بينما ربط أبو حنيفة والشافعي جواز التصرف بالضمان فإذا لم ينتقل الضمان إلى المشتري لا يجوز له التصرف فيه حتى لا يتوالى الضمانان.
لكن شيخ الإسلام رد على هذا الأصل بأنه مأخذ ضعيف، وأنه لا محذور في وجود ضمانين، لأن الواجب بضمان هذا غير الواجب بضمان ذاك (١) ، فلو تلف المبيع قبل التمكن من القبض فإن المشتري الثاني يعود إلى المشتري الأول وهو على البائع، وكل يرجع على الآخر بما دفعه.
ويدل على أن ضمان البائع لا يمنع من تصرف المشتري في المبيع حديث ابن عمر الثابت السابق في البيع بالذهب والأداء بالفضة، أو بالعكس، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "فقد جوز النبي ﷺ أن يعتاضوا عن الدين الذي هو الثمن بغيره، مع أن الثمن مضمون على المشتري لم ينتقل إلى ضمان البائع، فكذلك المبيع الذي هو دين السلم يجوز بيعه وإن كان مضمونًا على البائع لم ينتقل إلى ضمان المشتري، والنبي ﷺ إنما جوز الاعتياض عنه بسعر يومه لئلا يربح فيما لم يضمن، وهكذا قد نص أحمد على ذلك في بدل القرض وغيره من الديون، إنما يعتاض عنه بسعر يومه " (٢) .
ومن ناحية أخرى أن ما في ذمة المدين البائع مقبوض للدائن فحينما يبيعه للآخر فكأنه سلمه إليه، وحل محله. يقول ابن تيمية: "إن ما في الذمة مقبوض للمدين " (٣) ، كما أن الموجود في الذمة فكأنه موجود في الواقع والخارج.
الاحتمال الثالث: التصرف في المسلم فيه بالتولية، والشركة، والحطيطة، والمصالحة، والحوالة، والوكالة ونحوها:
فعقد الوكالة والسمسرة في السلم جائز، لأن القاعدة فيها هي أن كل من صح تصرفه في شيء بنفسه وكان مما تدخله النيابة صح أن يوكل فيه رجلاً أو امرأة، مسلمًا كان أو كافرًا، وكل ما يصح أن يستوفيه بنفسه وتدخله النيابة صح أن يتوكل لغيره فيه " (٤) .
وأما التولية، والشركة في المسلم فيه قبل قبضه فمحل خلاف بين الفقهاء:
فذهب مالك إلى جوازهما سواء كان المسلم فيه طعامًا، أم غيره، جاء في المدونة: "قلت: أرأيت إن اشتريت سلعة من السع فأشركت فيها رجلاً قبل أن أنقده، أو بعد ما نقدته أيصلح ذلك في قول مالك أم لا؟
قال: لا بأس بذلك عند مالك.
قال: ولقد سألت مالكًا عن رجل اشترى من رجل طعامًا بثمن إلى أجل فأتاه رجل، فقال: أشركني في هذا الطعام، وذلك قبل أن يكتال طعامه الذي اشترى.
قال مالك: لا بأس بذلك إن أشركه على أن لا ينتقد إلا إلى الأجل الذي اشترى إليه الطعام، فإن انتقد فلا خير في ذلك (٥) .
стр. 17572
وكذلك الأمر في التولية، جاء في المدونة: " قلت: أرأيت إن اشتريت سلعة من رجل بنقد، فلم أقبضها حتى أشركت فيها رجلاً، أو وليتها رجلاً أيجوز ذلك؟ "
قال: لا بأس بذلك عند مالك.
قلت: وإن كان طعامًا اشتريته كيلاً، وفقدت الثمن فوليته رجلاً أو أشركته فيه قبل أن أكتاله من الذي اشتريته.
قال مالك: لا بأس بذلك، وذلك الحلال إذا انتقد مثل ما نقد.
قلت: لِمَ جوزه مالك وقد جاء في الحديث الذي يذكره مالك أن النبي ﷺ نهى عن بيع الطعام قبل أن يستوفى؟
قال: قد جاء هذا، وقد جاء عن النبي ﷺ أنه نهى عن بيع الطعام قبل أن يستوفى إلا ما كان من شرك، أو إقالة، أو تولية.
قال سحنون: وأخبرني ابن القاسم عن سليمان بن بلال عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن عن سعيد بن المسيب أن رسول الله ﷺ قال: ((من ابتاع طعامًا فلا يبعه حتى يستوفيه إلا ما كان من شرك، أو إقالة، أو تولية)) .
قال مالك: " اجتمع أهل العلم على أنه لا بأس بالشرك والإقالة والتولية في الطعام قبل أن يستوفى إذا انتقد الثمن ممن يشركه، أو يقيله، أو يوليه" (١)
وهذا الحديث الذي رواه الإمام سحنون بسنده، رواه أيضًا عبد الرزاق في مصنفه عن معمر، عن ربيعة عن ابن المسيب أن النبي ﷺ قال: ((التولية، والإقالة، والشركة سواء لا بأس به)) . وأما ابن جريج فقال: أخبرني ربيعة بن أبي عبد الرحمن عن النبي ﷺ حديثًا مستفاضًا بالمدينة، قال: ((من ابتاع طعامًا فلا يبعه حتى يقبضه ويستوفيه إلا أن يشرك فيه، أو يوليه، أو يقيله)) (٢) .
والحديث الذي رواه سحنون، وعبد الرزاق مرسل لكنه مرسل سعيد بن المسيب، وهو يحتج به عند جمهور العلماء (٣) .
وأما سند الحديث فـ الحافظ عبد الرزاق معروف بأنه ثقة حافظ (٤) وهو قد روى عن معمر وغيره، ومعمر أيضًا ثقة ثبت، بل عده علي بن المديني، وأبو حاتم فيمن دار الإسناد عليهم، بل اعتبره النقاد من أثبت الناس (٥) ، وأما ربيعة المعروف بربيعة الرأي فهو أيضًا ثقة ثبت من التابعين الفقهاء المفتين، حتى قال مالك: " ذهبت حلاوة الفقه منذ مات ربيعة" (٦) .
стр. 17573
إذن فالحديث مرسل صحيح الإسناد، أو أنه لا تقل درجته عن الحسن الذي ينهض حجة، وكذلك فهو نص في الدعوى حيث يدل بنصه على جواز الشرك، والإقالة، والتولية في الطعام قبل القبض والاستيفاء، ويقاس عليه بطريق أولى غير الطعام.
وذهب جماعة آخرون منهم الحنفية (١) ، والشافعية (٢) ، والحنابلة (٣) إلى عدم جواز الشركة، والتولية في المسلم فيه قبل قبضه. واستدلوا بأن هذه التصرفات معاوضة في المسلم فيه قبل القبض فلم يجز، كما لو كانت بلفظ البيع، ولأنهما نوعا بيع، فلم يجوزا في المسلم قبل قبضه كالنوع الآخر (٤) .
ويمكن أن يرد على هذا الاستدلال بأنه لا نسلم أن التولية والشركة بيع، ولو سلم فالبيع نفسه محل خلاف، فلا يكون الدليل ملزمًا، لأنه أيضًا محل خلاف.
ويكاد الخلاف السابق ينسحب على الصلح في المسلم فيه قبل قبضه (٥) .
والذي يظهر رجحانه رأي مالك لقوة دليله، ومنطقه، وموافقة رأيه للأصل القاضي بأن الأصل في العقود والشروط الإباحة إلا ما دل على حرمته، فليس هناك نص من الكتاب ولا من السنة يمنع التصرف في المسلم فيه قبل القبض عن طريق الشرك، أو التولية، أو الحطيطة، أو الصلح لكنه بشرط واحد، وهو أن ينقد الثمن حتى لا يكون بيع دين نسيء بدين نسيء.
وأما الحوالة بالمسلم فيه (دين السلم) ، أو عليه فمحل خلاف كبير.
стр. 17574
فذهب جماعة من الفقهاء منهم الحنفية (١) ، ووجه للشافعية (٢) ، والمالكية (٣) . .. في غير ما إذا كان البدلان: المحال به، وعليه طعامًا من بيع، إلى جواز الحوالة بدين السلم وعليه.
وذهب الحنابلة (٤) ، ووجه للشافعية – رجحه النووي (٥) إلى أنه لا تجوز الحوالة بدين السلم، ولا عليه.
وهؤلاء المانعون استدلوا على ما يأتي:
أولاً: أنهم اعتمدوا في منعهم هذا على أن دين الحوالة يجب أن يكون مستقرًّا، وأن السلم بعرض الفسخ (٦) .
ويمكن الجواب عنه بأن هذا الشرط نفسه محل خلاف وليس عليه دليل من الكتاب والسنة، والإجماع؛ فالنص النبوي الشريف في الحوالة لم يشترط كون الدين مستقرًّا أم غير مستقر، بل قال: ((فإذا أتبع – أو أحيل – على مليء فليتبع)) (٧) ، فالنص لم يشترط سوى كون المحال عليه مليئًا قادرًا على أداء الدين، ولذلك قال الشوكاني معلقًا على اشتراط استقرار الدين لدى البعض: " فلا أدري لهذا الاشتراط وجهًا، لأن من عليه الدين إذا أطال على رجل يمتثل حوالته، ويسلم ما أحال به كان ذلك هو المطلوب، لأن به يحصل المطلوب بدين الحال ولو لم يكن في ذمة المحال عليه شيء من الدين (٨) ، ولذلك أجاز الحانبلة أنفسهم استعمال لفظ الحوالة في صورتين ليستا بحوالة، وإنما هي وكالة وقرض (٩) .
ثانيًا: واستدل المانعون كذلك بأن الحوالة إما بيع وهو لا يجوز قبل قبض المبيع، أو هو كالبيع، أي يقاس عليه فيكون حكمه مثل حكمه.
والجواب عن ذلك من وجوه:
الوجه الأول: " أن هذا الكلام مبني على أن الحوالة بيع، وهذا بناء ضعيف؛ لأن الحوالة عقد مستقل له شروطه ومواصفاته، وأن اسمها ومسماها قد أثبتهما الشرع، فلا يقبل أن تدخل في عقد آخر، ومن هنا فاختلاف الاسم والمسمى لغة وشرعًا يدل على اختصاص هذا العقد بأحكامه الخاصة به دون غيره، ولذلك لا يشترط في عقد الحوالة التقابض حتى ولو كان الدينان من النقود، أو الطعام، ولا يدخل في بيع الدين بالدين الذي منعه الفقهاء، وجاز فيه كون أحد الدينين أكثر من الآخر وغير ذلك. (١٠)
стр. 17575
الوجه الثاني: أن قياس الحوالة على البيع قياس مع الفارق، لما ذكرنا في الوجه الأول.
الوجه الثالث: أن المقيس عليه نفسه مختلف فيه فلا يصلح أن يكون أصلا ملزمًا للطرفين، فبيع المبيع قبل قبضه – بما فيه المسلم فيه – محل خلاف كما سبق.
ثالثًا: استدلوا بما روي: " من أسلف في شيء فلا يصرفه إلى غيره " (١) .
والجواب عنه – كما سبق – أنه ضعيف جدًا لا ينهض حجة ولو فرضنا ثبوته فلا يدل على منع الحوالة، لأن معناها النهي عن عدم صرف المسلم فيه إلى شيء آخر، ولا يدل الحديث على منع الحوالة به أو عليه.
ويتبين من خلال هذه المناقشة الموجزة ضعف الحجج التي بنى عليها المانعون، حيث لم تصمد أمام المناقشة.
أما المجيزون للحوالة بـ دين السلم، أو عليه فحجتهم قوية – كما سبق.
وقد يرد تساؤل حول حق المحال في الحفاظ على حقه إذا لاحظنا أن المحيل تبرأ ذمته بمجرد الحوالة، وأن المحال عليه (المسلم) يمكن أن ينفسخ سلمه للأسباب المقبولة شرعًا في الفسخ أو الإقالة، وحينئذ ماذا يفعل المحال في الحفاظ على حقه؟
للجواب عن ذلك نقول: إن هذه المسألة تحتاج إلى تفصيل؛ لأن لها شقين:
الشق الأول: هل تبرأ ذمة المحيل إذا تمت الحوالة بشروطها؟
للجواب عن ذلك نقول: إن فيها اختلافًا كبيرًا بين الفقهاء:
١- حيث ذهب الحسن في رواية، وشريح، وزفر إلى أن الحوالة لا يترتب عليها براءة ذمة المحيل مطلقًا، بل تبقى ذمته مع ذمة المحال عليه مشغولة كالكفالة (٢) .
٢- وذهب أبو حنيفة إلى أن المحتال لا يرجع إلى المحيل إلا بالتوى (٣) وهو بأحد أمرين: أن يجحد المحال عليه الحوالة، ويحلف ولا بينة للمحتال والمحيل، أو يموت مفلسًا بغير دين، ولا عين، ولا كفيل.
٣- وأضاف صاحباه إليهما حالة ثالثة وهي: أن يحكم بإفلاسه الحاكم في حياته (٤) .
٤- وذهب الثوري إلى أنه يرجع على المحيل في حالة الموت فقط (٥) .
٥- وذهب الحسن في رواية، وقتادة إلى أنه إذا كان يوم أحال عليه مليئًا لم يكن له حق الرجوع على المحيل (٦) .
٦- وذهب مالك إلى أن المحال لا يرجع على المحيل وإن أفلس المحال عليه، أو جحد بعد الحوالة، غير أن مالكًا استثنى حالتين هما:
الحالة الأولى: أن يعلم المحيل بإفلاسه فقط دون الحال، فحينئذ له الرجوع عليه، لأنه غره، قال الدردير: " والظاهر أن الظن القوي كالعلم، ومثل علمه بإفلاسه علمه بلدده، أو عدمه – أي فقره " (٧) .
وهناك رواية عن أحمد بمثل هذا القول (٨) .
стр. 17576
الحالة الثانية: أن يشترط المال على المحيل أنه إذا أفلس المحال عليه يرجع على المحيل فله شرطه، قال الدسوقي: " ونقله الباجي كأنه المذهب، وقال ابن رشد: هذا صحيح ولا أعلم فيه خلافا. (١)
وذهب وجه للشافعية إلى مثل هذا. (٢)
٧ – وذهب الشافعية، والحنابلة في المشهور عنهم إلى أن الحوالة تبرئ ذمة المحيل إذا جرت بشروطها – ومن رضا الأطراف – ولا سيما المحيل والمحال، وفى المحال عليه خلاف – ومن كون الدين ثابتا، أو مستقرا، وتماثل الدينين أو أن لا يكون ما على المحال عليه أقل – وحينئذٍ ليس للمحال الحق في الرجوع عليه بأي حال من الأحوال. (٣)
فمسألة براءة ذمة المحيل عن الدين ليست منصوصًا عليها، ولا متفقًا عليها، بل الذي يظهر رجحانه هو أن ذمته إنما تبرأ بشروط وضوابط منها أن يكون المحال عليه مليئا وقت الحوالة كما اشترط ذلك النص النبوي الشريف، ومنها أن لا يموت أو يفلس قبل أداء الدين، وأن لا يشترط المحال حق الرجوع إليه مطلقا.
الشق الثانى: أن دين السلم في حالة فسخه يبقى في ذمة المسلم من خلال الثمن، لأنه قد استلم الثمن فعلا، فإما أن يدفع المسلم فيه بشروطه ومواصفاته، وحينئذ يتسلمه المحال كما هو بدلا من دينه الذي كان على المحيل (المسلم إليه) أو تحدث ظروف تؤدي إلى فسخ السلم بشروطه، وحينئذ يتسلم الثمن، وإذا وجد نقص في دينه فإنه يرجع إلى المحيل بناء على الرأي القائل بعدم براءة ذمته – كما سبق -.
وهناك حل آخر، وهو جواز الاعتياض عنه، بل بيعه لآخر بشروطه كما سبق.
ومن هنا فلا مانع أن يشترط في الحوالة على دين السلم، أو به أن يوضع هذا الشرط، وهو أنه في حالة نقص المتسلم عن الدين فإن المحال يرجع إلى المحيل تحقيقًا للعدالة، كما أن المحال ينبغي أن يحتاط لنفسه فلا يقبل إلا في حدود الثمن إلا إذا كان المسلم مليئًا معروفًا بقدرته على الوفاء.
الاحتمال الرابع: أنه إذا انفسخ عقد السلم بإقالة (٤) ، أو غيرها، فهل يجوز أن يأخذ عن دين السلم عوضًا من غير جنسه؟:
هذه المسألة ذكر فيها العلامة ابن القيم وجهين:
أحدهما: أنه لا يجوز ذلك حتى يقبضه، ثم يصرفه فيما يشاء وهذا اختيار الشريف أبي جعفر، وهو مذهب أبي حنيفة.
والثاني: يجوز أخذ العوض عنه، وهو اختيار القاضي أبي يعلى، وشيخ الإسلام ابن تيمية، وهو مذهب الشافعي، وهو الصحيح، فإن هذا عوض مستقر في الذمة فجازت المعاوضة عليه كسائر الديون من القرض وغيره.
стр. 17577
وأيضًا فهذا مال رجع إليه بنسخ العقد فجاز أخذ العوض عنه كالثمن في المبيع.
وأيضًا فحديث ابن عمر في المعاوضة عما في الذمة صريح في الجواز (١) .
وهؤلاء المانعون استدلوا بالحديث السابق وهو: ((من أسلم في شيء فلا يصرفه إلى غيره ... )) وقد سبق أن الحديث ضعيف جدًا لا ينهض حجة، وأنه يحتمل معاني أخرى كما سبق، قال ابن القيم: " ولو صح لم يتناول محل النزاع، لأنه لم صرف المسلم فيه في غيره، وإنما عاوض عن دين السلم بغيره، فأين المسلم فيه من رأس مال السلم؟ (٢) .
واستدلوا كذلك بأنه مضمون على المسلم إليه بعقد السلم فلم تجز المعاوضة عليه قبل قبضه وحيازته كالمسلم منه.
ويجاب عنه بأن قياسكم المنع على نفس المسلم فيه، فالكلام فيه أيضًا قد تقدم، وأنه لا نص يقتضي المنع، ولا إجماع ولا قياس.
قال ابن القيم: " ثم لو قدر بتسليمه لكان الفرق بين المسلم فيه، ورأس مال السلم واضحًا، فإن المسلم فيه مضمون بنفس العقد، والثمن إنما يضمن بعد فسخ العقد فكيف يلحق أحدهما بالآخر فثبت أنه لا نص في المنع، ولا إجماع، ولا قياس " (٣) .
ثم بين ابن القيم أن حكم رأس المال في السلم بعد الفسخ حكم سائر الديون، ولذلك لا يجوز أن يجعل سلمًا في شيء آخر، وأنه إذا أخذ فيه أحد النقدين عن الآخر وجب قبض العوض في المجلس، لأنه صرف بسعر يومه، لأنه غير مضمون عليه، وإن عاوض عن المكيل بمكيل، أو عن الموزون بموزون من غير جنسه كقطن بحرير، أو كتان وجب قبض عوضه في مجلس التعويض، وإن بيع بغير مكيل، أو موزون كالعقار والحيوان فهل يشترط القبض في مجلس التعويض؟ فيه وجهان:
أصحهما: لا يشترط، وهو منصوص أحمد.
والثاني: يشترط. .. (٤) .
قال ابن القيم: "ونظير هذه المسألة: إذا باعه ما يجري فيه الربا كالحنطة مثلاً بثمن مؤجل فحل الأجل فاشترى بالثمن حطنة أو ميكلاً آخر من غير المجلس مما يمتنع ربا النساء بينهما، فهل يجوز ذلك؟ فيه قولان:
أحدهما: المنع، وهو المأثور عن ابن عمر، وسعيد بن المسيب، وطاوس، وهو مذهب مالك، وإسحاق.
والثاني: الجواز، وهو مذهب الشافعي وأبي حنيفة (٥) ، وبه قال جابر بن زيد، وسعيد بن جبير، وعلي بن الحسين، وهو اختيار صاحب المغني (٦) وشيخنا. . . " (٧) .
ثم قال: " والصحيح الجواز، لما تقدم، قال عبد الله بن زيد: قدمت على علي بن حسين، فقلت له: " إني أجد نخلي، وأبيع ممن حضرني التمر إلى أجل فيقدمون بالحنطة، وقد حل الأجل فيوقفونها بالسوق، فأبتاع منهم، وأقاصهم؟ قال: لا بأس بذلك، إذا لم يكن منك على رأي "، يعني إذا لم يكن حيلة مقصودة. فهذا شراء للطعام بالدراهم التي في الذمة بعد لزوم العقد الأول، فصح، لأنه لا يتضمن ربا بنسيئة ولا تفاضل، والذين يمنعون ذلك يجوزون أن يشتري منه الطعام بدراهم، ويسلمها إليه، ثم يأخذها منه وفاء أو نسيئة منه بدراهم في ذمته، ثم يقاصه بها، ومعلوم أن شراءه الطعام منه بالدراهم التي في ذمته أيسر من هذا، وأقل كلفة والله أعلم " (٨) .
стр. 17578
والخلاصة أن الإقالة جائزة في عقد السلم بالاتفاق، وأن المسلم إليه (المشتري) له الحق في أن يأخذ بدل رأس ماله (دينه) أي شيء من المسلم، مع ملاحظة قواعد الصرف فيما لو كان رأس ماله نقدًا، ويأخذ الآن نقدًا آخر مكانه، أما لو كان رأس ماله عينًا فيسترد مثله إن كان مثليا، وقيمته إن كان قيميا.
وكذلك له الحق في أن يشتري برأس مال السلم – بعد فسخه – أي شيء آخر مع ملاحظة قواعد الربا في النقود والطعام، ولكنه لا يجوز له أن يشتري به دينًا نسيئة، لأنه لا يجوز بيع الدين النسيء.
وله الحق في الحوالة، والتولية والإشراك، والصلح ونحو ذلك، كما سبق.
صور من بيع الدين المعاصر بناءً على ما أسند إلى الشافعية!!
يلاحظ أن بعض البلاد التي يسود فيها المذهب الشافعي تقوم بعض مؤسساتها المالية الإسلامية ببيع دين المرابحة، وحتى بعض علمائها حل معاملات شبيهة بخصم الكمبيالات (سندات الدين) التجارية، فمن هذه الصور أن يقوم المصرف اليوم ببيع سلعة بالمرابحة إلى أحمد بثمن مقدر بعشرة آلاف دولار (مثلاً) لمدة سنة، وحينئذ يتحول الثمن إلى دين يستحق الأداء بعد سنة موثق بسندات القبض، وعندئذ يقوم المصرف ببيع تلك السندات على محمود حالاً أو في زمن أقل من السنة مثلاً بمبلغ أقل من دين المرابحة، ثم يقوم محمود باستيفاء الدين كاملاً (قيمة الصفقة السابقة بين المصرف وأحمد) بعد انتهاء مدته.
تحقيق مذهب الشافعية في بيع الدين:
وبالرجوع إلى المصادر المعتمدة في المذهب الشافعي نرى أن خلافه ليس في بيع الدين بالدين على التفصيل الذي ذكرناها، وإنما خلافه في بيع الدين بالعين، كما ظهر ذلك من خلال ما نص عليه الشافعي وفقهاء المذهب، فقد جاء في الأم: " من سلف في طعام موصوف فحل السلف، فإنما له طعام في ذمة بائعه، فإن شاء أخذه به كله حتى يوفيه إياه، وإن شاء تركه كما يترك سائر حقوقه إذا شاء، وإن شاء أخذ بعضه وأنظره ببعض، وإن شاء أقاله منه كله. .. ".
ثم قال: " فالقياس والمعقول مكتفى به فيه " كما ذكر عدة آثار تدل على ذلك (١) .
وقد لخص الأئمة الشيرازي والرافعي والنووي مذهب الإمام الشافعي في بيع الديون، جاء في المهذب: " وأما الديون فينظر فيها فإن كان الملك عليها مستقرًا كغرامة المتلف، وبدل القرض جاز بيعه ممن عليه قبل القبض، لأن ملكه مستقر عليه، فجاز بيعه كالمبيع بعد القبض، وهل يجوز من غيره؟ فيه وجهان:
أحدهما: يجوز، لأن ما جاز بيعه ممن عليه جاز بيعه من غيره كالوديعة.
والثاني: لا يجوز، لأنه لا يقدر على تسليمه إليه، لأنه ربما منعه، أو جحده، وذلك غرر لا حاجة به إليه فلم يجز.
والأول أظهر، لأن الظاهر أنه يقدر على تسليمه إليه من غير منع ولا جحود وإن كان الدين غير مستقر نظرت فإن كان مسلما فيه لم يجز بيعه.
وإن كان ثمنا في بيع ففيه قولان: قال في الصرف: " يجوز بيعه قبل القبض لما روى ابن عمر، قال: " كنت أبيع الإبل بالبقيع (٢) بالدنانير فآخذ الدراهم وأبيع بالدراهم فآخذ الدنانير، فقال رسول الله ﷺ : ((لا بأس بذلك ما لم تتفرقا وبينكما شيء)) (٣) ، ولأنه لا يخشى من انفساخ العقد فيه بالهلاك فصار كالبيع بعد القبض.
стр. 17579
ورى المزني في جامعه الكبير أنه لا يجوز. . . . ". (١)
وقال النووي في شرحه: " وهل تجوز الحوالة به بأن يحيل المسلم إليه المسلم بحقه على من له عليه دين قرض، أو إتلاف أو الحوالة عليه بأن يحيل المسلم من عليه قرض دين أو إتلاف على المسلم إليه فيه ثلاثة أوجه:
أصحها: لا، والثانى: نعم، والثالث: لا يجوز عليه، ويجوز به. ..
ثم قال: " فإذا باع بدراهم أو دنانير في الذمة ففي الاستبدال عنها طريقان. ...
أحدهما: القطع بالجواز. ... وأما الأجرة فكالثمن، وأما الصداق وبدل الخلع، فكذلك إن قلنا: إنهما مضمونان ضمان العقد، وإلا فهما كبدل الإتلاف.
ثم قال: " وإن جوزنا الاستبدال فلا فرق بين بدل وبدل، ثم ينظر إن استبدل ما يوافقهما في علة الربا كدنانير عن دراهم اشترط قبض البدل في المجلس، وكذا إن استبدل عن الحنطة المبيعة شعيرًا إن جوزنا ذلك.
وفي اشتراط تعيين البدل عند العقد وجهان:
أحدهما: بشرط، وإلا فهو بيع دين بدين.
وأصحهما: لا يشترط كما لو تصارفا في الذمة، ثم عينا وتقابضا في المجلس.
وإن استبدل ما ليس موافقًا لها في علة الربا كالطعام والثياب عن الدراهم نظر:
إن عين البدل والاستبدال جاز، وفي اشتراط قبضه في المجلس وجهان.
صحح الغزالي وجماعة الاشتراط، وهو ظاهر نصه في المختصر.
وصحح الإمام والبغوي عدمه، قلت: هذا الثاني أصح، وصححه الرافعي في المحرر. وإن لم يعين، بل وصف في الذمة فعلى الوجهين السابقين، وإن جوزناه اشترط التعيين في المجلس وفي اشتراط القبض الوجهان:
ثم قال: وأما دين القرض والإتلاف فيجوز الاستبدال عنه بلا خلاف كما لو كان له في يد غيره مال بغصب، أو رعاية فإنه يجوز بيعه له. . . ولا يجوز استبدال المؤجل عن الحال ويجوز عكسه.
وهذا الذي ذكرناه كله في الاستبدال وهو بيع الدين ممن هو عليه، فأما بيعه لغيره كمن له على رجل مائة فاشترى من آخر عبدًا بتلك المائة، ففي صحته قولان مشهوران: أصحهما: لا يصح لعدم القدرة على التسليم.
والثاني: يصح بشرط القبض في المجلس.
ثم قال: " ولو كان له دين على إنسان ولآخر مثله على ذلك الإنسان فباع أحدهما ما له عليه بما لصاحبه، لم يصح سواء اتفق الجنس أو لا، لنهيه ﷺ عن بيع الكالئ بالكالئ " (٢) .
وهذا الكلام هو ملخص لما ذكره الرافعي في شرح الوجيز (٣) وعليه نصوص الكتب الشافعية (٤) حيث تدل على أنه ليس هناك خلاف للشافعية في عدم جواز بيع الدين بالدين، وأن قواعد الصرف تنسحب على كل التعامل الذي يجري بالدين حيث يشترط فيه التماثل والتقابض في المجلس إذا كانا من جنس ربوي واحد، والتقابض في المجلس إذا كان من جنسين ربويين مختلفين، أما إذا كانا من غير ذلك فتطبق عليه القواعد العامة في البيع، بأن كان الدين دراهم ودنانير (النقود) والمستبدل عنه طعامًا، أو غيره من القيميات، أو المثليات (ما عدا النقود) فيجوز البيع زيادة ونقصانًا ودون الحاجة إلى القبض في المجلس.
وأما إذا كان الدين غير النقود بأن باع بغيرها في الذمة مثل أن باع جمله بسيارة موصوفة في الذمة فيجوز الاستبدال عنها بأي شيء آخر على أحد الوجوه. (٥)
стр. 17580
جاء في المنهاج للنووي وشرحه للمحلي: " ولا يشترط في الأصح القبض للبدل ما لا يوافق في العلة للربا كثوب عن دراهم، كما لو باع ثوبًا بدراهم في الذمة، لا يشترط قبض الثوب في المجلس، والثاني يشترط لأن أحد العوضين دين، فيشترط قبض الآخر في المجلس كرأس مال السلم " (١) .
وأما بيع الدين لغير من عليه الدين ففيه خلاف بين الشافعية على قولين، أحدهما يصح، والآخر لا يصح، مع خلاف في الترجيح لأحدهما، وعلى القول بالصحة؛ قال المحلي: "يشترط عليه قبض العوضين " في المجلس، فلو تفرقا قبل قبض أحدهما بطل البيع كذا في الروضة وأصلها كالتهذيب، وفي المطلب أو مقتضى كلام الكثيرين يخالفه (٢) قال القليوبي معلقًا على ما هو المعتمد في الروضة وأصلها: "وعلم أنه لا فرق بين ما اتفقا في علة الربا وعدمه على المعتمد الذي اقتضاه كلام الشيخين" (٣) ، ولكن النووي في زيادات الروضة قال: " الأظهر الصحة" أي دون الحاجة إلى القبض في المجلس (٤) .
الخلاصة:
فعلم مما سبق أن ما يجري من تلك الدولة من بيع الدين المؤجل لشخص آخر بثمن معجل أقل من الدين لا يجوز أبدًا عند الشافعية، وليس عليه أي قول من أقوال الإمام الشافعي، ولا وجه من وجوه أصحابه، وإنما هو نابع من عدم فهم بعض العبارات المطلقة الواردة في جواز بيع الدين دون الخوض في مرادها وما تتطلبها قواعد المذهب في مسائل الصرف ونحوها.
كما أن ذلك لا يجوز عند أحد من الفقهاء السابقين – حسب علمي – بل هو داخل في ربا النسيئة، ولا يختلف عن سندات الدين التي صدر بحظرها قرارات المجامع الفقهية. هذا والله أعلم.
стр. 17581
خلاصة أحكام التصرف في الدين
ينقسم التصرف في الدين إلى تصرف من الدائن، وتصرف من المدين، ثم إن التصرف من الدائن قد يكون مع المدين نفسه أو مع غيره.
١ – تصرف الدائن في دينه، للمدين نفسه أو لغيره:
التصرف في الدين إذا كان بتمليكه للمدين نفسه فإما أن يكون الدين مملوكا للدائن بصورة مستقرة، كبدل القرض وثمن المبيع والمهر بعد الدخول، وإما أن يكون ملكه له غير مستقر كالأجرة قبل استيفاء المنفعة والمهر قبل الدخول.
١ /١ – تصرف المدين في الدين للمدين نفسه فيما ملكه مستقر عليه:
١/١ / ١ – لا خلاف بين الفقهاء في جواز تمليك الدائن للمدين نفسه دينا استقرت ملكيته، لأن ذلك التصرف يقع من المالك فيما استقر ملكه عليه وهو من قبيل الاستبدال (البيع) أو الهبة (الإسقاط) . والدليل على ذلك من السنة قول ابن عمر، ﵁: كنت أبيع الإبل بالدنانير وآخذ مكانها الدراهم وأبيع بالدراهم وآخذ مكانها الدنانير، فأتيت النبي ﷺ ، فسألته عن ذلك فقال: ((لا بأس إذا تفرقتما وليس بينكما شيء)) .
١/ ١ / ٢- ويستثنى من جواز تمليك الدين بعوض (عند جمهور الفقهاء) بدل الصرف ورأس مال السلم، فلا يجوز التصرف فيهما قبل القبض، لأن ذلك يخل بشرط صحتهما وهو القبض قبل الافتراق وإذا باع الذهب الذي في الذمة بفضة اشترط قبضها في المجلس.
١/ ١/ ٢/ ١- وفي تمليك الدين للمدين يجوز عند بعض الفقهاء أن يكون العوض نفسه دينا ويسمى ذلك (تطارح الدينين) وهو إن يبيع دينا له بدين عليه للمدين ولكن شريطة حلول أجل الدينين وبراءة الذمتين، إذ يعتبر حلول الأجلين بمثابة التقابض، ولذا يسمي هؤلاء الفقهاء هذه المعاملة (الصرف في الذمة) . وأما حديث النهي عن بيع الكالئ بالكالئ – أي الدين بالدين – فالمراد الدين الواجب بالدين الواجب، أي السلف المؤجل من الطرفين. وههنا دينان ساقطان، وليس في تحريم ذلك نص ولا تترتب في هذا مفسدة بيع الدين بالدين (حيث تبقى الذمة مشغولة مع وجود العقد، والمقصود من العقود القبض فلم يحصل) ، أما هنا فقد حصلت بالبيع براءة كل منهما من دين صاحبه.
стр. 17582
١ / ١ / ٢/ ٢- كما يجوز أيضا عند بعض الفقهاء تمليك الدين بجعله رأس مال للسلم، لأنه قبض حكمي، فلم يتحقق فيه انتفاء قبض رأس مال السلم، لأنه بالتمليك للمدين صار مقبوضا فارتفع المانع ويسمى هذا (بيع الساقط بالواجب) .
١/ ١/ /٢ / ٣- في حالة بيع الدائن دينه إلى المدين نفسه بشيء موصوف في الذمة يشترط قبض العوض قبل التفرق كي لا يكون بيع دين بدين، أما إذا كان العوض شيئا معينا فلا يشترط قبضه اكتفاء بتعينه.
١ / ٢ – تصرف المدين في الدين للمدين نفسه فيما لم يستقر ملكه عليه:
التصرف من الدائن مع المدين في دين غير مستقر الملك، كالأجرة قبل استياء المنفعة، والمسلم فيه، والمهر قبل الدخول إذا كان بغير عوض فهو جائز، لأنه إسقاط. أما بعوض فيختلف الحكم في السلم عن غيره.
١ / ٢ / ١ – بيع السلم:
يجوز عند بعض الفقهاء الاعتياض عن الدين المسلم فيه إذا كان بثمن المثل أو دونه لا أكثر منه لأنه لا يندرج بهذا القيد في جر منفعة بالسلف، أما إذا كان بأكثر ففيه ذلك المحذور. وبعض الفقهاء منع ذلك مطلقا لأن دين السلم غير مستقر لاحتمال فسخه بانقطاع المسلم فيه، فلا يصح البيع أصلا.
١/٢/٢ – غير دين السلم من الديون التي لم يستقر ملك الدائن لها. يجوز الاستبدال عن تلك الديون.
٢ - تمليك الدائن دينه لغير مدينه:
يجوز عند بعض الفقهاء تمليك الدائن دينه لغير مدينه بعوض وبغير عوض إذا انتفى غرر العجز عن تسليمه، ولم يقترن به شيء من المحظورات كربا النسيئة، وبيع الدين بالدين.
يتم هذا عن طريق الحوالة، وأحكامها معروفة.
* وفى جميع الأحوال لا يجوز بيع الدين لغير من هو عليه بأقل من قدره نظير الأجل الذي ينتظر إليه مشتري الدين (خصم الكمبيالات والسندات) لأن هذا من الربا المحرم.
علي محيى الدين القره داغي
стр. 17583
بيع الدين
أحكامه – تطبيقاته المعاصرة
إعداد
أ. د نزيه كمال حماد
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
بيع الدين
أحكامه – تطبيقاته المعاصرة
ويتألف هذا البحث من تمهيد ومبحثين وخاتمة:
التمهيد
حقيقة الدين
١- يطلق الفقهاء كلمة الدين في اصطلاحهم باعتبارين: اعتبار التعلق، واعتبار المضمون:
* أما باعتبار التعلق: فيرد استعمالهم للدين في مقابل العين، حيث يقولون:
العين: هي الشيء المعين المشخص، كبيت وسيارة وحصان وكرسي وصبرة حنطة وصبرة دراهم حاضرتين. فكل ذلك بعد من الأعيان. والدين: هو ما يثبت في الذمة من غير أن يكون معينًا مشخصا، سواء أكان نقدا أو غيره (١) . وعلى ذلك قال المقري في قواعده: " المعين لا يستقر في الذمة، وما تقرر في الذمة لا يكون معينا ". (٢)
وأساس التمييز بين العين والدين في هذا التقسيم الفقهي هو الاختلاف والتباين في التعلق، حيث إن الدين يتعلق بذمة المدين، ويكون وفاؤه بدفع أية عين مالية مثلية من جنس الدين الملتزم به ولهذا صحت فيه الحوالة والمقاصة، بخلاف العين، فإن الحق يتعلق بذاتها، ولا يتحقق الوفاء في الالتزام بها إلا بأدائها بعينها، ومن أجل ذلك لم تصح الحوالة أو المقاصة في الأعيان، لأنها إنما تستوفي بذواتها لا بأمثالها. (٣)
* وأما باعتبار المضمون والمحتوى: فقد استعمله الفقهاء بمعنيين أحدهما أعم من الآخر.
أ – أما الدين بالمعنى الأعم: فيشمل كل ما ثبت في الذمة من أموال – أيًّا كان سبب وجوبها – أو حقوق محضة، كسائر الطاعات من صلاة وصيام ونذر وحج ونحوها. "لأن الدين لزوم حق في الذمة" (٤) .
وبناءً على هذا الاعتبار، فلا يشترط في الدين أن يكون مالاً، ولو كان مالاً فلا يشترط فيه أن يكون ثابتًا في معارضة أو إتلاف أو قرض فحسب. وعلى ذلك عرف بأنه: " وصف شرعي في الذمة يظهر أثره عند المطالبة " (٥) .
стр. 17584
وقد جرى عامة الفقهاء على استعمال كلمة (دين) بهذا المعنى، كما ورد استعمالها به في كثير من الأحاديث النبوية.
ب- وأما الدين بالمعنى الأخص: (أي في الأموال) فقد اختلف الفقهاء في حقيقته على قولين:
أحدهما للحنفية؛ وهو أن الدين عبارة عما يثبت في الذمة من مال في معاوضة أو إتلاف أو قرض. وبناءً على ذلك عرفه ابن عابدين بقوله: "الذين: ما وجب في الذمة بعقد أو استهلاك، وما صار في ذمته دينًا باستقراضه" (١) .
والثاني لجمهور الفقهاء من الشافعية والمالكية والحنابلة؛ وهو أن الدين عبارة عن " ما يثبت في الذمة من مال بسبب يقتضي ثبوته". فتدخل فيه كل الديون المالية، سواء منها ما ثبت في نظير عين مالية وما ثبت في نظير منفعة وما ثبت حقًّا لله تعالى من غير مقابل كالزكاة، وتخرج عنه سائر الديون غير المالية من صلاة فائتة وإحضار خصم إلى مجلس الحكم ونحو ذلك (٢) .
الدين الحال والمؤجل:
٢- لقد قسم الفقهاء الدين باعتبار وقت أدائه إلى قسمين: حال، ومؤجل (٣) .
* فالدين الحال: هو ما يجب أداؤه عند طلب الدائن، وتجوز المطالبة بأدائه على الفور، والمخاصمة فيه أمام القضاء، سواء أكان كذلك في أصله، أم كان مؤجلا فحل أجله.
* والدين المؤجل: هو ما لا يجب أداؤه قبل حلول أجله، ولا تصح المطالبة به إلا عند حلول الأجل، لكن يجوز للمدين أن يعجل الأداء ويسقط الأجل، وليس للدائن أن يمتنع من أخذه إلى إذا كان في ذلك ضرر عليه.
والدين المؤجل قد يكون منجمًا على أقساط، لكن قسط منه أجل معلوم، وعند ذلك يجب الوفاء بكل قسط في الموعد المضروب له، ولا يجبر المدين على أدائه قبل حلول أجله.
стр. 17585
المبحث الأول
أحكام بيع الدين
٣- لقد ذهب ابن حزم الظاهري إلى عدم جواز بيع الدين مطلقًا في جميع صوره وحالاته (١) ، خلافًا لجمهور الفقهاء الذين أجازوا بعض صوره، وحظروا بعضها الآخر، ولهم في أحكامه تفصيلات وتقييدات، وخلاف وتعدد مقولات، وقد فرقوا فيها بين ما إذا كان البيع من المدين نفسه أو من غيره، وبين ما إذا كان الدين حالاً أو مؤجلاً، وبين ما إذا كان الثمن حالاً أو مؤجلاً. وبيان مذاهبهم منحصر في الصور الثمان التالية:
الصورة الأولى – بيع الدين المؤجل للمدين بثمن مؤجل:
٤- لقد ذهب جمهور الفقهاء من الحنفية والشافعية والمالكية والحنابلة في المذهب إلى عدم جواز بيع الدين المؤجل من المدين بثمن مؤجل، لأنه من بيع الكالئ بالكالئ (أي الدين المؤخر بالدين المؤخر) ، وقد نهى النبي ﷺ (٢) عنه، ووقع الإجماع على فساده.
جاء في (المبدع) : " ولا يجوز بيع الكالئ بالكالئ: وهو بيع ما في الذمة بثمن مؤجل لمن هو عليه " (٣) .
وجاء في (تكملة المجموع) للسبكي: "تفسير بيع الدين بالدين المجمع على منعه: وهو أن يكون للرجل على الرجل دين، فيجعله عليه في دين آخر مخالف له في الصفة أو القدر، فهذا هو الذي وقع الإجماع على امتناعه " (٤) .
وجاء في (منحة الخالق) لابن عابدين نقلاً عن جواهر الفتاوى: " رجل له على آخر حنطة غير السلم، فباعها منه بثمن معلوم إلى شهر لا يجوز، لأن هذا بيع الكالئ بالكالئ، وقد نهينا عنه " (٥) .
٥- وذهب ابن تيمية وتلميذه ابن القيم إلى جوازه (٦) ، واحتجوا على ذلك:
أ- بأن لكل واحد منهما فيه غرضًا صحيحًا ومنفعة مطلوبة، إذ تبرأ ذمة المدين عن دينه الأول، وتنشغل بدين آخر، قد يكون وفاؤه أسهل عليه وأنفع للدائن، وإذا كان الأمر كذلك، فإنه يكون جائزًا شرعًا، لأن التعامل إنما شرع لجلب منافع الناس وتحصيل مصالحهم.
стр. 17586
ب- وبأن بيع الكالئ بالكالئ المنهي عنه بالإجماع هو أن يبيع المرء شيئًا موصوفًا في الذمة إلى أجل بثمن مؤجل، أما غير هذه الصورة فهي محل خلاف العلماء. قال ابن تيمية: "والإجماع إنما هو في الدين الواجب بالدين الواجب، كالسلف المؤجل من الطرفين " (١) . أما بيع الدين الساقط بالواجب كما هو الحال في هذه الصورة فلم يرد عنه نهي لا بلفظه ولا بمعناه. قال ابن القيم: " والساقط بالواجب: كما لو باعه دينًا له في ذمته بدين آخر من غير جنسه، فسقط الدين المبيع، ووجب عوضه، وهو بيع الدين ممن هو في ذمته. . . وإذا جاز أن يشغل أحدهما ذمته، والآخر يحصل على الربح – وذلك في بيع العين بالدين – جاز أن يفرغها من دين ويشغلها بغيره، وكأنه شغلها به ابتداءً، إما بقرض أو بمعاوضة، فكانت ذمته مشغولة بشيء، فانتقلت من شاغل إلى شاغل، وليس هناك بيع كالئ بكالئ، وإن كان بيع دين بدين، فلم ينه الشارع عن ذلك لا بلفظه ولا بمعنى لفظه، بل قواعد الشرع تقتضي جوازه، فإن الحوالة اقتضت نقل الدين وتحويله من ذمة المحيل إلى ذمة المحال عليه، فقد عاوض المحيل المحتال من دينه بدين آخر في ذمة ثالث، فإذا عاوضه من دينه على دين آخر في ذمته كان أولى بالجواز " (٢) .
٦- وبالنظر في أدلة الفريقين يبدو لي رجحان قول جمهور الفقهاء بعدم جواز هذه الصورة، وذلك لصدق (بيع الكالئ بالكالئ) المنهي عنه بإجماع الفقهاء عليها (٣) ، حيث إن معناها (بيع النسيئة بالنسيئة) أو (بيع الدين المؤخر الذي لم يقبض بالدين المؤخر) باتفاق أهل العلم (٤) ، وهذه الصورة من مشتملاته. قال ابن هبيرة الحنبلي في (الإفصاح) : "واتفقوا على أن بيع الكالئ بالكالئ باطل" (٥) . ولأن قصر شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم معنى بيع الكالئ بالكالئ على صورة السلف المؤجل من الطرفين غير مسلم، لافتقاره إلى دليل يفيده، ولوجود صور أخرى يصدق عليها معناه وتدخل تحت عمومه، وقد نقل الإجماع على حظر بعضها باعتبارها من أفراده، ومنها هذه الصورة.
стр. 17587
الصورة الثانية – بيع الدين الحال للمدين بثمن مؤجل:
٧- وقد ذهب جمهور الفقهاء من الحنفية والشافعية والمالكية والحنابلة في المذهب إلى عدم جوازها، لأنها من بيع الكالئ بالكالئ الذي ورد النهي عنه، وأجمع الفقهاء على حظره. ويسمي المالكية هذه الصورة (فسخ الدين في الدين) لأن ما في ذمة المدين من الدين الأول قد فسخ وزال بالتزامه دينًا آخر بدله (١) .
قال أبو عبيد القاسم بن سلام: " النسيئة بالنسيئة في وجوه كثيرة من البيع، منها: أن يسلم الرجل إلى الرجل مائة درهم إلى سنة في كر طعام، فإذا انقضت السنة وحل الطعام، قال الذي عليه الطعام للدافع: ليس عندي طعام، ولكن بعني هذا الكر بمائتي درهم إلى شهر، فيبيعه منه، ولا يجري بينهما تقابض. فهذه نسيئة انقلبت إلى نسيئة، ولو كان قبض الطعام منه، ثم باعه منه أو من غيره بنسيئة لم يكن كالئًا بكالئ" (٢) .
وقال المطرزي: " النسيئة بالنسيئة هو أن يكون على رجل دين، فإذا حل أجله استباعك ما عليه إلى أجل " (٣) .
وقال الباجي: " بيع ثوب إلى أجل بحيوان على بائعه إلى أجل أدخل في باب الكالئ بالكالئ" (٤) .
٨- وخالفهم في ذلك ابن تيمية وتلميذه ابن القيم، وقالوا بجواز هذا البيع، وحجتهم على ذلك نفس الحجة التي ساقوها على الصورة السابقة وهي بيع الدين المؤجل للمدين بثمن مؤجل (٥) .
٩- والراجح في نظرية ما ذهب إليه جمهور الفقهاء من عدم جواز هذه الصورة، وذلك لصحة اندراجها تحت مفهوم بيع الكالئ بالكالئ المحظور بإجماع أهل العلم، ولأنها ذريعة إلى ربا النسيئة، حيث إن استبدال الدين الحال بدين مؤجل من غير جنسه مظنة الزيادة في الدين في مقابل الأجل الممنوع للمدين، وذلك في معنى ربا الجاهلية (تقضي أم تربي) . وقد نبه إلى هذا المعنى القاضي عياض بقوله في معنى بيع الكالئ بالكالئ: "وتفسيره: أن يكون لرجل على آخر دين من بيع أو غيره، فإذا جاء لاقتضائه لم يجده عنده، فيقول له: بع مني شيئًا إلى أجل أدفعه إليك – وما جانس هذا – ويزيده في المبيع لذلك التأخير، فيدخله السلف بالنفع" (٦) .
стр. 17588
الصورة الثالثة – بيع الدين الحال للمدين بثمن حال:
١٠ – لقد فرق الفقهاء في هذه الصورة بين حالتين، حالة ما إذا كان الدين مستقرًا، وحالة ما إذا كان غير مستقر.
الحالة الأولى: فإن كان الدين مستقرًا، كغرامة المتلف، وبدل القرض، وقيمة المغصوب، وبدل الخلع، وثمن المبيع، والأجرة بعد استيفاء المنفعة، والمهر بعد الدخول، فقد ذهب جمهور الفقهاء من الحنفية والشافعية والمالكية والحنابلة إلى جواز بيعه من المدين بثمن حال (١) .
واحتجوا على ذلك:
أ- بما ورى أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه والحاكم والبيهقي والدارقطني وغيرهم عن ابن عمر، ﵁، قال: أتيت النبي ﷺ ، فقلت: إني أبيع الإبل بالنقيع، فأبيع بالدنانير، وآخذ مكانها الدراهم، وأبيع بالدراهم، وآخذ مكانها الدنانير، فقال ﵊: ((لا بأس إذا تفرقتما وليس بينكما شيء)) (٢) . قالوا: فهذا ابن عمر يأخذ الدنانير مكان الدراهم، والدراهم مكان الدنانير، وهو بيع لأحدهما بالآخر، ويقره النبي ﷺ ، على ذلك، فكان ذلك دليلاً على جواز بيع ما في الذمة من أحد النقدين بالآخر إذا كان المشتري هو المدين، وكان الثمن حالاً، وإذا جاز بيع أحد النقدين بالآخر جاز بيع غيرهما مما يثبت في الذمة من باب أولى.
ب- وأن ما في ذمة المدين مقبوض له، فإذا دفع ثمنه للدائن كان ذلك بيع مقبوض بمقبوض، وهو جائز شرعًا.
١١- واشترط ابن تيمية وابن القيم – وهو قول الإمام أحمد – لصحة ذلك الاعتياض أن يكون بسعر يومه (٣) لقوله ﷺ في بعض روايات حديث ابن عمر: ((لا بأس إذا كان بسعر يومه إذا افترقتما وليس بينكما شيء)) (٤) . حيث شرط النبي، ﵊، لصحة الاعتياض عن الدين أن يكون بسعر يومه، أي بثمن المثل أو دونه، لا أكثر منه، لئلا يربح الدائن فيما لم يضمن، حيث صح عن النبي ﷺ النهي عن ربح ما لم يضمن (٥) . وما ذهب إليه الشيخان ابن تيمية وابن القيم قول وجيه، وفقه في المسألة سديد.
١٢- واستثنى جمهور الفقهاء من الحنفية والشافعية والحنابلة من قولهم بجواز بيع الدين من المدين بثمن حال بدل الصرف ورأس مال السلم، فلم يجيزوا بيع أي منهما للمدين قبل قبضه، لأن في ذلك تفويتا ًلشرط الصحة، وهو القبض في بدلي الصرف ورأس مال السلم قبل الافتراق (٦) .
стр. 17589
الحالة الثانية: أما إذا كان الدين غير مستقر، كالمسلم فيه، والأجرة قبل استيفاء المنفعة أو مضي زمانها، والمهر قبل الدخول ونحو ذلك، فقد فرق الفقهاء في حكم بيعه من المدين بين ما إذا كان دين سلم أو غيره (١) :
أولاً – دين السلم:
١٣- لقد اختلف الفقهاء في صحة بيع رب السلم الدين المسلم فيه للمدين على قولين:
أحدهما: لجمهور الفقهاء من الحنفية والشافعية والحنابلة؛ وهو أنه لا يصح بيع المسلم فيه ممن هو في ذمته، لقوله ﷺ : ((من أسلم في شيء فلا يصرفه إلى غيره)) (٢) . حيث دل على حظر بيع دين السلم من صاحبه أو غيره (٣) .
والثاني: للمالكية وأحمد في رواية عنه صححها ابن تيمية وتلميذه ابن القيم، وهو قول ابن عباس، وهو جواز بيع المسلم فيه قبل قبضه لمن هو في ذمته بثمن المثل أو دونه لا أكثر منه (٤) . قال ابن المنذر: "ثبت عن ابن عباس أنه قال: "إذا أسلفت في شيء إلى أجل، فإن أخذت ما أسلفت فيه، وإلا فخذ عوضًا أنقص منه، لا تربح مرتين" (٥) .
* واحتجوا على جواز بيعه من المدين بثمن المثل أو دونه:
أ – أنه قول ابن عباس، ﵁، ولا يعرف له في الصحابة مخالف.
ب- وبأن دين السلم دين ثابت، فجاز الاعتياض عنه كبدل القرض والثمن في البيع.
ج – وبأنه أحد العوضين في البيع، فجاز الاعتياض عنه كالعوض الآخر.
стр. 17590
د – ولأن حديث ((من أسلم في شيء فلا يصرفه إلى غيره)) ضعيف لا تقوم به حجة كما ذكر علماء الحديث. قال الحافظ ابن حجر: " فيه عطية بن سعد العوفي، وهو ضعيف. وأعله أبو حاتم والبيهقي وعبد الحق وابن القطان بالضعف والاضطراب " (١) . وحتى لو ثبت، فمعنى لا يصرفه إلى غيره: أي لا يصرفه إلى سلم آخر ببدل مؤجل، أو لا يبعه بثمن مؤجل، وذلك خارج عن محل النزاع. قال ابن القيم: " فثبت أنه لا نص في التحريم ولا إجماع ولا قياس، وأن النص والقياس يقتضيان الإباحة (٢) .
* واستدلوا على عدم جواز الاعتياض عنه ببدل يساوي أكثر من قيمته (٣) :
أ – أن يتهم في الأكثر بسلف جر نفعًا.
ب- ولأن دين السلم مضمون على البائع، ولم ينتقل إلى ضمان المشتري، فلو باعه المشتري من المسلم إليه بزيادة، فيكون رب السلم قد ربح فيما لم يضمن، وقد صح عن النبي ﷺ أنه نهى عن بيع ما لم يضمن.
١٤- غير أن المالكية اشترطوا لصحة جواز بيعه من المسلم إليه ببدل حال ثلاثة شروط بينها الخرشي بقوله: " يجوز للمسلم إليه أن يقضي دين السلم من غير جنس المسلم فيه، سواء حل الأجل أم لا، بشروط ثلاثة:
الأول: أن يكون المسلم فيه مما يباع قبل قبضه (وهو ما سوى الطعام) كما لو أسلم ثوبًا في حيوان، فأخذ عن ذلك الحيوان دراهم، إذ يجوز بيع الحيوان قبل قبضه.
الثاني: أن يكون المأخوذ مما يباع بالمسلم فيه يدًا بيد، كما لو أسلم دراهم في ثوب مثلاً، فأخذ عنه طشت نحاس، إذ يجوز بيع الطشت بالثواب يدا بيد.
الثالث: أن يكون المأخوذ مما يجوز أن يسلم فيه رأس المال، كما لو أسلم دراهم في حيوان، فأخذ عن ذلك الحيوان ثوبًا، فإن ذلك جائز، إذ يجوز أن يسلم الدراهم في الثوب" (٤) .
١٥- وعندي أن مذهب المجيزين بشرط أن يكون البيع بثمن المثل أو دونه لا أكثر منه أولى بالاعتبار والترجيح لقوة مسندهم ونصاعة برهانهم، وسلامته من الإيراد عليه.
стр. 17591
ثانيًا – الديون الأخرى غير المستقرة:
١٦- اختلف الفقهاء في حكم بيع ما لم يستقر عليه ملك الدائن من الديون – غير السلم – لعدم قبض المدين البدل المقابل لها، كالأجرة قبل استيفاء المنفعة أو مضي زمانها، وكالمهر قبل الدخول، والجعل قبل العمل ونحو ذلك على قولين:
أحدهما: للحنابلة في المذهب؛ وهو عدم جواز بيعها ممن هي عليه، لأن ملكه عليها غير تام (١) .
والثاني: للحنفية والشافعية في الأظهر وأحمد في رواية، وهو جواز بيعها ممن عليه الدين، كالديون التي استقر عليها ملك الدائن، إذ لا فرق بينهما (٢) . وقد صحح ابن تيمية وابن القيم هذا القول بشرط أن يكون الاعتياض عنها بسعر يومها أو أقل، كما هو الشأن في الديون الأخرى عندهم (٣) . وهو الراجح في نظري.
الصورة الرابعة – بيع الدين المؤجل للمدين بثمن حال:
١٧- والأحكام المتعلقة بهذه الصورة، وخلاف الفقهاء فيها وأدلتهم هي نفس ما بيناه في الصورة السابقة (بيع الدين الحال للمدين بثمن حال) ، وفيها غنية عن الإعادة والتكرار.
الصورة الخامسة – بيع الدين المؤجل لغير المدين بثمن مؤجل:
١٨- ذهب جماهير أهل العلم إلى عدم جواز بيع الدين المؤخر من غير المدين بثمن مؤخر، سواء اتفق الأجلان أو اختلفا، إذ يصدق عليه (بيع الكالئ بالكالئ) المنهي عنه بإجماع الفقهاء، ولأنه بيع ما لا يقدر على تسليمه، وذلك غرر، فلا يحل شرعًا. قال ابن تيمية: " فإن ذلك منع منه لئلا تبقى ذمة كل منهما مشغولة بغير فائدة حصلت لا له ولا للآخر، والمقصود من العقود القبض، فهو عقد لم يحصل به مقصود أصلاً، بل هو التزام بلا فائدة " (٤) . وقال ابن القيم: " فإن المنهي عنه – أي من بيع الكالئ بالكالئ – قد اشتغلت فيه الذمتان بغير فائدة، فإنه لم يتعجل أحدهما ما يأخذه، فينتفع بتعجيله، وينتفع صاحب المؤخر بربحه، بل كلاهما اشتغلت ذمته بغير فائدة" (٥) .
стр. 17592
الصورة السادسة – بيع الدين الحال لغير المدين بثمن مؤجل:
١٩ – ذهب جمهور الفقهاء من الحنفية والشافعية والمالكية والحنابلة إلى عدم جواز بيع الدين الحال لغير المدين بثمن مؤجل، لأنه بيع ما ليس في يد البائع، ولا له من السلطة شرعًا ما يمكنه من قبضه، فكان بيعًا لشيء لا يقدر على تسليمه، إذ ربما منعه المدين أو جحده، وذلك غرر، فلا يجوز (١) .
الصورة السابعة – بيع الدين الحال لغير المدين بثمن حال:
٢٠- اختلف الفقهاء في ذلك على أربعة أقوال:
أحدها: لجمهور الفقهاء من الحنفية والحنابلة والشافعية في الأظهر؛ وهو عدم جواز بيع الدين الحال من غير المدين بثمن حال، وذلك لانطوائه على غرر عدم القدرة على التسليم (٢) .
قال السرخسي: "وإذا كان لرجل على رجل ألف درهم من قرض أو غيره، فباع دينه من رجل آخر بمائة دينار وقبض الدنانير، لم يجز، وعليه أن يرد الدنانير، لأن البيع لا يرد إلا على مال متقوم، وما في ذمة زيد لا يكون مالاً متقومًا في حق عمرو، فلا يجوز بيعه منه، ولأن البائع لا يقدر على تسليمه حتى يستوفى، ولا يُدرى متى يستوفى" (٣) .
وجاء في شرح منتهى الإرادات: " ولا يصح بيع دين مطلقًا لغيره، أي من غير من هو عليه، لأنه غير قادر على تسليمه، أشبه الآبق" (٤) .
وقال السيوطي: " أما لغير من هو عليه بالعين، كأن يشتري عبد زيد بمائة له على عمرو، ففيه قولان أظهرهما في الشرحين والمحرر والمنهاج: البطلان، لأنه لا يقدر على تسليمه " (٥) .
والثاني: وجه عند الشافعية وقول للإمام أحمد صححه ابن تيمية وتلميذه ابن القيم: وهو الجواز مطلقًا (٦) .
قال ابن القيم: "والدين في الذمة يقوم مقام العين، ولهذا تصح المعاوضة عليه من الغريم وغيره" (٧) .
وجاء في الاختيارات الفقهية من فتاوى ابن تيمية: " ويجوز بيع الدين في الذمة من الغريم وغيره، ولا فرق بين دين السلم وغيره، وهو رواية عن أحمد " (٨) .
والثالث: للمالكية؛ وهو التفريق بين دين السلم وغيره، قالوا:
أ – فإن كان دين سلم، فيجوز بيعه من غير المدين بعوض حال من غير جنسه – إذا لم يكن طعامًا – بمثل ثمنه وبأقل وأكثر، كي لا يدخله بيع الطعام قبل قبضه، أو يؤول إلى بيع الكالئ بالكالئ.
قال ابن رشد الحفيد: " وأما بيع دين السلم من غير المسلم إليه فيجوز بكل شيء يجوز به التبايع ما لم يكن طعامًا، لأنه يدخله بيع الطعام قبل قبضه " (٩) .
وجاء في القوانين الفقهية: " ويجوز بيع العرض المسلم فيه من غير بائعه بالمثل وأقل وأكثر يدًا بيد، ولا يجوز بالتأخير للغرر " (١٠) .
стр. 17593
ب- أما سائر الديون الأخرى: فيجوز بيعها من غير المدين بشروط تباعد بينه وبين الربا والغرر، وتنفي عنه سائر المحظورات الأخرى، وهذه الشروط ثمانية (١) :
١- أن يعجل المشتري الثمن، لأنه إذا لم يعجل في الحين، فإنه يكون من بيع الدين بالدين.
٢- أن يكون الدين مما يجوز بيعه قبل قبضه، احترازًا مما لو كان طعامًا، إذ لا يجوز بيعه قبل قبضه.
٣- أن يباع بغير جنسه، أو بجنسه بشرط أن يكون مساويا له وأن يكون عرضًا غير نقد.
٤- أن لا يكون ذهبًا بفضة ولا عكسه، لاشتراط التقايض في صحة بيعها.
٥- أن يكون المدين حاضرًا في البلد، ليعلم حاله من فقر أو غنى، لأن عوض الدين يختلف باختلاف حال المدين، والمبيع لا يصح أن يكون مجهولاً.
٦- أن يكون المدين مقرًا بالدين، فإن كان منكرًا له فلا يجوز بيع دينه، ولو كان ثابتًا بالبينة، حسمًا للمنازعات.
٧- أن لا يكون بين المشتري والمدين عداوة.
أن لا يقصد المشتري إعنات المدين والإضرار به.
والرابع: للشافعية في قول – صححه كثير من أئمتهم كالشيرازي في المهذب والنووي في زوائد الروضة، واختاره السبكي وأفتى به شيخ الإسلام زكريا الأنصاري وغيره – وهو أنه يجوز بيع سائر الديون – عدا دين السلم – لغير من عليه الدين، كما يجوز بيعها من المدين ولا فرق إذا كان الدين حالاً، والمدين مقرًا مليئًا أو عليه بينة لا كلفة في إقامتها، وذلك لانتفاء الغرر الذي ينشأ من عدم قدرة الدائن على تسليم الدين إليه (٢) .
أما دين السلم فلا يجوز بيعه من المدين ولا من غيره، لأنه لا يؤمن من فسخ العقد بسبب انقطاع المسلم فيه وامتناع الاعتياض عنه، فكان كالمبيع قبل القبض، ولقوله ﵊: ((من أسلم في شيء فلا يصرفه إلى غيره)) . وهذا يقتضي عدم جواز بيع دين السلم لا من صاحبه ولا من غيره (٣) .
٢١- وبالنظر في هذه الأقوال الأربعة وأدلتها نجد أن حجج المانعين من بيع الدين في هذه الصورة تنحصر في وجود الغرر فيه، لعدم قدرة البائع على تسليمه، وفي اقترانه ببعض المحظورات الأخرى، كربا النسيئة، وبيع ما لم يقبض، وبيع الدين بالدين في بعض حالاته.
وحيث كان الأمر كذلك، فإنه يترجح لدينا أن بيع الدين الحال لغير من عليه بثمن حال إذا خلا من المحظورات الشرعية العارضة، فإنه يكون صحيحًا مشروعًا إذا انتفى غرر عدم القدرة على تسليمه.
стр. 17594
الصورة الثامنة – بيع الدين المؤجل لغير المدين بثمن حال:
٢٢- للفقهاء في هذه الصورة ثلاثة أقوال:
أحدها: لجمهور الفقهاء من الحنفية والشافعية والحنابلة على الصحيح المُفْتَى به في مذاهبهم؛ وهو عدم جواز بيع الدين المؤجل بثمن حال لغير من عليه الدين مطلقًا، ولذلك لانتفاء شرط صحة البيع، وهو القدرة على تسليم المحل، حيث إن البائع ههنا يبيع ما ليس تحت يده، ولا له من السلطة شرعًا ما يمكنه من قبضه، فكان بيعًا لمال لا يقدر على تسليمه، إذ ربما جحده المدين أو منعه، وذلك غرر، فلا يجوز (١) .
والثاني: للمالكية؛ وهو التفريق بين دين السلم وبين غيره من الديون الأخرى، حيث قالوا:
أ- فإن كان دين سلم، فيجوز بيعه من غير المدين بعوض من غير جنسه – إذا لم يكن طعامًا – كي لا يدخله بيع الطعام قبل قبضه، وهو محظور شرعًا. وقد اشترط تعجيل البدل في الحال كي لا يؤول إلى بيع الدين بالدين (٢) . ولا فرق بين أن يقع البيع بثمن المثل أو أقل أو أكثر.
ب- وأما سائر الديون الأخرى، فيجوز بيعها من غير المدين بثمن معجل من غير جنسها – إذا لم تكن طعامًا – بشرط أن لا تكون ذهبًا بفضة ولا عكسه، لاشتراط التقابض في صحة بيعها. كما يجوز بيعها بجنسها بشرط أن يكون مساويًّا له وأن تكون عرضًا غير نقد، فأما النقود فلا يجوز بيعها بجنسها مطلقًا، لإفضائه إلى الربا أو ذرائعه.
كذلك يشترط لصحة بيع الدين من غير المدين بثمن حال: أن يكون المدين حاضرًا في البلد، وأن يكون مقرًّا بالدين، وأن لا يكون بين المشتري والمدين عداوة، وأن لا يقصد المشتري إعنات المدين والإضرار به (٣) .
والثالث: رواية عن الإمام أحمد اختارها وصححها شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم؛ وهو جواز بيع الدين المؤجل بثمن حال لغير من عليه الدين، سواء أكان دين سلم أو غيره، إذا لم يفض إلى الربا (٤) . وهو وجه عند الشافعية أيضًا (٥) .
قال ابن تيمية: " ويجوز بيع الدين في الذمة من الغريم وغيره، ولا فرق بين دين السلم وغيره، وهو رواية عن أحمد " (٦) . وجاء في مجموع فتاوى ابن تيمية: " فمذهب مالك أنه يجوز بيع المسلم فيه من غير المستسلف، كما يجوز عنده بيع سائر الديون من غير من هو عليه. وهذا أيضًا إحدى الروايتين عن أحمد. نص عليه في مواضع بيع الدين من غير من هو عليه، كما نص على بيع دين السلم ممن هو عليه، وكلاهما منصوص عن أحمد في أجوبة كثيرة من أجوبته، وإن كان ذلك ليس في كتب كثير من متأخري أصحابه. وهذا القول أصح، وهو قياس أصول أحمد، وذلك لأنَّ دين السلم مبيع " (٧) .
стр. 17595
٢٣ – وبالنظر في هذه الأقوال الثلاثة وما استند كل واحد منها إليه يبدو لي رجحان:
أ – جواز بيع العرض المسلم فيه المؤجل من غير المدين ببدل حال من غير جنسه، سواء أكان عرضًا أو نقدًا، إذا انتفى غرر عدم القدرة على التسليم والربا، وذلك لعدم وجود مانع شرعي من ذلك، حيث إن حديث ((من أسلم في شيء فلا يصرفه إلى غيره)) ضعيف لا تقوم به حجة كما ذكر علماء الحديث. . . وحتى لو ثبت فمعناه: فلا يصرفه إلى سلم جديد ببدل مؤجل أو لا يبعه بثمن مؤخر. . . ولعدم انطباق بيع الكالئ بالكالئ على هذه الصورة، إذ المراد به (النسيئة بالنسيئة) أو (الدين المؤخر الذي لم يقبض بالدين المؤخر) . وههنا بيع دين مؤخر بثمن معجل، فافترقا.
ب – جواز بيع الديون الأخرى من غير المدين بثمن حال، إذا انتقى غرر عدم القدرة على التسليم والربا وذرائعه. وعلى ذلك: فيجوز بيع دين النقود المؤجل منه بعرض معجل، وعكسه وهو بيع العرض الموصوف في الذمة المؤجل بنقد معجل، لعدم وجود ما يمنع من ذلك شرعًا. . . ولا يجوز بيع دين النقود المؤجل منه بنقد معجل من غير جنسه – لإفضائه إلى ربا النّساء – ولا من جنسه إذا كان أقل منه، لإفضائه إلى ربا الفضل والنساء. أما بيعه منه بأكثر منه أو بمساو له من جنسه معجل، فلا حجر فيه شرعًا، ولكنه ليس من شأن العقلاء دفع نقد عاجل ليأخذ مساويًّا له أو أقل من جنسه مؤجلاً في البيع.
* * *
стр. 17596
المبحث الثاني
التطبيقات المعاصرة لبيع الدين
وسنعرض في هذا المبحث للكلام عن ثلاث مسائل:
المسألة الأولى
التعامل ب سندات القرض
٢٤ – ل سندات القرض أكثر من صورة، والذي يعنينا في هذا المقام منها: الصكوك المالية التي تصدرها الحكومة أو شركة أو شخص اعتباري عام، ويتعهد المصدر بأن يدفع لحاملها مبلغًا معينًا من المال في وقت محدد في المستقبل يعرف بـ (تاريخ الاستحقاق) . وهذه السندات لا يحتسب عليها فائدة عادة، ولكنها تباع مقدمًا بحسم يجري عند بيعها من قيمتها الاسمية، يكون بمثابة الفائدة، ويحسب على أساس سعر الفائدة السائد في الأسواق المالية. ويجري تداول هذه السندات عن طريق البيع في سوق الأوراق المالية (البورصة) على نفس المبدأ.
ومن هذا القبيل سندات الخزينة التي تصدرها حكومة الولايات المتحدة الأمريكية وكندا وغيرهما من الدول الغربية باسم (Treasury Bill) أو (Treasury Bond) ، وكذا السندات التي تصدرها حكومات الولايات والأقاليم والبلديات على هذا الأساس.
٢٥ – وهذه السندات لا يجوز شرعًا إصدارها ولا شراؤها ولا تداولها بالبيع. أما شراؤها عند الإصدار، فلأنه إقراض بفائدة ربوية حسم مقدارها عن المشتري (المقرض) وقت الشراء من مبلغ القرض، والتزم المصدر (المقترض) بدفعها وقت الاستحقاق، إذ لا فرق في الآلية والحكم الشرعي بين سعر الفائدة وسعر الحسم في القروض الربوية وسنداتها.
وأما تداولها بالبيع بعد صدورها من الحسم، فهو من باب بيع الدين لغير من هو عليه، وهو غير جائز شرعًا في قول أحد من الفقهاء إذا انطوى على الربا، حتى عند من يرى صحة بيع الدين لغير من هو عليه. ولا خفاء في تحقق الربا في بيع هذا النوع من السندات، إذ البدلان من النقود – ومن المعلوم المقرر في باب الصرف عدم جواز بيع النقود بجنسها مع التفاضل أو النساء، وحتى عند اختلاف الجنس يجب التقابض – وقد انتفى في هذا البيع شرط التساوي والتقابض، فتحقق فيه ربا الفضل والنساء في قول سائر الفقهاء. (ر. ف ٢٢ من البحث) .
ولا فرق في ذلك بين أن تكون الجهة المصدرة لها خاصة أو عامة ترتبط بالدولة، ولا أثر لتسميتها شهادات أو سندات أو صكوكًا استثمارية أو ادخارية أو تسمية الفائدة الربوية التي ينطوي شراؤها وتداولها عليها حسمًا أو فائدة أو عمولة أو عائدًا أو ربحًا أو غير ذلك.
وقد أكد هذا الحكم ووثقه قرار مجلس مجمع الفقه الإسلامي (المنبثق عن منظمة المؤتمر الإسلامي) رقم (٦٢ / ١١ / ٦) في دورته السادسة المنعقدة في جدة من ١٧ – ٢٣ شعبان ١٤١٠ هـ / الموافق ١٤ – ٢٠ آذار ١٩٩٠ م، وقد جاء فيه:
" تحرم أيضًا السندات ذات الكوبون الصفري باعتبارها قروضًا يجري بيعها بأقل من قيمتها الاسمية، ويستفيد أصحابها من الفروق باعتبارها خصمًا لهذه السندات".
стр. 17597
المسألة الثانية
حسم الكمبيالات
٢٦- الكمبيالة: هي سند دين يتعهد مصدره بأن يدفع في وقت معين في المستقبل إلى شخص محدد اسمه في السند أو لأمره أو لحامل السند مبلغًا محددًا من النقود نتيجة بيع مؤجل الثمن أو قرض أو غير ذلك. ولا يحل أجل وفاء هذه الورقة التجارية إلا في التاريخ المدون عليها.
وحسم الكمبيالات: عملية مصرفية تتلخص في قيام حامل الورقة التجارية (الكمبيالة) بنقل ملكيتها وملكية الحق الثابت فيها عن طريق التظهير إلى المصرف أو غيره قبل ميعاد الاستحقاق، مقابل حصول المظهر على قيمتها مخصومًا منها مبلغ معين، وهو مجموع عمولة المصرف لقاء الاحتفاظ بالكمبيالة وتحصيلها، مع فائدة المبلغ المدفوع إلى المظهر عن المدة الباقية من تاريخ دفعه إلى تاريخ استحقاق الكمبيالة. وللمصرف أن يكرر الخصم لدى مصرف آخر أو لدى البنك المركزي.
٢٧- حسم الكمبيالات صورة من صور الإقراض بفائدة التي تقوم بها البنوك التقليدية، وهو عملية محظورة شرعًا، لابتنائها على قاعدة القرض الربوي، ولانطوائها بلا ريب على الربا، وهو محرم شرعًا، وذلك لأمرين:
أحدهما: أننا لو أخذنا عملية خصم الكمبيالات على ظاهرها بحسب الشكل الذي أفرغت فيه لوجدناها من قبيل بيع الدين لغير من عليه الدين، حيث يبيع صاحب الكمبيالة (الدائن) دينه المؤجل المسطور فيها لغير المدين بثمن معجل أقل منه من جنسه، وبيع الدين لغير من عليه الدين محظور مطلقًا عند أكثر الفقهاء، وجائز عند بعضهم إذا انتفى فيه الغرر والربا، غير أن الربا ليس بمنتف ههنا، بل هو متحقق، لأن العوضين من النقود، وقد باع الدائن نقدًا آجلاً لغير المدين بنقد عاجل أقل منه من جنسه، فانطوى بيعه هذا على ربا الفضل والنساء، ومن هنا كان محظورًا باتفاق الفقهاء (١) . (رف ٢٢، ٢٣ من البحث) .
والثاني: أننا لو نظرنا إلى عملية خصم الكمبيالات بحسب المقصود والغاية منها، لوجدناها أحد أمرين:
أ – إما إقراض مبلغ وأخذ المقرض حوالة من المقترض بمبلغ أكثر منه يستوفى بعد مدة معينة، وهو ربا صريح لا مجال للتأويل فيه، لأن الحوالة يشترط لصحتها التساوي بين الدين المحال به والمحال عليه، وهنا تحقق بين الدين المحال به (وهو مبلغ القرض) والدين المحال عليه (وهو المبلغ الذي تثبته الكمبيالة) زيادة في مقابل الأجل، وذلك من ربا النسيئة (٢) .
ب- وإما قرض مضمون بالورقة التجارية المظهرة لأمر المصرف تظهيرًا تامًا، إذ المصرف لم يقصد أن يكون مشتريًّا للحق الثابت في الذمة، ولا أن يكون محالاً، وإنما قصد الإقراض، فقبل انتقال ملكية الورقة المخصومة إليه على سبيل الضمان، فإذا حل وقت استحقاقها، ولم يدفع أي من الملتزمين قيمتها، فإن المصرف يعود على الخاصم بالقيمة، دون أن يرغب أو يكلف نفسه مؤونة ملاحقة الملتزمين حتى نهاية المطاف، كما هو الحاصل عمليًّا (٣) .
стр. 17598
٣٨- ولا يخفى أن عملية خصم الكمبيالات مغايرة تمامًا لمسألة (ضع وتعجل) السائغة شرعًا في نظر بعض الفقهاء، ذلك أن حديث (ضعوا وتعجلوا) (١) تضمن مشروعية حط الدائن لمدينة بعض الدين المؤجل نظير تعجيل باقيه على أساس أنه نوع من الصلح في الديون بين الدائن والمدين فحسب، ولذلك صنف الفقهاء مسألة ضع وتعجل تحت عنوان (صلح الإسقاط) أو (صلح الإبراء) أو (صلح الحطيطة) باعتبار أن القصد منه إسقاط الدين عن المدين وإبراء ذمته، خلافًا لربا النسيئة الذي يتضمن إنشاء دين وشغل الذمة، والفرق بينهما كما ذكر ابن القيم ِ: " أن مقابلة الأجل بالزيادة في الربا ذريعة إلى أعظم الضرر، وهو أن يصير الدرهم الواحد ألوفًا مؤلفة، فتشتغل الذمة بغير فائدة، وفي الوضع والتعجيل تتخلص ذمة هذا من الدين، وينتفع ذاك بالتعجيل له، والشارع له تطلع إلى براءة الذمم من الديون، وقد سمى الغريم المدين أسيرًا، ففي براءة ذمته تخليص له من الأسر، وهذا ضد شغلها بالزيادة مع الصبر" (٢) .
ثم إن حديث الوضع والتعجيل تضمن مشروعية الصورة التي ورد فيها على أساس أن تكون العلاقة في هذه العملية ثنائية بين الدائن والمدين، إذ لا يتصور صلح الحطيطة أو الإسقاط والإبراء في علاقة ثلاثية – كما هو الحال في خصم الكمبيالات – حيث يدخل طرف ثالث ممول (وهو البنك الخاصم) فيقدم قرضًا بزيادة إلى أجل بشكل صريح أو ضمني، فافترقا. .
وقد جاء في قرار مجلس مجمع الفقه الإسلامي في دورته السابعة المنعقدة بجدة من ٧- ١٢ ذي القعدة ١٤١٢ هـ / الموافق ٩ – ١٤ مايو ١٩٩٢ م حول متعلقات موضوع (البيع بالتقسيط) ما يلي:
"الحطيطة من الدين المؤجل لأجل تعجيله، سواء أكانت بطلب الدائن أو المدين (ضع وتعجل) جائزة شرعًا، ولا تدخل في الربا المحرم إذا لمن تكن بناءً على اتفاق مسبق، وما دامت العلاقة بين الدائن والمدين ثنائية، فإذا دخل بينهما طرف ثالث لم تجز، لأنها حينئذ تأخذ حكم حسم الأوراق التجارية ".
стр. 17599
المسألة الثالثة
التوريق (تصكيك الديون)
٢٩- كلمة (التوريق) تعريب لمصطلح اقتصادي حديث وهو (Securitization) الذي يعني: جعل الدين المؤجل في ذمة الغير – في الفترة ما بين ثبوته في الذمة وحلول أجله – صكوكًا قابلة للتداول في سوق ثانوية. وبذلك يمكن أن تجرى عليه عمليات التبادل والتداول المختلفة، وينقلب إلى نقود ناضة بعد أن كان مجرد التزام في ذمة المدين.
وقد اشتقت هذه التسمية مما جاء في اللغة من قولهم: أورق الرجل؛ إذا صار ذا ورق. والورق: الدراهم المضروبة من الفضة. وذلك كناية عن كثرة النقود في يده (١) . ومن المعلوم أن الدائن يصير بالتوريق ذا نقود سائلة (ورق) بعد أن كان مجرد صاحب دين مؤجل في ذمة الغير، وكذا سائر من انتقلت إليه ملكية ذلك الصك. . . ونظير ذلك مصطلح (التورق) في الفقه الحنبلي الذي يعني (أن يشتري الشخص سلعة نسيئة، ثم يبيعها نقدًا لغير البائع بأقل مما اشتراها به، ليحصل بذلك على النقد) (٢) . حيث إن قصد ذلك الشخص بالبيعتين هو الحصول على الدراهم الناضة (النقود السائلة) لا غير.
وقد أطلق بعض العلماء المعاصرين على هذه العملية اسم (التصكيك) وذكر أنها تقوم في الأساس على خلق أوراق مالية قابلة للتداول، مبنية على حافظة استثمارية ذات سيولة متدنية (٣) . هذا وقد اكتسبت هذه الأوراق المالية (وثائق تداول الديون) أهمية كبرى في أسواق المال العالمية في السنوات الأخيرة، حيث فتحت الباب على مصراعيه لتداول الديون واستثمار الأموال في هذا السبيل الميسر المنظم.
وفي ذلك يقول الدكتور القري: " لقد بدأت فكرة تداول الديون عندما قامت مؤسسة تمويل بناء المساكن في الولايات المتحدة Government National Mortgage Association والمشهور باسم Ginne Mea – والتي تتولى عملية تمويل بناء المنازل – سنة ١٩٦٨م بالتمويل لا عن طريق الإقراض المباشر، ولكن عن طريق توفير السيولة لمؤسسات الإقراض الخاصة، التي تقوم عندئذ بتقديم القروض. ثم تقوم المؤسسة بشراء تلك القروض (الديون) التي تقدمها المؤسسات لبناء المساكن، ومن ثم بتمكينها من التوسع في الإقراض. ولقد ولد ذلك سوقًا ثانوية لقروض بناء المساكن، سرعان ما توسعت، ودخلت فيها مؤسسات أخرى غير المؤسسة المذكورة Ginne Mea، مما أدى إلى تطورها، بحيث لم تعد تقتصر على قروض بناء المساكن، بل شملت كل أنواع الديون، كذلك الناتجة عن تمويل شراء السلع الاستهلاكية والسيارات وقروض بطاقات الائتمان والقروض الخاصة بإنشاء الأصول الرأسمالية. . . إلخ، وقد أمكن بهذه الطريقة تحويل الديون طويلة الأجل وقليلة السيولة إلى أصول سائلة.
стр. 17600
وتتم عملية تداول الديون وتنميطها بطرق مختلفة، فقد يبيع المصدر الأصلي (أي البنك مثلاً) الدين برمته إلى مالك جديد، يقوم بعد شرائه تلك الديون بقبض أقساط التسديد والفوائد المترتبة على القرض وعلى التأخير. .. إلخ. وتقتصر مهمة المصدر الأصلي على خدمة العلاقة بينهما، وتسمى Pass – Throughs. وقد تبقى ملكية الدين للمصدر الأصلي، وتبقى العلاقة مستمرة بينه وبين المدين، ولكنه – أي المصدر الأصلي – يقوم ببيع تيار الفوائد المتوقع من ذلك القرض، فيكون الدين مستحقًا للمصدر الأصلي، ويتحمل هو المخاطرة المتضمنة فيه، ولكنه يستعجل قبض الفوائد بأخذها من طرف ثالث معجلة (بمبالغ أقل طبعًا) وتسمى Pay – Throughs، أي أن المصدر يقبض مقدمًا الفوائد المتوقع دفعها فقط. أما الطريقة الثالثة، فهي إصدار سندات مضمونة بتلك الديون، ثم بيعها، فتكون الديون الأصلية ضمانًا لتلك السندات فقط، وتسمى Mortgage Baked.
وفي كل الحالات تقوم عملية تداول الديون على التنميط، إذ يقوم الدائن الأصلي بتوزيع تلك القروض إلى مجموعات متشابهة في مقدار المخاطرة المتضمنة فيها (أي ملاءة المدين) وتواريخ استحقاقها، ومعدلات الفوائد عليها، ثم يصدرها على شكل أدوات قابلة للتداول، وبذلك تستطيع أن تحول الدين قليل السيولة إلى سيولة كاملة.
وقد توسعت هذه العمليات حتى صار جل الديون قابلاً للتنضيض بهذه الطريقة، بما في ذلك الديون على الدول (دون العالم الثالث) للبنوك الدولية، ولا يلزم أن يكون لربا وثائق مثل الأسهم والسندات، بل كثيرًا ما تبقى على صفة قيود محاسبية في دفاتر المؤسسات المعنية، وتتداول بينهم بواسطة الكمبيوتر " (١) .
حكم التوريق في الفقه الإسلامي:
أما عن الحكم الشرعي للتوريق ومدى مشروعيته، فالنظر الفقهي يقتضي التفريق بين نوعين من المديونية: مديونية النقود، ومديونية السلع (عروض التجارة) . وبيان ذلك فيما يلي:
أ – توريق الدين النقدي:
٣٠ – إذا كان الدين الثابت في الذمة المؤجل السداد نقودًا، فقد اتفقت كلمة الفقهاء على عدم جواز توريقه، وامتناع تداوله في سوق ثانوية، سواء بيع بنقد معجل من جنسه – حيث إنه يكون من قبيل حسم الكمبيالات، وينطوي على ربا الفضل والنساء باتفاق الفقهاء _ أو بيع بنقد معجل من غير جنسه، لاشتماله على ربا النساء، وذلك لسريان أحكام الصرف عليه شرعًا. ولا فرق في ذلك الحكم بين ما إذا كان سبب وجوب الدين النقدي في الذمة قرضًا أو بيعًا أو إجارة أو غير ذلك.
٣١ – وبناءً على ذلك فلا يجوز توريق دين المرابحة (المصرفية) المؤجل، وتداوله من قبل المصارف الإسلامية أو الأفراد في سوق ثانوية أو عن طريق البيع المباشر بنقد معجل أقل منه، كما يجري في عمليات توريق الديون المختلفة وتداولها في سوق الأوراق المالية، حيث إن ذلك من الربا باتفاق أهل العلم.
٣٢- أما عن حكم بيع صكوك المضاربة لدى البنوك الإسلامية، التي تمثل حصصًا شائعةً في وعاء المضاربة، فيفرق في شأنها بين ثلاث حالات:
الحالة الأولى: أن تكون موجودات وعاء المضاربة سلعًا عينية. فهذه لا حرج شرعًا في بيع صكوكها بنقود معجلة أقل من قيمتها السوقية أو أكثر أو مساوية، ولا حرج أيضًا في شراء المساهم (الجديد) حصة المساهم (الخارج) ، لأن ذلك كله من قبيل بيع الأعيان بالنقود المعجلة، ولا ينطوي على صريح الربا أو شبهته، وهو خالٍ أيضًا من الغرر المحظور شرعًا، والأصل فيه الحل والمشروعية.
الحالة الثانية: أن تكون موجودات وعاء المضاربة ديون مرابحات مؤجلة فقط. فهذه الديون لا يحل توريقها، ولا يجوز بيع صكوكها بنقود معجلة أقل من مقدار الديون المؤخرة، كما أنه لا يجوز شراء مساهم (جديد) حصة مساهم (خارج) بنقود ناجزة أقل من المقدار المؤجل الذي تمثله، لاشتمال ذلك على الربا باتفاق أهل العلم.
стр. 17601
الحالة الثالثة: أن تكون موجودات وعاء المضاربة خليطًا من سلع عينية (ونحوها من المنافع) وديون مرابحات. وفي هذه الحالة يفرق بين صورتين:
الأولى: أن تكون قيمة الأعيان (ونحوها من المنافع) أكثر من مقدار الدين الموجود في الوعاء، وعندها يسري على هذه الصورة حكم الحالة الأولى، وهو الحل والجواز، إذ (الأقل تبع للأكثر، وللأكثر حكم الكل) (١) ، كما هو مقرر في قواعد الفقه، ولأنه (يغتفر في التوابع ما لا يغتفر في غيرها) (٢) ، حسب ما جاء في القواعد الفقهية أيضًا.
والصورة الثانية: أن تكون قيمة الأعيان والمنافع أقل من مقدار دين المرابحة، وعندها يسري على هذه الصورة حكم الحالة الثانية، وهو الحرمة والحظر، إذ (الأقل لا يزاحم الأكثر) (٣) ، ولأن (إقامة الأكثر مقام الكل أصل في الشرع) (٤) كما جاء في قواعد الفقه.
وقد جاء تأكيد ذلك في قرار مجلس مجمع الفقه الإسلامي بجدة حول سندات المقارضة وسندات الاستثمار ونصه:
"الصورة المقبولة شرعًا ل سندات المقارضة بوجه عام لا بد أن تتوافر فيه العناصر التالية:
- أن تكون صكوك المقارضة قابلة للتداول بعد انتهاء الفترة المحددة للاكتتاب، باعتبار ذلك مأذونًا فيه من المضارب عند نشوء السندات، مع مراعاة الضوابط التالية:
أ- إذا كان مال القراض المتجمع بعد الاكتتاب وقبل المباشرة في العمل بالمال ما يزال نقودًا، فإن تداول صكوك المقارضة يعتبر مبادلة نقد بنقد، وتطبق عليه أحكام الصرف.
ب- إذا أصبح مال القراض ديونًا، فتطبق على تداول صكوك المقارضة أحكام تداول التعامل بالديون.
ج- إذا صار مال القراض موجودات مختلطة من النقود والديون والأعيان والمنافع، فإنه يجوز تداول صكوك المقارضة وفقًا للسعر المتراضى عليه، على أن يكون الغالب في هذه الحالة أعيانًا ومنافع (٥) .
٣٣ – غير أن عدم جواز توريق المديونية النقدية باعتباره لونًا من حسم الأوراق التجارية لا يعني إغلاق باب المشروعية بالكلية أمام فكرة توريق الدين النقدي، وذلك لأننا لو طورنا مفهوم التوريق التقليدي السائد، ووضعنا بعض القيود الشرعية على ممارساته لأمكننا الخروج بصورة مقبولة شرعًا للتوريق.
وبيان ذلك: أننا لو صككنا الدين النقدي المؤجل على أساس قصر مبادلته على عروض التجارة (أي السلع العينية) الحاضرة، بأن يجعل ثمنًا لها، لكان ذلك جائزًا شرعًا.
أ- بناء على قول مالك والنخعي والقاضي شريح وزفر بن الهذيل وغيرهم بجواز الشراء بالدين من غير من هو عليه، حيث جاء في المبسوط للسرخسي: "وعلى قول زفر: الشراء بالدين من غير من عليه الدين صحيح، كما يصح ممن عليه الدين، لأن الشراء لا يتعلق بالدين المضاف إليه، ألا ترى أنه لو اشترى بالدين الظنون (٦) شيئًا، ثم تصادقا على أن لا دين، كان الشراء صحيحًا بمثل ذلك الثمن في ذمته، فكذلك هنا يصح الشراء بمثل ذلك الدين في ذمة المشتري " (٧) . وجاء فيه أيضًا: "ذكر عن إبراهيم وشريح أنهما كانا يجوزان الشراء بالدين من غير من عليه الدين، وقد بينا أن زفر أخذ بقولهما في ذلك " (٨) .
стр. 17602
وروى مالك في الموطأ عن سعيد بن المسيب وسليمان بن يسار وابن شهاب وأبي بكر بن حزم أنهم نهوا عن أن يبيع الرجل حنطة بذهب إلى أجل، ثم يشتري بالذهب تمرًا قبل أن يقبض الذهب (١) . ثم عقب مالك على ذلك بقوله: "وإنما نهى هؤلاء عن أن يبيع الرجل حنطة بذهب، ثم يشتري الرجل بالذهب تمرًا قبل أن يقبض الذهب من بائعه الذي اشترى منه الحنطة. فأما أن يشتري بالذهب التي باع بها الحنطة إلى أجل تمرًا من غير بائعه الذي باع منه الحنطة قبل أن يقبض الذهب، ويحيل الذي اشترى منه التمر على غريمه الذي باع منه الحنطة بالذهب التي له عليه في ثمن التمر فلا بأس بذلك. وقد سألت عن ذلك غير واحد من أهل العلم، فلم يروا به بأسًا" (٢) .
ب- وتخريجًا على القول المشهور في مذهب المالكية، وهو وجه عند الشافعية، ورواية عن أحمد اختارها ورجحها ابن تيمية وتلميذه ابن القيم، وهو جواز بيع الدين النقدي المؤجل لغير المدين بسلعة حاضرة، إذا انتفى غرر عدم القدرة على تسليم الدين في وقت محله (٣) .
وبناءً على ما تقدم يمكن للبنك الإسلامي أن يشتري (مثلاً) ألف سيارة بثمن معجل، ثم يبيعها للعملاء بثمن مؤجل موثق بكفيل أو رهن، ولا حرج بعد ذلك شرعًا في أن يعمد إلى توريق تلك الديون على عملائه، والشراء بصكوكها كمية أخرى من السيارات الحاضرة من المصنع مثلاً، ثم يبيعها بثمن مؤجل موثق آخر، ثم يورق ثمنها، ويشتري به سلعًا حاضرة أخرى غيرها، وهكذا. . . وبذلك لا تتجمد تلك الديون النقدية المؤجلة في الفترة ما بين ثبوتها في الذمة وحلول أجلها، بل تتحول إلى ما يشبه النقود السائلة بجعلها ثمنًا لسلع عينية حاضرة.
ب- توريق الدين السلعي:
٣٤- إذا كان الدين الثابت في الذمة – المؤجل الوفاء – سلعيًّا، بأن كان مبيعًا موصوفًا في الذمة، منضبطًا بمواصفات محددة، طبقًا لمقاييس دقيقة معروفة، سواء أكان من المنتجات الزراعية كالحبوب أو الحيوانية كالألبان ومشتقاتها أو الصناعية كالحديد والإسمنت والسيارات والطائرات أو من منتجات المواد الخام كالبترول والغاز الطبيعي أو نصف المصنعة كالنفط والكلنكر وغيرها. . . فإنه يمكن تخريج جواز توريقه على قول الإمام أحمد الذي رجحه ابن تيمية وابن القيم – وهو وجه عند الشافعية أيضًا – بجواز بيع الدين المؤجل من غير المدين بثمن معجل إذا خلا من الربا، وكذا على مذهب المالكية القائلين بجواز بيعه إذا لم يكن طعامًا، وسلم من الغرر والربا وبعض المحظورات العارضة الأخرى التي ذكروها، مع مراعاة ما تلزم مراعاتها من القيود والشرائط الشرعية (٤) .
فإن قيل: كيف جوزتم بيع الدين قبل قبضه من غير المدين، مع أنه بيع لما لم يقبض، وهو منهي عنه في الأحاديث الصحيحة؟! فالجواب ما قاله ابن تيمية في الرد على ذلك: " النهي إنما كان في الأعيان لا في الديون" (٥) . فافترقا. . . والله تعالى أعلم.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
أ. د نزيه كمال حماد
стр. 17603
بيع الدين
إعداد الدكتور
عبد اللطيف محمود آل محمود
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
المقدمة
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد الخلق والمرسلين، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
فبناءً على دعوة سماحة الأمين العام لمجمع الفقه الإسلامي بجدة للمشاركة في الدورة الحادية عشرة لمجلس مجمع الفقه الإسلامي التي تعقد في دولة البحرين، بتقديم بحث حول موضوع (بيع الدين وسندات القرض وبدائلها الشرعية في مجال القطاع العام والخاص) أقدم جزءًا من الموضوع وهو عن (بيع الدين) .
ولأن هذا الموضوع قد سبقت دراسته والتركيز عليه فإني تركت ذكر الاستشهاد بنصوص الكتب الفقهية المذهبية اعتمادًا على المصادر التي نقلت عنها خاصة كتاب الأخ د. نزيه حماد (دراسات في أصول المداينات في الفقه الإسلامي) .
والإضافة التي أقدمها في هذا البحث هي التفصيل في صور بيع الدين لغير المدين، حيث تناولت المراجع التي اطلعت عليها بيع الدين لغير المدين بشكل إجمالي، فإن أصبت فمن فضل الله علي، وإن جانبت الصواب فمن نفسي وقلة بضاعتي، راجيًّا أن ينفع الله بهذا البحث كاتبه وقارئه ومن أسدى جميلاً لصاحبه بالتوجيه والتنبيه.
وعلى الله قصد السبيل.
стр. 17604
بيع الدين
تعريف الدين
الدين في اللغة:
يطلق الدين في اللغة على أكثر من معنى (١) :
١- القرض، يقال: دنت الرجل أي أخذت منه دينًا (أي قرضًا) وأدنت أي أقرضت.
٢- القرض إلى أجل.
٣- كل شيء غير حاضر.
الدين في اصطلاح الفقهاء:
ورد في الموسوعة الفقهية: أن أوضح الأقوال المتعددة لمعنى الدين عند الفقهاء قول ابن نجيم: (الدين لزوم حق في الذمة) ليشمل الحقوق المالية وغير المالية سواء كانت لله تعالى أو للناس. كما بينت الموسوعة اختلاف الفقهاء في تعريف الدين حيث عرفه الحنفية بأنه: (ما يثبت في الذمة من مال في معاوضة أو إتلاف أو قرض) ، وعرفه جمهور الفقهاء من الشافعية والمالكية والحنابلة بأنه: (ما يثبت في الذمة من مال بسبب يقتضي ثبوته) ، وأشارت إلى اختلافهم في المال حيث يرى الحنفية أن المال هو (ما يميل إليه طبع الإنسان ويمكن ادخاره لوقت الحاجة) وعليه لم يعتبروا المنافع من الأموال، لأنها غير قابلة للإحراز والادخار ولا تقبل الثبوت في الذمة دينا، بينما يرى غيرهم أن المنافع تعتبر أموالاً بحد ذاتها وتحاز بحيازة أصولها ومصادرها (٢) .
غير أن التحقيق لمصطلح (الدين) يبين أن الفقهاء يستخدمون هذا المصطلح باعتبارين شكلي وموضوعي (٣) .
فمن الناحية الشكلية يستعملون (الدين) في مقابل العين، ويريدون بالعين الشيء المعين المشخص سواء أكان نقدا أم غير نقد، وبالدين ما يثبت في الذمة من غير أن يكون معينًا مشخصًا سواء أكان نقدًا أم غيره. وبهذا المعنى جاءت القاعدة الفقهية: (المعين لا يستقر في الذمة، وما تقرر في الذمة لا يكون معينًا) .
ومن الناحية الموضوعية يستعلم الفقهاء الدين بالنظر إلى أسباب وجوبه ومصادر ثبوته بمعنيين أحدهما أعم من الآخر.
أ – الدين بالمعنى الأعم: كل ما ثبت في الذمة من أموال أو حقوق لله تعالى أو للناس بأي سبب من الأسباب سواء أكان الحق مالاً (نقدًا أو غير نقد) أم غير مال (كالصلاة والحج الواجبين) .
ب- الدين بالمعنى الأخص: ويعنون به ما ثبت في الذمة من أموال.
وقد اختلف الفقهاء في تعريف الدين بالمعنى الأخص، فعرفه الحنفية بأنه: (ما يثبت في الذمة من مال في معاوضة أو إتلاف أو قرض) ، وعرفه جمهور الفقهاء من الشافعية والمالكية والحنابلة بأنه: (ما يثبت في الذمة من مال بسبب يقتضي ثبوته) .
وحيث إن موضوع البحث هنا هو ما يتعلق بعمل المؤسسات المالية الإسلامية (من مصارف وشركات استثمار) فينبغي التنبه إلى أن المقصود من (بيع الدين) الدين النقدي دون سائر الديون.
стр. 17605
آراء المذاهب الإسلامية في بيع الدين وسندات القرض
تحدث فقهاء المذاهب الإسلامية عن الدين والتصرف فيه من الدائن والمدين بشيء من التفصيل، وأصبح هذا الموضوع محل اهتمام الباحثين والدارسين بصورة واضحة منذ نشأة المؤسسات المالية الإسلامية المعاصرة العاملة في مجال المصارف والاستثمار لما لهذا الموضوع من تأثير في التعاملات المالية خاصة، وأن بيع الدين من المعاملات المالية التي تقوم بها المصارف التجارية التي لا تلتزم بأحكام الشريعة الإسلامية، كما أن القوانين الوضعية تقر هذا النوع من التعاملات. ولا بد من اتضاح وجهة النظر الشرعية للمؤسسات المالية الإسلامية حتى تلتزم بها.
ولوفرة الدراسات المعمقة والمقارنة في موضوع بيع الدين على وجه الخصوص سأكتفي باستعراض ملخص لها مع بعض الزيادة التي اقتضاها التفصيل. (١)
التصرف في الدين:
التصرف في الدين إما أن يكون من الدائن أو من المدين , ولكل منهما أوجه من التصرف.
أولا – تصرف المدين:
تصرف المدين في الدين الثابت في ذمته يكون بأحد وجهين: (٢)
أ – الحوالة: أي حوالة الدين الثابت في ذمته على طرف ثالث ليتقاضى الدائن دينه منه (من الطرف الثالث) .
ب – السفتجة (٣) : وهى علاقة مالية بين ثلاثة أطراف، يدفع الطرف الأول للطرف الثاني مبلغا من المال، ويرسل الطرف الثاني للطرف الثالث (وكيله أو مدينه) في مكان آخر كتاب ليدفع للطرف الأول نظير ما أخذه منه، وهذه العلاقة قد تكون على وجه القرض أو الحوالة أو الوكالة.
وتصرف المدين في الدين الثابت في ذمته لا يدخل في موضوع بيع الدين وسندات القرض.
ثانيا – تصرف الدائن: (٤)
حصر الفقهاء تصرف الدائن في الدين الذي له في صور قائمة على أساس أن يملك الدائن دينه لمدينه أو لغيره بعوض أو بغير عوض، ولهذا التمليك صور:
الصورة الأولى: تمليك الدائن دينه المستقر للمدين بغير عوض.
стр. 17606
الدين المستقر هو ما ثبت في ذمة المدين ولا خيار له في الرجوع عن تصرفه إلا بعقد جديد، ويمثل له بغرامة المتلف وبدل القرض وقيمة المغصوب وعوض الخلع وثمن المبيع والأجرة بعد استيفاء المنفعة والمهر بعد الدخول.
ويكون التمليك في هذه الصورة بالهبة والإبراء ونحوهما.
هذه الصورة لا خلاف بين الفقهاء في جوازها شرعا لأنها إسقاط حق، وإسقاط الحق أمر مشروع في الشريعة الإسلامية.
الصورة الثانية: تمليك الدائن دينه المستقر للمدين بعوض.
ويكون التمليك في هذه الصورة بالصرف والبيع (الاستبدال) ، وتحت البيع مسائل.
أ – إن كان تمليك الدين للمدين صرفا بأن كان العوضان نقدين وكان العوض عن الدين نقدا غير النقد الذي في ذمة المدين، فإنه يشترط لصحته شرعا قبض العوض في مجلس العقد، وأن يكون الصرف بسعر يومه، لحديث عبد الله بن عمر ﵄: كنت أبيع الإبل بالبقيع، فأبيع بالدنانير وآخذ مكانها الدراهم، وأبيع بالدراهم وآخذ مكاناها الدنانير. فأتيت النبي ﷺ ، فذكرت له فقال: ((لا بأس أن تأخذها بسعر يومها ما لم تفترقا وبينكما شيء)) . (١)
ب – إن كان تمليك الدين للمدين استبدالا بين غير الربويات اشترط لصحة هذا التمليك القبض العوض في مجلس العقد (٢) عملا بحديث الرسول ﷺ ((الورق بالذهب ربا إلا هاء وهاء، والبر بالبر ربا إلا هاء وهاء، والشعير بالشعير ربا إلا هاء وهاء، والتمر بالتمر ربا إلا هاء وهاء)) . (٣)
ج – وإن كان تمليك الدين للمدين استبدالا بين غير الربويات وكان البدل حالا، فيجوز عند جمهور الفقهاء (٤) ، مثل أن يستبدل ألف دينار في ذمة المدين بسيارة يملكها المدين.
стр. 17607
د- إن كان تمليك الدين للمدين استبدالا بين غير الربويات وكان البدل مؤجلاً، فلا يجوز ذلك عند جمهور الفقهاء، ومنهم الأئمة الأربعة وابن حزم لما فيه من بيع الكالئ بالكالئ المنهي عنه في حديث رسول الله ﷺ (١) ، وذهب ابن تيمية وابن القيم إلى جواز ذلك (٢) .
وتطبيقًا لشرط حلول البدل:
نص الشافعية والحنابلة على عدم جوز صرف ما في الذمة، كم لو كان الرجل في ذمة رجل آخر دينار والآخر علية عشرة دراهم فاصطرفا ما في ذمتيهما. وخالف في ذلك الحنفية والمالكية والسبكي من الشافعية وابن تيمية حيث قالوا بجواز صرف ما في الذمة، لأن الذمة الحضرة كالعين الحاضرة، غير أن المالكية اشترطوا أن يكون الدينان حالين (٣) .
- ذهب كثير من الفقهاء ومنهم الحنفية والشافعية والحنابلة إلى عدم جواز جعل الدين في ذمة شخص رأس مال سلم، لأنه يؤدي إلى بيع الدين بالدين، ولأن قبض رأس مال السلم شرط لصحة السلم. وخالفهم في ذلك ابن تيمية وابن القيم بعدم صحة الإجماع في منع ذلك ولا محذور فيه وليس هو من بيع كالئ بكالئ لفظًا ولا معنى (٤) . نص الحنفية والحنابلة والشافعية في وجه على أنه لا يجوز بيع الدين ممن هو عليه بشيء موصوف في الذمة إذا لم يقبض الدائن العوض في المجلس قبل التفرق (٥) .
الصورة الثالثة: تمليك الدائن دينه غير المستقر للمدين تغير عوض. يمثل للدين عير المستقر بالمسلم فيه والأجرة قبل استيفاء المنفعة أو مضي زمانها، والمهر قبل الدخول، والجعل قبل العمل، والأجرة قبل فراغ المدة.
وهذا النوع من الديون يجوز تمليكه لمن هو عليه بغير عوض بهبة أو إبراء؛ لأن ذلك من إسقاط الدين عن المدين، ولا دليل يمنع من هذا الإسقاط (٦) .
الصورة الرابعة: تمليك الدائن دينه غير المستقر للمدين بعوض. يفقر الفقهاء بين دين السلم غير المستقر في الذمة – لاحتمال فسخ العقد – وبين غيره من الديون؛ لذا يندرج تحت هذا الصورة مسألتان:
المسألة الأولى: تمليك الدائن دين السلم (وهو دين غير مستقر) للمدين (المسلم إليه) بعوض (٧) . اختلف الفقهاء في صحة تمليك المسلم (الدائن) دين المسلم للمدين (المسلم إليه) بعوض إلى ثلاثة آراء:
الرأي الأول: أنه لا يصح بيع المسلم فيه قبل قبضه للمسلم إليه، استدلالًا بحديث: ((من أسلم في شيء فلا يصرفه إلى غيره)) (٨) . ولأنه كالمبيع قبل القبض. وهذا قول جمهور الفقهاء من الحنفية والحنابلة والشافعية.
стр. 17608
الرأي الثاني: يصح بيع المسلم فيه قبل قبضه للمسلم إليه بثمن المثل أو أقل منه، ولا يصح بيعه بأكثر من ثمن المثل. والمراد بثمن المثل ثمن مثل العوض لا المعوض عنه (المسلم فيه) لئلا يكون من السلف الذي جر منفعة، أو يكون من ربح ما لم يضمن. وهذا قول ابن عباس ورواية عن أحمد.
الرأي الثالث: يجوز بيع المسلم فيه للمسلم إليه بأربعة شروط:
١- أن يكون المسلم فيه مما يباع قبل قبضه، فلا يجوز بيع المسلم فيه إذا كان طعامًا.
٢- أن يكون المأخوذ مما يباع بالمسلم فيه يدًا بيد، كما لو أسلم دراهم في ثوب فأخذ عنه طشت نحاس إذ يجوز بيع الطشت بالثوب يدًا بيد.
٣- أن يكون المأخوذ مما يجوز أن يسلم فيه رأس المال، كما لو أسلم دراهم في حيوان فأخذ عن ذلك الحيوان ثوبًا، لأنه يجوز أن يسلم الدراهم في الثوب.
٤- أن يقبض العوض في مجلس العقد:
المسألة الثانية: تمليك الدائن دينه غير المستقر وهو غير السلم للمدين بعوض.
اختلف الفقهاء في جواز تمليك الدين غير المستقر في الذمة للمدين على رأيين (١) .
الرأي الأول: لا يجوز بيع الدين غير المستقر في الذمة (غير السلم) لمن هي عليه؛ لأن ملكه عليها (أي ملك البائع لها) غير تام، وهو رأي الحنابلة.
الرأي الثاني: يجوز بيعها لمن هي عليه، لأنه لا فرق بين الديون المستقرة وغير المستقرة، وهو رأي الحنفية والشافعية.
الصورة الخامسة: تمليك الدائن دينه المستقر لغير المدين بغير عوض (٢) .
ويكون ذلك بأن يهب دينه على شخص لطرف ثالث أو يوصي به بعد موته.
نص الحنفية على صحة الوصية بالدين لغير من هو عليه لأنها تمليك مضاف إلى ما بعد الموت، فينتقل الملك فيه للموصى له كما ينتقل بالإرث للوارث. كما نصوا على جواز الهبة إذا أمر الواهب الموهوب له بقبض الدين على وجه الاستحسان وإن لم يأمره لم تجز الهبة (٣) .
ونص الشافعية والحنابلة على عدم صحة هبة الدين لغير من هو عليه، لأن الدين غير مقدور على تسليمه (٤) .
وحيث إن المالكية يجيزون بيع الدين لغير المدين بشروط تبعده عن الغرر مع شرط قدرة الدائن على تسليم الدين للمشتري فبالأولى القول عندهم بهبة الدين والوصية به بذات الشروط.
الصورة السادسة: تمليك الدائن دينه المستقر لغير المدين بعوض (٥) .
وتفصيل القول في هذه الصورة مبني على تفصيل القول في الصورة الثانية (تمليك الدائن دينه المستقر للمدين بغير عوض) من حيث كون التمليك صرفًا أو بيعًا (استبدالاً) .
стр. 17609
أ- فإن كان تمليك الدائن دينه المستقر لغير المدين صرفًا من جنس واحد (ذهب بذهب أو فضة بفضة ومثلهما النقد المتداول بمثله (، فيجوز التمليك إذا تساوى البدلان وبذل المدين الدين في مجلس العقد بأن كان الدين حالاً فأقبضه، أو مؤجلاً فعجله وأقبضه فلا خلاف في القول بصحته، وإذا اختل أحد الشرطين أو كلاهما فلا يجوز، لمخالفته شروط الصرف.
ب- وإن كان تمليك الدائن دينه المستقر لغير المدين صرفًا من جنسين (ذهب بفضة ومثله نقد متداول بنقد آخر) فيجوز التمليك إذا كان الصرف بسعر يومه، وبذل الدين في مجلس العقد بأن كان الدين حالاً فأقبضه أو مؤجلا فعجله وأقبضه، وإلا فلا لمخالفته شروط الصرف.
ج – وإن كان تمليك الدائن دينه المستقر لغير المدين بيعًا بين الربويات المتماثلة في الجنس غير النقدين (تمر بتمر مثلاً) ؛ فإنه يصح إذا تساويا في القدر وأقبض المدين دينه في مجلس العقد للطرف الثالث، وإن لم يسلمه في مجلس العقد فلا يجوز هذا التمليك.
د- وإن كان تمليك الدائن دينه المستقر لغير المدين بيعًا بين الربويات غير المتماثلة في الجنس (شعير بقمح مثلاً) ، وأقبض المدين دينه في مجلس العقد للطرف الثالث فإنه يصح، وإن لم يسلمه في مجلس العقد فلا يجوز هذا التمليك.
هـ – وإن كان تمليك الدائن دينه المستقر لغير المدين بيعًا بين غير الربويات بثمن حال، كأن يكون لإنسان على آخر دين مقداره مائة صاع من القمح، فيبيعها على آخر بمائتي ريال نقدًا، أو يكون له مبلغ من المال على شخص، فيشتري سيارة من ثالث بذلك الدين، فقد اختلف الفقهاء فيه على آراء (١) :
الرأي الأول: لا يجوز بيع الدين بثمن حال، وهو رأي جمهور العلماء من الحنفية والحنابلة والظاهرية وأحد قولي الشافعي.
الرأي الثاني: يجوز ذلك بشروط. وهو رأي المالكية الذين اشترطوا لذلك ثمانية شروط تباعد بينه وبين الغرر والربا وهي:
١- أن يكون المدين حاضرًا.
٢- أن يكون المدين مقرًّا بالدين.
٣- أن يكون المدين ممن تأخذه الأحكام (يمكن أن تطبق عليه) ليمكن تخليص الدين منه.
٤- أن يباع الدين بغيرِ جنسه أو بجنسه بشرط المساواة إن كانا ربويين.
٥- ألا يكون صرفًا.
٦- ألا يكون بين المدين والمشتري عداوة.
٧- أن يكون الدين مما يجوز بيعه قبل قبضه.
٨- أن يباع الدين بثمن مقبوض.
стр. 17610
الرأي الثالث: يجوز بيع دين غير السلم لغير من عليه الدين، كما يجوز بيعها للمدين بشروط تنفي الغرر الناشئ عن عدم قدرة الدائن على تسليم الدين إلى المشتري بشروط، وهو رأي للشافعية في قول صححه كثير من أئمتهم كالشيرازي في المهذب والنووي في زوائد الروضة وغيرهما.
والشروط هي:
١- أن يكون المدين حالاً.
٢- أن يكون المدين مقرًّا بالدين.
٣- أن يكون المدين مليًّا أو عليه بينة لا كلفة في إقامتها.
٤- التقابض في المجلس في بيع الدين للمدين إذا كان العوضان من الربويات.
و– وإن كان تمليك الدائن دينه المستقر لغير المدين بيعًا بين غير الربويات بثمن مؤجل، كأن يكون لشخص على آخر مائة صاع من قمح مثلاً، فيبيعها على ثالث بمائتي ريال مؤجلة إلى شهر، فقد اختلف الفقهاء فيها على قولين (١) :
القول الأول: ذهب جمهور العلماء إلى فساد هذا البيع وعدم صحته، لأنه من بيع الدين بالدين (الكالئ بالكالئ) ، وفيه شغل لذمتي البائع والمشتري دون أن يجني أحدهما من وراء هذا التعاقد فائدة.
القول الثاني: يجوز هذا البيع، وهو رأي بعض العلماء المعاصرين قياسًا على الحوالة، وفيه تحقيق مصلحة للطرفين وليس هناك ضرر يلحق بالمدين.
وقد رجح القول الأول.
الصورة السابعة: تمليك الدائن دينه غير المستقر لغير المدين بغير عوض.
قد تبدو هذه الصورة شبيهة بتمليك الدائن دينه غير المستقر للمدين بغير عوض (الصورة الثالثة) فتعطي حكمها وهو الجواز، غير أن ذلك الحكم بني على أساس أن ذلك التمليك إسقاط للدين عن المدين، والصورة التي معنا ليس فيها إسقاط للدين حتى يأخذ حكمه.
ذلك أننا نرى في هذا التمليك عطية من جانب الدائن لطرف ثالث يتبعه انتقال الحق في الدين من الدائن للطرف الثالث ويترتب عليه حق مطالبة الطرف الثالث المدين بالدين. وهذا الفرق يستدعي معرفة رأي الفقهاء في هبة الدين غير المستقر.
إن من شروط الموهوب أن يكون مملوكًا للواهب (٢) ، وحيث إن الملك غير مستقر للدائن فلا يصح له أن يهبه لغير المدين.
وقد صرح ابن قدامة في المغني بأن هبة الدين لغير من هو في ذمته لا تصح، لأنه غير قادر على تسليمه، وقياسًا على عدم صحة بيعه عندهم (الحنابلة) . قال: ويحتمل أن تصح، لأنه لا غرر فيها على المتهب ولا الواهب فصح كهبة الأعيان (٣) .
الصورة الثامنة: تمليك الدائن دينه غير المستقر لغير المدين بعوض.
سنفرق في الحديث عن الدين غير المستقر بين دين السلم وغيره على نحو ما مضى من قبل.