← Фикх общий

Фикх общий · id 8356

مجلة مجمع الفقه الإسلامي

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (22 276 стр.). Показаны 16906–16945 · переход к 16911.

стр. 16906

بعد ذلك أيضًا أحب أن أنبه أو أناقش فضيلة الشيخ محمد مختار السلامي في بحثه القيم في أنه ذكر أن الرخصة شخصية , أنا في نظري الرخصة في الشريعة ليست شخصية، الرخصة في الشريعة موضوعية، معيارها موضوعي، ذلك أن الشريعة لم تربط الرخصة بالحكمة وهي المشقة، وقد عدل الفقهاء عن ذلك كما ذكروا؛ لأن الحكمة غير منضبطة، فما يكون مشقة في زمن هو ليس مشقة في زمن آخر، وما يكون مشقة عند شخص ليس هو مشقة عند شخص آخر وهكذا , لهذا السبب عدلوا عن ربط الأحكام بالحكم، وربطوها بالعفة وهي الوصف الظاهر المنضبط، والعلة هي السفر والمرض ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ والمرض موضوعي، هذا مريض فهو مريض أيا كان المرض، السفر أيا كان بطائرة أو بقطار أو براحلة هو سفر. على كل حال المعيار العام صار معيارًا موضوعيًّا. الحديث عن أن الرخصة شخصية هذا يتأتى في إطار الحديث عن الحكمة. صحيح أن الحكمة هي العلة الأساسية وهي الباعث على الأحكام، لكن الفقهاء جعلوا بيننا وبينها حاجزًا، ذلك الحاجز هو الوصف الظاهر المنضبط وهو العلة. بعد ذلك الحديث عن حالات إجراء الغسيل - مثلًا - بالنسبة للكلى وكونه لا يفسد الصوم أو لا يبطل الصوم، أظن أن هذا لا محل له؛ لأن من هو مصاب بمرض الكلى أساسًا، يباح له أن يفطر، فكيف نبحث عن أنه يصوم؟ هذه المسائل أعتقد أنها ربما تكون إيغالًا في الترف؛ لأن هذا الشخص أساسًا التركيبة والحالة التي هو عليها لا تبيح الصوم له , فلا يصوم أساسًا وهو معفو عنه، فليس هنالك داع لأن نجث ما يترتب عن ذلك من نقل الدم له، وأن نقله لا يترتب عليه إفسادًا للصوم. هذا ما أردت قوله. وشكرًا.

стр. 16907

الشيخ علي السالوس: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه واتبع سنته إلى يوم الدين. شكرًا لكل من تحدث قبلي وللأخوة الثلاثة الباحثين ولإدارة المجمع، وأحب أن أوجه شكري لإدارة المجمع للمنهج الجديد الذي سلكته في البحث والتعقيب , وأرجو أيضًا في الأبحاث القادمة أن يضاف شيء آخر وهو مراعاة التخصص للبحوث المشتركة، فهنا الفقيه تعرض للجانب الطبي، والطبيب تعرض للجانب الفقهي، فلو أننا نظرنا في البحوث القادمة - أن شاء الله - أن يكون هناك اشتراك في البحث الواحد، فنكلف الفقيه والمتخصص ببحث واحد لعل هذا يكون فيه النفع أن شاء الله. نحن هنا أمام عبادة، والعبادة يجب فيها الاحتياط، ولكن أيضًا يجب فيها رفع الحرج. وهنا بالنسبة للأكل والشرب صورة ومعنى والجهاز الهضمي والتغذية أرى أن هذا يجب أن يراعى ما هو في معنى الأكل والشرب، وأن يراعى أيضًا الجهاز الهضمي. ما ذكره الأطباء حول الجهاز الهضمي كلام علمي دقيق يتصل بالأكل والشرب , ولذلك ما لا يدخل إلى الجهاز الهضمي وليس فيه معنى الأكل والشرب ولا يتنافى مع مقصود الصيام والهدف من الصيام والغاية من الصيام ربما كان هذا لا يفسد الصيام، فمثلًا أخذ شيء من الكلية - عينة من الكلية - هذا لا يتنافى مع الهدف من الصيام، وفي الوقت نفسه ليس فيه معنى الأكل والشرب لا صورة ولا معنى. كذلك بالنسبة للجامد الذي يدخل إلى الجسم، الحنفية هنا لهم كلام لعله يفيدنا وهو اشتراط الاستقرار حتى يكون الجامد مفطرًا يستقر في داخل الجسم. الأخذ بكلام الحنفية هنا يفيدنا في المناظير وغيرها من الأشياء التي لا تستقر في الجسم، فهي ليست في معنى الأكل والشرب، وفي الوقت نفسه المريض في حاجة إلى هذه الأشياء، ثم أن هذا أيضًا له ما يؤيده من سادتنا الفقهاء.

стр. 16908

بالنسبة لحديث (الحاجم والمحجوم) في القول بالنسخ نعم ورد في أقوال كثيرين والتأويل أيضًا، التأويل بأن الحاجم يمكن أن يفطر لأن الدم يمكن أن يدخل في جوفه , وأن المحجوم يمكن أن يفطر لأن الحجامة تضعفه فيضطر إلى الفطر، هذا بالتفصيل موجود في كثير من الكتب. أما موضوع القليل والكثير , مع ضم الضرورة والحاجة فلو أنه ثبت فعلا أن قطرة العين - كما تحدث الأطباء - لا يصل منها إلى الجسم إلا هذا القدر الذي يمتص ولا يدخل إلى البلعوم؛ إذن معنى هذا أنه لايؤثر على الصوم. بالنسبة لمرضى الربو، العدد الذي ذكره الإخوة الأطباء والحاجة إلى هذا، أنا أقول هنا ليس إفتاء فلست مفتيًا وإنما أقول من باب التساؤل فقط للبحث، الأفضل هنا النظر إلى أن هذا المريض ما يدخل في جوفه بعد أن يدخل في الجهاز التنفسي والجزء المتبقي الذي لا يكاد أن يرى هل هنا مقاصد الصوم تدفعنا إلى القول بأن هذا يفطر، وأن نقول له أيضًا أفطر وأعد؟ وكيف يعيد وهو مريض؟ هذا مرض مزمن، أم أن مثل هذا يمكن أن يكون معفوا عنه لأنه لم يتعمد الإفطار، لم يتغذ، لم يجترئ على شهر الصيام. هنا علاج والشيء هنا قليل إلى هذا الحد هو أقل من السمسمة كما وصف الأطباء. التخدير، إذا ثبت أن التخدير لا يصل منه شيء إلى الجهاز الهضمي كما قال الأطباء، فإذن هو ليس طعامًا لا صورة ولا معنى، ولم يصل إلى الجهاز الهضمي. غسيل الكلية، إذا ثبت، أيضًا أن غسيل الكلية لا يؤدي إلى شيء يدخل إلى الجهاز الهضمي. هذه أشياء يجب أن نتحقق منها طبيًّا أولًا, هل يدخل منها شيء إلى الجهاز الهضمي أم لا يدخل؟ بالنسبة للحديث عن وظيفة المجمع، أعتقد أن وظيفة المجمع ليست فقط بيان المذاهب، فالمذاهب مبينة في كتبها، وهذه وظيفة تكون ميسرة لا تحتاج إلى هذا المجمع، إنما أعتقد أن وظيفة المجمع الأساسية أو الرئيسية الاجتهاد في ضوء الكتاب والسنة، وهذا هو الاجتهاد الجماعي الذي نحتاج إليه في عصرنا. أكرر شكري وتقديري والحمد لله، والصلاة والسلام على سيدنا وسول الله , والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

стр. 16909

الشيخ عمر بن عبد العزيز: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ أنا ذكرت بالنسبة لقياس ابن سيرين ﵀ أنه قياس في مقابلة النص فيرد , والقياس في مقابلة النص هو أن يفضي القياس إلى حكم مخالف للحكم الذي أدى إليه النص , أي أن يدل القياس على خلاف ما دل عليه النص، وقياس ابن سيرين ليس من هذا القبيل، وكان قصدي أن أقول: أن النص موجود وهو يقيس. وكان منهج السلف الصالح رحمهم الله تعالى أنهم يرجعون إلى الكتاب ثم السنة ثم إلى القياس , أما عمل ابن سيرين فهو أيد النص بالقياس , ولم يقس في مقابلة النص. أحببت أن أوضح هذا لأن إطلاق القياس في مقابلة النص على هذا ليس صحيحًا. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 16910

الشيخ علي التسخيري: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ في الواقع هذه وقفات سريعة مع السادة الذين تحدثوا. هناك وقفة مع الدكتور الألفي حفظه الله عندما طرح لنا مسألة جديدة وهي مسألة المزاج , شيء بالإضافة إلى الغذاء ومسألة اللذة الجنسية. أنا في الواقع لم أجد ما يدل على ذلك، وأنا أطلب منه أن يتفضل بذكر الدليل , وإلا لكان هذا الأمر لأبطلنا كل شيء يؤثر في اعتدال المزاج للصائم , فلو فرضنا: يجلس في ماء بارد مثلًا أو يمر في حديقة غناء، هذه أشياء تؤثر في المزاج. المزاج لا أرى ما يدل على لزوم تضييق مزاج هذا الإنسان الصائم المسكين. الشيء الآخر، ذكر أن إدخال الناظور إلى الرحم قد يلذذ هذه المرأة. أنا لا أعتقد أن ذلك يحدث أولًا، لا أعلم كيف يلذذ وهو يقتلها بهذا الأسلوب؟ وإذا كان هناك تلذذ من هذا القبيل أنا لا أؤيد سماحة الشيخ الضرير في أن الرفث يفسر بالجماع ومقدماته. لا أدري هل هناك من أفتى بتحريم كل مقدمات الجماع على الصائم معناه أنه ليس له أن يقبل؟ ويقال أن القبلة هي أهم المقدمات , ولا أعلم أيضًا ليس له أن ينظر إلى زوجته المتزينة، ليس له أن يلمسها!! هذه كلها مقدمات للجماع , أنا لا أفهم من الرفث إلا أنه تعبير قرآني مهذب عن مسألة الإدخال ومسألة الإنزال، وليس مسائل أخرى وهي التي كادت تراود أذهان البعض. ثم مسألة إدخال الدواء إلى الشريان، قال: إنه يفطر. أيضًا لا دليل عليه , يعني إدخال الدواء أو المسكن - كما سأل الأخ - إلى الوريد لا دليل على أنه يفطر، لأنه ليس فيه لا ملاك التغذية وليس فيه أي ملاك آخر أو أي عنوان آخر يصدق عليه. ومن هنا أجيب الدكتور الذي سأل من مسألة المسكن: لا مانع مطلقًا من دخول الدواء ودخول المسكن إلى الأوردة، ولا يشمله أي دليل مانع.

стр. 16911

سماحة الشيخ عكرمة سأل وأشار إلى علاقة الأوردة بالجوف , أنا أوافق أن الجوف لم يرد فيه نص، وإنما هو ما نفهمه عرفًا من عنصري الأكل والشرب، هذا الذي نفهمه، وإذا لم يكن ورد بلفظه فنحن لا نتقيد بلفظ الجوف , وإنما نلتزم بحقيقة الطعام والشراب. ولذلك أنا أخالف سماحة الشيخ في أنه التغذية غير المنظورة , التغذية هي روح الطعام، وهي حضور الطعام والشراب في البدن، هي كل شيء في الطعام والشراب , وحينئذ فأعتقد أن الأوردة أن كان هناك من يقول بأن الأوردة تدخل في إطار استمرار الجوف وتأثير الجوف في البدن، وبالتالي فتغذيتها مضرة، هذا الأمر أنا قلت أنا أحتاط فيه وجوبًا فأنا لا أستغرب من يقول ذلك , وأنا شخصيًا أحتاط بذلك. سماحة الشيخ ابن منيع اعترض على الشيخ السلامي بأن هذا الحديث موجود ((أفطر الحاجم والمحجوم)) . الشيخ السلامي لم يرد أن ينفي هذا الحديث. هو يقول: إن موضوع هذا الحديث قد انتفى. وانتفاء الموضوع لا يعني اعتراضه على أصل الحكم، لنفرض أن الخمر انتفت كلها من الأرض يبقى حكم الخمر على ما هو عليه قائمًا , الموضوع إذا انتفى لا يؤثر على نفي الحكم. ومن هنا أشير إلى ما قاله الأستاذ ساتريا من أن المرأة هل لها أن تشرب دواء يؤخر حيضها؟ ما المانع في ذلك؟ إذا شربت فقد انتفى موضوع الإفطار بذهاب الحيض , أقول حتى ولو كان ذلك مضرًّا، فإن العمل نفسه إذا كان مضرًّا فهو محرم، ولكن إذا ارتكبت هذا المحرم على فرض أنه يضر فقد انتفى الموضوع ولا أثر لذلك على صومها في الأيام التي كانت تحيض فيها في الأشهر الأخرى , إذن الموضوع هنا انتفى. مسألة القطرة في العين والقطرة في الأذن والإصرار على أنهما مفطرتان، رأينا أن الطبيبين الفاضلين أشارا إلى أنه قد يصل جزء منهما إلى الجوف. ما دام قد يصل إذا نحن نشك في الوصول حتى ولو احسسنا بطعم في الفم. ما دام شككنا في الوصول إلى الجوف مسألة الإفطار غير متحققة. يعني بمجرد أن نشك قلنا: أن الأصل هو البراءة في هذا المعنى. الشيخ وهبة أشار إلى أن إدخال شيء في القبل أو الدبر مثل الأصبع مفطر لا من باب الطعام والشراب بل من أنه خرق لمبدأ الإمساك. الإمساك ليس مطلقًا يا سماحة الشيخ، الإمساك له متعلق، الإمساك عن ماذا؟ عندما نقول: الإمساك عن الطعام والشراب سوف لن يشمل مثل هذا المورد كإدخال أصبع مثلًا في القبل، هذا لا يخرق مبدأ الإمساك. الإمساك هنا له متعلق، ومتعلقه الطعام والشراب والشهوة الجنسية بمعناها الأصيل، خلافًا لسماحة الشيخ الضرير، يعني الإمساك عن مسألة إدخال الحشفة أو الإنزال أو هما معًا، هذا هو الذي يتعلق بالإمساك. مسألة الرفث إذن أنا أؤكد أنها لا تعني مقدمات الجماع، وإنما العلماء كلهم فهموا الجماع فقط. ليس هناك من يفتي بأن مقدمات الجماع كلها مرفوضة، والرفث هو تعبير قرآني - كما قلت - مهذب عن مسألة الجماع.

стр. 16912

مسألة دخول الحصاة إلى الجوف , سماحة الشيخ قال إنها لا تضر لأنها ليست أكلًا. لا، هي أكل لكنه أكل غير متعارف , لو أكل ترابًا، لو أكل رمادًا، هذا أكل لكنه أكل غير متعارف فقد دخل شيء خارجي واستقر في معدته، وما أكثر ما يأكل الإنسان مع الطعام الجيد بعض الذرات المحرمة، هو داخل جزء من أكله. ولذلك أعتقد أنها مفطرة. سماحة الشيخ عجيل قاس القليل من الدواء على ما يبقى من المضمضة والسواك , أعتقد أن القياس ربما في غير محله , ما دمنا نحتمل أن مسألة المضمضة والسواك لهما عنوان معين لأن الشارع يركز عليهما , فلعله جعلها استثناء من هذه المسألة، ولعله تصور أنها تنحل لعابًا فتصبح لعابًا، وبلع اللعاب بعد ذلك، بعد استحالة اللعاب لا مانع منه. لا يمكن قياس القليل من الأدوية على هذه الأمور، لذلك يجب الاحتياط، ولا أقول بل يجب الفتوى، لأنه يدخل في باب شرب الدواء وإن كان قليلًا. بقيت كلمة واحدة من سماحة الشيخ السالوس فهو يعتبر من الضرورة، والحاجة ربما تبيح لنا التسامح في مثل هذا الشيء القليل، وهو يقول: كيف يقضي بعد ذلك والمرض مزمن؟ أقول: إذا كانت هناك حاجة، وإذا كانت هناك ضرورة فحينئذ يفطر؛ لأن الحاجة تبيح له الإفطار ما دام هذا شربًا، أما أن نخرجها من عملية الشرب، أما إذا كانت شربًا قليلًا فالحاجة تبيح له أن يفطر، وليس علينا أن نطالبه بالقضاء، ما دام مريضًا فلا قضاء عليه , والشرع - والحمد لله - رحب وواسع. وشكرًا.

стр. 16913

الشيخ هيثم الخياط: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله، والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله. لدي عدد من الملاحظات التي تتصل بتحرير الجانب الطبي لعلها تساعد على تحقيق مناط الشرعيين، إن شاء الله. ملاحظة تتعلق بتحديد المناط بالجوف , فهذه اللفظة لا نرى تعريفًا لها في الكتاب والسنة , بل لقد استعملت فيهما لغير ما تستعمل له في كتب الفقه ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ﴾ مثلًا، ولا نجد لها تعريفًا محددًا في كتب اللغة، ولا يعرف أطباء الأمس ولا أطباء اليوم شيئًا يقال له الجوف هكذا معرفًا بالألف واللام، ولكنهم يعرفون أجوافًا معرفة بالإضافة كجوف الصدر الذي يشتمل على الرئتين والقلب والعروق الكبار، وجوف البطن الذي يشتمل على المعدة والأمعاء والكبد والطحال، وجوف الأنف، وجوف الفم، وجوف المعدة، إلى غير ذلك من الأجواف. فكان على أطباء اليوم أن يجتهدوا في معرفة المراد من الجوف. والظاهر- والله أعلم - أن فقهاءنا أرادوا بالجوف ما نسميه اليوم جوف المعدة فقط، وأنا أخالف من يرى من الأطباء أن المراد بالجوف الجهاز الهضمي، فالجهاز الهضمي له تعريف محدد عند أطباء اليوم يبدأ بالفم وينتهي بالشرج. والمضمضة لا تفطر بيقين النص، فصح أن الجوف والجهاز الهضمي غير متطابقين. وإذ الأمر كذلك فقد وجب أن نبحث عن الجوف الذي يطلق على دخول الطعام والشراب إليه اسم الأكل والشرب في لسان العرب الذي نزل به القرآن الكريم، وهذا لا ينطبق إلا على جوف المعدة، وما يدخل من السوائل والجوامد في الدبر لا يصل إلى جوف المعدة بحال، يستحيل أن يصل إلى جوف المعدة أصلًا.

стр. 16914

النقطة الثانية تتعلق بالامتصاص والمذاق , الامتصاص لا يعني الأكل والشرب , أطباء العصر يعرفون أن الماء والأدهان وكثيرًا من الأدوية تمتص من داخل الجلد ومن باطن الفم، ولم يرد نص بتفصيلها , فقد كان النبي ﷺ يغتسل وهو صائم، وأمر بالإدهان دون تمييز بين صائم ومفطر، وعد المضمضة غير مفطرة , فما يمتص من سائر الأماكن - سائر الأعضاء - ينبغي في رأيي أن ينظر إليه بالنظرة نفسها. موضوع الذوق , الحلق ليس محلًّا للذوق، وإنما محل الذوق الحليمات الذوقية التي توجد على أواخر اللسان أو على جوانب اللسان. فقولهم: (وجد طعمه في حلقه) غير مفهوم بالنسبة لطب اليوم، وإنما الذوق في هذه الحليمات. لكن هناك قضية بسيطة تتعلق بالامتصاص , الدواء الذي يمتص قد يكون له طعم قوي جدًّا، هذا يمتص إلى الدورة الدموية فيدور ويصل بعد ذلك إلى اللسان فيحس المرء بطعمه، هذا ليس معناه أنه قد وصل إلى الجوف بالمعنى الذي ذكرناه، ولكن معناه أنه قد دار في الدورة الدموية ووصل إلى حليمات الذوق التي هي في اللسان , هذا أمر أعتقد أننا لو أبقيناه في ذكرنا لساهم في تحرير المناط. ما يمتص من جوف الفم شيء مهم , كان الناس يظنون قديمًا أنه لا يمتص شيء، وأن كل شيء ينبغي أن يصل إلى جوف المعدة حتى يمتص , الحقيقة أن كثيرًا من المواد تمتص في جوف الفم، وهذا ينطبق - والله أعلم - على كل هذه القطرات الصغار التي تحدثنا عنها أنها توجد بمقادير صغيرة جدًّا كالذي يأتي من قطرة العين ومن قطرة الأنف ومن قطرة الأذن ومن البخاخ وما شابه ذلك، هذه كلها إن وصل منها شيء إلى جوف الفم فإنها تمتص من باطن غشاء الفم ولا يصل منها إلى المعدة شيء , هذا شيء نستطيع أن نتحقق منه بالتجارب التي نَسِمُ بها بعض هذه المواد بمواد مشعة فما يصل إلى المعدة من المضمضة لو وسمنا ماء المضمضة بمادة مشعة ثم بحثنا عن هذه المادة المشعة في المعدة لوجدنا منها شيئًا أكبر بكثير مما يمكن أن يوجد من مادة وسمناها وقطرناها في العين أو الأنف أو الأذن، وما نقطره في الأذن لا يصل بحال إلى جوف الأنف أو جوف الفم.

стр. 16915

النقطة الأخيرة هي دخول الدخان أو البخار أو أي غازات من الغازات إلى المريء فالمعدة، فهذا لا يكون، فقد منع الخالق الخبير - جل وعلا - أي اختلاط بين ما يدخل إلى المريء وما يدخل إلى قصبة الهواء، وذلك بفضل غضيريف يسد الحنجرة ويقال له: لسان المزمار. فإما أن ينفتح لسان المزمار فيدخل الغاز إلى الحنجرة فالقصبة الهوائية استنشاقًا ولا يدخل إلى المريء، وإما أن ينغلق لسان المزمار فيدخل الجامد أو المائع إلى المريء ابتلاعًا، ولو حدث كلاهما في وقت واحد لشرق الإنسان وأصابه كرب عظيم، وربما هلك. فلا مجال للقول طبًّا إذا باستنشاق الدخان أو البخار أو أي غاز إلى جوف المعدة، وأنا لم أقل كما ذكر أخي الدكتور الألفي: أن المرء يخلط الأوكسجين بالمخدرات، ولكني تحدثت قبل أسبوعين في الدار البيضاء عما يستنشق ولا يؤكل أو يشرب فذكرت غاز الأوكسجين وغازات التخدير، أي غازات البنج لا المخدرات. الدم لا ينحبس إذا أعطيت حبوب منع الحمل، فهو ليس دمًّا كان ينبغي أن يخرج ولم يخرج وإنما الدم الذي يخرج إنما هو ذلك الغشاء الرحمي - غشاء باطن الرحم - الذي أعد لاستقبال البييضة المخصبة، فإذا لم تصل البييضة المخصبة فإن بطانة الرحم أجمع تنسلخ وينزف معها شيء من الدم لأنها انسلخت. هذا هو الدم الذي يحدث حينما يحدث الطمث، فمن أجل ذلك لا يوجد دم ينحبس. وقد أحببت أن أبين هذه النقطة التي ذكرت في مناقشة أحد الأخوة. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

стр. 16916

الشيخ عبد السلام العبادي: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على رسوله الكريم. اسمحوا لي في البداية أن أتقدم بالشكر للمجمع على التصدي لهذا الموضوع، وبخاصة في القضايا الحادثة نظرًا لما نعلمه من اضطراب للفتوى في هذا المجال على صعيد العالم الإسلامي، حيث يسأل كثير من الناس، والناس متشتتون بين من يقول: إن هذا الأمر يفطر أو لا يفطر. حقيقة المنهج الذي اعتمده المجمع في هذه الدورة في موضوع التعقيب يستوجب الشكر والتقدير مع رجائي أن يكون التعقيب في المستقبل - إن شاء الله - تعقيبًا مكتوبًا بحيث ترسل الأبحاث إلى المعقبين مسبقًا، إذا أذن لي معالي الأمين العام لي رجاء، وهو صاحب الفضل في هذا التطوير لآلية العمل في المجمع، بحيث يتصدى المعقب لكل القضايا المطروحة في البحث بهدف إثراء العملية وبهدف الوصول لصياغة لمشروع القرار، الذي نتوجه جميعًا في نهاية بحثنا وحوارنا ونقاشنا حول أي موضوع مطروح، للوصول إليه. القول في هذا الموضوع كمدخل أساسي للبحث وكمحور هام من محاوره، هو محاولة الوصول الى ضابط واضح يستهدي بالنصوص الشرعية، ولا يغفل ما وصل إليه البحث الطبي القطعي في هذا المجال , لاحظت أن عددًا كبيرا من الحوارات التي دارت بين الإخوة العلماء دارت حول هذا الموضوع، ولكنني كنت أتمنى أن ننطلق مما وضعه الفقهاء من ضوابط في هذا المجال لنرى دقة هذه الضوابط واطرادها على ضوء ما قرروا من فهم للنصوص الشرعية، وعلى ضوء ما وصل إليه البحث الطبي.

стр. 16917

لدينا مجموعة الضوابط التي اختصرها أستاذنا السلامي في بحثه القيم حول هذا الموضوع معزوة للمذاهب الأربعة. إذا دققنا النظر فيها فإننا نجد مدارها على موضوع النصوص، ولكن نتيجة أن المعرفة الطبية لم تكن مستكملة في بعض الجوانب حدث هذا الاختلاف بين مجموع المذاهب وبين أئمة كل مذهب أو فقهاء كل مذهب على حدة. نحن أمام عبادة، والعبادة مع التأكيد أنها قائمة على الاحتياط والتحري والفهم، لكن يجب أيضًا ألا يغيب عن بالنا أن العبادات الأصل الالتزام فيها بالنص الشرعي، فالعبادات لا تعلل، وبالتالي الدخول في قضايا القياس، وهل هنا العلة قائمة أو ليست قائمة. ما دام أننا أمام نص جاء في الكتاب الكريم وفي السنة النبوية الشريفة فلا بد في الواقع من أن نقف عنده ولا نذهب بعيدًا، إلا في إطار فهم هذا النص وتحديد مشتملاته بدقة، وإلا أصبحنا نجتهد في قضايا العبادات وهذا لم يقل به الفقهاء لا من قريب ولا من بعيد. أشار بعض الإخوة الكرام إلى موضوع أن العملية منوطة بالأكل والشرب، وطرح بعضهم أن الأكل والشرب لا بد أن يكون له منافذ، ولكن انشغلنا في بعض الأبحاث الفقهية وفي بعض الأقوال الفقهية. هذا الأصل إلى البدائل التي اقترحت كترجمة إلى هذا المعنى مثل - كما تفضل بعض إخوتنا - ما سمي بطريقة أو بنظرية المنافذ المفتوحة الموصلة إلى الجسم. الواقع أنه لما بحث الفقهاء هذه القضايا كان مدارهم على بحث تحقق ما أرادته النصوص من حيث معنى الأكل والشرب، وهذا فيما يتعلق بالطعام والشراب، وفيما يتعلق بقضايا العلاقة بين الرجل والمرأة كان مدار العملية على محددات واضحة، مدارها موضوع ما هو مستقر فقهًا في هذا المجال من أمور لا بد أن تكون في الواقع واضحة في الذهن، هنا أحب أن أشير إلى أنه إذا كان مدار الأكل والشرب موضوع التغذية وتقوية الجسم فإننا سنذهب مذهبًا بعيدًا ونقول: إن كل ما يصل إلى الدم، وأنتم تعلمون، وأظن السادة الأطباء يمكن أن يوضحوا هذه القضية أكثر، أن مدار عملية التغذية هي فيما يحمله الدم من عناصر يوصلها إلى خلايا الجسم فتنمو هذه الخلايا وتتكون، فهل نقصد من ذلك كل ما يصل إلى الدم؟

стр. 16918

إذا كنا نقصد من ذلك كل ما يصل إلى الدم فإننا في الواقع سنضيف منافذ جديدة سنقف حتى عند قضية الامتصاص بالنسبة للجلد، لأنه من المعلوم أن بعض الأدوية المتقدمة باتت تلاحظ عملية الامتصاص هذه وتوصل إلى الدم عن طريق الامتصاص في الجلد استفادة من هذه الخاصية كثير من أنواع العلاج، وبالتالي لا أظن أن المدار فقط على موضوع الوصول إلى الدم. لذلك عنصر التغذية في الواقع بذاته يجب ألا يسيطر على البحث. يجب أن يسيطر على البحث موضوع تحقق الأكل والشرب بمعناه العرفي المستقر. ومن هنا عندما قال أئمة الحنافية: إن الفطر يتحقق بالأكل والشرب سواء أكان صورة أم معنى، أم معنى فقط، أم صورة فقط، حقيقة يقدم لنا ضابطًا يمكن في الواقع أن نطور في تطبيقات هذا الضابط على ضوء التقدم العلمي في كشف أين يكون تحقق الأكل والشرب بالمعنى المعروف. هذا يدفعنا إلى إثارة نقطة تتعلق بموضوع الإبر في الأوردة واستثناء موضوع التغذية إذا كانت بمصل مغذ عند بعض الفقهاء، وقالوا بأنها لا تفطر إلا إذا كانت للتغذية. الواقع الأكل والشرب ليس قضية التغذية فقط، فيه قضية الإحساس بانقطاع الطعام والشراب بل هو مكتوب أو مقرر الامتناع عن الأكل والشرب. أنا عندما أتغذى عن طريق الوريد يظل إحساسي بالامتناع عن الأكل والشرب قائمًا، ولذلك نرى هؤلاء الذين يعالجون ويعطون الأمصال يتمنى أن توضع في فمه شربة ماء لأن إحساسه بالجوع والعطش مازال موجودًا، وخاصة أن الأحاديث النبوية قد أشارت إلى ذلك: ((كم من صائم ليس له من صيامه إلا الجوع والعطش)) . فإذن واضح أن هذا يجب أن ندخله في فهمنا، وليس قصرًا للموضوع على جانب معين بالإضافة إلى موضوع القصد والنية.

стр. 16919

والآن اسمحوا لي في موضع الشهوة، والنقاش الذي دار قبل قليل. الحديث النبوي أشار إلى ((يدع شهوته)) . فقضية الشهوة قد تتحقق بأكثر من معنى مما يتطلب وقفة حتى عند بعض الصيغ التي قد نتحفظ عليها لأول وهلة، لأننا يجب أن ننتبه إلى ما يحدث في الواقع الاجتماعي من ممارسات في هذا المجال دون دخول في التفاصيل. على ضوء هذا الكلام أرجو في الواقع أن تنصب لجنة الصياغة على محاولة وضع هذا الضابط ضمن هذه المعايير، لأنه عندما نسمع من بعض الفقهاء عندما يقولون مثلًا: (العين أو الأذن) ، تجدهم يقولون في معرض الاختلاف الفقهي القائم: (إنها ليست منفذًا إلى الجوف) ، ويأتي البحث الطبي ليثبت أنها منفذ أو ليست منفذًا. إذن في الواقع واضح أن المعرفة بناها الفقيه على ضوء معرفته للمعطيات العلمية التي بين يديه عن تركيبة الجسم البشري، فإذا جاء قطع طبي يمنع أن يكون منفذًا إذن لا بد أن يرتفع الخلاف؛ لأن أصل الخلاف، قام على تصور أنها هل هي منفذ أو ليست منفذًا. وبالتالي الخلاف يرتفع إذا تم التوضيح بأنها ليست منفذًا. لا أريد أن أطيل لكن حقيقة يتطلب الأمر التركيز على الضابط لنقدم لمجتمعنا إجابة شافية عن هذه الموضوعات الملحة والتي تتطلب موقفًا واضحًا بينًا. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

стр. 16920

الشيخ صالح بن حميد: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه أجمعين والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد: فلا شك أن هذا الموضوع من أهم المواضيع التي تبحث وبخاصة فيما تجلى من بحوث مقدمة ومن مداخلات مفيدة ومن تعليقات كذلك أيضًا من المعلقين وفقهم الله. وحاولت أن أسجل بعض النقاط التي- لعلها - تعين أو تفيد في إعطاء تصور موحد. منها مثلًا اتفق الطب فيما سمعنا على أن تجاويف الدماغ والمثانة والرحم لا تتصل بالجهاز الهضمي. كذلك أيضًا اتفقوا على أن الأدوية التي يتعرض لها الجسم بجميع أنواع مداخلها سواء أكان عن طريق ظاهر الجلد أم تحت الجلد أم الوريد، كلها تصل إلى المراد عن طريق الدم لشعيراته وأوردته. كذلك أيضًا قالوا: إن الجهاز الهضمي قسمان: قسم أعلى وهو قسم إدخال، وقسم أسفل وهو قسم إخراج. فهل حكمهما في الإفطار واحد؟ كذلك أيضًا هل المؤثر في الإفطار هو الإدخال وحده من الأكل والشرب والدواء، أو الإخراج أيضًا من القيء وسحب السوائل بأنواعها؟ كذلك أيضًا ربط الإفطار بالجوف، ما مستنده؟ وكذلك أيضًا قبل أن آتي إلى بعض القضايا هل يفترق الحال بين الغذاء والدواء في تحقيق مناط الفطر؟

стр. 16921

كذلك أيضًا من باب زيادة التصوير، الجماع مثلًا له جانبان، جانب طبيعته الخاصة وقد ورد الشرع - بلا شك - بالنص بأنه من المفطرات، لكن هناك أيضًا أمور في قضية الجماع من حيث إدخال وإخراج وإفرازات وأشياء أخرى، وهذه كلها هل لها أثر في تلمس التعليل في المفطرات؟ ومن هنا أحب أن يتركز النظر إذا أردنا أن نتوصل الى شيء مشترك، إلى ما يسميه العلماء بتحقيق المناط وتنقيح المناط حقيقة في هذه القضايا. فتحقيق المناط مثلًا لا شك أن النص جاء بالأكل والشرب والجماع، فما الذي يسمى أكلًا؟ وما الذي يسمى شربًا؟ وبم يصدق الجماع؟ وهل الرفث يعني الجماع فقط كما يقال: العملية الجنسية، أو غير ذلك؟ ولا شك أن هذا يستدعينا إلى نظر واسع. فمثلًا موارد لفظة الجماع والنكاح والمس والملامسة في الشرع، كل هذه قضايا قبل أن نتعجل لنقول شيئا يحتاج إلى أن ننظر في موارد الشرع، فالمس مثلًا يأتي بمعنى الجماع قطعًا أو حتى اللمس ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ قطعًا هو مراده الجماع، وفي قوله تعالى ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ هل هو الجماع أم غيره؟ خلاف ظاهر. النكاح يأتي بمعنى العقد ويأتي بمعنى الوطء، في قوله تعالى ﴿فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ والمقطوع به أن المقصود به الوطء. كذلك الرفث مثلًا هل هو متحتم أم متعين أن المراد به ذات الجماع وحده، أم أن المراد أيضًا أمور أخرى؟ فهذا ما يسمى بتحقيق المناط بمعنى أنه ورد الشرع بالأكل والشرب والجماع فما المراد بذلك؟

стр. 16922

تنقيح المناط وهو هل غير الأكل والشرب داخل؟ وهنا نأتي إلى ما قاله الدكتور عبد السلام: غاية التعليل في هذا الباب هل يدخله التعليل؟ ولا شك أن الملحوظ في مسارب فقهائنا ﵏ أنهم أجروا التعليل والأمر في هذا ظاهر. فإذا جئنا للإمساك، قضية الصيام هل هو إمساك؟ كل الفقهاء لم يقولوا الإمساك عن الأكل والشرب وإنما قالوا الإمساك عن أشياء مخصوصة، فكأنهم لم يريدوا أن يقصروه على الأكل والشرب، وإنما قالوا أشياء مخصوصة في وقت مخصوص. قضية الجوف، حقيقة هل هي في الوقت الحاضر وفي البحوث المعاصرة وفي التقدم العلمي الجلي هل من الممكن أن نتمسك بها، وإن كانت من حيث اللغة ومن حيث موارد الشرع كقوله تعالى: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ﴾ ، فما يقع فيه القلب سماه جوفًا، والفقهاء قالوا: جوف. فهل مرادهم الجوف القناة الهضمية فقط أم أنهم يعون ما يقولون، ويريدون ما كان أوسع من ذلك؟ فاللغة تخدمهم وبعض موارد الشرع تخدمهم في ذلك.

стр. 16923

قضية الإدخال والإخراج، من أي جزء كان الإدخال ومن أي جزء كان الإخراج. الأدوية بجميع أنواعها لا شك أنها إدخال، وإن سميناها أكلًا أو شربًا من حيث إذا قلنا: إن الأكل كل ما دخل الجوف من القناة الهضمية أمر يحتاج إلى تحقيق. الإخراج، الدكتور الضرير قال: " إن حديث القيء استثناء ". معلوم قطعًا أن النصوص الشرعية ليست هي الاستثناء ولا يمكن النص الشرعي أن يسمى استثناء. النص الشرعي أصل بذاته، ولهذا القيء يمكن أن يكون مستندا لمن قالوا بأن الإخراج هو من المفطرات؛ لأن القيء والحديث فيه صحيح كما هو معلوم، فإذا حديث القيء أصل في إثبات أن ما كان إخراجًا أنه يكون مفطرًا أو من المفطرات. أنا طبعًا لا أقول شيئًا باتًا إنما أثير قضايا أمام هذا المجمع الكريم. طبعًا قضية القصد وعدم القصد ودخول القياس وعدم دخوله هذه من الأشياء التي يبدو لي أنها تستحق النظر. قضية النظر في التقوية والتغذية وأن مراد القوة هو الغذاء، بعض الزملاء والإخوة الحاضرين أثاروا شيئًا من هذا، فقوله ﵊ مثلًا: ((يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء)) دل على أن ما كان مقويًا قد يفهم منه أن ما كان له أثر في القوة أنه قد يؤثر في الإفطار في قضايا الأدوية وغيرها وكل ما كان من هذا الباب. فالمقصود هو النظر في هذه القضايا وفي هذه الضوابط من حيث تحقيق المناط ومن حيث تنقيحه، ومن حيث مفهوم الصيام هل هو إمساك عن أشياء مخصوصة؟ وما هي هذه الأشياء؟ يبدو أن الفقهاء ﵏ يرون أنها أوسع من قضية الأكل والشرب، أو أن نحدد مفهوم الأكل والشرب سواء بالعرف أو باللغة. وكذلك الجوف أيضًا هل نسلم به أو لا نسلم؟ والأكل والشرب والتغذية أيضًا، والتداوي وهل نفرق بين التداوي وبين التغذية؟ أنا لاحظت أن بعضًا وبخاصة فيما قدمه المجمع مشكورًا وأراد البحث فيه كأنه يريد أن يفرق بين ما كان دواء وبين ما كان غذاء. هذا أمر يحتاج إلى نظر كبير، ولا أظن في مثل هذه الوقفات أن نستطيع أن نتخذ رأيًا جازمًا إلا بعد مزيد من الفحص علميًا ولغويًا وعرفًا، وقبل ذلك وبعده النظر في نصوص الشرع. وشكرًا.

стр. 16924

الشيخ ناجي عجم: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد سيد المرسلين. أرى أن المفطرات في الصيام ينبغي أن تكون معقولة المعنى ولا تكون تعبدية فقط، وأما إذا كانت تعبدية فقط فكان يقتصر على تفسير النصوص المفطرة. ونحن اجتمعنا هنا لنبحث في الوسائل والأساليب والمتناولات المستجدة، والسلف - رحمهم الله تعالى - فرعوا وقاسوا على النصوص المفطرة بالمتناولات التي وجدت في عهدهم كالسعوط والدخان، فلا بد من وضع ضابط - كما تفضل بعض الأخوة - للمفطرات. فأرى أن هذا الضابط - الذي تفضل بعض الأخوة به - المقوي والمغذي والمتلذذ به، هذا ينبغي أن يكون هو ضابط المفطرات. وكلمة (الجوف) ما أرى إلا أن الجهاز الهضمي هو الجوف، فكل ما يؤخذ ليتناول بالقصد في إدخاله إلى الجهاز الهضمي سواء كان من منفذ طبيعي أو غير طبيعي كالحقن تحت الجلد إذا كان يقوي أو يغذي فهذا هو من المفطرات، وكذلك كل ما يتلذذ به، فهذه المخدرات كثيرًا من الناس يتلذذون بها فلا بد أنها تكون من المفطرات. أما موضوع القطرة في العين فقد سألت طبيب العيون أن هذه القطرة تصل إلى الحلق؟ قال: هي تمتص في مجراها وأثرها وطعمها يصل إلى الحلق. وأما ذاتها فقال: لا تصل إلى الحلق وإنما هي تمتص. فما أرى أن القطرة هي من المفطرات. وكذلك في منفذ الأذن الأصل فيه الانسداد، وأما ما تفضل به بعض الأخوة أنه قد يكون بعض الناس مخروقة عندهم طبلة الأذن فهذا احتمال، فما أرى أن قطرة الأذن مفطرة، فلا تعتبر الأذن من المنافذ الطبيعية، ما دام الأصل في الإنسان السليم هو الانسداد في طبلة الأذن. هناك أمور أخرى , كذلك قضية البخاخ، هذا لا يقصد به لا التلذذ ولا التقوي ولا التغذي وما يدخل شيء منه إلى الجوف أي ما يصل إلى الجوف، والشرع جاء بالتخفيف والتيسير ومراعاة الحاجة، فما أرى أن هذا البخاخ من المفطرات التي ينبغي أن ينص عليها. وأما موضوع المنافذ التي لا تصل إلى الجوف كالإحليل والمهبل فما أرى أن ما يؤخذ عن طريق الإحليل أو عن طريق المهبل من المفطرات، اللهم إلا إذا كان شيء يقصد به التلذذ. التلذذ.. الشرع جاء لتضييق مجاري الشيطان وفطم النفس من الشهوات , " يدع طعامه وشرابه وشهوته.. ". فكل ما يؤخذ بقصد التشهي والتلذذ من أي منفذ طبيعي أو غير طبيعي، كما هو الحقن تحت الجلد في الآخذين للمخدرات فهذا يكون من المفطرات. أما قي الإخراج من البدن فأرى أن يقتصر على النصوص: الاستقاء، الاستمناء، وأما الحجامة أو الفصد أو أخذ عينة للدم فهذه لا يكون فيها تقوٍ ولا تغذٍ ولا تلذذٍ. أخذ الدم هو عكس ضابط المفطرات، وخاصة أنه هناك أقوال كثيرة للثقات بأن الإفطار بالحجامة منسوخ، فما أرى أن يبحث هذا الموضوع. وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

стр. 16925

الشيخ محمد سليمان الأشقر: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد، وعلى آله وصحابته أجمعين. أتكلم في نقطتين بسيطتين , إن شاء الله. المسألة الأولى: أنه يلاحظ في هذا الموضوع الفقهي وفي كثير من المواضيع في الشريعة أن العلماء في الغالب ينقسمون إلى ثلاثة أقسام - الاتجاهات في الغالب ثلاثة -: الاتجاه الأول: الأخذ بحرفية النص، وهذه طريقة الظاهرية ومن سار مسيرهم، ولا يخرجرن عن حدود النص. الاتجاهان الثاني والثالث: وهما طريقتان يرجعان إلى طريقة واحدة وهي طريقة الموسعين الذين يأخذون بالقياس بمعنى هذا الشيء الذي ورد فيه النص، فهؤلاء أهل القياس، وهي على طريقتين فتتم الطرق ثلاثة. القياس القريب الذي بمعنى الأصل هذا يأخذ به عامة العلماء غير الظاهرية ومن سلك مسلكهم، وهو في مجال بحثنا، مثلًا إدخال شيء إلى المعدة من غير الفم، بمعنى إنسان أصيب في حلقه برصاصة أو بقطع أو بأي شيء آخر، يفتح له إلى معدته ويدخل فيها أنبوب وتدخل منه الحليب أو الغذاء حتى يتغذى، وأنا رأيت حالات حصل فيها هذا الشيء ويعيش الإنسان بذلك , لا شك أن هذا في معنى الأكل وإن لم يدخل من الفم أي من مجراه الأصلي. هذا هو القياس الجلي والذي هو بالمعنى القريب من الأصل. القياسات الخفية في الغالب تكون مجال خلاف طويل وعريض، وهي في نفس الوقت تضيق على الناس؛ لأنها تدخل في معنى النص ما هو بعيد. مثلًا الدهن على الجلد وإن كان يمتصه الجلد هذا قياس بعيد عن الطعام والشراب , مثل ما سمعنا اليوم المزاج وغير ذلك هذا أيضًا بعيد عن النص. أرى الاقتصار بقدر الإمكان - فيمن سيضعون التوصيات، إن شاء الله - على الأقيسة الجلية والقريبة من الأصل، وأما الأشياء البعيدة فهذه تبين كما تبين من كلام الإخوة الأطباء الكثير منها بعيدًا عن أن يكون طعامًا وشرابًا، وأنا اقتنعت بما قاله الإخوة الأطباء وإن كنت قد عارضت في الأول، وذلك بالنسبة للقطرة والبخاخ وفي غير ذلك، هذه هي الحقيقة أعتقد أنها بعيدة كل البعد عن أن تكون شبيهة بالطعام والشراب.

стр. 16926

النقطة الثانية لغوية وهي كان المفروض أن نفتتح بها، وهي ما افتتح بها جلسات اليوم الأخ فضيلة الشيخ محمد المختار السلامي، وهي كلمة (أفطر) و (فطَّر) . فطَّر: لا شك أنها متعذية، تقول: فطرت الصائم، وورد في الحديث عن النبي في أنه قال: ((من فطر صائمًا فله مثل أجره)) ، أما (أفطر) فهي في الأصل فعل لازم هذا هو المشروع والذي نعرفه، فأنا منذ خمس وأربعين سنة وأنا في العلم الشرعي لم أسمع (أفطر) متعديًا. (أفطر) لازم، يعني أصبح مُفْطِرًا أكل أو شرب فهو أصبح مفطرًا. أما أن أقول: أَفْطَرْتُ فلانًا، بمعنى جعلته يفطر، فهذا لم أره في حديث نبوي ولا في كلام الفقهاء ولا في كلام الناس إلا في كلمة فضيلة الشيخ السلامي، وإن كان هو عندي ثقة وحجة في اللغة أيضًا، لكن يحق لي أن أتشكك، خمسة وأربعون سنة وأنا في العلم لم أسمع مثل هذا فيحق لي أن أطالبه بكلمة من أهل اللغة، من قاموس، من معجم، من استعمال فقيه من الفقهاء، إن ورد ذلك فنحن نسلم، وإلا فيحق لنا أن نتشكك وهو عندنا محل ثقة. على كل حال المرجع كتب اللغة وكلام اللغويين. والحمد لله رب العالمين.

стр. 16927

الشيخ عبد اللطيف الفرفور بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ شكرًا فضيلة الرئيس. يحق لي أن أتساءل بعد هذه المناقشة الطيبة والأبحاث الكريمة عن قضية الضوابط , ترى هل نستطيع أن نوحد هذه الضوابط كلها التي أسسها الفقهاء في ضابط واحد؟ وهل نحن حينئذ نربح في ذلك؟ الذي أراه أن هذا الضابط الذي تكلم عنه إخوتنا وأحباؤنا العلماء وزملاؤنا ليس ضابطًا , وإنما هو قاسم مشترك أعظم، فلكل مذهب ضابطه، والذي ينبغي أن يصار إليه - والله أعلم - أن تترك هذه الضوابط في المذاهب إلى ما كانت عليه دون أن نوحدها في ضابط واحد فيصير في الناس حرج، والأمر متروك إلى السعة , ولعلكم تعلمون جميعًا قول سيدنا عمر بن عبد العزيز ﵁: والله ما أحب أن تتفق كلمة علماء سيدنا محمد ﷺ بعد وفاته على حكم في واقعة فيصير في الناس حرج. فلو أخذ كلٌّ بقولٍ كان سنةً، فلذلك لا مانع من أن تبقى الضوابط , وهنالك النصوص يرجع إليها في كل ما ليس فيه ضابط. ثم ذهب إخوتنا الزملاء إلى قضية العبادات هل الأصل فيها أنها تخضع لتفسير النصوص والاجتهاد أم التعبد؟ طبعًا اتفقت كلمة العلماء على أن الأصل في العبادات التعبد، ولكن هناك قدر مادي من العبادات وهو قضية الإفطار أو التفطير -على كل من الروايتين- فهذا قدر مادي، وهذا يمكن أن يخضع لكل من تفسير النصوص أو للاجتهاد معًا إذا رأى علماء المجمع ذلك وهو ما يمكن أن يصار إليه. هناك قضية المرض، المرض المتلف للنفس أو المتلف للعضو أو الذي يجعل هنالك مشقة، ما هو ضابطه؟ الخوف من المرض أي غلبة الظن، وذلك إما أن نكون بتجربة سابقة أو بقول طبيب مسلم حاذق. وهذا الموضوع ينبغي أن يكون على ذكر منه أنه ينبغي أن نصير إلى الأطباء في قضية الخبرات، وأن نأخذ معاييرهم الطبية في هذا الموضوع بالذات دون أن نحكم معاييرهم - مع احترامنا لها واحترامنا لأشخاصهم الكريمة - الطبية في معاييرنا الشرعية.

стр. 16928

فالتصور الشرعي للتفطير غير التصور الطبي، ومعايير الفقهاء غير معايير الأطباء، ونحن نحترم طبعًا معايير الأطباء ونحترم آراءهم واجتهاداتهم، ولكن لا يجوز أن نحكمها في معاييرنا، بل نصير إليها عند الأخذ بالخبرة، بقضية الخبرة، فمثلًا؛ هل هذا الرجل يستطيع أن يصوم أو لا يستطيع؟ فإذا قال الطبيب المسلم الحاذق أنه يستطيع أن يصوم يجب عليه أن يصوم، وإذا أفتى بأنه لا يصوم فإنه لا يصوم، بل ربما إذا صام أثم لأنه خالف الطبيب في قضية الخبرة. هذا هو مجال قضية الأطباء في قضية الخبرات كما هو الشأن في كل مسائل الفقه الإسلامي في قضية الخبرة والمهارة، فنصير إلى أصحاب الخبرات عند اللزوم دون أن نحكم معاييرهم المادية في معاييرنا الشرعية. فالتصور الشرعي والتصور المادي الحرفي أو المهني بما فيه الطب شيء آخر، يستعان بهذا في ذاك، ولكن لا يحكم هذا على ذاك. يمكن أن نحكم المعايير الشرعية في المعايير الطبية أما أن نحكم المعايير الطبية في المعايير الشرعية فيمكن أن يكون ذلك مخالفًا لروح الشريعة الإسلامية. مع كل تقديرنا واحترامنا وحبنا وتعظيمنا لإخوتنا الأطباء الأجلاء الذين أفدنا من علمهم وخبرتهم الكثير وجزاهم الله عنا خير الجزاء، وجزاء الخير كفاء ما قاموا به، ونحن محتاجون إليهم في كل شيء في أمور ديننا ودنيانا ولا نستغني عنهم ولا عن خبراتهم. أما ما تفضل به بعض الإخوة من قضية الاستئناس بالفقه الإسلامي فأرجو أن تشطب هذه الكلمة من محاضر الجلسات؛ لأن الفقه الإسلامي لا يستأنس به وإنما يحكم ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ ثم قال تعالى: ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ . أشكر لكم حسن إصغائكم وأن أَتَحْتُمُ الفرصة لي للكلام، والسلام عليكم ورحمة الله.

стр. 16929

الشيخ عبد الله محمد عبد الله: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ في الواقع ونحن نشرف على انتهاء الجلسة لا أريد أن أطيل، وأقصر كلامي على جملة أمور باختصار شديد. أولًا: الملاحظ في الفقه الإسلامي فيما يتعلق بالإفطار أو المفطرات أن هناك اتجاهات ثلاثة أساسية قد يمكن تقسيمها إلى أربعة اتجاهات باعتبار المذاهب، فإذا نظرنا إلى فقه الشافعية نجد أنهم وضعوا هذا بعد الاتفاق على أن الطعام والشراب والجماع مفطر، هذا لا محل للنزاع فيه وليس محل خلاف، ولا نتكلم فيه لأن هذا أمر مجمع عليه ومفروغ منه. ويبقى شيء في العلاج بالنسبة للمفطرات والتداوي لأمر العلاج. هناك ثلاثة اتجاهات أساسية في الفقه الإسلامي، بالنسبة لفقه الشافعية يظهر من تعريفهم بأن المفطر: هو ما وصل من الظاهر إلى الباطن في منفذ مفتوح عن قصد مع ذكر الصوم. هذا هو التعريف العام، ولكن بعضهم يميد هذا التعريف بأن " الجوف يكون فيه قوة تحيل الواصل إليه من دواء أو غذاء "، وهنا نجد فقهاء الشافعية فيما بينهم يختلفون فيما يعد مفطرا وما لا يعد مفطرا من هذه الزاوية، ولهذا نجدهم اختلفوا في الحقنة، واختلفوا في السعوط، وفي بعض المسائل الطبية التي حصلت في زمنهم. بينما نجد الحنفية يذكرون في هذا المجال الواصل إلى الجوف أو إلى الدماغ من المخارق الأصلية كالأنف والأذن والدبر، ويفرقون بين الواصل من غير هذه المخارق كالجائفة والآمة وما إلى ذلك. فإذن الخلاف بين الحنفية وبين أئمة الحنفية يدور أيضًا من مراعاة هذه الزاوية.

стр. 16930

هنالك اتجاه ثالث وهو الاتجاه الأرحب والأوسع، وعندي هو الأحسن، وهو الذي أخذ به طائفة من أئمتنا المعاصرين، وهو ما ذهب إليه الإمام ابن تيمية. فالإمام ابن تيمية يقول في كلمات موجزة: " فالصائم نهي عن الأكل والشرب لأن ذلك سبب التقوِّي، فترك الأكل والشرب الذي يولد الدم الكثير ويجري فيه الشيطان إنما يتولد من الغذاء، لا عن حقنة ولا كحل ولا ما يقطر في الذكر ولا ما يداوي به المأمومة أو الجائفة ". وهذا أصل ينسحب على كل ما استجد من أنواع العلاجات الآن، ولهذا نجد بعض فقهائنا المعاصرين أخذوا بهذا الاتجاه الواسع، وأذكر منهم على سبيل المثال الشيخ محمود شلتوت ﵀ , والشيخ سيد سابق في كتابه (فقه السنة) ، والشيخ عبد العزيز بن باز قرأت له فتوى بهذا المعنى حديثا في بعض صحفنا في الكويت فهذا هو الاتجاه الأرحب والأوسع، والذي يسع الأمة وعدم التضييق عليها في أمور أصبحت ملحة؛ لأن الذي يرى الحوادث التي تقع الآن أو الأمراض التي استجدت في زمننا هذا، لم تكن موجودة في الزمن الماضي، ولهذا تطور العلاج أيضًا، ولا بد أن نأخذ الموقف الذي فيه سعة والذي يحقق الطمأنينة في النفوس، ولا تتضارب الفتاوى بعضها مع بعض، ولا يخرج المجمع بما لا يألفه الناس , وأكتفي بهذا القدر وشكرًا.

стр. 16931

االشيخ علي محي الدين القره داغي: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. الشكر للمجمع الكريم إدارة وأمانة على إتاحة الفرصة لنا لنستفيد ونلتقي بهذه الوجوه المباركة إن شاء الله , والشكر موصول للسادة الباحثين من الأساتذة الكرام على بحوثهم القيمة وعروضهم الشيقة، فجزاهم الله عنا خيرًا، حيث استفدنا من هذه البحوث الفقهية والطبية الكثير والكثير. بعد هذه المناقشات الطيبة والمداخلات أعتقد أن هناك عدة معايير وموازين مختلف فيها بين الفقهاء تحتاج إلى تحرير محل النزاع - وكما تفضل الشيخ صالح - وتحقيق المناط وتنقيحه وتخريجه. على سبيل المثال الخلاف لا يزال يدور حول معيار الجوف أو المجوف، هل هو المعدة أو الجهاز الهضمي أو كل ما هو مجوف داخل الجسم؟ فجمهور الفقهاء لم يعقلوا الإفطار بدخول الشيء في المعدة، هذا حسب علمي، وإنما هو بالجوف، والجوف مختلف فيه كما رأينا وكما دلت البحوث. فالشافعية عمموا الجوف ليشمل المعدة وخريطة الدماغ والمثانة وعن طريق أي منفذ من المنافذ، وكذلك المالكية والآراء موجودة عند حضراتكم، حتى الأطباء في الأخير رأيناهم قد اختلفوا في معنى الجوف، هل هو المعدة أم الجهاز الهضمي؟ وبالتأكيد فالمعيار أو العِلِّية لو اعتبرناه الجوف فهو محل خلاف بين الفقهاء المعاصرين والقدامى وحتى نوعًا ما بين الأطباء. هذا من جانب. والجانب الآخر أن الصوم كما قال الإخوة الكرام يدخل في باب العبادات، وباب العبادات مبناه على التوقف، وهل نجعل باب الصوم أيضًا مثل العادات التي يكون مبناها على المعقولية والعلية، وحينئذ يكون لنا مجال في مسائل الصيام، أم أننا لا نتعامل مع الصوم معاملة العبادات أو العادات في الاعتماد على العلية والقياس؟ ومن جانب آخر أن النص الشرعي حقيقة في القرآن الكريم لم يحدد بصورة قاطعة أن المراد بالمحل الذي يحل فيه الداخل، فالقرآن الكريم يأمر بالأكل والشرب والمباشرة في الليل، فقال تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ ، ولكن عندما يتحدث القرآن الكريم عن بيان الصوم لا يقول: لا تأكلوا ولا تشربوا , وإنما يقول: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ﴾ , فهذا التغيير في الأسلوب في القرآن الكريم لا أعتقد يأتي دون فائدة أو حكمة، فلو كان المقصود - والله أعلم - أي عبارة يريدها الله ، لكن قال ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ﴾ . وكذلك بالنسبة للفظ الصيام الذي ورد في الآية الكريمة محلى بـ (ال) ، وهو كما يعرفه الأصوليون إما للعموم أو هو مطلق أو للعهد، وحينئذ إذا قلنا للعهد يعني الإمساك عما ذكر، وهذا ربما - والله أعلم - يكون بعيدًا، وغالبًا أما للعموم وإما للإطلاق.

стр. 16932

والصيام لغة هو الإمساك مطلقًا، فهل المقصود به الإمساك عن الأكل والشرب فقط، أو عن أشياء مذكورة كما ذكر بعض الإخوة، أو عن كل شيء؟ المسألة أيضًا تحتاج إلى تحرير , وكل ذلك في اعتقادي يحتاج إلى تحرير من خلال النصوص الشرعية. لذلك كنت أتصور على الرغم من إعجابي الكبير للبحوث الفقهية في هذا الموضوع كنت أتوقع وكنت أتمنى أن تهتم هذه البحوث بالنصوص الشرعية، وبالأخص في مجال السنة النبوية. فلو استعرضت النصوص الشرعية وبالأخص الأحاديث النبوية كنا وصلنا إلى جانب، لأنه حتى لو قلنا بأن الصيام غير معقول المعنى كان حينئذ يصل من خلال مجموع هذه النصوص إلى تصور شامل عن الصوم، لأنه لا يمكن أن يكون الصيام الركن الرابع من أركان الإسلام ويكون مجهولًا بهذه الطريقة. فكان بودي أن تبحث كل الأحاديث الواردة في هذا المجال، ثم يؤخذ منها هذه النتيجة. ولكن مع الأسف الشديد أن البحوث اقتصرت على ذكر آراء الفقهاء ونحن ماذا نفعل الآن؟ لا نستطيع أن نغير آراءهم؛ لأن الآراء مملوكة لأصحابها ولهذه المذاهب، وإنما كان بودنا أن نرجع إلى المعين الذي لا ينضب وهو الكتاب والسنة، مع احترامنا الكبير واعتمادنا الكبير طبعًا على الآراء الفقهية , وإذا وصلنا إلى الاعتماد على الميزان من خلال النصوص الشرعية حينئذ يكون الأمر علينا سهلًا. هل العبرة بالصيام يكون الميزان فيه الدخول إلى الجهاز الهضمي أو المعدة؟ لو قررنا ذلك انتهت المسألة، ولو عممنا حينئذ تكون المسألة تحتاج إلى بحث. فإذن ولذلك؛ أنا أقول نحتاج من الآن أن نعرف اتجاه المجمع أو الأكثرية حول هذه الاتجاهات، أو هل يريد الإخوة الكرام والأساتذة الفضلاء يريدون أن يكون الاتجاه نحو التوسع أو التضييق أو التوسط؟ لذلك أنا اعتقد أن يجمع كما قال فضيلة الدكتور الفرفور، قال: ولا أعتقد أن تجمع الضوابط المذهبية في ضابط واحد، ولازم المذهب ليس بمذهب، وإنما نحن الآن نتحدث في المجمع عن ضابط عام لقرار للمجمع، فلو أخذنا على سبيل المثال بضابط التوسع وهو أن كل ما يدخل في المعدة عن طريق الفم فهو مفطر يكون يترتب على ذلك نقيس ونستفيد من كلام الأطباء، وإذا أريد التضييق يكون بشكل آخر. فحقيقة أنا أعتقد أنه رغم وضوح هذه البحوث والمداخلات لكن لا تزال المسألة تحتاج إلى تحرير وتنقيح. وشكرًا لحضراتكم وجزاكم الله خيرًا. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

стр. 16933

الشيخ عبد الله بن بيه: بسم الله الرحمن الرحيم، اللهم صل وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا. أولا - سأبدأ بالعنوان. كنت أود أن يكون العنوان موجبات الإفطار، لأننا في مجمع فقه ويجب أن نحترم اللغة. الحقيقة أن المُفْطِرات والمُفَطِّرات كلها لا تؤدي هذا المعنى، حتى الحديث الذي يقول: ((من فطَّر صائمًا)) أي أعطاه ما يفطر به. فاللفظ المعروف عند الفقهاء موجبات الإفطار، وكان ينبغي أن يكون عنوانه. هذه هي الملاحظة الأولى. الملاحظة الثانية: هي ان الأمر واسع؛ لأن أي قول نعتمده سنجد أنه قد قيل به , فإن الافتراضات التي افترضها الفقهاء كثيرة، ولأجل ذلك حيث ما أذهب ألقى سعدًا كما يقول المثل، حيث ما نذهب نجد قولًا لفقيه. الملاحظة الثالثة: أن هذا الأمر ليس من باب الضرورات لأن المريض يستطيع أن يترك الصوم ليفطر، هذا يجوز له، ليس مضطرًا لأن يأخذ العلاج ويبقى صائمًا، بل له خيار آخر وهو أن يفطر - وأفطر لازم طبعًا - أن يفطر وبالتالي لا يضطر إلى ذلك. الملاحظة الرابعة: أقول إني متفق في الجملة مع فضيلة الشيخ محمد المختار السلامي في أكثر ما قاله، بل أكاد أقول في جميع ملاحظاته والضوابط التي وصل إليها.

стр. 16934

الملاحظة الخامسة: وهي ملاحظة على بعض الأقوال التي وردت من الإخوة فيما يتعلق بمقدمات الجماع , أعتقد أن الأمر لا يحتاج إلى توضيح , الرفث هنا هو كناية عن الجماع، وهذا كلام ابن عباس ﵁ لما قال وهو محرم: إن تصدق الطير ... إلخ، هذا قاله ابن عباس، قالوا له: الرفث؟ قال: هذا ليس برفث، إنما الرفث هو الجماع. وهو كناية عن الجماع هنا أو الإنزال، ولا أقول أحد المقدمات الأخرى التي ليست إنزالًا ولا جماعًا: إنها تؤدي إلى الإفطار، هو موجب للإفطار. الملاحظة السادسة: الرخصة , أعتقد أن الرخصة معرفة هي حكم غير إلى سهولة لعذر مع قيام العلة الأصلية. هذا التعريف ذكره ابن السبكي وغيره من علماء الأصول، وهو التعريف المانع الجامع للرخصة - حكم مغير إلى سهولة لعذر مع قيام العلة الأصلية -، وهي وردت في الحديث في صحيح مسلم ((ورخص في العرايا)) ، معناه يدل على أنها استثناء وأنها ترخيص. إذن الرخصة وردت في الشرع وفسرها العلماء وعرفوها. الملاحظة السابعة: المرض الذي توقف عنده بعض الإخوان، المرض جاء مطلقًا في القرآن الكريم، فالأمر راجع إلى قاعدة هي: هل نأخذ بأقل ما يدل عليه الاسم؟ - وهذا ما يعرف بالأخذ بأول الأسماء أو بآخرها - أو نأخذ بآخر الأسماء، والأمر راجع إلى قاعدة معروفة بمعنى أن أي مرض كما يكون أي سفر يعتبر موجبًا للإفطار كذلك المرض هنا. الملاحظة الثامنة: تحدث الإخوان عن القياس هل يؤخذ به أم لا يؤخذ به؟ المشهور عند العلماء أن القياس يؤخذ به في الكفارات التي هي مرجع الإفطار في الصوم، والحد والكفارة تقديره جوازه فيها هو المشهور. هو أصح أقوال علماء الأصول كما يقول في (مراقي السعود) .

стр. 16935

هناك مجالان أو هناك معياران يجب أن نعتمد عليهما في رأيي: كل ما يصل إلى الجوف موجب للإفطار ما لم يكن جامدا غير مستقر، أما الجامد المستقر فإنه يؤدي إلى الإفطار وفاقًا لأبي حنيفة. هنا نرجع إلى الأطباء لنعرف منهم الذي يصل إلى الجوف، وهذا ما يسمى بتحقيق المناط، هو تطبيق القاعدة على جزئياتها, وتحقيق المناط هنا وارد يمكننا أن نخالف المالكية في القول بأن قطرة الأذن أنها مؤدية إلى الإفطار، وبعض الإخوان قال: إن المالكية قالوا: إن قطرة الأذن لا تؤدي إلى الإفطار، وهذا أصل خليل، المالكية الأذن عندهم تؤدي الى الإفطار، إذا قال الأطباء: الأذن لا يصل منها شيء نوافقهم، وهذا هو تحقيق المناط. ووقع للمالكية؛ كان التين في الحجاز عند المالكية ليس ربويًا، فلما ذهبوا إلى الأندلس وجدوا أنه مقتات مدخر فأعلنوا ربويته وفاقًا لقاعدة المذهب. فتحقيق المناط هنا وارد.

стр. 16936

الضابط الثاني: كل ما يقوي، أي يؤدي الى تقوية الجسم أي إلى تغذية فإنه موجب للإفطار. وهنا يجب أن نتفق مع الأطباء مرة أخرى، هنا نعمل بتنقيح المناط من باب إلغاء الفارق بمعنى أننا نلغي الفارق بين الأكل والشرب وبين ما يؤدي إلى التغذية، لننيط الحكم بأصل عام كما ألغى المالكية الفارق بين الجماع وبين الأكل والشرب في كون كل منهما يؤدي إلى انتهاك حرمة رمضان، وهو الذي يؤدي إلى الكفارة، هذا ما يسمى بتنقيح المناط من باب إلغاء الفارق. إذا اتفقنا على هذه المنطلقات يمكن أن نصوغ بسهولة القرارات التي يتوصل اليها المجمع انطلاقًا من التقارير التي وردت والتي هي تقارير جيدة، وبخاصة تقرير فضيلة الشيخ محمد المختار السلامي. حديث ((أفطر الحاجم والمحجوم)) كما قال الإخوة هو حديث مؤول بمعنى فعل ما يؤدي إلى الإفطار، وهو ورد بصيغة الخبر ولم يرد بصيغة الأمر، فأفطر بصيغة الخبر، ولأجل ذلك قالوا: إنه مؤول، والتأويل أولى من النسخ؛ لأن القول أولى بالاعتماد من الفعل كما نص عليه علماء الأصول: إذا تعارض القول والفعل فإن القول يقدم لأن له صيغة، ولأن صيغته هي صيغة واضحة. هذا ما يحضرني الآن، أو ما لاحظته الآن على هذه الأقوال. خلاصة القول: إننا بحاجة إلى تقرير المعايير على ضوء ما ذكرنا أن نضع قائمة من العمليات موصوفة من الطبيب ومحكومًا عليها من الفقيه، فإذا وجدت العلة أو ظهر انتفاؤها أمكن أن نحقق المناط، مثلًا أن نقول: إن الأذن لا توصل أو أن الوريد يوصل، الطبيب هو الذي يصف ذلك ويقرره، والفقيه هو الذي يحكم على ذلك من الناحية الشرعية، وبذلك نكون قد انتهينا من الموضوع وشكرًا. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

стр. 16937

الشيخ محمد الحاج الناصر: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه. بعض ما كنت أحب أن أقول قيل بالأمس أوزاعًا من هذا وذاك من الإخوة الأعزاء، لكنه لم يُقَلْ كما كنت أزور في نفسي أن أقول، وأحسب أني أيضًا قد نسيت شيئًا مما كنت زورت في نفسي من قبل. مهما يكن فإني أستأذن أستاذنا الجليل صاحب السماحة الشيخ محمد المختار السلامي في أن أبدي له وللإخوة الأعزاء ما عن لي أنه ينبغي تحريره، ولسماحته الفضل الأكبر في أن يبين لي ما إذا كنت مصيبًا أو مخطئًا. أشار إلى الأثر المنقول عن ابن سيرين ﵀ من إفطاره لوجع في أصبعه، ومزج هذه الإشارة بذكر قياس لم يقله ابن سيرين. فابن سيرين لم يكن من أهل القياس، إنه من أتباع التابعين أو من الطبقات الأخيرة من التابعين ربما السادسة أو السابعة الذين لم يكونوا يعتمدون شيئًا اسمه القياس، وانما كانوا يعتمدون الفهم لنصوص القرآن والسنة. كان أصل عمله القرآن والسنة لم يحكموا القياس في دين الله، إفطار ابن سيرين ﵀ من وجع أصبعه لا يمكن أن نأخذه على أنه ترخص مبالغ فيه، فقد يكون ابن سيرين يشرب شيئًا من الأدوية للتخفيف من وجع أصبعه، وقد يكون له سبب ما غير مجرد الترخص بالإفطار لمرض بسيط، فهو ﵀ أجل من ذلك وأعلى. على أنه إن فعل فما خرج من مضمون قوله : ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾ .

стр. 16938

وهنا نصير إلى نقطة أخرى مما أحب أن أقف عنده. فالتنكير في (مريضًا) وتغيير الصياغة بين (مريضًا) أو (على سفر) بين حكم السفر الذي هو على سفر وبين المريض، ليس عبثًا وليس عملًا فنيًا، فالعمل الفني ليس في القرآن أساسًا، أنه كلام الله القديم. هذا التنكير له معناه، معنى العموم لكل مرض ما لم يخصص ببيان من رسول الله ﷺ لا من قياس ولا من اجتهاد فقيه أو متفقه، فلا اجتهاد مع وجود النص، ولو قد اعتبرنا هذا واعتبرنا أن كلمة (مريضًا) وردت في القرآن بهذه الصيغة في الحج ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ ، ووردت في الصوم مرتين ﴿كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ ، ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ . لو أننا تدبرنا هذا وتدبرنا قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ ، وردت مرتين مرة في سورة النساء ومرة في سورة المائدة، لتبينا أشياء تغنينا عن التهويم مع تهاويم المتفقهة والفقهاء حول المرض المبيح للإفطار، والمرض غير المبيح، والعلاج للمريض الصائم.

стр. 16939

لو تدبرنا كل هذا لتبينا أن المريض الذي يحتاج إلى العلاج أبيح له الإفطار، وأن المريض الذي يستطيع الصيام ولكنه يحتاج إلى العلاج يدخل في قوله : ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ لا كما يزعم جمهرة المفسرين من أن (لا) النافية حذفت، وما لهم من قرينة ولا دليل. فمادة (أطاق) في اللغة العربية تعني: استطاع مع مشقة، تماما كما حدد معنى الرخصة الشاطبي ﵀ وهو مَنْ هو في فهم حقائق القرآن. لو تدبرنا كل ذلك لأغنانا عن هذا التهويم في البحث عن ما يفطر وما لا يفطر من الحقن والبخاخات وما إلى ذلك فالله أرحم بعباده وأرأف من أن يحرجهم ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ (مِنْ) التبعيضية. فنحن لسنا بمحرجين، لنا أن نفطر كلما اضطرنا مرض ما أيًّا كان إلى هذا الإفطار، ومنه الضعف الذي يخشى من الصيام معه ازدياد المرض وهو نوع من المرض، لا كما وهم بعض الناس من أن الضعف شيء غير المرض، فهو لا يمكن أن ينتج إلا عن مرض، ووجوده مرض لأن المرض معناه انعدام حالة الاعتدال الطبيعي في الإنسان، فكلما وجد هذا الانعدام كان المرض، ولذلك قال تعالى: ﴿مَرِيضًا﴾ ولم يحدد مرضًا معينًا، أطلقه بالتنكير. ولا أعلم في سنة رسول الله ﷺ بيانًا يخصص هذا المرض. وشيء آخر أود أن أعرض له قبل أن أختم هذه الكلمة التي أخشى أن يكون الرئيس العزيز يوشك أن ينبهني إلى ضرورة ختامها وهو التدخين. التدخين بصرف النظر عما إذا كان مغذيًا أو غير مغذٍّ، ينسرب إلى الجوف أو لا ينسرب، التدخين حرام واقترافه في رمضان مفطر ناقض للصيام؛ لأنه إسراف وتبذير وإضرار بالجسم وخبيث، وإنما أحل الله للمسلمين الطيبات وحرم عليهم الخبائث. فلسنا بحاجة إلى البحث عما إذا كان هذا التدخين ينسرب إلى الجوف أم لا ينسرب، يغذي أم لا يغذي، كل ذلك لا معنى له. فالتدخين اقتراف لمحرم ناقض للصيام؛ لأن الكبيرة تنقض الصيام في حقيقة الأمر، وإن خالف بعض الناس. والله الموفق.

стр. 16940

الشيخ أحمد الخليلي: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد: فقد كنت حريصًا على أن أستمع لا أن أتكلم في هذه المداخلات التي حصلت، ولكن المداخلات نفسها هي التي فتحت آفاقًا جعلتني أتحدث بعض الشيء. أولًا: أرى بأن بحث قضايا وقع الاتفاق عليها أو ما يشبه الاتفاق على أحكامها أمر لا داعي إليه في هذا المجمع، فإن المجمع إنما يبحث قضايا مستجدة ويعطي فيها فتوى جديدة. ولئن كان هنالك أيضًا خلاف بين علماء المسلمين لم يتوصل فيه عند الجمهور إلى الترجيح في بعض القضايا التي سبق بحثها من قبل يعطي أيضًا المجمع الرأي الراجح فيها. أما القضايا التي استقر فيها عمل الناس على شيء وقبله علماؤهم وعامتهم فلا داعي إلى البحث فيها. فالتدخين لا داعي للبحث فيه، هل هو ناقض أو غير ناقض؟ لأننا لو جئنا إلى المدخنين أنفسهم لا نكاد نجد أحدًا منهم من الذين يصومون يجرؤ على التدخين في نهار رمضان، ولا نكاد نجد أحدًا حتى من عوام الناس الذين لا نصيب لهما في الفقه والمعرفة يقر التدخين في نهار رمضان. فجميع العلماء وجميع العامة استقر عملهم على هذا وإن وجد خلاف، فإنما هو خلاف في بطون الكتب، ولكنه لم ينتقل إلى عمل الناس. وكذلك قضية الاستمناء. هل الاستمناء ناقض للصوم أو غير ناقض بعدما استقر عمل الناس على رأي معين وقبله خاصتهم وعامتهم؟ لا أرى داعيًا لبحث هذه القضية، فالقضية قد أميتت بحثًا من قبل، ومعظم المسلمين بل لو قلنا بأنه استقر الإجماع العملي على أن الاستمناء ناقض لما أخطأنا، فإننا لم نعرف في المتقدمين من خالف في ذلك إلا ابن حزم. والمجمع له هيبته وله مكانته، ولو صدر من هذا المجمع بيان يعطي فتوى بخلاف ما استقر عليه العمل في القضايا السابقة فإن مكانته تتزعزع وهيبته تتلاشى. أما التوسيع والتضييق في مجال المفطرات فهما أمران ينبغي النظر فيهما؛ لأن الإسلام يدعونا إلى الاعتدال (لا إفراط ولا تفريط) فلا نستطيع أن نوسع أحكام المفطرات؛ لأن هذه التوسعة تؤدي بنا إلى الكثير الكثير مما قد نحذر، فلو قلنا بأن إدخال الطبيب أصبعه في فرج امرأة مثلًا لأجل ضرورة لا محيص عنها مؤدٍ إلى النقض فما الفارق بين ذلك وبين إدخال الصائم أصبعه في فيه؟ فهل إدخال الصائم أصبعه في فيه يختلف عن هذا الإدخال؟ نعم يختلف من حيث الجواز وعدمه، ولكن الجواز جاء هنا بسبب الضرورة، ولم يقصد بذلك تلذذ من أحد الجانبين.

стр. 16941

كذلك التضييق في المفطرات واعتبار بأن ما يصل إلى الجوف أو ما يمكن أن يكون غير متغذًّى به عند الناس في عرفهم غير ناقض، أو ما استعمل للدواء غير ناقض، هذا أمر أيضًا يفتح الكثير الكثير من أبواب المشكلات. موضوع شهوة المزاج أيضًا لي فيه نظر، لأننا لو قلنا بأن المزاج عندما يرضي الإنسان أو يشبع رغبته بوجه من الوجوه المباحة يؤدي ذلك إلى نقض الصيام، لربما أدى ذلك إلى القول بأن من استمع إلى القرآن وكان سماعه للقرآن بصوت شجيٍّ يرضي مزاجه يؤدي ذلك إلى انتقاض الصوم أيضًا فضلًا عن بقية الأشياء. أما موضوع الحيض ومنع دورته باستعمال الحبوب المانعة، فلا ريب أن حكم الفطر مترتب على خروج الدم، وعندما يكون الدم غير خارج لا يترتب على ذلك حكم الفطر ولو حضرت الدورة، أي حضر ميقاتها، ولكن هل هذا التصرف لا تترتب عليه آثار سلبية من الناحية الصحية أو من الناحية الدينية؟ حسب ما علمت هناك آثار سلبية من الناحية الدينية فضلًا عن الناحية الصحية، وكثير من النساء اللاتي استعملن هذه الموانع اتصلن بي يسألن عن حكم ما يرينه من الدم بعدما اختفت الدورة الدموية عن مدارها المعتاد. فالدورة الدموية تصبح غير منتظمة، ولا تعرف المرأة بسبب استعمالها لهذه الحبوب أو هذه الموانع التفرقة بين دم الحيض ودم الاستحاضة، يختلط عليها الحابل بالنابل، أما كون ذلك ضارًّا بالجسم أو غير ضار فأمر لا نتدخل فيه، وإنما نتركه للأطباء أنفسهم. فالأطباء هم الذين يقررون الضرر أو عدم الضرر. وقد يتسامح في الحج بسبب أن بقاء المرأة متخلفة عن رفقتها في الحج فترة طويلة وحتى لو كانت فترة قصيرة، تخلف المرأة عن رفقتها أمر فيه ضرر بها. على أن الحج لا يتكرر كما يتكرر الصيام، فلا مانع إن تسومح في الحج، أما التسامح في الصيام فلا داعي إليه؛ لأن الله ﵎ جعل لها مخرجًا وهو القضاء، فعليها أن تقضي بعدما تفطر امتثالًا لأمر الله، ولا داعي إلى استعمال ما يؤدي إلى الضرر بالجسم، أو ما يؤدي إلى الضرر بالدين من حيث إن المرأة تختل عندها الدورة الشهرية، ولا تستطيع أن تفرق بين الحيض وبين الاستحاضة.

стр. 16942

وأعود إلى موضوع النواقض فأقول بأن الكلمات تأتي في اللغة العربية مشتركة لها أكثر من معنى، فكلمة الرفث قد تستعمل أحيانًا بمعنى رفث اللسان، وتستعمل بمعنى الوقاع، ومن مجيء الرفث بمعنى رفث القول قول الشاعر: ورب أسراب حجيج كُظَّمٌ عن اللغى ورفث التكلم المقصود بالرفث هنا القول الذي يصدر من اللسان. ويأتي الرفث بمعنى الوقاع نفسه بدليل قول الشاعر أيضًا: ويرين من أنس الحديث زوانيا وبهن عن رفث الرجال نفار فالمراد بالرفث هنا هو الوقاع. ولا ريب أن الرفث الذي خرم في الصوم ليس هو كل ما يتعلق بالجماع حتى النظر من الرجل إلى امرأته النظرة بشهوة إلى غير ذلك؛ لأن هذا مما لم نعرفه من قبل ولو أطلقنا ذلك لترتب على ذلك ضرر كبير، والله ﵎ ما جعل علينا في الدين من حرج.

стр. 16943

ونقطة أخيرة ليست هي متعلقة بالجانب الفقهي، وإنما هي تتعلق بجانب النظام تدور حول ما قدمه أخونا الدكتور العبادي من اقتراح بأن تكون التعقيبات مدونة وأن تكون متناولة لكل ما في البحوث التي تتعقب. لي بعض الملاحظة على ذلك، أما تدوينها فذلك أمر لا مانع منه لأجل الضبط لأنه يضبط بالكتابة ما لا يضبط بالقول، وأما كون على كل معقب أن يتعقب البحث من أوله وآخره، فذلك يفضي إلى أن تكون وراء البحوث بحوث متسلسلة وهذا أمر قد يكون فيه شيء من الحرج، بل ربما الإنسان لا يريد أن يتحدث في مواضع من البحث لأنه اقتنع بما في البحث، وكما يقال: (السعيد من اكتفى بغيره) فلا داعي إلى إثارتها. فالأولى أن يكون لكل أحد التعقيب بحسب ما يريد من التعقيب على الموضوعات المطروحة من غير أن يتناول البحث من أوله إلى آخره، وأسأل الله التوفيق للجميع، وشكرًا لكم. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

стр. 16944

الشيخ خليل الميس: بسم الله الرحمن الرحيم، في الحقيقة نحن نريد أن ننعش الذاكرة بما انتهى إليه الخليلي وبدأ به الخليل, أمران عجيبان، الرفث ذكر في مقامين في حرمين، مع حرمة الصوم وإحرام النسكين. وهذا فيه إشارة الى أننا ما دمنا في إحرام فحرمة الكلمة أيضًا ربما تؤثر في هذا الإحرام. هذا هو فقط للإشارة. إذن ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ﴾ ، ﴿فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ ، وهذا توجيه إليه ينبغي أن يتوقف أمامه. أمر آخر، أثيرت - في الحقيقة - قضية رائعة في هذا المجلس الكريم في جلسة البارحة وهي شهوة المزاج. نعم يا قوم هنالك شهوة مزاج , هو اصطلاح جديد ولكنه معنى قديم , أذكر إخواننا , أظن والشافعية على ما أذكر بالذات ما حكم شم الروائح العطرة للصائم واستعمال العطورات للصائم؟ هل يرون فيها كراهة؟ نعم. إذن من شهوة المزاج ننتقل إلى مزاج آخر، ألم يقل بعض الفقهاء - وهذا شيء معروف - بمزاج الغيبة ومزاج النميمة قولًا أو سماعًا للصائم؟ بلى، تكلموا في هذا. هو ليس أكلًا ولا شربًا، ولكنه من قبيل المزاج. أمر آخر، نحن والأطباء في الحقيقة كلنا يعرف أن هنالك اصطلاحًا قد يتفق المفهوم الطبي مع الاصطلاح الشرعي وقد يفترقان , مثلًا تعرفون جميعًا الفم هو عضو خارج بالنسبة للمضمضة وعضو داخل بالنسبة لابتلاع الريق، له اعتباران، هنا الاعتبار الشرعي والاعتبار الطبي هو جوف، هو من الجوف، إذن ما دام له اعتباران ينبغي أن نأخذ بالحسبان هذين لاعتبارين.

стр. 16945

قضية ما أشير إليه - وفعلًا - أخذ المرأة علاج منع الدورة الدموية، أذكر أليس هذا يصل بنا إلى صلاة الحاقن؟ الدم موجود وهي حبسته وكان من شأنه أن يخرج، أليس له نظير في الفقه، صلاة الحاقن وهو دافع أحد الأخبثين وعليه الإعادة في الوقت وإن كانت صلاته صحيحة؟ هذا أيضًا نثيره للمذاكرة. أمر عجيب وهو غسيل الكلية نتمنى ألا يتعرض إليه لأن الذي يغسل الدم في الكلى هل هو قادر على الصوم أصلًا أم لا؟ بل إنه ممنوع رأسًا. أمر آخر نصل إليه وهو ذوق الطعام. على ما أذكر في كتب الأحناف عندهم نص أنه: " ويرخص للزوجة أن تذوق الطعام بطرف لسانها إذا كان الزوج سيئ الخلق "، هكذا قالوا مع الكراهة، صح صومها مع الكراهة. إذن من هذه العناوين نحن نأخذ شيئًا وهو أن هذا الذوق - سبحان الله - لم يعتبروه مفسدًا للصوم وهذا يصل بنا إلى القطرة في الأذن أو العين. أمر آخر بالنسبة لأخينا الدكتور السلقيني عندما ذكر السفر والمرض , نذكر أن العلة طبعًا المشقة وقال الفقهاء: " تناط الأحكام الشرعية بأسباب مادية " فالمرض مرض والسفر مظنة المشقة والمرض هو المشقة بذاتها". أمر آخر، نحن في حل مع المرض، من قال: إن المريض يجب أن يفطر، وأن المسافر يجب أن يفطر؟! وأمر آخر وهو آخر آية الصوم تردنا إلى أولها وهو قوله تعالى ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ إذن ما دمنا نحن في حرم التقوى إذن لتكن كل نظراتنا ضمن هذا الإطار. وشكرًا لكم. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
следующие страницы →