والذي ينبغي الالتفات إليه في هذا الشأن:
١ - أن الأنف منفذ يشترك مع الفم في الاتصال بالحلق (شكل ٢) ، وأن جهاز الشم به يستقبل المواد الطيارة، فيذيبها في طبقة المخاط، ثم ينقلها عن طريق العصب الشمي إلى مركز الشم بالمخ (شكل ٣) ، ولعل هذا هو الذي جعل السلف يقول إن ما يؤخذ عن طريق الأنف يصل إلى الدماغ.
٢ - قد يستعمل الأنف طريقًا للتغذية في بعض الأحيان، فيكون هو والفم سواء في الحكم. (١)
٣ - أثبتت التحاليل الطبية أن بعض المواد العالقة في الهواء تدخل من الأنف، ويكون لها تأثير كبير على الدورة الدموية، ولهذا يطالب المدافعون عن حماية البيئة باستعمال الغاز الطبيعي أو البنزين الخالي من الرصاص في تشغيل الآلات والمركبات، ومنعت بعض الدول التدخين في الأماكن العامة حماية لغير المدخنين من تأثير الدخان على صحتهم.
وبناء على ذلك نقول وبالله التوفيق:
ا - إذا استعمل الأنف طريقا للتغذية - في بعض الحالات - فما يصل منه إلى الحلق يفسد الصيام.
٢ - إذا تعمد الصائم التقطير في الأنف، أو استنشاق بخاخ الزكام أو الاستعاط، أو شم ما يشبع رغبة الكيف أو المزاج (كالسموم البيضاء، أو الغراء، أو القطنة المبللة بالبنزين) ، أو تعمد البقاء في أماكن التدخين، وما أشبه ذلك: بطل صومه.
٣ - إذا احتاج الصائم لاستعمال قناع الأوكسجين لضيق في تنفسه، أو لوجوده تحت الماء، أو لانخفاض الضغط الجوي في الطائرة، أو نحو ذلك: فلا يبطل صومه، كما لو تنفس الهواء الطبيعي. (٢) والله أعلم.
стр. 16697
ثالثا - العين:
يبدو أن الفتاوى الحديثة في مسألة الكحل والدهن والقطرة في العين
قد تابعت الخلاف الذي جرى بين الفقهاء، وهذا الخلاف بني على أصلين؛ أولهما: مدى صحة وحجية أحاديث الاكتحال، والثاني: مدى اعتبار العين منفذا إلى الجوف. (١)
فقد رأينا أن غالبية الفتاوى في هذا الشأن لا تبطل صيام المكتحل، لمجموع الأحاديث التي يقوي بعضها بعضا، ولأن العين ليست بمنفذ إلى الجوف، وعدى هذا الحكم إلى كل ما يوضع في العين من دواء وقطرة ومراهم ونحوها. (٢)
ومع ذلك أفتى البعض بفساد صوم المكتحل وقاس على الكحل كل ما يوضع في العين من قطرة ودهون، إذا وصل إلى الحلق. (٣)
ونلاحظ في هذا المقام أن الدموع التي تفرزها الغدة الدمعية لتنظف وترطب قرنية العين تصب في تجويف الأنف عن طريق القناة الدمعية (شكل ٤) ، لذا عندما يبكي الإنسان طويلا يتمخط كثيرًا. (٤)
فالرأي - عندي - أن الصائم إذا اكتحل أو وضع في عينه الدهن أو الدواء أو قطر فيها، وأحس بأثر ذلك في أنفه فتمخط، فإن صيامه يكون صحيحًا، أما إذا أحس بأثر ذلك وعيَّنه في مخاطه فاقتلعه بنفسه وابتلعه، فإن صيامه يفسد، والله أعلم.
стр. 16698
رابعا - الأذن:
اختلف الفقهاء في حكم الصوم إذا صب الصائم في أذنه ماءً أو قطر فيها دواء، فمن قال منهم بفساد الصوم أجرى قياس الأذن على الأنف بجامع أن كلا منهما منفذ، ومن ثم عدَّى الحكم الوارد في حديث لقيط بن صبرة المتقدم، ومن قال منهم بصحة الصوم طبق الأصل المعتمد لديه؛ والقاضي بأن ما أدخل في الأذن لا يفطر إلا أن يصل إلى حلق الصائم. (١)
وبناء على هذا الاختلاف: اختلفت الفتاوى الحديثة، فأفتى البعض
بفساد صوم من يصب الماء في أذنه أو يقطر فيها الدواء. (٢) ، وأفتى آخرون بصحة الصوم في هذه الحالة. (٣)
ويبدو لنا أن قياس الأذن على العين أولى من قياسها على الأنف؛ ذلك أن الأنف - كالفم - منفذ طبيعي إلى الحلق والجوف، أما الأذن فالأمر فيها مختلف، لوجود الغشاء الطبلي (طبلة الأذن) الذي يفصل الأذن الخارجية عن الأذن الوسطى (٤) ، وتقف عنده السوائل فلا تنفذ إلى ما وراءه، فإذا أزيل هذا الغشاء الطبلي أو السمعي - وأصيب الإنسان بالصمم - صارت الأذن منفذا إلى الجوف، لاتصالها بالبلعوم عن طريق قناة أستاكيوس (شكل هـ) ، وحينئذ فقط يكون قياس الأذن على الأنف صحيحا، لاشتراكهما فيما يسمى " البلعوم - أنفي ".
فمناط الفتوى - إذن - يرجع إلى سلامة الغشاء السمعي، فإن كان سليمًا محكمًا لا يسمح بمرور السوائل إلى الأذن الوسطى، فالصوم صحيح، أما إن تمزق لمرض أو حادث، ودخلت السوائل إلى البلعوم - أنفي، فالصوم يبطل. والله أعلم.
стр. 16699
خامسا - الإحليل:
قد يستدعي فحص المسالك البولية لشخص تقطير مواد سائلة أو ملونة عن طريق مجرى البول، تستقر في المثانة، لتوضح الصور التي تلتقطها الأشعة، وقد بحث الفقهاء من قديم حكم الصوم مع إدخال مثل هذه السوائل في الإحليل، فرأى البعض أن ذلك يفطر الصائم، ولو لم يصل إلى المثانة قياسا على حكم الحقنة الشرجية، ورأى آخرون أن التقطير في الإحليل لا يفطر الصائم إلا إذا وصل إلى المثانة، لأنه أدخل شيئًا إلى جوف، والرأي الغالب أن الصيام صحيح إذا قطر في إحليله؛ لأن هناك فرقا بين الإحليل وبين فتحة الشرج، من حيث ضيق الأول واتساع الثانية. (١)
والفتاوى الحديثة: بعضها يكتفي بعرض آراء الفقهاء (٢) ، ومنها ما يفتي بعدم فساد الصوم: " لأننا لا نجد علة واضحة نستطيع بواسطتها أن نحكم على فساده وبطلانه، ثم إن هذه من الأمور التي لم يرد فيها نص عن الشارع ". (٣)
ونحن مع الرأي الأخير، ونرى علة واضحة لكون الصوم صحيحًا مع التقطير في الإحليل - حتى لو وصل إلى المثانة - وهي أن المثانة عضو طارد، عندما يمتلئ تتمدد ثنيات الطبقة المخاطية به، فتدفع الطبقة العضلية السوائل إلى الخارج. (٤) (انظر شكل ٦)
стр. 16700
سادسًا - الدبر:
تناول الفقهاء حكم إدخال شيء في دبر الصائم، وخاصة " الحقنة الشرجية " فعند جمهورهم أن استعمالها يفطر الصائم، لأنه أدخل مائعا إلى جوفه باختياره، وهم يستندون إلى ما رواه البيهقي من أن ((الفطر مما دخل)) (١) ، وقياسًا على ما يصل إلى الدماغ، مثل ما ورد في حديث لقيط بن صبرة المتقدم، ولأن ما في الحقنة من مائع دخل إلى الجوف من طريق معتادة، كما لو دخل من الفم أو الأنف. (٢) ، وذهب البعض إلى أن الحقنة الشرجية لا تفسد الصوم، وهو رأي ابن تيمية (٣) وابن حزم (٤) ، لأنها لا تغذي بوجه من الوجوه، بل تستفرغ ما في البدن، كما لو شم شيئًا من المسهلات، كما أنها لا تصل إلى المعدة.
وعلى هذا الأساس تنوعت الفتاوى المعاصرة - فيما يتعلق بحكم استعمال الصائم الحقنة الشرجية - إلى ثلاثة اتجاهات:
١ - يرى الاتجاه الأول أن الحقنة الشرجية تفسد الصوم، سواء كانت للتداوي أو للتغذي أو لغير ذلك؛ لأنها تدخل من منفذ طبيعي، وتصل إلى الجوف. (٥)
٢ - ويرى اتجاه آخر أن الحقنة الشرجية لا تبطل الصوم مطلقا؛ لأنها لا تصل إلى المعدة. (٦)
٣ - أما الاتجاه الثالث فإنه يميز بين الحقنة الشرجية التي تدخل مادة غذائية في الجسم، ويعتبرها مفسدة للصوم، وبين الحقنة الشرجية التي تحمل مادة ملينة للأمعاء، كالماء والصابون أو الأشياح، وهذه لا تفسد الصوم، لأنها قد لا تمتص، والهدف منها إخراج الفضلات من الجسم. (٧) ونشير إلى أمرين ينبغي الالتفات إليهما قبل الفتوى في موضوع الحقن الشرجية:
١ - أن امتصاص المواد المهضومة، يعني عملية مرور المواد الغذائية البسيطة التركيب الناتجة من الهضم، خلال بطانة القناة الهضمية إلى الدم، وليس للمعدة وظيفة تذكر في عملية الامتصاص، إنما يحدث معظم الامتصاص في الأمعاء الدقيقة، أما الأمعاء الغليظة فإنها تمتص الماء وقليلا من الأملاح والغلوكوز، وقد تمتص الأدوية المختلفة. (٨) (انظر شكل ٧)
٢ - من الطرق المتبعة في تغذية المريض إعطاؤه مواد غذائية مهضومة جزئيًّا عن طريق الشرج، ولو أن القدرة على امتصاصها تكون ضعيفة جدًا؛ لأن دور القولون الأساسي هو الإطراح وليس الامتصاص. (٩)
стр. 16701
وبناء على ذلك: فإننا نوصي الصائم بتأخير استعمال الحقنة الشرجية إلى ما بعد الإفطار احتياطا للعبادة , سواء كانت تحمل مواد غذائية أو سوائل أخرى، ما دام العلم قد أثبت أن الأمعاء الغليظة لها قدرة على امتصاص السوائل، وأن الأمعاء الدقيقة هي التي يحدث فيها معظم الامتصاص، ولا نظن أن هناك ضرورة ملحة تقضي باستعمال الحقنة الشرجية أثناء فترة الصوم، لا سيما وأن كثيرا من أساتذة الطب ينصحون بعدم إجراء الحقن الشرجية أثناء الصوم، لأنها تسبب ضعفا في عضلات الأمعاء وغشائها، وتخرش القولون، وتنهك المريض وتستهلك قواه. (١) , والله أعلم.
ومما يلحق بالحقنة الشرجية، ما يستعمله البعض مما يسمى بالتحاميل أو اللبوس أو أقماع البواسير أو المراهم، ونحو ذلك مما يستعمل لتخفيف آلام البواسير، أو خفض درجة الحرارة، أو التقليل من مضاعفات الزكام والبرد، عن طريق إدخالها في دبر الصائم.
ويرى بعض المعاصرين أن ذلك يفسد الصوم. (٢) ، بينما يرى آخرون أن لا أثر لذلك على صحة الصوم (٣)
ونحن نميل إلى القول بعدم تأثير هذه المواد على صحة الصوم، لأنها تمتص من مكانها بواسطة شبكة كبيرة من الأوردة الدموية للدم مباشرة، ولا تستغرق هذه العملية وقتًا طويلًا، فهي كامتصاص الجلد الخارجي للماء والدواء والدهون، والله أعلم.
стр. 16702
سابعًا - القبل:
قد تحتاج المرأة إلى إدخال شيء في قبلها، وذلك لمرض يتطلب إدخال مراهم أو أدوية، أو لعمليات التنظيف المهبلي، أو لإجراء فحص عن طريق إدخال أدوات وأجهزة طبية، أو مس المهبل بنترات الفضة، ونحو ذلك.
وقد ذهبت بعض الفتاوى المعاصرة إلى فساد الصوم بذلك؛ لأن المهبل هو القناة التي تبتدئ بالفتحة المعروفة، وتنتهي بفم الرحم، والسائل الذي يمر بهذه القناة يصل إلى الداخل، فالواجب قضاء ما أفطرته المرأة لهذا السبب. (١)
وذهبت فتاوى أخر إلى أن كل هذه الممارسات لا تؤثر على الصوم؛ لأن الصوم لا يفسده إلا ما يصل إلى المعدة، وما ذكر ليس على صورة الطعام والشراب ولا في معناه، وهو لا يصل إلى المعدة محل الطعام والشراب. (٢)
ويميز البعض بين الفحص النسائي، ويرى أنه لا يفسد به الصوم، قياسا على إدخال الإصبع في الفم، ولعدم ورود نص في الشرع أو عن الصحابة أو التابعين في مثل هذه الأمور، وبين عمليات التنظيف، ويرى أنها من الأعذار التي تبيح للمرأة الفطر، لأنها تحتاج إلى مخدر، وقد تكون سببا في نزول الدم. (٣)
ونحن نفرق بين ثلاث حالات بالنسبة للمرأة (شكل ٨) :
١ - مخرج البول: وهو يتصل بالمثانة - مثل إحليل الرجل - وهذا يأخذ الحكم الذي سبق أن أعطيناه للإحليل، وهو صحة الصوم مع إدخال شيء في هذا المكان، لما سبق أن قلناه من أن المثانة عضو طارد وليس مستقبلًا.
٢ - مهبل البكر: ويسده غشاء البكارة، الذي يسمح بخروج دم الحيض، ولا يسهل أن يمر منه شيء إلى الداخل، ونرى أن يأخذ نفس الحكم الذي أثبتناه لما يرد مخرج البول.
٣ - مهبل الثيب: وهو عبارة عن قناة عضلية لها فتحة خارجية، وتمتد نحو عنق الرحم، وما يصب فيه يمكن أن يصل إلى أعلى الرحم. (٤) ، ونرى أن الأدوات والأجهزة الطبية التي تدخل فيه تؤدي إلى إفطار الصائمة؛ لأنها أدخلت إلى مكان مجوف في بدن المرأة، وقد يؤدي ذلك إلى نزول الدم، وكذلك الحكم - بل هو أولى - في حالة ما إذا صب فيه شيء من الماء أو الدواء أو غير ذلك، ونوصي بعدم الفتوى بصحة الصيام في مثل هذه الحالات؛ والله أعلم.
стр. 16703
المطلب الثاني
ما يدخل البدن عن طريق غير معتاد
الإبر - الجلد - منطقة ما تحت اللسان - الأوكسجين - الأشعة - التخدير
أولا - الإبر:
الإبرة تشبه المخيط أو الخياط، إلا أنها مجوفة، تدفع عبرها السوائل إلى البدن، أو تستخرج بواسطتها السوائل من البدن، وهي من الأمور المستحدثة، ولذلك تضاربت الفتاوى بشأنها:
فمن قائل بأنها تفطر الصائم مطلقا (في الشريان - في الوريد - في العضل - تحمل غذاء - أو دواء - أو غير ذلك) . (١)
ومن قائل بأنها لا تبطل الصوم مطلقا؛ لأن هذه الحقنة لا يصل منها شيء إلى الجوف من المنافذ المعتادة أصلًا، وعلى فرض الوصول فإنما تصل من المسام فقط، وما تصل إليه ليس جوفا، ولا في حكم الجوف. (٢)
ومن قائل بالتمييز بين حقن للتغذية، وهذه تبطل الصوم لمنافاتها للحكمة منه، وبين حقن للتداوي ونحوه، وهي لا تبطل الصوم، لعدم دخولها من منفذ معتاد. (٣)
стр. 16704
ونحن نستعين الله ونقدم بين يدي رأينا عدة أمور:
١ - يوجد في كل عضو من الأعضاء وداخل كل خلية من خلايا الجسم المدخرات الخاصة بها من الغذاء والفيتامين والمعادن، تعتمد عليها أثناء الصوم، ولهذا فإن الذي يتوقف أثناء فترة الصوم إنما هو عمليات الهضم، وليس عمليات التغذية، ولقد كتب أحد المختصين قائلا: إنه حين لا يكون هناك عمل هضمي ينشغل به الجسم، فإن هذا الجسم يستخدم الوقت المخصص للهضم في عملية تنظيف وتطهير عام، أي أن الصوم يدرب الجسم على استعمال مدخراته بشكل اقتصادي إلى حد بعيد. (١)
٢ - هناك فرق بين " الجوع " و " شهوة البطن ": فالجوع الحقيقي هو الحاجة الملحة للغذاء، ومن مظاهره تقلصات المعدة والشعور بالضعف، وقد يسبب آلامًا في الرأس، ويرافق ذلك سيلان اللعاب لدى مشاهدة الأطعمة، وهذه كلها تظاهرة فيزيولوجية لمتطلبات غذائية للجسم، أما شهوة البطن أو ما يطلق عليه " الجوع الاعتيادي " فإنها عبارة عن مسألة عادة، أي التعبير عن عادة تناول الطعام في ساعات معينة، ولا علاقة لها بالجوع الطبيعي. (٢)
٣ - ذكرنا فيما سبق أن عملية الامتصاص هي مرور المواد الغذائية البسيطة التركيب الناتجة من الهضم خلال بطانة القناة الهضمية إلى الدم، وليس للمعدة وظيفة تذكر في عملية الامتصاص، وإنما يحدث معظم الامتصاص في الأمعاء الدقيقة، وتمتص الأمعاء الغليظة الماء وقليلا من الأملاح والغلوكوز، ثم تنتقل نواتج المواد الغذائية بعد امتصاصها من القناة الهضمية بواسطة الدم إلى أنسجة الجسم المختلفة التي تقوم بدورها في عملية التمثيل الغذائي. (٣)
ومجمل القول: أن الدم هو الذي يحمل المواد الغذائية المهضومة من الأمعاء وينقلها إلى خلايا الجسم، لإمدادها بالمواد اللازمة لها، وتعرف الأوعية التي تخرج من القلب بالشرايين، بينما تعرف الأوعية التي تعود بالدم إلى القلب بالأوردة. (شكل ٩)
٤ - اعتمد كثير من الفقهاء والمحدثين - منهم ابن تيمية - المعنى المادي الظاهر للحديث الشريف: ((إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم)) فضيقوا مجاريه بالجوع بالصوم "، وتابعهم على ذلك عدد من العلماء المعاصرين (٤)
وبعد ذلك نرى:
أولا: أن الإبر التي توصل أدوية أو مواد مغذية أو مقوية، وتدخلها إلى بدن الصائم عن غير طريق الأوردة والشرايين (كالاحتقان في العضدين أو الفخذين أو رأس الأليتين أو ما شابه ذلك) لا تفسد الصيام، لأنها تصل إلى البدن عن طريق المسام، مثلها في ذلك مثل الاغتسال بالماء البارد، فعلى الأصول المعتمدة في سائر المذاهب الفقهية لا أثر لها على صحة الصوم، وقد نص بعضهم على أن الصائم لو أوصل الدواء إلى داخل لحم الساق، أو غرز فيه سكينا أو غيرها، فوصلت مخه لم يفطر بلا خلاف، لأنه لا يعد عضوا مجوفا. (٥)
وثانيا: أن الإبر التي توصل أدوية أو أغذية أو مقويات إلى الدم مباشرة عن طريق الأوردة أو الشرايين، تفسد الصوم، لأنها صارت منفذا - عرفًا - لإمداد الجسم بالغليكوز والصوديوم وأنواع الأحماض المختلفة، مما يؤدي إلى اكتفاء البدن واستغنائه عن المواد المألوفة من أنواع الطعام والشراب، يضاف إلى ذلك أن السوائل التي تصل إلى الأوردة والشرايين توسع مجاري الدم، فتمكن للشيطان من ابن آدم، وقد أمرنا بتضييق هذه المجاري، وغني عن القول إن تناول الأغذية والمقويات عن طريق الدم يتنافى مع الحكمة من الصيام التي تتمثل في أنه حرمان مشروع، وتأديب بالجوع، وخشوع لله وخضوع.
стр. 16705
وثالثًا: أن الفتوى ببطلان صوم من يستعمل الحقن التي تصب في الدم، عن طريق الأوردة أو الشرايين، هي السبيل الأمثل لسد ذريعة المدمنين على الخمر أو المخدرات، فهؤلاء يتناولون عن طريق الإبر خلاصات الكحول أو المواد المخدرة، لتسري في الدم مباشرة، فتشبع لديهم شهوة الكيف أو المزاج، من أجل تهدئة أعصابهم، وقد نص عدد من الأطباء البشريين والنفسيين وبعض الفيزيائيين على أن الصوم هو العلاج الأمثل والأرخص والأيسر للمدمن، وبواسطته يتخلص الجسم من سمومه المتراكمة، وتكون الجملة العصبية قد لبست رداء الصحة، ولذلك فإن الحاجة الملحة لتعاطي الكحول والمخدرات تكون قد اختفت تمامًا، وكتب " ماك فاون " في الموسوعة العامة الفيزيائية: " ليس هناك طريقة نقدمها كنصيحة لمريض الإدمان أفضل من أن ننصحه بالصوم ". (١) ، وإن العلاج الأمثل لحالات الهياج والهذيان والغضب والحمق، التي تعقب الانقطاع عن تناول الكحول أو المخدرات، هو تغطيس جسم المريض بكامله في ماء دافئ لمدة تتراوح بين ساعتين أو ثلاث ساعات حتى يهدأ جهازه العصبي، وفي الوقت ذاته توضع فوق رأسه قطعة من القماش مبللة بماء بارد، وهذه الحركات سوف تتوقف تقريبا كلما تقدم المريض بالصوم، حتى يصل إلى الشفاء، ويتوقف عما كان يدمن عليه من السموم (٢)
стр. 16706
ثانيا - الجلد:
سألني سائل عن حبة تسمى " Nitrates " من مجموعة: " salycitatesASPIRIN " توضع على إبهام الرِجل، أو على أي موضع من الجسم، فيمتصها الجلد، وتقوم بوظيفة علاجية.
وبعد البحث والتدبر ظهر لي: أن هذا النوع من الدواء لا أثر له على صحة الصوم، وذلك لسببين:
١ - أن الجلد لا يمتص الغذاء، وحتى لو امتص شيئا منه، فإن الأعضاء لا يمكنها الاستفادة منه. (١)
٢ - أن ما يصل إلى البدن عن طريق المسام لا يفسد الصوم، لعدم منافاته حكمة الصوم، وقياسا على الاغتسال بالماء البارد، ولو وجد أثره بداخله، والله أعلم.
ثالثا - منطقة ما تحت اللسان:
أسرع علاج مؤثر لبعض الأزمات القلبية: حبة تسمى: Nitrates isordil يضعها الصائم تحت اللسان، فتمتص بطريقة مباشرة، ويحملها الدم إلى القلب فتوقف أزماته المفاجئة، وبعد البحث والتقصي: عرفت أن هذا النوع من الدواء لا يدخل إلى الجوف، لسرعة امتصاصه، وأنه يقاس على معجون الأسنان، بحيث إن الصائم إذا لم يزدرد ريقه، بأن تمضمض بعد ذوبان الحبة، كان صيامه صحيحا، والله أعلم.
رابعا - الأوكسجين:
يصر بعض الصائمين على إتمام صيامهم، رغم ما يتعرضون له أحيانا من ضيق في التنفس، بسبب مرض في الجهاز التنفسي، أو وجودهم لمدة من النهار على ارتفاع شاهق أو انخفاض سحيق، حيث يقل الهواء الطبيعي أو ينعدم، وحينئذ يلجؤون إلى تنفس الأوكسجين الصناعي.
وقد أفتى بعض المعاصرين بأن تنفس الطيار للأوكسجين لا يبطل صيامه؛ لأن الأوكسجين ليس بطعام أو شراب (٢) ، وهذه الفتوى صحيحة، فاستنشاق الهواء الصناعي لا يفسد الصوم؛ لأنه من جنس الهواء الطبيعي، ولا تضاف إليه مواد أخرى عند تحضيره، وقد أجمع الأولون والآخرون على أن استنشاق الهواء لا أثر له على صحة الصوم.
стр. 16707
خامسا - الأشعة:
يتعرض بعض الصائمين لأشعة تدخل بدنه، إما لتصوير بعض الأجهزة الداخلية، وإما لعلاج موضعي، كتفتيت حصوة في الكلية أو الحالب أو المثانة أو المرارة، وإما لرتق فتق داخلي أو خارجي (كشبكة العين) .
في عام ١٩٨٦: أمكن تصنيع ليزر الأشعة السينية، وكلمة " Laser " تمثل الحروف الأولى للجملة الآتية:
(Light Amplification by Stimulated Emission of Radiation) أي: تضخيم شدة الضوء بواسطة الانبعاث الإشعاعي المستحدث، ونرى أن إدخال هذه الأشعة إلى بدن الصائم لا أثر له على صحة الصوم، لأنها في جميع الحالات عبارة عن تصويب حزمة رفيعة من الضوء موحدة الاتجاه إلى المكان المراد علاجه، كإتمام عملية التحام الشبكية المصابة بالانفصال أو التمزق، أو التحام الأوعية الدموية في الجراحة، أو تفتيت الحصوات داخل البدن ... ، ونحو ذلك. (١) , والله أعلم.
سادسًا - التخدير:
وجهت إلى بعض المفتين أسئلة تطلب حكم الحقن التي تستعمل للتخدير (كالمورفين ونحوه) وأثر ذلك على الصيام، وجاء الجواب متباينًا: فذهب البعض إلى أن جميع أنواع الحقن، بما فيها الحقن المخدرة، وفي أي موضع من البدن - تحت الجلد أو في العروق أو في الشرايين - لا تفطر الصائم، لأنها لا تصل إلى الجوف، وإن وصلت إليه فإنما تصل من منفذ عارض غير خِلقي. (٢)
وذهب بعض آخر إلى أن الحقن التي تعطى لغرض التخدير لا تجوز، مع عدم الإفطار، وذلك لما روي عن أم سلمة ﵂: " نهى رسول الله ﷺ ، عن كل مسكر ومفتر "، هذا كله إذا لم يحصل قيء عقب الحقن، فإن حصل تقيؤ بسبب الحقنة، وكان ما قاءه طعاما أو ماء أو مُرَّة، وقد ملأ الفم، فسد صومه، وإن لم يملأ الفم، أو كان ما قاءه بلغمًا، فلا يفسد صومه. (٣)
стр. 16708
ولنا أن نقول بعد عدة لقاءات مع أطباء التخدير: إنه ينبغي التمييز بين عدة وسائل تتبع لتخدير المرضى:
أولا: التخدير عن طريق الأنف: وفي هذه الحال يشم المريض مادة غازية - كالهواء - تؤثر في أعصابه، فيحدث التخدير، فإن كان التخدير موضعيًّا بحيث لا يؤثر على المخ ولا يفقد الصائم وعيه، فيكون صومه صحيحا، لطبيعة المادة التي دخلت عن طريق الأنف، وإن كان التخدير كليا أفقد الصائم وعيه، بطل الصوم بسبب خروجه عن الوعي، لا بسبب طبيعة المادة الغازية.
ثانيا: التخدير الجاف: وهو نوع من العلاج الصيني، يعتمد على إدخال إبر مصمتة جافة إلى مراكز الإحساس تحت الجلد، فتستحث نوعا معينا من الغدد داخل البدن على إفراز المورفين الطبيعي الذي يحتوي عليه الجسم، وبذلك يفقد المريض القدرة على الإحساس في الموضع المحدد، وهذا النوع من التخدير لا يؤثر على صحة الصيام؛ لأن الغالب فيه القيام بالتخدير الموضعي الذي لا يغطي العقل، ولأنه لم يدخل معه شيء إلى البدن، بل حدث تفاعل فيزيائي داخلي أدى إلى هذه النتيجة.
ثالثا: التخدير بالحقن: وفي هذه الطريقة يقوم الطبيب بإدخال مادة سائلة مخدرة يحقنها في موضع معين من بدن الصائم:
أ - فإن كان الحقن في مكان آخر غير الأوردة والشرايين (كالحقن في اللثة أو في العضلة أو في رأس الألية أو نحو ذلك) فلا يفسد الصوم؛ لأن السائل يصل إلى البدن عن طريق المسام أو الشعيرات، ولأن التخدير الموضعي يقتصر على المكان المحدد، دون أن يفقد الصائم الوعي.
ب - أما إذا تمَّ الحقن في الأوردة أو الشرايين بالمادة المخدرة، فإن الصوم يبطل لسببين؛ أولهما: أن مائعا أدخل إلى البدن من مكان صار منفذًا عرفًا، والآخر: أن الصائم يفقد الوعي؛ لأن المادة المخدرة التي صبت في الدم قد توزعت على جميع البدن بواسطة الدورة الدموية، واتصلت بالمخ ومراكز الإحساس، وفقدان الوعي سبب لبطلان الصوم, والله أعلم.
* * *
стр. 16709
المطلب الثالث
ما يستخرج من بدن الصائم
الحجامة - سحب الدم - القيء
أولًا - الحجامة:
الفتاوى المعاصرة في حكم تأثير الحجامة على الصوم تأسست على الخلاف في حكمها عند الفقهاء، نتيجة لمدى صحة وحجية الأحاديث والآثار التي وردت في مسألة الحجامة، فمن هذه الفتاوى ما أبطل الصوم بالحجامة (١) ، وأكثرها لم يجعل للحجامة أثرا على صحة الصوم (٢) ، ونحن نؤيد صحة الصوم مع الحجامة؛ لأن أحاديث الترخيص فيها للصائم أصح وأقوى، ولأنها تتوافق مع القياس (٣) .
ويقاس على الحجامة الفصد والرعاف والجرح لإزالة غدة أو ورم أو استخراج شوكة أو قلع ضرس، ووضع العلق على الورم في اليد أو الرجل أو غيرهما لامتصاص الدم، ونحو ذلك، ففي هذه الحالات نرى أن الصيام صحيح، والله أعلم.
ثانيا - سحب الدم:
تباينت الفتاوى الحديثة في حكم سحب الدم من الصائم لفحصه أو للتبرع به، فذهب البعض إلى عدم تأثير سحب الدم - قليلًا أو كثيرا - على صحة الصوم (٤) ، بينما ذهب البعض الآخر إلى صحة الصوم مع سحب الدم القليل (البرواز) ، وفساده مع سحب الدم الكثير، قياسا على فساده بالحجامة (٥)
ولا نرى سببا للتفرقة بين القليل والكثير، كما لا نرى وجها للقياس على الحجامة، لعدم وجود علة ظاهرة، خاصة بالنسبة للحاجم , وقد رجحنا عدم تأثيرها وما ألحق بها على صحة الصوم.
وأخيرا: فإن سحب الدم يضيق من مجاريه التي يسري فيها الشيطان، وقد جاء الحديث يحث على تضييق مجاري الدم، ومع ذلك فإنه يكره إذا أدى إلى الضعف، ولكن الصوم معه صحيح، والله أعلم.
стр. 16710
ثالثا - القيء:
انفرد الحسن البصري - في إحدى الروايتين عنه - بالقول: " إن من ذرعه القيء فقد أفطر ووجب عليه القضاء ". (١) ، وجمهور أهل العلم من القدامى والمحدثين على أن من غلبه القيء لا يفطر ولا قضاء عليه، وأن من تعمد القيء يبطل صومه، لما أخرجه الترمذي وغيره عن أبي هريرة ﵁ من أن النبي ﷺ قال: ((من استقاء فعليه القضاء، ومن ذرعه القيء فلا قضاء عليه)) . (٢) ، ومع ذلك: فقد ذهب بعض الفقهاء إلى أن من تعمد القيء وهو صائم فلا شيء عليه وصيامه صحيح، لعدم أخذه بالأحاديث الواردة في القيء. (٣)
ومعظم الفتاوى الحديثة تعتمد رأي الجمهور، فتعتبر أن الصائم لا يفطر إذ غلبه القيء وليس عليه قضاء، وأنه يفطر وعليه القضاء إن تعمد القيء بأية وسيلة (وضع الإصبع في الفم، شم رائحة تسبب القيء) . (٤) ويفتي البعض بصحة الصوم مع القيء، سواء كلب القيء الصائم أو تعمد الاستقاءة. (٥)
ونحن نميل إلى عدم صحة الصوم إذا تعمد الصائم القيء، لمجموع الأحاديث والآثار التي يقوي بعضها بعضا، ولعدم مخالفة رأي الأكثرية من الفقهاء، ولأن الاستقاءة مظنة رجوع شيء من الخارج إلى الجوف مع التعمد, والله أعلم.
ويقاس على الاستقاءة إدخال آلة في فم الصائم أو أنفه لاستخراج عينة من الصديد أو الإفرازات في اللوزتين، أو من البلغم العالق في البلعوم أو الحلق، أو من المخاط أو إفرازات الجيوب الأنفية، أو نحو ذلك، فالأفضل تأخير ذلك إلى وقت الإفطار، والله أعلم بالصواب.
* * *
стр. 16711
خاتمة
في ختام هذا البحث الذي حاولنا فيه بيان حكم بعض المستجدات في مجال (المفطرات) على ضوء التحليل الفقهي والواقع العلمي، نلخص ما تم عرضه في العناصر الآتية:
ا - بخاخ الربو: يفسد الصوم.
٢ - العلك: ينصح بعدم تناوله أثناء الصيام.
٣ - التدخين: حرام، ويبطل الصوم.
٤ - التغذية عن طريق الفم: تفسد الصوم.
٥ - التقطير في الأنف، واستنشاق بخاخ الزكام، والاستعاط، وشم المخدرات والمكيفات: تبطل الصوم.
٦ - الاكتحال والتقطير في العين: إذا تجمع بسببه مخاط، وابتلعه الصائم أفطر.
٧ - التقطير في الأذن السليمة: لا يفطر الصائم، بعكس منزوعة الطبلة.
٨ - التقطير في الإحليل: لا يفسد الصوم.
٩ - الحقن الشرجية: يوصى بتأخير استعمالها إلى ما بعد الإفطار.
١٠ - التحاميل وأقماع البواسير: لا تؤثر على الصوم.
١١ - إدخال أجهزة أو أدوية في فرج الثيب يفسد الصوم.
١٢ - الإبر التي تحقن في العضل ونحوه لا تبطل الصوم.
١٣ - الإبر التي تحقن في الأوردة والشرايين تفسد الصوم.
١٤ - الحبوب التي يمتصها الجلد لا تفطر.
١٥ - الحبة التي توضع تحت اللسان لا تفطر.
١٦ - استنشاق الأوكسجين لا يفسد الصوم.
١٧ - التعرض للأشعة لا يبطل الصيام.
١٨ - التخدير الموضعي لا يفطر الصائم.
١٩ - التخدير الكلي يفسد الصوم.
٢٠ - الحجامة وما يلحق بها لا تؤثر على صحة الصوم.
٢١ - سحب الدم الصوم معه صحيح، ويكره إذا أضعف الصائم.
٢٢ - القيء: إن تعمده الصائم بطل صومه، وإن غلبه فلا شيء عليه، ويلحق به استخراج العينات من الفم أو الأنف.
والله ولي التوفيق.
الدكتور محمد جبر الألفي
стр. 16712
الملاحق
هذه الملاحق نقلت عن كتاب تشريح ووظائف أعضاء جسم الإنسان، تأليف: محمود البرعي وهانئ البرعي، مكتبة الأنجلو المصرية، ١٩٨٨.
شكل (١) التجويف الفمي، ص (١٠٦) .
شكل (٢) الأنف، ص (١٠٧) .
شكل (٣) الشم، ص (١٠٨) .
شكل (٤) العين، ص (١٠٩) .
شكل (٥) الأذن، ص (١١٠) .
شكل (٦) المثانة، ص (١١١) .
شكل (٧) الجهاز الهضمي، ص (١١٢) .
شكل (٨) الأعضاء التناسلية، ص (١١٣) .
شكل (٩) الدورة الدموية، ص (١١٤) .
شكل (١٠) الجهاز التنفسي، ص (١١٥) .
стр. 16713
_________
стр. 16714
ضابط المفطرات
في مجال التداوي
الأكل والشرب
إعداد
الشيخ محمد علي التسخيري
الأمين العام للمجمع العالمي لأهل البيت
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
وصلى الله على سيدنا محمد وآله الطاهرين
قال الله ﵎: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ . [لبقرة: ١٨٣]
سيكون بحثنا في هذا المقال في مجالين:
الأول: ضابط المفطرات في مجال التداوي.
والثاني: ضابط المفطرات في مجال الحالات المرضية
المجال الأول - ضابط المفطرات في مجال التداوي:
قبل الورود في البحث لابد أن نستعرض طريقتنا في البحث، وهي تبتني على ذكر مقدمات:
الأولى: الإشارة إلى بعض النصوص الدالة على مفطرية الأكل والشرب.
الثانية: تعريف حقيقة الأكل والشرب وتحديدهما بالدقة، بحيث نتمكن من تشخيص المصاديق بقدر الإمكان.
الثالثة: تعريف حقيقة الصوم، للتمكن من تشخيص الوظيفة عند الشك.
الرابعة: تعيين المرجع عند الشك، وقد يعبر عن ذلك بتأسيس الأصل.
وبعد بيان هذه الأمور ندخل في صلب الموضوعات المطروحة، فإن وجدنا فيها نصا خاصًا نأخذ به، وإلا نرجع إلى العمومات، وإن لم تشملها العمومات نرجع إلى الأصول المنقحة في المقدمة.
стр. 16715
فلابد أولًا من ذكر هذه الأمور الأربعة كمقدمة للبحث، فنقول بتوفيق من الله العزيز العلام:
المقدمة الأولى: الإشارة إلى بعض النصوص.
فمن الكتاب العزيز قوله تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة: ١٨٧]
ودلالة الآية الكريمة على مفطرية الأكل والشرب مما لا ريب فيه، وإنما الذي لابد من التعرض له هو تحقيق كلمتي الأكل والشرب، وإثبات إطلاقهما.
المقدمة الثانية: في تحقيق حقيقة كلمتي الأكل والشرب.
الأكل في اللغة:
قال الراغب في المفردات (١) : " الأكل تناول المطعم ".
وقال الزبيدي في تاج العروس (٢) : " أكله أكلًا ومأكلًا، قال ابن الكمال: الأكل إيصال ما يمضغ إلى الجوف ممضوغًا أو لا، فليس اللبن والسويق مأكولًا، قال المناوي: وفي كلام الرماني ما يخالفه حيث قال: الأكل حقيقة بلع الطعام بعد مضغه، قال: فبلع الحصاة ليس بأكل حقيقة ".
وقال أحمد بن فارس في معجم مقاييس اللغة (٣) : " أكل: الهمزة والكاف واللام باب تكثر فروعه، والأصل كلمة واحدة ومعناه: التنقص، قال الخليل: الأكل معروف ".
وقال جلال الدين الخزرجي في لسان العرب (٤) : " أكلت الطعام أكلًا ومأكلًا، وقال ابن سيده: الطعام يأكله أكلًا ".
وقال الجوهري في الصحاح (٥) : " أكل: أكلت الطعام أكلًا ومأكلًا ".
وفي المصباح المنير للفيومي (٦) : " الأكل معروف - إلى أن قال - قال الرماني: " والأكل حقيقة بلع الطعام بعد مضغه فبلع الحصاة ليس بأكل حقيقة ".
стр. 16716
الشرب في اللغة:
قال الزبيدي في تاج العروس (١) : " شرب الماء وغيره، كسمع، يشرب شربًا، مضبوط عندنا بالرفع، وضبطه شيخنا بالفتح، وقال: إنه على القياس، وقال أيضاً: إن الفتح أفصح وأقيس، قلت: وسيأتي ما ينافيه ". وفي لسان العرب (٢) " ابن سيده: شرب الماء وغيره شَرْباً وشُرْبًا وشِرْبًا ".
وفي القاموس المحيط (٣) : " شرب كسمع شربًا، ويثلث ".
وفي معجم مقاييس اللغة (٤) : " الشين والراء والباء أصل واحد منقاس مطرد، وهو الشرب المعروف ".
وفي أساس البلاغة للزمخشري (٥) : " شرب الماء والعسل والدواء ".
وفي المصباح المنير (٦) : " الشراب ما يشرب من المائعات ".
وفي أقرب الموارد (٧) : " ولا يشترط فيه توسط الشفة في إيصال المجروع إلى الجوف ".
وفي المفردات للراغب (٨) " الشرب تناول كل مائع ماء كان أو غيره ".
هذه كلمات جماعة من أئمة اللغة، والظاهر أن أكثرهم - كما ترى - أوكلوا الأمر إلى وضوحه، سيما في الشرب.
والمتيقن من جميعها اعتبار تحقق أمور أربعة في حقيقة الأكل:
ا - إيصال المأكول أو المشروب إلى الجوف.
٢ - كون الإيصال من طريق الحلق.
٣ - كون المأكول ممضوغًا (أي مما يمضغ) .
٤- تحقق المضغ.
وإذا لم يتحقق أحدها فصدق الأكل حقيقة مختلف فيه.
فهذا هو الرماني قد صرح بعدم صدق الأكل حقيقة على بلع الحصاة، وابن الكمال قد صرح بعدم صدقه على إيصال اللبن والسويق إلى الجوف، لأنه ليس مما يمضغ.
ولأجل هذا الاختلاف - الواقع في كلماتهم - لا يمكن حصول الاطمئنان بحقيقة معنى الأكل والشرب في اللغة.
ولما كانت خطابات الشارع ملقاة إلى العرف، فلابد في تشخيص العناوين المأخوذة فيها من الرجوع إلى العرف.
стр. 16717
الأكل والشرب في العرف:
الظاهر اعتبار أمرين في صدق عنواني الأكل والشرب عند العرف وهما:
١- إيصال الشيء إلى الجوف بالبلع.
٢ - كون ذلك من طريق الحلق، ومع تحققهما يصدق الأكل عرفا سواء أكان مما يمضغ أم لا، وسواء أتحقق المضغ أم لا، والفرق بين الأكل والشرب في ما يصل إلى الجوف، فإذا كان مائعا يكون شربًا، وإذا لم يكن مائعاً يكون أكلا.
وعليه إذا أوصل الشخص الحصاة إلى جوفه من طريق الحلق يصدق أنه أكل الحصاة، وإذا وصل الطعام إلى جوفه من غير طريق الحلق لا يصدق أنه أكله.
فتحصل مما ذكر في هذه المقدمة: الظاهر أنه لابد من حمل الأكل والشرب في الكتاب الكريم والسنة الشريفة على إيصال الشيء إلى الجوف من طريق الحلق، سواء أكان معتادًا أم غير معتاد، وسواء أكانت كيفية الأكل متعارفة أم غير متعارفة، وسواء أكان الورود من طريق الفم أم الأنف أم غيرهما.
стр. 16718
المقدمة الثالثة: في تحقيق معنى الصيام.
الصوم في اللغة:
قال الراغب (١) : " الصوم في الأصل الإمساك عن الفعل؛ مَطعمًا كان أو كلامًا أو مشيًا ".
والصوم في الشرع: إمساك المكلف بالنية من الخيط الأبيض إلى الخيط الأسود عن ...
وقال أحمد بن فارس (٢) " صوم: الصاد والواو والميم أصل يدل على إمساك وركود في مكان ... من ذلك صوم الصائم هو إمساكه عن مطعمه ومشربه وسائر ... ".
وفي الصحاح (٣) قال الخليل: " الصوم قيام بلا عمل، والصوم: الإمساك عن الطُّعم ".
وفي العين (٤) : " الصوم: ترك الأكل وترك الكلام ... والصوم قيام بلاعمل ".
وفي المصباح المنير (٥) : " صام يصوم صومًا وصيامًا، قيل: هو مطلق الإمساك في اللغة، ثم استعمل في الشرع في إمساك مخصوص ".
ومن التقفية في اللغة (٦) : " والصوم عن الطعام والشراب، وكل ممسك عن شيء من الأشياء فهو صائم عن الكلام وغيره ".
وفي تاج العروس (٧) : " صام صومًا وصيامًا - بالكسر - واصطام إذا أمسك، هذا أصل في اللغة في الصوم، وفي الشرع: عن الطعام والشراب ... - إلى أن قال -: وقال أبو عبيدة: كل ممسك عن طعام أو كلام أو سَيْر ... ".
وفي لسان العرب (٨) " الصوم: ترك الكلام والشراب والنكاح - إلى أن قال - التهذيب: الصوم الإمساك عن الشيء والترك له - إلى أن قال -: قال أبو عبيدة: كل ممسك عن طعام أو كلام أو سير فهو صائم ".
وفي أقرب الموارد (٩) : " صام الرجل يصوم صومًا وصيامًا: إمساك عن الطعام والشراب والكلام والسير، وأصله في الإمساك والسكون عن الفعل ".
стр. 16719
الصوم في كلمات الفقهاء رحمهم الله تعالى:
قال المفيد (١) : " والصيام هو الكف عن تناول أشياء ورد الأمر من الله تعالى بالكف عنها في أزمان مخصوصة ".
وقال الطوسي (٢) : " وفي الشرع هو إمساك مخصوص على وجه مخصوص ممن هو على صفة مخصوصة.. ".
وقال العلامة (٣) : " وفي الشرع عبارة عن إمساك مخصوص ... انتهى ". وقريب منه عبارة السرائر (٤) وعبارة المغني لابن قدامة (٥) والشرح الكبير لعبد الرحمن بن قدامة، والفقه على المذاهب الأربعة لعبد الرحمن الجزيري (٦) , وقال المحقق (٧) : " الصوم وهو الكف عن المفطرات مع النية ".
وقريب منه عبارة العلامة في القواعد والشهيد الأول في الدروس (٨)
ولا نطيل بنقل سائر العبارات التي نراها على ثلاثة أقسام: فقسم عرف بالإمساك، وقسم عرف بالكف، وقسم عرف بتوطين النفس.
ولا نتعرض لتحقيق الحق في حقيقة الصوم، بعد ما كان المطلوب
ترك المفطرات مع النية.
стр. 16720
المقدمة الرابعة: وهي مقدمة أصولية تتحدث عن المرجع عند الشك, الشك الذي يعتري المكلف في حصول المفطر قد يكون على إحدى صور:
الأولى: الشك في مفهوم الأكل والشرب سعة وضيقًًا، ونسميه بالشبهة المفهومية، والتحقيق كما عليه أهله: جريان البراءة بالنسبة إلى الزائد عن المتيقن، فإذا شككنا - مثلًا - في أن الأكل يشمل المأكول غير المتعارف حتى يحرم أم لا يحرم، تجري البراءة عن لزوم الاجتناب عنه.
الثانية: الشك في المصداق (الشبهة المصداقية) ، كما إذا شككنا مثلا في أن الماء وصل من قضاء الفم إلى الجوف أم لا، فالحق أيضا جريان البراءة - كما حقق في محله - بعد عدم شمول أدلة المنع له؛ والوجه في عدم الشمول هو أن التمسك بالعام في الشبهة المصداقية ممنوع قطعا، وإذا لم تشمله نشد في الحكم، فإن كان هناك دليل فوقاني نرجع إليه كالروايات الحاصرة، وإلا نرجع إلى الأصل كما بيناه.
الثالثة: الشك في صحة الصوم، وإذا وقع الشك في صحة الصوم مع تناول ما يشك في كونه أكلًًا فالحق أيضًا الصحة، لاستصحاب بقاء الصوم إذا كان مسبوقًا بتحقق الصوم.
وبعدما عرفت هذه المقدمات نَرِد في صلب الموضوع.
ضابط المفطر (الأكل والشرب) :
لا يخفى أن الأكل والشرب من المفطرات للصوم في الجملة بإجماع المسلمين، بل الضرورة قائمة على ذلك، ويدل عليه قبل الإجماع الكتاب والسنة، ولا كلام في ذلك، إنما الكلام في تحديد هذا الضابط، وأنه هل أن الأكل والشرب مطلقًا من المفطرات، أم تختص المفطرية بما يتعارف أكله وشربه؟ وأيضاً هل المفطر إيصال المأكول والمشروب إلى الجوف من أي طريق كان، أم يعتبر في المفطرية كون الوصول من الطريق المتعارف؟
فيقع الكلام في تعيين الضابط في مقامين:
المقام الأول:
في مفطرية إيصال ما ليس بمتعارف إلى الجوف من طريق الحلق، فقد قيل: إن المسألة ذات أقوال ثلاثة:
الأول: المفطرية وإيجاب الكفارة.
الثاني: عدم المفطرية.
الثالث: المفطرية من غير إيجاب الكفارة.
والأول هو المشهور، بل مورد التسالم.
ونسب الخلاف إلى ابن الجنيد وبعض كتب السيد من الإمامية، وإلى الحسن بن صالح وأبي طلحة الأنصاري من فقهاء أهل السنة.
стр. 16721
ولنذكر أولًا بعض عبارات الإمامية:
قال الشيخ الطوسي (١) : " الأكل لكل ما يكون به أكلاً، سواء أكان مطعوماً مثل: الخبز واللحم وغير ذلك، أو لا يكون معتاداً مثل: التراب والحجر والفحم والخزف والبرد وغير ذلك.
والشرب بجميع ما يكون به شارباً، سواء أكان معتادًا مثل: الماء والأشربة المعتادة، أو لم يكن معتاداً مثل: ماء الشجر ... " إلخ. اهـ.
وقال أيضًا (٢) " إذا أكل ما لا يؤكل باختياره كالخزف والخرق والطين والخشب والجوهر، أو شرب غير مشروب كماء الشجر ... كل هذا يفطر. وهو قول جميع الفقهاء إلا الحسن بن صالح بن حي، فإنه قال: لا يفطر إلا المأكول المعتاد ".
وقال أيضا (٣) : " من أكل البرد النازل من السماء أفطر، وبه قال جميع الفقهاء، وحكي عن أبي طلحة الأنصاري أنه كان يقول: لا يفطر ".
وقال الشيخ المفيد (٤) : " ومن ازدرد شيئًا مما لا يؤكل كالقطعة والحصاة والخرزة وما أشبه ذلك متعمدًا فقد أفسد صيامه، وعليه القضاء والكفارة ".
وقال السيد المرتضى في الناصريات (٥) : " ولا خلاف فيما يصل جوف الصائم من جهة فمه - إذا اعتمد - أنه يفطر مثل: الحصاة والخرزة وما لا يؤكل ولا يشرب. وإنما يخالف في ذلك الحسن بن صالح، وقال: إنه لا يفطر، وروي نحوه عن أبي طلحة، والإجماع متقدم ومتأخر عن هذا الخلاف، فسقط حكمه ".
وقال المحقق (٦) : " يجب مع القضاء الكفارة بسبعة أشياء: الأكل والشرب المعتاد وغيره ".
وقال العلامة (٧) : " يجب الإمساك عن الأكل والشرب - إلى أن قال: - ولا فرق بين المعتاد وغيره عند علمائنا، سواء تغذى به أم لا، وهو قول عامة أهل العلم ... إلخ ".
واختاره أيضاً في المختلف (٨) وقال الشهيد الأول: (٩) " كتاب الصوم: وهو توطين النفس على ترك الثمانية: الأكل والشرب المعتاد وغيره ... إلخ ".
واختاره أيضًا الشهيد الثاني في الروضة، والفاضل النراقي في مستند الشيعة، وصاحب الرياض (١٠) وصاحب الجواهر (١١) والمحقق الهمداني، وبالجملة لم نجد مخالفًا من الإمامية إلا ما ينسب إلى السيد المرتضى وابن الجنيد، والنسبة إلى السيد محل تأمل، ومال إليه الشيخ الأنصاري (١٢) من حيث الدليل، ثم قال: إن مقتضى الاحتياط اللازم وجوب الكف عنه.
стр. 16722
وأما فقهاء السنة:
ففي بداية المجتهد (١) : " وتحصيل مذهب مالك أنه يجب الإمساك عما يصل إلى الحلق، من أي المنافذ وصل، ومغذيا كان أو غير مغذ ".
وفي المغني (٢) : " وأجمع العلماء على الفطر بالأكل والشرب بما يُتغذى به، فأما ما لا يُتغذى به فعامة أهل العلم على أن الفطر يحصل به، وقال الحسن بن صالح: لا يفطر بما ليس بطعام ولا شراب. وحكي عن أبي طلحة الأنصاري أنه كان يأكل البرد في الصوم، ويقول: ليس بطعام ولا شراب ".
وفي الشرح الكبير (٣) : " فأما أكل ما لا يتغذى به فيحصل به الفطر في قول عامة أهل العلم، وقال الحسن ... إلخ ".
وغير ذلك كالفتاوي الهندية (٤) واللباب (٥) والمجموع (٦) والأم (٧) وكفاية الأخيار. (٨)
هذا وقد ذكرت الموسوعة الكويتية الشروط التالية (٩)
١- أن يكون الداخل إلى الجوف من المنافذ الواسعة أو المفتوحة كالفم والأذن.
٢- أن يكون بالاختيار.
٣ - أن يستقر في الجوف، كما هو عند الحنفية والمالكية، ولا يشترط أن يكون مغذياً.
هذه هي فتاوى الفقهاء.
وقد رأينا أن الشهرة العظيمة محققة على القول الأول، بل كاد أن يكون إجماعًا كما ادعِي.
стр. 16723
أدلة القول الأول (المفطرية) :
ويمكن أن يستدل له بأمور:
الدليل الأول:
الإطلاقات من الكتاب والسنة، كالآية الكريمة (١) وتقريب الاستدلال يتوقف على بيان أمرين:
١- أن الضابط في الأكل والشرب - كما أثبتناه - إيصال الشيء المأكول والمشروب إلى الجوف بالبلع من طريق الحلق، وإن لم يكن متعارَفًا. (٢)
٢- حذف المتعلق يدل على العموم كما ثبت في محله.
وحينئذ نقول: لما كان متعلق الأكل والشرب محذوفًا، نستنتج ممنوعية كل ما يكون متعلقا للأكل والشرب، يعني كل ما يصل إلى الجوف بالإرادة من طريق الحلق سواء أكان متعارفًا أم لا.
ويؤيد ما ذكرنا (٣) ما رواه الشيخ بإسناده عن الحسين بن سعيد، عن فضالة بن أيوب، عن العلاء، عن محمد بن مسلم، عن الإمام الصادق ﵇، أو الإمام الباقر ﵇ أنه سئل عن المرأة تكتحل وهي صائمة؟ فقال: إذا لم يكن كحلًا تجد له طعما في حلقها فلا بأس.
والرواية معتبرة لوثاقة جميع رواتها، ولا نطيل بالتفصيل، حيث يمكن أن يستفاد منها أن الضابط في الإضرار بالصوم الوصول إلى الحلق، وإن لم يكن مأكولًا (متعارفًا أكله) كما في الكحل غالبًا.
وقد يستشكل عليه بأمور:
الإيراد الأول: الانصراف: بيانه أن الأكل والشرب ينصرفان - من الذهن العرفي - عن غير المتعارف أكله وشربه، فلا تشمله الإطلاقات.
والجواب:
أولاً: أن الانصراف يحتاج إلى منشأ، ولا يمكن أن يكون هذا المنشأ غلبة وجود المتعارف، وإنما يكون منشأ الانصراف أنس الذهن، وهو يحصل بغلبة الاستعمال وغلبة الاستعمال البالغة حدًّا يوجب الانصراف غير محرزة، فلا وجه للانصراف.
وثانياً: أنه لو كان المنصرف إليه ما اعتاده غالب الناس - أي التعارف النوعي - فيلزم اختلاف المفطِّر مع اختلاف عادات الأغلبية باختلاف الأزمنة والأصقاع، وهو فاسد، وإن كان ما اعتاده كل مكلف بشخصه ففساده أظهر، بل يكون ضروريًّا؛ لاستلزامه عدم بطلان صوم من لا يعتاد أكل الخبز مثلا، ومن لا يعتاد شرب الشاي بأكل الخبز وشرب الشاي.
الإيراد الثاني: أن ما ذكرتم من دلالة حذف المتعلق على العموم صحيح مع تحقق عنوان المتعلق، وحذف المتعلق لا يتكفل لصدق عنوان المتعلق، والمشكلة هي عدم صدق عنوان الأكل والشرب، والجواب عنه قد اتضح من تقريب الاستدلال أن صدق العنوان محرز من الخارج.
الإيراد الثالث: لو سلم الإطلاق فلابد من تقييده بالنصوص الدالة على أن المفطِّر ما تعارف أكله وشربه، وهو الطعام والشراب.
والجواب عن هذه النصوص يأتي، إن شاء الله تعالى، عند التعرض لها دليلًًا للقول الثاني.
стр. 16724
الدليل الثاني:
ما ذكره أحد المحققين وهو: أن حقيقة الصوم إنما هو الإمساك، وهو غير صادق على من تناول غير المعتاد.
ويرد عليه: أن من الظاهر عدم كون حقيقة الإمساك بقول مطلق، بل الإمساك عن أشياء خاصة، والمخالف يقول بأن تناول غير المعتاد ليس من هذه الأشياء الخاصة.
الدليل الثالث:
الشهرة العظيمة المحققة، والإجماع المحكي عن جماعة من المحققين كالسيد المرتضى في الناصريات (١) والشيخ الطوسي في الخلاف (٢) وابن زهرة في الغنية، وابن أديس في السرائر (٣) والعلامة في المنتهى وغيرها، بل ادعي في الخلاف (٤) والناصرية إجماع جميع العلماء إلا النادر من المخالفين، وصرح الشيخ في الخلاف (٥) بإجماع المسلمين على مفطرية أكل البرد النازل من السماء، وأن المخالف قد انقرض.
وقد نقلنا سابقًا عبارة المغني لابن قدامة (٦) والشرح الكبير، حيث ذكرا اتفاق عامة أهل العلم إلا الحسن بن صالح، حيث قال: لا يفطر بما ليس بطعام ولا شراب. وأبا طلحة الأنصاري حيث يأكل البرد وهو صائم ويقول: ليس بطعام ولا شراب.
نعم يمكن أن يقال بعدم حجيته، لأنه محتمل المدرك بل مقطوعه، والإجماع المدركي ليس حجة لدى الإمامية.
ولكن الإنصاف أن هذه الإجماعات المدعاة بضميمة الشهرة المحققة مما توجب الاطمئنان بالحكم.
أدلة القول الثاني:
ويمكن أن يستدل له - بعد دعوى انصراف إطلاقات مفطرية الأكل والشرب عن غير المعتاد - بالروايات الدالة على عدم مفطرية غير المتعارف من المأكول والمشروب.
فيقيد بها إطلاقات الأكل والشرب على فرض تسليم إطلاقها,
منها ما ورد في حصر المفطرات، كصحيحة محمد بن مسلم، وهي ما رواه محمد بن الحسن بإسناده عن الحسين بن سعيد، وبإسناده عن محمد بن علي بن محبوب عن يعقوب بن يزيد، وبإسناده عن علي بن مهزيار جميعًا، عن ابن أبي عمير، عن حماد بن عثمان، عن محمد بن مسلم قال: سمعت أبا جعفر ﵇ يقول: " لا يضر الصائم ما صنع إذا اجتنب ثلاث خصال - في رواية محمد بن علي بن محبوب: أربع خصال - (٧) الطعام، والشرب، والنساء، والارتماس في الماء ". (٨)
وروى الصدوق بإسناده عن محمد بن مسلم مثله. (٩)
والرواية صحيحة كما هو واضح، ولا سبيل للخدش في سندها حتى يحتاج إلى البحث، كما هو واضح لمن راجع الأصول الرجالية لدى الإمامية.
стр. 16725
تقريب الاستدلال:
إن مقتضى حصر الإمام ﵇ ما يضر الصائم في هذه الأمور الأربعة أو الثلاثة؛ عدم إضرار غيرها كما هو واضح، ومن المعلوم أن ما ليس بمتعارف أكله وشربه لا يصدق عليه الطعام والشراب، فليس أحدها، فلا يضر الصائم، فلا يكون مفطرًا.
ومنها: ما ورد في دخول الذباب في الحلق وهي:
ما رواه (١) محمد بن يعقوب، عن علي بن إبراهيم، عن هارون بن مسلم، عن مسعدة بن صدقة، عن أبي عبد الله ﵇ عن آبائه ﵈: أن عليًّا ﵇ سئل عن الذباب يدخل حلق الصائم؛ قال: ليس عليه قضاء، لأنه ليس بطعام. (٢)
ورواه الشيخ (٣) بإسناده عن جعفر عن أبيه عن آبائهم ﵈ مع فرق اختلاف يسير.
والرواية معتبرة سندا لجلالة شأن محمد بن يعقوب وعلي بن إبراهيم كما هو واضح، وأما هارون بن مسلم فقد قال النجاشي في حقه: (٤) ثقة وجه. اهـ.
وجاء أيضًا في إسناد كامل الزيارات (٥)
وأما مسعدة بن صدقة فقد أورده ابن قولويه في إسناد كامل الزيارات (٦) فيشمله توثيقه العام - على المبنى - هذا طريق محمد بن يعقوب.
وأما طريق الشيخ إلى هارون بن مسلم فصحيح أيضًا.
ومنها بعض ما ورد في الاكتحال، وهي:
١- ما رواه محمد بن يعقوب (٧) عن عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد، عن علي بن الحكم، عن سليمان الفراء (سليم الفزاء كما في بعض النسخ وفي الوسائل أيضا) عن محمد بن مسلم، عن أبي جعفر ﵇ في الصائم يكتحل؛ قال: لا بأس به؛ ليس بطعام ولا شراب.
ورواه الشيخ في التهذيب (٨) عن محمد بن يعقوب مع اختلاف يسير.
ورواه أيضًا في الاستبصار (٩) عن أحمد بن محمد مع اختلاف يسير.
٢- ما رواه الشيخ (١٠) بإسناده عن الحسين بن سعيد، عن صفوان، عن الحسين بن أبي غندر، عن ابن أبي يعفور قال: سألت أبا عبد الله ﵇ عن الكحل للصائم، فقال: لا بأس به؛ إنه ليس بطعام يؤكل.
والرواية صحيحة بناء على التوثيق العام في كامل الزيارات.
وتقريب الاستدلال يتوقف على بيان مقدمة، وهي:
أنه قد ثبت في محله أنه إذا كان الاستدلال في ظاهر الدليل بالصغرى فتكون الكبرى مفروغًا عنها، كأن يقول الإمام: لا تصلِّ في هذا اللباس فإنه نجس، فيستفاد منه أن كل نجس لا تجوز الصلاة فيه، إذا عرفت هذا فنقول: إن قوله ﵇ في هذه الروايات: " لأنه ليس بطعام ولا شراب " , " إنه ليس بطعام يؤكل " تعليل لعدم وجوب القضاء وعدم البأس، وهو في الحقيقة الصغرى والكبرى وهي: " كل ما ليس بطعام ولا شراب لا بأس " , " كل ما ليس بطعام يؤكل لا بأس به " لا بد أن تكون مفروغًا عنها.
стр. 16726
فالمستفاد من هذه الروايات عدم مفطرية غير الطعام والشراب، فتقيد بها الإطلاقات الدالة على مفطرية الأكل والشرب، وإن كان المأكول والمشروب غير متعارف.
هذا غاية ما يمكن أن يقال في مقام الاستدلال للقول الثاني.
وقد أجيب عنه: أما عن الروايات الحاصرة فبوجوه:
الأول: الظاهر أن الحصر في الصحيحة إنما لوحظ بالقياس إلى سائر الأفعال الخارجية والأمور الصادرة من الصائم، دون ما للطعام والشراب من الخصوصية، وليست الصحيحة بصدد بيان المراد من الطعام والشراب وأنه مطلق المأكول والمشروب أم خصوص المعتاد منهما، فلا تدل على حصر المفطِّر في العادي.
ويشكل عليه: أن الحصر وإن كان إضافيًّا، ولكنه يستفاد منه - على أي حال - أن ما لم يكن من هذه الأمور المذكورة لا يضر الصائم، وحينئذ نقول: إن ما ليس بمتعارف لا يصدق عليه أحد هذه الأمور، يعني لا يصدق عليه الطعام والشراب، فلا يضر الصائم.
وبالجملة لا نريد أن نتمسك بإطلاق الطعام والشراب حتى يَرد عليه ما ذكر.
الثاني: أن كلمتي الطعام والشراب مجملتان؛ لإمكان أن يكون المراد منهما المعنى المصدري، أي الأكل والشرب - كما ذكر في القاموس - لا الذوات الخارجية، أي المطعوم والمشروب، فلا تصلح لتقييد المطلقات.
ويرد هذا بأنه: مضافًا إلى بعد هذا الاحتمال في نفسه، يبعده ما ورد في صحيحة ابن أبي يعفور من قوله ﵇: " إنه ليس بطعام يؤكل " حيث وصف الطعام بأنه يؤكل؛ وتوضيحه: أنه لو كان الطعام بمعنى الأكل لا يمكن أن يتصف بأنه يؤكل، فظهور الطعام في المطعوم ثابت.
الثالث: أن عموم الرواية الحاصرة يخصص بالأدلة الدالة على المفطرية.
توضيحه: أن الرواية الحاصرة أعم من أدلة الأكل والشرب مطلقًا؛ لأن مفادها عدم الإضرار وعدم مفطرية شيء في العالم سوى هذه الأربعة فتكون عامة، وأدلة الأكل والشرب خاصة، لاختصاصها بعنوان الأكل والشرب فقط - وإن كان لهذه الأدلة العموم أيضًا بالنسبة إلى أفراد- فيخصص بها.
стр. 16727
فإذن نستنتج: أن ما لا يكون من هذه الأربعة، ولم يصدق عليه الأكل لا يضر الصائم، فلم تقيد إطلاقات الأكل والشرب بالرواية الحاصرة، بل الأمر بالعكس.
الرابع: أنه لا يمكن العمل بها لمخالفتها للإجماع المحكي والشهرة العظيمة المحققة.
فالحق في الجواب هو الجواب الثالث والرابع.
وأما سائر الروايات (الطائفة الثانية) فقد أجيب عنها:
بأن المراد من الطعام هو الأكل (المعنى المصدري) دون المطعوم، والأكل يشمل المأكول المتعارف وغيره كما أثبتناه سابقًا.
والدليل على إرادة هذا المعنى في رواية الذباب أمر، وفي رواية الاكتحال أمر آخر، أما رواية الذباب؛ فهو أن مرجع الضمير في قوله: " لأنه ليس بطعام " هو الدخول، ولما كان الدخول غير اختياري، والأكل أمر اختياري فيمكن أن نقول: إن الدخول ليس بأكل ولا يصدق عليه الأكل. والشاهد عليه: قضاء الضرورة ببطلان صوم من أكل من الذباب كمية وافرة وبمقدار الشبع.
وفيه: أن قضاء الضرورة ببطلان هذا الصوم أمر، ودلالة الرواية أمر آخر، وعلينا أولًًا أن نلاحظ مفاد الرواية، وظاهرها هو الطعام بمعنى المطعوم، نعم لو كان هذا المفاد مخالفًًا للضرورة والإجماع المحكي المعتضد بالشهرة المحققة، فنرفع اليد عن الرواية.
وبعبارة أخرى: لو رفعنا اليد عن ظاهر الرواية بقضاء الضرورة؛ لم يكن الاستدلال استدلالًا بالسنة فقط.
стр. 16728
وأما روايات الاكتحال فالدليل على إرادة الأكل من الطعام هو: أنه لو كان الطعام فيها بمعنى المطعوم يلزم بطلان الصوم بالاكتحال بالمطعوم كالعسل وطحين الحنطة، مع وضوح عدم بطلان الصوم.
وفيه: أولًا ما أوردناه على سابقه.
وثانيًا: أن بعض روايات الاكتحال مذيلة بقوله: " إنه ليس بطعام يؤكل " كما نقلناها سابقًا، وقد قلنا: إن قوله: " يؤكل " يمنع عن كون الطعام بمعنى الأكل.
وهذا الأمر يبعد إرادة المعنى المصدري في رواية الذباب أيضًا.
والحق في الجواب هو الجواب الأخير عن الرواية الحاصرة وهو:
سقوط الاستدلال بها، لمخالفتها للإجماع المعتضد بالشهرة العظيمة المحققة، وشذوذ القول بالخلاف جدًّا على تقدير وجوده، وكذا الجواب الثالث وهو تخصيص الكبرى (وهو لا شيء بما ليس بطعام مفطر) بأدلة الأكل كما سبق.
هذا تمام الكلام في المقام الأول.
وخلاصة ما انتهينا إليه في هذا المقام بعون الله تعالى: أن الأكل والشرب يفطران الصائم سواء كان ما يصل الجوف مما يتعارف أكله وشربه أم لا.
وضابط الأكل والشرب: إيصال الشيء إلى الجوف من طريق الحلق بالبلع.
стр. 16729
المقام الثاني:
في إيصال الشيء - ولو كان متعارفًا - إلى الجوف من غير الطريق المتعارف، كالأنف والعين مثلًا.
والظاهر أن حكمه قد ظهر مما أسلفناه، وملخصه:
أنه إذا كان الإيصال إلى الجوف بالإرادة من طريق الحلق يصدق الأكل والشرب فيكون مفطرًا؛ لعمومية أدلة مفطرية الأكل والشرب وإطلاقها.
ويمكن أن يستدل للمفطرية بأمرين آخرين:
الأول: الصحيحة الحاصرة، وتقريبه: أن الطعام والشراب فيها مطلقان من حيث صدق الأكل والشرب وعدم صدقهما، وهذا يعني استفادة أن عدم الاجتناب عن الطعام والشراب يضر بالصوم سواء صدق الأكل والشرب أم لا.
وبعبارة أخرى: أنه يصدق على من أوصل الطعام إلى جوفه من أنفه مثلًا أنه لم يجتنب الطعام والشراب، فلابد من الاجتناب عنه أيضًا.
وفيه: أن المتفاهم عرفًا من الاجتناب عن الطعام والشراب: الاجتناب عن أكله وشربه، لا الاجتناب عن كل ما له مساس بالطعام والشراب، وهذا واضح؛ ضرورة أنه لو لم يكن كذلك يلزم الاجتناب المطلق عن الطعام والشراب، وعدم التصرف فيهما بأي نحو من أنحاء التصرف حتى البيع والشراء والنقل من مكان إلى مكان آخر، وهو باطل بالضرورة.
الثاني: إلغاء الخصوصية عن روايات الاحتقان، بأن يقال: إن ملاك الحكم بالمفطرية في الاحتقان دخول الشيء إلى الجوف من أي منفذ كان، ولا خصوصية للاحتقان، فيبطل الصوم بالوصول إلى الجوف من أي المنافذ.
وفيه: أنه لا دليل على هذا الإلغاء أصلًا، بل صرح في بعض الروايات بعدم البأس باستدخال الصائم الدواء، كما سيأتي.
هذا كله إذا كان الإيصال من طريق الحلق ولو من غير الفم.
وأما إذا كان من غير طريق الحلق أيضًا، فقد ظهر حكمه أيضًا وملخصه:
عدم صدق الأكل والشرب قطعًا، فلا تشمله أدلة مفطرية الأكل والشرب والطعام والشراب، فيدخل في العام المستفاد من الصحيحة الحاصرة عدم مفطرية جميع الأشياء سوى المحصورات، فلا يضر الصائم غيرها.
стр. 16730
تنبيه: يمكن أن يستدل هنا أيضًا للمفطرية بالدليلين الأخيرين.
هذا تمام الكلام في ضابط مفطرية الأكل والشراب (السؤال الأول) وملخصه:
١ - مفطرية إيصال الشيء إلى الجوف بالإرادة من طريق الحلق ولو لم يكن متعارفًا.
٢ - مفطرية إيصال الشيء إلى الجوف بالإرادة من غير طريق الفم إذا كان من الحلق.
٣ - عدم مفطرية ما لم يكن إيصاله من طريق الحلق إلا أن يكون عليه نص خاص.
نعم لما كان احتمال كون ملاك المفطرية في هذا المجال هو التغذي غير بعيد لابد من الاحتياط وجوبًا في ما كان كذلك.
الفرع الأول: ما يدخل من أحد السبيلين (القبل والدبر) كتنظيف الرحم والتحاميل، والحقن الشرجية وما شابه ذلك.
стр. 16731
هذا الفرع مشتمل على أمور نبحث عن كل منها مستقلًا، لأمر يتضح خلال البحث.
الأول: تنظيف الرحم.
الظاهر الجواز سواء كانت آلة التنظيف مصاحبة لمائع أو لا.
والدليل عليه: أننا لم نجد دليلًا على المنع، لعدم صدق الأكل والشرب عليه، فنرجع إلى مفهوم الحصر في الصحيحة الحاصرة ثم إلى الأصل، ولا تشمله أدلة حرمة الاحتقان، ولا يمكن إلغاء الخصوصية عنها كما سبق.
نعم يمكن أن يتوهم دلالة الرواية الواردة في استنقاع المرأة في الماء على عدم الجواز، إذا كانت هذه العملية مستلزمة لوصول الماء إلى داخل الرحم، توضيحه:
قد تعرض الفقهاء لمسألة جواز استنقاع المرأة في الماء وعدمه، فذهب المشهور إلى الجواز، ونسب إلى أبي الصلاح وجوب القضاء، وعن ابن البراج وجوب الكفارة أيضًا.
واستدل للمنع بموثقة حنان بن سدير التي رواها المشايخ الثلاثة (١) وهي:
ما عن محمد بن علي بن الحسين بإسناده عن حنان بن سدير، أنه سأل أبا عبد الله ﵇ عن الصائم يستنقع في الماء؟ قال: لا بأس ولكن لا ينغمس، والمرأة لا تستنقع في الماء لأنها تحمل الماء بقبلها. تقريب الاستدلال: أنه يستفاد من هذا التعليل - كما تقدم – ضابط كلي وهو ممنوعية حمل المرأة الماء بقبلها.
والرواية موثقة سندًا، ويمكن الجواب عنه بأمرين:
الأول: لو كان الاستنقاع للمرأة محرّمًا لبان وشاع.
الثاني: أن التعليل المذكور في الرواية يوجب حمل النهي على التنزيه والكراهة؛ لأن دخول الماء في القبل ليس من قواطع الصوم حتى عند أبي الصلاح وابن البراج، فلابد من حمله على التنزيه والكراهة.
стр. 16732
الثاني: التحاميل:
إن كان المراد منها تحميلة المهبل - أي فزرجة - فالظاهر الجواز، لعدم صدق العناوين الممنوعة عليه لا الأكل ولا الشرب ولا الاحتقان، فيرجع إلى عموم الحصر والأصل، وإن كان المراد منها تحميلة المستقيم - أي لبوس- فيمكن إدخاله في البحث عن الاحتقان بالجامد، فسيأتي حكمه إن شاء الله تعالى.
الثالث: الحقن الشرجية.
الظاهر أن المراد منها الاحتقان، المبحوث عنه عند الفقهاء.
فلابد من البحث عن الاحتقان، وهنا يقال: إن الحقنة على ضربين:
ا - الحقنة بالمايع.
٢ - الحقنة بالجامد.
فيقع الكلام في مقامين:
المقام الأول: الحقنة بالمايع.
ويقع البحث في هذا المقام في جهات ثلاث:
الجهة الأولى: في الحكم التكليفي.
لاخلاف ظاهرًا في حرمتها عند الإمامية، ولم ينقل الخلاف إلا من ابن الجنيد، حيث حكي عنه استحباب الاجتناب عنها، وذهب جماعة من فقهاء أهل السنة أيضًا إلى الحرمة (١)
والدليل عليه الروايات الشريفة:
١ - منها: صحيحة أحمد بن أبي نصر، وهي ما رواه الشيخ بإسناده عن الحسين بن سعيد، عن أحمد بن محمد بن أبي نصر، عن أبي الحسن ﵇: أنه سأله عن الرجل يحتقن تكون به العلة في شهر رمضان, فقال: الصائم لا يجوز أن يحتقن.
ورواه أيضًا الكليني والصدوق (٢)
والرواية صحيحة، والدلالة أيضًا تامة؛ فإن المتيقن من مفهوم الاحتقان: الاحتقان بالمائع.
٢ - ومنها: موثقة الحسن بن فضال، وهي ما رواه محمد بن يعقوب، عن أحمد بن محمد، عن علي بن الحسين (الحسن) ، عن محمد بن الحسين (الحسن) ، عن أبيه، قال: كتبت إلى أبي الحسن ﵇: ما تقول في اللطف يستدخله الإنسان وهو صائم؟ فكتب ﵇: لا بأس بالجامد (٣)
ورواها محمد بن الحسن بإسناده عن أحمد بن محمد، عن علي بن الحسن، عن أبيه إلا أن فيه في التلطف بالأشياف. (٤) والرواية معتبرة موثقة وإن كان فيها الحسن بن فضال لأنه ثقة، ودلالتها على عدم جواز الاحتقان بالمايع.
وهاتان الروايتان وإن دلتا على المفطرية كما سيأتي، ولكن تستفاد الحرمة بضميمة ما يدل على حرمة الإفطار واضحة.
إن قلت: هناك رواية تدل على الجواز، فتعارض ما دل على المنع، وهي ما رواه محمد بن يعقوب (٥) عن محمد بن يحيى، عن العمركي بن علي، عن علي بن جعفر، عن أخيه موسى بن جعفر ﵇ قال: سألته عن الرجل والمرأة هل يصلح لهما أن يستدخلا الدواء وهما صائمان؟ قال: لا بأس.
ورواه الشيخ بإسناده عن علي بن جعفر ﵇ (٦)
قلت: هذه الرواية مطلقة؛ لأن ترك الاستفصال عن السائل يدل على الشمول، وموثقة الحسن بن فضال مقيدة، فتحمل عليها، فتحصل: أن الاحتقان بالمائع محرم تكليفًا.
стр. 16733
الجهة الثانية: في الحكم الوضعي، أعني بطلان الصوم بالاحتقان بالمايع وعدمه، وفيه قولان:
الأول: عدم البطلان كما حكي عن جملة من كتب الشيخ، وعن ابن إدريس والمحقق في المعتبر، وقواه صاحب المدارك، وتردد فيه صاحب الشرايع، ويظهر من الموسوعة الكويتية أنه رأي غير مشهور عند المالكية. (١)
الثاني: البطلان كما حكي عن جماعة، وادعي عدم الخلاف فيه، واعتبرته الموسوعة الكويتية مذهب الجمهور، وهو مشهور مذهب المالكية ومنصوص خليل، وهو معلل بأنه يصل به الماء إلى الجوف من منفذ مفتوح، وبأن غير المعتاد كالمعتاد في الواصل، وبأنه أبلغ وأولى بوجوب القضاء من الاستعاط، استدراكًا للفريضة الفاسدة (٢)
والحق هو الثاني، لأنه ثبت عدم جوازه مباشرة في الجهة الأولى، وقد ذكر الأصوليون أن النهي في المركبات الخارجية إرشاد إلى الحكم الوضعي، فتثبت مفطرية الاحتقان بالمائع.
فإذن لا مجال للاستدلال على عدم البطلان بالرواية الحاصرة والأصل، لوجود الدليل على البطلان، فيخصص عموم مفهوم الحصر، ولا وجه للرجوع إلى الأصل مع وجود الدليل.
تنبيه: لا يخفى أنه لا فرق في مفطرية الحقنة بين الاختيار والاضطرار لمعالجة المرض لأمرين:
١ - ظاهر الصحيحة.
٢ - إطلاق الموثقة.
стр. 16734
الجهة الثالثة: في وجوب الكفارة بالاحتقان وعدمه.
الأقوى الوجوب، وحكي عليه الإجماع؛ لإطلاق ما دل على أن من أفطر متعمدًا فعليه كذا؛ فإنه يشمل الإفطار بالأكل والشرب وغيرها، والظاهر أنه لا منشأ لدعوى الانسباق (١) إلى الإفطار بالأكل والشرب فقط؛ كما يتضح بالرجوع إلى اللغة والاستعمالات، كما استعمل في الإفطار بالكذب على الله وعلى رسوله ﷺ . (٢) واستعمل أيضًا كثيرًا في مقابل الصوم.
هذا وذكرت الموسوعة الكويتية أن الكفارة لا تجب لعدم استكمال الجناية على الصوم صورة ومعنى، كما هو سبب الكفارة، واستدل المرغيناني وغيره للإفطار بالاحتقان وغيره كالاستعاط والإفطار بحديث عائشة: " إنما الإفطار مما دخل وليس مما خرج وقول ابن عباس: " الفطر مما دخل وليس مما يخرج ". (٣)
والحاصل: أن الحق مفطرية الاحتقان بالمائع وإيجابه الكفارة.
المقام الثاني: في الاحتقان بالجامد.
الحق عدم الحرمة كما نسب إلى المشهور لدى الإمامية.
وخالف جماعة من الإمامية فذهبوا إلى الحرمة، كما حكي التصريح به عن المحقق في المعتبر، والعلامة في المختلف، وصاحب المدارك، وذهب الشافعية والحنابلة إلى أن ما يدخل إلى الجوف من الدبر بالحقنة يفطر، لأنه واصل إلى الجوف باختياره فأشبه الأكل. (٤) وللحنفية تفصيل، وللمالكية أقوال.
والدليل على المختار أمور:
الأول: الروايات الخاصة:
الأولى: موثقة الحسن بن فضال المروية سابقًا (٥) حيث صرح فيها بعدم البأس بالجامد.
الثانية: صحيحة علي بن جعفر، وهي: ما رواه محمد بن يعقوب، عن محمد بن يحيى، عن العمركي بن علي، عن علي بن جعفر، عن أخيه موسى بن جعفر ﵇ قال: سألته عن الرجل والمرأة، هل يصلح لهما أن يستدخلا الدواء وهما صائمان؟ قال: لا بأس.
ورواه الشيخ بإسناده عن علي بن جعفر (٦) والرواية صحيحة بطريقيها، لجلالة شأن محمد بن يعقوب وشيخه محمد بن يحيى، وعلي بن جعفر لا يحتاج إلى التعرض، والعمركي بن علي أيضًا موثق كما وثقه النجاشي، وإسناد الشيخ إلى علي بن جعفر أيضًا صحيح.
стр. 16735
تقريب الاستدلال: أنها تدل على جواز الاحتقان بالجامد، إما بترك الاستفصال الدالة على العموم، وإما باختصاصها بالجامد بناء على تقييدها بما دل على عدم جواز الاحتقان بالمائع، كما مر آنفًا.
إن قلت: إنهما معارضتان بصحيحة أحمد بن محمد بن أبي نصر الدالة على عدم جواز الاحتقان للصائم، كما تقدم البحث عنه مفصلًا.
قلت:
أولًا: أن صحيحة أحمد بن محمد بن أبي نصر لا تشمل الاحتقان بالجامد؛ لمكان انصراف لفظة الاحتقان عن استدخال الجامد، وعدم صدقه عليه عرفًا.
وثانياً: على تقدير عدم إحراز الانصراف، لا أقل من الشك في صدق الاحتقان في الجامد، فلا تشمله الصحيحة؛ لأن التمسك بالعام والمطلق في الشبهة المصداقية ممنوع قطعًا.
وثالثاً: على تقدير شمول الصحيحة للاحتقان بالجامد، لابد من تقييده بالموثقة الدالة على عدم البأس بالجامد، كما سبق ذكرها.
الثاني: الحصر الوارد في بعض الروايات الدال على عدم البأس بغيرها؛ لأن الاحتقان بالجامد ليس أحدها.
الثالث: الأصل الذي نقحناه في المقدمة الرابعة.
فتحقق مما ذكرنا أن الحق عدم حرمة الاحتقان بالجامد.
ومما ذكر تبين حكم إدخال الرجل الدواء إلى باطنه من منفذ قبله.