← Фикх общий

Фикх общий · id 8356

مجلة مجمع الفقه الإسلامي

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (22 276 стр.). Показаны 16836–16875 · переход к 16841.

стр. 16836

ومذهب الشافعي أن مخرج الخاء والغين المعجمتين من الظاهر، ومخرج الهمز والهاء من الباطن، والاختلاف في مخرج الحاء والعين المهملتين. وما يترتب على هذا في باب التداوي: ١) تناول الأدوية التي يغرغر بها المريض , فهي واصلة قطعًا إلى أعلى الحلق , فهي مفطرة على الراجح عند المالكية، غير مفطرة عند الحنفية والشافعية , ولكن ينبغي أن يبصق بعد المج. يقول ابن عابدين: لاختلاط الماء بالبصاق فلا يخرج بمجرد المج , نعم لا يشترط المبالغة في البصق؛ لأن الباقي بعده مجرد بلل ورطوبة لا يمكن التحرز منه. ٢) مضغ دواء لا يتحلل منه شيء إلى المعدة؛ ففي التتارخنية: أو إذا مضغ الإهليلج. ولم يدخل منه شيء إلى المعدة إلا أن الريق المتأثر بالمضغ قطعًا وصل إلى معدته: أنه لا يفطر. وعند المالكية أن من يمضغ العلك الذي لا يتحلل منه شيء ثم يمجه لا يضره , وقيده أبو الحسن الصغير في تعليقه على المدونة أن محل ذلك إذا مضغه مرة واحدة ليداوي به شيئًا , وأما إذا كان يمضغه مرارًا ويبتلع ريقه فلا شك أنه يفطر، لأنه يبتلع بعض أجزائه مع ريقه. وفي مذهب أحمد قال إسحاق بن منصور: قلت لأحمد: الصائم يمضغ العلك؟ قال: لا. وقال أصحابه: ما يتحلل من العلك لا يجوز مضغه إلا أن لا يبلع ريقه، فإن فعل فنزل إلى حلقه منه شيء أفطر به. وأما ما لا يتحلل منه شيء فهو كالحصاة مضغها في فيه. إلا أنه أن مضغه فوجد طعمه في حلقه دون أجزاء منه فوجهان. مداواة حفر الأسنان: يقول خليل: وكره مداواة حفر، زمنه إلا لخوف ضرر. فمداواة حفر الأسنان في نهار رمضان له أحوال. أن يخشى الضرر من تأخير الدواء إلى الليل أو إلى ما بعد رمضان. وهنا أن بلغ خوف هلاك وجب، وإن خشي حدوث مرض أو زيادته أو شدة ألم جاز له الإقدام على المداواة , فإن سلم ولم يبتلع منه شيئًا صح صومه , وإن ابتلع منه غلبة قضى , وإن تعمد الابتلاع فهو كمن أكل في نهار رمضان متعمدًا. والذي يظهر لي أن المالكية قد اعتمدوا في فتاواهم الأصل الذي توسعوا في تطبيقه والقول بمقتضاه، وهو سد الذرائع؛ وإلا فإنه إذا لم ينزل شيء إلى المعدة مما دخل الفم فهو لا يختلف عن الذي تمضمض بالماء ثم مخه. ومما يوضح ذلك ما علل به الرهوني: أن المتحلل إذا رجع من الحلق لا يسلم غالبًا من أن يبقى في المحل منه ما يصل إلى الجوف مع الريق بخلاف غير المتحلل. وما علل به أيضًا ابن الماجشون بأنه ليست العبرة بالغذاء، وإنما لأن حلق الصائم حمى فلا يجاوزه شيء.

стр. 16837

الجامد إذا وصل الحلق ولم ينفذ إلى الداخل: يقول الرهوني: إذا وصل الجامد إلى الحلق ولفظه، فلغو باتفاق، خلافًا لما فهمه البناني ومصطفى. ثانيًا: الدواء المتجاوز للحلقوم عبر الفم: الدواء المتجاوز للحلقوم عبر الفم أنواع: ١) مائع، ومثله المتحلل الواصل إلى المعدة. ٢) جامد واصل إلى المعدة. ٣) المتخلخل النافذ من الفم إلى الداخل. المائع والمتحلل من الأدوية المجاوز للحلق: فكل مائع أو قابل للتحلل تجاوز الحلق وبلغ المعدة حالًا أو توقف في المريء عند ازدراده هو مفطر بإجماع. الجامد المجاوز للحلق: الجامد غير القابل للتحلل قد يكون جهازًا للكشف ينفذ إلى ما وراء الحلقوم من المريء أو المعدة. وقد يكون جهازًا مشعًا يؤثر في المرض. واستقرار الجامد فيما وراء الحلقوم قد اختلف فيه الفقهاء. الحنفية: فقد جاء في بدائع الصنائع: لو أكل حصاة أو نواة أو خشبًا أو حشيشًا أو نحو ذلك مما لا يؤكل عادة ولا يحصل به قوام البدن، يفسد صومه لوجود الأكل صورة. ولكن الحنفية اشترطوا لتحقق الفطر الاستقرار , ويقصدون بالاستقرار الانفصال الكامل من الخارج وحوز ما بعد الحلق له بتمامه. يقول ابن عابدين: أن ما دخل الجوف أن غاب فيه فسد الصوم، وهو المراد بالاستقرار , وإن لم يغب بل بقي طرف منه في الخارج أو كان متصلًا بشيء خارج لا يفسد لعدم الاستقرار. وبناء على هذا الشرط فإن المسبار النافذ من المريء إلى المعدة والذي بقي طرفه الأعلى خارج الفم لا يؤثر في الصوم , ولا يترتب عليه الفطر، إلا إذا كان إدخاله إلى المريء يتم بطلاء ظاهره بمرهم ميسر لدخوله، فإن الفطر بالطلاء لا بالمسبار ذاته. أما المالكية: فقد اختلف قولهم في تأثير وصول ما لا يتحلل إلى ما وراء الحلق. مذهب مالك وابن القاسم أن تعمُّد إدخال جامد لا يتحلل إلى المعدة مقتض فساد الصوم موجب للقضاء. ونقل ابن شاس عن بعض المتأخرين أن الصوم لا يفسد بذلك. أما الشافعية: فقد قال الشافعي والأصحاب رحمهم الله تعالى: إذا ابتلع الصائم ما لا يؤكل في العادة كدرهم ودينار أو تراب أو حصاة أو حشيشًا أو حديدًا أو خيطًا أو غير ذلك أفطر بلا خلاف في مذهبه. وحكي عن أبي طلحة الأنصاري ﵀ والحسن بن صالح، أنه لا يفطر بذلك. وحكوا عن أبي طلحة أنه كان يتناول البرد وهو صائم ويبتلعه ويقول: ليس هو بطعام ولا شراب. وسند الشافعية ما رواه البيهقي بسند صحيح عن ابن عباس، ﵄، أنه قال: إنما الوضوء مما يخرج وليس مما يدخل. وإنما الفطر مما دخل وليس مما خرج. أما الحنابلة: فقد سووا بين المتحلل وغيره. يقول البهوتي عادًّا لما يترتب عليه الفطر: (أو أدخل إلى جوفه شيئا) من كل محل ينفذ إلى معدته (مطلقا) أي سواء كان ينماع ويغذي أو لا , كحصاة وقطعة حديد ورصاص ونحوها، ولو طرف سكين من فعله أو فعل غيره بإذنه فسد صومه.

стр. 16838

المتخلخل النافذ إلى ما وراء الحلقوم: نعني بالمتخلخل النافذ إلى ما وراء الحلقوم ما يشمل: ١) الدخان. ٢) الغبار. ٣) البخار. ١) الدخان: الدخان هو تحول كيميائي يحصل في المادة عند الاحتراق, يدخل الدخان من الفم وينفذ إلى ما وراء الحلقوم, وكما يقول الدكتور محمد علي البار وهو يتحدث عن دخان السجائر أو الشيشة: إنه يمر من الفم والبلعوم الفمي ثم ينزل جزء منه إلى البلعوم الحنجري ومنه إلى الرغامي فالرئتين، وينزل الجزء الآخر إلى المريء فالمعدة. ولا شك أن الدخان يحتوي على مواد عالقة تختزن في الممرات التي تعبرها وتحدث تأثيرها. الحنفية: يفصل الحنفية بين دخول الدخان بدون قصد وبين إدخاله. يقول في الدر المختار: " لو أدخل حلقه الدخان أفطر أي دخان كان، ولو عودًا أو عنبرًا , لو ذاكرًا لإمكان التحرز عنه، فلينتبه ". كما ذكره الشرنبلالي، ويعلق ابن عابدين: " ولا يتوهم أنه كشم الورد ومائه والمسك، لوضوح الفرق بين هواء تطيب بريح المسك وشبهه، وبين جوهر دخان وصل إلى جوفه بفعله ". وبهذا يكون الدواء الذي يقذف به في النار ليجذبه المريض من فمه إلى الداخل مفطرا عند الحنفية. أما المالكية: فيقول خليل فيما على الصائم تركه: (وبَخور) ويعلق عليه عبد الباقي الزرقاني: أي وبترك إيصال بخور. وبهذا يتفق المالكية مع الحنفية أن الإيصال هو المفطر. وهو ما صرح به العدوي: فلو وصل بغير اختياره لم يفطر. حكم التداوي بالدخان: كل دواء يؤثر بواسطة إدخال دخانه إلى الباطن مفطر، لأنه يترسب من مادته ما يؤثر في الصائم، فهو والأكل في الحقيقة سواء. ٢) البخار: نص الزرقاني أن إيصال بخار القدر يحصل به غذاء للجوف لأن ريح الطعام يقوي الدماغ. ونقل الحطاب عن الشيخ ابن أبي زيد: واستنشاق قدر الطعام بمثابة البخور؛ لأن ريح الطعام له جسم ويتقوى به الدماغ، فيحصل به ما يحصل بالأكل. ولما كان البخار تحول في تماسك جزئيات الماء، إذ يتخلخل الماء بالحرارة ثم يتجمع عندما يعود إلى ما كان عليه. وإن كنت لم أجد فيما وصلته يدي من كتب الحنفية والشافعية نصًّا إلا أنه لا شك في إجرائه على حكم الدخان. حكم التداوي بالبخار: كل دواء محلول مائع ينقلب إلى بخار ويدخله المريض إلى باطنه من منفذ الفم الظاهر: أنه مفطر، سواء كان تحوله إلى بخار بواسطة الحرارة أو بواسطة الأجهزة المخلخلة.

стр. 16839

٣) الغبار: أما المذهب الحنفي: فظاهر كلام الحنفية أنه لا فارق بين الدخان والغبار , فإذا دخل بنفسه بدون قصد فإنه لا يؤثر، وأن دخل بقصد أثر في الصيام , وصرح بهذا ابن نجيم لمّا قال: وغبار الطاحونة كالدخان. أما المذهب المالكي: فيقول خليل بأنه لا قضاء في غبار طريق وفى دقيق أو كيل أو جبس لصانعه. يفهم من كلام شراحه: أن ما دخل غلبة مما لا يمكن التحرز منه، إما لعمومه كغبار الطريق، أو للحاجة كصناعة الطحانين والكيالين وحراس الأندر وصناع الجبس، أنهم لا يفطرون بما نفذ من الفم إلى داخلهم. وأفتى الشيخ أحمد هريدي لما سئل هل يفطر مريض الربو باستعماله الجهاز المعروف بجهاز البخاخة، أفتى: إذا كان الدواء الذي يستعمله بواسطة البخاخة يصل إلى جوفه عن طريق الفم أو الأنف فإن صومه يفسد , وإذا كان لا يصل منه شيء إلى الجوف فلا يفسد. وليس الأمر في الواقع على الاحتمال فإنه من المؤكد أن جذب الدواء بواسطة البخاخ ينفذ إلى ما وراء الحلق. وحينئذ يكون حكم التداوي بالغبار ومنه البخاخ: القصد إلى التداوي بمادة مسحوقة سحقًا ناعمًا ينفذ إلى ما وراء الحلق بجذبها بالفم والنفس أو بآلة؛ مفطر وموجب للقضاء إذا كان المرض غير ملازم.

стр. 16840

المنفذ الثاني - الأنف: الأنف منفذ إلى الحلق وما وراءه قطعًا، يدرك ذلك حتى غير أهل الاختصاص، فكثير من العمليات الجراحية يدخل الفريق الطبي أنبوبًا طرفه بالمعدة وطرفه بجهاز استقبال يتجمع فيه إفرازات المعدة. وبالرجوع إلى نظريات الفقهاء نجد: الحنفية يقولون: أن المتحلل المار من الأنف مفطر إذا بلغ ما وراء الحلق، وهو السعوط. ويقول ابن عابدين تعليقًا على قول المتن: (أو اسْتَعَطَ) والسعوط الدواء الذي صب في الأنف وأسعطه إياه، موجب للإفطار والقضاء , ويعلل ذلك بأن الإفطار بالسعوط إفطار معنى لا صورة؛ لأن السعوط يقع بدون ابتلاع الذي هو الصورة. ويترجح ما ذهب إليه ابن عابدين خلافًا لمن ذهب إلى أن ذلك يصل إلى الدماغ؛ لأن الدماغ لا مدخل له في السعوط , وأنه مبني على ما يتوهم أن الاستنشاق لما كان تصعيدًا ظن أنه يمر إلى الدماغ، مع أن قنواته تنزل إلى الحلق. أما المالكية: فيرون أن مرور المائع من الحلق عبر الأنف موجب للفطر. قال اللخمي: يمنع الاستعاط لأنه منفذ متسع , ولا ينفك المستعط من وصول ذلك إلى حلقه , ولم يختلف في وقوع الفطر. ولم أجد تفصيلًا في كتب المالكية ولا اختلافًا إلا في اعتبار منفذ الأنف أهو واسع كما نص اللخمي وابن عبد السلام، أو هو ضيق وهو ما تفرد به الخرشي. أما الحنابلة فيرون أن السعوط مفطر لأنه يصل إلى الدماغ: يفطر بكل ما أدخله إلى جوفه أو مجوف في بدنه كدماغه وحلقه. فالاتفاق بين المذاهب الأربعة أن السعوط إذا تجاوز الأنف مفطر، إلا أن الحنفية عللوا الفطر بنفاذه إلى المريء، والشافعية والحنابلة بصعوده إلى الدماغ , والعلم التجريبي يؤيد وجهة النظر الأولى , وأن القوة المودعة في جسم الإنسان التي تحيل الداخل ليست في الدماغ قطعًا. إدخال الدواء عبر الأنف سواء أكان مائعًا أم غبارًا أم دخانًا أم بخارا هو في الظاهر عندي مفطر. وأما إدخال أنبوب لإخراج المحرازات المعدة، فغير مفطر إلا على رأي الشافعية.

стр. 16841

المنفذ الثالث - العين: يرى الحنفية أن الكحل نهارًا لا يفطر, ولا يكره عمله, وفي الدر المختار: أو اكتحل وإن وجد طعمه في حلقه. وفي رد المحتار: وكذا لو بزق فوجد لونه في الأصح. وعلل ذلك بأن الموجود في حلقه داخل من المسام. الذي هو خلل البدن، والمفطر هو الداخل من المنافذ، للاتفاق على أن من اغتسل فوجد برده في باطنه أنه لا يفطر. فعلى هذا التعليل لا يعتبر الحنفية على الراجح عندهم العين منفذًا , وبهذا يستوي الكحل مع المائع. ويرى المالكية أن العين منفذ ظاهر كالفم والأنف , فإذا لم يجاوز العين إلى الحلق فلا فطر , وإن تداوى بدواء وجد طعمه أو لونه في حلقه أفطر. يقول الزرقاني: فمن اكتحل نهارًا، فإن تحقق عدم الوصول للحلق فلا قضاء عليه , ومحل وجوب القضاء فيما يصل إذا فعله نهارًا, فإن فعله ليلًا فلا شيءعليه أن وجد طعمه بالنهار. والحنابلة يرون: أن ما بلغ الحلق من العين كالكحل مفطر. يقول ابن قدامة: فأما الكحل فما وجد طعمه في حلقه، أو علم وصوله إليه فطره، وإلا لم يفطره. نص عليه أحمد. ورأي المالكية والحنابلة أرجح؛ لأن علماء التشريح يثبتون أن الله خلق العين مشتملة على قناة تصلها بالأنف ثم بالبلعوم , فما بنوا عليه رأيهم في عدم الفطر أنه لا صلة بين العين والحلق إلا من طريق المسام أكد العلم خلافه. فتقطير الدواء في العين في نهار الصيام مفسد للصوم , موجب للقضاء.

стр. 16842

المنفذ الرابع - الأذن: مذهب الحنفية: أطلق في الكنز القول بأن التقطير في الأذن مفطر، وتعقبه ابن نجيم قائلًا: المائع الواصل إلى باطن الأذن أن كان دهنًا فكما قال، وأما الماء: فالذي اختاره صاحب الهداية أنه لا يفطر سواء أدخل بنفسه أو أدخله. وبه صرح الولوالجي معللًا بأنه لم يوجد الفطر لا صورة ولا معنى. ونقل عن قاضي خان في فتاواه أنه إن خاض الماء فدخل أذنه لا يفطر، وإن أدخل الماء إلى أذنه أفطر. ورجح هذا التفصيل في فتح القدير. وحصل ابن عابدين مذهب أبي حنيفة فقال: والحاصل الاتفاق على الفطر بصب الدهن، وعلى عدمه بدخول الماء. واختلاف التصحيح في إدخاله. مذهب المالكية: سوى المالكية بين منفذ الأنف والعين والأذن. يقول خليل: أو وصل المتحلل فقط إلى حلق من أنف وأذن وعين. وذكر ابن عبد السلام في شرحه على مختصر ابن الحاجب أن المائع إذا دخل من المنفذ الضيق من الأعالي أو من الأسافل حتى وصل ذلك إلى المعدة: فاختلف فيه على ثلاثة أقوال؛ أحدها وجوب القضاء، والثاني سقوطه، والثالث التفصيل بين العين ونحوها فيجب، وبين الأسافل فلا يجب؛ لأنه ليس ببعيد نزول الغذاء من الأعالي، بخلاف العكس. مذهب الشافعية: للشافعية وجهان؛ الأول أنه لو قطر ماء أو دهنًا في أذنه فإنه يفطر، وهو الأصح وبه قطع الشيرازي في المهذب. والثاني لايفطر. ومذهب الحنابلة: أن ما يدخل من الأذن من المائعات ويصل إلى الدماغ فهو مفطر. يقول البهوتي: أو قطر في أذنيه شيئًا وصل إلى دماغه فسد صومه، لأنه واصل إلى جوفه باختياره، أشبه الأكل. والذي أثبته علماء التشريح بالاعتماد على المشاهدة والتجربة أن الأذن ليس بينها وبين الجوف ولا الدماغ قناة ينفذ منها المائعات إلا إذا تخرمت طبلة الأذن.

стр. 16843

المنفذ الخامس - الرأس السالم: إذا دهن رأسه في نهار رمضان بدواء فهل يؤثر في صومه؟ ظاهر قول ابن الحاجب أنه وقع خلاف , فذهب بعضهم إلى أنه يفطر بذلك، وذهب آخرون إلى التفصيل؛ فإن وجد طعمه في حلقه أفطر، وإن لم يجد لم يؤثر ذلك في صحة صيامه، وفرق بعضهم بين النفل فلا يؤثر وبين الفرض فيفطر به. والذي أكده العلم التجريبي أنه لا منفذ يجمع بين ظاهر البدن والحلق وما وراءه على الخصوص , ولذا لا وجه للقول بأن الإحساس بطعم الدهن موجب للفطر. وللصائم أن يطلي ظاهر جسده بما هو في حاجة إليه من الأدوية وهو صائم دون أن يؤثر ذلك في صومه. المنفذ السادس - الدبر: كما يصل الدواء المؤثر من المنافذ العالية: الفم والأنف والعين، فكذلك يصف الأطباء الأدوية من منفذ الشرج , والاعتماد على هذا المنفذ في الطب يشمل: ١ - إدخال جهاز غير متحلل يساعد على أخذ صورة لبعض أجهزة الجسم الواقعة في ذلك المحيط والتي لا تتأتى إلا منه. ٢ - الكشف بواسطة إدخال الطبيب أصابعه، لمعرفة إمكان وجود ورم ونحوه في بعض الأجزاء من الجسم. ٣ - إدخال سوائل مساعدة على الكشف. ٤ - إدخال سوائل محتوية على محلول أدوية أو مساعدة على التغوط. ٥ - إدخال فتائل تذوب بحرارة الجسم، ثم تبلغ أعالي المصير وتؤثر في العلاج. ٦ - دهن الشرج بمراهم.

стр. 16844

إدخال غير متحلل: يشمل هذا الأجهزة والكشف بالجس بواسطة الأصابع. الذي عليه الحنفية أن إدخال ما لا يستقر من الشرج غير مفطر , أما المذهب المالكي: فجاء في المدونة ما ظاهره يفيد أن إدخال غير المتحلل لا يفطر، ولا قضاء. وسئل مالك عن الفتائل تجعل للحقنة قال: أرى ذلك خفيفًا ولا أرى عليه فيه شيئًا. ثم نقل عن ابن وهب قال ابن وهب: قال مالك فيمن يحتقن أو يستدخل شيئًا من وجع قال: أما الحقنة فإني أكرهها للصائم , وأما السبور فإني أرجو أن لا يكون به بأسًا. قال ابن وهب: والسبور: الفتيلة. وأكد هذا الحطاب وقوله: في الحقنة بالفتائل لا شيء عليه؛ دل على أن كلامه في الفطر إنما هو في الحقنة المائعة، وهي التي فيها الخلاف كما قال اللخمي. ودقق الزرقاني فقال: أن الجامد لا يفطر إذا وصل إلى المعدة إلا أن يتحلل قبل الوصول، والفتائل لا تفطر ولو كان عليها دهن. المذهب الشافعي: قال النووي: لو أدخل الرجل أصبعه أو غيره دبره أو أدخلت المرأة أصبعها أو غيره دبرها أو قبلها وبقي البعض خارجًا بطل الصوم. المذهب الحنبلي: يفطر بكل ما أدخله إلى جوفه أو مجوف في جسده.

стр. 16845

حكم الكشف بإدخال غير المتحلل: هو عند الشافعية والحنابلة مفطر , وعند الحنفية كذلك؛ لأنه يستعان على إدخالها بطلاء الجهاز أو الأصابع بمراهم. وعند المالكية غيرمفطرة ولا قضاء لذلك. إدخال السوائل داخل الشرج: إذا دخلت السوائل من الشرج سواء أكانت محتوية على مواد بقصد الكشف أو للمداواة ولتيسير البراز فإن الحكم لا يختلف؛ هي مفطرة عند الحنفية والشافعية والحنابلة وعلى الأرجح من مذهب مالك. واختار اللخمي عدم الفطر بالحقنة قال: واختلف في الاحتقان بالمائعات هل يقع به فطر أو لا يقع؟ وألا يقع به أحسن؛ لأن ذلك مما لا يصل إلى المعدة , ولا إلى موضع يتصرف منه ما يغذي الجسم. دهن داخل الشرج بمرهم: دهن داخل الشرج مفطر عند الحنفية والشافعية والحنابلة، غير مفطر عند المالكية. كما يعلم مما قدمناه.

стр. 16846

المنفذ السابع - إحليل الرجل وفرج المرأة: المذهب الحنفي: إذا أدخل إحليله مائعًا أو دهنًا , فنقل عن محمد بن الحسن وأبي حنيفة أنه لا يفطر، والمنقول عن أبي يوسف أنه يفطر. ووجه قول كل منهما، يقول في البحر: هو مبني على أنه هل بين المثانة والجوف منفذ أو لا؟ وهو ليس باختلاف فيه على التحقيق. وأما قبل المرأة فإذا قطرت فيه مائعًا فهو مفسد لصومها قيل: إجماعا عند الحنفية، وقيل: على الراجح. والأصح أنه مجمع عليه. أما المذهب المالكي: فقد جاء في المدونة: قلت: أرأيت من قطر في إحليله دهنًا وهو صائم أيكون عليه القضاء في قول مالك؟ قال: لم اسمع من مالك فيه شيئًا، وهو عندي أخف من الحقنة، ولا أرى فيه شيئًا. فابن القاسم لا يرى قضاء على من تعمد إدخال مائع في إحليله فضلًا عن الذي لا يتحلل. ونص خليل: ولا قضاء في حقنة إحليل. المذهب الشافعي: يقول النووي: وإذا قطر في إحليله شيئًا ولم يصل إلى المثانة أو زرق فيه ميلًا ففيه ثلاثة أوجه؛ أصحها يفطر وبه قطع الأكثرون لأنه منفذ يتعلق الفطر بالخارج منه , فتعلق بالواصل إليه كالفم , والثاني لا يوجب الفطر، والثالث أن جاوز الحشفة أفطر وإلا فلا. أما المذهب الحنبلي: فيقول ابن قدامة: وإذا قطر في إحليله دهنًا لم يفطر به سواء وصل إلى المثانة أم لم يصل؛ لأنه ليس بين باطن الذكر والجوف منفذ. وبناء على ما تقدم: فإن إدخال أنبوب إلى المثانة لتيسير خروج البول إذا احتقن في المثانة وانسد سبيل خروجه فتعسر البول أو تعذر، غير مفطر على ما يراه الحنفية والمالكية والحنابلة وهو وجه عند الشافعية , ويستوي في هذا الرجل والمرأة؛ لأن التشريح كشف أن جهاز البول غير مرتبط بقناة إلى المعدة.

стр. 16847

المنافذ غير الخِلقية: قد تنفتح منافذ إلى داخل الجسم، إما لتعرض الجسم لحادث أو بتدخل الفريق الطبي لعلاج المريض، ونحن نتابع هذه المنافذ تبعًا لما جاء في كتب الفقه. ما يصيب الصائم من جراح، وهي إما أن تكون في رأسه ووصلت إلى أم الدماغ، أو في بطنه أو في بقية جسده , فما يصيب رأسه هو المأمومة، وما يصيب بطنه هي الجائفة، وما سوى ذلك جراح قد تكون سطحية وقد تكون عميقة تصل إلى مخ العظام. ولا غنى للصائم عن العناية بجراحه ومداواتها. المذهب الحنفي: قال في البحر: التحقيق أن بين الدماغ والجوف منفذ. فما وصل إلى الدماغ يصل إلى الجوف , ولذا فإنه إذا داوى الآمة أو الجائفة ووصل الدواء إلى دماغه أو جوفه أفطر وقضى. ثم أن الدواء إما أن يكون يابسًا أو مائعًا , فإذا تحقق وصوله إلى دماغه أو جوفه أفطر, وإن لم يتحقق فإن كان الدواء يابسًا فإنه لا يفطر, وإذا كان مائعًا فهو مفطر عند أبي حنيفة , لأن العادة وصول المائع، وغير مفطر عند محمد وأبي يوسف؛ لأن الوصول مشكوك فيه ولا يحصل الفطر بالشك. وأما المذهب المالكي؛ فقد جاء في المدونة: قلت: أرأيت أن كانت به جائفة فداواها بدواء مائع أو غير مائع ما قول مالك في ذلك؟ قال: لم أسمع منه في ذلك شيئًا ولا أرى عليه قضاء ولا كفارة. قال: لأن ذلك لا يصل إلى مدخل الطعام والشراب, ولو وصل ذلك إلى مدخل الطعام والشراب لمات من ساعته. وهو نص ابن شاس في عقد الجواهر الثمينة. وقد تقدم وجهة نظر المالكية في دواء الرأس، وأن الدماغ وخريطته لا يوجب وصول مائع أو يابس لهما أو لواحد منهما الفطر.

стр. 16848

أما المذهب الشافعي: فقد جاء في المجموع وشرحه ما يفيد أنه أن وصل الدواء من المأمومة أو الجائفة إلى خريطة دماغه أو إلى بطنه أفطر. وأرى أن البحث في هذه القضية يجب أن ينظر إليه في واقع الأمر حسب سنن الله في الخلق , فإذا كانت المأمومة يصل أثر دوائها إلى الأجهزة القابلة ثم المحيلة فهي مفطرة , وإذا كانت تتشربها المسام الظاهرة فلا وجه للقول بتأثيرها في الفطر. وقد أكد الدكتور البار في بحثه أنه لا صلة بين الدماغ والجوف ما دام الحاوي سليمًا. وأنه إذا انكسر فالوضع أخطر من الصيام والفطر؛ لأن المصاب يكون في وضع يستدعي العلاج المكثف , وإجراء عمليات دقيقة وبقاءه مدة في المراقبة المستمرة , وفي بيت الإنعاش أن كتبت له الحياة، وقلما يقع إذا ما انهدم بناء الجمجمة، فالصورة كلها افتراضية. وأما الجائفة فإنه قد يمكن أن تبلغ الطعنة إلى جزء من أجزاء المعدة أو ما اتصل بها من فوق أو من أسفل , وهي حالات تستدعي علاجًا سريعًا ومكثفًا , وإذا تمت مداواة داخل ذلك بدواء فلا شك أنه محقق للفطر إذا نفذ يقينًا إلى الجهاز الذي خلقه الله في الإنسان لهضم ما يرد إليه وتحويله إلى أجزاء الجسم حسب التقدير الدقيق في الخلق. أما إدخال المنظار مع الأجهزة التي تقوم بكشف ما في الداخل للفريق الطبي لاستئصال المرارة أو غيرها أو أخذ عينة فهي لا تعتبر مفطرة عند الحنفية لعدم الاستقرار، والانفصال عن الخارج؛ إذ هذه الأجهزة طرفها في داخل الجسم وطرفها الآخر بيد الفريق الطبي. وكذلك أخذ عينة لتحليلها من الكبد أو الطحال أو أي جزء من الباطن , وكذلك هي غير مفطرة عند المالكية لعدم وصولها إلى المعدة , وكذلك عند ابن تيمية. وهي مفطرة عند الشافعية والحنابلة. والرأي الأول أولى بالأخذ؛ لليقين بأن من أدخلت في بطنه هذه الأجهزة لم يأكل ولم يشرب ولم يتغذ، ولم يصل شيء إلى الجهاز الهضمي الذي يقوم عليه الصيام. وأما التغذية من ثقب بالمعدة فلم أجد من تعرض لها من الفقهاء إلا الرهوني , أنهى كلامه على الحقنة بوضع سؤال فقال: وانظر هل مثله (أي الإيصال بحقنة) ما يصل للمعدة من ثقبة تحتها أو فوقها أو كالحقنة بالدبر أو يجري على ما تقدم في الوضوء؟ وما تقدم له في الوضوء: أنه لا يخلو الحال من خروج الخارج من الثقب، أن يكون الثقب في المعدة أو فوق المعدة أو تحت المعدة. والإشكال السابق الذي أورده في باب الصيام، وفرض فيه أن يجري على ما تقدم في الوضوء لا يظهر وجهه، ذلك أن الخارج من الثقب في المعدة يمكن أن يجري فيه القولان , أما في الصيام فلا، لأنه لا رابطة بين التأثير على الصائم وبين انسداد المخرجين. والذي يظهر لي والله أعلم، أنه إذا كان الثقب في المعدة ذاتها فوصول شيء منه مفطر يقينًا , وإذا كان الثقب فوق المعدة في القناة الرابطة بين المعدة والحلقوم فمفطر قطعًا , وإذا كان الثقب تحت المعدة في المسلك الخارج منها فهو جار مجرى الحقنة , وإن كان الثقب فوق المعدة أو تحتها غير نافذ إلى المسلك الفوقي أو التحتي فلا أثر له في الفطر.

стр. 16849

التداوي بالإخراج: كما يتم التداوي بإدخال دواء من منفذ من المنافذ التي تحدثنا عنها فإنه يمكن علاج المريض بالتدخل لإخراج: أ- الدم بالفصد. ٢- الدم بالحجامة. ٣- القيء. إخراج الدم بالفصد والحجامة: أما الفصد فالاتفاق على أنه غير مفطر , وأما الحجامة فقد انتهى أمرها. القيء: وأما الاستقاء فالحنفية قالوا: يتصور باثنتي عشرة صورة , لأنه إما أن يكون ما أخرجه ملء الفم فأكثر أو دون ذلك. وفي كليهما إما أن لا يعود شيء، أو يعيده هو بإرادته بعضه، أو يعود شيء من قيئه غلبة، وفي كل إما أن يكون ذاكرًا لصومه أو ناسيًا له. وتحصيل المذهب أنه أن كان ناسيًا فلا يفطر, وإن كان ذاكرًا أفطر إذا بلغ الخارج ملء الفم ابتلع منه شيئًا أو لم يبتلع , وإن كان أقل من ملء الفم فإن لم يعد شيء منه إلى حلقه لا غلبة ولا بقصد لم يفطرعند أبي يوسف، وهو الصحيح في المذهب، وأفطر عند محمد. وأما المالكية فقالوا: إن من استقاء فقد أفطر، رجع إلى حلقه أو لم يرجع، كان ذلك ملء الفم أو أقل. والشافعية: يرون أن من استقاء فقد أفطر. والحنابلة: يرون أن من استقاء فقد أفطر، وعليه القضاء بغير تفصيل. ودليل الجمهور قوله ﷺ : " من ذرعه القيء فليس عليه قضاء، ومن استقاء عمدًا فليقض ". وبناء على ما قدمناه يتقرر: أولًا: أخذ قدر من دم المريض لتحليله لا يفطر قطعًا؛ لأنه كالفصد. ثانيًا: أنه إذا رأى الطبيب أن من مصلحة المريض أن يفرغ ما في معدته بالاستقاء فليفعل , وأن من استقاء عليه القضاء؛ لأن حالات التسمم ونحوها تستدعي إفراغ كل ما تحويه المعدة. فلا يظهر أثر لتفصيل أبي يوسف. التخدير: التخدير يتم بطرق منها استنشاق غازات تؤثر في الشعور بالإحساس، أو بواسطة حقنة عبر الأوردة الدموية أو بهما أو بغير ذلك , وينقسم إلى قسمين: أ) تخدير جزئي يقتصر مفعوله على جزء من البدن , ويبقى الوعي وإدراك المعالج لما يجري حوله طبيعيًا, وهذا لا يؤثر في الصيام. ٢) تخدير كامل للبدن , بحيث يفقد المعالج معه الوعي بما حوله مع الحرص على أن يستمر على هذه الحالة حسب ما يقرره الفريق الطبي , وهي حالة أقرب ما تكون إلى الإغماء، فيقرر لها من الأحكام ما قرر في الإغماء.

стр. 16850

المذهب الحنفي: أن المغمى عليه إذا نوى الصيام في الليل فصومه صحيح ولا قضاء عليه , يقول ابن نجيم: ويقضي بإغماء سوى يوم حدث في ليلته، لأنه نوع مرض يضعف القوى ولا يزيل الحجى. المذهب المالكي: جاء في المدونة: أنه أن أغمي عليه كل النهار أو جله وجب عليه القضاء , وإن أغمي بعد أن أصبح صائمًا وقد مضى جل النهار وهو صائم لا قضاء عليه , وكذلك إذا نوى الصيام وأصبح معافى ثم أغمي عليه نصف النهار لا قضاء عليه. فإن انقطع صيامه في الشهر ثم أفاق بعد طلوع الفجر عليه القضاء؛ لأنه لم يبيت الصيام من الليل. ويرى ابن القاسم أنه كلما كان وقت الفجر مغمى عليه فعليه قضاء ذلك اليوم. فالمالكية حسب قول ابن القاسم يربطون القضاء: أولًا: بدخوله في الفجر وهو مغمى عليه , طال زمن الإغماء بعد ذلك أو قصر. ثانيًا: بإغمائه أكثر من نصف النهار كان وقت الفجر مغمى عليه أو لا. المذهب الشافعي: إذا انسحب الإغماء على كامل اليوم بعد أن نوى الصيام في الليل فعليه القضاء، وذهب المزني إلى أنه لا قضاء عليه. المذهب الحنبلي: أن المغمى عليه إذا استغرق الإغماء كامل اليوم عليه القضاء , وإن أفاق في جزء منه أيا كان فصومه صحيح ولا قضاء عليه. وبناء على ذلك فإن التخدير لا يوجب قضاء اليوم الذي خدر فيه المريض، سواء استغرق كامل اليوم أو لم يستغرق , ما دام قد بيت الصيام من الليل لذلك اليوم أو للشهر ما لم ينقطع الصيام لعذر.

стр. 16851

التداوي بالحقن: من وسائل معالجة المريض الحقن، وهو أنواع: أ) حقن تحت الجلد. ٢) حقن في العضلة. ٣) حقن عبر الأوردة الدموية. ٤) حقن عبر مفاصل العظام. الحقن تحت الجلد والحقن في العضلة: يقوم الجسم الحي بامتصاص ما يرد عليه من الأدوية بواسطة الحقن تحت الجلد أو في العضلة ليوزعه على الجسد , فهو تشرب يضاهي تشرب مسام الجلد للمراهم وغيرها. ولذا فإن الذي يترجح عندي، والله أعلم، أن هذا النوع لا يؤثر في الصيام , ومثل ذلك الحقن بين المفاصل لتغذية المفصل. الحقن عبر الأوردة الدموية: الحقن عبر الأوردة الدموية إما أن يكون دواء لا ينتفع منه المريض إلا في التغلب على أسقامه أو تخفيف أوجاعه , وإما أن يكون غذاء يعطي للجسم السعرات الحرارية التي كان يحصل عليها بواسطة الغذاء , وتروي الجسم بما هو بحاجة إليه من الماء. أما القسم الثاني فإذا اعتمدنا رأي من يرى أن الصيام عبادة غير معقولة المعنى تعبدية خالصة , فإنه يقتصر على ما وصل إلى الجسم عبر القنوات المعتادة , ومن ربط وريده بمحلول (الغلوكوز) - السكريات - لا يقال له إنه أكل أو شرب , والآية نص في منع الأكل والشرب والشهوة الجنسية ﴿فَالْآَنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ . ولذا فإن الصائم لا يتأثر صومه بذلك ولا قضاء عليه. ومن رأى أن الصيام معقول المعنى، وأنه تحكيم للإرادة في مغالبة شهوتي البطن والفرج، وأن الصيام يضعف غلمة الإنسان وقوته الغضبية، وهما مجاري الشيطان , فلما كان هذا النوع من الحقن يعطي للجسم كل وحداته الحرارية ويحدث فيه التوازن لمتطلباته من الماء، حتى أن الإنسان إذا التهب كبده ظمأ فحقن بهذه المحلولات ذهب عطشه وروي. من رأى أن الصيام معقول المعنى حصل له ظن قوي بالإفطار، وإن كان هذا الإفطار لا يبلغ في صورته مبلغ التغذي من الفم إلا أنه يقاربه , ولذلك كان العامد الصحيح يجب عليه القضاء فيه مع حرمة إقدامه على ما أقدم عليه. أما التغذي من المنافذ المعتادة ففيه مع ذلك الكفارة. ولذا فالقضاء واجب على من ربط وريده بهذه المحلولات. أما السابور الذي يبعثه الفريق الطبي عبر الوريد الدموي من أحد أمكنة الجسم المناسبة لفتح انسداد في معابر الدم من القلب أو الأوردة فإنه غير مؤثر في الصوم. ويجري مجرى إدخال السابور تفريغ دم المريض عبر الأجهزة لتصفيته عند وجود قصور في الكليتين للقيام بوظائفهما. هذا ما حصلته والله أعلم وأحكم، وهو حسبي ونعم الوكيل، نعم المكول ونعم النصير، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. * * *

стр. 16852

التعقيب الدكتور حسان شمسي باشا: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الصوم شرعًا - كما نعلم جميعًا - هو الامتناع الفعلي عن شهوتي البطن والفرج من طلوع الفجر إلى غروب الشمس مع النية. المشكلة في الواقع بالنسبة للصيام هي تحديد معنى الجوف , هل المقصود الجوف هو الجهاز الهضمي، وهو موضع الطعام والشراب، أم أنه غير ذلك؟ هناك بعض الالتباسات التي وردت في بعض كتب الفقه القديمة، بلا شك الفقهاء القدامى معذورون، فلم يكن هناك علم تشريح واضح بمعنى الوضوح مثل الآن , أود أن أطرح أو أن أعرض هذه الالتباسات التي وردت، منها: أن البلغم أو ما يسمى النخامة هي إفرازات تنزل من الجيوب الأنفية , أو تصعد من القصبات الرئوية وليست من الدماغ، هذه حقيقة علمية واضحة. هنا مقطع يبين الجيوب الأنفية، هذه الجيوب تصب على الأنف من خلال فوهات في الجيب، وهي التي تخرج منها هذه السوائل أو ربما خرج البلغم أو صعد من القصبات الرئوية إلى الأنف ومن ثَم إلى الخارج. أود أن أشير إلى نقطة هامة وهي أن الدماغ ليست له أي علاقة بالجوف الهضمي لا من قريب أو من بعيد وليس فيه أي اتصال، وهناك في الواقع سائل دماغي شوكي يحيط بالدماغ من كل جانب كما يحيط بالنخاع الشوكي الذي ينزل إلى أسفل الظهر , هذا السائل الدماغي الشوكي يمكن - كما ذكر سابقًا - أن ينزل إلى جوف الأنف فقط في حالة واحدة وهي الكسر في قاعدة الدماغ. لو كسر هذا العظم هنا أو كسر العظم في أسفل، أي من الخلف، أيضًا يمكن أن ينزل هذا السائل إلى الأنف أو ربما خرج إلى الأذن.

стр. 16853

فالآمة أو المأمومة، الجرح الذي وصل إلى خريطة الدماغ، وهي ما يسمى في الطب الحديث (الأم الجافية) هذه الأم الجافية التي تحيط بالدماغ من كل جانب، فدخول أي طعنة إلى الدماغ ليست واصلة إلى الجهاز الهضمي لا من قريب ولا من بعيد. النقطة الأخرى هي الجائفة: وهي الطعنة التي تدخل في جوف البرتوان، هذا هو الغشاء البرتواني أو ما يسمى بـ (البرتوان) الذي يغلف الأمعاء الدقيقة، فدخول أي طعنة إلى هذا الجوف إذا لم تصل إلى المعدة أو إلى الأمعاء الدقيقة فلا تعتبر من الناحية الطبية منفذًا إلى الجوف. أنتقل الآن إلى الإحليل والمثانة , والمثانة - كما تعلمون - جوف كيسي , هذه هي البروستات تنزل عقب الإحليل إلى القضيب، جوف المثانة لا علاقة له - كما تعلمون - بجهاز الهضم. هذا هو القولون النازل ويتصل بفتحة الشرج، فدخول أي شيء عن طريق الإحليل وحتى لو وصل إلى المثانة ليست له أي علاقة بالجهاز الهضمي. فما يدخل إلى الجهاز البولي من دواء أو قثطرة أو منظار أو سائل في الإحليل في الذكر أو الأنثى وإيصاله إلى المثانة لا علاقة له بالجهاز الهضمي. الأمر نفسه ينطبق على الرحم , هذا مقطع في الرحم وهذا هو المهبل، فدخول أي شيء إلى المهبل أو حتى دخول أي مسبار أو منظار أو أي شيء إلى الرحم لا علاقة له بالجهاز الهضمي. هذا يبين لنا القولون النازل وفتحة الشرج. فإذن ليس هناك أي ارتباط بين المهبل أو جوف الرحم والجهاز الهضمي. فما يدخل عن طريق الجهاز التناسلي للمرأة من تحاميل (لبوسات مهبلية) أو غسيل مهبل أو إدخال منظار أو لولب، كلها من الناحية الطبية، أقول: غير مفطرة، والأمر بالطبع متروك للسادة الفقهاء، فهم الذين يقررون ما هو الصواب.

стр. 16854

نأتي الآن إلى الجلد , في داخل الجلد هناك أوعية دموية، فما يوضع على الجلد - سطح الجلد - من مروخات أو أدهان أو لصاقة تمتص عن طريق الشعيرات الدموية إلى الدم، ولكن امتصاصها بطيء جدًّا ومع ذلك فهي تدخل إلى الدورة الدموية , وما يصل إلى الجسم عبر الجلد من طلاءات أو لصاقات توضع على الجلد؛ التي توضع على المرضى المصابين بالذبحة الصدرية أو غير ذلك، يتم امتصاصها عبر الجلد، والحقن أيضًا التي تحقن في الجلد أو تحت الجلد، كما في حقن الأنسولين مثلًا أيضًا تدخل عن طريق الدم، لكن ليس لها أية علاقة بالجهاز الهضمي. أما الحقن تحت الجلد التي تحدث القيء مثل حقن (أبومورفين) التي تستعمل في علاج المرضى الذين أدخلوا لتسمم دوائي فهذه الحقن تحت الجلد حكمها في ذلك حكم التقيؤ عمدًا. أما ما يصل إلى الجسم عبر الأوردة والشرايين كالحقن الوريدية للتداوي أو التشخيص، أو إدخال قثطرة أنبوب دقيق عبر الأوردة أو الشرايين للوصول إلى القلب أو لتصوير شرايين القلب أو حجره، فهذه أيضًا لا تدخل في ضمن المفطرات، وينطبق على ذلك أيضًا نقل الدم ومشتقاته عبر الأوردة. نتكلم الآن عن موضوع الغسيل الكلوي الدموي , فإذا تم الغسيل الكلوي الدموي كما في هذه الحالة دون إعطاء المريض أية سوائل مغذية فليس هناك مدعاة للإفطار، لكن في كثير من الحالات أثناء إجراء الغسيل الكلوي يمكن إعطاء المريض بعض السوائل المغذية من سينومات سكرية. أما غسيل الكلى البرتواني عن طريق الغشاء البرتواني فتحدث فتحة في داخل البطن، ويدخل عن طريقها لتران من السوائل، ثم تبقى فترة ثم تسحب مرة أخرى وتكرر هذه العملية. هذه العملية يتم عبرها تبادل المواد الموجودة في الدم، وقد يمتص بعض السوائل الداخلة من هذه الفتحة أو من جوف البرتوان إلى الدورة الدموية.

стр. 16855

نعود إلى موضوع الجهاز الهضمي، فهل الجهاز الهضمي هو كل ما يلي الحلق حتى الشرج، أم أنه مقتصر فقط على البلعوم والمريء والمعدة؟ لا بد هنا من تفصيل أو إيضاح ما نقصده بالبلعوم , فالبلعوم ينقسم إلى ثلاثة أقسام: البلعوم الأنفي وهو ما يلي الأنف، ثم البلعوم الفموي وهو الذي خلف اللسان مباشرة، ثم البلعوم الحنجري الذي يلي لسان المزمار. أود أن أنبه إلى نقطة مهمة وهي أن ما نتذوقه من طعام عادة يشعر به عبر الحليمات الذوقية على اللسان , فالطعام الحلو يذاق في مقدمة اللسان والمالح على جانبه , أما الطعام المر أو ذو الطعم المر فيذاق في مؤخرة اللسان. نعود إلى البلعوم الأنفي - كما ذكرنا - وهو الذي تصل إليه إفرازات الأنف والجيوب الأنفية وما يوضع في الأنف من دواء أو بخاخ، كما يصل إليه عن طريق الأنف إفرازات الدموع والأدوية التي توضع في العين. أما البلعوم الفموي وهو خلف الفم مباشرة وعن طريقه يتم ازدراد الغذاء والشراب والدواء وكل ما يدخل الفم ويتم بلعه. البلعوم الحنجري يلي لسان المزمار الذي يقف أثناء التنفس فلا يدع الطعام يدخل إلى الجهاز التنفسي. ما يدخل الجسم عبر الفم والحلق، كالغرغرة وبخاخ تقطير الفم تشبه في حكمها المضمضة. خلع السن في رمضان: يتم خلع السن في رمضان - كما نعلم - بالتخدير بواسطة حقنة موضعية أو يتم التخدير بواسطة بخاخ في الفم، فإذا لم يبلع الدم أو الإفرازات التي تتجمع في الفم، فيبدو أن ذلك لا يسبب الإفطار، وكما نعلم فإن هناك عادة يقف مساعد إلى جانب طبيب الأسنان يسحب هذه السوائل من جوف الفم حتى لا تمتص إلى الداخل.

стр. 16856

ننتقل الآن إلى الأذن، فكما تعلمون، فإن الأذن ترتبط عن طريق قناة أستاشيوس أو قناة أستاش بالبلعوم، لكن هناك غشاء الطبل، هذا الغشاء الذي يقف حاجزًا أمام دخول أية سوائل عبر الأذن إلى البلعوم , إذا كان غشاء الطبل غير مثقوب فلا يدخل أي شيء من الأذن إلى البلعوم أو إلى الجهاز الهضمي , فوضع عود في الأذن أو قطرة دواء في الأذن أو نقطة ما لا تصل الأذن الوسطى، وبالتالي لا تصل إلى البلعوم إلا إذا كانت طبلة الأذن مثقوبة، وحتى ما يصل البلعوم منها فهو ضئيل جدًّا، وربما كان أقل مما يصل إلى البلعوم بعد المضمضة بدون مبالغة. نأتي الآن إلى موضوع قطرة العين , هذه هي الغدد الدمعية التي تصب الدمع في داخل جوف العين , والعين - كما تعلمون - متصلة بقنوات صغيرة تصب في داخل الأنف , فإذا ما يوضع في العين يمكن أن يصل إلى الأنف ويمكن أن يصل إلى البلعوم، ولكن هناك نقطة أساسية فنحن نعلم أن جوف العين لا يتسع لأكثر من قطرة واحدة، وأطباء العين يصفون عادة قطرة توضع في جوف العين، لأنهم يعلمون أنه لا يتسع لأكثر من قطرة واحدة، هذه القطرة لو تخيلنا حجمها فإن الملعقة الواحدة الصغيرة تتسع إلى ٥ سم٣ من السوائل، وكل سم٣ يمثل خمس عشرة قطرة، فإذن القطرة الواحدة تمثل جزءًا من خمسة وسبعين جزءًا مما يوجد في الملعقة الصغيرة. ننتقل الآن إلى موضوع آخر وهو ما يدخل من الشرج إلى الجهاز الهضمي، فكما نعلم فإن الجهاز الهضمي من أسفله أيضًا يمكن دخول السوائل ويمكن امتصاصها عبر القولون، ولكن لا يبتدأ عادة عن طريق الشرج إلا في حالات نادرة كما في بعض الحالات عند الأطفال، أما في المعتاد عند الكبار فلا يستخدم المستقيم أو الشرج لتغذية الإنسان في الوقت الحاضر. ما يدخل إلى الدبر إذن من الحقن الشرجية سوائل يمكن أن تمتص من القولون، أما التحاميل الشرجية فهي تحتوي على مادة دوائية وليس فيها سوائل. المنظار الشرجي أو إصبع الطبيب أيضًا حكمها حكم دخول اللبوسات الشرجية.

стр. 16857

وأود أن أطرح فكرة أساسية، وهي أن اللبوسات الشرجية تستعمل في كثير من الحالات في علاج صداع الشقيقة، والتي تصيب حوالي ١٠ % من الناس، مسكنات آلام المفاصل (أمراض المفاصل الروماتيزمية) وغيرها، الربو القصبي، واستعمال تحاميل (أمينوف) والتي هي مسكنات المغص البطني، خافضات الحرارة ... إلى آخره. هناك حوالي أربعمائة مليون مسلم يصومون كل عام، فإذا أخذنا فقط الشقيقة فإنها تصيب حوالي ١٠ % من المسلمين، أي حوالي أربعين مليونًا مسلمًا صائمًا، هذا إذا قلنا ١٠ % حتى إذا قلنا إنها ربع هؤلاء يبقى حوالي عشرة ملايين مسلم يمكن أن يصابوا بنوبة شقيقة في أحد أيام رمضان، وقد تحتاج إلى تحميلة شرجية. التهاب المفاصل التنكسي أيضًا شائع جدًّا عند النساء فوق ٦٥ سنة، ٦٨ % منهن مصابات بالتهاب المفاصل التنكسي. نأتي الآن إلى موضوع مناظير الجهاز الهضمي، فكما نعلم أن مناظير الجهاز الهضمي إما منظار يدخل عن طريق المعدة أو لتنظير المستقيم، وكلها تدخل إلى الجوف ولكنها ليست بالغذاء. فمنظار المعدة، يدخل عبر الفم إلى البلعوم ثم إلى المريء ثم المعدة، وهناك إما أن يتم سحب قطعة صغيرة أو ينظر ويعلم ما في المعدة من قرحة أو ما إلى ذلك , هناك أيضًا المناظير التي تدخل البطن، وهذا المنظار الذي يستخدم الآن في إجراء عمليات المرارة والفتق ... إلخ , من عمليات جراحية يتم إجراؤها عن طريق تنظير البطن، هذه أيضا لا علاقة لها بالجوف ولا تصل إلى موضع الطعام والشراب ما لم تدخل إلى المعدة أو إلى الأمعاء الدقيقة.

стр. 16858

كذلك الأمر نفسه ينطبق على سحب سوائل من الجوف الذي بين الرئة والعضلات (عضلات الظهر) ، حيث إنه قد يتجمع سائل في الرئة ويضطر الطبيب إلى سحب عينة من هذا السائل من هذه المنطقة أيضًا، هذه ليست لها أية علاقة بالجهاز الهضمي. فأخذ عينات أو خزعات من الأعضاء كالكبد والرئة والكلى أو أخذ شيء من السائل المحيط بالرئة، أو سائل البطن أو السائل الموجود حول الجنين كلها لا علاقة لها بالجهاز الهضمي. بالنسبة لسحب الدم فسحب كمية قليلة من الدم لفحصه لا يؤثر على الجسم ولا يضعفه. أما الأوكسجين فهو جهاز ليست فيه أية مواد تدخل إلى الجهاز التنفسي، ولكن في حالة التخدير فإن هناك مواد - كما تعلمون - كالهلوثين وغيره يمكن أن تدخل عن طريق هذا الجهاز إلى الرئتين. في اعتقادي أنه ينبغي استبعاد موضوع التدخين من موضوع المفطرات كلية لأن التدخين داء وليس بدواء، وليس فيه شيء إطلاقًا من مظاهر التداوي. في موضوع التخدير الكلي هناك غازات مستنشقة كـ (الإيليثي) و (الهلوثين) ويبدأ التخدير بإعطاء حقنة في الوريد من مادة منومة، ثم يدخل أنبوب إلى القصبة الهوائية وبالتالي تستمر عملية التخدير. هناك أمران في التخدير الكلي وهما: - مسألة فقدان الوعي. - مسألة إعطاء السوائل المغذية بالوريد أثناء العملية الجراحية. أما موضوع بخاخ الربو فالمريض الصائم قد يصاب فجأة بنوبة ربوية ويحتاج إلى بخة أو بختين من هذا البخاخ، فيأخذ هاتين البختين ثم يعود إلى ممارسة نشاطه العادي. فأود أن أضع بعض الملاحظات هنا: هذه العبوة هنا تحتوي على ١٠ سم٣ من السائل، ومصممة على إعطاء مئتي بخة عن طريق الفم، فالبخة الواحدة إذن تحتوي على جزء واحد من عشرين جزءًا من السم٣، فإذن تحتوي على أقل من قطرة واحدة التي ذكرنا أنها تمثل جزءًا واحدًا من خمسة وسبعين جزءًا مما في ملعقة الشاي، وربما كان أقل مما يتخلف في الفم من المضمضة أو الاستنشاق. والكمية في الواقع بالرغم من أن هذا الرذاذ يدخل إلى الفم أو الأنف ومنها إلى البلعوم الفمي ثم إلى البلعوم الحنجري ومنه إلى الرغامي فالشعب الهوائية، إلا أن جزءًا قليلًا منه قد يتوضع على البلعوم ويدخل إلى المريء، فالكمية الداخلة إلى الجهاز الهضمي كمية قليلة جدًّا جدًّا.

стр. 16859

وأود أن أشير إلى أن حدوث الربو القصبي يصيب حوالي ٤ - ٥ % من الناس أي أن هناك ستة عشر إلى عشرين مليون مسلم يمكن أن يحتاجوا إلى بخاخ الربو في رمضان. والواقع أود أن أشير إلى نقطة وهي أن السواك في رمضان معلوم أن الرسول ﵊ كان يستاك في رمضان، وهذا ثابت في السنة النبوية الشريفة، والسواك يحتوي على الأقل على ثمان مواد كيماوية، هذه المواد تتحلل في اللعاب وتؤثر على اللثة، أو تؤثر على الأسنان وعلى جوف الفم، فهذه المواد الكيماوية هي في الواقع علاج للأسنان واللثة، وهي مسموح بها - لا شك - في رمضان , فمعظم المرضى في الواقع يصرون على الصيام، والمريض قادر على الصيام إذا ما أخذ الدواء ويعود إلى حياته العادية وإنتاجه، فهل نحرم هؤلاء المرضى من روحانية رمضان؟ لو سمح لي السيد الرئيس في دقيقتين أو ثلاث أشير إلى البحث الآخر الذي وضعته وهو الدليل الطبي للمريض في شهر الصيام، فكما ذكرت فإن كثيرًا من المرضى يستطيع الصيام دون أي تأثير يذكر على حالته الصحية إذا ما تناول علاجه بانتظام، وقد دلت الأبحاث الحديثة على أن عددًا من الأمراض لا يزيدها الصيام سوءًا، بل ربما تتحسن الحالة المرضية بالصيام، وهنا يواجه الطبيب موقفًا حرجًا عندما يسأله المريض فيما إذا كان يستطيع الصيام أم لا؟ هل يقول له: لا تصم فأنت مريض وقد أباح الله لك الإفطار؟ والطبيب في الوقت ذاته يعلم علم اليقين أن ذلك المريض يستطيع الصيام إذا ما تناول بخة في الأنف أو قطرة في العين أو تحميلة في الشرج. مسؤولية كبيرة يشعر بها الطبيب المسلم حينما يأمر مريضه بعدم الصيام ويحرمه لذة الصوم في رمضان. ولو استعرضنا معًا الحالات المرضية التي ينبغي فيها الإفطار لوجدناها محدودة بالتأكيد، فكثير من مرضى الجهاز الهضمي ومنها القرحة يستطيع الصيام مثلًا ما لم تكن هناك أعراض حادة تمنعه من الصيام، أما المصابون بعسر الهضم فالصيام لهم علاج، ولو انتقلنا إلى أمراض القلب لوجدنا أن أكثر المرضى المصابين بارتفاع ضغط الدم يمكنهم صيام رمضان، بل أن الصيام يمكن أن يخفف من وزنهم ويخفض ضغط الدم عندهم. وفي فشل القلب إذا كانت حالة المريض مستقرة أمكنه الصيام، وكذلك الأمر بالنسبة للمصابين بالذبحة الصدرية إذا لم تكن لدى المريض أية أعراض , وهناك حالات معينة من مرض القلب ينصح فيها بالإفطار كالمصابين بجلطة القلب (احتشاء العضلة القلبية) أو الذبحة الصدرية غير المستقرة أو فشل القلب غير المستقر، وهكذا. وحتى المصابين بأمراض الكلى يمكن للكثير منهم الصيام، شريطة متابعة العلاج والتأكد من قبل طبيب الكلى من إمكانية صومهم، وقد أثبتت دراسة حديثة أن مرضى السكر الذين يتناولون الأقراص الخافضة للسكر يمكنهم صيام رمضان مع إجراء بعض التعديلات في علاجهم.

стр. 16860

وكذلك الأمر بالنسبة للمصابين بأمراض الغدة الدرقية والكظرية والأمراض العصبية كالصرع وغيره، إذا كانت حالة المريض مستقرة وتناول علاجه الذي وصفه له الطبيب. أما الحامل فإن كانت سليمة البدن وكانت لا تشكو من أية أعراض وكان سير حملها طبيعيًا أمكنها الصيام أيضًا إذا رأى الطبيب ذلك. وكذلك تستطيع كثير من المرضعات الصيام إذا كانت حالاتهن مستقرة وكانت تغذية الرضيع جيدة. ولهذا نجد الكثير من المرضى يصر - كما ذكرت - على الصيام ويطلب من طبيبه السماح له بذلك، وهذا يقودنا إلى الموضوع الأساسي وهو المفطرات، فكثير من المرضى يستطيع الصيام إذا ما تناول علاجه بانتظام، فقد يحتاج مريض الربو إلى بخة أو بختين من بخاخ الربو، أو مريض الذبحة الصدرية إلى حبة يضعها تحت اللسان، أو مريض الشقيقة أو المصاب بروماتيزم إلى تحميلة شرجية، أو المصاب بالتهاب العين إلى قطرة في العين وهكذا , فهل نطلب من هؤلاء ألا يصوموا كي يتناولوا تلك القطرة أو التحميلة أو البخاخ؟ هذا ما رأيته في هذه العجالة، فإن أصبت فلله الحمد والمنة، وإن أخطأت فمن نفسي، وأستغفر الله العظيم , والأمر متروك أولًا وأخيرًا لسادتنا الفقهاء يقررون ما هو الصواب. والحمد لله رب العالمين.

стр. 16861

الرئيس: شكرًا, أستاذ حسان، أحسنتم كل الإحسان حينما ركزتم على مفهوم الجوف؛ لأن أكثر هذه القضايا الطبية ركزتموها على مفهوم الجوف على أنه موضع الجهاز الهضمي، وإلا فإنه يمسح كثيرًا من الأحكام الفقهية. هذا أولًا. ثانيًا: أحب أن أسأل سؤالًا في قضية النخامة، هل بالإجماع الطبي أنها لا تكون من الرأس؟ الدكتور حسان: نعم بالإجماع الطبي لا شك في ذلك، وهي مفرزات تأتي من الجيوب أو تأتي من الرئتين , لا يخرج من الدماغ أو يدخل من الدماغ إلى الأنف أي شيء إن كان سائلًا. الرئيس: لأن الفقهاء فرقوا بين أن تكون النخامة من الدماغ أو أن تكون من الجوف. الدكتور حسان: ليس هناك أي اتصال بين الدماغ والأنف ما لم يكن ثقب. الرئيس: قضية إذا كان في الأذن ثقب وقطر فيها ودخل كأنكم قررتم بأنه يفطر, كيف تكون إفطارا وهي لا علاقة لها بالجهاز الهضمي؟ الدكتور حسان: هي تدخل إلى البلعوم بلا شك. الرئيس: يدخل الطعم أو قوة النفوذ. جزاكم الله خيرًا.

стр. 16862

الدكتور محمد علي البار: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أفضل المرسلين وعلى آله وصحبه أجمعين. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. أصحاب الفضيلة والسماحة , لقد كفاني أخي وزميلي الدكتور حسان شمسي باشا معاودة تعريف بعض النقاط المتصلة بالجوف، لأنه هو محك الاختلاف في تفسير ما يصل إلى الجوف أو ما لا يصل إلى الجوف، وهذه المشكلات كلها تثير بعض المشاكل للعامة خاصة؛ لأن الفتاوى التي تأتيهم من أصحاب الفضيلة تكون غالبًا مختلفة تمام الاختلاف من فقيه إلى آخر، وقد أحسن المجمع الفقهي صنعًا بإدراج هذه القضية للبحث في هذه الدورة. تعريف الجوف لغة: يطلق الجوف في اللغة على كل شيء مجوف، وجوف الإنسان بطنه. والأجوفان: البطن والفرج. والجائفة: الطعنة التي تبلغ الجوف. وفي الحديث الشريف: " في الجائفة ثلث الدية ". أجافه الطعنة وبها: أصاب بها جوفه. والجوف من كل شيء باطنه الذي يقبل الشغل والفراغ. وتحدث الفقهاء عن الجوف كثيرًا ووسعوا دائرة الجوف، ومنهم من وسعها كثيرًا، ومنهم من ضيقها نسبيًا. عند الأحناف: الجائفة هي التي بلغت الجوف أو نفذته. ولا تكون الجائفة في العنق والحلق والفخذ والرجل، وهي تختص بجوف البطن أو جوف الرأس. وعند الشافعية: الجائفة جرح ينفذ لجوف باطن محيل للغذاء أو الدواء (أي الجهاز الهضمي) أو طريق للمحيل. حقيقة أن كلام الفقهاء في موضوع الجوف فيه اختلاف وفيه عدم دقة. لأنهم اعتبروا ناحية اللغة، واللغة واسعة فيه، كل شيء مجوف في الإنسان يمكن أن يطلق عليه جوف. فالجوف في جسم الإنسان تجاويف عدة، فهي لا تقتصر على التجويف البطني الذي يطلق عليه في العادة لفظ الجوف، فهناك التجويف الصدري وهو مغطى بالغشاء البلوري ويحوي الرئتين، وفي القلب ذاته أربعة تجاويف. وفي عظام الوجه تجاويف عدة تعرف بالجيوب الأنفية، وهي ترخم الصوت وتخفف من وزن الرأس، ولها إفرازات هي التي تصل إلى البلعوم الأنفي. وهو نفس الكلام الذي قاله أخي الدكتور حسان شمسي باشا، هذا الكلام القديم أنه ينزل من الدماغ كان قال به الرازي وابن سينا، ولكنه لا يصح من الناحية الطبية اليوم. وهذه الإفرازات التي يظنونها تأتي من الدماغ هي تأتي من الجيوب الأنفية , وتحدثوا عن الإفرازات التي تأتي من الجهاز التنفسي من الرئتين وغيرهما وهو صواب. وتحدث الفقهاء بناء على ما ذكره لهم الأطباء في ذلك الزمان، تحدثوا عن النخامة واعتقدوا أنها من الدماغ، فبنوا على ذلك الأحكام، وهذه الأحكام غير صحيحة.

стр. 16863

وفي الجمجمة تجويف يشغله الدماغ - وقد رأيتم صورته - وسائل المخ - شوكي الذي يدور حوله - قد شرحت هذا السائل - ولا يصل شيء لا من الدماغ ولا من السائل إلى الجهاز الهضمي على الإطلاق إلا إذا انكسر قاع الجمجمة نفسها مثل ما وضح أخي الدكتور حسان، وهي شيء خطير جدًّا يحدث في بعض الحوادث الشديدة، فقد يصل شيء من هذا السائل إلى الأنف وبالتالي يصل إلى البلعوم، ومنه يمكن أن يصل إلى الجهاز الهضمي، وهذه في حد ذاتها حالة خطيرة جدًّا. أما تجاويف الفرج والقبل وغيرها وتجاويف المثانة فليس لها أي علاقة على الإطلاق بالجهاز الهضمي. فإذًا نقص الكلام على تجويف البطن , البطن كلها تعتبر جوفًا. وتجويف البطن هو الجزء الذي ينحصر بين عضلة الحجاب الحاجز من أعلى، وبين الحاجب الحوضي من أسفل. وينقسم تجويف البطن إلى جزئين رئيسيين هما: تجويف البطن الحقيقي , وهو الجزء الأكبر , ويقع أعلى الجزء السفلي المعروف بتجويف الحوض، والثاني هو تجويف الحوض , ويحتوي التجويف البطني على أعضاء مختلفة من الجهاز الهضمي والجهاز البولي وأوعية دموية وغدد صماء وغير صماء، وأعصاب وغدد لمفاوية وطحال , وتعتبر الكبد والبنكرياس من امتدادات الجهاز الهضمي، حيث تنمو من الأنبوب الهضمي في الجنين , يحتوي تجويف الحوض على أجزاء من الجهاز البولي بالنسبة للرجل والمرأة وهو الجهاز التناسلي أيضًا بالنسبة للمرأة بصورة خاصة , وهناك صور توضح هذا. والجهاز الهضمي من أوله إلى آخره أنبوب مجوف إلا أنه يضيق في مواضع مثل المريء ويتسع في مواضع مثل المعدة، وهو على الحقيقة الجوف المقصود في الصيام، إذ هو موضع الطعام والشراب، وعليه كل ما يدخل إلى الجهاز الهضمي متجاوزًا الفم والبلعوم يكون سببًا للإفطار ومفسدًا للصيام وذلك في نهار رمضان (أو نهار الصيام إذا كان من غير رمضان) ولا بد أن يكون الشخص عامدًا، فالناسي ليس مفطرًا , وإنما أطعمه الله وسقاه كما جاء في الحديث الشريف. ولا يشترط أن يكون ما دخل الجوف طعامًا أو شرابًا فقط وإنما يدخل في ذلك الدواء بل والدخان.

стр. 16864

وهناك خلاف بين الفقهاء حول الدخان (المقصود أي دخان) ولا بد من إدخاله عمدًا وتجاوزه الفم إلى البلعوم (الحلق) وقد يصل إلى الحلق (أي البلعوم) عن طريق الأنف بواسطة صلة البلعوم الأنفي بالبلعوم، فكل ما دخل إلى الأنف من السوائل وغيرها ووصل إلى الحلق (البلعوم) وابتلعه الإنسان يعتبر مفسدًا للصيام عند جمهور الفقهاء. ومن المعلوم أن هناك قناة ما بين العين والأنف، فإذا وضع الإنسان قطرة في عينيه فإنها تصل إلى الأنف، ومن الأنف قد تصل إلى البلعوم، ولذا اعتبرها كثير من الفقهاء مسببة للإفطار ومفسدة للصيام. طبعًا الكمية التي تصل هي كمية ضئيلة كما ذكر الدكتور حسان، ولكن قد يواصل الإنسان وضع القطرات فتتجمع هذه القطرات على مدى اليوم إذا سمحنا له بذلك، وهناك فتحة في الأذن الوسطى وتتصل بقناة إستاكيوس التي تصل إلى البلعوم، وتعرف بالقناة البلعومية السمعية، ولكن الأذن الخارجية (وتشمل الصيوان وقناة السمع الخارجية) تفصلها عن الأذن الوسطى الطبلة وهي غشاء جلدي , ولهذا فإن إفرازات الأذن الخارجية أو وضع قطرات من الدواء , أو الماء أو أي سائل في الأذن الخارجية لا تصل إلى الأذن الوسطى، وبالتالي لا تصل إلى القناة السمعية البلعومية إلا إذا كانت طبلة الأذن مخروقة. وفي الحالات العادية فإن وضع عود في الأذن أو وضع قطرة دواء في الأذن أو نقطة من ماء فإنها لا تصل إلى الأذن الوسطى، وبالتالي لا تصل إلى البلعوم إلا عن طريق المسام الموجودة في الطبلة، وبما أن الطبلة تشبه الجلد فتأخذ حكمه. البلعوم: هو جزء القناة الهضمية الذي يلي تجويف الفم وهو عبارة عن قناة عضلية (تجويف) غشائية مخاطية، يبلغ طولها ١٤ سنتمترًا، تمتد أمام الفقرات العنقية الست العليا، وتنشأ أكثرعضلاتها من قاعدة الجمجمة.

стр. 16865

وينقسم تجويف البلعوم إلى ثلاثة أجزاء: (الأول) الجزء العلوي: خلف تجويف الأنف، ويعرف بالبلعوم الأنفي وهو الذي تصل إليه إفرازات الأنف والجيوب الأنفية، وما يوضع في الأنف من دواء أو بخاخ أو دخان، كما يصل إليه عن طريق الأنف إفرازات الدموع من العين والأدوية التي توضع في العين , وتقع فيه فتحتا الأنف الخلفيتين وفتحتا القناة البلعومية. (الثاني) الجزء المتوسط: وهو خلف الفم مباشرة، ويعرف بالبلعوم الفمي، وعن طريقه يتم ازدراد الغذاء والشراب والدواء وكل ما يدخل الفم ويتم بلعه , وفي هذا الجزء تقع اللهاة واللوزتان الحنكيتان، وتتوسط اللهاة بين البلعوم الأنفي والبلعوم الفمي. (الثالث) الجزء السفلي: ويعرف باسم البلعوم الحنجري، ويقع خلف الحنجرة وفيه تقع فتحتها، والحبال الصوتية الحقيقية والكاذبة. ويغطيه لسان المزمار عند البلع؛ حتى لا ينساب الطعام والشراب إلى الحنجرة فيحدث الشرق والغصة. وهناك تفصيل للبلع والازدراد وكيف يمر الطعام، وفيه الصور واضحة كما ترونها في البحث حتى لا نأخذ الوقت , فإذا ازدرد الإنسان الطعام أو بلع شيئًا وصل إلى البلعوم الفمي ومنه يصل إلى المريء. أما المثانة فهي عبارة عن عضو عضلي أجوف، وهي كيس لخزن البول الذي تفرزه الكليتان , وينزل منها عبر الحالبين، وتقع المثانة في الحوض الحقيقي، ولاعلاقة لها بالجهاز الهضمي على الإطلاق. والأوعية الدموية واللمفاوية: كلها مجوفة ويجري فيها الدم أو اللمف. واختلف الفقهاء في الحجامة والفصد، فقال بعضهم أنها مفسدة للصيام لقوله ﷺ : ((أفطر الحاجم والمحجوم)) , ومال آخرون إلى أن الحجامة ليست سببًا للإفطار وإفساد الصيام، لأنه احتجم الرسول ﷺ وهو صائم. وأما إدخال الدواء إلى الأوعية الدموية فقد أفتى معظم العلماء في العصر الحديث بأنه ليس سببًا للإفطار وإفساد الصيام، ومن باب أولى الزرق (الحقن) في العضل وتحت الجلد. وأما إدخال المحاليل والسوائل (مثل محلول الملح ومحلول الغلوكوز وهو نوع من السكر والمغذيات الأخرى) فقد كرهها الفقهاء المعاصرون، ورأى كثير منهم أنها تفسد الصيام. فإذا ناقشنا هذه النقاط الأساسية لا داعي للدخولى في محاولاتي أنا؛ في محاولة فهم أقوال الفقهاء لأنها طبعًا مذكورة للعامة وليس للفقهاء، فالفقهاء يعرفون أكثر من ذلك.

стр. 16866

مناقشة المفطرات في مجال التداوي: ضابط المفطرات مما يصل إلى الجوف بما أن الصيام إنما هو الإمساك عن الطعام والشراب والجماع، فإنه يتبين من ذلك أن المقصود هو الامتناع عن شهوتي البطن والفرج، وعليه فإن الجوف لا يعدو الجهاز الهضمي متى تجاوز الفم ووصل إلى البلعوم (يسميه الفقهاء الحلق) وبالتالي فإن وصول الطعام والشراب عمدًا إلى البلعوم ومنه إلى المريء فالمعدة سبب مجمع عليه في إفساد الصيام وتسبب الفطر، إذا كان ذلك في النهار من الفجر إلى غروب الشمس، ويتفق الفقهاء على أن تعاطي الدواء أو أي شيء آخر عن طريق الفم متى وصل إلى البلعوم ومن ثم إلى المريء فالمعدة عمدًا في نهار الصيام يؤدي إلى إفطار الصائم وإفساد صومه. ويمكننا أن نقسم قائمة المفطر ات في مجال التداوي إلى الأقسام التالية: ١ - ما يدخل الجسم عن طريق الجهاز التنفسي: مثل البخاخ للربو وما يستنشق من الأدوية، وتدخين بعض المواد ويؤخذ بخارها مثل صبغة الجاوي وغيرها، توضع في ماء مغلي فيختلط بخار الماء مع الدواء ويستنشقه الإنسان، أو غيره من الأدوية، وتدخين السجائر والشيشة والنشوق (السعوط) , وهذه كلها إما سوائل وفيها مواد عالقة وتدخل إلى الفم أو الأنف وتستنشق، ومنها إلى البلعوم (الفمي أو الأنفي) ومن البلعوم إلى المريء فالمعدة. كما يذهب جزء آخر من البلعوم الفموي إلى البلعوم الحنجري، ومنه إلى الرغامي فالشعب الهوائية فالرئتين , وقد أسلفنا القول في أن هذه المواد تدخل إلى الجوف الذي حددناه بالجهاز الهضمي. ولا شك أن من تعقد إدخال هذه المواد إلى فمه أو أنفه ومنها إلى بلعومه ومعدته يكون مفسدًا لصومه متى فعل ذلك في نهار الصيام. وإن كنت أتفق مع أخي الدكتور حسان شمسي باشا في أن الكمية التي يستخدمها مريض الربو تكون كمية ضئيلة، لكنها لا شك أنها تصل، وهناك وسائل أخرى قد تكون أيضًا سوائل توضع في قربة صغيرة ليستنشق منها المريض يعني أنها أكثر من البخاخ، وتكون فيها كمية من السوائل وكمية من الدواء أكثر مما هو في البخاخ لوحده. تحديد الكمية لا أدري إن كان له دور في هذا، أو أن العمدة في ذلك أنه يصل إلى الجوف. وأما الأوكسجين الذي يعطى لبعض المرضى فهو هواء، وليس فيه مواد عالقة لا مغذية ولا غيرها، ويذهب أغلبه إلى الجهاز التنفسي، وتنفس الهواء كما هو معلوم ضروري لحياة الإنسان، ولم يقل أحد قط أن استنشاق الهواء مفطر للصيام. وأما التخدير الكلي فإنه غازات مستنشقة مثل الأثير وغيره، وعادة ما يبدأ التخدير الكلي بحقنة في الوريد من عقار الباربيتورات السريع المفعول جدًّا، فينام الإنسان في ثوان معدودة، ثم يتم إدخال أنبوب مباشر إلى القصبة الهوائية عبر الأنف ويتم إجراء التنفس بواسطة الآلة، وبواسطتها أيضًا يتم إدخال الغازات المؤدية إلى فقدان الوعي فقدانًا تامًا , وهذه كلها لا علاقة لها بالجهاز الهضمي وبالتالي ليست مفسدة للصيام , ويبقى في الموضوع مدة الإغماء وفقدان الوعي، وهي في ذاتها قد تكون مسببة للإفطار، ثم يبقى بعدها موضوع إعطاء المريض السوائل (المغذية) بواسطة الزرق في الوريد , وهي كما يرى كثير من الفقهاء مسببة للإفطار.

стр. 16867

٢ - ما يدخل الجسم عبر الفم والحلق: ومن ذلك الغرغرة وبخاخ تعطير الفم، وهذه تشبه المضمضة فإن بالغ الشخص أو زاد عن الثلاث ووصل الماء إلى الجوف فإنها لا شك تسبب الإفطار. وكذلك السؤال عن قلع السن في نهار رمضان، ويستخدم الطبيب البنج (التخدير) الموضعي، فإن كان التخدير بحقنة (إبرة) موضعية فلا بأس، وإن كان بواسطة بخاخ عاد الحكم إلى ما سبق أن ذكرناه من وصول مواده إلى الحلق والبلعوم والمريء والمعدة. ثم إن الدم أو الإفرازات التي تتجمع في الفم في عملية قلع السن أو أي عملية أخرى في الفم إن ابتلعها المريض عامدًا أفطر، وإن انسابت دون إرادته فلا شيء عليه، لما ثبت من قوله ﷺ : ((من أكل أو شرب ناسيًا فليتم صومه , فإنما أطعمه الله وسقاه)) وفي رواية الدارقطني: ((إذا أكل الصائم ناسيًا أو شرب ناسيًا فإنما هو رزق ساقه الله إليه، ولا قضاء عليه)) . ٣ - ما يدخل إلى الدبر: وهو الحقنة الشرجية ومنظار الشرج وإصبع الطبيب والفرزجات (اللبوس) ، والدبر متصل بالمستقيم، والمستقيم متصل بالقولون وهو المعي الغليظ، يبدأ بالقولون السيني ثم القولون النازل ثم القولون المعترض ثم القولون الصاعد ثم الأعور، ومنه إلى الأمعاء الدقيقة , ويمكن امتصاص الدواء أو السوائل منها، وهي جزء من تعريفنا للجوف وهو الجهاز الهضمي، وعليه فيبدو - والله أعلم - أنها سبب لإفساد الصيام وإفطار المريض. ٤- ما يدخل عن طريق الجهاز التناسلي للمرأة: وفيه المهبل وهو الذي يطلق عليه الفرج والقبل، وقد أسلفنا القول أنه ليس بالتجويف على الحقيقة بل الجداران الأمامي والخلفي ملتصقان، ولكنهما مرنان فيسمحان بدخول الذكر أو نزول الجنين أو الدم، أو إدخال منظار أو إصبع أو فرزجة، ويمكن امتصاص الدواء من المهبل، وتستخدم بعض الأدوية لهذا الغرض بواسطة الفرزجات (اللبوس، التحاميل) أو بواسطة ما يسمى دوش مهبلي (غسيل المهبل) ... إلخ. ولولا أن المهبل هو مكان الجماع، وإدخال الحشفة فيه مسبب للإفطار بالجماع (إذا كان ذلك عمدًا في نهار الصيام) ، فإنه من اليسير القول بأن المهبل ليس الجوف المراد في موضوع الصيام ولا علاقة له بالجهاز الهضمي.

стр. 16868

٥ - وكذلك ما يدخل إلى الجهاز البولي، وهو بعيد كل البعد عن الجهاز الهضمي. ٦ - وما يصل عبر الأذن إذا كانت الأذن ليست مخرومة الطبلة فإنه لا يصل إلى الجوف. ٧ - تنظير البطن: من الجدار الخارجي للبطن عبر جهاز التنظير، ويتم ذلك لإجراء التشخيص للأمراض وإجراء العمليات الجراحية، ولسحب البييضات في عملية التلقيح الصناعي (طفل الأنبوب) ، وغيرها من الأغراض. وهذه كلها لا تعتبر الجوف الذي حددناه بالجهاز الهضمي. أما المناظير المختصة بالجهاز الهضمي سواء كانت من أعلى (أي الفم وتصل إلى المعدة) أو من أسفل (أي من الدبر وتصل إلى الأمعاء) فإنها كلها مواد تدخل إلى الجوف، وإن كانت لا علاقة لها بالغذاء. طبعًا تغطى بمادة دهنية ويلصق منها جزء في الجهاز الهضمي , وفي معظم الأحوال تقتصرعلى التشخيص فقط، ونادرًا ما يتم عبرها حقن دواء للدوالي وغيرها. وعليه فإن حكمها سيأخذ حكم ما تم إدخاله عبر الفم أو عبر الشرج (الدبر) وفي ظني أنها سبب للإفطار، والله أعلم. ٨ - أخذ عينات (خزعات) من الكبد أو غيره من الأعضاء: الباطنة مثل الكبد أو الرئة أو الكلى أو أخذ شيء من السائل الموجود في الغشاء البلوري المحيط بالرئة، أو الغشاء البريتوني المحيط بأحشاء البطن في حالة الاستسقاء، أو السائل الموجود حول الجنين وهو السائل الأمنوسي (الرهل) فكلها كما يبدو لا علاقة لها بالجهاز الهضمي الذي قلنا إنه المقصود بالجوف في حالة الصيام. ٩ - إجراء غسيل الكلى البريتوني: وفي هذه الحالة يتم إدخال لترات من السوائل إلى الغشاء البريتوني وإبقاؤها فترة ثم سحبها مرة أخرى، ثم إعادة العملية ذاتها مرات عديدة , وفي هذه الحالة يتم تبادل المواد الموجودة في الدم عبر البريتون، ويبدو لي (والله أعلم) أن هذا كله لا علاقة له بالجهاز الهضمي، ولكن يتم بها امتصاص بعض المواد الموجودة في الغلوكوز وغيره.

стр. 16869

١٠ - ما قد يصل إلى الجسم عبر الجلد: مثل الأدهان والمروخات والطلاءات، ويتم امتصاصها عبر الجلد، كما انتشر في الآونة الأخيرة وضع الدواء على لصقة توضع على الجلد ويتشربها الجلد وتمتص منه. وكذلك الحقن (الزرق) في الجلد وتحت الجلد وفي العضلات. وسواء كانت للعلاج أو التشخيص أو الوقاية مثل التطعيم ضد الأمراض المعدية أو التخدير الموضعي فإنها كلها ليست سببًا للإفطار وإفساد الصيام لأنها لا علاقة لها بالجهاز الهضمي. وأما إعطاء الإبر (الزرق، الحقن) تحت الجلد بمادة تعرف باسم الأبومورفين أو غيرها لإحداث القيء (في حالات التسمم) فإنها ربما دخلت في موضوع القيء عمدًا (الاستقاء) وهو كما مر معنا سبب للإفطار؛ لقوله ﷺ : ((من ذرعه القيء وهو صائم فلا قضاء عليه، ومن استقاء فليقض)) . ١١ - ما قد يصل إلى الجسم عبر الأوعية الدموية، مثل الأوردة والشرايين: ومثالها الزرق (الحقن) الوريدية وسواء كانت عقاقير للتداوي أو للتشخيص بمواد ملونة كما يمكن إدخال قثطرة (أنبوب دقيق) عبر الأوردة أو عبر الشرايين وتصل إلى القلب مباشرة لتصوير شرايين القلب أو مداواتها. ويمكن نقل الدم أو مشتقاته عبر الأوردة، كما يمكن سحبه منها، ويمكن إجراء الغسيل الكلوي الدموي (الإنفاذ الدموي) عبر أوردة متصلة بالشرايين. ويمكن كذلك إعطاء سوائل مغذية بواسطة الحقن (الزرق) بالوريد حيث تسرب هذه المحاليل. وكل هذه الوسائل يبدو أن لا علاقة لها بالجهاز الهضمي، وأفتى كثير من أصحاب الفضيلة العلماء الأجلاء بعدم كونها سببًا للإفطار ما عدا المغذيات التي أفتى أغلبهم بأنها سبب للإفطار. وهذه الأوردة والشرايين رغم أنها مجوفة إلا أنها لا تدخل في تعريف الجوف المخصوص والمقصود بالصيام وهو الجهاز الهضمي. ١٢ - سحب الدم والحجامة والفصد: لا يزال طبعًا يتم سحب الدم وهو شبيه بالفصد , ذكر أكثر العلماء القدماء والمحدثين بأن ذلك كله لا يسبب الإفطار، وأن في الحجامة كلام مختلف فيه بناء على قوله ﷺ : ((أفطر الحاجم والمحجوم)) , وهل هذا الحديث منسوخ أو ناسخ لحديث أنه احتجم ﷺ وهو صائم ... وقد كره العلماء الحجامة والفصد في نهار رمضان لأنها تضعف الجسم , أما سحب كمية قليلة من الدم لفحصه فلا يؤثر على ذلك. أرجو أن أكون قد استوفيت الرد على النقاط المذكورة في رسالة الأمانة العامة للمجمع الفقهي الموقر حول المفطرات في مجال التداوي من الناحية الطبية، مع بعض الإشارات من الناحية الفقهية المتعلقة بها، فإن أصبت فبفضل من الله، وإن أخطأت فمني ومن الشيطان , وأستغفر الله العظيم وأتوب إليه من خطأ عمد أو سهو. ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ . وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

стр. 16870

الرئيس: شكرًا، كم كان بودي يا أستاذ محمد لو أعرف هل هناك مفارقات بين ما قررتموه وقرره الأستاذ حسان؟ الدكتور محمد علي البار: لا يوجد اختلاف حقيقي. الرئيس: أنا بودي لو تفضلتم حتى إذا كان نسخة مما قبله - يعني ملتقية - فالحمد لله، يعني إلى الآن بالنسبة لي لم أدرك اختلافات نحتاج إلى تتبعها نقطة نقطة. فلو سجلت المفارقات حتى تحرر طبيًّا. الدكتور محمد علي البار: الخلاف بسيط , أولًا: البخاخ أو ما يستخدم من الأنف، نحن متفقون على أن هناك فتحة موجودة من الأنف، ومن البلعوم الأنفي تصل إلى ما بعد ذلك إلى البلعوم الفموي ثم يصل جزء منها إلى المريء، وهو متصل بالجهاز الهضمي، لكننا نختلف في أن هذه الكمية ضئيلة وهي مما يعفى عنه مثل المضمضة؛ لأن المضمضة يتمضمض الإنسان ويبتلع ما بقي منها، أو السواك لأنه يبقى في السواك مواد عالقة موجودة، أو استخدام العلك يبقى مهما كان مواد متحللة موجودة , فهل إذا بلع هذه المواد هل هو من المعفو عنه؟ أخي الدكتور حسان يقول: إنها لا شك أن هذا البخاخ معفو عنه لأن الكمية ضئيلة جدًّا، أما أنا فأتركها للسادة الفقهاء وأقرر الحقيقة الطبية التي نحن متفقون عليها وهي أن هناك فتحة موجودة، قد تكون الكمية في هذا البخاخ ضئيلة، وقد تكون في جهاز آخر تكون الكمية أكبر، قد تتكرر أثناء النهار. الرئيس: المهم المنفذ موجود. الدكتور محمد علي البار: المنفذ موجود ومتفقون عليه. فيه نقاط، إذا أردتم النقاط التي نختلف فيها. الرئيس: حفظكم الله، النقاط التي تختلفون فيها أنها تكتب وتوزع.

стр. 16871

الدكتور البار: الاتفاق من الناحية العلمية واحد، وهي ثلاث أو أربع نقاط. نحن أيضًا متفقون على الأذن، أن ما فيها فتحة مباشرة إذا كانت الطبلة موجودة أما إذا كانت الطبلة قد انخرمت ففيه فتحة من داخل الأذن الوسطى وقد تصل قطرات ضئيلة جدًّا. وأخي الدكتور حسان يقول: إنها ضئيلة جدًّا لا يمكن أن تؤثر ولعلها من المعفو عنها. ثالثًا: نقطة الشرج وهي عندي نقطة مهمة جدًّا؛ لأن الشرج متصل بالجهاز الهضمي , الذي نتحدث عنه ويتم منه الامتصاص، يمكن عن طريقه يتم امتصاص الدواء والسوائل، وحتى تغذية الأطفال يمكن أن تتم عن طريقه , فما دام هو الجهاز الهضمي وهو الامتصاص منه، فهذه نقطة في رأيي تدخل في الجهاز الهضمي ولا يمكن فصلها عن الجهاز الهضمي , أخي الدكتور حسان يرى أن الفرزجات وغيرها مسألتها بسيطة جدًّا والدواء الذي يتم امتصاصه كمية ضئيلة، وبالتالي لعله يكون من المعفو عنه. هذه هي نقاط الاختلاف فقط , وكذلك قطرة العين. الرئيس: ولهذا أنا اقول لو كتبت يكون أفضل. الشيخ محمد علي التسخيري: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ طبعًا مسألة التعقيب هذا العام شيء يبدو أنه جديد، فلا أعلم ماذا تقصدون بالتعقيب؟ هل المراد مجرد تعليقات بسيطة أم أن المراد إعطاء تصور ولكنه مختصر؟ وأرجو أن توضحوا ذلك لي حتى يفهم الآخرون أيضًا ذلك فيتبعوه.

стр. 16872

الأمين العام: بسم الله الرحمن الرحيم، صلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. لآية الله الحق فيما قدم، وإنما أريد أن أوضح الوضع؛ في هذه السنة وفي المستقبل بإذن الله سنستمر على هذه الطريقة الجديدة , ما هي هذه الطريقة؟ هي أن نستكتب أشخاصًا بأعيانهم، علماء بأعيانهم في الموضوعات المطروحة، ولا نزيد عن اثنين أو ثلاثة بالنسبة لكل موضوع، ثم نختار معقبين على تلك البحوث بعد أن يطلعوا على ما كتب من طرف المستكتبين، فيأتي العمل متناسقًا، والذي حملنا على هذا: أولًا: أن كثيرًا من المؤسسات والمنظمات العلمية تجري على هذا النسق، فلا داعي إلى مخالفتهم. ثانيًا: لأننا حين كنا نطلب من الإخوان أن يكتبوا فيما يرون من الموضوعات كانت تأتينا أحيانًا بالنسبة للموضوع دراسة واحدة أو لا تأتي أصلًا، وبالنسبة لبقية الموضوعات يأتي عدد كبير من الدراسات لا نستطيع الوفاء به , ولذلك اخترنا أن يكون هناك عارض وهناك معقب. الوضع الآن؛ بما أن فضيلتكم قد كتبتم في الموضوع ولم تستكتبوا فيه فأنتم استمعتم إلى ما أعد، ولكم المعلومات التي جمعتموها بالنسبة لموضوعكم، فيتأتي لكم بغاية السهولة أن تعقبوا على ما سبق، وأن تضيفوا إليه ما شئتم من آراء , وشكرًا.

стр. 16873

الشيخ محمد علي التسخيري: شكرًا لسيادة الأمين العام. أعتقد أننا نستطيع من خلال ما استمعنا له من بحوث قيمة ومن خلال مطالعاتنا لآراء الفقهاء أن نركز على ضوابط ثلاثة، هذه الضوابط تنفعنا في معرفة أحكام الجزئيات بشكل منسجم. الضابط الأول: أن المعيار في المفطرات أو المفطرات التي نحن بصددها هو مسألة صدق مفهوم الأكل والشرب أو صدق مفهوم الطعام والشراب، باعتباره ما تنتجه هذه العملية أو كما يقول البعض: صدق عملية التغذية. المراجعة اللغوية لأقوال اللغويين ربما لا تحقق الكثير من الجديد. مراجعة أقوال الفقهاء أيضًا تنفعنا في الوصول إلى نتيجة، والتي أركز على أن هذه النتيجة هي نتيجة عرفية. يعني العرف - كما تحدثنا عنه في بحثنا عن العرف - يشخص لنا مصاديق المفاهيم , المفهوم تعطى والعرف يحقق لنا تحقق هذا المصداق. المعيار إذن هو تحقق الأكل والشرب أو تحقق عنصر دخول الطعام والشراب إلى الجوف , والجوف كما رأينا يركز على الجهاز الهضمي. أعتقد أنا لو أخذنا عنصر التغذية في البين لَأمكننا أن نتوسع منه إلى الأوردة باعتبار أن الجهاز الهضمي هو الذي يغذي هذه الشرايين بالطعام، فهي نتيجة طعام أو شراب أو نتيجة أكل أو شرب وهذا يؤثر أيضًا، يعني نحن عندما نستطيع أن نزرق غذاء أو نصل مغذي للدم فقد حققنا نفس ما يحققه الطعام والغذاء، وحققنا نفس التركيز في هذا المعنى. ما أشار إليه الدكتور البار من أن مسألة الشرج أيضًا عندما يدخل إلى القولون , القولون يستطيع أيضًا أن يجذب بعض هذه المواد فيحقق نفس ما تحققه المعدة والأمعاء الدقيق في هذا المعنى. إذا ركزنا على هذا كضابطة الأكل والشرب أو الطعام والشراب، يبدو أننا نستطيع أن نمشي مع الفروع فرعًا فرعًا، فندخل في الفرع هل يشمل الطعام متعارف الأكل فقط، يعني يقتصر على متعارف الأكل أو يشمل غير متعارف؟ يمكن الحديث على أنه إطلاق مسألة الطعام والشراب تشمل غير المتعارف أيضًا. هو أكل لغير المتعارف. هل نقتصر على ما يصل إلى المعدة من الفم؟ الظاهر لا يشترط ذلك كما هو الواضح في أقوال الفقهاء: أي شيء يدخل إلى المعدة عن طريق البلعوم، سواء كان من الأنف أو الفم يعتبر تغذية وطعامًا أو شرابًا. لو وصل إلى الجوف شيء يقوم بمهمة الطعام، يعني كما قلنا: دخل إلى الشرايين وغذى الدم، فهل يتم الإفطار؟ الظاهر أن هذا يتبع كيفية استفادتنا من الطعام والشراب، هل المراد به عنصر التغذية؟ وأنا أرى أن الاحتياط الوجوبي يقتضي ذلك، يعني إذا غذينا الشرايين بالمصل المغذي فمعنى ذلك قمنا بنفس العملية.

стр. 16874

مسألة تنظيف الرحم والتحاميل والاحتقان بالجامد الذي لا يتجزأ، يعني يجب أن نشترط بأنه جامد لا دليل على مفطريتها، أما الاحتقان بالمائع فهذا أمر له نصوصه الخاصة لا يدخل في عنصر الطعام والشراب. مسألة البخاخ أيضًا تتركز على ما يحمله هذا البخاخ من طعام أو شراب حتى ولو كان قليلًا. يعني نحن نعلم أن إدخال قطرة من الماء إلى المعدة تفطر. المناظير التي تمتد ويكون لها ما يصحبها بعد ذلك هذه لا تدخل في هذا المعنى. هذه الضابطة الأولى، أنا أركز على أنه نحتاج إلى أن نعين ضابطة، هذه الضابطة نمشي معها إلى فروعنا، ومشى معها الفقهاء، المهم أن نركز على هذه الضابطة. الضابطة الثانية: التي أشير إليها هي ضابطة أصولية. على أي حال نحن في مقام الشك، ما هو الموقف عند الشك؟ بشكل مختصر جدًّا، الشك تارة يكون في المفهوم، يعني لا نفهما أن مفهوم الطعام والشراب مثلًا هل يقتصر على خصوص أكل المعتاد أو يشمل غير المعتاد؟ هذه شبهة المفهومية الأصل فيها كما يقول الأصوليون: البراءة من التكليف الإضافي. كل تكليف إضافي الأصل فيه مشكوك والأصل فيه البراءة. هناك شبهة موضوعية. أعرف الطعام والشراب جيدًا وأشك في أنه نفذ أم لا , شك في تحقق الموضوع، أيضًا الأصل البراءة. هناك أيضًا أصل في أنه الصوم أعلم أنه كان صحيحًا، حدث مني عمل أشك في أنه أبطل الصوم أم لا؟ أستصحب بقاء الصوم على ما هو عليه , هذه ضابطة أصولية الأصل فيها عمومًا في كل شقوقها متى ما شككنا في التحقق الأصل هنا هو البراءة وعدم الإفطار. الضابط الثالث والذي أركز عليه وهو ختام حديثي هو عنصر المرض، معياره الضرر والحرج. الضرر والمشقة التي يعرفها العرف بأنها حرج وما يعبر عنه القرآن الكريم (يطيقونه) حرج يمكن أن يتحمله الإنسان ولكنه شديد. هذا الضرر أو الحرج أقول أن كان يسيرًا يتحمل عادة فقد لا يعده العرف ضررًا أصلًا كضعف البدن، أحيانًا الصوم يوجد الضعف، هذا لا يبيح الإفطار مطلقًا وإن كان شاقًّا لكن يمكن تحمله، هنا الإفطار له رخصة، وإن كان ضررًا عرفيًّا واضحًا كحصول مرض أو إدامة مرض وما إلى ذلك فهنا يصبح هذا العمل عملًا محرمًا. ويتوقف الأمر على المسألة الأصولية أن النهي عن العبادة هل يفسدها أو يبقى نهيا تكليفيًّا؟ والأصح أن النهي عن العبادة هو نهي تكليفي يعبر عن بطلان وضعه.

стр. 16875

الضابط في تشخيص الضرر العرف أيضًا. العرف هنا يشخص كما قررنا، العرف تارة يتيقن فهذا واضح، وأخرى يظن، هذا أيضًا يدخل في الضرر، لكن ماذا لو احتمل العرف الضرر؟ أعتقد أن لسان النصوص أيضًا يركز على عنصر احتمال الضرر أو خوف الضرر , الخوف يقرب من الاحتمال، والظن هو شيء فوق الخوف. إذا كان إذن يخاف الضرر فلا ريب في أنه ينطبق عليه الأمر. وأركز هنا على أن النظر شخصي , صحيح الطبيب هو الذي له الرأي، ولكن إذا استطاع أن يؤثر في إيجاد هذا الخوف في شخص المريض حينئذ يفطر، وإلا فلا يباح له هذا الإفطار , المعيار في خوف الضرر هو العامل الشخصي. هذا هو خلاصة ما أريد أن أتحدث به، وأركز على أن علينا أن نلاحظ القوانين في هذه المجموعة، فالقوانين هي ليست في الواقع السر في ما ذهب إليه هذا الفقيه أو ذاك في هذا المجال، وأوكد على أن الشرايين الدموية هي في الواقع نتيجة وامتداد للجهاز الهضمي الذي تمده المعدة بالقوة، فإذا غذيت هذه الشرايين بما يغذيها بقوة، شرابًا أو طعامًا، ففي الواقع لها حكمها، أو على الأقل هناك الاحتياط الوجوبي، يعني الاحتياط اللازم في تحقيق آثار الإفطار. وشكرًا جزيلًا.
следующие страницы →