هذا الفرع مشتمل على أمور نبحث عن كل منها مستقلًا، لأمر يتضح خلال البحث.
الأول: تنظيف الرحم.
الظاهر الجواز سواء كانت آلة التنظيف مصاحبة لمائع أو لا.
والدليل عليه: أننا لم نجد دليلًا على المنع، لعدم صدق الأكل والشرب عليه، فنرجع إلى مفهوم الحصر في الصحيحة الحاصرة ثم إلى الأصل، ولا تشمله أدلة حرمة الاحتقان، ولا يمكن إلغاء الخصوصية عنها كما سبق.
نعم يمكن أن يتوهم دلالة الرواية الواردة في استنقاع المرأة في الماء على عدم الجواز، إذا كانت هذه العملية مستلزمة لوصول الماء إلى داخل الرحم، توضيحه:
قد تعرض الفقهاء لمسألة جواز استنقاع المرأة في الماء وعدمه، فذهب المشهور إلى الجواز، ونسب إلى أبي الصلاح وجوب القضاء، وعن ابن البراج وجوب الكفارة أيضًا.
واستدل للمنع بموثقة حنان بن سدير التي رواها المشايخ الثلاثة (١) وهي:
ما عن محمد بن علي بن الحسين بإسناده عن حنان بن سدير، أنه سأل أبا عبد الله ﵇ عن الصائم يستنقع في الماء؟ قال: لا بأس ولكن لا ينغمس، والمرأة لا تستنقع في الماء لأنها تحمل الماء بقبلها. تقريب الاستدلال: أنه يستفاد من هذا التعليل - كما تقدم – ضابط كلي وهو ممنوعية حمل المرأة الماء بقبلها.
والرواية موثقة سندًا، ويمكن الجواب عنه بأمرين:
الأول: لو كان الاستنقاع للمرأة محرّمًا لبان وشاع.
الثاني: أن التعليل المذكور في الرواية يوجب حمل النهي على التنزيه والكراهة؛ لأن دخول الماء في القبل ليس من قواطع الصوم حتى عند أبي الصلاح وابن البراج، فلابد من حمله على التنزيه والكراهة.
стр. 16732
الثاني: التحاميل:
إن كان المراد منها تحميلة المهبل - أي فزرجة - فالظاهر الجواز، لعدم صدق العناوين الممنوعة عليه لا الأكل ولا الشرب ولا الاحتقان، فيرجع إلى عموم الحصر والأصل، وإن كان المراد منها تحميلة المستقيم - أي لبوس- فيمكن إدخاله في البحث عن الاحتقان بالجامد، فسيأتي حكمه إن شاء الله تعالى.
الثالث: الحقن الشرجية.
الظاهر أن المراد منها الاحتقان، المبحوث عنه عند الفقهاء.
فلابد من البحث عن الاحتقان، وهنا يقال: إن الحقنة على ضربين:
ا - الحقنة بالمايع.
٢ - الحقنة بالجامد.
فيقع الكلام في مقامين:
المقام الأول: الحقنة بالمايع.
ويقع البحث في هذا المقام في جهات ثلاث:
الجهة الأولى: في الحكم التكليفي.
لاخلاف ظاهرًا في حرمتها عند الإمامية، ولم ينقل الخلاف إلا من ابن الجنيد، حيث حكي عنه استحباب الاجتناب عنها، وذهب جماعة من فقهاء أهل السنة أيضًا إلى الحرمة (١)
والدليل عليه الروايات الشريفة:
١ - منها: صحيحة أحمد بن أبي نصر، وهي ما رواه الشيخ بإسناده عن الحسين بن سعيد، عن أحمد بن محمد بن أبي نصر، عن أبي الحسن ﵇: أنه سأله عن الرجل يحتقن تكون به العلة في شهر رمضان, فقال: الصائم لا يجوز أن يحتقن.
ورواه أيضًا الكليني والصدوق (٢)
والرواية صحيحة، والدلالة أيضًا تامة؛ فإن المتيقن من مفهوم الاحتقان: الاحتقان بالمائع.
٢ - ومنها: موثقة الحسن بن فضال، وهي ما رواه محمد بن يعقوب، عن أحمد بن محمد، عن علي بن الحسين (الحسن) ، عن محمد بن الحسين (الحسن) ، عن أبيه، قال: كتبت إلى أبي الحسن ﵇: ما تقول في اللطف يستدخله الإنسان وهو صائم؟ فكتب ﵇: لا بأس بالجامد (٣)
ورواها محمد بن الحسن بإسناده عن أحمد بن محمد، عن علي بن الحسن، عن أبيه إلا أن فيه في التلطف بالأشياف. (٤) والرواية معتبرة موثقة وإن كان فيها الحسن بن فضال لأنه ثقة، ودلالتها على عدم جواز الاحتقان بالمايع.
وهاتان الروايتان وإن دلتا على المفطرية كما سيأتي، ولكن تستفاد الحرمة بضميمة ما يدل على حرمة الإفطار واضحة.
إن قلت: هناك رواية تدل على الجواز، فتعارض ما دل على المنع، وهي ما رواه محمد بن يعقوب (٥) عن محمد بن يحيى، عن العمركي بن علي، عن علي بن جعفر، عن أخيه موسى بن جعفر ﵇ قال: سألته عن الرجل والمرأة هل يصلح لهما أن يستدخلا الدواء وهما صائمان؟ قال: لا بأس.
ورواه الشيخ بإسناده عن علي بن جعفر ﵇ (٦)
قلت: هذه الرواية مطلقة؛ لأن ترك الاستفصال عن السائل يدل على الشمول، وموثقة الحسن بن فضال مقيدة، فتحمل عليها، فتحصل: أن الاحتقان بالمائع محرم تكليفًا.
стр. 16733
الجهة الثانية: في الحكم الوضعي، أعني بطلان الصوم بالاحتقان بالمايع وعدمه، وفيه قولان:
الأول: عدم البطلان كما حكي عن جملة من كتب الشيخ، وعن ابن إدريس والمحقق في المعتبر، وقواه صاحب المدارك، وتردد فيه صاحب الشرايع، ويظهر من الموسوعة الكويتية أنه رأي غير مشهور عند المالكية. (١)
الثاني: البطلان كما حكي عن جماعة، وادعي عدم الخلاف فيه، واعتبرته الموسوعة الكويتية مذهب الجمهور، وهو مشهور مذهب المالكية ومنصوص خليل، وهو معلل بأنه يصل به الماء إلى الجوف من منفذ مفتوح، وبأن غير المعتاد كالمعتاد في الواصل، وبأنه أبلغ وأولى بوجوب القضاء من الاستعاط، استدراكًا للفريضة الفاسدة (٢)
والحق هو الثاني، لأنه ثبت عدم جوازه مباشرة في الجهة الأولى، وقد ذكر الأصوليون أن النهي في المركبات الخارجية إرشاد إلى الحكم الوضعي، فتثبت مفطرية الاحتقان بالمائع.
فإذن لا مجال للاستدلال على عدم البطلان بالرواية الحاصرة والأصل، لوجود الدليل على البطلان، فيخصص عموم مفهوم الحصر، ولا وجه للرجوع إلى الأصل مع وجود الدليل.
تنبيه: لا يخفى أنه لا فرق في مفطرية الحقنة بين الاختيار والاضطرار لمعالجة المرض لأمرين:
١ - ظاهر الصحيحة.
٢ - إطلاق الموثقة.
стр. 16734
الجهة الثالثة: في وجوب الكفارة بالاحتقان وعدمه.
الأقوى الوجوب، وحكي عليه الإجماع؛ لإطلاق ما دل على أن من أفطر متعمدًا فعليه كذا؛ فإنه يشمل الإفطار بالأكل والشرب وغيرها، والظاهر أنه لا منشأ لدعوى الانسباق (١) إلى الإفطار بالأكل والشرب فقط؛ كما يتضح بالرجوع إلى اللغة والاستعمالات، كما استعمل في الإفطار بالكذب على الله وعلى رسوله ﷺ . (٢) واستعمل أيضًا كثيرًا في مقابل الصوم.
هذا وذكرت الموسوعة الكويتية أن الكفارة لا تجب لعدم استكمال الجناية على الصوم صورة ومعنى، كما هو سبب الكفارة، واستدل المرغيناني وغيره للإفطار بالاحتقان وغيره كالاستعاط والإفطار بحديث عائشة: " إنما الإفطار مما دخل وليس مما خرج وقول ابن عباس: " الفطر مما دخل وليس مما يخرج ". (٣)
والحاصل: أن الحق مفطرية الاحتقان بالمائع وإيجابه الكفارة.
المقام الثاني: في الاحتقان بالجامد.
الحق عدم الحرمة كما نسب إلى المشهور لدى الإمامية.
وخالف جماعة من الإمامية فذهبوا إلى الحرمة، كما حكي التصريح به عن المحقق في المعتبر، والعلامة في المختلف، وصاحب المدارك، وذهب الشافعية والحنابلة إلى أن ما يدخل إلى الجوف من الدبر بالحقنة يفطر، لأنه واصل إلى الجوف باختياره فأشبه الأكل. (٤) وللحنفية تفصيل، وللمالكية أقوال.
والدليل على المختار أمور:
الأول: الروايات الخاصة:
الأولى: موثقة الحسن بن فضال المروية سابقًا (٥) حيث صرح فيها بعدم البأس بالجامد.
الثانية: صحيحة علي بن جعفر، وهي: ما رواه محمد بن يعقوب، عن محمد بن يحيى، عن العمركي بن علي، عن علي بن جعفر، عن أخيه موسى بن جعفر ﵇ قال: سألته عن الرجل والمرأة، هل يصلح لهما أن يستدخلا الدواء وهما صائمان؟ قال: لا بأس.
ورواه الشيخ بإسناده عن علي بن جعفر (٦) والرواية صحيحة بطريقيها، لجلالة شأن محمد بن يعقوب وشيخه محمد بن يحيى، وعلي بن جعفر لا يحتاج إلى التعرض، والعمركي بن علي أيضًا موثق كما وثقه النجاشي، وإسناد الشيخ إلى علي بن جعفر أيضًا صحيح.
стр. 16735
تقريب الاستدلال: أنها تدل على جواز الاحتقان بالجامد، إما بترك الاستفصال الدالة على العموم، وإما باختصاصها بالجامد بناء على تقييدها بما دل على عدم جواز الاحتقان بالمائع، كما مر آنفًا.
إن قلت: إنهما معارضتان بصحيحة أحمد بن محمد بن أبي نصر الدالة على عدم جواز الاحتقان للصائم، كما تقدم البحث عنه مفصلًا.
قلت:
أولًا: أن صحيحة أحمد بن محمد بن أبي نصر لا تشمل الاحتقان بالجامد؛ لمكان انصراف لفظة الاحتقان عن استدخال الجامد، وعدم صدقه عليه عرفًا.
وثانياً: على تقدير عدم إحراز الانصراف، لا أقل من الشك في صدق الاحتقان في الجامد، فلا تشمله الصحيحة؛ لأن التمسك بالعام والمطلق في الشبهة المصداقية ممنوع قطعًا.
وثالثاً: على تقدير شمول الصحيحة للاحتقان بالجامد، لابد من تقييده بالموثقة الدالة على عدم البأس بالجامد، كما سبق ذكرها.
الثاني: الحصر الوارد في بعض الروايات الدال على عدم البأس بغيرها؛ لأن الاحتقان بالجامد ليس أحدها.
الثالث: الأصل الذي نقحناه في المقدمة الرابعة.
فتحقق مما ذكرنا أن الحق عدم حرمة الاحتقان بالجامد.
ومما ذكر تبين حكم إدخال الرجل الدواء إلى باطنه من منفذ قبله.
стр. 16736
الفرع الثاني: ما يدخل الجسم عبر الجهاز التنفسي من الأدوية كالبخاخ للربو وكل ما يستنشق، ويتصور لهذا الفرع شقوق متعددة؛ لأن هذه الأدوية إما أن تصل إلى الجوف من طريق الحلق أيضًا أو لا، وأيضاً إما تحمل مواد كثيرة بحيث يصدق معها الأكل أو الشرب أو لا، فالشقوق أربعة.
والظاهر مفطرية الشق الثالث، لصدق الأكل أو الشرب، وأما سائر الشقوق ففيها وجهان:
الأول: عدم المفطرية، وهو الحق.
والدليل عليه أمور:
الأول: أن المفطرات محصورة في أمور ليس التداوي بهذه الصور الثلاث أحدها، لعدم صدق الأكل والشرب، فيدخل في عموم المستفاد من المفهوم، وهو عدم مفطرية غير المذكورات في الصحيحة.
الثاني: ما رواه الشيخ (١) بإسناده عن أحمد بن الحسن بن علي بن فضَّال، عن عمرو بن سعيد، عن الرضا ﵇ قال: سألته عن الصائم يتدخن بعود أو بغير ذلك، فتدخل الدخنة في حلقه؟ فقال: جائز لا بأس به. كلام حول السند:
عبر بعض الأعاظم عن الرواية بالموثقة: لأن عمرو بن سعيد ثقة كما وثقه النجاشي، وإن كان فطحيَّ المذهب، وكذا أحمد بن الحسن بن علي بن فضال ثقة، كما وثقه النجاشي والشيخ، وإن كان فطحيًّا على ما قيل، لعدم قدح اختلاف المذهب في قبول رواية الراوي لو كان ثقة. وإسناد الشيخ إلى أحمد بن الحسن بن علي بن فضال صحيح أيضًا.
ولكن الحق، أن صحة إسناد الشيخ إليه لا يجدي في تصحيح هذه الرواية؛ لأن إسناد الشيخ على ما صرح به نفسه إنما هو بالنسبة إلى كتابيه الصلاة والوضوء، ولا نعلم أنه نقل هذه الرواية منهما أم من كتبه الأخرى، فتسقط عن الاعتبار.
تقريب الاستدلال: أن المتفاهم منها عرفًا أن الوجه في الجواز مع فرض الدخول في الحلق هو عدم تحقق عنوان المفطر هنا، وهو الأكل والشرب المأخوذ في بعض الأدلة، والطعام والشراب المأخوذ في بعض آخر، وبهذا يسري الجواز إلى ما يشبه الدخنة إذا دخل الحلق، وبالأولوية يسري إلى ما لا يدخل في الحلق.
الثالث: الأصل.
стр. 16737
الوجه الثاني: ويمكن أن يستدل له بأمرين:
الأول: ما يستفاد من الأدلة الدالة على مفطرية الغبار من مفطرية كل ما يدخل الجوف غير الهواء الذي لابد منه.
ويرده: أنه حكم تعتدي، فيقتصر على مورده، ومما يدل على عدم كونه مفطرا من جهة كونه مصداقا للأكل ما ورد في بعض رواياتها، فإن ذلك له مفطر مثل الأكل والشرب والنكاح (١)
الثاني: استقرار سيرة المتشرعة على التحزز عن الدخان، فيسري حكمه إلى غيره.
والجواب واضح؛ لأن اتصال هذه السيرة إلى زمان المعصوم ﵇ غير محرز، بل محرز العدم، هذا أولًا.
وثانياً: لا وجه أصلًا لإسراء حكم المستفاد من السيرة الواجدة للشرائط في مورد إلى غير مورده وإن كان مشابهاً لها.
فتحصل أن الحق في المسألة الجواز.
الفرع الثالث: ما يكون استعماله مقصورًا على الفم من العلاج كالغرغرة وقلع السن.
يستفاد حكم هذا الفرع مما سبق، وأن الحق الجواز، إلا إذا أدخل الماء أو الدواء أو الدم إلى الجوف من طريق الحلق، أو علم بأن الغرغرة وقلع السن وما شابهما تلازم وصول الماء وغيره إلى الحلق، بل يمكن أن يقال بلزوم كفارة الجمع إذا أوصل الدم في قلع السن إلى جوفه من طريق الحلق، لصدق الإفطار بالمحرم.
فالحق أن قلع السن جائز، ولكن هناك رواية موثقة تدل على المنع وهي:
ما رواه محمد بن يعقوب (٢) عن محمد بن يحيى، عن محمد بن أحمد، عن أحمد بن الحسن، عن عمرو بن سعيد، عن مصدق بن صدقة، عن عمار بن موسى، عن أبي عبد الله ﵇ في الصائم ينزع ضرسه؛ قال: لا، ولا يدمي فاه، ولا يستاك بعود رطب.
ورواه محمد بن علي بن الحسين (٣) بإسناده عن عمار بن موسى الساباطي مثله إلى قوله: ولا يدمي فمه.
ودلالتها على عدم جواز نزع الضرس واضحة، ولا دليل على رفع اليد عن هذا الظهور، وإن قام دليل على إرادة الكراهة في الاستياك بالعود الرطب مثلًا، فلا يلزم منه رفع اليد عن ظهورها في الحرمة في نزع الضرس.
والسند أيضًا معتبر، وإن كان فيه الفطحيون لوثاقتهم.
فما العلاج؟ الظاهر أنه لا يمكن الاعتماد للإجماع على خلافها، ولعله لذا أفتى جماعة بالكراهة.
стр. 16738
الفرع الرابع: ما يكون محله البطن كإدخال المناظير للجوف، وأخذ عينة من الكبد وغيره، الظاهر أن ما كان منها يدخل المعدة من طريق الحلق إذا كان بحيث يصدق عليه الأكل فهو مفطر، خصوصًا إذا كانت تلك الآلة مستصحبة لشيء من الأدوية جاعلة لها في المعدة، وأما إذا لم يكن بحيث يصدق عليه الأكل فلا دليل على حرمتها، بل يدخل في العموم المستفاد من الحصر، فيحكم بالجواز مضافًا إلى الأصل.
نعم إذا كان إخراجه من المعدة إلى الخارج بإرادة من الصائم، بحيث يصدق عليه القيء فيدخل في عنوان القيء، وحينئذ يكون محكومًا بحكمه. وأما ما كان منها ما يدخل الباطن غير المعدة، أو من غير طريق الحلق فالظاهر الجواز مطلقًا، لعدم صدق الأكل والشرب والطعام والشراب، فيدل مفهوم الحصر ثم الأصل على جوازه.
الفرع الخامس: ما قد يصل إلى الجسم عبر الجلد كالحقن في الجلد والعضل، وأدوية يمتصها الجسم عبر الجلد، وما شاكل ذلك.
الظاهر: أنه لا بأس بها، لعدم صدق عنواني الأكل والشرب، فيدخل في مفهوم الحصر، فيحكم بالجواز مضافًا إلى الأصل.
نعم هناك أمر عام ننبه عليه آخر البحث إن شاء الله تعالى.
الفرع السادس: ما قد يصل إلى الجسم عبر الأوعية الدموية، مثل الأوردة والشرايين، كسحب الدم أو إدخاله (نقله) والفصد والحجامة.
هذا الفرع مشتمل على أمرين:
١- إدخال الدم بالآلات الحديثة.
٢ - إخراج الدم.
أما الأول: فالظاهر أنه غير مفطر لعدم صدق الأكل والشرب، فيدخل في مفهوم الحصر الدال على الجواز إلا أن يكون ذلك بحيث يصدق عليه التغذي، فيأتي فيه ما وعدنا ذكره آخر البحث.
وأما الثاني: فلا إشكال في الجواز، سواء أكان بالآلات الحديثة أو بالفصد، نعم يمكن أن يقال بالكراهة في بعضها، كما سيأتي تفصيله في البحث عن الحجامة.
стр. 16739
وأما الحجامة فالظاهر أنها ليست بمفطرة كما ادعي عليه الإجماع، وإنما ذهب جماعة إلى الكراهة، ولفقهاء السنة فيها أقوال ثلاثة:
١- القول بالمفطرية، ذهب إليه أحمد وداود والأوزاعي وإسحاق بن راهويه.
٢- القول بالكراهة، ذهب إليه مالك والشافعي والثوري.
٣- الإباحة، ذهب إليه أبو حنيفة وأصحابه. (١)
ولكن الحق عدم المفطرية، وأما الكراهة فيأتي الكلام فيها. والدليل على المختار قبل الإجماع أمور:
الأول: عموم المستفاد من الحصر.
الثاني: النصوص الخاصة:
١ - مثل ما رواه الشيخ (٢) بإسناده عن الحسين بن سعيد، عن حماد بن عيسى، عن عبد الله بن ميمون، عن أبي عبد الله، عن أبيه ﵉ قال: ثلاثة لا يفطرن الصائم: القيء، والاحتلام، والحجامة، وقد احتجم النبي ﷺ وهو صائم، وكان لا يرى بأسًا بالكحل وهو صائم. والرواية معتبرة لصحة إسناد الشيخ إلى الحسين بن سعيد، ووثاقة الحسين نفسه بتوثيق الشيخ، وحماد بن عيسى بتوثيق النجاشي والشيخ، وعبد الله بن ميمون بتوثيق النجاشي.
تنبيه: نقل صاحب الوسائل هذه الرواية في موارد متعددة (٣) عن الشيخ بإسناده عن الحسين بن سعيد، مع أن الموجود في التهذيب والاستبصار المطبوعين هو رواية الشيخ عن محمد بن يعقوب عن حماد بن عيسى، كما هو كذلك في جامع أحاديث الشيعة. (٤)
ولكن لا يخفى أنه لا يقدح ذلك في حجية الرواية، لصحة إسناد الشيخ إلى محمد بن يعقوب أيضًا.
٢ - وما رواه محمد بن يعقوب (٥) عن محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، وعن علي بن إبراهيم، عن أبيه جميعًا، عن ابن أبي عمير، عن حماد، عن الحلبي، عن أبي عبد الله ﵇ قال: سألته عن الصائم، أيحتجم؟ فقال: إني أتخوف عليه، أمَا يتخوف على نفسه؟ قلت: ماذا يتخوف عليه؟ قال: الغشيان أو تثور به مرة، قلت: أرأيت إن قوي على ذلك ولم يخش شيئا؟ قال: نعم إن شاء.
ورواه الشيخ (٦) بإسناده عن محمد بن يعقوب.
ورواه أيضًا الصدوق بإسناده عن الحلبي (٧)
والرواية معتبرة، كما يتضح بالرجوع إلى أصول الرجال.
٣ - وما رواه البخاري في الصحيح، قال: حدثنا أبو معمر، حدثنا عبد الوارث، حدثنا أيوب، عن عكرمة، عن ابن عباس ﵄ قال: احتجم النبي ﷺ وهو صائم (٨)
والرواية صحيحة على ما ذكره ابن رشد في بداية المجتهد. (٩)
стр. 16740
الثالث: الأصل
وأما الكراهة: فقد ذهب إليها جماعة.
والمستند في ذلك الروايات كما يتضح بالرجوع إلى الباب ٢٦ من أبواب ما يمسك عنه الصائم من الوسائل، ولا تحتاج إلى الذكر.
ولكن في النفس بالنسبة إلى الكراهة شيء، للتعليل الوارد في بعض الروايات بخشية الغشيان والخوف على النفس، فإنه ظاهر في الإرشاد إلى المفسدة، وليس حكما تعبديًّا حتى يستفاد منه الكراهة شرعًا.
نعم لا بأس بالقول بالكراهة بناء على تمامية قاعدة التسامح وجريانها في المكروهات.
وأما القول بالحرمة:
فاستدل له بما روي من طريق ثوبان ومن طريق رافع بن خديج أنه ﵊ قال: ((أفطر الحاجم والمحجوم)) .
قال ابن رشد (١) : وحديث ثوبان هذا كان يصححه أحمد.
وفي دلالتها - على تقدير صحة السند - ما لا يخفى، فإنا نعلم بعدم بطلان صوم الحاجم، فلابد من حمل الإفطار على معنى آخر.
كما رواه الصدوق (٢) عن أحمد بن الحسن القطان، عن أحمد بن محمد بن يحيى بن زكريا، عن بكر بن عبد الله بن حبيب، عن تيم بن بهلول، عن أبي معاوية، عن سليمان بن مهران، عن عباية بن ربعي - في حديث - قال: سألت ابن عباس عن معنى قول النبي ﷺ حين رأى من يحتجم في شهر رمضان: ((أفطر الحاجم والمحجوم)) ، فقال: إنما أفطرا لأنهما تسابا وكذبا في سبهما على النبي ﷺ ، لا للحجامة، هذا أولًا.
وثانياً: أنها معارضة بما يدل على الجواز، فإن رجحنا الروايات الدالة على الجواز بموافقتها لعمومات الكتاب فهو، وإلا فلابد أن نرجع بعد تساقطها إلى العموم المستفاد من الحصر ثم إلى الأصل.
فلا وجه للقول بالحرمة قطعًا.
ولابن قدامة (٣) في الدفاع عن القول بالحرمة كلام حول حديث ((أفطر الحاجم والمحجوم)) لا يخلو من مناقشات، فراجع.
стр. 16741
الفرع السابع: ما يكون استعماله بالتقطير في العين أو الأنف أو الأذن.
والتحقيق: أنه إن وصل الدواء إلى الجوف من طريق الحلق بحيث يصدق الشرب فيكون مفطرًا، سواء أكان وروده من الأنف أم الأذن أم العين، وإن كان قد وصل الدواء إلى الجوف من غير طريق الحلق فهو مشكل.
وذهب إليه الشافعي ومالك (١)
والدليل عليه: أمران:
الأول: إطلاقات مفطرية الأكل والشرب، للضابط الذي أثبتناه سابقًا.
الثاني: مفهوم رواية علي بن جعفر الآتية.
: وإن لم يصل إلى الجوف من طريق الحلق فلا يكون مفطرًا.
ويستفاد من كلام ابن قدامة (٢) نقلًا عن الشافعي المفطرية، حيث قال: أو ما يدخل من الآذان إلى الدماغ، أو ما يدخل إلى الجوف من الدبر بالحقنة، أو ما يصل من مداواة الجائفة إلى جوفه، أو من دواء المأمومة إلى دماغه، فهذا كله يفطره، لأنه واصل إلى جوفه باختياره، فأشبه الأكل، وكذلك لو جرح نفسه أو جرحه غيره باختياره فوصل إلى جوفه، سواء استقر في جوفه أو عاد فخرج منه، وبهذا كفه قال الشافعي.
ويدل على ما اخترناه أمور:
الأول: العموم المستفاد من الحصر كما سبق توضيحه.
الثاني: النصوص الخاصة:
منها: ما رواه علي بن جعفر في كتابه عن أخيه موسى بن جعفر ﵇ قال: سألته عن الصائم: هل يصلح له أن يصب في أذنه الدهن؟ قال: إذا لم يدخل حلقه فلا بأس. (٣)
ومنها: ما رواه محمد بن يعقوب، بإسناده عن الحسين بن سعيد، عن ابن أبي عمير، عن حماد بن عثمان قال: سأل ابن أبي يعفور أبا عبد الله ﵇ أنا أسمع -: عن الصائم يصب الدواء في أذنه؟ قال: نعم.
وهي تدل على الجواز إذا لم يدخل الحلق، إما بالإطلاق المستفاد من ترك الاستفصال، أو باختصاصها بما إذا لم يدخل الحلق بناء على تقييدها بالمفهوم المستفاد من رواية علي بن جعفر (٤)
стр. 16742
الثالث: الأصل:
وأما ما ذهب إليه الإمام الشافعي وما استند إليه فيظهر الخدش فيها مما ذكرناه هنا وما ذكرناه سابقًا، فقد استدل له: بأنه واصل إلى جوفه باختياره فأشبه الأكل، ولكن ما الدليل على مفطرية ما شابه الأكل؟
الفرعين الثامن والتاسع: التداوي بالحقن (الإبر) في العضل أو الأَلية أو الأوردة وحقن الحقن الغذائية, قد تبين حكمها مما ذكرناه سابقًا وأن التحقيق عدم كونها مفطرة.
لكن هنا كلام وهو:
أنه لما كان من المحتمل كون مفطرية الأكل والشرب من جهة التغذي، وأن التغذي هو المفطر واقعًا، وإن لم يؤخذ في الأدلة موضوعًا، فلابد من الاحتياط وجوبًا في التداوي بما يصدق عليه التغذي كالحقن الغذائية بأقسامها، وضخ الدم إذا صدق عليه عنوان التغذي.
وكذلك لابد من الاحتياط وجوبًا في بلع ما ليس بمأكول ولا مشروب كالحديدة، إذ لا يصدق عليه التغذي وإن كان يصدق عليه أكل الحديدة, وهذا الأمر هو الذي أشرنا إليه في بعض الفروع السابقة، ووعدنا التنبيه عليه.
стр. 16743
المجال الثاني - ضابط الإفطار في مجال الحالات المرضية:
يقع البحث هنا في مجالات عديدة أهمها:
الأول: في أقسام المرض وما يترتب عليها من أحكام (وجوب الإفطار أو جوازه أو حرمته) والضابط فيها.
الثاني: في ضابط تشخيص المرض، وهل هو اليقين به أو الظن به أو احتماله.
الثالث: في تبعات الإفطار من فدية وقضاء وغيرها.
وسوف لن نتحدث عن البحث الثالث فله مجاله، وإنما سنقصر بحثنا على المجالين (الأول والثاني) لأنهما محل التساؤل هنا.
البحث الأول: حول أقسام المرض وما يترتب عليها من أحكام:
من خلال ملاحظة النصوص وأقوال الفقهاء يتبين لنا أن المعيار في التقسيم هو مدى الضرر والحرج الذي يلحق بالمكلف جراء قيامه بالصوم، والضرر والحرج منفيان بالنصوص إما بعنوانيهما - كما هو واضح - أو بعنوان المرض أو الشيخوخة أو الحمل أو الإرضاع أو العطش أو غيرها، وبطبيعة الحال فإن الأحكام وتبعاتها تتفاوت بتفاوت مقادير الضرر بما ينسجم وقاعدة اليسر في الشريعة الإسلامية، وهذا ما نلحظه فيما يلي:
قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٨٣) أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١٨٤) شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآَنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٨٥) ﴾ [البقرة: ١٨٣- ١٨٥]
فالمرض والسفر يعرضان على الإنسان فيسقط عنه الحكم، وعليه أن يقضي في أيام أخر تحقيقًا لليسر الإسلاميّ، ولكن هناك فئة يمكنها أن تفعل ذلك بمشقة، ومع ذلك فقد رخص لها الترك على تفصيل.
стр. 16744
بعض الروايات الواردة: عن أبي عبد الله الصادق قال: اشتكت أم سلمة رحمها الله عينها في شهر رمضان، فأمرها رسول الله ﷺ أن تفطر وقال: ((عشا الليل لعينك ردي)) (١)
قال محمد بن مسلم: سمعت أبا جعفر (يعني الباقر ﵇ يقول: الشيخ الكبير والذي به العطاش لا حرج عليهما أن يفطرا شهر رمضان، ويتصدق كل واحد منهما في كل يوم بمدٍّ من طعام، ولا قضاء عليهما، وإن لم يقدرا فلا شيء عليهما. (٢)
وعن رفاعة عن أبي عبد الله (يعني الصادق ﵇ في قوله : ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ قال: المرأة تخاف على ولدها والشيخ الكبير (٣)
وعن عمار عن أبي عبد الله ﵇ في الرجل يصيبه العطاش حتى يخاف على نفسه, قال: يشرب بقدر ما يمسك رمقه، ولا يشرب حتى يروى. (٤)
وعن محمد بن مسلم قال: سمعت أبا جعفر ﵇ يقول: الحامل المقرب والمرضع القليلة اللبن لا حرج عليهما أن تفطرا في شهر رمضان، لأنهما لا تطيقان الصوم، وعليهما أن تصدق كل واحدة منهما في كل يوم تفطر فيه بمد من طعام، وعليهما قضاء كل يوم أفطرتا فيه تقضيانه بعد. (٥)
وعن الوليد بن صبيح قال: حممت بالمدينة يومًا من شهر رمضان، فبعث إلي أبو عبد الله بقصعة فيها خل وزيت، وقال: أفطر، وصلِّ وأنت قاعد. (٦)
وعن حريز عن أبي عبد الله ﵇ قال: الصائم إذا خاف على عينيه من الرمد أفطر (٧)
وعن بكر بن محمد الأزدي قال: سأله (يعني الصادق ﵇ أي عن حد المرض الذي يترك الإنسان فيه الصوم، قال: إذا لم يستطع أن يتسحر. (٨)
وروى الصدوق عنه ﵇ قوله: كل ما أضر به الصوم فالإفطار له واجب. (٩)
وعن محمد بن مسلم قال: قلت لأبي عبد الله: ما حد المريض إذا نقه في الصيام؟ فقال: ذلك إليه , هو أعلم بنفسه إذا قوي فليصم. (١٠)
وعن علي بن جعفر، عن أخيه موسى بن جعفر ﵇ قال: كل شيء من المرض أضر به الصوم فهو يسعه ترك الصوم.
جاء في الموسوعة الكويتية: فالمريض الذي يخاف زيادة مرضه بالصوم أو إبطاء البرء أو فساد عضو؛ له أن يفطر، بل يسن فطره ويكره إتمامه، لأنه قد يفضي إلى الهلاك فيجب الاحتراز عنه. (١١)
ونقلت عن الحنفية قولهم: إذا خاف الصحيح المرض بغلبة الظن فله الفطر، فإن خافه بمجرد الوهم فليس له الفطر.
стр. 16745
وعن المالكية: إذا خاف حصول أصل المرض بصومه فإنه لا يجوز له الفطر على المشهور؛ إذ لعله لا ينزل به المرض إذا صام، وقيل: يجوز له الفطر.
فإن خاف كل من المريض والصحيح الهلاك على نفسه بصومه وجب الفطر، ولذا لو خاف أذى شديدًا كتعطيل منفعة من سمع أو بصر أو غيرهما وجب الفطر؛ لأن حفظ النفس والمنافع واجب، وهذا بخلاف الجهد الشديد فإنه يبيح الفطر للمريض، قيل: والصحيح أيضًا.
وقال الشافعية: إن المريض - وإن تعدى بفعل ما أمرضه - يباح له ترك الصوم، إذا وجد به ضررًا شديدًا، لكنهم شرطوا لجواز فطره نية الترخص - كما قال الرملي واعتمد -: وفرقوا بين المرض المطبق، وبين المرض المتقطع (من حيث النية في الليل) ...
ولخص ابن جزي من المالكية أحوال المريض بالنسبة إلى الصوم وقال: للمريض أحوال:
الأولى: أن لا يقدر على الصوم أو يخاف الهلاك من المرض أو الضعف إن صام، فالفطر عليه واجب.
الثانية: أن يقدر على الصوم بمشقة، فالفطر له جائز، وقال ابن العزي: مستحب.
الثالثة: أن يقدر بمشقة ويخاف زيادة المرض، ففي وجوب فطره قولان.
الرابعة: أن لا يشق عليه ولا يخاف زيادة المرض، فلا يفطر عند الجمهور، خلافًا لابن سيرين. (١)
وعن الحامل والمرضعة اتفق الفقهاء على جواز الفطر إن خافتا على أنفسهما أو على ولدهما المرض أو زيادته أو الضرر أو الهلاك.
ولا خلاف بينهم في جواز إفطار من أرهقه جوع مفرط أو عطش شديد، وكذلك من يخاف الضعف عند لقاء العدو.
وتصريحات الإمامية تقرب من هذه الفتاوى.
فقد ذكر الشيخ المفيد من متقدميهم في المقنعة: " والشيخ الكبير والمرأة الكبيرة إذا لم يطيقا الصيام وعجزا عنه فقد سقط عنهما فرضه ووسعهما الإفطار، ولا كفارة عليهما، وإذا أطاقاه بمشقة عظيمة وكان يمرضهما إذا فعلاه أو يضرهما ضررا بينًا وسعهما الإفطار، وعليهما أن يكفرا عن كل يوم بمد من طعام ".
ثم حدَّ المرض قائلاً: " إذا عرض للإنسان مرض فكان الصوم يزيد فيه زيادة بينة وجب عليه الإفطار، فإن كان يزيد عليه يسيرًا أو لا يزيد فيه فعليه التمام ". (٢)
стр. 16746
وكذلك نجد السيد المرتضى يحد المرض بأنه " الذي يخشى أن يزيد فيه الصوم زيادة بينة ". (١)
وكذا نجد الشيخ الطوسي يقول في النهاية: " وحد المرض إذا علم الإنسان من نفسه أنه إن صام زاد ذلك في مرضه أو أضر به، وسواء الحكم في الجسم، أو يكون رمدًا أو وجع الأضراس فإنه عند جميع ذلك يجب الإفطار مع الخوف من الضرر ".
وإذا انتقلنا إلى المتأخرين من الإمامية نجد هذه المعايير تتكرر بشيء من التفصيل والاستدلال.
يقول صاحب الجواهر: " لا خلاف ولا إشكال في أنه يصح الصوم من المريض ما لم يستضر به، لإطلاق الأدلة السالم عن معارضة إطلاق ما دل على الإفطار للمريض من الآية والرواية، بعد معلومية كون المراد منه خصوص المتضرر به منه نصًّا وفتوى لا مطلق المرض، وعلى ذلك ينزل خبر عقبة بن خالد عن الصادق ﵇: " في رجل صام وهو مريض قال: يتم صومه ولا يعيد، يجزيه , ضرورة عدم جواز الصوم للمريض الذي يتضرر بالصوم بزيادة مرضه أو بطء برئه أو حدوث مرضي آخر أو مشقة لا تتحمل أو نحو ذلك، وأنه إذا تكلفه مع ذلك لم يجزه، بل كان آثمًا بلا خلاف أجده فيه ". (٢)
وبعد بحث عن مدى تشخيص الضرر يقول: " وكيف كان فقد ظهر لك أن المدار في الإفطار على خوف الضرر من غير فرق بين المريض والصحيح في ذلك؛ لإطلاق قوله ﵇: " كل ما أضر به الصوم فالإفطار له واجب ". ولأنه المناسب لمقتضى سهولة الملة وسماحتها وإرادة الله اليسر بالناس دون العسر، ولظهور النصوص في أن المبيح للفطر في المريض الضرر، فلا يتفاوت بين الصحيح والمريض معه ". (٣)
وذكر المرحوم السيد كاظم اليزدي في (العروة الوثقى) أن من شرائط صحة الصوم: عدم المرض أو الرمد الذي يضره الصوم لإيجابه شدته، أو طول برئه، أو شدة ألمه أو نحو ذلك، ثم ذكر أنه لا يكفي الضعف وإن كان مفرطًا ما دام يُتحمل عادة، نعم لو كان مما لا يتحمل عادة جاز الإفطار، وهذا ما أيده المرحوم السيد الحكيم مستدلًا له في (مستمسكه) . (٤)
стр. 16747
النتيجة:
من كل ما رأيناه نستطيع أن نصل إلى النتيجة التالية:
أن المعيار في الأمر هو الضرر الذي يصيب المكلف من الصوم لا غير، لأنه المستفاد من الآية بالظهور العرفي وهو ما أكدته الروايات، وقد رأينا الإمام الصادق ﵇ يعطي هذه القاعدة: "كل ما أضر به الصوم فالإفطار له واجب" مستفيدًا ذلك من ظهور الآية الشريفة، كما رأينا الفقهاء يفهمون ذلك أيضًا بملاحظة ما ذكرته الآية من أن الله تعالى يريد بنا اليسر ولا يريد بنا العسر.
يبقى أن نذكر أن الضرر ينقسم إلى أقسام، فيتفاوت الحكم معها، فهناك:
أولًا: الأثر اليسير الذي يتحمل عادة بل قد لا يعتبر في نظر العرف ضررًا - كالضعف مثلًا - وحينئذ يبقى المكلف معه مشمولا لإطلاقات أدلة التكليف بالصوم، ولا يمكن تخصيصها بهذه الأدلة.
وهناك ثانيًا: الفعل الذي يشكل مجرد مشقة يصعب تحملها عادة، وهذا يبيح الإفطار بمقتضى ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ﴾ [البقرة: ١٨٤] مع جواز الصيام كما تدل عليه الأدلة.
وأخيرًا نجد ثالثًا: الضرر العرفي، وفي هذه الحالة يأثم الإنسان مع الإتيان به، ويتوقف فساد العبادة على نتيجة البحث عن اقتضاء النهي فساد العبادة أم لا، وهو بحث أصولي لا محل له هنا.
البحث الثاني: في ضابط تشخيص المرض أو (الضرر) .
لا ريب في أن تشخيص الضرر باليقين يترك الأثر المطلوب، وكذلك التشخيص بالظن، لأنه المفهوم العرفي من الأدلة، ولكن وقع البحث في مجرد احتمال الضرر الموجب ما للخوف، وهل يبيح الإفطار أو يحرمه أم لا؟
ونقطة التشكيك تنبع من:
التشكيك في صدق الخوف من الضرر (الوارد في الروايات) مع مجرد احتماله، وهو مرفوض على الظاهر، فإن الخوف حاصل بمجرد احتمال الضرر احتمالا عرفيًّا، وعندما يصدق الخوف يمكن التمسك برواياته.
ويمكن أن يقال: إن أدلة نفي الضرر والحرج ورفع التكليف عن المريض باعتبار ضرره إنما تحمل ظاهرًا على الاحتمالات العرفية، والمفروض أنها متوفرة في البين.
ومن هنا يعلم أن الاحتمال إن لم يكن عرفيا لا قيمة له.
وقد رأينا أن الروايات أوكلت الأمر إلى المكلف نفسه وجعلته المعيار في الأمر، بتعبيرات من قبيل: "هو مؤتمن عليه مفوض إليه" أو: "ذلك إليه، هو أعلم بنفسه" فهو يتصرف بذهنه العرفي، ويشخص الموضوع بما يحقق له المجوز للإفطار.
* * *
стр. 16748
خلاصة البحث
انقسم البحث كما هو مقرر إلى مجالين:
المجال الأول: ضابط المفطرات في مجال التداوي.
وقد ذكرنا مقدمات قبل تحقيق الضابط هذا، وهي:
أ- بعض النصوص الدالة على مفطرية الأكل والشرب، وهي توكل الأمر بطبيعة الحال إلى اللغة والعرف.
ب - حقيقتهما لدى اللغويين والعرف.
ج - تحقيق معنى الصيام في اللغة وأقوال الفقهاء.
د - الحديث عن الأصل الذي نرجع إليه عند الشك.
وبعد ذلك دخلنا في صميم الموضوع وهو تعيين الضابط من خلال البحث في مقامين:
الأول: في مفطرية إيصال ما ليس بمتعارف إلى الجوف من طريق الحلق، وبعد استعراض أقوال العلماء واستدلالاتهم وصلنا إلى النتيجة التالية:
١- أن الأكل والشرب يفطران الصائم سواء كان ما يصل الجوف مما يتعارف أكله وشربه أم لا.
٢ - أن ضابط الأكل والشرب هو إيصال الشيء إلى الجوف بالإرادة من طريق الحلق.
الثاني: في مفطرية إيصال الشيء - ولو كان متعارفًا - إلى الجوف من غير الطريق المتعارف كالأنف والعين، وتوصلنا لما يلي:
١ - إذا كان الإيصال إلى الجوف بالإرادة من طريق الحلق يصدق الأكل والشرب، فيكون مفطرًا.
٢ - أما إذا كان من غير طريق الحلق فلا يصدق العنوانان عليه، وفرَّعنا على هذه النتائج فروعًا هي:
الأول: ما يدخل من أحد السبيلين (القبل والدبر) . ورأينا أنه لا مانع من عملية تنظيف الرحم، حتى ولو كانت مصاحبة لمائع، وكذلك بالنسبة للتحاميل.
أما الحقن الشرجية فقد رأينا أن الحقنة بالمائع محرمة تكليفًا، أما بطلان الصوم بها، فرغم الاختلاف فيها رجحنا مسألة البطلان ووجوب الكفارة، خلافًا لما ذكرته الموسوعة الكويتية.
وفي حال كون الاحتقان بالجامد فقد رأينا أنه أمر غير محرم.
الثاني: ما يدخل إلى الجسم عبر الجهاز التنفسي من الأدوية، فقد رأينا:
أ- أن هذه الأدوية إن دخلت إلى الجوف عن طريق الحلق وحملت معها مواد يصدق عليها عنوان الأكل والشرب فهي مفطرة.
٢ - وفيما عدا ذلك استقر الرأي على الجواز.
стр. 16749
الثالث: ما يكون استعماله مقصورًا على الفم من العلاج كالغرغرة وقلع السن، وحكمه الجواز ما لم يصل إلى الجوف.
الرابع: ما يكون محله البطن كإدخال المناظير إلى الجوف، والظاهر أنها لا تفطر إلا إذا حملت معها أدوية إلى المعدة، أو أخرجت شيئًا يصدق عليه القيء.
الخامس: عدم المانع من ما يصل إلى الجسم عبر الجلد.
السادس: ما قد يصل إلى الجسم عبر الأوعية الدموية، وفيه صورتان:
إخراص الدم، وإدخال دم إضافي.
أما الإخراج فلم نر أنه مفطر، وأما إدخال الدم أو الحقن بالإبر للمغذي وغيره فلم نر منه مانعًا، إلا أننا أكدنا على الاحتياط وجوبًا إذا كان يصدق عليه عنوان التغذية.
السابع: ما يكون استعماله بالتقطير في العين أو الأنف أو الأذن.
فإذا دخل إلى الجوف عن طريق الحلق كان مفطرًا، أما إذا دخل إلى الجوف من غير طريق الحلق فقد تم التوقف فيه.
هذا كله في المجال الأول.
المجال الثاني - ضابط الإفطار في الحالات المرضية:
وقد تحدثنا فيه عبر مقامين:
الأول: في أقسام المرض وما يترتب عليها من أحكام، ورأينا أن الضابط هو: الضرر الذي يصيب الإنسان من الصوم لا غير، عبر قاعدة ذكرها الإمام الصادق ﵇ بقوله: " كل ما أضرَّ به الصوم فالإفطار له واجب ". وقسمنا آثار الصوم إلى ثلاثة:
ا - الأثر اليسير الذي يتحمل عادة كالضعف ويجب معه الصوم.
٢ - المشقة التي يصعب تحملها عادة، وهي تبيح الإفطار.
٣ - الضرر العرفي، وهو يوجب الإفطار ويأثم الإنسان لو ارتكبه، ويتوقف فساد العبادة المنهي عنها على البحث الأصولي هنا.
الثاني: أن ضابط تشخيص المرض هو اليقين والظن وحتى الاحتمال، شريطة أن يكون الاحتمال عرفيًا.
والله أعلم.
محمد علي التسخيري
стр. 16750
المفطرات
إعداد
الدكتور عبد الله محمد عبد الله
المستشار بمحكمة التمييز الكويتية سابقًا
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
المفطرات
توطئة ومدخل:
فرض الله على المسلمين أن يصوموا شهر رمضان في آيات بينات من كتابه العزيز، فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٨٣) أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١٨٤) شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآَنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٨٥) ﴾ . [البقرة: ١٨٣-١٨٥]
والمتأمل في هذه الآيات الكريمة يخرج بحصيلة نافعة من الفوائد، فقد مهد الله أن لهذه الفريضة تفضلًا منه وتطييبًا للنفوس وترغيبًا لها، بأن الصوم قد فرض - على جميع الأمم من لدن آدم إلى خاتم النبيين، وقرن ذلك بذكر الحكمة من إيجابه، فقال: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ وتقوى القلوب مطلب عزيز، فإنها رأس الحكمة ومشكاة الحياة الفاضلة وينبوع الإشراقات الإلهية، ومطمئن النفوس البشرية، من وصل إليها فقد وصل إلى أصل كل خير، وسبب كل نعمة مادية وأدبية، فإذا كان الصوم من العوامل التي تؤدي إلى هذه الفضيلة السامية وهي التقوى وجب أن يعنى المؤمنون بشأنه، وأن يهتموا بأمره، وأن يقوموا بحقه، ويؤدوه على وجهه. أمَّا أن الصوم كان مفروضًا على جميع الأمم، فقد أظهرته البحوث الاستقرائية للأديان في هذه العصور المتأخرة، وقد كان الناس عند نزول القرآن لا يعرفون من تاريخ العالم إلا ما كان بينهم وبينه اتصال، وكانت أكثر أقطار الأرض مجهولة لديهم، فتصريح القرآن بأن الصيام كان مفروضًا على الأمم السابقة كافة فيه إعجاز علمي ظاهر ليس يخفى على أحد. فالمصريون القدماء والصينيون والهنود يعتبرون من أقدم الأمم وجودًا، كانوا يصومون في جميع أعيادهم، وكان الصينيون يقومون بالصيام تعبدًا ويوجبونه على أنفسهم تحفظًا من شرور الفتن، وقد علم أن البراهمة كانوا ولا يزالون من أشد الأمم مراعاة للصيام.
أما اليونانيون القدماء والرومانيون فقد كانوا كغيرهم يعتدون بأمر الصيام ويأتونه دفعًا للنكبات الاجتماعية.
стр. 16751
تخفيف الإسلام للشدة المتوقعة من الصوم:
إن من الناس من يتفق أن يكون مريضًا في شهر رمضان أو أن يكون على سفر، والسفر قطعة من العذاب، ومن الناس من يكون شيخا كبيرًا طاعنًا في السن هرمًا يضره الإمساك عن الطعام، ومن النساء من تكون طامثًا أو نفساء، فاقتضت حكمة الله ورحمته أن يخفف وطأة الصيام عن هؤلاء، فقال تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ . [البقرة: ١٨٤]
أي: من كان مريضًا أو مسافرًا فعليه أن يفطر أيام مرضه أو سفره، ويصوم بدلًا أيامًا أخرى في غير رمضان في حال صحته أو إقامته.
قال العلماء: هذا على سبيل الرخصة، وقال داود الظاهري: بل على سبيل الوجوب، وقد تابع في ذلك رأي أبي هريرة، وقال القرطبي: للمريض حالتان:
إحداهما: ألا يطيق الصوم، فعليه الفطر واجبًا.
والثانية: أن يقدر على الصوم بضرر ومشقة، فهذا يستحب له الفطر ولا يصوم إلا جاهل (١)
стр. 16752
آراء العلماء في قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ﴾ [البقرة: ١٨٤] :
اختلف العلماء في هذه الآية هل هي محكمة أو منسوخة، فقيل: إنها منسوخة وإنما كانت رخصة عند ابتداء فرض الصيام؛ لأنه شق عليهم، فكان من أطعم كل يوم مسكينًا ترك الصوم وهو يطيقه، ثم نسخ ذلك - وهذا قول الجمهور - حكاه الشوكاني، وقال: وروي عن بعض أهل العلم أنها لم تنسخ، وأنها رخصة للشيوخ والعجائز خاصة إذا كانوا لا يطيقون الصيام إلا بمشقة.
وكان الناسخ عند من قال بالنسخ قوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ . [البقرة: ١٨٥]
وهذا يتفق مع الحكمة العالية التي اتبعها الإسلام وهي عدم مفاجأة النفوس بالتكاليف، ولكن بالتدرج فيها حتى تألفها.
روى البخاري: وقال ابن نمير حدثنا الأعمش حدثنا عمرو بن مرة حدثنا ابن أبي ليلى حدثنا أصحاب محمد ﷺ ، نزل رمضان فشق عليهم فكان من أطعم كل يوم مسكينًا ترك الصوم ممن يطيقه ورخص لهم في ذلك، فنسختها ﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ . [البقرة: ١٨٤] (١)
وروى الطبري في تفسيره، قال: حدثنا محمد بن المثنى قال: ثنا محمد بن جعفر عن شعبة عن عمرو بن مرة، قال: حدثنا أصحابنا: أن رسول الله ﷺ لما قدم عليهم أمرهم بصيام ثلاثة أيام من كل شهر تطوعا غير فريضة، قال: ثم نزل صيام رمضان، قال: وكانوا قومًا لم يتعودوا الصيام، قال: وكان يشتد عليهم الصوم، قال: فكان من لم يصم أطعم مسكينًا، ثم نزلت هذه الآية ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٥] فكانت الرخصة للمريض والمسافر، وأمرنا بالصيام. (٢)
стр. 16753
المفطرات:
الشريعة الإسلامية مبنية على اليسر والرحمة، ولم يقصد بتكاليفه عنتًا ولا إرهاقًا، قال تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة:١٨٤] ، وقال: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ﴾ [البقرة: ٢٨٦]
وعلى سنن من هذين النصين وغيرهما من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ فإن الصوم لا يجب إلا على من تكاملت فيه شروط؛ وهو أن يكون مقيمًا سليمًا قادرًا على الصوم دون ضرر يلحقه أو مشقة ترهقه، أما من كان مريضًا أو مسافرًا فإنه قد أبيح له الإفطار مع وجوب القضاء عند الصحة والإقامة، كما قال تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ . [البقرة: ١٨٤]
وكذلك من يشق عليه الصوم لسبب لا يرجى زواله، ومنه الشيخوخة والمرض المزمن , والحمل والإرضاع المتواليان إذا خيف على الحامل والمرضع أو الرضيع، فقد أبيح لهؤلاء وأمثالهم الإفطار دون قضاء، واكتفى الشارع منهم أن يطعموا بدلًا عن كل يوم مسكينا كما قال تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ [البقرة: ١٨٤] فالفدية لا تكون إلا بدلًا عن فائت، والإطاقة لا يعبر بها عن اليسر والسهولة، فلا يقال: فلان يطيق حمل التفاحة، وإنما يقال يطيق حمل هذه الصخرة، وإذن فهي تدل على العسر ومشقة الاحتمال. (١)
معنى المفطرات والمقصود منها:
يقال أفطر الصائم: تناول الطعام بعد صيامه، وفطَّر الصائم: جعله يفطر. (٢)
والمعنى الشرعي لها مقارب للمعنى اللغوي ولا يختلف عنه؛ لأن الذي يجرح الصوم هو كل ما يتنافى ومعنى الصيام، سواء جاء من قبل الصائم نفسه وهو المعنى المفهوم من اللفظ (أفطر) أو من قبل الغير كالإكراه ونحوه وهو المعنى المستفاد من لفظة (فطَّر) بالتشديد.
والفقهاء بينوا أن كل ما يتنافى ومعنى الصيام مفسد للصوم، وذلك يرجع الحالات الآتية:
أ- تناول الطعام والشراب عمدًا والقيء عمدًا والحيض والنفاس والاستمناء والجماع، وهذه المفسدات منها ما يوجب القضاء دون الكفارة وهي ما عدا الأخير، ومنها ما يوجب القضاء والكفارة وهو الجماع. (٣)
ومما يتعلق بإفساد الصوم الإثم إذا أُفسد بغير عذر؛ لأن إبطال الطاعة من غير عذر حرام لقوله تعالى: ﴿وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ . [محمد: ٣٣] أما إذا أفسد الصوم بعذر فلا يأثم. (٤)
стр. 16754
وأما الأعذار المسقطة للإثم والمؤاخذة فهي:
أ- المرض:
وحدُّوه بأنه كل ما خرج به الإنسان عن حد الصحة من علة. (١)
وقال في بدائع الصنائع: هو الذي يخاف أن يزداد بالصوم. (٢)
وذكر عن الكرخي: أن المرض الذي يبيح الإفطار هو ما يخاف منه الموت أو زيادة العلة، كائنًا ما كانت العلة. وذكر عن أبي حنيفة أنه إن كان بحال يباح له أداء صلاة الفرض قاعدًا فلا بأس بأنه يفطر. (٣)
وقال الكاساني: " والمبيح المطلق بل الموجب هو الذي يخاف منه الهلاك؛ لأن فيه إلقاء النفس إلى التهلكة، لا لإقامة حق الله تعالى وهو الوجوب، والوجوب لا يبقى في هذه الحالة وأنه حرام، فكان الإفطار مباحًا بل واجبا ". (٤)
ونقل القرافي آراء طائفة من العلماء في بيان حد المرض المبيح للفطر، فنقل عن ابن سيرين قوله: متى حصل الإنسان في حال يستحق بها اسم المرض صح الفطر، قياسًا على المسافر لعلة السفر، وإن لم تدع إلى الفطر ضرورة. (٥)
قال طريف بن تمام العطاردي: دخلت على محمد بن سيرين في رمضان وهو يأكل، فلما فرغ قال: إنه وجعت أصبعي هذه.
وقال جمهور من العلماء: إذا كان به مرض يؤلمه ويؤذيه أو يخاف تماديه أو يخاف تزيده صح له الفطر، قال ابن عطية: وهذا مذهب حذاق أصحاب مالك وبه يناظرون. (٦)
وقال: وأما لفظ مالك: فهو المرض الذي يشق على المرء ويبلغ به. وقال ابن خويز منداد: واختلفت الرواية عن مالك في المرض المبيح للفطر، فقال مرة: هو خوف التلف في الصيام. وقال مرة: شدة المرض والزيادة فيه والمشقة الفادحة. وهذا صحيح مذهبه وهو مقتضى الظاهر، لأنه لم يخص مرضًا من مرض، فهو مباح في كل مرض إلا ما خصه الدليل من الصداع والحمى والمرض اليسير الذي لا كلفة معه في الصيام.
وبعد أن سرد أقوال طائفة من العلماء قال: قلت: قول ابن سيرين أعدل شيء في هذا الباب إن شاء الله تعالى.
стр. 16755
ونقل عن البخاري قال: اعتللت بنيسابور علة خفيفة وذلك في شهر رمضان، فعادني إسحاق بن راهويه في نفر من أصحابه فقال لي: أفطرت يا أبا عبد الله؟ فقلت: نعم. فقال: خشيت أن تضعف عن قبول الرخصة. قلت: حدثنا عيدان عن ابن المبارك عن ابن جريج قال: قلت لعطاء: من أي المرض أُفطر؟ قال: من أي مرض كان كما قال الله تعالى ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا﴾ .
قال البخاري: وهذا الحديث لم يكن عند إسحاق. (١)
ويرى الطبري أن المرض الذي أذن الله تعالى ذكره بالإفطار معه في شهر رمضان من كان الصوم جاهده جهدًا غير محتمل، فكل من كان كذلك فله الإفطار وقضاء عدة من أيام أخر، وذلك أنه إذا بلغ ذلك الأمر، فإن لم يكن مأذونًا له في الإفطار فقد كلف عسرًا أو منع يسرًا، وذلك غير الذي أخبر الله أنه أراده بخلقه بقوله: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥] ، وأما من كان الصوم غير جاهده، فهو بمعنى الصحيح الذي يطيق الصوم فعليه أداء فرضه (٢)
وقال الشافعية: شرط إباحة الفطر للمريض العاجز عن الصوم أن يلحقه بالصوم مشقة يشق احتمالها، وأما المرض اليسير الذي لا يلحق به مشقة ظاهرة، لم يجز له الفطر بلا خلاف عندنا، خلافًا لأهل الظاهر.
وقالوا: المرض المجوز للفطر إن كان مطبقًا فله ترك النية بالليل، وإن كان يحم وينقطع ووقت الحمّى لا يقدر على الصوم، وإذا لم تكن حمى يقدر عليه، فإن كان محمومًا وقت الشروع في الصوم فله ترك النية، وإلا فعليه أن ينوي من الليل، ثم إن عاد المرض واحتاج إلى الفطر أفطر. (٣) وعند الحنابلة، قالوا: المرض المبيح للفطر هو الشديد الذي يزيد بالصوم أو يخشى تباطؤ برئه، وقيل لأحمد: متى يفطر المريض؟ قال: إذا لم يستطع. قيل: مثل الحمى؟ قال: وأي مرض أشد من الحمى؟ قال: وحكي عن بعض السلف: أنه أباح الفطر بكل مرض حتى من وجع الأصبع والضرس لعموم الآية فيه , (٤) وهو ما ذكرناه عن ابن سيرين.
الرأي المختار: إذا كان المرض يشق معه الصوم على المريض أو يحتاج إلى تعاطي الدواء أثناء النهار فالفطر أولى، وإن كان غير ذلك فالصوم أفضل، المرد في ذلك إلى الطبيب المعالج الثقة.
стр. 16756
ويتعلق بالمرض مسألتان:
الأولى: وهي إن صام المريض هل يجزيه صومه عن فرضه أم لا؟
اختلف العلماء على رأيين:
الأول: وهو رأي الجمهور من العلماء؛ قالوا: إن صام المريض وقع صيامه وأجزأه.
الثاني: وهو رأي أهل الظاهر؛ ذهبوا إلى أنه لا يجزيه، وأن فرضه هو أيام أخر.
والسبب في هذا الاختلاف تردد الآية: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٤] بين أن يحمل على الحقيقة فلا يكون هنالك محذوف أصلًا أو يحمل على المجاز فيكون التقدير، فأفطر فعدة من أيام أخر.
فمن حمل الآية على الحقيقة ولا يحملها على المجاز وهم الظاهرية قالوا: إن فرض المسافر عدة من أيام أخر، ومن قدَّر - فأفطر- قال: إنما فرضه عدة من أيام أخر إذا أفطر.
وكلا الفريقين يرجح تأويله بالآثار الشاهدة لكلا المفهومين , (١) وينسحب كل ما ذكرناه على المسافر أيضًا.
أما المسألة الثانية: وهي هل الصوم أفضل أو الفطر؟
قال ابن رشد: واختلف العلماء في الأفضل من الفطر، إذا قلنا: إنه من أهل الفطر على مذهب الجمهور، فإنهم اختلفوا في ذلك على ثلاثة مذاهب، فبعضهم رأى أن الصوم أفضل، وممن قال بهذا القول: مالك وأبو حنيفة، وبعضهم رأى أن الفطر أفضل، وممن قال بهذا القول: أحمد وجماعة، وبعضهم رأى أن ذلك على التخيير وليس أحدهما أفضل (٢) وعزوه للشافعي.
стр. 16757
المفطرات بسبب العلاج:
تناول الفقهاء عددًا من المسائل التي تتصل بأمور العلاج التي كانت معروفة في زمنهم، وقد تباينت أنظارهم بشأنها؛ فمن قائل بأنها تتنافى وحكمة الصيام وأنها تؤثر على سلامة الصوم وصحته وهم الأكثر، ومن قائل: إنها غير جارحة للصوم وهم الأقل، وسنقف على تعليل كل فريق , ثم نستظهر آراء أئمتنا المعاصرين، ونسوق في هذا المقام النصوص الفقهية, قال الإمام النووي في شرحه للمهذب:
أما الأحكام فقال أصحابنا: أجمعت الأمة على تحريم الطعام والشراب على الصائم وهو مقصود الصوم، ودليله الآية الكريمة ويقصد قوله تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ [البقرة: ١٨٧] ، والإجماع، وممن نقل الإجماع فيه ابن المنذر.
قال الرافعي: وضبط الأصحاب الداخل المفطر بالعين الواصلة من الظاهر إلى الباطن في منفذ مفتوح عن قصد مع ذكر الصوم.
قال: وفيه قيود:
منها: الباطن الواصل إليه، وفيما يعتبر به وجهان:
أحدهما: أنه ما يقع عليه اسم الجوف.
والثاني: يعتبر معه أن يكون فيه قوة تحيل الواصل إليه من دواء أو غذاء.
قال: والأول هو الموافق لتفريغ الأكثرين كما سيأتي إن شاء الله تعالى، ويدل عليه أنهم جعلوا الحلق كالجوف في إبطال الصوم بوصول الواصل إليه.
وقال إمام الحرمين: إذا جاوز الشيء الحلقوم أفطر وعلى الوجهين جميعًا باطن الدماغ والبطن والأمعاء والمثانة مما يفطر الوصول إليه بلا خلاف، حتى لو كانت ببطنه أو برأسه مأمومة - وهي الآمة - فوضع عليها دواء فوصل إلى جوفه أو خريطة دماغه أفطر، وإن لم يصل باطن الأمعاء وباطن الخريطة، وسواء كان الدواء رطبًا أو يابسًا عندنا.
وحكى المتولي والرافعي وجهًا أن الوصول إلى المثانة لا يفطر، واختاره القاضي حسين وهو شاذ. (١)
وأما الحقنة فتفطر على المذطب وبه قطع المصنف والجمهور، وفيه وجه قاله القاضي حسين لا تفطر وهو شاذ، وإن كان منقاسًا فعلى المذهب قال أصحابنا: سواء كانت الحقنة قليلة أو كثيرة وسواء وصلت إلى المعدة أم لا فهي مفطرة بكل حال عندنا.
стр. 16758
وأما السعوط فإن وصل إلى الدماغ أفطر بلا خلاف.
قال أصحابنا: وما جاوز الخيشوم في الاستعاط فقد حصل في حد الباطن وحصل به الفطر.
قال أصحابنا: وداخل الفم والأنف إلى منتهى الغلصمة والخيشوم له حكم الظاهر في بعض الأشياء حتى لو أخرج إليه القيء أو ابتلع منه نخامة أفطر.
وأما إذا قطر في إحليله شيئًا ولم يصل إلى المثانة أو زرق فيه ميلًا ففيه ثلاثة أوجه: أصحها يفطر وبه قطع الأكثرون، والثاني لا، والثالث إن جاوز الحشفة أفطر وإلا فلا.
ثم ذكر فروعًا منها:
لو أوصل الدواء إلى داخل لحم الساق أو غرز فيه سكينًا أو غيرها فوصلت مخه لم يفطر بلا خلاف لأنه لا يعد عضوًا أو جوفًا.
ولو طعن نفسه أو طعنه غيره بإذنه فوصلت السكين جوفه أفطر بلا خلاف عندنا، سواء كان بعض السكين خارجًا أم لا.
ولو أدخل الرجل أصبعه أو غيرها دبره أو أدخلت المرأة أصبعها أو غيرها دبرها أو قبلها وبقي البعض خارجًا بطل الصوم باتفاق أصحابنا إلا الوجه الشاذ السابق عن الحناطي. (١)
ولو قطر في أذنه ماء أو دهنًا أو غيرهما فوصل إلى الدماغ فوجهان، أصحهما يفطر وبه قطع المصنف والجمهور. والثاني لا يفطر قاله أبو علي السنجي والقاضي حسين والفوراني وصححه الغزالي كالاكتحال، وادعوا أنه لا منفذ من الأذن إلى الدماغ وإنما يصله بالمسام كالكحل وكما لو دهن بطنه فإن المسام تتشربه ولا يفطر بخلاف الأنف، قال: السعوط يصل منه إلى الدماغ في منفذ مفتوح، ثم تناول مذاهب العلماء في بعض ما ذكرناه عنه وهي:
١- الحقنة: قال ذكرنا أنها مفطرة عندنا ونقله ابن المنذر عن عطاء والثوري وأبي حنيفة وأحمد وإسحاق، وحكاه العبدري وسائر أصحابنا أيضًا عن مالك، ونقله المتولي عن عامة العلماء، وقال الحسن بن صالح وداود: لا يفطر.
٢ - لو قطر في إحليله شيئًا فالصحيح عندنا أنه يفطر كما سبق وحكاه ابن المنذر عن أبي يوسف، وقال أبو حنيفة والحسن بن صالح وداود: لا يفطر.
٣ - السعوط إذا وصل للدماغ أفطر عندنا، وحكاه ابن المنذر عن الثوري والأوزاعي وأبي حنيفة ومالك وإسحاق وأبي ثور. وقال داود: لا يفطر. وحكاه ابن المنذر عن بعض العلماء.
٤- لو صب الماء أو غيره في أذنيه فوصل دماغه أفطر على الأصح عندنا، وبه قال أبو حنيفة وقال مالك والأوزاعي وداود: لا يفطر إلا أن يصل حلقه.
٥ - ولو داوى جرحه فوصل الدواء إلى جوفه أو دماغه أفطر عندنا سواء كان الدواء رطبًا أو يابسًا، وحكاه ابن المنذر عن أبي حنيفة، والمشهور عن أبي حنيفة أنه يفطر إن كان دواء رطبًا وإن كان يابسًا فلا، وقال مالك وأبو يوسف ومحمد وأبو ثور وداود: لا يفطر مطلقًا.
٦ - ولو طعن نفسه بسكين أو غيرها فوصلت جوفه أو دماغه أو طعنه غيره بأمره فوصلتهما أفطر عندنا. وقال أبو يوسف ومحمد: لا يفطر. وقال أبو حنيفة: إن نفذت الطعنة إلى الجانب الآخر أفطر وإلا فلا. (٢)
стр. 16759
ويتفق الحنفية مع الشافعية في كثير مما ذكرناه أيضًا، قال الكاساني: وأما ركنه - أي الصوم - فالإمساك عن الأكل والشرب والجماع؛ لأن الله تعالى أباح الأكل والشرب والجماع في ليالي رمضان لقوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَالْآَنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ . [البقرة: ١٨٧] ، أي حتى يتبين لكم ضوء النهار من ظلمة الليل من الفجر، ثم أمر بالإمساك عن هذه الأشياء في النهار بقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة: ١٨٧] فدل أن ركن الصوم ما قلنا، فلا يوجد الصوم بدونه.
وعلى هذا الأصل يتبين بيان ما يفسد الصوم وينقضه؛ لأن انتقاض الشيء عند فوات ركنه أمر ضروري، وذلك بالأكل والشرب والجماع، سواء كان صورة ومعنى، أو صورة لا معنى، أو معنى لا صورة، وسواء كان بغير عذر أو بعذر، وسواء كان عمدًا أو خطأً، طوعًا أو كرهًا بعد أن كان ذاكرًا لصومه لا ناسيًا ولا في معنى الناسي، والقياس أن يفسد وإن كان ناسيًا وهو قول مالك. (١)
وفي العلاج: قال: وما وصل إلى الجوف أو إلى الدماغ من المخارق الأصلية كالأنف والأذن والدبر بأن استعط أو احتقن أو أقطر في أذنه فوصل إلى الجوف أو إلى الدماغ فَسَدَ صومه، أما إذا وصل إلى الجوف فلا شك فيه لوجود الأكل من حيث الصورة، وكذا إذا وصل إلى الدماغ؛ لأن له منفذًا إلى الجوف، فكان بمنزلة زاوية من زوايا الجوف ...
وأما ما وصل إلى الجوف أو إلى الدماغ من غير المخارق الأصلية بأن داوى الجائفة أو الآمة، فإن داواها بدواء يابس لا يفسد لأنه لم يصل إلى الجوف ولا إلى الدماغ، ولو علم أنه وصل يفسد في قول أبي حنيفة، وإن داواها بدواء رطب يفسد عند أبي حنيفة وعندهما لا يفسد، هما اعتبرا المخارق الأصلية؛ لأن الوصول إلى الجوف من المخارق الأصلية متيقن به، ومن غيرها مشكوك فيه فلا نحكم بالفساد مع الشك.
وأما الإقطار في الإحليل فلا يفسد في قول أبي حنيفة، وعندهما يفسد، وأما الإقطار في قبل المرأة فقد قال مشايخنا: إنه يفسد صومها بالإجماع؛ لأن لمثانتها منفذًا فيصل إلى الجوف كالإقطار في الأذن. (٢)
стр. 16760
وفي كتب الحنابلة: أنه يفطر بكل ما أدخله إلى جوفه أو مجوف في جسده كدماغه وحلقه ونحو ذلك مما ينفذ إلى معدته إذا وصل باختياره وكان مما يمكن التحرز منه، سواء وصل من الفم على العادة أو غير العادة كالوجور واللدود أو من الأنف كالسعوط، أو ما يدخل في الأذن إلى الدماغ أو ما يدخل من العين إلى الحلق كالكحل، أو ما يدخل إلى الجوف من الدبر بالحقنة، أو ما يصل من مداواة الجائفة إلى جوفه أو من دواء المأمومة إلى دماغه فهذا كله يفطره لأنه واصل إلى جوفه باختياره فأشبه الأكل، وكذلك لو جرح نفسه أو جرحه غيره باختياره فوصل إلى جوفه، سواء استقر في جوفه أو عاد فخرج منه، وبهذا كله قال الشافعي، وقال مالك: لا يفطر بالسعوط إلا أن ينزل إلى حلقه، ولا يفطر إذا داوى المأمومة والجائفة، واختلف عنه في الحقنة واحتج له بأنه لم يصل إلى الحلق منه شيء، أشبه ما لم يصل إلى الدماغ ولا الجوف. (١)
وقال: فإن قطر في إحليله دهنًا لم يفطر به سواء وصل إلى المثانة أو لم يصل، وبه قال أبو حنيفة، وقال الشافعي: يفطر. (٢)
وقال: ومن استقاء فعليه القضاء، ومن ذرعه القيء فلا شيء عليه.
وحكي عن ابن مسعود وابن عباس أن القيء لا يفطر، وروي عن النبي ﷺ : قال: ((ثلاث لا يفطرن الصائم: الحجامة والقيء والاحتلام)) ولأن الفطر بما يدخل لا بما يخرج.
واستدل القائلون بالفطر بحديث أبي هريرة: ((من ذرعه القيء فليس عليه قضاء، ومن استقاء عامدًا فليقض)) قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب، ورواه أبو داود وصححه الحاكم على شرط الشيخين، وردوا الحديث الأول وقالوا: إنه غير محفوظ يرويه عبد الرحمن بن زيد بن أسلم وهو ضعيف في الحديث، قاله الترمذي.
والحديث الثاني الذي استدل به القائلون بالفطر أنكره أحمد والبخاري وأبو داود، وجزموا بأنه غير محفوظ، وقال النسائي: وقفه عطاء على أبي هريرة. (٣)
стр. 16761
مذاهب العلماء في الحجامة:
ذكر النووي أن مذهب الشافعية: لا يفطر بها لا الحاجم ولا المحجوم، وبه قال ابن مسعود وابن عمر وابن عباس وأنس بن مالك وأبو سعيد الخدري وأم سلمة وسعيد بن المسيب وعروة بن الزبير والشعبي والنخعي ومالك والثوري وأبو حنيفة وداود وغيرهم.
وقال جماعة من العلماء: الحجامة تفطر وهو قول علي بن أبي طالب وأبي هريرة وعائشة والحسن البصري وابن سيرين وعطاء والأوزاعي وأحمد وإسحاق وابن المنذر وابن خزيمة، قال الخطابي: قال أحمد وإسحاق: يفطر الحاجم والمحجوم وعليهما القضاء دون الكفارة. وقال عطاء: يلزم المحتجم في رمضان القضاء والكفارة. (١)
стр. 16762
آراء الأئمة المعاصرين في مسائل العلاج في حق الصائم:
١- رأي الشيخ محمود شلتوت- ﵀:
" قال ﵀ في كتابه الفتاوى (١) : الحقن كلها لا تفطر.
وإذا كان من محظور الصوم الأكل والشرب - وحقيقتهما دخول شيء من الحلق إلى المعدة - والمعدة هي محل الطعام والشراب من الإنسان وقالوا: إنها كالحويصلة للطائر والكرش للحيوان, كان المبطل للصوم ما دخل فيها بخصوصها سواء أكان مغذيًا أم غير مغذٍّ، ولا بد من المنفذ المعتاد، ومن أجل هذا فما دخل الجوف، ولكن لم يصل إليها لا يفسد الصوم.
فالحقنة الشرجية يدخل بها الماء إلى الجوف، ولكن لا يصل إليها فلا تفطر، والحقن الجلدية أو العرقية يسري أثرها في العروق ولا تدخل محل الطعام والشراب فلا تفطر، نعم قد يحدث بعضها نشاطًا في الجسم وقوة عامة، ولكن لا تدفع جوعًا ولا عطشًا، ومن هنا لا تأخذ حكم الأكل أو الشرب وإن أدت شيئًا من مهمته، وإذا كان هذا هو الأصل في الإفطار وكانت الحقن بجميع أنواعها لا تفطر الصائم فإن أقماع البواسير أو مراهمها أو الاكتحال أو التقطير في العين، كل ذلك لا تأثير بشيء منه على الصوم، فهو ليس بأكل في صورته ولا في معناه، وهو بعد لا يصل إلى المعدة محل الطعام والشراب ".
стр. 16763
٢- رأي الشيخ سيد سابق:
قال: " الحقنة مطلقا سواء أكانت للتغذية أم لغيرها، وسواء أكانت في العروق أم تحت الجلد فإنها وإن وصلت إلى الجوف، فإنها تصل إليه من غير المنفذ المعتاد ".
وقد سبقهما إلى هذا الرأي ابن تيمية، حيث قال فيما نقله عنه الشيخ سيد سابق في كتابه فقه السنة: أما الكحل والحقنة وما يقطر في إحليله ومداواة المأمومة والجائفة فهذا مما تنازع فيه أهل العلم، فمنهم من لم يفطر بشيء من ذلك، ومنهم من فطر بالجميع لا بالكحل، ومنهم من فطر بالجميع لا بالتقطير، ومنهم من لا يفطر بالكحل ولا بالتقطر، ويفطر بما سوى ذلك.
ثم قال مرجحًا الرأي الأول: والأظهر أنه لا يفطر بشيء من ذلك، فإن الصيام من دين الإسلام، الذي يحتاج إلى معرفته الخاص والعام.
فلو كانت هذه الأمور مما حرمها الله ورسوله في الصيام ويفسد الصوم بها لكان هذا مما يجب على الرسول بيانه، ولو ذكر ذلك لعلمه الصحابة وبلغوه الأمة كما بلغوا سائر شرعه، فلما لم ينقل أحد من أهل العلم عن النبي ﷺ في ذلك لا حديثا صحيحًا ولا ضعيفًا ولا مسندًا ولا مرسلًا، علم أنه لم يذكر شيئًا من ذلك - إلى أن قال: - وكذلك الحقنة لا تغذي بل تستفرغ ما في البدن، كما لو شم شيئًا من المسهلات أو فزع فزعًا أوجب استطلاق جوفه، وهي لا تصل إلى المعدة.
والدواء الذي يصل إلى المعدة في مداواة الجائفة والمأمومة لا يشبه ما يصل إليها من غذائه.
إلى أن قال: فالصائم نهي عن الأكل والشرب؛ لأن ذلك سبب التقوى , فترك الأكل والشرب الذي يولد الدم الكثير الذي يجري فيه الشيطان إنما يتولد من الغذاء لا عن حقنة ولا كحل، ولا ما يقطر في الذكر ولا ما يداوى به المأمومة والجائفة. اهـ (١)
стр. 16764
الإغماء وزوال العقل وأثرهما على الصوم:
الإغماء في اللغة فقد الحس والحركة لعارض (١) , وأغمي عليه عرض له ما أفقده الحس والحركة فهو مغمى عليه، ومن زال عقله بسبب غير محرم كمن جن أو أغمي عليه أو زال عقله بمرض أو بشرب دواء لحاجة أو أكره على شرب مسكر فزال عقله ففي هذه الحالات لا يلزمه الصوم، ونقل النووي عن المزني أنه يصح صوم المغمى عليه وإن كان لا يلزمه الصوم على القول الأخير أيضا لأنه غير مكلف. (٢) . واختلفوا في وجوب القضاء عليه.
قال النووي: يجب القضاء على المغمى عليه سواء استغرق جميع رمضان أو بعضه.
قال: وحكى الأصحاب وجهًا عن ابن سريج أن الإغماء المستغرق لجميع رمضان لا قضاء فيه كالجنون، وكما لا يجب عليه قضاء الصلاة، قال: هكذا نقل الجمهور عن ابن سريج، ونقل البغوي عنه أنه إذا استغرق الإغماء رمضان أو يوما منه لا قضاء عليه. قال: واختار صاحب الحاوي قول ابن سريج هذا في أنه لا قضاء على المغمى عليه، ثم قال: والمذهب وجوب القضاء عليه. (٣)
ثم قال: ومن زال عقله بمرض أو بشرب دواء لحاجة أو بعذر لزمه
قضاء الصوم دون الصلاة، كالمغمى عليه.
وأخيرًا التخدير وإجراء العمليات وأثرهما على الصوم:
التخدير في الطب عملية إفقاد الإحساس بالألم (٤) ,عن طريق الحقن، وقد سبق أن بينا مذاهب العلماء في الحقن على اختلافها، وأنها على رأي المتأخرين من محققي العلماء أنها لا تفطر، فينقاس عليها حقن التخدير، ومن ثم فإن العمليات التي لا يحتاج صاحبها إلى تناول الطعام المعتاد بالطرق الاعتيادية طيلة النهار فإن صومه صحيح، وهو رأي المزني، ولا قضاء عليه وهو مذهب ابن سريج وصاحب الحاوي الإمام أبي الحسن الماوردي، وقال النووي:
" قال أصحابنا يجوز شرب الدواء المزيل للعقل للحاجة، وقال: ولو احتيج في قطع يده المتآكلة إلى تعاطي ما يزيل عقله فوجهان: أصحهما جوازه، وقال: وإذا زال عقله والحالة هذه لم يلزمه قضاء الصلوات بعد الإفاقة لأنه زال بسبب غير محرم ". (٥)
أما صحة الصوم وقضاؤه فقد سبق بيانه وذكرنا مذاهب العلماء في صحة صومه وحكم القضاء، وأن الأصل الذي ينقاس عليه هو الإغماء , وقد بينا حكم صوم المريض قبل هذا في أول البحث وفي أثنائه، فلا نعيد القول فيه.
стр. 16765
خلاصة البحث
أولًا: الصوم عبادة عظيمة شرعها المولى لمصلحة الإنسان، حيث تنمي فيه روح المراقبة التي هي مشكاة الحياة الفاضلة وسبب كل نعمة مادية وأدبية.
ثانيًا: كذلك فإن الصوم كان مفروضًا على جميع الأمم، وهو ما أثبته البحث الاستقرائي، فتصريح القرآن الكريم به فيه إعجاز علمي ظاهر.
ثالثًا: لما كان الصوم فيه بعض المشقة، ومن الناس من يتفق أن يكون مريضًا أو أن يكون على سفر، والسفر قطعة من العذاب، ومن الناس من يكون شيخًا كبيرًا طاعنًا في السن هرمًا يضره الإمساك عن الطعام والشراب، ومن النساء من تكون طامثًا أو نفساء؛ فاقتضت حكمة الله ورحمته أن يخفف وطأة الصيام عن هؤلاء، فأباح لهم الفطر في أيام السفر والمرض، ويصومون بدلًا عنه أيامًا أخرى في غير رمضان.
رابعًا: المرض من الأعذار المسقطة للصوم، وعرفوا المرض بأنه ما خرج به الإنسان عن حد الصحة من علة، أو هو الذي يخاف أنه يزداد بالصوم أو ما يخاف منه الهلاك، وقال جمهور العلماء: إذا كان به مرض يؤلمه ويؤذيه أو يخاف تماديه أو يخاف تزيده صح له الفطر.
خامسًا: المريض إذا صام صح صومه، وهو الرأي المختار وهو رأي جمهور العلماء.
стр. 16766
سادسًا: أجمعت الأمة على تحريم الطعام والشراب على الصائم وضبط العلماء الداخل المفطر: بالعين الواصلة من الظاهر إلى الباطن في منفذ مفتوح عن قصد مع ذكر الصوم، والباطن الواصل إليه هو: ما يقع عليه اسم الجوف أو ما يعتبر معه أن يكون فيه قوة تحيل الواصل إليه من دواء أو غذاء، وهو باطن الدماغ والبطن والأمعاء والمثانة في قول جمهور العلماء.
سابعًا: وقد اختلف العلماء في جملة من المسائل كالحقنة والسعوط والتقطير في الإحليل، ودواء الجروح إذا وصل إلى الدماغ أو الجوف والحجامة.
ثامنًا: ذهب المعاصرون من العلماء ومنهم الشيخ شلتوت شيخ الأزهر الأسبق والشيخ سيد سابق، وسبقهما شيخ الإسلام، من ابن تيمية، إلى أن الحقن بجميع أنواعها غير مفطرة، وبه نأخذ.
تاسعًا: الإغماء وزوال العقل بغير تعد، وتناول الأدوية المزيلة للعقل بقصد العلاج مما اختلف العلماء فيه، فقد ذهب جمهور العلماء إلى أن تناول الأدوية المغيبة للعقل جائز ولا يلزمه الصوم ويلزمه القضاء، وقال المزني: يصح صومه، وقال ابن سريج: لا يلزمه القضاء، وبه نأخذ. وعليه فالتخدير بالحقن وإجراء العمليات التي لا يحتاج صاحبها إلى تناول الطعام بالطرق الاعتيادية عن طريق الفم، ولو تناولها من طريق الحقن ولو مغذية لا يجرح صومه ولا يلزمه القضاء ... والله أعلم.
وهذا ما تيسر لنا جمعه في هذه العجالة.
أسأل الله تعالى أن ينفع به إنه سميع مجيب، وأن يتقبل عملنا ويجعله خالصًا لوجهه، وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
د.. عبد الله محمد عبد الله
стр. 16767
المفطرات
في مجال التداوي
إعداد
الدكتور محمد علي البار
المستشار بمركز الملك فهد للبحوث الطبية
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الفصل الأول
تعريف الصوم وتعريفات الجوف
تثور مشكلات جمة في مفطرات الصوم في مجال التداوي. ويقع العامة في حرج عندما تتضارب الفتاوى وتتناقض ... وقد أحسن مجمع الفقه الإسلامي صنعًا بإدراج هذه القضية للبحث في دورته التاسعة (الموضوع الثامن) .
ويبدو - والله أعلم - أن سبب التباين في فتاوى العلماء الأجلاء هو اختلافهم في بعض التعريفات، ومن أهمها تعريف الجوف، مع غموض بعض الإجراءات الطبية وعدم وضوحها في أذهان بعض العلماء الأجلاء، وعدم معرفة مدى تأثيرها في موضوع الصوم.
لهذا كله لا بد أولًا من مناقشة هذه التعريفات قبل الخوض في مفردات هذه القضية.
تعريف الصوم: الصوم لغة هو الإمساك والكف عن الشيء يقال:
صام عن الكلام، أي أمسك عنه قال تعالى أخبارا عن مريم: ﴿إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا﴾ أي صمتًا وإمساكًا عن الكلام. وتقول العرب: صام النهار إذا وقف سير الشمس وسط النهار عند الظهيرة. وقال الشاعر يصف الخيل:
خيل صيام وخيل غير صائمة تحت العجاج وأخرى تعلك اللجما
أي خيل ساكنة صامتة (خيل صيام) وأخرى تصهل وتتحرك، وكأنها من شدة حركة فمها تعلك اللجم.
والصوم شرعًا: هو الامتناع الفعلي عن شهوتي البطن والفرج من طلوع الفجر إلى غروب الشمس من أهله بنية ... وأهله هو المسلم العاقل غير الحائض أو النفساء. والنية: هي عزم القلب على إيجاد الفعل جزمًا دون تردد، لتمييز العادة عن العبادة.
قال تعالى: ﴿فَالْآَنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ . [البقرة: ١٨٧]
فهذه الأشياء الثلاثة (الأكل والشرب والجماع) هي التي منع منها الصائم من الفجر إلى غروب الشمس ... ففي الحديث الصحيح: ((كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به، يدع طعامه وشهوته من أجلي، ويدع لذته من أجلي، ويدع زوجته من أجلي)) (١)
стр. 16768
تعريف الجوف لغة (١)
يطلق الجوف في اللغة على كل شيء مجوف، وجوف الإنسان بطنه. والأجوفان: البطن والفرج، والجائفة: الطعنة التي تبلغ الجوف. وفي الحديث الشريف ((في الجائفة ثلث الدية)) . أجافه الطعنة وبها: أصاب بها جوفه.
والجوف من كل شيء باطنه الذي يقبل الشغل والفراغ , والجمع أجواف , وجوف الليل ثلثه الأخير، وفي الحديث: ((أي الليل أسمع؛ قال: جوف الليل الأخير)) . وجوف الأرض: باطنها وما اتسع من الأرض وانخفض فصار كالجوف. وجوف الوادي بطنه، والجوف: المطمئن من الأرض، والجوف: اسم لناحية بعمان واليمن والسعودية.
(والجوف) السعة. والجوف: الأسد العظيم الجوف. والجوفاء من الدلاء: الواسعة، ومن القنا والشجر الفارغة. وجوائف النفس ما تقعر من الجوف في مقار الروح. ومجوف (كمخوف) العظيم الجوف. ومن الدواب الذي يصعد البلق (البياض) منه حتى يبلغ البطن. المجوف أيضا من لا قلب له. والجوفي نوع من السمك. وتجوف الشيء دخل جوفه. واستجاف المكان وجده أجوفًا. واجتافه وتجوفه: دخل جوفه.
والجوف الخلاء، وهو مصدر من باب تعب، فهو أجوف، والاسم الجوف. هذا أصله ثم استعمل فيما يقبل الشغل والفراغ، فقيل: جوف الدار لباطنها. وجوَّفته تجويفًا: جعلت له جوفًا. وقيل للجراحة: الجائفة، إذا وصلت الجوف، فلو وصلت إلى جوف العظم لم تكن جائفة لأن العظم لا يعد مجوفًا.
وجَافَهَ الصيد: أي أدخل السهم في جوفه، ولم يظهر من الجانب الآخر. وجَافَهَ الدواء أدخله جوفه.
والجائفة: العيب العظيم، وهي أيضًا الطعنة التي تبلغ الجوف أو التي تخالط الجوف أو التي تنفذ.
стр. 16769
وعند المالكية: الجائفة هي التي تصل إلى الجوف وتختص بالبطن والظهر، وهي ما أفضى إلى الجوف ولو بمغرز إبرة.
وعند الأحناف: هي التي بلغت الجوف أو نفذته ... وهي ما بين اللبة (أسفل العنق وأول الصدر) والعانة. ولا تكون الجائفة في العنق والحلق والفخذ والرجل. وهي تختص بجوف البطن أو جوف الرأس.
وعند الشافعية: الجائفة جرح ينفذ لجوف باطن محيل للغذاء أو الدواء (أي الجهاز الهضمي) أو طريق للمحيل كبطن وصدر وثغرة نحر، وجنبين.
وعند الحنابلة والزيدية: الجائفة ما وصل إلى جوف العضو، وظهر وصدر، وورك وعنق وساق وعضد، مما له جوف.
ولا يحدد الظاهرية والجعفرية والإباضية الجوف إلا بالبطن.
والجوف هو من ثغر النحر إلى المثانة. وفي الحديث الشريف ((لا تنسوا الجوف وما وعى)) أي ما يدخل إليه من الطعام والشراب ويجمع فيه. ا. هـ (١)
وجاء في كشاف اصطلاحات الفنون للتهانوني: " الجوف لغة التقعير. ويطلق في الطب - في زمنه آنذاك - على شيئين: (أحدهما) : وهو الجوف الأعلى، ويحتوي على آلات التنفس وهو الصدر. و (الثاني) : الجوف الأسفل، وهو الحاوي لآلات الغذاء، وقد فصل بينهما بالحجاب الموارب - يسمى الآن الحجاب الحاجز - صيانة لأعضاء التنفس خصوصًا القلب - القلب ليس من أعضاء التنفس - عن مضارات الأبخرة والأدخنة التي لا يخلو عنها طبخ الغذاء. كذا في (بحر الجواهر) , أي كتاب (بحر الجواهر) وهو كلام غير صحيح، وغير مقبول في الطب الحديث.
стр. 16770
والأجوف عند الصرفيين: لفظ عينه حرف علة، ويسمى معتل العين، كقول وبيع، وباع.
وعند الأطباء: هو اسم عرق نبت من محدب الكبد لجذب الغذاء منه إلى الأعضاء، وإنما سمي به لأن تجويفه أعظم من باقي العروق. وهما أجوفان: الأجوف الصاعد والأجوف النازل، وكل منهما متشعب بشعب مختلفة.
قلت: هذا الكلام غير دقيق، فهناك وريدان: (أحدهما) يعرف باسم الوريد الأجوف السفلي، ويأتي بالدم من البطن بما فيها الكبد، ومن الطرفين السفليين، ويدخل إلى القلب بعد أن يخترق الحجاب الحاجز، ويصل مباشرة إلى الأذين الأيمن ويصب فيه. و (الثاني) هو الوريد الأجوف العلوي وهو يجمع الدم من الرأس والدماغ والطرفين العلويين والصدر، ويصب كذلك في الأذين الأيمن من القلب.
ثم قال التهانوني: " والأجوفان: البطن والفرج، والعصبان المجوفان الكائنان في العينين، وليس في البدن غيرهما عصب مجؤف ثابت من الدماغ ".
قلت: وهذا أيضًا كلام خطأ، إذ أن عصب الإبصار غير مجوف.
ويستمر التهانوني في تعريفاته فيقول: " وقد يطلق الأجوف على معاء مخصوص كما قرر في علم التشريح " وهو كلام غير دقيق. فكل الأمعاء مجوفة، ولعله يقصد المعي الصائم، لأنه خالي من الطعام معظم الوقت، ولذا قيل له " الصائم ".