي، فالمعروف طبعا أن الهنود أغلبهم بوذيون وهناك مسلمون، فتحرجت في الأكل فسألت، فقالوا لي: اطمئن كل الذبائح التي تذبح في الهند هي من المسلمين، لأن الهنود لا يقدمون على هذا العمل، وهذه أيضا تيسر لنا حينما نزور الهند، لأن من طبيعة الهندوس أنهم لا يأكلون اللحم، ولذلك المسلمون هم الذين يأكلون هذه الأشياء.
стр. 16613
قضية الذبح من القفا: في الحقيقة هذا وإن كان مكروها لكنه جائز، صحيح أن فيه شيئا من التعذيب خصوصا المذابح، المسالخ الآلية تذبح بسرعة فائقة التصور، فلا يتصور ما قاله بعض الفقهاء أنهم إذا ذبحوا من الحلق يصبح ميتة، حينما تصل السكين إلى الودجين يكون قد مات لأنه قطع النخاع الشوكي، العملية الآن في المسالخ الآلية سريعة جدا ولا نتحرج من أكل هذه الذبائح.
قضية قطع الأوداج, في الواقع أنا أميل إلى ما قرره الأطباء وقرره أغلب الفقهاء من أنه لا بد من قطع الودجين لأن بهما نستنزف دم الحيوان، وأما الاكتفاء كما ذكر الشافعية بقطع الحلقوم والمريء، فهذا في الحقيقة محل نظر، ويخالف ما عليه الواقع.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
الرئيس:
أحب أن أذكر الشيخ وهبة بمسألة التنظير بالأذان المسجل أنه سبق وأن صدر قرار المجمع الفقهي بالرابطة على عدم جواز ذلك, هذه للتذكير فقط.
стр. 16614
الشيخ إبراهيم السلقيني:
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين. والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
في الواقع بالنسبة لما يتعلق بمتروك التسمية في الذبيحة، وبالنسبة لذبيحة أهل الكتاب إذا لم تكن متوافقة مع قواعد الشريعة، لمست من الإخوة أن هناك اتجاها - بحجة التيسير ورفع الحرج - أن نأخذ بالرأي الذي يقبل متروك التسمية أو الذبيحة من الكتابي مثلا ولو كانت خنقا.
أقول: أيها الإخوة، نحن أمام أمر تعبدي، والأمور التعبدية يجري فيها الاحتياط لا التساهل.
في الواقع كل من الرأيين سواء رأي الجمهور أو رأي الشافعية، لكل مستنده، فمثلا فيما يتعلق بالجمهور استدلوا بمجموعة من الأدلة منها الآية الكريمة ﴿وَلاَ تَأْكُلُواْ مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ [الأنعام: ١٢١] ، قالوا: الواو هنا للعطف وليست للحال، فكل ما لم يذكر اسم الله عليه فإنه فسق. طبعا المجيزون قالوا: إنها للحال أي حال كونه فسقاً، أي حال ذكر اسم غير الله .
كذلك بالنسبة للاستدلال بالحديث: ((المسلم يذبح على اسم الله، سمي أو لم يسم)) هذا بالنسبة كخبر واحد لا يقيد عموم الكتاب على رأي من قال: إن دلالة العام قطعية، والقطعي لا يخصص بظن. أيضا إن الذي أحفظه وأذكره فيما يتعلق بالحديث ((سم وكل)) هذا فيما يتعلق بالأعراب وليس بالكتابيين، وأنا لأول مرة أسمع رواية أنها في الكتابيين.
стр. 16615
كذلك ((سم وكل)) ليس فيه دليل على الإباحة، بل بالعكس أنها- أي التسمية- هي الأصل من المسلم، ولذلك فنأخذ بالأصل.
كذلك فيما يتعلق بذبيحة الكتابي, أقول: إن علينا أن نلتزم بقواعد الشريعة مع غير المسلم كما نلتزم مع المسلم، والآية الكريمة ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ [المائدة: ٥] هنا ضمن الأسس والقواعد العامة في الشريعة الإسلامية، وما يتعلق بالتسمية بآلة أو مسجل أقول هذا باب خطير جدا إذا سلكناه فنأتي للأذان ونقول بمسجل، نأتي بخطبة الجمعة فنقول في استديو يخطب الخطيب، وتوضع المسجلات في المساجد!! هذا أمر خطير لا أراه، وقد سررت حينما علمت بأن هناك قرارا مسبقاً للرابطة في منعه.
المهم أيها الإخوة، نحن كمسلمين نعتز بإسلامنا، ليس الأمر في كل موضوع أن الأيسر هو ما يؤخذ به، نعم إذا كان هناك في بلد غير مسلم وبنظام غير إسلامي ابتلينا أن نعيش فيه فنأخذ بالآراء المخالفة للجمهور، أما في أحكامنا وقواعدنا وفتاوانا العامة؛ فيجب أن نأخذ في الأمور العبادية - كما قلت، وأنا أؤكد على هذا دائما- بالأحوط، أما في أمور المعاملات والعقود والبيوع فنسلك مسلك الأيسر، والله تعالى أعلم.
стр. 16616
الشيخ عبد السلام العبادي:
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على رسوله الكريم.
اسمحوا لي في البداية أن أشارك الأخ الكريم الأستاذ عبد الله بن بيه على أن الموضوع أخذ أبعادًا واسعة ما كان من داع لها، لأنه نحن أمام التزام من المسلمين استمر أربعة عشر قرنا في قضايا الذبائح. الأصل أن نلاحظ ما أثير من قضايا حادثة ونركز عليها، ما أثير من قضايا يتعلق بما يفعله أهل الكتاب نتيجة استيراد المسلمين لكميات كبيرة من اللحوم من الدول التي أغلبها أو أكثرها أهل كتاب، لنثير قضية هل هم أهل كتاب رغم ما حدث من تطورات وتغييرات وتبدلات؟ ونثير موضوع كيفية الذبح وما يتعلق به من أدوات حادثة في الذبح الجماعي لأنواع الماشية، أما أن ندخل في تفصيلات كل الأمور ونتحدث في كل الأمور، حقيقة يتسع الأمر دون أن يكون له ضرورة.
وفي ظني أن النقطة الأساسية التي يجب أن يركز وتسلط عليها الأضواء هذه النقطة، ونحاول أن نسلط في النقاش الحديث عليها لننتهي إلى بلورة رأي فيها.
стр. 16617
أما استطرادات وحتى مناقشة بعضنا في التفاصيل، لأننا إذا أردنا أن نمسك كل جزئية، فإن الأمر سيطول في الحوار والنقاش ونغيب عن المسألة الرئيسية، لكن قبل أن أدخل في هذه القضية أريد أن أتحدث في قضية الأولياء- هذا إذا سمح لي معالي الرئيس- حتى يكون الأمر واضحا في هذه القضية لا نستطيع أن نطلق فيها الكلام أيضا دون تفصيل، إذا كان الذبح للولي تقديسا وتعظيما وإشراكا بالله جل وعلا فنحن معكم في أن القضية تدخل في إطار أن هذا الشخص عقيدته لم تعد العقيدة التي أنزلها الله ، وأصبح يقدس شخصا ويعظم مكانا، وبالتالي نحن أمام فعل لا نستطيع أن نقول إنه من ذبائح المسلمين، أما إذا كان الذبح عند الولي أو عند حضور الرئيس حتى (عند وليس لـ) ، ليس تعظيما وتقديسا فالأمر مختلف، قد يكون ارتكب إثما كبيرا، بل قد يكون ارتكب كبيرة، لكن لا يخرجه هذا من دائرة الإسلام، ويجعل فعله فعل إشراك بالله جل وعلا، وبالتالي نحكم بالتحريم.
стр. 16618
هذه وجهة نظري ولكل شخص وجهة نظره، خاصة ونحن نعرف أن هذا الموضوع، وما يكتنفه من حساسيات ومن كلام ومن حديث، لكن لكل أن يبين رأيه في هذا المجال مادام أثير، على الأقل نحترم آراء بعضنا بعضا, فيما يتعلق بالموضوع المطروح, المشكلة في هذا المجال تتعلق بالدول الإسلامية وتتعلق بالمسلمين الذين يعيشون في تلك الدول التي تذبح مثل هذه الذبائح، بالنسبة للدول الإسلامية- كما تفضل الشيخ ابن بيه- دور المسؤولين وجهدنا في هذا المجال أن نستوثق وأن نتأكد، وبالتالي ما يقال بأنه من الممكن أن يكون هنالك شهادات مزورة أو غير ذلك ليس مطلوبا منا من الاستيثاق، ولا يمكن في الواقع أن نأخذ أنفسنا بمزيد من الاحتياط، لم يطلب أصلا منا في الشريعة. وأنتم تذكرون في هذه القضايا كراهية طلب الاستفسار والسؤال، وتذكرون حادثة عمر بن الخطاب ﵁ في قضية الحوض "أترد السباع حوضكم؟ فسارع وقال: لا تخبرنا يا صاحب الحوض "، لأن هذا الأمر ليس مطلوبا من الناحية الشرعية، لكن إذا وردنا بيقين هنا عند ذلك الحكم المنوط به باليقين.
стр. 16619
فأما بالنسبة للذين يعشيون في تلك الديار أو يزورونها فالقضية أصبحت مختلفة، هنا نتمكن من الاستيثاق والحصول على الشهادات، في تلك الديار الأصل عموم المعاملة إلا إذا ورد اليقين، بمعنى أنه ليس مطلوبا منا الاستفسار والبحث والتأكد ما دام أن هذا الأمر- في الواقع- ظاهره ملتزم بقواعد الشريعة.
وهنا أريد أن أسأل سؤالا في موضوع التسمية: لماذا لم يرد في النصوص الشرعية خلال المسار الطويل لهذه الأمة- حتى في النصوص الشرعية الأولى- لم يرد موضوع التسمية؟ بمعنى أنه عندما ورد ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ [المائدة: ٥] لم يرد في النصوص أنه: اسألوا أهل الكتاب عندما يأتون لكم بالطعام أو عندما تزورونهم هل سموا أو لم يسموا؟ لَمَّا ورد هذا النص, أكلوا دون أن يسألوا ودون أن يستفسروا, فإذن موضوع التسمية في الواقع يجب أن ننبه إلى أن المقصود ألا تكون الغاية من الذبح لغير الله تعالى؛ كالذبح على النصب والأزلام وغير ذلك، أما إذا كانت الغاية من الذبح الإطعام فليس مطلوبا من أهل الكتاب أن نسألهم أتم هنالك تسمية أم لم يتم؟
في موضوع طريقة الذبح مادام الخبراء والمختصون المطلعون أفادوا بما يشبه اليقين بأن عمليات التدويخ واستخدام الأجهزة الحديثة لا تؤثر في وفاة الحيوان قبل ذبحه وأن الذبح يتم بفري الأوداج والقطع لأغلبها أو لمعظمها كما ورد، إذن لماذا نتعب أنفسنا ونحاول أن نحملها أكثر من ذلك ونحرر ونستقصي؟ في ذلك خنق. نعم.
على أية حال هذه القضية تحتاج إلى نظر، وكنت أتمنى مادام الحديث في إطار المذهب الإمامي مادام هنالك أقوال ثلاثة عند الإمامية، يعني كنا نتمنى أن يوضح القولان الآخران توضيحا كافيا وأن يؤتى بما استدل أصحابهما لهذا القول، أي بما أننا في بحث علمي نتمنى أن يفصل القول في هذا الأمر ويرجح بعد ذلك ما انتهى إليه الجمهور لمنعه.
أكتفي بهذا وشكرا لكم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
стр. 16620
الشيخ ساتريا أفندي:
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام
على أشرف الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وصحبه ومن تبعه بإحسان إلى يوم الدين:
اسمحوا لي أن أشترك في هذه المداخلات ولو بكلمة قصيرة مختصرة ومتواضعة حول هذا الموضوع، وهو موضوع مهم جدا باعتبار أنه موضوع يمس حاجة المسلمين اليومية, ومما تعرض له السادة الباحثون الأفاضل في بحوثهم هو حكم اللحوم المستوردة من البلاد غير الإسلامية من اليهود والنصارى، وقد استمعنا إلى أقوال العلماء في ذلك، كما وضحها السادة العلماء الأفاضل الباحثون في بحوثهم، وأنا أميل إلى قول من قال: إن ذبائح أهل الكتاب مباح لنا أكلها، وذلك إذا ذبحت بطريقة صحيحة مألوفة, وأعجبني في هذا الصدد ما كتبه الأستاذ الباهر الدكتور الهواري- جزاه الله خيرا- في بحثه عن الدكتور محمد عبد القادر أبو فارس حيث قال: "ويمكننا بعد أن عرضنا وجهات النظر المتباينة أن نفتي الناس ونحن مطمئنون بما يلي: أن الأصل في ذبائح أهل الكتاب من يهود ونصارى سواء كانوا من رعايا الدولة الإسلامية أو أعدائها المحاربين لها ولحومهم المثلجة والمجففة والمطبوخة حلال إلا أن يثبت للمسلم أنها ذبحت مخالفة للطريقة الإسلامية". وأنا أضم رأي إلى هذا الرأي وأوافقه على هذا الحد، ولكنني أخالفه في ناحية أخرى في قوله بعد ذلك: "إن المسلم ليس مكلفا بالبحث عن ما غاب عنه، فلا يجب عليه أن يسأل عن طريقة الذبح وهل ذكر اسم الله عليها أو لم يذكر؟ هل ذكر اسم غير الله تعالى؟ كل هذا ليس مطلوبا منه ولا مأمورا به ".
стр. 16621
وإنني أرى نظرا إلى فساد أخلاق اليهود والنصارى اليوم أنه يجب على المسلمين أن يتأكدوا من صحة تذكية أهل الكتاب للحوم المصدرة إلى بلاد المسلمين، لأن الواقع قد أثبت لنا أن بعض الذبائح كانت قد ذبحت مخالفة للطريقة الإسلامية، وهناك منطقة ببلدي أندونيسيا معظم سكانها من النصارى يذبحون الدجاج عن طريق الطعن الجانبي في الرقبة وتستخرج الشرايين الدموية من مكانها ويستخرج منها الدم في إناء كبير ثم ترمى الدجاجة لتهدأ أو يتناولها العامل الآخر ليضعها في آلة تنظيف الريش.
وذلك الدم المستخرج يباع ويشتريه ويأكله بعض الناس من النصارى وغيرهم، كما يباع لحم الدجاج في السوق, وهذا الواقع أكبر وأقوى دليل على أن النصارى اليوم لا يتقيدون في الذبح بالقيود الشرعية. ولذلك أكرر مرة أخرى أنه يجب علينا- نحن المسلمين- أن نتأكد من صحة تذكيتهم للحوم المصدرة إلى بلادنا، وإن الوسائل لمعرفة ذلك قد أصبحت متنوعة ومتعددة في عالمنا المتحضر المتقدم، ويمكن استخدام تلك الوسائل لمعرفة ذلك على مستوى حكومي، أو عن طريق البعثات والسفارات بالدول المصدرة التي يتم استيرادها منها، ولكن يجب أن نعتمد على أياد أمينة مسلمة، ولا ينبغي أن نترك هذا الأمر -وهو أمر ديني مهم - في يد اليهود والنصارى الماكرين.
ولحدوث التنافس التجاري القائم بين تجار اللحوم ومنتجيها بالبلاد الأجنبية غير الإسلامية لكسب مزيد من الربح الذي يؤدي إلى الغش في التجارة ومن المحتمل- كما قاله فضيلة الشيخ محمد سليمان الأشقر- أن يخلطوا لحم الخنزير المحظور تناوله عند المسلمين باللحوم المباحة المعلبة، وأن يدخلوا شحمها في الحلويات المصنعة كالبسكويت والشوكولاتة ونحو ذلك. وأقول: إنه من المحتمل بل من الراجح أن يستخدموا شيئا محرما عندهم لزيادة اللذة في المأكولات، ومثل هذه الأشياء الملذذة تباع في أسواق المسلمين، وحسب قول فضيلة الشيخ محمد سليمان الأشقر في بحثه إن لحم وشحم الخنزير في بعض بلاد النصارى أرخص ثمنا وأقل تكلفة من لحم البقر والغنم وذلك لكثرة توالد الخنازير وميلها إلى العلف الرديء والقذر، وهذا ما دفع مجلس العلماء الأندونيسي- وأنا أحد أعضائه- إلى تشكيل هيئة لمراقبة الأطعمة والحلويات المتنوعة المتداولة في الأسواق المحلية، ومن وظائفها التأكد من عدم وجود المواد المستخدمة لزيادة اللذة وفتح الشهية، وكذا المواد المستخدمة في صناعة الأطعمة عامة, وقد صدر- والحمد لله- قرار ملزم رسميا من جانب الحكومة، وهو أن يضع منتجو الأطعمة عبارة حلال على كل مصنوعاتها بعد أن يتم تفتيشها من قبل الهيئة، وذلك قبل أن تصل تلك المصنوعات والمنتوجات إلى الأسواق للبيع.
وشكرا، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
стр. 16622
الشيخ عبد الله بن منيع:
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين، وبعد:
فلي مجموعة مواد من التداخلات.
الأولى: التأويل أو التعليق على التأويل في غالب البحوث على التسمية, لا يخفى أن التسمية موضع خلاف بين أهل العلم، وفي قوله ﷺ : ((سم وكل)) إشارة إلى التيسير في ذلك وأن الأرجح والأقرب أن التسمية من السنن المؤكدة بآداب الذكاة.
الثانية: القول، هل التذكية والتوجيهات الشرعية في الأخذ بها هل هي من قبيل العبادة أو التوجيه لما فيه مصلحة العباد؟
لا يخفى أن الذبح من أنواع العبادة، فمتى ما قصد بالذبيحة التعبد فهي عبادة، فإن كانت لله فهي عبادة لله، وإن كانت لغير الله فهي شرك بالله ويحرم أكلها مهما كانت متفقة مع شروط الذبح وصحته. أما إذا كانت التذكية للأكل فقط، فهي من شؤون الحياة, وتعتبر التوجيهات الشرعية ذات حكم تقتضي مصلحة العباد في أكل لحوم هذه الذبائح ومن خالفها بمخالفة تجعلها في عداد المحرمات المذكورة في سورة المائدة: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ﴾ [المائدة: ٣] فهي محرمة بنص كتاب الله.
стр. 16623
الثالثة: هل غرض المجمع في إدراج هذا الموضوع في جدول أعمال هذه الدورة؛ النظر في اللحوم المستوردة من الغرب أو الشرق من حيث التسمية وأنهم لا يسمون عند الذبح، أو أن الغرض من ذلك ما هو معروف من التجار والانحراف في طريقة الذبح، وأنه الآن لا يتم الذبح إلا بعد أن تكون الذبيحة من أنواع المنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة، حيث إنها بعد الصعق والتخدير في الغالب تكون في حركة هي حركة الذبيح؟ إذا كان كذلك، فهل يجوز لنا أن نعول أو نقول بأن هذه ذبائح أهل الكتاب، وهم يذبحون بطريقة لو أخذ بها المسلم لقلنا في ذبحه ما نقول؟ فهل للكتابي وضع أعلى من وضع المسلم؟ لا شك أن إباحة ذبائح أهل الكتاب كانت مبنية على تقيدهم بالتوجيهات الربانية في طرق الذبح، ولهذا كان المعروف عن اليهود بأنهم لا يزالون على الأخذ بالطريقة السليمة في الذبح.
هذا الموضوع بحث في هيئة كبار العلماء بالمملكة العربية السعودية، وندبت للتحقيق فيما يقال عن مجاوزات أهل الكتاب في الذبح هيئات، فجاءت تقارير هذه الهيئات محزنة ومفزعة، فهي تشتمل على المشاهدة والنظر؛ أما من حيث المشاهدة فقد شاهدوا كيف تصعق الذبائح وتخدر، وقالوا بأنها قبل ذبحها وبعد تخديرها وصعقها في حكم المتردية والنطيحة والموقوذة، حيث لا تبقى معها حركة بعد ذلك إلا كحركة الذبيح، وذكروا التجاوزات من مراقبي الذبح، ومع الأسف من جهات إسلامية، وجاء في بعض التقارير أن مصنع تسويق لحوم كان في البرازيل كتب عند مدخله (بسم الله والله أكبر) : لوحة عند مدخل المصنع، وقالوا: هذه التسمية، وصاروا يعتبرون أن كل ما يصدر في هذا المصنع من ذبائح قد سمي بهذه اللوحة الموجودة عند باب المصنع، ثم كذلك وجد أكثر من هذا؛ وردت مجموعة اللحوم المستوردة وهي لحوم أسماك مكتوب عليها (ذبح بالطريقة الإسلامية) ! وهذا في الواقع شيء معروف؛ كذلك ذكر لنا الشيخ أحمد الخليلي، وقد ذكر غيره، بأنه وجد مجموعة من الذبائح ولا سيما الدجاج، يقال بأنها ذبحت بالطريقة الإسلامية، وهي في الواقع رأسها ورقبتها متصلان مع جسمها لم تمس بجرح!! فلا شك أن هذه تغريرات.
стр. 16624
أنا أرى أن على المسلمين أن يثبتوا هويتهم الإسلامية، والحمد لله، المسلمون الآن في وضع من الجانب الاقتصادي ولهم أسواق لها قيمتها واعتبارها، والغرب يتسابق في الحصول على هذه الأسواق، فلو فرضنا عليهم ما يجب علينا من التقيد بآداب الذبح لا شك أنهم سيستجيبون استجابة كاملة، ليس لأنهم يريدون أن يتقربوا بذلك إلى الله؛ وإنما يريدون أن يتقربوا إلى هذه الأسواق.
في الواقع أننا كذلك ينبغي أو أرى أن يكون من المجمع تأكيد وتوصية للمجتمعات الإسلامية والشركات الإسلامية بأن تكثف من أمر إيجاد مصانع وتصنيع اللحوم، فالحمد لله، البلاد الإسلامية الآن قوية، قوية بمواردها وقوية بطاقاتها البشرية والفنية والمادية، فلماذا لا يوجد عندنا مزارع لتربية الدواجن والأنعام؟ وإيجاد المصانع بطريقة معتبرة شرعية ونخدم إخواننا المسلمين، ونكون في ذلك على جانب من التقرب إلى الله بالاستقامة.
ثم أيها الإخوة هناك تنبيه خفيف، ولكنه مهم؛ وهو أنني سمعت من أخي الكريم فضيلة الشيخ عبد الله بن بيه أنه قال: يقول الله : أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم، لا شك أنه في الواقع لا يعتقد هذا، لكنها جاءت سبقا على لسانه، ولكنني أرى أن هذا يجب أن يكون محل تنبيه، الله لا يتعوذ من الشيطان، الشيطان أحقر وأذل وأدحر من أن يتعوذ الله منه، ولكن حينما يقول الله: بسم الله الرحمن الرحيم، فلا شك أنها آية من سورة النمل، أما أن نقول: يقول الله تعالى: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، فهذا ما يجب أن يكون محل تنبيه منا.
بقيت حفظكم الله نقطة تكرم بها أو تفضل بها أخي الشيخ وهبة، وهو اقتراح في أن يوجد تسجيل في الذبح، (بسم الله والله أكبر) مسجلة، الواقع أنا أرى أن هذا ليس صحيحا، هل يجوز أن يكون هناك تسجيل في الأذان والإقامة؟ إذا لم يجز فالتسمية كذلك، لأن التسمية يجب أن تكون مصاحبة لنية، فلا بد من التنبه على أن هذه النقطة- في رأيي- غير صحيحة. والله يحفظكم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
стр. 16625
الشيخ عبد الله بن بيه:
بسم الله الرحمن الرحيم،
عندي نقطة واحدة فقط، يقول الله : ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآَنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ [النحل: ٩٨] . قلت: يقول الله- وأردت أن أقرأ قرآنا، فقلت: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم. هل في هذا شيء. والله لا شيء في هذا.
الرئيس:
على كل أنا أظن أن السيوطي ﵀ تعرض لها في الإتقان وذكر قولين، إنه للذاكر أن يقول: قال الله تعالى، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، ثم يسوق الآية، وهذا بإجماع القائل والسامع أنه لا يرى أن يقول أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، وإنما هو امتثال للأمر بالاستعاذة، أنا قصدي أنه حكي الخلاف في هذه المسألة لكن لو قال مثلا: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، ثم ساق الآية خرج من الخلاف.
стр. 16626
الشيخ الصديق الضرير:
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد، خاتم النبيين وعلى سائر الأنبياء والمرسلين.
عندي مسألتان فقط.
المسألة الأولى: دفاع عن ابن العربي الذي اتهمه بعض الباحثين- وهم ثلاثة- بالتناقض في كلامه، أولهم القاضي العثماني، ولكي يتضح هذا أقرأ لكم عبارة ابن العربي التي فهمها بعض المعاصرين على غير ما تدل عليه، وفهموا منها أن ابن العربي يجيز أكل ذبيحة الكتابي ولو كانت مخنوقة أو متردية أو نطيحة، ونقل الشيخ العثماني وغيره ما اعتمدوا عليه من عبارة ابن العربي وفهموها كما فهمها هؤلاء المعاصرون, قبل العبارة يحسن أن أقرأ لكم: زعم بعض المعاصرين- هذا تعبير القاضي العثماني- أن ذبيحة الكتابي حلال بأي طريقة قتلها، لأنه داخل في عموم قول الله تعالى ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ [المائدة: ٥] ، وتمسكوا في ذلك بقول القاضي ابن العربي ﵀ حيث قال: ولقد سئلت عن النصراني يفتل عنق الدجاجة، ثم يطبخها هل يؤكل معه أو يؤخذ طعام منه؟ وهي المسألة الثامنة فقلت: تؤكل لأنها طعامه وطعام أحباره ورهبانه، وإن لم تكن هذه ذكاة عندنا ولكن الله تعالى أباح طعامهم مطلقًا وكل ما يرونه في دينهم فإنه حلال لنا في ديننا إلا ما كذبهم الله سبحانه فيه. هذه خاتمة العبارة الأولى: "إلا ما كذبهم الله سبحانه فيه ".
стр. 16627
يعلق القاضي العثماني على هذا: ولكن هذا القول الغريب من ابن العربي- ﵀ متعارض تمام التعارض مع الأصل الذي ذكره هو نفسه في نفس الكتاب قبل نحو صفحة من هذه العبارة، وعبارته- أي ابن العربي-: "فإن قيل: فما أكلوه- أي أهل الكتاب- على غير وجه الذكاة كالخنق وحطم الرأس، فالجواب أن هذه ميتة وهي حرام بالنص، وإن أكلوها فلا نأكلها نحن كالخنزير؛ فإنه حلال لهم ومن طعامهم وهو حرام علينا، فهذه أمثلة". ثم قال القاضي العثماني: وهذا تعارض صريح في عبارتي ابن العربي، ومتى وقع التعارض بين عبارتين فالأجدر بالقبول ما هو ثابت بالنصوص، إلى آخره. وأخذ يفند هذا القول.
الواقع أنه لا تعارض مطلقا في عبارتي ابن العربي اللتين ذكرهما، ولا يمكن أن نتصور أن ابن العربي يرى أن المخنوقة يجوز أكلها بأي حال من الأحوال سواء كانت من مسلم أو من غير مسلم, وهذا التصور جاء من العبارة الأولى، والتي فيها: سئل عن النصراني يفتل عنق الدجاجة ... فهموا من هذا أن هذه مخنوقة. ابن العربي لم يرد هذا، بدليل قوله في آخر العبارة نفسها، لأنه لو أراد هذا لكانت العبارة نفسها متناقضة، وليست متناقضة مع العبارة التالية، لأنه قال في آخرها: " إلا ما كذبهم الله فيه "، والقرآن كذبهم في المنخنقة، فكيف يجيزها قبل ثلاثة أسطر ثم يمنعها بعد ذلك. هذا لا يمكن أن يتصور أن يصدر من ابن العربي، فابن العربي لا يرى في فتل عنق الدجاجة أنها منخنقة، ولذلك أجازها بدليل أنه في العبارة الأخرى قال. عندما سئل وجه الذكاة فقال: كالخنق وحطم الرأس "، منعه بعبارة واضحة، فكيف نظن به التناقض؟!
стр. 16628
لم أستطع أن أفهم أن ابن العربي يجيز المخنوقة على أي حال سواء كان مصيبا أم مخطئا في هذه، قد يكون تأويله، هو اعتبر فتل الدجاجة ليس خنقا، لأنه لا يمكن أن أفهم أن ابن العربي يعتبر فتل الدجاجة خنقا ثم يقول بجوازه، ويأتي في آخر العبارة ويقول: "إلا ما كذبهم الله فيه " وهو يعلم أن الله كذبهم في المنخنقة وغيرها مما في الآية ومما ذكره هو نفسه في العبارة الثانية!! فهذا هو التأويل الأولى بكلام ابن العربي، لأنه يؤدي إلى أمر لا يصح أن ننسبه إلى ابن العربي, هذا ما فهمه بعض المعاصرين وكما فهمه الذين نقلوا عنه، لكن ابن العربي في عبارته هذه لا يرى أن الفتل خنقا، ولذلك جوزه.
المسألة الثانية: أورد بعض الباحثين من ضمن الشروط ألا يكون الذابح شيوعيا، وفصل بعضهم في هذا فذكر أن اللحوم التي تأتينا من البلاد الشيوعية أو التي أغلبها شيوعيون لا يحل أكلها وهذا مقبول ولا شك فيه، لكن العبارة الأخرى التي وردت في بعض البحوث من ضمن الشروط ألا يكون مرتدا وألا يكون ملحدا وألا يكون مشركا وألا يكون شيوعيا، ونحن نعلم أن الشيوعيين في بلاد المسلمين، فهل الشيوعي الذي في بلاد المسلمين ويذبح الذبيحة لا نأكلها؟ إذا حكمنا عليه بأنه مرتد فيدخل في المرتدين، أما إذا لم نحكم عليه بهذا.. ظاهر العبارات التي وردت في أكثر من بحث أن ذبيحته لا تجوز، لأنه ذكره مع المرتد والملحد. وهذه مسألة تحتاج إلى جواب من الذين ذكروها.
أكتفي بهذا، وشكرا لكم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
стр. 16629
الشيخ عكرمة:
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله. وبعد؛
فإني أثمن الجهود الطيبة المباركة التي قدمها الإخوة الباحثون والمعقبون والمتداخلون، وسوف أحرص على ألا أكرر ما تفضل به الإخوة جميعهم، وسأنحو منحى آخر بما لا يتناقض مع ما تفضل به الإخوة الكرام. ما من شك أن مجمع الفقه الإسلامي لم يطرح موضوع اللحوم المستوردة إلا بعد أن شك أو تيقن بأن هناك خللا موجودا في هذه اللحوم المستوردة، وألا لما طرح للمناقشة والبحث، ومعنى هذا لابد أن نعالج الموضوع معالجة جذرية عملية بالإضافة إلى الأحكام الفقهية الشرعية.
أولا: أن تعتمد الدول والأقطار العربية والإسلامية جميعها على نفسها في الذبح اليدوي أو في الذبح الآلي وفي تعليب المعلبات.
ثانيا: إذا اضطر أي قطر من الأقطار الإسلامية إلى الاستيراد ينبغي أن يكون ذلك من قطر إسلامي آخر ليطمئن المسلمون على سلامة الذبح من جهة، ومن جهة أخرى ليحصل على نوع من التقارب والتعاون بين الأقطار الإسلامية من الناحية الاقتصادية.
ثالثا: إذا لم يتوفر فائض من المواشي واللحوم المذبوحة أو المعلبات
في الأقطار العربية والإسلامية، فلا مانع من الناحية الشرعية الاستيراد من الدول غير الإسلامية، ولكن شريطة الإشراف المباشر للذبح وللتعليب من قبل لجنة فنية متخصصة، وحتى نتأكد من صحة الشعار الذي يكتب على المعلبات: "ذبح على الطريقة الشرعية". ليس هذا فحسب، بل إن بعض الدول الأجنبية المصدرة للمعلبات فإنها تصدر اللحوم- أحيانا- الفاسدة أو التي انتهى مفعولها إلى العالم العربي والإسلامي، فهل يجوز من الناحية الشرعية أن تكون بلادنا الإسلامية حقلا للتجارب وحقلا للتسويق؟
فإني أميل إلى الدعوة للاعتماد والاكتفاء الذاتي فيما بيننا كعرب ومسلمين، ولا ينقصنا أي شيء، كما أميل إلى مقاطعة الاستيراد من الدول غير الإسلامية في موضوع المأكولات، ويا حبذا أيضا في غير المأكولات, وأناشد مجلس مجمع الفقه بما يحمله من السمعة الطيبة والثقة الجيدة، وبما يضم من علماء أفذاذ أن يستفيد من نفوذه للتأثير على مقاطعة ما أمكن من الصناعات الأجنبية بما فيها المأكولات وذلك من باب سد الذرائع من جهة، ومن جهة أخرى لنقوي أنفسنا نحن العرب والمسلمين اقتصاديا، ولا نكون نحن سببا في تقوية الاقتصاد غير الإسلامي، وآمل أن تسجل الملاحظة لدى المجمع في التوجه نحو الاعتماد على الذات ومقاطعة المأكولات الأجنبية، وأيضا تقوية الاقتصاد الإسلامي.
وبارك الله فيكم جميعا، والسلام عليكم.
стр. 16630
الشيخ ثقيل الشمري:
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
في الحقيقة الكثير مما أحببت أن أقوله تحدث عنه كثير من المتدخلين وفقهم الله، ولكنني سأركز على بعض النقاط التي أرى أنها مهمة.
أولا: في الموضوعات التي تحدث عنها بعض أصحاب الفضيلة في موضوع الاقتصاد، في الحقيقة نحن الآن نعيش عولمة الاقتصاد، وانعزالنا عن العالم يعني كأننا ندس رؤوسنا ونخفي الواقع, فينبغي أن نتعامل مع واقع معين من الناحية الاقتصادية، وموضوع اللحوم هو من هذه الموضوعات, لا شك أن الذبح من الأمور المهمة في واقع المسلمين وفي طعامهم وشرابهم، وموضوع التذكية كما تحدث عنه المتحدثون أمر لا يعنينا كثيرا لأن في كلامهم كفاية، ولكن الموضوع المهم أن الذبح لغير الله هو فيه إشراك بالله- فما ذبح على القبور أو نذر لأصحاب القبور أو نذر للأولياء فهو شرك بالله وإشراك مع الله- ولا يجوز لنا أن نفصل في ذلك وأن ندخل في النوايا لأن ظاهر الأمر ينصرف إلى أن هذا الإنسان ما ذبح إلى صاحب الضريح أو صاحب القبر إلا لأنه يعتقد أن صاحب القبر أو الولي أو كذا له نفع بقدر ما يكون يعتقد ذلك الذابح كان كبيرا أو صغيرا فإن هذه الذبيحة محرمة لا تجوز.
следующие страницы →