← Фикх общий

Фикх общий · id 8356

مجلة مجمع الفقه الإسلامي

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (22 276 стр.). Показаны 17326–17365 · переход к 17331.

стр. 17326

المضار التي تترتب على إباحة الاستنساخ التقليدي: إن ما ذكرناه آنفًا من المنافع التي تترتب على المنهج الطبيعي والشرعي للزواج؛ تبرز لنا بشكل قاطع أن ترك كل منفعة منها يؤدي إلى إحداث ضرر خاص، وعام. ومع ذلك فإننا نوضح هنا المخاطر الأخرى التي تترتب على إباحة هذا النوع من استنساخ، وهي: أ- اختلال أو انعدام صفة الأمومة أو الأبوة التي ترتبط بها الأحكام الشرعية، وذلك لأن هذه الصفة هي حقيقة شرعية، أو معنى شرعي، لا يتصور إلا بوجود أركانه وتوافر شرائطه. أما أركانه فهي: ١- وجود حيوان منوي صادر من الزوج. ٢ - بييضة صادرة من الزوجة. ٣ - التقاؤهما (الحيوان- البييضة) في رحم الزوجة، وتعلق اللقيحة به، وتدرجها في النمو من نطفة إلى علقة إلى مضغة إلى أن تولد خلقًا سويًّا. ومن ثم مثل الفقهاء لهذه العلاقة بعلاقة التعاقد (إيجاب، وقبول) ، ومحل للتعاقد؛ فأي اختلال في أحد هذه الأركان يجعل العقد باطلًا، ولا ينتج آثاره، ومثل ذلك نقوله إذا لم تتوافر أركان هذه النسبة (الأبوة والأمومة) . فإذا عرضنا هذه الحقيقة، وهي صفة الأمومة والأبوة على حالتنا هذه - وهي الاستنساخ التقليدي - نجد الأمر يختلف، والأركان لا تتوافر، ومن ثم لا نستطيع أن نطلق هذه الحقيقة على الكائن أو الإنسان الذي نتج عنها، وذلك لأن أركان هذه العلاقة الجديدة - في الاستنساخ التقليدي- هي: ١- خلية جسدية، مستوفية لكل مقومات النمو، إذ هي مكونة من ٤٦ كروموزومًا، فصفاتها الوراثية كاملة بما تحمله من محاسن وعيوب ولا تحتاج إلا إلى وسط تعيش وتنمو فيه، لتخرج لنا نسخة من صاحبها. ٢ - بييضة ناضجة تنزع نواتها , أو بعبارة أخرى تفرغ من جوهرها، وهي النواة، ولا يبقى إلا هيكلها بما فيه من سيتوبلازم، كالجسم الذي نزع قلبه , وتوضع الخلية الجسدية فيها، لتنتفع بالسائل المحيط بالنواة - السيتوبلازم - وتنمو فيه، هي بخواصها وصفاتها الوراثية فقط، وليس للبييضة أي أثر في تغيير هذه الصفات أو تعديلها؛ ومن ثم كان الناتج نسخة من صاحب الخلية الجسدية فقط بكل ما فيه من محاسن أو مساوئ، من ضعف أو قوة، من طول أو قصر، من مرض أو صحة، من لون أو شكل - بل قد يكون - ومن عمر؛ وبانتشار هذا المسلك ينهار التنظيم الحكيم من وراء التفاوت بين الخلق، وبذلك ينهار التعاون والتواصل والتخادم، ويتوقف التطور. وإذا كان الأمر كذلك، فإن الأمومة بالمعنى الشرعي الذي ذكرناه قد فقدت تمامًا، وأيضًا فإن الأبوة بالمعنى الشرعي الذي ذكرناه قد فقدت، إذ حقيقتها وأركانها فيها قد اختلت، وأصبح ما معنا هو خلية أخذت من جسم حي، بغية إيجاد صورة منه بالطريق الذي ذكرناه.

стр. 17327

ومن ثم فما أخذ من جسم الإنسان ليكون إنسانًا بعد نموه على المنهج الذي ذكرناه، لا يصدق عليه أنه ابن لمن أخذت منه الخلية الجسدية، إذ هو نسخة منه، أي هو نفسه، ولا يصدق عليه أنه هو نفسه، إذن صاحب الخلية الجسدية شخص معين، أصبحت له حقوق وعليه واجبات، قِبَل الخالق والمخلوق، قبل الأب والأم، وقبل الأسرة جميعها، وقبل المجتمع، في الشرع، بل وفي القوانين الوضعية. وكذلك لا يصدق عليه أنه شقيق له، لأن علاقة الإخوة لها أيضًا أركان لا بد من استيفائها، وهي تدور حول ما أنجبه الزوجان من أولاد لهم تحت ظل عقد زواجهما على المنهج الشرعي المعروف , ومن ثم فلا يتأتى شرعًا وعقلًا وعرفًا أن يقتحم هذه العلاقة كائن جديد، لا تتوافر فيه هذه الضوابط، ولا يتأتى أيضًا أن يتأثر بحقوق غيره من أصحاب الحقوق الشرعية ويختص بها دونهم، فإذ حدث ذلك حدث تغالب وتناحر، وأدى هذا إلى فساد كبير. وكذلك لا يصدق على هذا الكائن (النسخة) أنه ابن للمرأة التي أخذت بييضتها، وفرغت من نواتها، ووضعت فيها هذه الخلية الجسدية ... وذلك لأن خواص الأم، وصفاتها الوراثية قد أعدمت عندما انتزعت نواة بييضتها، ولم يتحقق الامتزاج بين خلية الذكر وخلية الأنثى على الوجه الذي ذكرناه، ولم يكتسب الجنين من صفات الأم الوراثية الأساسية شيئًا، أي لم يحدث انتماء لها لا معنًى ولا حقيقة.. سوى كونها حاضنة، ودور الحاضنة هو دور إنماء لا إنشاء، ودور رعاية وتنمية لا دور تكوين وتكون، ما دامت خواصها وصفاتها الوراثية قد انتزعت من بييضتها، وحل محلها كائن آخر لا يحتاج إلا إلى وسط ملائم لنموه، وبذلك تفقد صفة الأم أهم أركانها وأساس محورها ومحور كيانها ووجودها حقيقة لا صورة ولا شكلًا. وكذلك لا يصدق عليه أنه زوج لهذه المرأة؛ إذ الفرض أن الخلية أخذت من زوجها وإلا لا يجوز إطلاقًا , إذ علاقة الزوجية أيضًا مثل علاقة الأبوة والبنوة، هي علاقة خاصة بين اثنين معينين بذواتهما، اسمًا ورسمًا - فلان وفلانة، تحت ظل عقد زواج صحيح، ولا يسمح الشرع باختلاط هذه العلاقة أو العبث بها، أو اقتراب الغير منها، وإلا كان العقاب أشد العقاب.. ومن ثم لا تأخذ (النسخة) الحادثة من الاستنساخ التقليدي صفة الزوجية، باعتبار أنها أخذت من الزوج، كما أنها لا تأخذ صفة البنوة، لأن دور الأمومة قد انتقض بتفريغ نواة بييضة الزوجة من صفاتها وخواصها الوراثية، وعادت مجرد وعاء يحوي إنسانًا كاملًا له خواصه وصفاته ... وأيضًا من المشكلات التي يمكن تصورها، والتي تؤدي إلى اضطراب كبير ما يلي: - ما يمكن أن يتصور حينما يتجه الزوج إلى أخذ خلية منه لاستنساخه، ليكون المستنسخ ولدًا.. كما تتجه الزوجة إلى أخذ خلية منها واستنساخها ليكون الناتج أو المستنسخ بنتًا.. فما علاقة كل من المستنسخين الولد والبنت بالآخر، هل هما أخوان؟ هل هما بمنزلة زوج وزوجة، بحيث يمكن أن يكون وجودهما امتدادًا للزواج السابق للأصليين؟ هذا ما لا يتأتى.

стр. 17328

ومن كل ذلك يتبين لنا بما لا يحتمل الشك جهالة موقف المستنسخ من انتمائه النسبي جهالة فاحشة، وأيضا ًجهالة من يصح شرعًا أن ينسب إليه من الأصول، الآباء والأمهات، وإن علوا، والفروع وإن نزلوا.. مما يؤدي قطعًا إلى جهالة حقوقه وواجباته المقررة شرعًا له وعليه. ومن المعلوم لدينا يقينًا أن الحقوق لا تنال إلا بحق، فطريقها اليقين، أما الظن أو الشك أو الوهم فلا مجال لإثبات الحقوق أو الواجبات الشرعية بأي منها، ولكل صاحب مصلحة الحق كل الحق في أن يتدخل لمنع المستنسخ مما قد يعطى له تحت أي اصطلاح أو مسمى.. لأن الشريعة قد أعطت كل ذي حق حقه، وبينت ذلك بيانًا واضحًا لا لبس فيه. البصمة: هذا وفي المجال الجنائي قد أصبحت (البصمة) دليلًا قويًا، يتعرف بها على المجرمين، وهنا وفي ظل هذا النوع من الاستنساخ ستكون بصمة المستنسخ مطابقة لبصمة من أخذت منها خليته الجسدية، ومن ثم يفقد هذا الدليل قدرته على التعرف على مرتكبي الجرائم، وبخاصة أنه يمكن أن تستنسخ بؤر الإجرام أشخاصًا متعددين من شخص واحد، ثم تدفعهم لارتكاب الجرائم التي يرغبون في ارتكابها في أي مكان، والدليل إذا تطرق إليه الاحتمال سقط به الاستدلال. الرأي في الاستنساخ التقليدي: إنه إزاء ما ذكرته من أدلة، وما أوضحته من مضار لهذا النوع من الاستنساخ (التقليدي) ، وما ثبت من تقلص جدواه ومنافعه، أرى أنه لا يجوز شرعًا اتخاذ هذا المسلك لإيجاد إنسان عن طريق الاستنساخ التقليدي، تكريمًا للإنسان وحفاظًا على ذاتيته وكيانه، وصيانة لحقوقه وواجباته، ودفعًا للشرور المترتبة على ذلك، ودرءًا لمفاسد عظيمة عن الأفراد والجماعات، بل والعالم بأسره، كما أرى أن الاستنساخ التقليدي في مجال المسخرات للإنسان - من النبات والحيوان - جائز شرعًا لما سبق أن ذكرته من أدلة. والله الهادي إلى سواء السبيل. أما علاج العقم فقد أشار القرآن الكريم إلى أن من المتزوجين من ينجب إناثًا، ومنهم من ينجب ذكورًا، ومنهم من ينجب ذكورًا وإناثًا، ومنهم من يكون عقيمًا، أحوال أربعة: قال تعالى: ﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ (٤٩) أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيمًا إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ (٥٠) ﴾ [الشورى: ٤٩- ٥٠] وقد ثبت بما لا يقبل شكًّا أو ظنًّا ما يأتي: أن العالم ينمو بصفة دائمة ومطردة، في كل دول العالم دون استثناء، حتى أن بعض الدول أخذت تدعو إلى تحديد النسل، أو تنظيمه، ليس فقط بل وبعضها لا يمنع ذلك داخليًّا ويدعو إليه دولًا أخرى، بل ويقدم معونات للإنفاق على هذه الدعوة، لمآرب وغايات، ظاهرها فيه الرحمة، وباطنها لا يخفى على لبيب.. فالنمو البشري مطرد بصفة دائمة ومنتظمة رغم ما يتفجر من حروب وما قد ينتشر من أوبئة.. مما يدل على أن الكون قد نظمت جميع أموره بحكمة بالغة، وقدرة لا تدانيها قدرة.

стр. 17329

وأيضًا فإن نسبة الذكور إلى الإناث في العالم، بل وفي كل دولة على حدة متقاربة إلى حد كبير، بتدبير الله، فلا تطغى نسبة الذكور على الإناث، ولا نسبة الإناث على الذكور، رغم سريان المنهج الطبيعي للتناسل، وترك تحديد نوع الإنسان لخالق الإنسان ومدبر الكون، الذي لا يعزب عنه مثقال ذرة.. قال تعالى: ﴿وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَلَا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [يونس: ٦١] . وأيضًا فإن العقم، وهو عدم الإنجاب، لم يشكل في العالم حتى الآن ظاهرة بارزة، ولا صفة سائدة أو غالبة عمت البشر أو كادت.. ولم يبت العالم مضطربًا ولا خائفًا منها، من سطوتها وشمولها، بل خطورتها، وتهديدها للعالم بالانقراض، لا بل هي حالات فردية، قد يكون سببها عضويًا، أو نفسيًّا، أو اجتماعيًّا، أو غير ذلك من الأسباب التي يعرفها أهل الخبرة وذوو البصر بهذه الأمور، والحالات الفردية - بل والجماعية - لا يمنع المشرع الحكيم من التصدي لها بالدراسة ووصف الدواء لذي الداء دون أن يضر بالآخرين. التداوي من الأمراض مطلوب شرعًا: التداوي أمر مطلوب شرعًا، كما نص عليه المحققون من علماء الشريعة الإسلامية، وقد عرضنا في كتابنا (حكم نقل أعضاء الإنسان في الفقه الإسلامي) (١) وبينا أدلته من الكتاب والسنة، ويكفي أن نشير هنا إلى بعض الأحاديث، ومنها ما رواه أسامة بن شريك أنه قال: جاء أعرابي، فقال: يا رسول الله، أنتداوى؟ قال: ((نعم، فإن الله لم ينزل داء إلا أنزل له شفاء، علمه من علمه، وجهله من جهله)) . (٢) وعن جابر ﵁ أنه قال: قال رسول الله ﷺ ((لكل داء دواء، فإذا أصاب دواء الداء برئ بإذن الله تعالى)) (٣) وفي التداوي بالمحرمات، أوردنا الأحاديث التي تناولت ذلك، ومنها ما روي عن أبي الدرداء قال: قال رسول الله ﷺ : ((إن الله أنزل الداء والدواء، وجعل لكل داء دواء، فتداووا، ولا تتداووا بحرام)) . (٤) وعن وائل بن حجر الحضرمي أن طارق بن سويد الجعفي سأل النبي ﷺ عن الخمر، فنهاه عنها، فقال: إنما أصنعها للدواء، قال رسول الله ﷺ : ((إنه ليس بدواء، ولكنه داء)) . (٥) ورجحت جواز التداوي بالمحرمات كالدم والميتة - سوى المسكر - وذلك عند عدم وجود دواء يغني عنه، ويقوم مقامه من الطاهرات، فإذا لم يوجد غير المسكر دواء جاز التداوي به للضرورة، إنقاذًا للنفس البشرية من الهلاك. فعلاج العقم مطلوب شرعًا لمن رغب في علاجه، وقد تطور الطب بحمد الله تعالى في علاج جميع الأمراض، ومن بينها العقم، في حالات كثيرة، وكان (طفل الأنابيب) أحد أساليب علاج هذه الحالة؛ بعد أن وضعت له الضوابط والقيود التي تؤمن مسيرة هذا العلاج في طريقها الصحيح، ومن ثم حوصرت مثالب هذه الحالة إلى حد كبير إذ أجريت تحت بصر وبصيرة الأطباء المسلمين الحاذقين العدول الذين يخشون ربهم، ولا يبيعون دينهم بدنياهم. أما علاج العقم عن طريق الاستنساخ التقليدي، فنتيجته لا تنتج للزوجين ما أراده من ابن أو بنت لهما - كما بينا آنفًا - فهو علاج لم يصادف محله، ولم يعالج دواء، بل فجر فسادًا كبيرًا، ونشر داء عظيم الخطر على كل الناس. * * *

стр. 17330

النوع الثاني: الاستنساخ الجديد (الاستتئام) أ- تعريف هذا النوع من الاستنساخ: أ- عرف العلماء هذا النوع من الاستنساخ بأنه: " تلقيح حيوان منوي- يحتوي على ٢٣ كروموزومًا ببييضة تحتوي على ٢٣ كروموزومًا لينتجا بييضة ملقحة ذات ستة وأربعين كروموزومًا، ثم تنقسم هذه الخلية إلى جيل بكر من خليتين، ثم جيل حفيد من أربع خلايا ... وهكذا تتضاعف الخلايا ... وهنا بدأ العلماء في فصل كل خلية عن أختها، بإذابة الغشاء البروتيني السكري المحيط بهذه الخلايا , بواسطة أنزيم ومواد كيماوية , فانفصلت عن بعضها، وتوصل العلماء إلى مادة جديدة من الطحالب البحرية، لإصلاح جدار الخلايا المنفصلة وتغطيتها، بحيث لا تفقد صلاحيتها. ثم أخذت كل خلية من هذه الخلايا، وتم استنساخ كل واحدة منها على حدة، لتنتج أربع خلايا مرة ثانية , ثم فصلت هذه الخلايا ... وهكذا، وبذلك تكون كل واحدة من هذه الخلايا صالحة لأن تكون جنينًا إذا وضعت في رحم الأم.. وبذلك يصبح لدينا عدة أجنة تَوَائِمُ متشابهة وكلهم ينتمون إلى أم وأب معينين، وهما اللذان تم التلقيح بين ماءيهما؛ (١) مني الرجل وبييضة المرأة. وقد كشف عن هذا النوع من الاستنساخ عام ١٩٩٣ العالمان الأمريكيان (ستيلمان، وهول) ولكنهما بعد أن جمدا هذه الخلايا الناتجة؛ أخذا خلية واحدة فقط لتنميتها حتى وصلت إلى ٣٢ خلية، ولم يكملا العمل خوفًا من الجوانب الأخلاقية ... " (٢) - ومن هنا يتضح لنا الفرق بين الاستنساخ التقليدي - الأول - حيث البداية نواة خلية جسدية تنقل إلى بييضة منزوعة النواة، وبين الاستنساخ الجديد - الاستتئام - إذ البداية حيوان منوي ينغرس في بييضة، وهي الطريقة الطبيعية لبداية تكون الجنين ... - وقد تم إنتاج (القردة) في جامعة أوريجون بطريق استنساخ خلايا جنينية. ب- فوائد هذا النوع من الاستنساخ (الاستتئام) : ذكر العلماء المؤيدون له أن من فوائده: ١ - التغلب على مشكلة العقم بالنسبة لكل من الزوجين: قالوا: إن هذه الطريقة تفيد الزوج الذي تكون حيواناته المنوية معظمها ميت إلا أن القليل جدًّا منها به حياة، أو ضعيفة، أو مصابة بتشوهات، وتكون البييضة من الزوجة صالحة، ففي هذه الحالة يمكن تلقيح البييضة بالحيوان المنوي، فإذا تم ذلك أمكن الوصول بهذه الطريقة إلى الحصول على أكثر من توأم، وفي هذه الحالة يمكن التغلب على مشكلة العقم بطريقة علمية مأمونة. (٣)

стр. 17331

- وأيضا فإن الزوجة التي يعاني مبيضها نوعًا من الفقر البييضي، فلا تنتج إلا بييضة واحدة - مهما أعطيت من الأدوية المنشطة للإباضة - فإذا تم تلقيح هذه البييضة، فإن فرصتها في الحمل تهبط هبوطًا كبيرًا، لأنها قد لا تنغرس في الرحم.. ولا توجد بييضات أخرى ملقحة غير هذه البييضة حتى يعاد غرس غيرها مرة أخرى- كما هو الحال في أطفال الأنابيب - لذلك قالوا: إنه من الممكن أن نفصل بييضتها الملقحة في بواكير انقسامها إلى جنينين، ثم نفصل كلاًّ منهما إلى جنينين أيضًا، وهكذا حتى نوفر عددًا كافيًا من الأجنة يودع في رحمها منه أربعة ويحفظ ما زاد من الأجنة (التوائم) في التبريد العميق ليكون رصيدًا احتياطيًّا يستعمل في مرات قادمة، أو مرات، إذا لم تسفر الزرعة الأولى عن حمل. ٢ - كما قال المؤيدون: " إن هذه الطريقة لها فائدة أخرى للنساء اللائي تعاني نوعًا من الفقر المبيضي، وذلك في مجال تشخيص مرض جنيني محتمل قبل أن يودع الجنين الباكر، المكون من عدد صغير من الخلايا إلى الرحم لينغرس، فقد جرى الأمر على فصل خلية من هذا الجنين لإجراء تشخيص عليها، فإذا كان الجنين صحيحًا معافى غرس، وإلا أهدر، لكن أخذ خلية من جنين باكر ذي عدد محدود من الخلايا فيه خطر على الجنين، بينما لو فصلنا هذا الجنين إلى توأمين، بطريقة الاستتئام هذه، فإننا نستعمل نسخًا - توأمًا - للتشخيص، والآخر للزرع كاملًا غير منقوص ". (١) أي أننا نهدر واحدًا من الأجنة تحقيقًا لمصلحة الآخر. جـ - العيوب التي تنتج عن استخدام هذه الطريقة (الاستتئام) : أفاض بعض العلماء في ذكر العيوب والمثالب التي تترتب على الاستنساخ (الاستتئام) وكان من بين ما أثاروه من عيوب ما يلي: ١ - إن طريقة الاستتئام هذه تفضي إلى وجود أجنة فائضة ليس أمامها إلا الموت، أو الاستزراع في أرحام سيدات أخريات، فإن تركت للموت؛ كان مؤدى هذه الطريقة هو التسبب في إنشاء حياة، ثم إسلامها إلى الموت!! وإن أودعت الأجنة الفائضة في أرحام نساء أخريات غير الأم؛ كان مؤدى ذلك أن تحمل أنثى جنينًا غريبًا عنها، لا هو من زوجها - لأن الحيوان المنوي ليس من زوجها - ولا هو منها في نطاق عقد زواج. (٢) أقول: وكل ذلك يمنع شرعًا وعقلًا، وخُلقًا وعادة؛ لأن التسبب في الموت جريمة، ولأن انتماء الجنين إلى غير أبويه جريمة. ٢ - إن النسخ الفائضة عن الحاجة "يمكن حفظها في التبريد لآماد طويلة، وربما زرعت النسخة (المبردة) في وقت أجل في رحم، في الوقت الذي يكون توأمها - النسخة الأصل - قد بلغ من العمر سنوات، وهي تقانة ستفضي بالتأكيد لا إلى سوق - بورصة - جينية فحسب، بل إن المشترية تستطيع أن ترى شكل جنينها مستقبلًا بالاطلاع على صورة لتوأمه - النسخة الأصل - الذي يكبره بسنوات، وقد تنتقي جنينها من (كتالوج) يحمل صور النسخ التي عمرها سنوات، من الفائضة عن الحاجة من الأمهات والآباء الذين أخذو النسخة أصل، وتركوا الباقي مبردًا ". (٣)

стр. 17332

أقول: وأيضًا فإنه يمكن أن يموت الأب، الذي لقح حيوانه المنوي بييضة زوجه، وتم استنساخ هذه الخلية، يمكن بعد موته أن تطلب الزوجة التي مات عنها زوجها أن تضع هذه النسخة - التوأم- في رحمها، لتنجب منه طفلًا أو أطفالًا آخرين، هم في الظاهر أشقاء لأبنائها منه، مع أن الشرع والعقل يقضي بأن من ينتمي إلى الميت، والمستحق لحقوقه من ميراث وغيره ينحصر في الموجودين فعلًا وقت حادثة الموت، أما الجنين فلابد من أن يكون عالقًا في رحم أمه حتى يأخذ هذه الحقوق، ومن ثم وضع الشرع له مدة من الزمن، إذا ولد فيها كان ابنًا له، أو أخًا - حسب حالة القرابة - فإذا تجاوز هذه المدة، أو كانت المرأة غير حامل إطلاقًا عند الموت، فإن الصلة قد انقطعت بينهما، ولا يحل لها أن تستدخل في رحمها هذه النسخة؛ التوأم. ٣ - إن هذه البحوث إن استطردت بغير معوقات، فمن المؤكد أن تلك الأجنة النسخ ستستخدم كوسيلة تأمين على الحياة أو على الصحة، فإذا حملت الأم، واختزنت منه نسخة تحفظ بالتبريد، فإن هذه النسخة قد تدعو الحاجة إليها إن مات الطفل، وأراد والداه أن يعوضاه بطفل مماثل له تمامًا. أو قد يحتاج الطفل في المستقبل إلى زرع عضو أو نسيج، وتعوق ذلك مشكلة المناعة إن عز العثور على الزرعة الموائمة، فتزرع النسخة التوأم الاحتياطية، وتنمو ليؤخذ منها العضو أو النسيج المطلوب، ونظرًا للتطابق بينهما، فمن المؤكد أن الزرعة سيقبلها الجسم المنقولة إليه دون احتمال رفضها مناعيًّا. ويقول الأستاذ الدكتور حسان حتحوت: " وهل من الجائز أن تنشأ حياة ثم تهدر من أجل إنقاذ حياة أخرى؟ " (١) أقول: إن حياة الإنسان مصونة ومعصومة لا تمس إلا بحق - ولو كان جنينًا ولو في مراحله الأولى - قال تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ [الإسراء: ٣٣] ، والجنين نفس، لها حياتها ولها حقوقها شرعًا؛ وقال ﷺ : ((إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم ... حرام عليكم كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا ... )) (٢) وليس من الحق شرعًا أن نأخذ من جنينن عضوًا، أو نسيجًا، أو غيرهما؛ لينتفع به شخص آخر، ولو كان المنتفع أبًا له، أو أمًا، أو ابنًا، أو بنتًا، أو أخًا، أو أختًا ... أو غير ذلك من القرابات، قربت أم بعدت، لأن عصمة النفس الإنسانية معناها أن هذه النفس يمنع الاعتداء عليها، ويرتب الشرع على كل اعتداء عليها عقوبة أو ضمانًا؛ إذ هي بنيان الرب، وملعون من هدم بنيانه. (٣) ٤ - وقال البعض: إن قدرة الجنس البشري على البقاء في حياته الأرضية اعتمد بدرجة كبيرة على التنوع الجيني، وفتح باب الاستنساخ خطوة في عكس الاتجاه؛ إذ سيكون الاتجاه إلى إنجاب الذراري المتشابهة جينيًّا، وذات الصفات الوراثية المتميزة مع الاستغناء - عن طريق الإجهاض - عن الأجنة التي لا تتمتع بهذه الصفات، مما سيزيد في ترخيص الحياة البشرية، خاصة في بلاد مثل أمريكا، إذ تتم بها كل عام مليون ونصف المليون من عمليات الإجهاض؛ لأسباب تافهة، أو لغير سبب على الإطلاق، وبذلك تدخل البشرية حقبة جديدة لا يكون الطفل فيها مرغوبًا من والديه بدافع غريزة الوالدية، لأنه ضناهما وفلذتهما، لكن بشروط ومقاييس وصفات وراثية، إن توفرت فبها ونعمت، وإن لم تتوفر فلهما عنه مندوحة. (٤)

стр. 17333

حكم الاستتئام في الفقه الإسلامي: على ضوء ما بيناه آنفًا يتضح لنا أن فوائد هذا النوع من الاستساخ الجديد (الاستتئام) تظهر في علاج العقم، وفي المساعدة على تشخيص مرض جنيني محتمل، قبل أن يودع الجنين الباكر.. إلى الرحم، عن طريق فصل خلية من هذا الجنين لإجراء تشخيص عليها، فإذا كان الجنين صحيحًا غرس، وإلا أهدر. وأن من عيوب هذه العملية أنها تفضي إلى وجود أجنة فائضة عن الحاجة ليس أمامها إلا الموت، أو الاستزراع في أرحام سيدات أخريات لا علاقة لهن بهذه الأجنة، كما أنه يمكن تبريدها وتركها مدة طويلة، ثم استزراعها بعد أن يبلغ عمر النسخة الأولى - الأصل - عدة سنوات.. وأشرنا إلى ما ذكره العلماء من مخاطر حول وجود هذه الأجنة. فإذا نظرنا إلى حكم هذا النوع من الاستنساخ في الفقه الإسلامي فلابد من أن نبرز الحقائق التالية: أولًا: أن الاستنساخ الجديد (الاستتئام) قد تم حسب المنهج الطبيعي للتناسل بين الزوجين وهو (حيوان منوي ناضج من الزوج لقح بييضة ناضجة من الزوجة) وإلى هنا فالأمر طبيعي. ثانيًا: ولكن بعد هذا التلقيح وعند بداية التكاثر إلى خلايا تدخل العلم ففصل الخلية عن أختها، بالأسلوب العلمي الذي ذكرناه، وأصلح جدار الخلايا التي انفصلت، ثم غطاها، ثم أخذ يستنسخ كل واحدة منها على حدة.. وهكذا، لتصبح كل واحدة منها جنينًا. ثالثًا: عند غرس إحدى هذه الخلايا في الرحم فإنها تواصل مسيرتها الطبيعية في تكوين الجنين بإذن الله تعالى. أقول: إن الأمر إلى هنا لا يظهر فيه إلا مخالفة واحدة عن المنهج الطبيعي، وهي العمل على فصل الخلايا عن بعضها بإذابة الغشاء البروتيني السكري المحيط بالخلايا بواسطة (أنزيم ومواد كيماوية، ثم إصلاح جدار الخلايا وتغطيتها ... ) وإلى هنا فإننا إذا سلمنا ألا تأثير على أي خلية من الخلايا أثناء عملية الفصل، وعملية التغطية.. وبخاصة أننا نتعامل مع (خلية) بالغة الدقة تحتوي على كل ما في الإنسان، وأن كل ذرة كائنة في الخلية تمثل جزءًا من أجزاء الإنسان، وأن أي عطب يصيبها يصيب جزءًا من الإنسان، ومن ثم يشكل ذلك اعتداء على الجنين.

стр. 17334

أقول: فإنه إذا قطع الأطباء بسلامة كل خلية من هذه الخلايا بعد فصلها، وتغطيتها؟ أنها لم ولن يعتريها تخريب، أو عطب، أو أي أثر ضار عليها من قريب أو من بعيد، فإنها قد تتشابه من وجه - وهو بداية التلقيح، أو مرحلة الجنين الأولى - مع (طفل الأنابيب) الذي أخذ حظه من الدراسة الفقهية، وسلم فقهاء الشريعة في المجامع الفقهية بجوازه إذا كان بين زوجين، وعلى يد طبيب مسلم حاذق تتوافر فيه صفة العدالة، وتحت مظلة من رعاية وإشراف دولة مسلمة، صيانة وحماية للنفس الإنسانية، وحفظًا للأنساب، ومنعًا من الاتجار بها، وقد كان للمنظمة الإسلامية للعلوم الطبية دور بارز في تناول هذه القضية في وقتها، وعلى ضوء ما رأته صدر تنظيم قانوني لهذه العملية في دولة الكويت , على حد علمي. ولكنها تختلف عنه بعد ذلك اختلافًا جوهريًّا، فإن الأمر هنا في الاستتئام يختلف عن طفل الأنابيب، إذ كل طفل من أطفال الأنابيب يتكون من بييضة ملقحة بحيوان منوي، فلكل طفل ذاتيته، وصفاته وخواصه، وحياته الطبيعية، وتدرجه في الأطوار، دون تدخل أو مساس بمسيرته الذاتية. أما في حالة (الاستتئام) ففي الحقيقة هو جنين واحد مكون من تلقيح بييضة بحيوان منوي، وعندما يأخذ في التنامي والتكاثر تتدخل الأيدي فتفصل كل خلية من خلاياه عن الأخرى، ثم الخلية المنفصلة يجري عليها ما جرى على الأولى، وهكذا حتى يصبح عندنا من جنين واحد عشرات الأجنة، وجميعها في واقع الأمر ترجع إلى ذات واحدة وصفات وراثية واحدة وخواص واحدة، أي هي إذا صح التمثيل كشخص واحد وقف أمام عدة مرايا، فانعكست صورته في كل مرآة لتردها إلى الأخرى حتى يرى نفسه عشرات المرات. ومن هنا يختلف طفل (الاستتئام) عن طفل (الأنابيب) ويقترب من طفل الاستنساخ التقليدي؛ إذ الأخير كانت خليته جسدية بها (٤٦) كروموزومًا، والبييضة منزوعة النواة هي الحاضنة فقط، وكلما كررنا الخلية الجسدية في بييضة منزوعة النواة نتج عنها نفس الشخص بجميع صفاته، ثم إنها أيضًا في طفل (الاستتئام) وقد اتحدت الذات والشكل والصورة، يلزم أن تتحد البصمات أيضًا، ويصبح لدينا تحت ظل (الاستتئام) أناس متعددون جسمًا، وقد يختلفون عمرًا، ولكنهم متحدون في أشكالهم وصفاتهم. ويترتب على ذلك اضطراب في معرفة أصحاب الحقوق، ومن نحملهم الواجبات، ومن يعاقبون، إذا حدث التناكر والتهرب من الاعتراف بالحقيقة، أو ادعاء ذلك، كما أنه إذا ظهر عيب في واحد منهم فإنه سيتكرر في كل واحد منهم، ولا يملك أحدهم إعدام الآخرين، لأن للجنين حرمته. (١) وقد سبق أن قررت المنظمة الإسلامية للعلوم الطبية "أن الخلايا الجنينية هي: الخلايا الجنينية الباكرة لإنسان الغد، والاعتداء عليها اعتداء على الإنسان، وهي حياة محترمة في كل أطوارها تتدرج عقوبتها بسبب أطوارها ". (٢) أما من حيث انتماء أطفال الاستتئام إلى الأب والأم - أي الزوج والزوجة - فلا ريب في اتصال نسبهم بالزوج - الأب - صاحب الحيوان المنوي، وبالزوجة - الأم - صاحبة البييضة الملقحة بهذا الحيوان، والحاضنة للخلية الأصل، طالما تم غرس هذه الأجنة في رحم الزوجة تحت ظل الزوجية الصحيحة والقائمة التي لم تنفصل عراها بطلاق أو غيره، أو موت الزوج.

стр. 17335

النوع الثالث: الاستنساخ العضوي، والخلوي، والجيني بين لنا العلماء المتخصصون (١) أن هناك نوعًا ثالثًا من الاستنساخ، يقتصر دوره على إنتاج عضو معين من الأعضاء، أو استنساخ جين معين من الجينات، أو استنساخ خلايا (٢) وقد عرف الدكتور أحمد رجائي الجندي الاستنساخ العضوي بقوله: " يقصد به استنساخ بعض الأعضاء التي يحتاجها الإنسان في حياته في حالة حدوث عطب في أحد هذه الأعضاء ". ثم ذكر أنه قد نجحت حتى الآن زراعة الجلد البشري، ويوجد بنوك لهذا الجلد في معظم العالم، ثم يقول: "ومن المعروف أن الجلد يعتبر أحد الأعضاء الهامة والتي يتوقف عليها إنقاذ إنسان تعرض جسده بنسبة كبيرة للحروق، وكما ذكر أحد الباحثين، إمكانية النجاح في استنبات المبايض والخصي الذكرية البشرية مخبريًا، بحيث يمكن الحصول منها على بييضات ونطف بشرية ". (٣) ثم ذكر لي في محادثة تليفونية معه " أن ما نجحوا فيه بالنسبة للجلد هو استنبات الأنسجة فقط، أما ما يحتويه الجلد من أعصاب وشرايين وغير ذلك فإنه لم يحدث، وكذا ما تحدثوا عن إمكانه بالنسبة لاستنبات المبايض والخصي، لم يحدث أيضًا حتى الآن ". وتقول الدكتورة صديقة العوضي: " إن استنساخ الأعضاء أمر مستبعد، لأن عملية تكوين الأعضاء داخل الجنين تخضع لعوامل وراثية، أو مورثات مسؤولة عن تكوين هذه الأعضاء ما دامت داخل الجنين. إنه بدراسة علم الأجنة (Embryology) كل طبيب يعلم كم من المراحل المتعددة تتعاقب في توال ونظام محكم لتصل في النهاية للكائن الحي بأعضائه، وأن أي خطأ - ولو كان صغيرًا - يؤدي إلى التشوهات الخلقية، على هذا الأساس فإنه لو زرعت نواة الخلية الكبدية في بييضة فارغة، فإنها بالتالي ستنتج مستنسخًا كاملًا - أي جنينًا - وليس كبدًا فقط، أما إذا زرعت الخلية في وسط المعمل فإنها تنتج كلون (Clone) مكونًا من صنف واحد من الخلايا الكبدية (Manclonalcells) وليس كبدًا بكل أوصافه وأشكاله ووظائفه المختلفة، قس على ذلك جميع الأعضاء ".

стр. 17336

ومثل ذلك ما قرره الدكتور مختار الظواهري أستاذ الوراثة الطبية بكلية العلوم بجامعة الكويت (١)

стр. 17337

حكم استنساخ العضو في الفقه الإسلامي: تبين لنا مما تقدم أن استنساخ عضو معين فقط دون استنساخ كل الجسم، كالقلب، والكبد، والكلية، واليد، والرجل، والعين، والأذن، والجلد ... وغير ذلك بكل خواصه التي أودعها الله فيه، غير ممكن علميًّا؛ فبعضهم استبعده، وبعضهم جعله أملًا كاذبًا، أو أنه غير ممكن، بل ومستحيل، كما نقلنا عنهم آنفًا، وهم أهل الاختصاص في هذا الفن. - أما استنساخ الأنسجة فقط، فيمكن - كما حدث في الجلد - ونسخها حينئذٍ يتم معمليًّا، كما ذكرت الدكتورة صديقة العوضي، من أنه إذا زرعت خلية كبد في وسط المعمل فإنها تنتج (كلون) مكونًا من صنف واحد من الخلايا الكبدية، وليس كبدًا بكل أوصافه وأشكاله ووظائفه المختلفة، قس على ذلك جميع الأعضاء. أقول: إن ما يصل إليه العلم من استنساخ شيء من أنسجة الأعضاء منفصلًا عن استنساخ جسم الإنسان كله , كما هو الحال في الاستنساخ التقليدي معمليًّا - على الوجه الذي أوضحناه - فإنني لا أرى مانعًا شرعيًّا من المضي فيه، وإنتاجه، ولكن بقيود: أولها: أنه من خلايا الإنسان الذي كرمه الله تعالى وعصم دمه، ومنع المساس به إلا بحق، وجعل كل دمه وبشرته حرام على غيره، وحرم ورود العقد عليه من بيع أو غيره، وعلى أجزائه كذلك. (١) فهي بمنزلته في التكريم والعصمة، وقد سبق أن أوردنا الأحاديث الدالة على ذلك، ومنها: ((كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه)) . وقوله ﷺ : ((إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا)) . وثانيها: أن انتفاع الإنسان بنسيج من أنسجته، لعلاج ما قد أصابه من مرض، أو حادث - كما يحدث في حال تآكل جلد من أصابته النار فاحترق بعض جلده - جائز شرعًا، بل ومطلوب حتى تعود - بإذن الله تعالى - بشرته وجلده على ما كان عليه قدر الإمكان. وثالثها: أن انتفاع الغير بذلك النسيج مشروط بالحاجة الملحة فقط، وقد تنزل الحاجة منزلة الضرورة، وبخاصة أن توافر استنساخ هذا النسيج من نفسه لنفسه في وقت معين، قد يحتاج إيجاده إلى وقت بعيد، مما قد يؤدي إلى الإضرار به، إلا أنه مع ذلك يجب الاطمئنان إلى عدم نقل هذا النسيج مرضًا من الأمراض المعدية التي قد يكون صاحبه مصابًا بها، وأن يأذن له به. هذا ما أردنا إبرازه في هذا المجال، والله ولي التوفيق. ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ . [البقرة: ٢٨٦] صدق الله العظيم. أ. د حسن علي الشاذلي

стр. 17338

نظرة في الاستنساخ وحكمه الشرعي إعداد آية الله محمد علي التسخيري رئيس رابطة الثقافة والعلاقات الإسلامية بإيران نظرة في الاستنساخ وحكمه الشرعي ما هو الاستنساخ؟ يقسم العلماء (١) الاستنساخ إلى نوعين: تقليدي وجديد. أما التقليدي منه فيعني الحصول على عدد من النسخ طبق الأصل من نبات أو حيوان بدون حاجة إلى تلاقح خلايا جنسية ذكرية أو أنثوية. وتتم من خلال إدخال نواة من أي خلية من خلايا الجسم كخلية جلدية مثلًا إلى داخل بييضة ناضجة بعد أن يتم إخلاؤها من نواتها، فإن النواة الجديدة تشرع في الانقسام في اتجاه تكوين خلايا جلدية ولكن (بتأثير من السائل الخلوي السيتوبلازمي) , تشرع في تكوين جنين سيكون نسخة طبق الأصل ممن أخذنا عنه الخلية. وأما الجديد فإنه يعتمد على المنع من تمزق الجدار الخلوي السميك للمنع من الانقسام المعهود في الخلايا الجنسية ذلك أن الحالة الطبيعية المعهودة هي أن يخترق الحيوان المنوي الذكري (الذي يحمل نصف عدد كروموزومات الخلية الإنسانية) البييضة الناضجة (التي تحمل النصف الآخر) لتكمل في الخلية الناتجة الكروموزومات الـ ٤٦ وهي كروموزومات الإنسان، وهذه الخلية الناتجة من الالتحام تتكاثر إلى خليتين ثم أربع ثم ثمان ثم ست عشرة ثم اثنتين وثلاثين ... وهكذا، ولكن العلماء يركزون على الخلية الناتجة من الالتحام فيمنعون من تمزق جدارها الخلوي، فإن النواة تنقسم إلى قسمين وكل قسم يتصور نفسه النواة الأم وتبدأ في النمو إلى جنين وتتطابق الأجنة تمامًا في الصفات. والملاحظ: هنا أن هذا الأسلوب بشكليه التقليدي والجديد لا يستغني عن تلاقح الحيوان المنوي الذكري والبييضة الأنثوية ولو في المراحل السابقة، أما في الشكل الجديد فواضح، وأما في الشكل القديم فلأن النواة المجلوبة من الجلد مثلًا إنما نتجت بعد تكاثر خلية ملقحة سابقًا. وقد ثارت ضجة عالمية حول هذا الموضوع، وانقسم العلماء الطبيعيون والاجتماعيون والفقهاء إلى مؤيدين ومعارضين ونسجت خيالات القُصَّاصِ الكثير من الأوهام، وراح (الأرايتيون) كما يسميهم الدكتور حتحوت يفترضون ويفترضون.

стр. 17339

وقبل أن نلقي نظرة على الموضوع نرى ضرورة التذكير ببعض الأمور. الأول: أن كل حدث جديد - وخصوصًا إذا كان يتصل بمسألة حياتية كهذه مما يغير مجرى الحياة البشرية - لا بد أن يثير أجواء عاطفية ويغرق الأفكار في افتراضات وتخمينات بعضها رائع وبعضها مرعب ولكل بعض يتكون أنصار ومؤيدون، وفي هذه الأجواء ربما لا يستطيع الباحث أن يدرس الموضوع بكل موضوعية وتجرد وإنما يجنح مع هذا الفريق أو ذاك دون أن يشعر. ولذا فمن البعيد التوصل إلى رأي اجتماعي أو علمي أو فقهي موضوعي في هذه المرحلة. الثاني: أن الأبحاث العلمية لا يمكن منعها والوقوف بوجهها خصوصًا إذا كانت بهذا المستوى من التأثير الواسع، وإذا كانت تطل على عالم مجهول لتفتح مغاليقه ومجاهيله؟ فيجب التأمل كثيرًا قبل إصدار الأحكام المطلقة، ويجب أن نضع في الحسبان تلك الحالات التي سنواجهها شئنا أم أبينا. الثالث: قد نجد بعض الافتراضات نتاجًا للخيال القصصي المجنح مما يؤثر سلبيًا على سلامة الدراسة كما أن بعض الافتراضات تحذر من أنماط الاستغلال السيئ، الأمر الذي يدفع الفقهاء والشرعيين للتحريم المطلق سدًا للذرائع، وقد مررنا من قبل بموضوع التلقيح الصناعي والافتراضات التي طرحت حوله ثم استسلم الفقهاء للأمر الواقع وراحوا يدرسون كل حالة على حدة بمنأى عن الضجيج والافتراضات، ومازال البحث فيه غير ناضج كما نعتقد. الرابع: إن المنهج الصحيح هو دراسة نفس الحالة أولًا ومدى انطباق العناوين المحللة أو المحرمة عليها ثم محاولة معرفة النتائج المتوقعة والعوارض الناتجة لمعرفتها خلال أحكامها المعروفة، وقد تتشابك النتائج الحسنة والسيئة منها، مما يدعو إلى التأمل وملاحظة الأغلبية الساحقة في البين. الخامس: يجب أن نعترف بأن الأخصائيين الطبيعيين لهم الحق وحدهم في تقرير الآثار العلمية المخربة أو الإيجابية لهذا الأسلوب ولا نستطيع نحن أن نقرر شيئًا إلا بعد انتهائهم من بحوثهم، نعم إذا انتهى هؤلاء إلى نتائج ولو كانت شبه قطعية أمكننا أن نلاحظ مدى انسجام هذه الآثار مع معتقداتنا ومع قيمنا ومع مبادئنا الإسلامية ونظريتنا السياسية والاجتماعية وتخطيطنا للحياة. ومن هنا فلا ينبغي التسرع في الحكم ما دامت النتائج العملية غير قطعية.

стр. 17340

بعد هذا لا بد من أن نلقي نظرة سريعة على آراء المؤيدين والمخالفين، ثم نحاول الترجيح بما لا يخرج هذا البحث عن كونه مجرد إلقاء نظرة على الموضوع: آراء المؤيدين: ويركز المؤيدون على نقطتين أساسيتين هما: أولًا: عدم توفر ما يمنع من القيام بهذه العملية من الأدلة الشرعية. وثانيًا: الآثار الإيجابية الكبرى التي يتوقع حصولها والآفاق العلمية التي ستنفتح أمام الإنسان، وهم بهذا الصدد يذكرون أمور كثيرة، منها: أ- المعلومات الضخمة التي سيكسبها العلماء في مجال تمايز الخلايا، ومعرفة جذور أمراض السرطان، والآثار السلبية الوراثية، وعوامل المناعة، وأسباب الإجهاض، ووسائل منع الحمل، وأمثال ذلك. ب - الآثار التي سيتركها هذا الموضوع في مجال منح الأطفال للأزواج المبتلين بالعقم. جـ- أنه سيساعد بشكل كبير في التحكم بسلامة الجيل الآتي وتحسين حياته. د - أنه سيساهم في مسألة الاستفادة من الخصائص المتميزة للأفراد وتكثيرها. هـ - أنه سيساعد في إنجاح الدراسات بعد إجرائها على أناس متطابقين، وذلك للتأكد من سلامة النتائج. ويضيف هؤلاء المؤيدون أن الاستنساخ عملية طبيعية قد تحدث بشكل طبيعي عند بعض الحيوانات. كما يؤكدون أن العلم ملك للجميع ولا يمكن إيقاف بحوثه وحرمان البشرية من نتائجه. وهنا نجد الإغراق أحيانًا في الخيال بتصور مجتمع خال من الأمراض متحكم في عناصره، يحوي سلالات معرفية واسعة وما إلى ذلك.

стр. 17341

آراء المعارضين: وهؤلاء أيضًا يستفيدون من الخيال المجنح لبيان الأضرار المتوقعة من هذه العملية بل يفرقون المؤيدين في هذا المجال، ومن الأمور المطروحة، ما يلي: أ- يستلزم اختلاط الأنساب. ب - يعني تغيير خلق الله. جـ- يعني التقاء المياه الأجنبية. د - إنه التدخل في خلق الله. هـ- إنه يؤدي إلى الاستغناء عن الزواج. و استلزامه لإماتة اللقائح وهي مشروعات إنسانية جاهزة. ز - احتمال تهديم المجتمعات وتجريد الإنسان من إنسانيته. ح - إن استمرار البشرية يعتمد على التنوع الجنيني وهذا التنوع يفنى من خلال هذا الأسلوب. ط - إنه يشجع عمليات الإجهاض. ي - تحويل الرغبة الطبيعية في الأولاد إلى الرغبة في الصفات المعينة. الثاني: إن هذه الحالة لا يمكن أن تشكل ظاهرة اجتماعية واسعة، بل هي حالات قليلة - على الأقل في الإمكان الحاضر - ولا مانع حينئذ من وجود أفراد لا يعلم نسبهم أو ينتسبون إلى الأم فقط كما ينتسب ولد الشبهة إلى أمه فلا يلزم منه اختلاط الأنساب - كما يقال - وإنما قد يلزم مجهولية النسب مما يخرجه موضوعًا عن أحكام النسب. الثالث: إن احتمال إساءة الاستفادة موجود بنفس النسبة في موضوع التلقيح الصناعي وقد أجازه كل الفقهاء تقريبًا. ولا نريد أن نؤيد هذه الإشكالات بقدر تأكيدنا على لزوم التأكد من المحذور. أما موضوع تغيير خلق الله تعالى: فقد ذكر أن الآية الشريفة تقول عن الشيطان: ﴿لَعَنَهُ اللَّهُ وَقَالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا (١١٨) وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآَمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آَذَانَ الْأَنْعَامِ وَلَآَمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُبِينًا (١١٩) ﴾ [النساء: ١١٨ -١١٩] ومن الواضح أن الشيطان الرجيم يهدد بالتركيز على مجموعة من عباد الله ليسخرهم لأعماله الشيطانية ومنها تبتيك آذان الأنعام وتغيير خلق الله , وهي أمور مبغوضة للمولى جل وعلا بلا ريب , ولذا يعدها سبحانه من الخسران المبين. فهل هذا العمل الذي نحن بصدده من مصاديق تغيير خلق الله المنهي عنه؟ وهنا يقال بأن التبتيك والتغيير لا يمكن أن يكون المراد به مطلق المفهوم اللغوي لهما، حتى ولو كان بدواع مشروعة عقلانية لا شيطانية، وإلا لكان كل تغيير يحدث في البدن كحلق الشعر أو الختان أو تعليم آذن الإبل أو التجميل من المحرمات، وهو أمر واضح البطلان.

стр. 17342

بل إن التعميم يعني كل تغيير في خلق الله وهذا يعني في تغيير في الطبيعة، فهل نمنع ذلك؟ كلا، فليس المراد هو العموم وإنما المراد - وكما يقول بعض العلماء - عمليات شيطانية خرافية تقوم على أساس من تصورات شيطانية جاهلية يتم بموجبها إهدار للثروات الطبيعية، من قبيل ما جاء في قوله تعالى: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾ . [المائدة: ١٠٣] حيث تبتك آذان البحائر وتترك، يقول العلامة الطباطبائي في الميزان: " إن عرب الجاهلية كانت تشق آذان البحائر والسوائب لتحريم لحومها "، كما يؤكد أنه ليس من البعيد أن يكون المراد بتغيير خلق الله الخروج عن حكم الفطرة وترك الدين الحنيف، مستشهدًا بقوله تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾ [الروم: ٣٠] ، ولعل سباق الآيات يساعد على ذلك، وقد أيدته رواية عن الإمام الصادق (ع) كما جاء في مجمع البيان في ذيل تفسير هذه الآية، وحينئذ لا يمكن أن يستند لهذه الآية الشريفة في رد أي تغيير طبيعي، ومنه موردنا هذا، إذ المراد وهو قسم خاص يتم بتسويل الشيطان وتسويغه. على أنه في الواقع استفادة من قوانين طبيعية فرضها الله في الطبيعة ولا يمكن أن يعد تدخلًا في خلق الله- كما جاء في اتهامات المعارضين - أو يعد تحديًا لله تعالى في خلقه - كما ربما يأتي على ألسنة بعض المخالفين للاستنساخ - وإلا كان علينا أن نسد باب أي إبداع علمي في علم الوراثة في جميع حقول الخلق. أما حكاية التقاء الأجنبية هنا فهي مرفوضة كبرى وصغرى أما كبرى: فلا دليل على حرمة التقاء المياه الأجنبية، وإنما الأدلة كلها تنظر إلى عملية الزنا، إلا ما يتوهم استفادته من روايات تتحدث عن حرمة وضع المني في الرحم المحرم من قبيل ما جاء في الكافي بإسناد معتبر إلى علي بن سالم عن أبي عبد الله الصادق (ع) ، قال: إن أشد الناس عذابًا يوم القيامة رجل أقر نطفته في رحم يحرم عليه. (١) ورواه الصدوق في عقاب الأعمال (٢) وعن البرقي في المحاسن مثله. وما جاء عن الصدوق في (من لا يحضره الفقيه) قال النبي ﷺ : ((لن يعمل ابن آدم عملًا أعظم عند الله ﵎ من رجل قتل نبيًا أو إمامًا، أو هدم الكعبة التي جعلها الله قبلة لعباده، أو أفرغ ماءه في امرأة حرامًا)) . إلا أن أمثال هذه الروايات بالإضافة لضعف سندها ناظرة بلا ريب إلى عمليات الزنا خصوصًا إذا لاحظنا العذاب الشديد المذكور فيها فلا يحتمل أن العذاب إنما هو لمجرد إيصال ماء الرجل إلى رحم يحرم عليه. وشموله لموردنا من حيث الصغرى أيضًا غير صحيح، فليس هنا التقاء ولا انعقاد - كما هو واضح - إلا أن يقال: إن المورد هو بحكم انعقاد النطفة فيقاس عليه، وهنا يقتصر على المورد الذي يحل فيه هذا الانعقاد. أما موضوع الاستغناء عن الزواج فإذا افترضنا أن الأمر فيه تيسر إلى هذا الحد - وهو بعيد - فإن دواعي الزواج لا تقتصر على الاستيلاد أولًا، على أن الاستيلاد من طريق الزواج هو المطلوب للإنسان قبل كل شيء، ولا يُلجأ لمثل هذه الطرق إلا استثناء.

стр. 17343

أما مسألة اللقائح المتعددة وإعدامها فالذي يتصور في البين أن هذه اللقائح لا ينطبق عليها أنها أناس، وأن إعدامها غير مشمول لأدلة حرمة القتل، أو أدلة دية الجنين، وأمثال ذلك. وأما مسألة احتمال تهديم المجتمعات، أو تجريد الإنسان من إنسانيته فهو مسألة لا دليل عليها، بل إن عملية إنقاذ بعض المجتمعات أو بعض العوائل من أمراضها الوراثية وتقوية الصفات الجيدة مطروحة هنا، وكذلك مسألة التنوع الجنيني فإنه أولًا لم يثبت التطابق التام إلى حد ينتفي معه أي تنوع، على أن اختلاف البيئات والعوامل الخارجية لا بد أن تؤدي إلى نوعٍ من الاختلاف. ونحن نتصور أن عمليات الإجهاض إنما يتحكم فيها القانون والشريعة، تمامًا كما هي الحال في وضعنا الحالي. ومسألة الرغبة الطبيعية في الأولاد سوف تبقى، لأنها نابعة من عمق الفطرة الإنسانية، ولسنا نتصور الإنسانية آلة صماء لا تحكم إلا ما خطط لها من قبل، دونما رحمة أو عواطف أو دواعي فطرية. أما احتمال أن يعرف التوأم الصغير مستقبله من خلال حياة التوأم الكبير، فهي قد تكون مشجعة على تلافي الوقوع في المرض من خلال الرصد المبكر لها. وتبقى المسألة الشرعية للإرث والنظر والعلاقات الاجتماعية، فهي أمور يجب أن يسعى الفقه الإسلامي لبيان موقفه فيها بدلًا من التخلص من التبعة عبر إغلاق الباب من الأساس، وحرمان العلم الإنساني النتائج الباهرة لهذه البحوث. وأخيرًا تبقى مسألة التطبيق السيء لهذا الكشف والاستغلال السيء له فهذا أمر بيد الإنسان يستطيع أن يتجنبه ويتحاشاه عبر بناء الخلق الاجتماعي الرصين، والروح الإنسانية النزيهة، ولا يمكننا أن نغلق بابًا للخير لأن هناك من يستفيد منه للشر. وهنا نعود لما ساقه المؤيدون من أدلة، فنراها أدلة قوية محكمة ينبغي التأمل فيها ودراستها، وخصوصًا ما ذكروه من أن العلم للجميع، ولا يمكن حرمان البشرية من نتائجه لمجرد احتمالات وظنون وافتراضات، تقابلها ظنون إيجابية واحتمالات إثباتية مقبولة. نعم: يجب أن تخلو الأساليب المتبعة مما يخالف الشريعة من الملابسات التي تقترن بشكل طبيعي بمثل هذه الأبحاث. وأخيرًا: فلسنا نريد أن نصدر حكمًا قاطعًا بهذا الشأن، بقدر ما نريد أن نؤكد على ضرورة عدم التسرع في الحكم ونقله من صفحات الجرائد إلى معاهد البحث العلمي، وتخليصه من الأجواء الحماسية والعاطفية والغوغائية، ونقله إلى حيث البحث العلمي النزيه. والله تعالى هو العالم بالصواب محمد علي التسخيري

стр. 17344

الاستتئام والاستتنساخ الاستتئام والاستتنساخ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ إن الثورة العلمية المعاصرة قد أتحفت البشر بما ليس في الحسبان في عالم النبات والحيوان، وستفضي في المستقبل القريب أو البعيد بما تحمله من تقنية عالية إلى ثورة في المعرفة تقلب الموازين، خصوصًا في عالم التكاثر البشري، فالعلم والعقل لا بد لهما من انطلاق، ولا يجوز أن نحجر على العقل في التفكير وعلى العلم في المواصلة والارتقاء وتقصي الاحتمالات للتوصل إلى الممكن. ولكن لا بد من أن يحكم العلم نظام ويهيمن عليه دستور ليكون في صالح البشرية لا في ضررها وفنائها، ولهذا احتجنا إلى الفقه أو القانون لأجل أن يصرح بكلمته اتجاه هذه الثورة المعاصرة التي لا بد لها من الاستمرار لصالح المجتمع، فإن الدين قادر على مواجهة ومسايرة الحياة وانضباطها بالشكل الصالح للمجتمع. ومن الطبيعي أن يعتمد الفقه أو القانون على أهل التخصص بالعلوم الطبيعية في تشخيص الموضوع الموجود أو الذي يفترض أن يحدث لأن الحكم على شيء فرع تصوره. وهذا الذي ذكرنا هو الطريق الأصلح للعلم الذي لا بد أن لا يترك لوحده يمتطي طغيانه في عالم البشرية الكبير، ولهذا سنعتمد على أهل التخصص في تصوير الموضوع الذي حدث أو الذي يترقب أن يحدث، ثم نعرضه أمام الفقه ليقول كلمته من القرآن والسنة أو قواعد الشريعة المستلهمة منهما. توطئة: كانت هناك فكرة بدأت (بدافع التمييز البشري) في ألمانيا في العقد الثالث من هذا القرن (العشرين) يوم قرر الحزب النازي بقيادة هتلر خلق عرق متميز، ولكن التقنية المتوفرة آنذاك قد خذلته. ثم جاءت نقطة التحول عام ١٩٦٠ م يوم استطاع العلماء استنساخ النباتات.

стр. 17345

ثم في عام ١٩٩٣ م حيث تمكن (جيري هال وروبرت ستلمان) العالمان الأميركيان من إنجاز علمي كبير كشفا عنه خلال اجتماع جمعية الخصوبة الأمريكية بمدينة منتريال بكندا في أكتوبر، وهذا الحدث قد تناول جنين الإنسان رأسًا، وقد حصل هذا الإنجاز العلمي على جائزة أهم بحث في المؤتمر، ثم أعقبه زوبعة من الاعتراضات. وهذا الإنجاز العلمي يطلق عليه اسم (الاستتئام) لأنه يحاول إيجاد التوائم البشرية بطريقة علمية سيأتي شرحها. ثم في عام ١٩٩٥ تمكن علماء يابانيون من دمج خلية جنينية (بييضة) مع خلية جسدية عن طريق تيار كهربائي ليحصلوا لأول مرة في تاريخ الإنسان على نسل لم يتم بالمعاشرة الجنسية (أي طريق تلقيح البييضة بالحيوانات المنوية) . والخلاصة: في العشرة الأخيرة من القرن العشرين شهد العالم حدثين مهمين: الأول: ما حدث سنة ١٩٩٣ م على يد العالمين الأمريكيين وهو (الاستتئام) . والثاني: ما حصل سنة ١٩٩٧ م من استنساخ النعجة (دولي) على يد البروفسور (آيان ويلموت) العالم الأسكوتلندي مع خبراء من معهد روزلين في مدينة أدنبرة البريطانية، وهذا يعتبر تعميقًا لما عمله العلماء اليابانيون من دمج خلية جنينية مع خلية جسدية عن طريق التيار الكهربائي. والآن سنشرح كلا الحدثين المهمين مع رأي الفقه الإسلامي فيهما. الأول: الاستتئام (١) وقبل البدء في بيان طريقة الاستتئام يحسن بنا أن نبين الولادة التي تتم عن طريق الخلايا الجنسية فنقول: الخلايا الجنسية هي المنويات التي تفرزها الخصية , والبييضات التي يفرزها المبيض , وهذه الخلايا الجنسية تختلف عن بقية خلايا الجسم؛ وتوضيح ذلك: إن خلايا الجسم (غير الجنسية) كخلايا الأمعاء والجلد والعظم وغيرها تشتمل على نواة في داخل الخلية هي سر النشاط الحياتي فيها، ويحيط بالنواة غشاء نووي، وتحتوي النواة بداخلها على شبكة مكونة من ستة وأربعين شريطًا تسمى بالأجسام الصبغية (الكروموزومات) ، أما باقي مساحة الخلية فيما بين النواة وبين جدار الخلية فمليء بسائل يعرف بالسائل الخلوي أو (السيتوبلازم) . والأجسام الصبغية (الكروموزومات) الستة والأربعين هي حوامل الصفات الوراثية التي تسمى (الجينات) وهي التي تقرر الصفات الوراثية للفرد.

стр. 17346

وتتكاثر الخلية بالانقسام الذي بموجبه ينشق كل شريط من هذه الأجسام طوليًا إلى نصفين يتمم كل منهما نفسه إلى شريط كامل بالتقاط المواد اللازمة من السائل المحيط به، وهكذا تتكون شبكتان صبغيتان تغلف كل منهما نفسها بغلاف نووي لتصبح هناك نواتان تقتسمان السائل الخلوي ويحيط بكل منهما غشاء خلوي وتصبح الخلية خليتين وهكذا أجيالًا بعد أجيال من الخلايا المتماثلة، فالخلية الجلدية مثلًا تنجب أجيالًا من الخلايا الجلدية، وخلية الكبد تعطي أجيالًا من خلايا الكبد ... وهكذا. أما الخلية الجنسية: فلها خاصيتها التي ليست لغيرها، وذلك فإنها في انقسامها الأخير الذي تتهيأ به للقدرة على الإخصاب، لا ينشطر الشريط الكروموزومي إلى نصفين يكمل كل منهما نفسه، بل تبقى الأجسام الصبغية سليمة، ويذهب نصفها ليكون نواة خلية والنصف الآخر ليكون نواة خلية أخرى، وحينئذ تكون نواة الخلية الجديدة مشتملة على ثلاثة وعشرين من الأجسام الصبغية (لا على ثلاثة وعشرين زوجًا) ، ولهذا يسمى هذا الانقسام بالانقسام الاختزالي، فكأن النواة فيما يختص بالحصيلة الإرثية نصف نواة. (١) والقصد من ذلك: أنه إذا أخصب منوي ناضج بييضة ناضجة باختراق جدارها السميك تممت نواتاهما إلى نواة واحدة ذات ثلاثة وعشرين زوجًا لا فردًا، أي صارت النواة مشتملة على (٤٦) من الأجسام الصبغية كما هي سائر خلايا جسم الإنسان، فكأن المني مع البييضة نصفان التحما إلى خلية واحدة هي البييضة الملقحة، وهي أول مراحل الجنين.

стр. 17347

خصوصية البييضة الملقحة: وهناك خصوصية للبييضة الملقحة تنفرد بها دون سائر خلايا الجسم، وسر هذه الخصوصية مركوز في السائل الخلوي (السيتوبلازم) الذي يحيط بالنواة، إذ بينما تتكاثر خلايا الجسم إلى أجيال لا نهاية لها من الخلايا المتماثلة، فإن البييضة الملقحة تشرع في الانقسام إلى خلايا متماثلة لعدد محدود من الأجيال، فما تكاد تفضي إلى كتلة من اثنين وثلاثين خلية حتى تتفرع خلايا الأجيال التالية إلى اتجاهات وتخصصات شتى ذات وظائف متباينة، وتتخلق إلى خلايا الجلد والأعصاب والأمعاء وغيرها، أي ينحو إلى تكوين جنين ذي أنسجة وأعضاء مختلفة ومتباينة رغم أنها لا زالت تشبه خلايا الأم التي ينشق الشريط الكروموزومي إلى نصفين يكمل كل منهما نفسه، ولكن طوائف من الجينات (الكروموزومات) تنطفئ (بقدرة قادر) فتبقى موجودة (لكنها غير فعالة) في تمايز يتيح لكل مجموعة من الخلايا أن تفضي إلى نسيج أو عضو من أنسجة الجسم وأعضائه المتعددة، هذا كله هو الطريق المألوف للولادة الذي يتم عن طريق التلاقح الجنسي. أما الاستتئام: فهو إنجاز علمي "كشف عنه العالمان (جيري هال) و (روبرت ستلمان) خلال اجتماع جمعية الخصوبة الأمريكية بمدينة منتريال بكندا في أكتوبر عام ١٩٩٣ م؛ تناول جنين الإنسان رأسًا، وحصل هذا الإنجاز العلمي على جائزة أهم بحث في المؤتمر. وخلاصة هذا الإنجاز العلمي هو: أن البييضة الناضجة التي تحتوي على (٢٣ كروموزوما) إذا اخترق جدارها السميك منوي ناضج يحتوي على (٢٣ كروموزومًا) فتلتحم النواتان في نواة تحمل الكروموزومات الستة والأربعين (٢٣ زوجًا) وهي صفة خلايا الإنسان. ثم يحدث انقسام النواة إلى جيل بكر من خليتين، وإلى جيل حفيد من أربع خلايا، وأجيال تالية من ثماني، ثم أجيال من ست عشرة، ثم أجيال من اثنين وثلاثين، ثم يحدث الشروع في التخصص لتكوين أنسجة وأعضاء. وبما أن الانقسام الأول للخلية الأم إلى خليتين يحتوي على تمزق الجدار الخلوي السميك، فيكون عندنا خلية أم أصلية واحدة يتم انقسامها لتكوين جنين واحد، ولكن كشف العلماء في أن الانقسام الأول إذا لم يمزق الجدار السميك فإن كلًّا من الخليتين الناتجتين عن الانقسام الأول تعتبر نفسها، أما أصلية من جديد، وتشرع في الانقسام لتكوين جنين لوحدها، وهذا ما يحدث في الطبيعة في حالات التوائم المتشابهة (أي التي تنتمي إلى خلية أم واحدة) . آية الله محمد علي التسخيري

стр. 17348

الاستنساخ البشري بين الإقدام والإحجام إعداد الدكتور أحمد رجائي الجندي الأمين العام المساعد للمنظمة الإسلامية للعلوم الطبية بالكويت بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الاستنساخ البشري بين الإقدام والإحجام لقد حفل القرن العشرون بتطور تكنولوجي هائل في العلوم الأساسية والذي انعكس بدوره على المجالات التطبيقية وكان نصيب الطب منها حظًّا وافرًا، ولعلي لا أكون مبالغًا إذا قلت بأن ما شهدته الخمسون عامًا الماضية من تطور وتقدم يعتبر أكثر بكثير مما أحرزته البشرية في القرون الماضية، ومن بين ما أنتجته وأفرزته العلوم البيولوجية (الهندسة الوراثية) التي أصبحت حديث الساعة، وتطالعنا الأنباء بتقدم كبير يومًا بعد يوم بل ساعة بعد ساعة، فقد استطاعت هذه التقنية الجديدة في علم الوراثة أن تشرح الكثير مما غمض أو غم على العلماء من قبل، بل هي الآن في مراحل متقدمة سيشهدها القرن الحادي والعشرون بتطبيقات كبيرة في علاج الأمراض المستعصية، فقد أصبح العلاج الجيني قاب قوسين أو أدنى أن يظهر إلى حيز الوجود وتتناقله الصيدليات لاستخدامه في علاج أمراض كثيرة. وقد قدر العاملون في هذا المشروع بأنه في عام ٢٠١٠ سوف يشهد العالم إعلان الخريطة الجينية للجسم البشري، والتي عن طريقها سوف يعرف الكثير من المعلومات الصحية والأسباب المرضية والتوقعات للمسيرة الإنسانية في المستقبل، ورغم أهمية هذا الجانب إلا أنه أثار العديد من المشاكل الأخلاقية المتعلقة بسرية المعلومات وأهميتها ومن له الحق في تداولها وإصدار القرار المبني على معرفتها، إلى غير ذلك من الأسئلة التي يحاول علماء الأخلاقيات والمهتمون بها وعلماء الأديان عاكفين على محاولة الإجابة عنها، والمنظمة الإسلامية للعلوم الطبية تولي هذا الموضوع أهمية كبرى وستدعو في القريب العاجل إلى ندوة لدراسة الحِل والحرمة من منظور إسلامي لكل ما ظهر حتى الآن في هذه الموضوعات. وما لبث هذا الموضوع الساخن والهام يبدأ في تفهمه العامة والخاصة والتشوق لسماع أخباره حتى ظهر موضوع الاستنساخ البشري الذي أثار ضجة كبرى، وتناولته الأقلام بانفعال شديد اضطرت الحكومات ورؤساؤها والبرلمانات وعلماء الأخلاقيات والأديان أن يناقشوا الموضوع تحت ضغط الرأي العام، وصدر العديد من الفتاوى والآراء قبل أن يدرس الموضوع دراسة علمية متأنية، إن موضوع الاستنساخ هو محاولة أنانية للتغلب على الموت أملًا في الخلود باستمرار نسخ الشخص نفسه واستنساخه جيلًا بعد جيل وهذه المحاولات للخلود ليست الأولى فقدماء المصريين كما يحكي لنا التاريخ اعتقدوا بأن الموت مرحلة ستعقبه مرحلة حياة أخرى، ولذلك وضعوا بجانب جثث موتاهم المحنطة ما لذ وطاب من أصناف الأكل والشرب التي كان يحبها المتوفى اعتقادًا منهم بأنه سيصحو يومًا ما فيجد مأكله ومشربه حاضرًا بين يديه، والشيطان عندما أغوى آدم سأله ﴿هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَا يَبْلَى﴾ [طه: ١٢٠] نظرة تاريخية: إن أول من تنبأ بعلم الاستنساخ البشري هو العالم النمساوي هبرلانت، عام ١٩٠٢ حيث قال: التكاثر النسخي سيطبق يومًا ما. ورغم أن نبوءته هذه جاءت في أوائل القرن الحالي ولم يكن علم الوراثة قد استقر بعد إلا أن هذه النبوءة بدأت بوادر تحققها تظهر في أواخر القرن العشرين، وظل الحديث هكذا بين المد والجزر حتى أوائل الستينيات حيث قام البروفسور (إف، سي ستبورد) وزملاؤه في معهد (كورتل) بأخذ بعض خلايا الجزر ووضعها في وسط غذائي دقيق الإعداد يحتوي على حليب جوز الهند فحدث أمر مرعب، حيث بدأت بعض هذه الخلايا بالانقسام كما لو كانت ملقحة، وهي في الواقع لم تكن ملقحة أبدًا، حتى إن بعض الخلايا الناشطة انبثقت منها البراعم وأرسلت الجذور، وفي أوساط غذائية أخرى تفرعت منها أغصان خضراء ونما بعضها إلى أن تحول إلى جزر ناضج طبيعي في كل شيء، ومن هنا أطلق عليها Clones وأصلها يونانية Klan التي تعني الحشد أو الشتل.

стр. 17349

وبعد وقت قصير تم تطبيق التكاثر النسخي على الحيوانات والنباتات وابتداء من أواخر الستينيات واستنادًا إلى العمل الرائد الذي قام به اثنان من العلماء الأمريكيين - الدكتور بريجز، والدكتور كينج - قام الدكتور جوردون من جامعة أكسفورد بتطبيق التكاثر النسخي على الضفدع الإفريقي ذي المخلب، حيث استعمل الأشعة فوق البنفسجية لإتلاف النواة في البييضة غير الملقحة لهذا الضفدع، ثم أدخل في هذه البييضة عن طريق الجراحة المجهرية نوى خلايا جسمية مأخوذة من الضفدعة، وعندها شاهد جهازًا معينًا للإرشاد داخل بلازما البييضة يأمر النواة بالانقسام تمامًا كما لو كانت البييضة قد اكتملت صبغياتها عن طريق التلقيح بالنطفة، واستمر الانقسام إلى أن تشكل ضفدع جديد كامل التكوين. الدكتورة بياتريس منتز (Beatric mintz) من مؤسسة أبحاث السرطان في فيلادلفيا توصلت إلى طريقتين تقاربان الاستنساخ، الأولى: النسخ الناتج عن تفكيك الأجنة، والثانية: دمج الأجنة وتشكيل كائنات لها زوجان من الأبوين بدلًا من زوج واحد. والطريقة الأولى معروفة الآن، وهي نفس الطريقة التي نشرها ستيلمان وهول على الأجنة البشرية عام ١٩٩٣، وسيتم شرحها بالتفصيل فيما بعد. أما تفاصيل الطريقة الثانية أي الالتحام الجنيني فقد توصلت إليها أثناء بحثها عن أوساط بيولوجية مفيدة لدراسة التمايز الخلوي وتشكُّل الخلايا الجنينية. أخذت الدكتورة (منتز) جنينًا ناتجًا عن التلاقح الطبيعي لزوج من الفئران البيض النقية ووضعته في أنبوبة اختبار مع جنين آخر ناتج عن التلاقح الطبيعي لزوج من الفئران السود النقية ثم أضافت في أنبوب الاختبار هذا بعض المركبات الكيماوية المذيبة للمادة التي تربط الخلايا ببعضها فتفككت الخلايا وامتزجت وبعد قليل أخذت تلتصق ببعضها، بغض النظر عن ارتباطاتها السابقة، وكونت هذه الخلايا أخيرًا جنينًا واحدًا. زرعت دكتورة منتز هذا الجنين المركز في رحم إحدى الفئران لتقوم بدور الأم البديلة فتثبت الجنين في الرحم وتطور بشكل طبيعي وولد فأرة سليمة نمت وعاشت بصورة طبيعية، غير أن لونها كان غريبًا بعض الشيء. وبهذه الطريقة تم تشكيل المخلوقات المتعددة الآباء والأمهات. أما الدكتور هيرو شهورن رئيس قسم الوراثة الطبية في معهد جبل سيناء الطبي بنيويورك، وكان رئيسًا سابقًا للجمعية الأمريكية للوراثة البشرية، فقد قال: " إن النسخ ليس فقط ممكنًا بل إن هناك احتمالًا كبيرًا في نجاحه وأعتقد بأن هذا النجاح سيتحقق في وقت أسرع مما يظنه الناس بكثير ".

стр. 17350

ولا شك في أن نسخ البشر أصعب من نسخ الضفادع والجزر، والسبب الرئيسي في ذلك هو أن البييضة البشرية لا بد أن يتم حملها في الرحم بدلًا من تركها على إحدى الصخور أو نقعها في حليب جوز الهند، بالإضافة إلى أن البييضة البشرية أصغر بكثير من بييضة الضفدع وأسرع منها عطبًا لذلك فإن أكبر عقبة تواجه المتخصصين في هذا المجال هي إيصال النواة المتناهية الصغر للخلية الجسمية سالمة إلى داخل سيتوبلازم البييضة، وعندما يتمكن العلم من القيام بذلك فلن يكون هناك ما يمنع نمو هذه البييضة كأية بييضة ملقحة بالطريقة العادية، (هذه المقولة قيلت قبل ظهور طفل الأنابيب، وبعد النجاح الكبير في مجال طفل الأنابيب أصبح التخوف من رفض الأرحام للأجنة المخصبة في غير محله) . وكان العلم قد تمكن من إيجاد وسيلة لغرس البييضة الملقحة في أرحام الأمهات، وقد أجري العديد من التجارب على الحيوانات بهذا الخصوص قبل الإنسان، حيث تمكنوا من تحفيز أبقار ذات صفات عالية لتبيض عددًا كبيرًا من البييضات ثم تم تلقيحها خارج الرحم من ذكور ذات صفات ممتازة لإنجاب أبقار جديدة ذات صفات عالية في الجودة والإنتاج الحيواني من لحم وألبانٍ ومقاومةٍ للأمراض. ماهو الاستنساخ؟ الاستنساخ كما ذكرت المراجع العلمية على نوعين: الأول: التقليدي: وهو عبارة عن نقل نواة خلية جسمية (تحتوي على ٤٦ كروموسومًا) مكان نواة بييضة (تحتوي على ٢٣ كروموسومًا) ويتولى السيتوبلازم المحيط بالنواة الجديدة في البييضة حث النواة المزروعة وتنبيهها على الانقسام، فتبدأ في الانقسام مكونة الخلايا الأولى للجنين الذي سيصبح بعد ذلك إنسانًا هو صورة طبق الأصل من صاحب النواة الجسدية التي زرعت نواته في البييضة، وتصل نسبة التطابق من الناحية المظهرية إلى نسبة كبيرة جدًا، أما الصفات الأخرى النفسية والعقلية والسلوكية وغيرها فستتأثر بالأم الحاضنة والبيئة التي سينشأ فيها وغير ذلك من عوامل النشأة التي اختلفت بين الأصل والصورة. الثاني: وقد ظهر عام ١٩٩٣ من العالمين الأمريكيين ستيلمان وهول حيث أخذا حيوانًا منويًا (يحتوي على ٢٣ كروموسومًا) ولقحا بييضة (تحتوي على ٢٣ كروموسومًا) لينتجا بييضة ملقحة بنواة ذات ستة وأربعين كروموسومًا ثم انقسمت هذه الخلية الملقحة لتعطي أربع خلايا.

стр. 17351

الجديد في بحث ستيلمان وهول الآتي: ١ - أنهما توصلا إلى أنزيم ومواد كيميائية تستطيع أن تذيب الغشاء البروتيني السكري المحيط لهذه الخلايا فانفصلت عن بعضها البعض. ٢ - توصلا إلى مادة جديدة من الطحالب البحرية لإصلاح جدار الخلايا المنفصلة وتغطيتها بحيث لا تفقد صلاحيتها. ٣ - أخذا كل خلية من هذه الخلايا وقاما باستنساخ كل واحدة على حدة لتنتج أربع خلايا مرة ثانية، أي الناتج ست عشرة خلية، ثم فصلا هذه الخلايا واستنسخاها على أربع وستين. ثم جمدا هذه الخلايا والتي هي البداية الأولى للجنين، وأخذا واحدة فقط لتنميتها حتى وصلت إلى ٣٢، خلية ولم يكملا العمل خوفًا من الجوانب الأخلاقية. ستيلمان وهول لم يتمكنا من إنتاج إنسان بسبب أن البييضات التي استخدماها كانت ملقحة مرتين من حيوانين منويين، حيث البييضة تحتوي على عدد كبير من الكروموسومات بسبب تلقيحها من الحيوان الثاني، إلا أنهما حققا هدفًا كانا يسعيان إليه، ويمكن استخدام هذه التكنولوجيا نفسها لبييضة ملقحة تلقيحًا طبيعيًّا لتنتج المطلوب من الأجنة التي سوف تتطور إذا ما وضعت في أرحام الأمهات إلى إنسان كامل. الفرق واضح عن الاستنساخ التقليدي الأول حيث البداية نواة خلية جسدية تنقل إلى بييضة خالية من نواتها، أما النوع الثاني فالبداية كانت من حيوان منوي وبييضة، يمكن أن تكون هذه الطريقة مفيدة إذا تم ذلك من أب حيواناته المنوية معظمها ميت إلا القليل جدًّا منها به حياة، أو ضعيفة أو مصابة بتشوهات، ويمكن أن تكون البيضة من الأم، وفي هذه الحالة يمكن التغلب على مشكلة العقم بطريقة علمية مأمونة. هذا البحث جرى بعيدًا عن أعين اللجان الأخلاقية، وأذيع في أحد المؤتمرات عام ١٩٩٣ وأثار زوبعة من علماء الأخلاقيات وعلماء الدين، إلا أن علماء الخلايا والبيولوجيا منحوه جائزة أحسن بحث في المؤتمر. وقد زعما أنهما أخذا تصريحًا بهذا العمل، إلا أن التصريح لم يكن من أجل هذه التجارب، وهذا ما أفزع علماء الأخلاقيات وطالبوا بوضع حدود معينة للأبحاث في هذا المجال. النوع الثالث من الاستنساخ: هو الاستنساخ العضوي والخلوي والجيني، ويقصد به استنساخ بعض الأعضاء التي يحتاجها الإنسان في حياته حال حدوث عطب في أحد هذه الأعضاء، ولقد نجحت حتى الآن زراعة الجلد البشري ويوجد بنوك لهذا الجلد في معظم دول العالم، ومن المعروف أن الجلد يعتبر أحد الأعضاء الهامة والتي يتوقف عليها إنقاذ إنسان تعرض جسده بنسبة كبيرة للحروق. وكما ذكر أحد الباحثين بإمكانية النجاح في استنبات المبايض والخصى الذكرية البشرية مخبريًّا بحيث يمكن الحصول منها على بييضات ونطف بشرية.

стр. 17352

أما الاستنساخ الجيني: فقد تمكن العلماء منذ فترة قصيرة من اكتشاف أسباب كثيرة من الأمراض الوراثية فإذا أمكن إصلاح هذا العطب في الجين يمكن بعد ذلك استنساخه واستخدامه في العلاج. أما عن استنساخ الخلايا، فقد نجح بشكل كبير في البكتريا، فاستخدامها يتم بالتعاون مع الهندسة الوراثية لإنتاج أنواع لها وظائف فزيولوجية معينة بعد تغيير بعض الأجزاء في حامض النوويك قابل الالتحام، ثم استنساخ البكتريا الجديدة ذات الصفات الفزيولوجية الجديدة. فمثلًا تم تعديل الصفات الفزيولوجية لبعض أنواع البكتريا لكي تنتج أنسولين الآن في المعمل، وهو ما يسمى بالأنسولين البشري. وهناك أنواع أخرى من البكتريا تم فيها تعديل الشفرة الوراثية واستنساخها للتغلب على مشكلة التلوث بالبترول ... وهناك الكثير والكثير. إنتاج الخروف دولي تم أخذ خلية من ضرع الأم واندمجت مع بييضة خالية من النواة لتدخل الخلية الجسمية مع البييضة وتكون الحياة الباكرة للجنين ومن حوالي ٢٧٧ خلية مندمجة، نجح فقط ٢٩ بدأت في النمو في المعمل وتم زرعها جميعًا، وقد ثبتت ١٣ فقط من هذه الخلايا التي تحتوي على خلايا جنينية في رحم النعاج، واستمر ثلاثة في الحمل اثنان أجهضا وماتا والثالث فقط (دولي) هي التي ولدت. الطريقة كانت عشوائية ولا أحد يعرف الأسرار ولا كيف تمت، وقد صرح العاملون في هذا المشروع بأن الهدف الرئيسي لهذا الموضوع هو إنتاج خروف قد تم تعديل حقيبته الوراثية لإنتاج بعض المواد الصيدلية مثل إنتاج بروتين شبيه ببروتين الإنسان أو هرمونات في اللبن. سؤال هام يثور هنا من أن (دولي) أنتجت من خلية من نعجة عمرها ست سنوات، ومن المعروف أن الخلايا لها عمر افتراضي، فهل سيقدر لدولي أن تعيش مثل الخراف العادية أم أنها ستعيش الجزء الباقي من حياة الخلية؟ سؤال ثان: هل دولي سيكون عقيمًا أم لا؟ حيث وجد أن الضفادع المنتجة عن طريق الاستنساخ كانت عقيمة. هذه الطريقة ليست جديدة، فقد سبق أن طبقت على الفئران منذ عشرين عامًا وعلى الأبقار منذ عشر سنوات - إلا أن الجديد أنها على القردة. وهكذا نجد أن الخلايا الجنينية التي استهل بها الانقسام مسيرته كانت لها القدرة العامة على إنتاج الخلايا المتخصصة فمنها تولد خلايا الجلد واللحم والعظم ... فضلًا عن الأوعية الدموية التي تمدها بالغذاء المطلوب لها، والأعصاب التي تضبط حركتها الحية وإفرازاتها الحيوية، والتي يضبطها في نهاية الأمر جهاز مركزي هو أكثر الأجهزة تعقيدًا وكفاءة. والأمر الجدير بالملاحظة أن هذه الخلايا الجنينة بمجرد أن تتحول إلى خلايا ناضجة محددة الهوية يتم قفل برنامج حمضها النووي بما يشبه التأمين الذي يغلق به مغذي الكمبيوتر ملفًّا ما حتى لا يضيع ما اختزنه فيه من معلومات قبل أن يغادر مقعده أمام لوحة المفاتيح والشاشة المضيئة، ولهذا فليس أمام خلية الجلد البالغة مثلًا، إلا أن تنتج جلدًا فقط فهذا هو البرنامج الوحيد المقترح أمامها وذلك لتعويض ما يتهرأ من نسيج الجلد وما يموت من خلايا، فإذا ما أتيح لهذه الخلية أن تسترسل في الانقسام في وسط تغذوي كاف فإنها تصبح قادرة معمليًا على إنتاج أمتار عديدة من الجلد حسب اللون المخزن فيها وهكذا بقية الخلايا.

стр. 17353

إذن السبق العلمي الذي وصل إليه (ويلموت) لإنتاج النعجة أنه أتاح الفرصة معمليًا لخلية جسدية بالغة ومحددة الهوية للعودة إلى صفاتها الجنينية بتعريضها لوسط فقير في مكوناتها الغذائية الأمر الذي أفضى بحمضها النووي إلى أن ينكفئ على نفسه فاضًا ختم تخصصه مستعيدًا ذاكرته القديمة مستردًا قدرته الأولية على إنتاج جنين متنوع الأعضاء كامل النمو متكامل الوظائف، وكأن رجل الكمبيوتر عاد إلى مقعده أمامه ونقر على لوحة المفاتيح بحروف كلمة السر وعلى أثرها انفتحت مغاليق مغارة علي بابا الأسطورية. إن الذي حدث إنجاز تقني وليس بإعجاز علمي، إنه إفراز تكنولوجي وليس علمًا جديدًا أو معرفة أخرى، وعلينا أن نعي هذا رغم اندهاشنا العظيم، ونعي أكثر أن التكنولوجيا يجب ألا تكون بديلًا عن العقل، ويجب ألا ندعها من الآن فصاعدًا أن تفكر لنا وتشير علينا، وإلا فإن نسخ (فرانكشتين) هو الذي سوف يقود خطانا في دروب جهولة سوف تغطي بنا عوالم غير إنسانية. إن الباحث يعمل في شركة دواء تسمى PPL وهذه تحاول أن تنتج بروتينًا معينًا يفرز في ألبان هذه الحيوانات وتستعمل بعض هذه البروتينات كعوامل مجلطة لمرض الهيموفيليا أو سيولة الدم، وبعضها يستعمل كهرمونات مثل هرمون النمو لعلاج التقزم الناتج عن ضمور الغدة النخامية. أو هرمون الأنسولين لعلاج مرض السكر، وبناء على أسلوب الهندسة الوراثية المستحدثة يتم معالجة جينات البييضة المخصبة لأنثى حيوان ثديى، وبعد المعالجة يتاح لهذه البييضة أن تحمل في رحم حملًا طبيعيًا حتى تولد، وعند بلوغها يمكن الحصول على المركب البروتيني المطلوب من إفرازها اللبني. ولم تكن النعجة (روزي) والدة (دولي) إلا واحدة من المحطات الحية لتحضير مركب بروتيني بعينه، ولم تطرأ فكرة الاستنساخ إلا خوفًا على الصفات الوراثية التي اكتسبتها (روزي) من المعاملة الجنسية ومحاولة الحصول على (دولي) بنفس الصفات الوراثية لروزي. إنتاج القردة في نفس الوقت الذي أذاعت الأنباء إنتاج النعجة (دولي) أذيع أن جامعة (أوريجون) أنتجت قردة. أذاع السيد (ريك فينر) و (جون شفارتز) المحرران العلميان في مجلة الواشنطن بوست بتاريخ ٢ مارس ١٩٩٧ ص A٠٤ بأن إنتاج القردة في جامعة أوريجون تم بطريقة استنساخ خلايا جنينية وليست مثل إنتاج النعجة (دولي) ، وقد صرح الدكتور (دون ولف) الباحث الرئيس في جامعة أوريجون الذي كان وراء إنتاج القردة بأن الأبحاث لم تكن مصممة لإنتاج قردة مثل النعجة دولي، ولكن كان الهدف إنتاج قردة توائم متشابهة من الناحية الجنينية لاستخدامها في الأبحاث الطبية، والتي تحتاج دائمًا إلى تشابه كامل في حيوانات التجارب. والطريقة التي تم إنتاج القرود بها تمت على مرحلتين. الخطوة الأولى: تم تلقيح بييضة من الأنثى بحيوان منوي من الذكر بطريقة طفل الأنابيب، وبعد التلقيح وانقسام هذه الخلايا إلى ثمانية قام العلماء بفصل هذه الخلايا عن بعضها البعض. الخطوة الثانية: قام العلماء بانتزاع نواة من تلك الخلايا الجنينية السابقة وزرعوها في بييضة أخرى منزوعة الخلية، وهذه البييضة الجديدة لديها القدرة أن تنقسم لتصبح جنينًا، ثم أخذوا تسعة من هذه الأجنة وزرعوها في أرحام تسع قردة أنثوية؛ ثلاث من هذه القردة حملت، إلا أن جنينًا واحدًا مات، بينما الاثنتان الأخريان ولدتا القردين اللذين ظهرا أمام العالم، ورغم أنهما ولدا من أمهات مختلفة إلا أنهما أخوان، نظرًا لأن البداية كانت من ذكر واحد وأنثى واحدة.

стр. 17354

وأضاف العالمان صاحبا الإنتاج بإمكانية استخدام الاستنساخ مع الهندسة الوراثية للتحكم في الصفات الوراثية المطلوبة من المواليد الجدد. ثم يذكر العلماء بأن هذه التقنية سوف تتغلب على كثير من الصعاب التي تواجه المصابين بالعقم بحيث يمكن التغلب عليه. إن إذاعة أنباء استنساخ الثدييات قد دفع الكثيرين إلى انفعال شديد، والآن هناك لغط حول الموضوع؛ هل إجراء هذا الموضوع صحيح؟ هل هناك حدود يجب الالتزام بها؟ وهل هناك معايير يجب التقيد بها؟ وقد لوحظ أن عددًا كبيرًا من الناس قد دخل النقاش وهم في تهور شديد، وبالتأمل القليل في الإجابات، نجد أن الناس يجيبون باندفاع شديد تحكمهم في ذلك العاطفة أكثر من العقل. الانعكاسات الأخلاقية على الاستنساخ: لقد انقسم العلماء على أنفسهم؛ منهم من يرفض الموضوع رفضًا مطلقًا، ومنهم من يؤيده تأييدًا مطلقًا، ولكل حججه وبراهينه. وفيما يلي سنورد ما ذكره الرافضون: فالرافضون للموضوع يخشون جنوح الأمر أمام الخيال الذي لا حدود له، فعالم الوراثة الكبير (واطسن) الحائز على جائزة نوبل للبيولوجيا يقول: "إن هذا العمل سيؤدي إلى تشويش كبير في النشوء والتطور، وهذا يعني الفوضى الأبدية "، ثم يضيف قائلًا: " إنه لأمر شديد الخطورة أن تسلب ابنك شعوره بذاته كفرد وتفرض عليه أمرًا قد لا يرضاه لنفسه بتدخلك السافر ضد طبيعة الأمور "، ويردف قائلًا: " إن ذلك قد يؤدي إلى تغيير طبيعة الارتباط بين الطفل ووالديه تغييرًا جذريًّا لدى من نشؤوا نشأة دينية، هذا عدا القيم التي يحملها كل فرد، وهي قيم خاصة به كشخص متميز عن غيره من الناس ". أما الدكتور (ليون كاس) الأخصائي في البيولوجيا الجزيئية (Molecular Biology) وآداب البيولوجيا في كلية (صن كوين) في أنا بوليس، وصف النسخ بقوله: "إنه استمرار طابع وراثي معين يحقق استمرارًا مصطنعًا من جيل لآخر، ويمكن تخيل مخاطر هذا الإجراء على الجنس البشري بسيادة البعض وانقراض الآخر ". وقد كتب الدكتور (دانيا كالاهان) مقالًا مطولًا يقول فيه: "إن جانبًا كبيرًا من مشاعره وأفكاره ودوافعه الفطرية هو مع (د. كاس) وهو يخشى أن تؤدي ممارساتنا اللامسؤولة في مجال التخليق والتصنيع إلى تجريدنا من إنسانيتنا إلى درجة خطيرة، وهو أمر وارد حقًّا، فإننا كبشر قد توصلنا منذ زمن قريب إلى تعريف دقيق لـ (الإنسان) ، وبالرغم من ذلك فإننا لا نزال حتى الآن في طور تفسير ذاتنا، ويضيف قائلًا: إن إلغاء الجماع والتوالد وإشاعة التزواج اللاجنسي عن طريق الاستنساخ وأمثاله يؤدي إلى تجريد الإنسان من إنسانيته، وقد ميزه الله عن بقية المخلوقات الحيوانية بذاتيته إذ لا يمكن القبول أن يكون إنتاجه بصورة تشبه إنتاج قطيع من الأبقار أو الخراف ".

стр. 17355

ويرى بعض المعارضين أن هذا تطاول على الخالق، حيث تنبأت شركة (راند) ذات النظرة الواقعية بتخليق (أشباه البشر) لتكليفها بالأعمال المتدنية، وقد لوحظ أن بعض أرباب العمال يفضلون استخدام العمال المتخلفين عقليًّا، لأنهم الأناس الوحيدون الذين هم على استعداد تحمل أعباء هذه الأعمال كمسح الأرض وغير ذلك من الأعمال المتدنية. ثانيًا: المؤيدون للاستنساخ ماذا يقولون؟ إن السعي إلى تحقيق التوالد النسخي سيزود العلماء بكثير من المعلومات العلمية الأساسية عن تمايز الخلايا والسرطان والوراثة والمناعة وتحقيق نسخ الإنسان قد يدفع الأبحاث النفسية والعصبية وما شابهها قدمًا إلى الأمام لاكتشاف الكثير مما غم على العلماء. الدكتور (فلتشر) وهو أحد أهم الباحثين في علم البيولوجيا يقول: "إن الشرط الأول والأخير للتصرف الأخلاقي للإنسان هو أن يتمتع هذا الإنسان بحرية الاختيار فبدونها لا يمكن اعتبار تصرفه أخلاقيًّا لأن ما يجبر على القيام به لا يمت إلى الأخلاق بصلة، ولذلك يجب فتح مجال الأبحاث على مصراعيه مهما كانت العواقب، لأنها تصب أولًا وأخيرًا في صالح الإنسان ... !! ". ثم يضيف قائلًا: "وإن وجود العديد من النسخ المتطابقة قد يحث كلا منها على السعي لتحقيق التفوق على النسخ الأخرى، وبالتالي إثبات شخصية متميزة، ومن ناحية أخرى يمكن للنسخة أن تعوض عن نقصها بادعائها أنها تتمتع بمزية عجيبة هي التطابق مع أفراد آخرين في عالم يختلف فيه كل فرد عن الآخر ". وبعضهم يقول: "إن الخلية هي من صنع الله، وما قمنا به هو مجرد نقل نواة من خلية شخص إلى بييضة أنثى، وبأمر الله انقسمت ونمت، وكلها من صنع الله، وهذا ليس تطاولًا على الله كما يدعي البعض ". البعض الآخر يثير نقطة هامة هي: أن الطبيعة فيها كثير من الاستنساخ بين الكائنات الثديية وحتى بين الإنسان، فقد أكدت الدكتورة هيلين (Helen spurway) الأستاذة في الكلية الجامعية بلندن، أن هناك احتمالًا بوقوع ولادة بكرية (وهي الولادة التي تحصل نتيجة حمل ناشئ عن انقسام بييضة أنثوية غير مخصبة بنطفة ذكرية) ، واحدة في كل مليون إلى مليوني امرأة، ذلك لا يتم إلا بشروط، منها تطابق الزمرة الدموية بين الأم وابنتها، بدون رفض، فإذا أمكن توفر كل هذه الشروط في إحدى النساء فإنها ستحمل، وهناك حيوانات كثيرة تتحول الذكور فيها إلى إناث إذا ما زاد عدد الذكور والعكس بالعكس، مثل بطلينوس البحر.

стр. 17356

أما الدكتور (غلاس) فإنه يذكر بعد أن لاحظ تحقيق إنجازات معينة في مجال أنسجة الثدييات فتنبأ بتوصل العلم قريبًا إلى استنبات أجزاء المبايض والخصي البشرية مخبريًّا بحيث يمكن الحصول منها باستمرار على بييضات ونطف بشرية. بعض المؤيدين يعتقدون بأن الاستنساخ البشري سوف يساعد على تحسين الحياة للأجيال القادمة. وآخرون يرون أنه قد حان الأوان بأن يتدخل الإنسان ليساعد الطبيعة على انتقاء الأنواع بدلًا من ترك الطبيعة منفردة بذلك. ويعتقد هؤلاء العلماء أن هذا هو الهدف الرئيسي لهم تجاه المجتمع والتزامهم نحو الأجيال القادمة. بعض أطباء أمراض النساء يشجعون أبحاث الاستنساخ لأنه سوف يكشف الكثير من الغموض عن أسباب الإجهاض المبكر دون معرفة سببه. اختصاصيو تحديد النسل يعتقدون بأنه إذا تم إيجاد كيفية تعرف الجنين زرع نفسه في الرحم سيتمكنون من إيجاد وسيلة لمنع الجنين من الانزراع داخل الرحم، وبذلك يتوصلون إلى وسيلة جديدة لمنع الحمل. اختصاصيو السرطان يعتقدون بأن ذلك سيفتح أمامهم طريقًا للتعرف على الأسباب وراء سرعة انقسام الخلايا السرطانية، والتي تبين أنها تماثل سرعة انقسام الخلايا الجنينية، وبالتالي فإذا تم التعرف على طريقة معينة لإيقاف انقسام الخلايا الجنينية فإنه يمكن استخدام ذلك في وقف انقسام الخلايا السرطانية. مجال آخر من مجالات فوائد الاستنساخ البشري هو الخلايا الجذعية (Stem cell) هذه الخلايا لا يمكن تمايزها وبالتالي يمكن أن تتطور إلى أي نوع من الخلايا في الجسم، وهذه الخلايا لا تهاجم بالجهاز المناعي الشخصي للجسم، وذلك لسرعة تطورها إلى حالة لا تحايزية. ويعتقد كثير من الأطباء أن هذه الخلايا الجذعية يمكن استخدامها في علاج دمار المخ والجهاز العصبي، حيث إن هذه الأجهزة عند دمارها في البالغين لا يمكن إصلاحها، وبالتالي فإن الخلايا الجذعية يمكن استخدامها نظريًّا لعلاج هذه الحالات، ولهذا فإن خلايا الأجنة المستنسخة يمكن استخدامها لإنتاج عدد كبير من الخلايا الجذعية. كما يمكن استخدام الاستنساخ في المسح الجيني وفي حالة إصابة أحد الوالدين بمرض ما مثل (Cystic fibrosis) ، وحتى يمكن تلافي إصابة الأبناء فيمكن عن طريق الاستنساخ الجنيني إنتاج عدد من الأجنة بهذه الطريقة، وإجراء الاختبار على أحدها وتجميد الآخرين، فإن ثبت عدم الإصابة؛ فإنه يمكن استخدام أحد الأجنة المجمدة لغرسه في رحم الأم، لأن الاختبار يؤدي إلى هلاك الخلايا الجنينية التي تم إجراؤه عليها. وإذا ثبت أن الاختبار إيجابي فيمكن تدمير بقية الأجنة المخزونة.

стр. 17357

ومجال آخر يطرقه المؤيدون للاستنساخ إلا أنه يثير الكثير من علامات الاستفهام، هو استخدام الاستنساخ لتوفير الأعضاء البشرية للزراعة نظرًا لندرتها وأهميتها في الوقت نفسه، إذ يمكن للأهل أن ينفقوا على إجراء الاستنساخ لأكثر من جنين بزرع واحد فقط في الأم ويجمد الباقي احتياطيًّا للوليد إذا ما أصابه مكروه أو توفي، وفي هذه الحالة يمكن استخدام الاحتياطي. وهنا يتساءل المرء: أين الجوانب الأخلاقية التي تحكم هذا الموضوع بالذات؟ وما موقف الأخ من أخيه الذي استخدم كضحية له؟ والعديد من الأسئلة الحائرة في أذهان علماء الدين والمشتغلين بالأخلاقيات. وقد قدم مؤيدو الاستنساخ قائمة طويلة لتطبيقاته التي قد ينجذب إليها الكثيرون في المستقبل إذا لم يكونوا قد انجذبوا إليها فعلًا الآن، وهذه القائمة هي: ١ - نسخ أشخاص بهدف تحسين النوع وإضافة البهجة على الحياة. ٢ - تأمين مجموعات كبيرة من البشر المتطابقين وراثيًّا، بغية إجراء دراسات علمية عليهم لمعرفة أهمية كل من البيئة والتربية في مختلف أوجه الأداء البشري. ٣ - نسخ الأصحاء لتلافي مخاطر الأمراض الوراثية الكامنة في يانصيب التراكيب الجنسية. ٤ - منح طفل للزوجين العقيمين. ٥ - إنجاب طفل له طابع وراثي معين حسب الطلب. ٦ - التحكم بجنس الأطفال في المستقبل. ٧ - إنتاج مجموعات من الأشخاص المتطابقين لأداء مهمات خاصة في الحرب. ٨ - إنتاج نسخة جنينية لكل شخص تحفظ وقت الحاجة إليها أثناء مرضه أو إعادته مرة ثانية للحياة. ٩ - التفوق على الروس والصينيين، ومنع حدوث فجوة علمية في مجال النسخ. ١٠ - من بين التطبيقات بالتعاون مع الهندسة الوراثية والاستنساخ هو تغيير الوظائف الفزيولوجية لبعض أنواع البكتيريا لإنتاج أنواع ذات صفات معينة لها قدرات خاصة، إما لمعالجة مشاكل مثل: بكتريا البترول والأنفلونزا، أو إنتاج سلالات لها مقاومة خاصة لأنواع من المضادات الحيوية، خاصة تلك التي تستخدم في الحرب الجرثومية. محاذير أخلاقية: إن موضوع الاستنساخ البشري سوف يثير الكثير من التحفظات والأسئلة خاصة في الدول الإسلامية - بل وفي كل دول العالم - حول: الأسرة وتعريفها، الأبوة والأمومة، مفهوم الإنسان والذات الإنسانية، حق الأبناء في ذاتيتهم الإنسانية، التطور الذي تفرضه الطبيعة والبيئة، الإرث، فقدان الهوية للأصل والصورة، الحق القانوني للنسخة، هل من حق أي شخص إذا أراد أن يحسن نسله أن يلجأ إلى هذه الوسيلة؟ إذا نجح الاستنساخ في إنتاج نسخة بها عيوب خطيرة.. ما مصير هذا الإنسان هل يقتل أو يبقى هكذا؟ ومن المسؤول عنه؟ ما نسب النسخة؟ هل هو ابن صاحب الخلية أم شقيقه؟ والحاضنة هل هو ابنها أم زوجها أم شقيق زوجها؟

стр. 17358

لكن سؤالًا يثيره أخصائيو التكاثر السكاني: إذا كان مني الأب خاليًا من الحيوانات المنوية أو به حيوانات منوية ولكنها كلها ميتة أو مشوهة هل له الحق في الاستنساخ بالطريقة الأولى أو الثانية؟ ، وسيجرنا هذا الموضوع إلى وضع تعريف جديد لمن هو الإنسان؟ هل هو القادم مثل بقية الحيوانات من قطيع أو هو الذي كرمه ربه حسب قوله سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ [الحجرات: ١٣] ، وقوله سبحانه: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آَدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا﴾ . [الإسراء: ٧٠] هل هذا تدخل في مشيئة الله، أو هذا من مشيئة الله ومن قدره ومما فتح الله على الإنسان من مكنونات أسراره واستخدامها؟ سؤال آخر: لكل خلية عمر افتراضي، هل الخلية التي أخذت من إنسان عمره ٥٠ عامًا - على سبيل المثال - عند أخذ نواتها واستنساخها ما هو عمر هذه النسخة، هل هو نفس العمر أم استكمال للجزء الباقي من عمر صاحبه أم عمر جديد؟ ويعتقد المؤيدون للاستنساخ بأن هذا الموضوع سيفتح الآفاق أمام التغلب على الشيخوخة إذا نجحت هذه الأبحاث. هنا يثور سؤال: هل الإنسان إلى تقدم وازدهار أم إلى خراب ودمار؟ هل هذه الثورة الهائلة ضد الموضوع هي مسائل عادية في مواجهة كل جديد مثلها في ذلك مثل كل شيء خرج إلى حيز الوجود يمس الكيان الإنساني والبشري؟ وفي غمرة هذه الانتصارات البشرية نعود لنذكر مفهوم العلم في القرآن، إن الله عندما أمر نبيه ﷺ أن يقرأ لم يتركها قراءة عبثية أو بما فيها من هوى للنفس الأمارة بالسوء، ولكنه سبحانه أمره بأن يقرأ قراءة نافعة وبكل ما هو خير للبشرية، فأمره بأن يقرأ باسم الله، وهنا نعود لنقول: إن انفصال العلم عن الدين والحكمة سيضل ويضل صاحبه، وإن القرآن بين أيدينا يقص علينا قصة آدم ومحاولات الشيطان إغواءه، فوسوس له الشيطان في قوله سبحانه: ﴿فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَا آَدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَا يَبْلَى (١٢٠) فَأَكَلَا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآَتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَعَصَى آَدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى (١٢١) ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى (١٢٢) قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى (١٢٣) ﴾ [طه: ١٢٢- ١٢٣] ، وهنا يوسوس الشيطان مرة أخرى تحت دعاوى فصل الدين عن العلم وبأن يكون ما لقيصر لقيصر وما لله لله، إنها دعوة ما أنزل الله بها من سلطان، ستكون نتيجتها على البشرية خرابًا ودمارًا. إن هذه التقنية إذا استمرت على ما هي عليه فقد تصل يومًا ليد دكتاتور كبير يسخرها ضد البشرية، فالاكتشافات البشرية جميعها الآن مسخرة لدمار الإنسان، فمخزون العالم اليوم من القنابل النووية بأنواعها كفيل بتدمير الأرض عشرات المرات، وكل فرد على هذا الكوكب مخصص له ٥٠٠ كجم من مادة (TNT) ، ورغم هذا التقدم فشل الإنسان في أن يحل مشكلة المجاعات في العالم، ففي صباح كل يوم يموت عشرات الألوف من البشر بسبب عدم توفر الغذاء أو الدواء.

стр. 17359

القنابل الجرثومية والعنقودية تغص بها ترسانات السلاح دون توجه لزيادة الموارد الغذائية أو اكتشاف دواء لأمراض كثيرة بسيطة تعاني منها شعوب فقيرة كثيرة. إن المجانين الذين يحكمون العالم كثيرون ويحلمون بالخلود والسيطرة وبذل كل غال ونفيس للحصول على مثل هذه التقنيات الخطيرة ظنًّا منهم أنهم سيخرقون الأرض أو يبلغون الجبال طولًا ... العالم الآن بجبروته وقوته يقف عاجزًا أمام فيروس بسيط لا يرى بالعين المجردة من أضعف الفيروسات، وهو (الإيدز) هذا هو التحدي الإلهي يقول للإنسان: تعلم وابحث واجتهد ولكن لا تتطاول ولا تظن أنك أصبحت قادرًا عليها، إن قومًا قبلكم ظنوا أنهم قادرون عليها فأرسلنا عليهم طيرًا أبابيل ترميهم بحجارة من سجيل فجعلتهم كعصف مأكول. إن التداوي واجب وأمر محتم، وطلب العلاج أباحه الإسلام، بل اعتبره واجبًا على كل مسلم بالطرق المشروعة، فإذا كان الرسول ﷺ يقول: ((ما جعل الله شفاء أمتي فيما حرم)) ، وكان يقصد بذلك تناول الخمر كعلاج، فمن باب أولى احترام بنية الإنسان، فهو كما قال المصطفى ﷺ : ((الإنسان بناء الله ملعون من هدمه)) . ماذا يحدث لو تحول المجتمع كله إلى أصحاء أقوياء أذكياء، بالتأكيد سيشقى هذا المجتمع، فستموت بين أهله الرحمة والمودة والإيثار، إن وجود المعوق والعاجز والمريض والمتخلِّف وغيرهم ما هي إلا نماذج بشرية تذكرنا بنعم الله علينا، وبأن يكون بيننا التراحم والتحاب والتآلف، ولا نكون أشداء قست قلوبنا على أنفسنا، فسنجني وبالًا شديدًا لا محالة. ماذا يمكن أن يحدث لو استنسخنا نسخًا عدة من شخص ما؟ ما هو الموقف القانوني خاصة إذا ما وضعت إحدى هذه النسخ في بيئة إجرامية طغى فيها عنصر الشر على الخير ... من المسؤول في هؤلاء إذا ضاعت المعالم؟ وهنا يظهر دور البيئة على التكيف والتربية. أما الدكتور (جيمس واطسن) وهو حائز على جائزة نوبل فكان يتصور أن نسخ الإنسان سيؤدي إلى ما يشبه انهيار الحضارة، وكان يشعر بأن ذلك النسخ سيتحقق لا محالة إذا لم نتخذ الاحتياطات اللازمة لمنعه. إلا أن هناك من أغواهم الشيطان فانحرفت أفكارهم عن الطريق الصحيح، فهذا (فرانسيس كريك) الحائز على جائزة نوبل يعتقد بأن إنجاب الأطفال ينبغي أن يولي اهتمامًا لكل من الرجل والمرأة المرشحين للزواج بإثبات جدارتهما، وألا يترك الإنجاب عرضة للصدفة التي تحكمت فيه أجيال. إن تقنية الاستنساخ لن تكون حكرًا على القوى العظمى فقط، بل ستنتشر وسرعان ما ستتملكها قوى أخرى أقل مكانة من العظمى، والشاهد على ذلك تقنية طفل الأنابيب التي أصبحت مشاعًا في كل دول العالم، ومن هنا تأتي المخاطر الكبرى. أحد هؤلاء المتحمسين للاستنساخ يعتبر أن الرغبة البشرية لا تقل أهمية عن أي شيء، ويجب أخذها ووضعها بعين الاعتبار ومحاولة تحقيقها بأي وسيلة أو طريقة حتى لو كانت غير مشروعة.. أية رغبة هذه التي يمكن أن تحول الإنسان إلى ذئب ينهش الأعراض ويأكل الحرام؟ ثم يضيف بأن من يستخفون بالرغبة الإنسانية فإنهم يعيشون في عقم نفسي.

стр. 17360

وهناك قائمة طويلة لعلماء يقفون مع التناسخ البشري مثل (ج. ب. س هالدين) الذي يعده الكثيرون أحد ألمع علماء القرن العشرين، وهو الذي اقترح نسخ أشخاص ذوي مواصفات خاصة كانعدام الشعور بالألم، والرؤية في الظلام، والقزامة، كما أكد (جان روسنان) العالم البيولوجي الفرنسي المعروف أن التكاثر النسخي قد يستخدم لإضفاء نوع من الخلود المتسلسل على الفرد باستبدال النسخ المهترئة بنسخ جديدة إلى الأبد. واقترح الدكتور (جوشدا ليدبرج) الحائز على جائزة نوبل الاستفادة من التشابه العصبي بين الأصول والنسخ في رأب الصدع الكائن بين الأجيال بعضها مع بعض ... وافترض الدكتور (ألوف أكسل كارلسون) تطبيق النتائج البشرية على الموتى وذلك للاستفادة من أشخاص تاريخيين من نفس الطابع الوراثي مثل (توت عنخ آمون) . لقد أثبت إنتاج النعجة (دولي) والقردة أن الاستنساخ ممكن، لكن الطريق قد يبدو شاقًّا وطويلًا، ولكنها الخطوة الأولى. إن الضجة التي أحدثتها الإعلانات الخاصة باستنساخ (دولي) ، والقردين أدت بكثير من الخبراء العاملين في هذا المجال إلى توخي الحذر في الإعلان عن أبحاثهم وعما يجري في المعامل، خوفًا من المطالبة بوقف هذه الآمال التي تراود العلماء.. وقد صرح البعض بأنه من المستحسن أن يعلن عن استنساخ الإنسان بعد وقوعه وليس قبل ذلك. وقال: إن أحدًا لا يستطيع وقف اختطاف البندقة الآن، فالضجة نفسها حدثت عندما أذيع لأول مرة عن طفل الأنابيب وزراعة الأعضاء، بل عند استخدام الدم في العلاج، إن الأجنة الآن متوفرة، وبكميات كبيرة لدى عيادات علاج العقم، فماذا يحدث لو راود أحد الأطباء البدء بتجربة مثل هذه الأبحاث بعيدًا عن الأعين والبروتوكولات، خاصة أنها لا تحتاج إلى تجهيزات كثيرة ومعقدة. وقد اضطرت إدارة الرئيس ريجان والرئيس بوش لوقف أبحاث الاستنساخ البشري تحت ضغط عدم توفر الميزانية، لكنها عادت مرة ثانية في عهد الرئيس كلينتون حيث ميزانية الأبحاث تم تدعيمها، لكنها أولًا وأخيرًا مهما وضعت لها مقاييس ومعايير سوف يتوقف كل شيء على ضمير القائمين على كل حالة على حدة، والخطورة هنا ناشئة من أن قانون الأبحاث الجديد أصبح يبيح للباحث ألا يعلن أبحاثه إلا بعد الوصول إلى نتائج يرى أنها تحفظ حقه في الامتلاك الفكري، لذلك فإن معظم هذه الأبحاث تجري في الظلام وبعيدًا عن الأعين، ولذلك فقد نفاجأ يومًا ما بأخبار استنساخ إنسان موجود بالفعل كما يشاع الآن. هناك جدل في الغرب الآن مفاده بأن فكرة الاستنساخ على الحيوانات كانت بهدف فصل الجنين إلى جنينين متشابهين تمامًا في جميع الصفات.

стр. 17361

إلا أن تعريف الموضوع يختلف في حالة الإنسان عنه في حالة الحيوان فهل يعتبر الجنين إنسانًا أم لا؟ واختلف الباحثون في هذا الخصوص، فمنهم من رأى أن الجنين إنسان كامل فيه كل المواصفات الإنسانية، وهي المراحل الأولى للإنسان البالغ، والبعض الآخر قرر أنه مجموعة من الخلايا لا أكثر ولا أقل، ورغم أن هذه المناقشات هي مناقشات عقيمة، إلا أن السؤال الهام الذي يطرح نفسه هو: هل الخلايا الجنينية في مراحلها الأولى تتمتع بنفس الاحترام للإنسان الكامل؟ وهنا أحب أن أذكر بأن المنظمة الإسلامية للعلوم الطبية كانت سباقة في هذا المجال وبحثت هذا الموضوع وقررت بأن الخلايا الجنينية هي الخلايا الباكرة لإنسان الغد، والاعتداء عليها اعتداء على الإنسان، وهي حياة محترمة في كل أطوارها تتدرج عقوبتها حسب أطوارها. الأسئلة المثارة الآن عن الاستنساخ والتي يتداولها العامة والخاصة تنحصر في: هل الاستنساخ البشري ممكن؟ وهل هو أخلاقي ويتوافق مع الدين؟ وهل هو قانوني؟ وهذه الأسئلة تنظر إلى البعد الآخر للموضوع، فالمتتبع لهذا الموضوع يلاحظ بأن الإعلان عن إنتاج النعجة (دولي) ظهر فجأة وبعد إنتاجها بعدة أشهر، وهذا يعني أن الأبحاث تجري على قدم وساق داخل أروقة المعامل، وبعيدة عن الأعين وعن- القوانين، فاستصدار قرار بوقف الاستنساخ لن يوقفه ولن يكون حائلًا دون إجراء الأبحاث والخروج بنتائج مبهرة للباحثين ومدهشة للسامعين ولعلنا جميعًا لاحظنا أن المؤتمر الذي أعلن- فيه الدكتور (ويلموت) عن إنتاجه للنعجة (دولي) كانت خلفيته أنه يوجد عليها اسم الشركة التي مولت الأبحاث والتي لها الحق في استخدامه تجاريًّا، ومن هنا يكمن الخطر وهو دخول التجارة كعنصر أساسي في هذا الموضوع. إن المبادئ التي تحكم الأبحاث البيولوجية والطبية قد تغيرت كثيرًا، ففي السابق كانت الأبحاث تجري تحت أنظار اللجان المختلفة التي تحكم العملية البحثية وتنشر النتائج أولًا فأولًا، إلا أن هذا الاتجاه قد تغير في الفترة الأخيرة، ودخلت هذه الأبحاث إلى الأسواق التجارية وتتنافس الشركات المهتمة بتمويل هذه الأبحاث لاستخدامها بعد ذلك تجاريًّا، خاصة أن قانون حماية الإنتاج الفكري الآن يعطي لهؤلاء الحق في احتكار هذه التقنية لمدة عشرين عامًا ومدير الشركة الممولة لأبحاث إنتاج مواد بروتينية تماثل تمامًا البروتين البشري لاستخدامها مباشرة كغذاء، وفي العلاج وإنتاج أدوية، وبناء على ذلك، فهل هو صادق أم أنها تغطية قانونية للموضوع، ومظلة يحتمي فيها حسب القانون الأمريكي الصادر أخيرًا؟ ولا يخفى على أحد أثر الإغراء المادي والشهرة والأضواء على الإنسان مهما كان ملتزمًا.

стр. 17362

المشكلة الأخرى أن العلماء العاملين في مثل هذه المجالات الطموحة والخيالية لا يهتمون ولا يؤمنون كثيرًا بالجوانب الأخلاقية، ولذلك فإن عملهم في كثير من الأحيان يجري بعيدًا عن رقابة القوانين غير عابئين بأقوال وأحاديث وتحفظات المهتمين بالأخلاقيات، وهذه حماقة قد تؤدي إلى كوارث لا يعرف مداها إلا الله. وهنا تظهر أهمية دراسة الأخلاقيات الطبية وإدراجها ضمن برامج كليات الطب وعدم الاكتفاء بعدد محدود من الساعات في نهاية الدراسة الجامعية؛ إذ يتضح الآن أهمية ترسيخ العقائد والجوانب الأخلاقية، ومدى الحِل والحرمة للطبيب، وأهمية الالتزام بهذه الجوانب ليس فقط في سلوكياته المهنية، ولكن أيضًا في أبحاثه وقبل أن يبدأ بها ليعرف معنى القيم الإنسانية وأهمية ما يقوم به وانعكاساته على الإنسان من حيث هو إنسان. وهنا يمكن أن يطرح سؤال هام: هل ننتظر رأي الدين وعلماء الأخلاقيات بعد وقوع الواقعة وخروج المارد من الزجاجة، وفي هذه الحالة يصعب السيطرة عليه أم يجب إبداء الرأي قبل وقوع الكارثة ومنذ بداية التفكير في إجراء التجارب والهدف منها؟ إن الأمر يبدو خطيرًا وأبعاده أخطر من أن ترى الآن، وإذا أردنا أن نوقف هذا الهدر وهذه الكوارث المحدقة بنا فعلينا أن نغلظ العقوبات على الاستنساخ البشري - ويكون ذلك معلومًا للباحثين في هذا المجال وأن أبحاثهم لن تنشر، ويجب وقف الدعم الحكومي والأهلي ودعم المنظمات والهيئات لهذه الأبحاث.

стр. 17363

إننا أمام عقد اجتماعي عالمي جديد لا يجب أن يمر هكذا، فإن البشرية تعاني اليوم من اكتشافها للانشطار النووي وتحدق بها الأخطار بعد أن أصبحت هذه التكنولوجيا متوافرة لدى الجميع، حتى الدول النامية التي قد لا يزيد دخل الفرد فيها على بضع مئات من الدولارات سنويًّا وتعتمد على الغير في غذائها ودوائها، لكن الشهرة وحب السيطرة والدكتاتورية تسول للإنسان أنه سيخرق الأرض ويبلغ الجبال طولًا. ويجب علينا ألا نخضع لابتزاز العاملين في هذا المجال بأن العلم والتكنولوجيا يجب أن يكونا هما السيدين المطاعين، وهنا يمكن تطويع التكنولوجيا والعلم للإرادة البشرية والإنسانية وحاجتها باستخدام الحكمة والعقل وليس باستخدام الجينات والاستنساخ. ثم هل الإقدام على الاستنساخ سيفتح آفاقًا جديدة للإنسان للتغلب على متاعبه ومشاكله، ومحاربة الأمراض، أم أنها خطوة لتحطيم إنسانيته وتؤدي به إلى انحدار وتدهور الصفات الوراثية؟ ولعل الندوة تتطرق إلى النقاط الآتية: ١- وضع تعريف كامل لمعنى الاستنساخ بكل أنواعه. ٢ - وضع الرأي الشرعي في كل نوع من أنواع الاستنساخ. ٣ - الحدود الشرعية التي يجب ألا يتخطاها البحث العلمي في هذا المجال. ٤ - الضوابط المطلوبة لهذا الموضوع لضمان عدم انحرافه. ٥ - العقوبات لمن لم يلتزم بهذه الضوابط الأخلاقية.

стр. 17364

بيان صحفي لمنظمة الصحة العالمية / ٢٠ ١١ مارس ١٩٩٧: المدير العام للمنظمة يدين الاستنساخ البشري في بيان صدر اليوم في جنيف علق الدكتور هيروشي ناكاجيما، المدير العام لمنظمة الصحة العالمية (م. ص. ع) ، على الإعلان الذي صدر مؤخرًا عن نجاح عملية الاستنساخ لنعجة بالغة على يد فريق من العلماء في أسكتلندا، وأشار إلى أنه أثار اهتمامًا عظيمًا كما أثار قلقًا عظيمًا لدى كل قطاعات المجتمع في جميع الثقافات، وقال: إن م. ص. ع، في هذه المرحلة، ترى أن من الضروري أن تتناول القضية وتوضحها كي يمكن القيام بتقدير معقول لما ينطوي عليه هذا البحث. وقال ناكاجيما: إن م. ص. ع، تعتبر استخدام الاستنساخ لإنتاج نسخ لأفراد من البشر عملًا غير مقبول أخلاقيًّا، كما أن فيه انتهاكًا لبعض المبادئ الأساسية التي تحكم الإنجاب عن طريق العون الطبي، ويدخل في هذا احترام كرامة الإنسان وحماية أمن المادة الوراثية الإنسانية. وذكر المدير العام بأن البرنامج الخاص للبحث والتطوير والتدريب البحثي في مجال التكاثر البشري كلف - عام ٩٩٢ - مجموعة علمية بمراجعة الجوانب التقنية للإنجاب المدعوم طبيًّا والقضايا الأخلاقية المتعلقة به، وقد أيدت المجموعة- كل إنسان في التمتع بمنافع التقدم العلمي وتطبيقاته، كما أيدت الحاجة إلى احترام الحرية التي لا غنى عنها للبحث العلمي والنشاط الإبداعي، لكن المجموعة أكدت كذلك على أن هناك إجماعًا عالميًّا على الحاجة إلى تحريم الأشكال المتطرفة من التجارب، مثل الاستنساخ البشري والتخصيب بين الأنواع، وتخليق الكائنات الخرافية cHIMERAS، وأخيرًا، تغيير الأطقم الوراثية genome في أصل الخلية.

стр. 17365

وقال الدكتور ناكاجيما: إن م. ص. ع تود أن تقترح جعل هذه المبادئ الهادية بمثابة منطلق للحوار العام المطلوب على المستويين الوطني والدولي لإرساء المعايير والاحتياطات الوقائية اللازمة. لكنه أوضح أن معارضة الاستنساخ البشري يجب ألا تؤدي إلى حظر على إجراءات وبحوث الاستنساخ دون تمييز، فالاستنساخ في حقل الخلية البشرية هو إجراء معتاد في إنتاج الأجسام المضادة النقية من أجل التشخيص والبحث في أمراض كالسرطان، كما أن الاستنساخ في الحيوان يوفر مجالات لتقدم البحث في الطب المتعلق بتشخيص الأمراض التي تؤثر على البشر وبعلاجها. وبينما البحث في استنساخ الحيوان وفي الأنواع عبر الوراثة قد تنتج عنه منافع من بينها التطبيقات العلاجية، فإن علينا في كل الأوقات أن نبقى متيقظين لنتائجها السلبية المحتملة كأن تنقل إلى الإنسان الأمراض القابلة للانتقال بين الأنواع، وتريد م. ص. ع، أن تؤكد على أهمية أن نلاحظ في جميع الأحوال مبادئ الاحتياط وأن نكون قادرين على الاعتماد على الإرشادات الفنية والأخلاقية التي تؤمن الحماية الكاملة لصحة الكائن البشري وكرامته، وهذا يتطلب تدقيقًا واعيًا وحوارًا جماهيريًّا وآخر منظمًا يشمل كل القطاعات والهيئات المعنية ويأخذ في الاعتبار مختلف البنيات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية. وأكد د. ناكاجيما أن م. ص. ع، ستمسك بالزمام في تنظيم هذا الحوار، وقال: " إننا نطالب بوجوب أن تكون الجوانب الأخلاقية في البحوث والتقنية المتعلقة بالصحة هي جوهر الحوار، وفي حدود قدرتنا سوف نركز في البداية على منطقتين لهما أولوية: صحة الإنجاب، والتطبيقات الطبية الأحيائية للبحوث الجارية على الطاقم الوراثي البشري، وسوف يكون هدفنا هو أن نساعد في تقويم الاحتياجات والممارسات الحالية، وأن نراجع الطرق الفنية والإجراءات، وأن نعين في بناء إجماع على الاحتياطات التقنية والأخلاقية التي ستطبق ". وبين المدير العام أن مجموعة المراجعة العلمية والأخلاقية للإنجاب البشري سوف تتولى قيادة العمل على الجانب الأخلاقية للبحث في صحة الإنجاب، وأعلن أنها ستراجع قضية الاستنساخ في اجتماعها التالي، في الفترة من ٢٣ - ٢٥ أبريل، وسوف تكون هذه خطوة مهمة نحو تنظيم سلسلة من المشاورات القطرية والإقليمية التي ستساعد في تحديد القيم المشتركة التي يجب أن تقوم عليها معايير الممارسة السليمة والتوجيهات والتشريعات. وقال د. ناكاجيما في ختام بيانه: " سوف تجري أولى هذه المشاورات في مطلع أبريل في بانكوك، إن م. ص. ع، تطلب المساهمة على أوسمع نطاق ممكن في هذه العملية العالمية ".
следующие страницы →