كذلك التضييق في المفطرات واعتبار بأن ما يصل إلى الجوف أو ما يمكن أن يكون غير متغذًّى به عند الناس في عرفهم غير ناقض، أو ما استعمل للدواء غير ناقض، هذا أمر أيضًا يفتح الكثير الكثير من أبواب المشكلات.
موضوع شهوة المزاج أيضًا لي فيه نظر، لأننا لو قلنا بأن المزاج عندما يرضي الإنسان أو يشبع رغبته بوجه من الوجوه المباحة يؤدي ذلك إلى نقض الصيام، لربما أدى ذلك إلى القول بأن من استمع إلى القرآن وكان سماعه للقرآن بصوت شجيٍّ يرضي مزاجه يؤدي ذلك إلى انتقاض الصوم أيضًا فضلًا عن بقية الأشياء.
أما موضوع الحيض ومنع دورته باستعمال الحبوب المانعة، فلا ريب أن حكم الفطر مترتب على خروج الدم، وعندما يكون الدم غير خارج لا يترتب على ذلك حكم الفطر ولو حضرت الدورة، أي حضر ميقاتها، ولكن هل هذا التصرف لا تترتب عليه آثار سلبية من الناحية الصحية أو من الناحية الدينية؟ حسب ما علمت هناك آثار سلبية من الناحية الدينية فضلًا عن الناحية الصحية، وكثير من النساء اللاتي استعملن هذه الموانع اتصلن بي يسألن عن حكم ما يرينه من الدم بعدما اختفت الدورة الدموية عن مدارها المعتاد. فالدورة الدموية تصبح غير منتظمة، ولا تعرف المرأة بسبب استعمالها لهذه الحبوب أو هذه الموانع التفرقة بين دم الحيض ودم الاستحاضة، يختلط عليها الحابل بالنابل، أما كون ذلك ضارًّا بالجسم أو غير ضار فأمر لا نتدخل فيه، وإنما نتركه للأطباء أنفسهم. فالأطباء هم الذين يقررون الضرر أو عدم الضرر.
وقد يتسامح في الحج بسبب أن بقاء المرأة متخلفة عن رفقتها في الحج فترة طويلة وحتى لو كانت فترة قصيرة، تخلف المرأة عن رفقتها أمر فيه ضرر بها. على أن الحج لا يتكرر كما يتكرر الصيام، فلا مانع إن تسومح في الحج، أما التسامح في الصيام فلا داعي إليه؛ لأن الله ﵎ جعل لها مخرجًا وهو القضاء، فعليها أن تقضي بعدما تفطر امتثالًا لأمر الله، ولا داعي إلى استعمال ما يؤدي إلى الضرر بالجسم، أو ما يؤدي إلى الضرر بالدين من حيث إن المرأة تختل عندها الدورة الشهرية، ولا تستطيع أن تفرق بين الحيض وبين الاستحاضة.
стр. 16942
وأعود إلى موضوع النواقض فأقول بأن الكلمات تأتي في اللغة العربية مشتركة لها أكثر من معنى، فكلمة الرفث قد تستعمل أحيانًا بمعنى رفث اللسان، وتستعمل بمعنى الوقاع، ومن مجيء الرفث بمعنى رفث القول قول الشاعر:
ورب أسراب حجيج كُظَّمٌ عن اللغى ورفث التكلم
المقصود بالرفث هنا القول الذي يصدر من اللسان.
ويأتي الرفث بمعنى الوقاع نفسه بدليل قول الشاعر أيضًا:
ويرين من أنس الحديث زوانيا وبهن عن رفث الرجال نفار
فالمراد بالرفث هنا هو الوقاع.
ولا ريب أن الرفث الذي خرم في الصوم ليس هو كل ما يتعلق بالجماع حتى النظر من الرجل إلى امرأته النظرة بشهوة إلى غير ذلك؛ لأن هذا مما لم نعرفه من قبل ولو أطلقنا ذلك لترتب على ذلك ضرر كبير، والله ﵎ ما جعل علينا في الدين من حرج.
стр. 16943
ونقطة أخيرة ليست هي متعلقة بالجانب الفقهي، وإنما هي تتعلق بجانب النظام تدور حول ما قدمه أخونا الدكتور العبادي من اقتراح بأن تكون التعقيبات مدونة وأن تكون متناولة لكل ما في البحوث التي تتعقب. لي بعض الملاحظة على ذلك، أما تدوينها فذلك أمر لا مانع منه لأجل الضبط لأنه يضبط بالكتابة ما لا يضبط بالقول، وأما كون على كل معقب أن يتعقب البحث من أوله وآخره، فذلك يفضي إلى أن تكون وراء البحوث بحوث متسلسلة وهذا أمر قد يكون فيه شيء من الحرج، بل ربما الإنسان لا يريد أن يتحدث في مواضع من البحث لأنه اقتنع بما في البحث، وكما يقال: (السعيد من اكتفى بغيره) فلا داعي إلى إثارتها. فالأولى أن يكون لكل أحد التعقيب بحسب ما يريد من التعقيب على الموضوعات المطروحة من غير أن يتناول البحث من أوله إلى آخره، وأسأل الله التوفيق للجميع، وشكرًا لكم. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
стр. 16944
الشيخ خليل الميس:
بسم الله الرحمن الرحيم،
في الحقيقة نحن نريد أن ننعش الذاكرة بما انتهى إليه الخليلي وبدأ به الخليل, أمران عجيبان، الرفث ذكر في مقامين في حرمين، مع حرمة الصوم وإحرام النسكين. وهذا فيه إشارة الى أننا ما دمنا في إحرام فحرمة الكلمة أيضًا ربما تؤثر في هذا الإحرام. هذا هو فقط للإشارة. إذن ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ﴾ ، ﴿فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ ، وهذا توجيه إليه ينبغي أن يتوقف أمامه.
أمر آخر، أثيرت - في الحقيقة - قضية رائعة في هذا المجلس الكريم في جلسة البارحة وهي شهوة المزاج. نعم يا قوم هنالك شهوة مزاج , هو اصطلاح جديد ولكنه معنى قديم , أذكر إخواننا , أظن والشافعية على ما أذكر بالذات ما حكم شم الروائح العطرة للصائم واستعمال العطورات للصائم؟ هل يرون فيها كراهة؟ نعم. إذن من شهوة المزاج ننتقل إلى مزاج آخر، ألم يقل بعض الفقهاء - وهذا شيء معروف - بمزاج الغيبة ومزاج النميمة قولًا أو سماعًا للصائم؟ بلى، تكلموا في هذا. هو ليس أكلًا ولا شربًا، ولكنه من قبيل المزاج.
أمر آخر، نحن والأطباء في الحقيقة كلنا يعرف أن هنالك اصطلاحًا قد يتفق المفهوم الطبي مع الاصطلاح الشرعي وقد يفترقان , مثلًا تعرفون جميعًا الفم هو عضو خارج بالنسبة للمضمضة وعضو داخل بالنسبة لابتلاع الريق، له اعتباران، هنا الاعتبار الشرعي والاعتبار الطبي هو جوف، هو من الجوف، إذن ما دام له اعتباران ينبغي أن نأخذ بالحسبان هذين لاعتبارين.
стр. 16945
قضية ما أشير إليه - وفعلًا - أخذ المرأة علاج منع الدورة الدموية، أذكر أليس هذا يصل بنا إلى صلاة الحاقن؟ الدم موجود وهي حبسته وكان من شأنه أن يخرج، أليس له نظير في الفقه، صلاة الحاقن وهو دافع أحد الأخبثين وعليه الإعادة في الوقت وإن كانت صلاته صحيحة؟ هذا أيضًا نثيره للمذاكرة.
أمر عجيب وهو غسيل الكلية نتمنى ألا يتعرض إليه لأن الذي يغسل الدم في الكلى هل هو قادر على الصوم أصلًا أم لا؟ بل إنه ممنوع رأسًا. أمر آخر نصل إليه وهو ذوق الطعام. على ما أذكر في كتب الأحناف عندهم نص أنه: " ويرخص للزوجة أن تذوق الطعام بطرف لسانها إذا كان الزوج سيئ الخلق "، هكذا قالوا مع الكراهة، صح صومها مع الكراهة. إذن من هذه العناوين نحن نأخذ شيئًا وهو أن هذا الذوق - سبحان الله - لم يعتبروه مفسدًا للصوم وهذا يصل بنا إلى القطرة في الأذن أو العين.
أمر آخر بالنسبة لأخينا الدكتور السلقيني عندما ذكر السفر والمرض , نذكر أن العلة طبعًا المشقة وقال الفقهاء: " تناط الأحكام الشرعية بأسباب مادية " فالمرض مرض والسفر مظنة المشقة والمرض هو المشقة بذاتها".
أمر آخر، نحن في حل مع المرض، من قال: إن المريض يجب أن يفطر، وأن المسافر يجب أن يفطر؟!
وأمر آخر وهو آخر آية الصوم تردنا إلى أولها وهو قوله تعالى ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ إذن ما دمنا نحن في حرم التقوى إذن لتكن كل نظراتنا ضمن هذا الإطار. وشكرًا لكم. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
стр. 16946
الشيخ علي الجفال:
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه.
الحقيقة ما أريد أن أقوله سبقني الزملاء إليه، ولكن هناك تساؤلات هي التي أدت في اعتقادي إلى اختلاف الفقهاء في المسألة الواحدة، وأحيانًا نجد خلافًا في إطار المذهب الواحد، فلا بد من تحديد مفاهيم هذه المصطلحات، منها:
أولًا: الاتفاق على مفهوم الجوف، وربما يكون المعنى اللغوي الذي يدل على كل مجوف وهو كل باطن، هو المعنى الذي رجحه الفقهاء وبناء عليه اعتبروا كل ما وصل إلى الباطن مفسدًا للصوم سواء كان هذا الباطن موصلًا للجهاز الهضمي أو لم يكن كذلك. وإذا أريد بالجوف ما يؤدي إلى الجهاز الهضمي فإن من الطبيعي أن تكون جميع المواد التي لا تصل في نظر الطب إلى الجهاز الهضمي غير مفسدة للصوم. وبناء عليه فإن الأدوية التي تعالج خللًا في الأبدان، في الدماغ أو في الأعضاء المنفصلة عن الجهاز الهضمي، لا تعتبر مفسدة للصوم؛ لأنها لا تصل إلى الجهاز الهضمي، ولا تخل بقاعدة الإمساك التي تعتبر ركن الصيام.
стр. 16947
ثانيًا: التفريق بين الغذاء والدواء , فالغذاء يمكن الإمساك عنه، والصوم هو إمساك عن الطعام والشراب وفيه فائدة للبدن، أما الدواء فيختلف عن الغذاء وهو ضروري للبدن، لأنه أداة علاج، والإمساك عنه يؤدي إلى ضرر عاجل وآجل، وعلى الأقل فالامتناع عن تناول الدواء في مواعيده يؤدي إلى مضاعفة الألم. كما يشترط في الدواء الذي لا يؤدي إلى إفساد الصوم:
- أن لا يصل ذلك الدواء إلى الجهاز الهضمي.
- أن لا يكون في ذلك الدواء ما يفيد معنى التغذية.
- أن تكون الغاية من تناول ذلك الدواء العلاج.
ومع هذا فإن أمر المفطرات يحتاج إلى اجتهاد جماعي يقود إليه حوار علمي مبني على دراسة الأدلة الشرعية، تراعى فيه المقاصد الشرعية التي فُرض الصوم لتحقيقها.
وهذا اللقاء العلمي هو المكان الطبيعي المؤهل لدراسة هذا الموضوع الفقهي، ووضع المعايير الشرعية والضوابط السليمة التي توضح هذا الأمر. وشكرًا.
стр. 16948
الشيخ عمر جاه:
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله محمد بن عبد الله، سيد المرسلين وإمام المتقين ورسول رب العالمين، الشاهد البشير الداعي للحق بإذنه والسراج المنير، وعلى آله وصحبه وسلم.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
أشكر لفضيلة رئيس المجمع على إتاحته الفرصة لي للتدخل والتعليق على الموضوع الذي طرح للبحث. الموضوع الذي قدم لنا فيه الباحثون في جلسة صباح الأمس بحوثًا قيمة تناولت الموضوع المطروح بأسلوب عملي وعلمي جيد وطريقة مبسطة، جزاهم الله عنا أحسن الجزاء.
ومما ينبغي أن نحمد الله ونشكره عليه هو أن وجدنا في إطار هذا المجمع الفقهي الموقر مناخًا فكريًا وجوًا علميًّا، يجد فيه الفقهاء والأطباء معًا مجالًا واسعًا يستطيع كل منهم أن يعبر عن استنباطاته الفقهية واكتشافاته العلمية عن ركن من أركان ديننا الحنيف، وخاصة ما يتعلق بموضوع مفطرات الصيام أو مفطرات الصيام التي كثر فيها الكلام، واختلف حولها آراء الفقهاء من مذهب إلى مذهب. لعل المسلم العادي أن يستهدي فيه إلى رأي ترتاح إليه نفسه ويرضى به ضميره.
стр. 16949
أريد أن أنتهز هذه الفرصة وأهنئ الأمين العام للمجمع على الأسلوب الجديد الذي تبناه في هذا الاجتماع في اختيار المواضيع والكتابة إلى أهل الاختصاص، وطريقة تقديم البحوث والتعقيب عليها، فجزاه الله عنا أحسن الجزاء.
فالذي اطلع بالأمس على هذه البحوث القيمة، واستمع إلى الشرح الواضح الوافي الذي تفضل به الباحثون وإمعان النظر إلى تعليقات المعقبين لهذه البحوث يدرك أهمية التعاون الفقهي والطبي على معالجة مثل هذه المسائل التي تهم المسلمين في حياتهم العادية. وعلى هذا أرجو الاستمرار في معالجة القضايا المطروحة أمام هذا المجلس بنفس الطريقة التي تمت فيها معالجة القضايا الفقهية المعاصرة بالأمس. فمن المعلوم أن هذا المجمع أنشئ من أجل النظر إلى القضايا المستجدة التي تواجه المسلم المعاصر، وهذا لا يكتمل إذا كان لا يوجد تعاون كامل وتنسيق بين المتخصصين في العلوم التطبيقية والفقهاء.
ومما يشرح الصدر وأعتقد أنكم كلكم تتفقون معي أن ما سمعناه بالأمس من الأطباء المتخصصين في العلوم التطبيقية في تحديد المداخل إلى الجوف بالاستنتاجات العلمية وواقعية جيدة وضعوها أمام الفقهاء لإصدار الحكم الشرعي على قضية تهم المسلم المعاصر. وعلى هذا أرجو أن يستمر هذا المنهج وهذا الأسلوب. ومن هنا أثني على ما جاء من بعض المعلقين بالأمس - وأعتقد أنه الدكتور السالوس - على أن يكون منهج استكتاب وكتابة الموضوع مستقبلًا مشتركًا بين الفقيه وبين المتخصص في العلوم التطبيقية، سواء كان هذا موضوعًا طبيًا أو موضوعًا اقتصاديًا أو موضوعًا يتعلق بحياة المسلم العادي.
وعلى هذا أريد أن أنهي هذا التدخل بشكر جزيل إلى رئيس مجلس المجمع وإلى كل من تدخل بكلمة أو تعليق خلال هذا الموضوع الهام. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
стр. 16950
الشيخ محمد المختار السلامي:
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم، اللهم صل على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا.
ربنا عليك توكلنا وإليك أنبنا وإليك المصير. ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا، وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب.
أريد أن أنتقل إلى التعقيب على المداخلات العلمية، فأريد أن أذكر أولًا أن الموضوع الذي كتبت فيه ليس ما يفطر في رمضان وما لا يفطر، ولم يكن الموضوع المعروض عليه للكتابة فيه أن أتحدث عن المفطرات في رمضان، ولكن المفطرات في مجال التداوي، وفرق كبير بينهما، إذ أنه لو كان البحث المفطرات في رمضان لكان بحثي ناقصًا منقوصًا لم أقم فيه بأمانة البحث إلى نهايته. فكثير من المداخلات انبنت على هذا التخليط بين مطلق الفطر وما يفطر وما لا يفطر. وبهذه المناسبة قبل أن أزيد فأقول: هل يقال مُفْطِرَات أو مُفَطِّرات؟ وأخونا الشيخ سليمان الأشقر - جزاه الله خيرًا - وهو من كبار العلماء وتقديرنا له هو تقدير أخوي لما يجمعنا به في باب العلم، والعلم رحم بين أهله، ولكن الحق أحق. أما (أفطر) و (مُفْطِرات) و (مُفْطِر) فهو المنقول لغة، ولم ينقل لغة استعمال (مُفَطِّر) على الشيء الذي يفطر، ولكن حين اعتمدنا المدرسة الكوفية في الاشتقاق من أن الاشتقاق كما يكون بالسماع يكون قياسًا فمُفَطِّر مقبول. وهذا ما يقوله صاحب القاموس. ومُفْطِر من مفاطير، وكصَبُورٍ: ما يُفْطَرُ عليه. ولم يأت به مُفَطِّر.
فإذن حصرت نظري وكلامي بالمفطرات المرتبطة بالتداوي والعلاج.
واليوم والذي دعا المجمع فيما أظن لبحث هذا الموضوع هو أنه قد جدت طرق ما عرفها الفقهاء من قبل؛ لأنها لم تكن في وقتهم. فهذه الطرق في العلاج هي التي دعت - جزى الله خيرًا من اقترح الموضوع للنظر فيه - المجمع لأن يعقد له هذه الجلسة للنظر في هذه المفطرات التي حدثت أو في هذه الأشياء التي تدخل على بدن الصائم فنبتغي أن نعرف لها حكمًا، هل هي تؤثر في صيامه أو لا تؤثر في صيامه؟
стр. 16951
ولهذا ارتبط الموضوع ارتباطًا جذريًّا بإخواننا الأطباء - جزاهم الله خيرًا - ليساعدونا على التعرف على هذه الطرق الجديدة في التداوي، وكيف تسلك مسالكها في الجسم الإنساني؟ ولما كتبت موضوعي اتصلت بالسادة الأطباء من إخوان وأهل وعشيرة، وسهرت معهم الليالي أضبط معهم ضبطًا دقيقًا كل ما سألتهم عنه وأجابوني به، ثم بعد أن تحصل عندي الواقع والحالة التي يؤثر بها العلاج في المريض كتبت موضوعي لا استنادًا إلى اختياراتي الخاصة بالنظر المجرد فما طلب مني أن أبين وجهة نظري كفلان، ولكنه طلب مني أن أبين الحكم الشرعي , ولذلك عدت إلى الثروة الفقهية، هذه الثروة التي ساعدتني على الوصول الى ما وصلت إليه، فأنا آتي بالنظائر الفقهية التي تحدث فيها الفقهاء في مواضيع تتصل بالموضوع الذي هو في المسألة الخاصة التي نظرت فيها، حتى آخذ من ذلك سندًا لما أرجحه في الموضوع الذي أبحث فيه في مجال التداوي.
ولذلك تجدون في بحثي أول ما أبحث آتي بنظر الفقهاء في الموضوع، ثم أعقب عليه تطبيقيًا لذلكم النظر على اختلاف وجهة نظر الفقهاء في الموضوع الخاص الذي هو موضوع التداوي.
ثم إن منطقة البحث كما تعتمد التأمل في النصوص التشريعية وهو اجتهاد، كذلك تعتمد التخريج على أقوال الأئمة وهو أيضًا رتبة من رتب الاجتهاد، التي وإن كانت هي الباقية وهي التي منتشرة إلا أن الفقهاء يخشون من تسلط عليهم فيقولون لسنا من ذلك، ولكن النظر في كتب الفقهاء يفيدنا يقينًا أنهم من أهل التخريج، وإن قراءة الفقه الإسلامي واستمراره وثراءه أحد أسبابه التخريج.
стр. 16952
والإخوان تعقبوا على الموضوع الذي كتبت في جزئياته. فضيلة الشيخ علي ربط الإفطار بعنصر التنمية، وعنصر التنمية إن كان أحد العناصر فهو مقبول وإن كان هو الكل فلا، ذلك أن ما يفطر الإنسان قد يكون مُنَمِّيًا وقد يكون مصلحًا ولا ينمي. فضبط ذلك بالتنمية فقط هو أمر لا يساعد عليه لا الفقه ولا النصوص. ثم جعل الارتباط بالعرف، والعرف في نظري أولًا لا بد أن أتساءل ما هو هذا العرف؟ أهو العرف في عصر رسول الله ﷺ ، أم هو العرف حسب ما فهمته هو عرفنا نحن؟ فإذا كان معنى هذا العرف هو عرفنا نحن وهو متبدل، فإن القضية تنقلب إلى قضية كبرى وهو أنه يصبح لكل زمان تشريع. ولذلك لا أستطيع أن أربط قضية الصيام. هناك قضايا فعلًا في المعاملات المالية هي مرتبطة بالعرف، وفي الالتزامات كذلك هي مرتبطة بالعرف. وفي تفهم النصوص المكتوبة بين الناس في وثائقهم مرتبط ذلك بالعرف، وفي ألفاظ الطلاق وغيره مرتبط بالعرف، وكذلك في اليمين مرتبطة بالعرف، وفي غير ذلك من أبواب الفقه. أما أن يرتبط ذلك في الصيام في نصوص جاءت عن رسول الله ﷺ أو نصوص القرآن فهو مرتبط بالعرف، فيصبح ذلك في نظري لا يمكن قبوله.
كما أنني سمعت الاحتياط الوجوبي , والاحتياط الوجوبي لم أفهم معناه , ما معنى احتياط الوجوب؟ فالاحتياط هو كمبدأ في التشريع هو أمر مطلوب، ولكن هذا يقتضي التسوية بكل ما يرد على الجسم كما سمعت ما أظنه صحيح، لأننا نحتاط لكن لا نسوي؛ لأن الأشياء تختلف، والاحتياط ألا يقع التسوية بينها بل لا بد من النظر في المتفرقات وفيما بين الأشياء من تفريق.
ثم جاء في كلامه النهي , يصبح به الفعلى محرمًا وهو أتون العبادة.
وهنا نأتي إلى قضية أصولية كبرى أثيرت وهي: هل إن النهي يقضي بالفساد دائما؟ ثم إنه وإن ورد النهي عن الصيام بالنسبة للمريض، ما جاءت الآية بالنهي، ولمَّا لم يُردِ النهي فلا أدري من أين يأخذ هذا الكلام من أن النهي يصبح الفعل محرمًا وهو أتون العبادة.
стр. 16953
ثم ننتقل إلى معالي الدكتور الألفي فهو أَوَّلَ - وشكرًا له - أن الدماغ مقصود به عند الفقهاء حد البلعوم. وأنا حسب علمي وحسب تتبعي للفقه الإسلامي ما وجدت أن الفقهاء يطلقون الدماغ على كامل الرأس، ولكنهم يقولون: دماغ، وهو الجمجمة وما حولها، ويطلقون الرأس على العنق فما فوق. فهما أمران مختلفان فلذلك ما وجدت بتتبعي وفيما علمته إطلاق الدماغ على الرأس كله. ثم أتى بأن الاستشهاد بكلام ابن حزم، وقال: إما أن نأخذ بكل ما قال أو نترك كل ما قال. هذه قاعدة لا أستطيع قبولها لأن الالتزام أو الأخذ برأي مجتهد في قضية لا يقتضي ذلك الأخذ بكل ما قال، لكن ابن حزم إذا كان بنى آراءه على قاعدة أساسية نحن لا نؤمن بها فلا يصح لنا أن نأخذ بأي قول من أقواله، ذلك أن ابن حزم عندما بنى أقواله على نفي القياس ونحن نقول بالقياس فمعنى ذلك أننا نوافقه تفريعًا ونخالفه تأصيلًا، وهذا كمنهج علمي غير مقبول، فنحن فيما اعتمد فيه ابن حزم النظر في النص وما أخذه من النص نأخذ منه ونرد، وأما ما اعتمد فيه في نفي القياس وأجراه على الإباحة الأصلية فهذا ما نخالفه فيه تأصيلًا فنخالفه فيه تفريعًا.
ثم قضية التدخين السلبي ومعنى التدخين السلبي أي هو وجوده في مكان فيه تدخين، هذا ما أظن أن الفقهاء كلهم قد اتفقوا على أن الداخل من هذا النوع سواء كان غبارًا أو دخانًا أو غيره هو لا يضر الصائم.
فضيلة الشيخ تقي العثماني - جزاه الله خيرًا - قسم الموضوع إلى قسمين، إلى أن هناك نزاع لا يدخل ولا أثر للنظر الطبي فيها، وهناك نواح للنظر الطبي أثر فيها. وكلامه حسب ما ينبغي أن أفهمه منه لمكانته العلمية هو أنه ما كان من تحقيق بيان الحرمة وبيان الحل هذا ليس هو مجال الأطباء إلا إذا كان بعضهم من الفقهاء، وعندنا بحمد الله في تاريخ الفقه الإسلامي من جمع بين الفقه والطب وما يزال يوجد إلى الآن، والحمد لله، ولا يضيق على أحد أنه يقال إنه ليس من أهل هذا الفن , كما أننا نحن ننظر في الطب ولكن ليس لنا قول فيه , فإذا كقاعدة أنه لا أثر للنظر الطبي إن كان من حيث الحكم الشرعي، وبيان الحكم الشرعي بالاستنباط، فالاستنباط إنما هو لأهله , وأما إذا كان لبيان الواقع - وهو ما أفهمه من كلامه - فإنه لا شك أن بيان الواقع هو للأطباء وعلى كلام الأطباء , وبناء على نصوص الشارع نأخذ ونحكم.
ورجح فضيلته أن ما يدخل العين أو هو يتسرب من المسام - الفتحات الصغيرة - ولا يصل. في الحقيقة هذا هو من باب تحقيق المناط، هل فعلًا أنه لا يصل؟ أظن أنه بإجماع الأطباء أن الذوق خلق الله له مكانًا خاصًّا في اللسان إذا لم يصل إليه فلا يتذوق الإنسان. فدعوى أن قطرة العين لا تصل إلى الحلق كلام غير صحيح بناء على كلام الأطباء، لأنهم قالوا: إنه نجد فعلًا أن الإنسان يقطر في عينه فيجد طعم القطرة في لسانه، وهو طرف اللسان من الداخل، وما يمنعها من الدخول فيما بعد؟ فلذلك كون تتشربها المسام من باب تحقيق المناط فهو غير صحيح.
стр. 16954
فضيلة الشيخ عبد الله بن منيع - جزاه الله خيرًا - وهو يتحوط، وللإنسان أن يتحوط، وقال: إن قضية الخشية من المرض يجب ألا نقول بها، وأن هذا يفتح بابًا يحسن سده. أنا في عرضي للمذاهب عادة أتابع فيها التاريخ الزمني فأبدأ بأبي حنيفة وهو أقدمهم ثم مالك ثم الشافعي ثم أحمد بن حنبل، لكن سأخالف هنا في هذا الموضوع فأقول:
ومذهب أحمد - وهذا ما كتبته - أصرح المذاهب في اعتبار الترخص بخوف حدوث المرض، جاء في المغني: " والصحيح الذي يخشى المرض بالصيام كالمريض الذي يخاف زيادته في إباحة الفطر؛ لأن المريضى إنما أبيح له الفطر خوفًا مما يتجدد بصيامه من زيادة المرض وتطاوله، فالخوف من تجدد المرض في معناه ". وصرح البهوتي بأن الفطر مع خوف المرض سنة، وأن الصوم مكروه.
أما في بقية المذاهب فقد جاء في الفتاوى الهندية أن الصحيح الذي يخشى المرض هو كالمريض. وجاء في المذهب المالكي فقال العدوي في حاشيته على الخرشي: " واعلم أن الصحيح إذا خاف بصومه الهلاك أو شدة الأذى يجب عليه الفطر، ويرجع في ذلك إلى أهل المعرفة، والجهد يبيح الفطر ولو للصحيح كما هو ظاهر الخطاب ". والشافعية سووا بين الترخص بالتيمم والترخص بالفطر، وجاء في الترخص بالتيمم جاء في المجموع: " إذا خاف حدوث مرض يخاف منه تلف النفس أو عضو أو فوات منفعة عضو، أنه يجوز له التيمم بلا خلاف بين أهل المذهب، إلا صاحب الحاوي فإنه حكى في خوف الشلل طريقين ". وعليه فإن حكم خوف حدوث المرض هو كحدوثه فعلًا. هذه هي المذاهب الأربعة، فإذا كانوا هم لم يتحوطوا لدينهم، وإذا كانوا قصروا فما أظن أني أكون أحرص منهم. وإذا كان الشيخ أحرص منهم فله ذلك.
стр. 16955
الحجامة، تحدث فضيلته عن الحجامة. الحجامة تحدثت عنها كوسيلة من وسائل الدواء وقلت: إنها انتهت كوسيلة من وسائل الدواء والعلاج اليوم. واليوم في كافة أقطار العالم الإسلامي لا يسمح لأحد أن يذهب إلى شخص ليتطبب عنده إلا إذا كان طبيبًا مأذونًا له، والسادة الأطباء أمامي فأسألهم هل عندهم الحجامة بشرط خلف العنق وامتصاص الدم بالفم؟ هل بقي هذا عندهم في الطب، أو توجد مدرسة طبية في العالم تقول بأن الحجامة اليوم وسيلة من وسائل العلاج؟ فأنا لا أتحدث ولم أتحدث أصلًا عن الحجامة إلا كأَخْذِ آخذٍ منها قضية، ثم بينت ولا أستطيع في بحثي هذا أن أتعرض إلى كل موضوع بالتفصيل، لأنني أخاطب علماء، فقد بينت الأحاديث التي وردت في الحجامة وأشرت إليها وإلى مراجعها وأنها كلها مضطربة.
ورد موضوع من أخينا ممثل أندونيسيا - جزاه الله خيرًا - وهو حكم تناول المرأة الحبوب لتأخير أمد الحيض. هذه قضية ذكرها الفقهاء قديمًا وتحدثوا فيها؛ أولًا تحدثوا فيها هل هي بالجواز أو بالمنع؟ وأنه إذا كانت لا تضر بالمرأة فهي جائزة.. وكونها تضر أو لا تضر ليس لنا نحن الفقهاء ولكنه للأطباء. ثم تحدثوا عما تجده المرأة إذا جاء وقت طمثها فأحسست بأشياء دون أن يخرج منها الدم، فذهب بعضهم - وهم قلة - إلى أنها في تلك المدة تعتبر طامثًا. والصحيح الذي ذكره غير واحد من فقهاء المالكية في هذه القضية أن الأحكام هي مرتبطة بخروج الدم فعلًا لا بالإحساس به. والقضية إذن بحثت منذ قرون وبت فيها.
فضيلة الشيخ وهبة الزحيلي - جزاه الله خيرًا - ربط الفطر بالقصد إلى التغذية , والقصد إلى التغذية الفطر يتحقق سواء قصد أو لم يقصد، بقي أن النبي ﷺ جاء عنه الحديث الذي عفا فيه عما أخذه الإنسان ناسيًا، وفي تأويل هذا الحديث معروف اختلاف الفقهاء، فالفطر تحقق إلا أنه عفي عنه؛ لأن الفطر هو أمر مادي ومن ثم ينبني على هذا الأمر حكم شرعي، ففرق بينهما , فالفطر هو وصول شيء من الإنسان إلى معدته، قاصده أو لم يقصده , بقي هل يترتب على هذا حكم الفطر والقضاء أم لا؟ هو أمر آخر شرعي.
стр. 16956
والفقهاء لم يروا أن المضمضة مفطرة؛ لأنها سنة , هذا فعلًا تخريج ولكن التخريج الذي أرتضيه والذي بنيت عليه لأني لم أتحدث عن هذا لقصده، وإنما بنيت عليه أمرًا جديدًا وهو الغرغرة، وما يؤخذ تحت اللسان من الحبوب التي تذوب في اللسان، هذا الذي من أجله أتيت ببحث المضمضة أو غيرها. فالمضمضة أقول: أن النبي ﷺ بين أحكام ربه بطريقتين، الطريقة الأولى وهي إبلاغ الوحي. الطريقة الثانية وهي المشاهدة لقيامه ﷺ بما أمر به على النحو الذي أمره الله به، وهي طريقة جيدة وهي التي اعتمدها مالك، والتي لم يفهمها كثير من الناس من الأخذ بقول أهل المدينة. فهو لا يعني بقول أهل المدينة أنه قولهم في الاجتهادات، ولكنهم أخذوا عن رسول الله ﷺ الطريقة التطبيقية العملية للتشريع الإلهي ونقلوها جيلًا عن جيل , فقال مالك إنها تلك الطريقة المقصودة بالنص. وذكر أنه سئل من أطراف الأطباء: هل إدخال الأصابع لإخراج الولد مفطر أم لا؟ المرأة هي في حالة الولادة، هي أفطرت فعلًا، أدخل أصابعه أو يده أو آلاته.
مضغ العلك ذكر فضيلته أنه غير مفطر مطلقًا، وهو مذهب الشافعية والحنابلة لا الحنفية. أنا في بحثي لم أتحدث عن العلك إلا بما يتصل به، وقد جاء في بحثي: أن الحنفية يقولون: إنه إذا مص الإهليلج ولم يصل إلى حلقه فإنه غير مفطر. فأخذت هذا النص فقط من الحنفية، وأخذت مضغ العلك من الحنابلة ومن الشافعية ومن المالكية، وبينت آراءهم لأرتب على ذلك ما يمتصه أو ما يدخل في الفم ولا يصل إلى الداخل من الأدوية التي يصفها الأطباء. فالقضية كلها مرتبطة لا بالعلك ولا أريد أن أبحث في العلك لذاته ولا في المفطرات لذاتها ولكن لارتباطها بالدواء.
أما التخدير فبينت أن حكمه حكم الإغماء، باعتبار أنه زوال للإحساس بما حول الإنسان إحساسًا نميز به العاقل. وهذا الإحساس عند الحنفية رأي وهو مرتبط بتبييت النية من الليل. ففي اليوم الذي وقع فيه التخدير إذا بيت النية من الليل فإنه لا يقضي ذلك اليوم، وإذا لم يبيت النية بأن وقعت له العملية الجراحية قبل طلوع الفجر فصيامه غير معتبر، لارتباطه بالنية لا الإغماء. هذا في المذهب الحنفي. أما في بقية المذاهب الأخرى فهم يفصلون بين أن يكون الإغماء منسحبًا على كامل اليوم أو منسحبًا على بعضه أو منسحبًا على شطره، وبينت هذا. وبذلك تتخرج هذه القضية بالنظر إلى اختلاف الفقهاء في هذا، ونأخذ قولًا ونرجحه ونسير عليه إن شاء الله.
стр. 16957
فضيلة الشيخ الضرير وهو الفقيه النابه جعل الفطر مبنيًا على ضابط واحد استخرجه من القرآن أولًا مع مراعاة السنة، وأنه مراعاة الاستثناءات التي استثنتها السنة النبوية الشريفة وأن هذا هو المرجع. قبل أن أناقشه أقول قاعدة عندنا من الحرية ومن التكريم لرأي الغير في الفقه الإسلامي، هذه القاعدة التي أخذ بها جميع الفقهاء وهي: أن ما أقوله صح وحق وصواب يحتمل الخطأ، وما يقوله غيري - ولو الشيخ الضرير - هو خطأ يحتمل الصواب. فهذه قاعدة معروفة. وعلى هذه القاعدة أسير. فبناء على هذا جعل الجماع مفطرًا وكذلك مقدماته اعتمادًا على الرفث. ورأيت لحذاق المفسرين - فيما أذكر - أنهم قالوا: إن الآية هنا عديت بـ (إلى) ، وتعديتها بـ (إلى) للدلالة على أنه الإبضاع، لم يقل رفث نسائكم، ولكن ﴿الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ ولم ينه عن مطلق الرفث، وكل حرف في القرآن الكريم هو يدل على معنى، فلا يكون الرفث موجبًا للفطر إلا إذا بلغ النهاية وهو الجماع، وأما ما عدا ذلك فينسحب على القبلة , وإنما الكل سواء.
ثم في هذا البحث أنه سوى بين المقدمات والجماع , شأن الشريعة أنها تفرق بين المختلفات. وإذا نظرنا إلى موارد الشريعة في هذا فإننا نجد أن الشريعة فرقت بين الجماع وبين مقدماته، فأوجبت على الجماع الحد بينما على مقدمات الجماع، إذا لم تكن في الوجه الشرعي جعل ﷺ من أخبره من صحابته فقال له: " هل صليت معنا ". فجعل ذلك مكفِّرًا لقوله: نلت منها ما عدا الجماع. هذا في الكبيرة. ثمّ إن الجماع كبيرة وإن المقدمات صغيرة، ثم إن المرأة تتحلل بالطلاق الثلاثي بالجماع، ولا تتحلل بمقدمة الجماع، ثم يجب على الإنسان الغسل بالجماع، ولا يجب عليه بمقدمة الجماع. فهما طريقان مختلفان تمام الاختلاف.
ذكر أنه نظر في ملخص بحثي فوجد ضابطًا لكل مذهب. كان مستعصِيًا عن الفهم لم يحلِّل. أعتقد قد أكون لم أوفق عندما كتبت التلخيص ولكن التلخيص مرتبط بالأصل، ولو يتكرم سيادته بعد مجلسنا هذا أن ينظر في البحث بتمامه وأن يجد من الوقت ما يسعه للنظر في بحثي لرأى توضيحًا لكل ما استعصى فهمه. أما ضابطه الذي ذكره فأنا لم أره في أي كتابة من كتاباته، ولو رأيته قد أكون أنظر فيه وأبين ما له وما عليه.
стр. 16958
بعد هذا، قياس المرض على السفر عند ابن سيرين، وأن ابن سيرين إنما قال بالنص. مرد هذا أن كلمة قياس لم تفهم , من نظر في كتب الفقهاء قديمهم وحديثهم يقولون هذا: ما ثبت بالكتاب والسنة والإجماع والقياس. وخصص ابن قيم الجوزية رضي الله تعالى عنه في كتابه ما جاء في الشريعة على خلاف القياس، وبين أنه لا يوجد في الشريعة شيء على خلاف القياس. فعندما قلت: قياسًا، فأنا أقصد هذا المعنى: أن الشريعة تسير على نمط واحد، فابن سيرين جعل السفر وجعل الفطر لوجع الأصبع هما نمط واحد، فبينت له الخلاف بينهما، وأن النمطية الواحدة تقتضي ألا يكون وجع الأصبع كالسفر، وبينت أن السفر ربط بأصل السفر وجدت مشقة أو لا، لأنه هو الأمر الذي جعله الشارع مناطًا، أما بالنسبة للمرض فإنما هي المشقة التي دعت إلى ذلك.
هو لم يرض فيما ذهب إليه الشاطبي في تحديد الرخصة، وذكر أن التعاريف يجب أن تكون محددة. أنا ذكرت في بحثي أن أحد كبار العلماء وأحد أذكيائهم ومعروف بذكائه ونباهته وإدراكه لتفاريع الشريعة ثم ضبطها الضبط المحكم هو الإمام القرافي، ولا يوجد فيما أظن فقيه لا يعود إليه سواء أكان تابعًا لمذهبه أم غير تابع، والرجل - كما تعلمون - هو رجل جمع إلى ذكائه العلمي إتقانه البعيد في علوم الحيل وفي إخراج أشياء عجيبة جدًّا ذكرها في شرحه على المحصول، ولولا الإطالة لدخلت في ذلك. فالإمام القرافي قال: " إنني عجزت عن إعطاء حد للرخصة جامع مانع، وبحثت فلم أجد في كل كلام من تقدمني أنه وفق لذلك ". وأن الشاطبي باعتماده مقاصد الشريعة حاول هذه المحاولة وأتيت بكلامه وأنا أرتضيه. ثم أذكر بأمر وهو أن التعاريف عند الفقهاء وعند الأصوليين هناك حد وهناك رسم، ومعظم ماجاء في كلام الفقهاء وما جاء في كلام الأصوليين إنما هي رسوم لاحدود، ويكتفون بذلك باعتبار أنها مقربة.
стр. 16959
ثم جاء في كلامه أن المطلق يجب أن ينصرف إلى الفرد الكامل. ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ ، فإذا أراد الله تعالى بالأضاحي فعلينا أن نأخذ شاة يتحقق فيها معنى بلوغ السنة، ولم يطلب منا أن نأخذ أكبر من ذلك، وحاول بنو إسرائيل أن يأخذوا بهذا المعنى - أي بالفرد الكامل - فوقعوا في الجهد والمشقة، وقال ﷺ : ((لو ذبحوا أية بقرة لأجزأتهم بل طلبوا الكمال)) . فالمطلق لا ينصرف إلى الأكمل وإلى الفرد الكامل، وإنما ينصرف إلى ما تنطبق عليه الحقيقة.
عارضني الشيخ خليل في أن الرخصة ليست شخصية. يا سيدي أنا أؤمن بأن الرخصة تشريع لكل فرد حسب وضعه، وربطت ذلك بالزمان والمكان، وقد يكون الشخص ذاته في نفس حدود هو مرخص له في وقت غير مرخص له في وقت آخر؛ لأن وضعه البدني أو الجسمي أو إلى آخره هو يختلف. فالرخصة شخصية وليست تشريعًا لكل فرد من المسلمين في وقت واحد، وإنما هي تنسحب على الشخص وتطبق عليه في ظروف خاصة، وهذا ما فهمته بعد تتبعي لكلام الفقهاء ولمناط الرخصة ولمواضع الرخصة في الفقه الإسلامي.
فضيلة الشيخ علي السالوس جعل أن المهم هو اشتراط الاستقرار، وهذا رأي الحنفية، ونحن نقدر باقي المذاهب ولكن ليس معنى أن صاحب المذهب هو الحق، فإن الاستقرار في نظرنا لا يؤثر، فلو أخذ قطعة من اللحم وازدردها وربطها بخيط وجعل الخيط خارج فمه، فهذا لا يفطر عند الحنفية باعتبار أنه غير مستقر لأنه خارج منه جزء. فقوله: الاستقرار هو المهم. قلت: إن هذه وجهة نظر الحنفية واطلعت عليها ورأيتها، وإذا كنت لم أرتضها فليس معنى ذلك أن معي الحق، قد أكون على خطأ وقد يكون من قال بالاستقرار على خطأ. لكن أرى أنه بناء على هذا أنه إذا اتصل بشيء بالخارج فهو غير مفطر ولو كان طعامًا.
стр. 16960
صاحب المعالي الدكتور عبد السلام العبادي تحدث سيادته عن المعرفة الطبية وهي غير مكتملة، ولكن نأخذ بالوضع الذي نحن فيه. نحن لا نطالب بأشياء لم يصل بعد إليها العلم، لذلك يجب العودة دائمًا وأبدًا إلى ما نصل إليه، فقد نصل اليوم إلى شيء اعتمادًا على التقدم العلمي وما وصل إليه، ثم إذا أتى العلم بخلاف ذلك رجعنا، وهو ما قاله عمر رضي الله تعالى عنه: " تلك على ما قضينا وهذه على ما نقضي ". وهي قاعدة شرعية أخذها عمر ﵁ من أدب التشريع الذي أخذه عن رسول الله ﷺ .
البحث عن الضابط الذي نرجع إليه ويكون هو المرجع النهائي.
ما أظن أننا وصلنا إلا في أمور قليلة جدًّا التي هي من ضروريات التشريع، فإذا خرجنا عن ذلك فالمقام مقام اجتهاد، وهذا مما انبنت الشريعة الإسلامية عليه.
فلا يمكن أن نجد ضابطًا يجعلنا نتفق جميعًا على حكم في قضية من القضايا، هذه الجزئية المتجددة، فهي ما جلى الأنظار، والإنسان عندما ينظر إلى الفقهاء وكيف خرجوا نجده تارة مترددًا، وأنا كثيرًا ما أقول لما كنت في بواكير شبابي كنت لا أرغب في رأي الواقفية، وأقول: إنهم جماعة لا يفهمون، فلما تقدمت فهمت أن الواقفية لهم حق بمعنى أنهم نظروا في كثير ووجدوا لكل شخص وجهة نظر، واستوت عندهم الأمور فتوقفوا. ولذلك لما قرأنا الأصول في أول الأمر: وقال الواقفية. بعض شيوخنا رحمة الله عليهم لم يبينوا لنا ما هو رأي الواقفية , ولماذا كانوا واقفية، ولكن الواقفية لهم رأي ولهم وجهة نظر، بمعنى أنهم نظروا في الأدلة ونظروا في المرجحات ووجدوها قد تساوت، وهكذا شأن التشريع الإسلامي. إن استمعت إلى مالكي واستمعت إلى وجهة نظره قلت: والله معه حق، وإن استمعت إلى الحنفي كذلك، وإن استمعت إلى الشافعي، وإن استمعت إلى الحنبلي، فكلهم لهم وجهة نظر بنوها على أساس معقول ومن الشريعة.
стр. 16961
فضيلة الشيخ محمد سليمان الأشقر يقول: " القياس الذي - طبعًا بمعنى النص - يأخذ به الفقهاء إلا الظاهرية ". هذا تدقيق علمي معه وهو من كبار العلماء ودقيق جدًّا في علمه. عندنا الظاهرية هم اتباع داود الظاهري وهو يقول بالقياس الجلي , عندنا بعده ابن حزم تجاوز شيخه، ورأى أن القياس الجلي لا يؤخذ به , فتدقيقًا للعلم فقط هو أن الظاهرية تقول بالقياس الجلي الذي مع النص. ثم إن القياسات الخفية تضييق على الناس، يا سيدي القياسات الخفية تارة تكون فيها التوسعة وتارة يكون فيها التضييق، فليست قاعدة أن كل قياس خفي هو تضييق على الناس، ولكنه بحث عن الحق سواء يترتب على الحق تضييق أو ترتب عليه توسعة.
الشيخ عبد الله محمد قال: " ويجب أن نأخذ بالسعة، لأنها قضايا جديدة ". أنا ما أعرف في قواعد التشريع أن القضايا الجديدة من قواعدها أنه يؤخذ فيها بالسعة، بل هي قواعد النظر تنسحب على ما مضى وعلى ما جد وعلى ما سيأتي، وعليها الأمر.
أخونا فضيلة الشيخ الحاج الناصر بكل أسف لم أستمع إلا إلى نهاية كلامه لما تحدث عن التدخين بأنه حرام ولذا فهو مفطر , التدخين حرام هذا رأي، والتدخين مكروه رأي، ولا صلة بين الحرمة وبين الإفطار؛ لأن الإفطار في الحقيقة هو أمر مادي، والحرمة أمر يتعلق بالتكليف، وقد يكون الشيء حلالًا ويفطر كما يفطر المريض، وقد يكون الشيء حرامًا ولا يفطر كقتل النفس وقبلة الأجنبية وغيره، هذا كله حرام.
стр. 16962
فضيلة الشيخ خليل الميس تحدث عن المزاج وتأثيره، وهذا أمر جديد دخل في هذا البحث, أعتقد أن القضية ليست قضية مزاج، والتدخين دخل في هذا؛ لأن التدخين مرتبط بشيء آخر وهو الإدمان. فليست القضية مرتبطة لما قيل: إن التدخين حرام، ليس لأنه يؤثر على المزاج، لكن هو عبودية للإنسان لأمر يفسد عليه بدنه ويفسد عليه ماله , فهذا الإدمان هو القضية التي أوجبت خلاف النظر في حرمته وفي حله، ونحن لا نبحث في الإفطار , ولكن قلت: إن بعض الأدوية، وفعلًا ابني كان مريضًا بالربو ووصف له علاج هو عبارة عن أوراق اشتريتها من إسبانيا وهي تبخر ويستنشقها، فهو دواء يؤخذ بالبخور أي بالحرق وبذلك التحول الذي يحدث في المادة، فأنا نظرت في الموضوع من هذه الناحية، وليس التبغ لأن التبغ ليس دواء بل هو داء، ولكن نظرت فيما يأخذه المريض من الأدوية بواسطة الدخان يستنشقه أيفطر أم لا يفطر؟ فبحثنا في الفطر في الدخان وغيره هو أمر خارج عن الموضوع.
أظن أنني تحدثت عن بعض ما جاء في التعاليق فمعذرة إن قصرت، وشكرًا لكم، وأستغفر الله العظيم فيما قلته من خطأ، وأشكره إذا أعانني على قول الصواب. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
стр. 16963
الرئيس:
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا وعلى آله وصحبه أجمعين.
ما يتعلق بالمُفْطِّرات أو المُفْطِرات هو النظر في المستجدات والنوازل والقضايا الفقهية، وهي نحو خمس وعشرين نقطة، وهذه المسائل أو النقاط منها ما أشبع بحثًا ومناقشة ويكاد يتفق المجمع عليها، ومنها ما هو محل بحث ونظر واختلاف في الآراء ووجهات النظر فيه.
وهناك نوع ثالث وهو أن البحوث التي قدمت في هذا الموضوع لم يتعرض له إلا بحث الشيخ السلامي مختصرًا في موضوع الفطر بالحجامة وما يتخرج عليها من نقل الدم. وتعلمون أن هذا الموضوع اختلفت فيه وجهات نظر العلماء السابقين بين كون الحجامة مفطرة أو غير مفطرة. وبناء على هذا يكون نقل الدم وتحليله هل يكون مفطرًا أو غير مفطر؟ وليس أمامنا دراسة حديثية لما ورد في الباب من الأحاديث التي ظاهرها التعارض، فقد ورد عن النبي ((أفطر الحاجم والمحجوم)) عن تسعة عشر من صحابة رسول الله ﷺ عن النبي ﷺ ، وهذه الأحاديث تكلم العلماء على أسانيدها، وهي مروية في السنن الأربع وفي مسند الإمام أحمد وفي غيرها , والطرف الثاني وهو القول بنسخ الحجامة هو حديث أنس رضي الله تعالى عنه الذي انفرد بروايته الدارقطني، وصححه جمع من العلماء، ومن العجيب أن القصة التي وردت فيه أن النبي ﷺ رأى جعفر بن أبي طالب وفي لفظ " في البقيع " وهو يحتجم، ثم جاء في آخر الحديث ((ثم لم ينه بعد)) . المهم في موضوع الحجامة أنه لم يرد ذكر لمعرفة ما عليه الصحابة رضي الله تعالى عنهم من الفتوى والعمل وأقوالهم في ذلك. والمأثور عن الصحابة رضي الله تعالى عنهم له دخل كبير في الترجيح ومعرفة الراجح من الأقوال.
ولهذا فقد ترون مناسبًا أن تتألف لجنة لإعداد قرار فيما توصل إليه المجمع، وإرجاء ما لم يتوصل إليه وإعداد بحوث مستقبلية فيه، وترون مناسبًا أن تكون اللجنة من أصحاب الفضيلة: الشيخ محمد المختار السلامي، الشيخ صالح بن حميد، الشيخ تقي العثماني، الشيخ سعود الثبيتي، الشيخ وهبة الزحيلي، الشيخ محمد جبر الألفي، والأطباء أحمد رجائي، محمد علي البار، حسان شمسي باشا، محمد هيثم. موافقون. وبهذا ترفع الجلسة، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 16964
االقرار
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد خاتم النبيين وعلى آله وصحبه.
قرار رقم: ٩٩/ ١/ د ١٠
بشأن
المفطرات في مجال التداوي
إن مجلس مجمع الفقه الإسلامي المنعقد في دورة مؤتمره العاشر بجدة بالمملكة العربية السعودية، خلال الفترة من٢٣ إلى ٢٨ صفر ١٤١٨ هـ (الموافق ٢٨ يونيو -٣ يوليو ١٩٩٧ م) .
بعد اطلاعه على البحوث المقدمة في موضوع المفطرات في مجال التداوي، والدراسات والبحوث والتوصيات الصادرة عن الندوة الفقهية الطبية التاسعة التي عقدتها المنظمة الإسلامية للعلوم الطبية، بالتعاون مع المجمع وجهات أخرى، في الدار البيضاء بالمملكة المغربية، في الفترة من ٩ إلى ١٢ صفر ١٤١٨هـ (الموافق ١٤ - ١٧ يونيو ١٩٩٧ م) ، واستماعه للمناقشات التي دارت حول الموضوع بمشاركة الفقهاء والأطباء، والنظر في الأدلة من الكتاب والسنة، وفي كلام الفقهاء.
قرر ما يلي:
أولاً: الأمور الآتية لا تعتبر من المفطرات:
١ - قطرة العين، أو قطرة الأذن، أو غسول الأذن، أو قطرة الأنف، أو بخاخ الأنف، إذا اجتنب ابتلاع ما نفذ إلى الحلق.
٢ - الأقراص العلاجية التي توضع تحت اللسان لعلاج الذبحة الصدرية وغيرها، إذا اجتنب ابتلاع ما نفذ إلى الحلق.
٣ - ما يدخل المهبل من تحاميل (لبوس) ، أو غسول، أو منظار مهبلي، أو إصبع للفحص الطبي.
٤ - إدخال المنظار أو اللولب ونحوهما إلى الرحم.
٥ - ما يدخل الإحليل - أي مجرى البول الظاهر للذكر والأنثى - من قثطرة (أنبوب دقيق) أو منظار، أو مادة ظليلة على الأشعة، أو دواء، أو محلول لغسل المثانة.
٦ - حفر السن، أو قلع الضرس، أو تنظيف الأسنان، أو السواك وفرشاة الأسنان، إذا اجتنب ابتلاع ما نفذ إلى الحلق.
٧ - المضمضة، والغرغرة، وبخاخ العلاج الموضعي للفم، إذا اجتنب ابتلاع ما نفذ إلى الحلق.
٨ - الحقن العلاجية الجلدية أو العضلية أو الوريدية، باستثناء السوائل والحقن المغذية.
٩ - غاز الأوكسجين.
١٠ - غازات التخدير (البنج) ما لم يعط المريض سوائل (محاليل) مغذية.
١١ - ما يدخل الجسم امتصاصاً من الجلد؛ كالدهونات والمراهم واللصقات العلاجية الجلدية المحملة بالمواد الدوائية أو الكيميائية.
стр. 16965
١٢ - إدخال قثطرة (أنبوب دقيق) في الشرايين لتصوير أو علاج أوعية القلب أو غيره من الأعضاء.
١٣ - إدخال منظار من خلال جدار البطن لفحص الأحشاء أو إجراء عملية جراحية عليها.
١٤ - أخذ عينات (خزعات) من الكبد أو غيره من الأعضاء، ما لم تكن مصحوبة بإعطاء محاليل.
١٥ - منظار المعدة إذا لم يصاحبه إدخال سوائل (محاليل) أو مواد أخرى.
١٦ - دخول أي أداة أو مواد علاجية إلى الدماغ أو النخاع الشوكي.
١٧ - القيء غير المتعمد، بخلاف المتعمد (الاستقاءة) .
ثانياً: ينبغي على الطبيب المسلم نصح المريض بتأجيل ما لا يضر تأجيله إلى ما بعد الإفطار من صور المعالجات المذكورة فيما سبق.
ثالثا: تأجيل إصدار قرار في الصور التالية، للحاجة إلى مزيد من البحث والدراسة في أثرها على الصوم، مع التركيز على ما ورد في حكمها من أحاديث نبوية وآثار عن الصحابة:
أ- بخاخ الربو، واستنشاق أبخرة المواد.
ب - الفصد، والحجامة.
ج - أخذ عينة من الدم المخبري للفحص، أو نقل دم من المتبرع به، أو تلقي الدم المنقول.
د - الحقن المستعملة في علاج الفشل الكلوي حقناً في الصفاق (البريتون) أو في الكلية الاصطناعية.
هـ - ما يدخل الشرج من حقنة شرجية أو تحاميل البوس) أو منظار أو إصبع للفحص الطبي.
و العمليات الجراحية بالتخدير العام إذا كان المريض قد بيت الصيام من الليل، ولم يعط شيئا من السوائل (المحاليل) المغذية.
والله أعلم
* * *
стр. 16966
العقود المستجدة
ضوابطها ونماذج منها
إعداد
الدكتور نزيه كماد حماد
أستاذ الشريعة الإسلامية بكندا
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
العقود المستجدة
ضوابطها ونماذج منها
(١) العقود التي يدخل في تكييفها أكثر من عقد
تعريف العقود المجتمعة في اتفاقية واحدة:
هي أن يتراضى الطرفان على إبرام اتفاقية تشتمل على عقدين أو أكثر - كالبيع، والإجارة، والقرض، والزواج، والشركة، والصرف، والمضاربة ... إلخ - على سبيل الجمع أو التقابل، بحيث تعتبر سائر موجبات تلك العقود المجتمعة أو المتقابلة، وجميع الحقوق والالتزامات المترتبة عليها جملة واحدة بمثابة آثار العقد الواحد.
ومن أمثلة ذلك:
- اجتماع القرض مع الشركة، أو المضاربة، أو النكاح.
- اجتماع القرض مع البيع، أو الإجارة أو السلم أو الصرف.
- اجتماع الشركة مع الكفالة والوكالة.
- اجتماع البيع مع إجارة الأعيان أو إجارة الأعمال أو كليهما.
- اجتماع البيع مع الصرف.
стр. 16967
تحرير المقصود من منع صفقتين في صفقة وبيعتين في بيعة، واقتران العقود بالشروط بأنواعها:
(أ) البيعتان في بيعة:
روى الترمذي والنسائي وأبو داود عن أبي هريرة ومالك في الموطأ بلاغًا عن النبي ﷺ ((أنه نهى عن بيعتين في بيعة)) . (١) أي في صفقة واحدة وعقد واحد. (٢) قال الترمذي: حديث حسن صحيح، والعمل على هذا عند أهل العلم، وفي رواية أخرى لأبي داود عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : ((من باع بيعتين في بيعة فله أوكسهما أو الربا)) . (٣)
وقد اتفق الفقهاء على عدم مشروعية البيعتين في بيعة عمومًا، ولكنهم اختلفوا في تفسير محل النهي، أي تفصيل الصور التي ينطلق عليها هذا الاسم من التي لا ينطلق عليها، وذلك على تفاسير:
أحدها: أن يقول البائع للمشتري: بعتك هذا الثوب بعشرة دراهم نقدًا أو بعشرين نسيئة إلى سنة، فيقبل المشتري من غير أن يعيق بأي الثمنين اشترى، هكذا فسره مالك وأبو حنيفة والثوري وإسحاق والشافعي - في أحد قوليه - وغيرهم. (٤)
قال ابن رشد: (وعلة امتناع هذا الوجه عند الشافعي وأبي حنيفة من جهة جهل الثمن، فهو عندهما من بيوع الغرر التي نهي عنها، وعلة امتناعه عند مالك سد الذريعة الموجبة للربا، لإمكان أن يكون الذي له الخيار قد اختار أولًا إنفاذ العقد بأحد الثمنين المؤجل أو المعجل، ثم بدله، ولم يظهر ذلك، فيكون قد ترك أحد الثمنين للثمن الثاني، فكأنه باع أحد الثمنين بالثاني، فيدخله ثمن بثمن نسيئة، أو نسيئة ومتفاضلا) . (٥)
وقال الشوكاني في نيل الأوطار: " والعلة في تحريمه عدم استقرار الثمن في صورة بيع الشيء الواحد بثمنين ". (٦) وقال في السيل الجرار: " ووجه كون ذلك لا يحل ما يستلزمه من عدم استقرار البيع، والتردد بين الطرفين ". (٧)
стр. 16968
ولا خلاف بين أهل العلم في حظر هذه المعاقدة إذا كان البيع واجبًا، أي قد لزم المشتري بأحد الثمنين على الإبهام، وافترقا على ذلك، لكن إذا افترقا على إحدى البيعتين: النقد أو النسيئة، فهو صحيح مشروع. (١) أما إذا لم يكن البيع لازما في أحد الثمنين، وافترقا على أنهما بالخيار، أو على أن أحدهما بالخيار، فقد أجازه الإمام مالك، وجعله من باب الخيار، لأنه إذا كان كذلك لم يتصور فيه ندم يوجب تحويل أحد الثمنين في الآخر. (٢)
هذا، وقد انتقد الإمام ابن القيم هذا التفسير للبيعتين في بيعة، ووصفه بالضعف، وذلك لعدم دخول الربا في هذه الصورة - مع أن الرواية الأخرى للحديث نصت صراحة على دخوله ((من باع بيعتين في بيعة، فله أوكسهما أو الربا)) - ولأنه ليس فيها بيعتان، وإنما هي بيعة واحدة بأحد الثمنين. (٣)
وقال أيضًا: " أَبْعَدَ كل البعد من حَمَلَ الحديث على البيع بمائة مؤجلة أو خمسين حالة، فليس ههنا ربًا ولا جهالة ولا غرر ولا قمار، ولا شيء من المفاسد، فإنه خيره بين أي الثمنين شاء، وليس هذا بأبعد من تخييره بعد البيع بين الأخذ والإمضاء ثلاثة أيام ". (٤)
والثاني: أن يقول: بعني سلعتك هذه بدينار نقدًا أو بشاة موصوفة إلى أجل كذا، ويفترقان على أنه قد لزمه البيع بأحد الثمنين من غير تعيين، وهذا التفسير للإمام مالك في الموطأ (٥)
стр. 16969
وعلة النهي عن هذه الصورة كما قال القاضي ابن العربي: " دخول الغرر في البيع باتفاق، إذ لا يدري البائع الثمن الذي انعقد عليه البيع: دينارًا معجلًا أم شاة موصوفة مؤجلة ". (١)
والثالث: أن يقول الرجل لآخر: بعتك بستاني هذا بكذا على إن تبيعني دارك بكذا، أي فإذا وجب لك عندي، وجب لي عندك، وهو تفسيرالحنابلة والحنفية والشافعي في قول آخر له. (٢)
وعلة امتناع هذه الصورة كما قال الترمذي: التفارق عن بيع بثمن مجهول، إذ لا يدري كل واحد منهما على ما وقعت عليه صفقته. (٣) أي أن الثمن في كل من البيعتين مجهول، لأنه لو أفرد كل مبيع في عقد بيع مستقل، لم يتفقا في ثمنه على ما اتفقا عليه في المبيعين في عقد واحد. (٤)
قال الخطابي: " الوجه الثاني أن يقول: بعتك هذا العبد بعشرين دينارًا على أن تبيعني جاريتك بعشرة دنانير، فهذا أيضًا فاسد، لأنه جعل ثمن العبد عشرين دينارًا، وشرط عليه أن يبيعه جارية بعشرة دنانير، وذلك لا يلزمه، وإذا لم يلزمه سقط بعض الثمن، وإذا سقط بعضه صار الباقي مجهولًا ". (٥)
وقال الشوكاني: علة تحريمًا بيعتين في بيعة في هذه الصورة التعليق بالشرط المستقبل (٦)
غير أن فقهاء المالكية - وكذا ابن تيمية الحنابلة - لم يسلموا بصحة هذا التفسير للبيعتين في بيعة، ولا بتحريم الصورة التي ذكرها أربابه. (٧)
قال القاضي ابن العربي: " إذا قال له: أبيعك عبدي هذا بألف على أن تبيعني دارك بألف، فهذا جائز ولا دخل فيه ولو باعه عبده على أن يبيعه المشتري عبدًا آخر بثمنه. قال أبو حنيفة: لايجوز ولا شيء أجوز منه، فإنه حصل من إحدى الجهتين عبد، والجهة الأخرى عبد آخر معلوم، وهذا مما لا دخل فيه ". (٨)
стр. 16970
وجاء في المدونة: " قلت: أرأيت ان اشتريت عبدًا من رجل بعشرة دنانير على أن أبيعه عبدي بعشرة دنانير؟ قال: قال مالك: ذلك جائز ". (١) " قلت: فلو بعته عبدي بعشرة دنانير على أن يبيعني عبده بعشرين دينارًا؟ قال: قال مالك: لا بأس بذلك، إنما هو عبد بعبد وزيادة عشرة دراهم ". (٢)
وقال ابن تيمية: " وقول القائل: بعتك ثوبي بمائة على أن تبيعني ثوبك بمائة، إن أرادا أن يبيع كل واحد منهما ثوبه، انعقد بهذا الكلام، فهذا نظير نكاح الشغار! ولكن ما الدليل على فساد هذا , وهو كما لو قال: أجرتك داري بمائة على أن تصير دارك مؤجرة لي بمائة؟ فعوض كل من الإجارتين مائة واستئجار الأخرى، كما أنه في البيع عوض كل منهما مائة وبيع الآخر، وتحريم هذا نحتاج فيه إلى نص أو إجماع ليصح القياس عليه ". (٣)
أما إذا باعه شيئين بثمن واحد، كدار وثوب، أو عبد وثوب، فهذا جائز في قول جماهير أهل العلم من الشافعية والمالكية والحنابلة، وليس من باب البيعتين في البيعة الواحدة، وإنما هي صفقة واحدة جمعت شيئين بثمن معلوم. (٤)
والرابع: أن يبيع الرجل من الرجل سلعتين بثمنين مختلفين، على أنه قد لزمته إحدى البيعتين، فلينظر أيها يلتزم، وقد نسبه القاضي ابن العربي للمالكية. (٥)
стр. 16971
وقال الباجي: " قال الفقهاء في معنى بيعتين في بيعة: أن يتناول عقد البيع بيعتين على أن لا تتم منهما إلا واحدة مع لزوم العقد، مثل أن يتبايعا هذا الثوب بدينار، وهذا الآخر بدينارين على أن يختار المشتري أحدهما، أي ذلك شاء، وقد لزمهما ذلك أو لزم أحدهما، فهذا يوصف بأنه بيعتان، لأنه قد عقد بيعة في الثوب الذي بالدينارين وبيعة أخرى في الثوب الذي بالدينار، ولم تجمعهما صفقة لأنه لا يتم البيع فيهما، ويوصف بأنه بيعيتين في بيعة؛ لأنه إحدى البيعتين. فمثل هذا لا يجوز، سواء كان ذلك بنقد واحد أو بنقدين، خلافًا لعبد العزيز بن أبي سلمة في تجويزه ذلك بالنقد الواحد ". (١)
وعلة حظر تلك الصورة عند المالكية سد الذريعة الموجبة للربا، حيث إنه يقدر على المشتري أنه قد أخذ الثوب بالدينار، ثم تركه وأخذ الثوب الآخر ودفع دينارين، فصار إلى أن باع ثوبًا ودينارًا بثوب ودينارين، وذلك لا يجوز على أصل مالك. (٢)
والخامس: أن يقول: أبيعك هذه السلعة بمائة إلى سنة على أن أشتريها منك بثمانين حالَّة، وهي نفس بيع العينة، وهو تفسير ابن تيمية وابن القيم للبيعتين في بيعة. (٣)
стр. 16972
قال ابن القيم: " وهذا هو معنى الحديث الذي لا معنى له غيره، وهو مطابق لقوله ﷺ : ((فله أوكسهما أو الربا)) ، فإنه إما أن يأخذ الثمن الزائد فيربي، أو الثمن الأول فيكون هو أوكسهما ".
فإنه قد جمع صفقتي النقد والنسيئة في صفقة واحدة ومبيع واحد، وهو قد قصد بيع دراهم عاجلة بدراهم مؤجلة أكثر منها ولا يستحق إلا رأس ماله، وهو أوكس الصفقتين، فإن أبى إلا الأكثر فقد أخذ الربا، ومما يشهد لهذا التفسير ما روى الإمام أحمد عن ابن عمر أن النبي ﷺ : ((نهى عن بيعتين في بيعة وعن سلف وبيع)) ، فجمعه بين هذين العقدين في النهي لأن كلًا منهما يؤول إلى الربا، لأنهما في الظاهر بيع وفي الحقيقة ربا ". (١)
والسادس: أن يقول رجل لآخر: اشتر لي، أو اشتر السلعة الفلانية نقدًا بكذا، أو بما اشتريتها به، وبعها مني بكذا إلى أجل، وذلك داخل تحت بيع ما ليس عندك. (٢)
قال القاضي ابن العربي: " ولا يمكن تفسيره به على التصريح إلا إذا شارطه عليه والتزم له ما يشتري، وأما إذا فاوضه فيه وأوعده عليه، فليس يكون ذلك حرامًا محضًا، ولكنه من باب شبهة الحرام والذريعة إليه، وقد بوب مالك النهي عن بيعتين في بيعة، ثم أدخل فيه بيع ما ليس عندك للمعنى الذي أشرنا إليه ". (٣)
والسابع: أن يقول له: بعتك هذا بعشرة دنانير على أن تعطيني بها صرفها كذا دراهم، فقال أكثر الفقهاء، الشافعي وأبو حنيفة وأحمد وإسحاق وأبو ثور: هذا من باب بيعتين في بيعة (٤)
стр. 16973
وقد حكى القاضي ابن العربي هذا التفسير للبيعتين في بيعة، ونسبه إلى من ذكرنا من أهل العلم، ثم عقب على ذلك بأن البيع بهذه الصورة جائز عند الإمام مالك، فقال: " فجوزه مالك تعويلًا على ما يؤول إليه الكلام، والشافعي والفقهاء أصحابه نظروا إلى أنه باعه وصرفه، ولم يكن ذلك، إنما ذكر دينارًا، ثم ذكر الدراهم، فانتفى الذهب، ورجع الأمر إلى الفضة، كما لو قال: أبيعك عبدي بعبدك على أن تعطيني في عبدك دارًا، فهذا كمن اشترى داره بعبده، وذلك جائز ". (١)
وجاء في المدونة: " قلت: أرأيت إن باع سلعة بعشرة دنانير إلى أجل على أن يأخذ بها مائة درهم، أيكون هذا البيع فاسدًا أم لا؟ قال: لا يكون فاسدًا، ولابأس بهذا عند مالك، قلت: لم؟ قال: لأن اللفظ ههنا لا ينظر إليه؛ لأن فعلهما يؤوب إلى صلاح وأمر جائز، قلت: وكيف يؤوب إلى صلاح، وهو إنما شرط الثمن عشرة دنانير يأخذ بها مائة درهم؟ قال: لأنه لا يأخذ دنانير أبدًا، إنما يأخذ دراهم، فقوله عشرة دنانير لغو ". (٢)
ثم إن أشهب من المالكية يرى جواز جمع البيع مع الصرف في عقدة واحدة مطلقا (٣)
والثامن: هو أن يسلفه دينارًا في قفيز حنطة إلى شهر، فإذا حل الأجل وطالبه بالحنطة قال: بعني القفيز الذي لك عليَّ إلى شهرين بقفيزين. فصار ذلك بيعتين في بيعة؛ لأن البيع الثاني قد دخل على الأول، فيرد إليه أوكسهما، وهو الأول، كذا في شرح السنن، لابن رسلان. (٤)
стр. 16974
التفسير المختار:
يلاحظ على هذه التفسيرات المختلفة للبيعتين في بيعة التي صح نهي النبي ﷺ عنها أن بعضها مما اتفق على منعه الفقهاء، وإن كان بينهم بعض التباين في التفصيلات، وبعضها الآخر مما اختلفت فيه أنظارهم واجتهاداتهم، وبالنظر والتأمل في أقاويل أهل العلم السالفة، وما عرضوا من أدلة وحجج على تفسيرهم لمحل النهي في الحديث، يترجح عندي أن المراد بالبيعتين في بيعة:
١ - أن يتضمن العقد الواحد بيعتين، على أن تتتم إحداهما قبل تفرق العاقدين، ولكن دون تعيينها، كما في: بعتك هذه السلعة بألف درهم نقدًا أو بألفين إلى أجل كذا، أو: بعتكها بألف درهم نقدًا أو بشاة موصوفة إلى أجل كذا، ويتفرق العاقدان على لزوم إحداهما من غير تحديدها، وذلك للغرر الناشئ عن الجهل بمقدار الثمن.
٢ - أن يبيعه السلعة بمائة مؤجلة إلى سنة على أن يشتريها منه بثمانين حالة , حيث إن الجمع بين البيعتين في هذه الصورة يؤول إلى الربا، فهما في الظاهر بيعتان، وفي الحقيقة ربًا.
أما بقية التفسيرات، فمنها ما ينضوي تحت نصوص شرعية أخرى كالنهي عن بيع ما ليس عندك، أو ربا الجاهلية، وإدراجه تحت البيعتين في بيعة بعيد، ومنها ما الحظر فيه محل خلاف أهل العلم، ولا يترجح عندي فيها جانب الحرمة على الحل.
стр. 16975
(ب) الصفقتان في صفقة:
روى أحمد والبزار والطبراني عن سماك عن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود عن أبيه قال: ((نهى النبي ﷺ عن صفقتين في صفقة)) . قال في مجمع الزوائد: رجال أحمد ثقات. (١)
* وقد فسر راوي الحديث سماك الصفقتين في صفقة بأن يبيع الرجل البيع، فيقول: هو بنساء بكذا وكذا، وهو بنقد بكذا وبكذا. (٢) أي ويفترقان على ذلك، وقد وافق سماك على هذا التفسير أحمد والشافعي وأبو عبيد القاسم بن سلام (٣) ، وقال الشوكاني: إن معنى الصفقتين في صفقة بيعتان في بيعة. (٤)
وأساس ذلك أن الصفقة لغة اسم المرة من الصفق، وهو الضرب باليد على يد أخرى، أو على يد شخص آخر عند البيع، وقد كان عادة العرب إذا وجب البيع ضرب أحد المتبايعين يده على يد صاحبه (٥) ثم استعملت الصفقة بمعنى عقد البيع نفسه (٦) أي إذا كان لازمًا لا خيار فيه.
ومنه قول عمر ﵁: " إن البيع صفقة أو خيار "، قال النسفي:
" أي بيع تام لازم، أو بيع فيه خيار ". (٧) وقال السرخسي: " الصفقة هي اللازمة النافذة، يقال: هذه صفقة لم يشهدها خاطب، إذا أنفذ أمر دون رأي رجل ". (٨)
* وذكر الإمام ابن القيم أن تفسير الصفقتين في صفقة مطابق للبيعتين في بيعة، وهو أن يبيعه السلعة بمائة إلى سنة على أن يشتريها منه بثمانين حالة، ثم قال: " فإنه قد جمع صفقتي النقد والنسيئة في صفقة واحدة وبيع واحد، هو قصد بيع دراهم عاجلة بدراهم مؤجلة أكثر منها، ولا يستحق إلا رأس ماله، وهو أوكس الصفقتين، فإن أبى ابي الأكثر كان قد أخذ الربا ". (٩) ويؤيد هذا التفسير رواية ابن حبان للحديث موقوفًا " الصفقة في الصفقتين ربا ". (١٠)
* وذهب الكمال بن الهمام إلى أن الصفقتين في صفقة أعم مطلقًا من البيعتين في بيعة، لخصوص في نوع من الصفقات، وهو البيع , وذلك كما لو باع عبدًا على أن يستخدمه البائع شهرًا أو دارًا على أن يسكنها كذلك، لأنه لو كانت الخدمة والسكن يقابلهما شيء من الثمن يكون إجارة في بيع، ولو كان لا يقابلهما يكون إعارة في بيع، وقد نهى رسول الله ﷺ عن صفقتين في صفقة، فيتناول كلًّا من الاعتبارين المذكورين (١١)
والخلاصة: أن الفقهاء مختلفون في المراد بالصفقتين في صفقة، هل هو نفس البيعتين في بيعة، أم بينهما عموم وخصوص مطلق؟ فذهب أكثرهم إلى أنهما مترادفتان، وذهب الحنفية إلى أنّ الأولى أعم مطلقًا، فتشمل اجتماع السلف مع البيع، والإجارة مع البيع، والإعارة مع البيع، وغير ذلك. وسنأتي على تفصيل ذلك عند كلامنا على حكم اجتماع العقود المتعددة في عقد واحد.
стр. 16976
(ج) البيع والشرط:
عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: نهى رسول الله ﷺ عن بيع وشرط.
وهذا الحديث غير ثابت عن النبي ﷺ كما قال كثير من أهل العلم كالإمام أحمد والقاضي ابن العربي وابن قدامة وابن تيمية وغيرهم. (١) ولا يصح الاحتجاج به لمعارضته للأحاديث الصحيحة والإجماع.
قال ابن تيمية: " يروى في حكاية عن أبي حنيفة وابن أبي ليلى وشريك أن النبي ﷺ نهى عن بيع وشرط، وقد ذكره جماعة من المصنفين في الفقه، ولا يوجد في دواوين الحديث، وقد أنكره أحمد وغيره من العلماء، وذكروا أنه لا يعرف، وأن الأحاديث الصحيحة تعارضه. وأجمع الفقهاء المعروفون - من غير خلاف أعلمه عن غيرهم - أن اشتراط صفة في المبيع ونحوه، كاشتراط كون العبد كاتبًا أو صانعًا، أو اشتراط طول الثوب أو قدر الأرض ونحو ذلك شرط صحيح ". (٢)
وجاء في أعلام الموقعين: (حديث النهي عن بيع وشرط لا يعلم له إسناد يصح، وهو مخالف للسنة الصحيحة والقياس، وقد انعقد الإجماع على خلافه. أما مخالفته للسنة الصحيحة، فإن جابر أباع بعيره وشرط ركوبه إلى المدينة، والنبي ﷺ قال: ((من باع عبدًا وله مال، فماله للبائع إلا أن يشترطه المبتاع)) ، فجعله للمشتري بالشرط الزائد على عقد البيع. وقال: ((من باع ثمرة قد أُبِّرت فهي للبائع إلا أن يشترطها المبتاع)) ، فهذا بيع وشرط ثابت بالسنة الصحيحة الصريحة، وأما مخالفته للإجماع، فالأمة مجمعة على جواز اشتراط الرهن والكفيل والضمين والتأجيل والخيار ثلاثة أيام ونقد غير نقد البلد، فهذا بيع وشرط متفق عليه) . (٣)
стр. 16977
(د) اقتران العقود بالشروط:
لقد وردت نصوص كثيرة في القرآن والسنة تثبت للعقود المسماة التي أقرها الشرع آثارًا وأحكامًا والتزامات تربط الطرفين في كل عقد بحسب موضوعه. فعقد النكاح مثلًا يترتب عليه جل الاستمتاع بين الزوجين، ووجوب متابعة المرأة للرجل، ووجوب النفقة للمرأة على الرجل، وثبوت النسب، وحقوق الحضانة، وحرمة المصاهرة، والإرث بين الزوجين، ثم بينهما وبين الأولاد. وكذلك عقد البيع والإجارة والرهن والكفالة وغيرها، كل منها قد ثبتت في الشرع له أحكام، منها ما بينه الكتاب والسنة القولية أو العملية مباشرة، ومنها ما أضافه الاجتهاد استنباطًا.
أما سلطة العاقدين على تعديل تلك الآثار للعقود، إما بالنقص منها، وإما بإضافة التزامات على أحد الطرفين لا يستلزمها أصل العقد، وذلك بشروط يشترطانها في التعاقد، ومدى هذه السلطة، فقد اختلفت في ذلك اجتهادات الفقهاء وأنظارهم.
١- فذهب الحنفية إلى أن الأصل الشرعي في حرية الشروط العقدية هو التقييد، وذلك لأن لكل عقد في الشريعة أحكامًا أساسية تسمى (مقتضى العقد) نص عليها الكتاب أو السنة، أو استنبطها الاجتهاد وأثبتها حفظًا للتوازن بين العاقدين في الحقوق، فليس للعاقدين أن يشترطا من الشروط ما يخالف هذا المقتضى، فإن اشترطا شرطًا مخالفًا له فسد العقد في الجملة.
стр. 16978
وقد اعتبر الفقه الحنفي كل شرط متضمن لمنفعة زائدة على أصل
العقد مخالفًا ومفسدًا للمعاوضة المالية، كما لو اشترط في أصل البيع حمل المبيع إلى بيت المشتري على حساب البائع، أو إقراض أحد المتبايعين للآخر قرضًا ونحو ذلك. أما إذا كان ذلك الشرط في غير عقود المعاوضات المالية كالزواج، فيلغو الشرط ويصح العقد. ولكنه استثنى من المنع في عقود المبادلات المالية ثلاثة أنواع من الشروط، فاعتبرها صحيحة لازمة، وهي:
أ) الشرط الذي ورد الشرع بجوازه، كاشتراط تأجيل ثمن المبيع، واشتراط الخيار لأحد المتبايعين.
ب) الشرط الذي يلائم العقد، كاشتراط البائع على المشتري تقديم كفيل أو رهن بالثمن المؤجل، لأنه توثيق له.
جـ) الشرط الذي يجري به العرف المعتبر شرعًا، حيث إن العرف يصحح الشروط التي تعتبر في الأصل مفسدة للعقد. (١)
٢ - واتجه الشافعية وأكثر المالكية إلى نحو ما ذهب الحنفية من لزوم التمسك بمقتضيات العقود إجمالًا، وعدا جواز اشتراط ما يخالفها، ولكنهم اختلفوا معهم في التفصيلات، نظرًا لتشعب أنظارهم واجتهاداتهم فيما هو مقتضى كل عقد، وفيما هو مخالف له من الشروط، ودرجة المخالفة، ومدى إخلالها بما يلزم مراعاته في العقود. (٢)
قال البغوي: " وجملة ذلك أن كل شرط هو من مقتضى البيع أو من مصلحة البيع فهو جائز، أما مقتضاه: فهو مثل أن يبيعه عبدًا على أن يحسن إليه، أو دارًا على أن يسكنها إن شاء أو يسكنها غيره، وأما مصلحة العقد: فمثل أن يبيع بثمن ضرب له أجلًا معلوما، أو شرط أن يرهن بالثمن داره، أو يقيم فلانًا كفيلًا بالثمن.
стр. 16979
فأما ما لا يقتضيه مطلق البيع من الشروط، ولا هو من مصلحة البيع، فإنه يفسد البيع إلا شرط العتق، وذلك مثل أن يشتري سلعة على أن يحملها البائع إلى بيته، أو ثوبًا على أن يخيطه، أو دابة على أن يسلمها في بلد كذا أو في وقت كذا، أو على أن لا خسارة عليه في ثمن المبيع، فالعقد فاسد، لأنه شرط يصير به الثمن مجهولًا، وكذلك لو باع داره وشرط فيه رضا الجيران أو رضا فلان، ففاسد لما فيه من الغرر، لأنه لا يدري هل يرضى فلان أو لا، وكذا لو باعه على أن البائع متى رد الثمن عاد المبيع إليه أو يرده المشتري إليه، ففاسد. وكذلك لو باعه على أن لا يبيعه المشتري، أو على أن يبيعه، أو على أن يهبه، فلا يصح، لأنه حجر عليه فيما هو مقصود الملك من إطلاق التصرف ". (١)
وجاء في (الأشباه والنظائر) ، لابن السبكي: " تنبيه: قد يتردد في أن الشيء مقتضى العقد أو لا، فيورث ذلك ترددًا في أنه شرطه هل يبطل أو لا؟ " (٢)
стр. 16980
وقال في (بداية المجتهد) : " وأما مالك؛ فالشروط عنده تنقسم ثلاثة أقسام: شروط تبطل هي والبيع معًا، وشروط تجوز هي والبيع معًا، وشروط تبطل ويثبت البيع , وقد يظن أن عنده قسمًا رابعًا، وهو أن من الشروط ما إن تمسك المشترط بشرطه بطل البيع، وإن تركه جاز البيع، وإعطاء فروق بينة في مذهبه بين هذه الأصناف الأربعة عسير، وقد رام ذلك كثير من الفقهاء، وإنما هي راجعة إلى كثرة ما تتضمن الشروط من صنفي الفساد الذي يخل بصحة البيوع، وهما الربا والغرر، وإلى ما قلته، وإلى التوسط بين ذلك، أو إلى ما يفيد نقصًا في الملك، فما كان دخول هذه الأشياء فيه كثيرًا من قبل الشرط أبطله وأبطل الشرط، وما كان قليلًا أجازه وأجاز الشرط فيها، وما كان متوسطًا أبطل الشرط وأجاز البيع. ويرى أصحابه أن مذهبه هو أولى المذاهب، إذ بمذهبه تجتمع الأحاديث كلها، والجمع عندهم أحسن من الترجيح. وللمتأخرين من أصحاب مالك في ذلك تفصيلات متقاربة ". (١)
٣- ويتجه الفقه الحنبلي إلى أن الأصل الشرعي بمقتضى دلائل نصوص الشريعة هو حرية العقود أنواعًا وشروطًا، ووجوب الوفاء بكل ما يلتزمه المتعاقدان ويشترطانه، ما لم يكن هناك نص أو قياس يمنع من عقد معين أو شرط محدد، فعندئذ يمتنع بخصوصه على خلاف القاعدة، ويعتبر الاتفاق عليه باطلًا، كالتعاقد على الربا أو القمار أو الغرر ونحو ذلك. ومستندهم على ذلك عموم قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: ١] وقوله ﷺ : ((المسلمون على شروطهم)) (٢) وقد استفيد القيد الاستثنائي المانع من قوله ﵊ في حديث بريرة: ((كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل)) . (٣) والمراد به ما أحل حرامًا أو حرم حلالًا.