تداول الأوراق المالية المعاصرة
بعد دراسة الأحكام الفقهية المتعلقة ببيع الدين، ننتقل الآن إلى الأوراق المالية التي شاع تداولها في الأسواق المعاصرة وبيان حكمها الشرعي. فمن هذه الأوراق المالية أسهم الشركات أو الصناديق التي تمثل موجودات عينية غير النقود، وإن هذه الأوراق خارجة عن موضوع هذا البحث، لأنها لا تمثل قروضًا أو ديونًا، وقد فرغنا عن بيان حكمها الشرعي في بحوث أخرى. والأوراق التي نريد بيان حكمها الشرعي في هذا البحث هي الأوراق التي تمثل قروضًا أو ديونًا لحاملها في ذمة مصدرها. وهي – على تنوع أسمائها – ترجع إلى نوعين كبيرين: النوع الأول: السندات، والثاني: الكمبيالات، فلنتكلم على كل واحد منها بصفة مستقلة.
السندات (Bonds) :
السند (bond) : في الاصطلاح المعاصر وثيقة يصدرها المديون لمقرضه اعترافًا منه بأنه استقرض من حاملها مبلغًا معلومًا يلتزم بأدائه في وقت معلوم. وإن هذه السندات تصدر عادة لعرضها على الجمهور ليحصلوا عليها بأداء المبلغ المكتوب على وجهها حتى يصيروا مقرضين ذلك المبلغ لمصدر السند.
وإن هذه السندات ربما تصدرها الشركات المساهمة التجارية أو الصناعية حينما تحتاج إلى اقتراض مبالغ كبيرة من المال لإنجاز مشاريعها، ولا تجد أفرادًا أو مؤسسات تقرضها الأموال بالحجم المطلوب، فتعرض هذه السندات على الجمهور.
وربما تصدر مثل هذه السندات من قبل الحكومات التي تريد أن تمول عجز ميزانيتها فتقترض من الجمهور.
وإن هذه السندات، سواء أصدرتها الشركات أو أصدرتها الحكومة إنما تلتزم بأداء فوائد ربوية إلى من يحملها، فالسند الذي قيمته الاسمية مائة روبية مثلاً تستحق أن يدفع لحاملها مائة وخمس عشرة بعد سنة. ويحق له أن يبيع هذا السند في السوق، وإنها تباع وتشترى بثمن يتراضى عليه الفريقان، فمن حصل على هذا السند بمائة، فإنه يبيعه إلى آخر بمائة وخمسة، ويشتريه ذلك الآخر بهذا الثمن لأنه يرجو أن يحصل على مائة وخمس عشرة روبية في نهاية المدة.
стр. 17537
وهناك سندات أخر تصدر من قبل الحكومة، وتعرض عادة على البنوك والمؤسسات المالية الأخرى، وتسمى سندات الخزينة. ومقصود هذه السندات نفس المقصد الذي من أجله تصدر السندات الحكومية الأخرى. غير أن هذه السندات تعرض على البنوك لتشتريها على أساس المزايدة، فالسند الذي قيمته ألف روبية مثلاً يتضمن التزام الحكومة بأداء ألف روبية إلى حامله عند حلول أجله، فتجرى في شرائه المزايدة فيما بين البنوك، وتأتي العروض من قبلها إلى البنك المركزي، فتباع هذه السندات إلى من عرضه أكثر. ومعنى بيع هذه السندات أن مشتريها أقرض مبلغ الثمن إلى الحكومة واستحق من خلال هذا الإقراض أن يحصل على قيمة السند الاسمية عند حلول أجله.
إنَّ هذه السندات كلها ربوية من أصلها، حيث إن المقرض يلتزم فيها بأداء مبلغ القرض وزيادة، فلا يخفى حرمة تداولها لأنها تؤدي إلى تعامل ربوي حرام. ولكن لو فرضنا أن هذه السندات أصدرت من قبل الحكومة. على أساس القرض الشرعي بدون فائدة، فهل يجوز بيعها؟ يتأتى فيه الخلاف المذكور في بيع الدين، فلا يجوز بيعها عند الحنفية والحنابلة والظاهرية مطلقًا، وكذلك لا يجوز في الظاهر عند الشافعية، إما لأن الكثيرين منهم مع الحنفية والحنابلة في منع بيع الدين من غير المدين، وإما لأنهم اشترطوا لجوازه أن يقبض الدين في المجلس كما أسلفنا، وحصول هذا الشرط متعذر في السندات، فلا يجوز عندهم.
نعم يجوز ذلك عند من لا يشترط لجواز بيع الدين أن يقبض الدين في المجلس، فإن اشتريت هذه السندات بعين من الأعيان، مثل الثوب، أو الحبوب الغذائية، أو الأشياء الأخرى غير النقود فهذا البيع جائز على هذا القول مطلقًا. أما إذا اشتريت بالنقود، فلم أجد من الفقهاء الشافعية تصريحًا في هذا الباب، ولكن قياس قولهم في الصرف أن لا يجوز، لأن بيع النقود بالنقود صرف، ويشترط فيه التقابض في المجلس، ولو أجزنا بيع السندات بثمن حال، فكأننا أجزنا بيع النقود بالنقود نسيئة. فيشترط لجوازه أن يقبض الدين في المجلس، وهو متعذر في السندات: فلا يجوز.
أما المالكية، فيجوز عندهم بيع الدين لغير المدين بالشروط التي ذكرناها في تحقيق مذهبهم، ومن جملة هذه الشروط أنه إذا بيع الدين بجنسه فإنه يشترط فيه التساوي (١) فإن كان السند قيمته مائة، فلا يباع إلا بمائة لا يزاد ولا ينقص، ومن الظاهر أن هذا الشرط لا يحصل به غرض السوق الثانوية التي تباع فيها السندات، فالحاصل أن التعامل الذي يجري في سوق الأوراق المالية من بيع السندات وشرائها محرم شرعًا. وسوف نتكلم على بدائلها الشرعية في آخر البحث إن شاء الله تعالى.
стр. 17538
الكمبيالات (Bills of Exchange) :
النوع الثاني من الأوراق المالية التي تتداول في السوق اليوم تسمى كمبيالة، وهي عبارة عن الوثيقة التي يكتبها المشتري للبائع في بيع مؤجل، ويعترف فيها بأنه وجب في ذمته ثمن المبيع، وأنه يلتزم بأدائه في تاريخ آجل. وإن البائع حامل الكمبيالة ربما يريد استعجال الحصول على مبلغها، فلا ينتظر إلى تاريخ نضج الكمبيالة، بل يبيعها إلى طرف ثالث بأقل من قيمتها الاسمية ويسمى (حسم الكمبيالة) أو (خصم الكمبيالة) (Discounting) والعادة في سوق الأوراق أن مقدار هذا الحسم نسبة من مبلغ الكمبيالة تحدد على أساس مدة نضجها، فكلما كانت مدة نضجها أكثر كانت نسبة الحسم أكثر، وكلما كانت المدة أقل، كانت نسبة الحسم أقل.
وإن معظم العلماء المعاصرين خرجوا حكم الكمبيالة على أساس أنه بيع دين بنقد أقل منه، وحرموه من هذه الجهة.
وقد ذكر الفقهاء ورقًا يشابه ورق الكمبيالة اسمه (الجامكية) (١) وهي عبارة عن ورقة تصدر من بيت المال أو من ناظر الوقف لصالح رجل له حق مالي على بيت المال أو الوقف. وقد ذكره العلامة الحصكفي في الدر المختار بقوله:
" وأفتى المصنف (أي صاحب تنوير الأبصار) ببطلان بيع الجامكية لما في الأشباه: بيع الدين إنما يجوز من المديون".
وقال ابن عابدين تحته:
" عبارة المصنف في فتاواه: سئل عن بيع الجامكية: وهو أن يكون لرجل جامكية في بيت المال ويحتاج إلى دراهم معجلة قبل أن تخرج الجامكية فيقول له رجل: بعني جامكيتك التي قدرها كذا بكذا، أنقص من حقه في الجامكية، فيقول له: بعتك، فهل البيع المذكور صحيح أم لا؟ لكونه بيع الدين بنقد، أجاب: إذا باع الدين من غير من هو عليه كما ذكر لا يصح.
قال مولانا في فوائده: وبيع الدين لا يجوز، ولو باعه من المديون أو وهبه " (٢) .
وجاء في كشاف القناع للبهوتي:
" ولا يصح بيع العطاء قبل قبضه، لأن العطاء مغيب فيكون من بيع الغرر، وهو أن العطاء قسطه في الديوان، ولا يصح بيع رقعة به، أي بالعطاء، لأن المقصود بيع العطاء، لا هي " (٣) .
وهذا متفرع على أصل الحنفية والحنابلة، فإنهم لا يجوزون بيع الدين من غير المدين إطلاقًا وعليه يخرج حكم بيع الكمبيالة عند الحنفية والحنابلة أنه لا يجوز أصلاً، سواء كان الثمن مساويًّا لقيمة الكمبيالة لأنه بيع الدين من غير من هو عليه، فلا يجوز كما لا يجوز بيع الجامكية.
стр. 17539
أما المالكية، فقد تقدم أنهم يجوزون بيع الدين من غير المدين بشروط سبقت، ولذلك قياس قولهم جواز بيع الجامكية، وقد صرح بذلك الحطاب رحمه الله تعالى حيث قال:
"بخلاف الجامكية، فإن الملك محصل فيها لمن حصل له شرط الواقف، فلا جرم صح أخذ العوض بها وعنها " (١) .
ولكن لا يخفى أن جواز هذا البيع مشروط بأن يكون بيعه بخلاف جنسه، وإن كان بجنسه، فلا بد من التساوي، كما سبق التصريح بذلك في عبارة الدسوقي.
وعليه يخرج حكم بيع الكمبيالة في مذهب المالكية، حيث يجوز بشرط أن يكون الثمن إما غير النقود أو مساويًّا لقيمة الكمبيالة.
أما الشافعية، فقد ذكر بعض المتأخرين منهم أنه يجوز لمستحق الجامكية أن ينزل عنها في حق غيره ويطالبه بالعوض عن ذلك. قال الشبراملسي بعد ما ذكر جواز النزول عن الوظائف.
" ومن ذلك الجوامك المقرر فيها، فيجوز لمن له شيء من ذلك وهو مستحق له بأن لا يكون له ما يقوم بكفايته من غير جهة بيت المال النزول عنه، ويصير الحال في تقرير من أسقط حقه له موكولاً إلى نظر من له ولاية التقرير فيه كالباشا، فيقرر من رأى المصلحة في تقريره من المفروغ له أو غيره " (٢) .
ولكن ليس مقصود الشبراملسي إجازة بيع الكمبيالة، أو النزول عن راتب شهر معين. وإنما مقصوده أنه لو كان لرجل عطاء في بيت المال يحصل عليه كل شهر، جاز له أن ينزل عنه في حق غيره للأبد، ويأخذ عوضًا عن ذلك، ولكن المنزول له لا يستحق العطاء بمجرد نزول الأول، بل مفاد نزوله أنه تزول مزاحمته له في ذلك العطاء، ثم يصير الأمر موكولاً إلى من له ولاية التقرير، فإن رأى المصلحة جعل المنزول له في محل النازل، فيستحق هو العطاء، وإن شاء عين غيره. وهذا هو حكم النزول عن الوظائف عند الشافعية. وعلى هذا، فما ذكره الشبراملسي خارج عن مسألتنا لأنه ليس بيعا لورقة الدين، ولا نزولاً عنها في حق من يحل محله في حق المطالبة.
стр. 17540
وقياس قول الشافعية في مسألة بيع الدين أن لا يجوز بيع الجامكية أو الكمبيالة إلا بقبض العوضين في المجلس، ولو أخذنا بقول بعضهم الذين لا يشترطون هذا الشرط، فإنه يشترط عنهم أن يكون الثمن مساويًّا لقيمة الكمبيالة، ولا يجوز بيعها بأقل من قيمتها، إلا إذا كان البدل من المعروض.
خلاصة حكم بيع الكمبيالة:
يتلخص مما ذكرنا أن بيع الكمبيالة لا يجوز على قول الحنفية والحنابلة أصلاً، حتى بثمن مساو، وكذلك في مذهب الشافعية الذين يشترطون قبض البدلين في المجلس. وأما الذين لا يشترطون ذلك فيجوز بيع الكمبيالة عندهم بشرط أن يكون الثمن مساويًّا لمبلغ الكمبيالة، وهو مذهب المالكية أيضًا.
فتبين بهذا أن حسم الكمبيالة بمبلغ أقل من مبلغها لا يجوز عند أحد من المذاهب الفقهية المعتبرة، فإنه بيع لنقد حال بنقد مؤجل أقل منه وهو في معنى الربا. وهو الذي انتهى إليه مجمع الفقه الإسلامي في دورته السابعة، ونص قراره:
" إن حسم (خصم) الأوراق التجارية غير جائز شرعًا، لأنه يؤول إلى ربا النسيئة المحرم" (١) .
موقف بعض الإخوة الماليزيين:
وقد أفتى بعض إخوتنا في ماليزيا بجواز بيع الدين، وتوصلوا بذلك إلى القول بجواز حسم الكمبيالة، وقد عقدت مؤسسة الأوراق المالية في ماليزيا حوارًا لي معهم فاجتمعت معهم في كوالالمبور حتى أعرف مستندهم في ذلك، فتبين لي أنهم اعتمدوا في ذلك على أدلة آتية:
١- إنهم فرقوا بين القرض وبين الدين الذي ينتج عن بيع بضاعة فقالوا: إن القرض لا يجوز بيعه أو شراؤه، فإنه لا يستند إلى بضاعة. أما الدين الذي ينشأ عن طريق البيع المؤجل، فإنه يستند إلى بضاعة تم بيعها، فوثيقة هذا الدين لا يمثل النقود البحتة، وإنما يمثل النقود التي حلت محل البضاعة المبيعة، فبيع هذه الوثيقة بيع للدين الذي قام مقام البضاعة، فكأنه بيع للبضاعة.
وإن هذا الدليل – مع احترامي لهؤلاء الإخوة – لا يخفى وهنه.
стр. 17541
أما أولا: فلأن من النتائج اللازمة لعقد البيع انتقال ملك المبيع إلى المشتري، فلما تم البيع بين الفريقين، انتقلت البضاعة إلى ملك المشتري، ولم يبقَ للبائع إلا مطالبة الثمن الذي ثبت في ذمة المشتري. وهو الدين الذي تمثله الكمبيالة، وبعد ثبوت هذه النقود في ذمة المشتري، لم يبقَ هناك أي فرق بين النقود المقترضة، وبين النقود التي ثبتت في ذمته بسبب الشراء، وإن هذه النقود ليست قائمة مقام البضاعة بحيث يمكن عود البضاعة إلى محلها، وإنما هي عوض عن البضاعة المبيعة التي تم بيعها بيعًا باتًّا لا رجعة فيه، فلا يمكن أن تجري عليها أحكام البضاعة. وإلا لصارت جميع النقود التي حصل عليها الإنسان ثمنًا للبضاعة قائمة مقام البضاعة في جواز تداوله بالتفاضل، وهو محظور بالبداهة.
وثانيًا: القول بأن الكمبيالة بيع للبضاعة التي يقوم الدين مقامها يستلزم أن يقع على البضاعة الواحدة بيعان لجهتين مختلفتين، فإن البضاعة تم بيعها إلى مصدر الكمبيالة وانتقل ملكها إليه فكيف يبيع حامل الكمبيالة نفس هذه البضاعة إلى جهة أخرى؟ مع أن حامل الكمبيالة ليس مالكًا لها، ولا الجهة الأخرى تحصل على هذه البضاعة في مرحلة من مراحل العملية.
وثالثًا: إن هذا الدليل معارض للنص، وهو حديث عبد الله بن عمر، ﵄، قال:
كنت أبيع الإبل بالبقيع، فأبيع بالدنانير وآخذ الدراهم، وأبيع بالدراهم وآخذ الدنانير، آخذ هذه من هذه، وأعطى هذه من هذه، فأتيت رسول الله ﷺ وهو في بيت حفصة، فقلت: يا رسول الله! رويدك أسألك، إني أبيع الإبل بالبقيع، فأبيع بالدنانير وآخذ الدراهم، وأبيع بالدراهم وآخذ الدنانير، آخذ هذه من هذه وأعطي هذه من هذه، فقال رسول الله ﷺ : ((لا بأس أن تأخذها بسعر يومها ما لم تفترقا وبينكما شيء)) (١) .
دل هذا الحديث على أنه إذا وقع البيع على نقد من النقود، ثم أراد المتبايعان أن يحولوه إلى نقد آخر، فإن ذلك إنما يجوز بشرطين: الأول أن يكون على سعر يوم الأداء، والثاني: أن يتم الأداء في المجلس ولا يبقى في ذمة المشتري شيء.
ولا يخفى أن المبيع في هذه العملية إبل، وثبت ثمنها بالدراهم مثلاً في ذمة المشتري، فكأنما أصبحت دينًا في ذمته، وإنه يريد أن يستبدلها بالدنانير، فاشترط رسول الله ﷺ لذلك أن يقع الاستبدال بسعر يوم الأداء، وبأن لا يبقى شيء من الثمن في ذمة المشتري. وإنما اشترط هذين الشرطين لأنه، ﷺ ، جعل هذا الاستبدال صرفًا، فاشترط فيه ما يشترط لجواز الصرف، مع أن أصل البيع كان للإبل؛ ولو كان ثمن البضاعة يقوم مقام البضاعة كما قاله هؤلاء الإخوة؛ لكان هذا الاستبدال شراء للبضاعة نفسها، ولم يشترط لجوازه ما يشترط للصرف.
ولينظر أن هذه العملية وقعت بين البائع والمشتري، ولم يتخللها ثالث، وكان من السهل أن يقال: إنهما فسخا البيع السابق، وعقداه من جديد على أساس الدنانير، ولذلك لا يشترط فيه سعر يوم الأداء، ولا التقابض، ولكن رسول الله ﷺ جعله صرفا ليحترز من كل شبهة للربا، وكذلك كان هذا بيعا للدين ممن هو عليه، ومع ذلك اشترط رسول الله ﷺ تساوي البدلين في السعر، فيشترط هذا الشرط من باب أولى في بيع الدين من غير من هو عليه، لأن تخلل الثالث أبعد كل احتمال للاستبدال أو فسخ البيع السابق وعقده من جديد.
٢- إن بعض هؤلاء الإخوة استدلوا بما روي عن المالكية وعن بعض الشافعية أنهم أجازوا بيع الدين من غير من هو عليه، وتمسكوا بلفظ " بيع الدين "، وقالوا: متى جاز بيع الدين، فإن البيع يقتضي أن يجوز بكل ما اتفق عليه العاقدان من ثمن، فيجوز بيع الدين بأقل من مبلغ الدين إذا تراضى عليه الطرفان.
стр. 17542
وهذا الدليل أضعف من الأول، لأنه حينما يقال بجواز بيع شيء، فإن الجواز يخضع لجميع الشروط اللازمة في مثل ذلك البيع، فمثلاً: إذا قلنا يجوز بيع الذهب، فليس معناها أنه يجوز بذهب أقل منه أو أكثر، وإنما المراد أنه يجوز هذا البيع بجميع شروطه المعتبرة، ومنها أنه إذا بيع بجنسه فلا يجوز فيه التفاضل. وكذلك حينما ذكر هؤلاء الفقهاء جواز بيع الدين فإنما قالوا بجوازه بجميع الشروط المعتبرة، ومنها أنه إذا كان الدين من الأموال الربوية وبيع بجنسه فإنه لا يجوز التفاضل. وقد صرح بذلك العلماء المالكية كما سبق في تنقيح مذهبهم. أما الشافعية، فإنهم تصوروا بيع الدين بغير جنسه، فإنهم مثلوه بشراء العبد بالدراهم في ذمة المديون ولذلك لم يذكروا شرط التساوي، فإن هذا الشرط من البديهيات إذا كان الدين من الأموال الربوية، ووقع بيعه بجنسه. وقد ذكروا في مسألة الاستبدال (وهو بيع الدين ممن هو عليه) أنه إذا وقع الاستبدال في الأموال الربوية، اشترط قبض البدل في المجلس (١) فظهر أنهم اشترطوا في الأموال الربوية جميع الشروط اللازمة لجواز البيع فيها.
٣- وربما استدل بعضهم بما ذهب إليه العلماء من جواز "ضع وتعجّل" استدلالاً بقصة بني النضير حينما أجلوا من المدينة المنورة وكانت لهم ديون على أهل المدينة، فروي عن رسول الله ﷺ أنه قال لهم: ((ضعوا وتعجلوا)) فحطوا من ديونهم وتعجلوها من المديونين (٢) .
والواقع أن جمهور فقهاء الأمة ذهبوا إلى منع " ضع وتعجل " وهو مذهب عبد الله بن عمر وزيد بن ثابت، ومحمد بن سيرين، والحسن البصري وابن المسيب والحكم بن عتبة، والشعبي. والأئمة الأربعة (٣) وضعفوا حديث بني النضير، نعم روي عن عبد الله بن عباس وإبراهيم النخعي وزفر بن الهذيل وأبي ثور جوازه، وإليه ذهب العلامة ابن تيمية وتلميذه العلامة ابن قيم الجوزية، رحمهم الله تعالى (٤) ، ولكن الذين ذهبوا إلى جوازه، إنما جوزوه إذا كان ذلك فيما بين الدائن والمدين، ولم يجوزه أحد منهم إذا تخلل ثالث في العملية، فلا يقاس حسم الكمبيالة على مسألة "ضع وتعجل" لأن الدائن مالك للدين، فله أن يضع من الدين ما شاء. أما من يشتري الدين بنقد، فإنه يشتري النقود الواجبة في ذمة المديون، فهو في حكم بيع النقود بالنقود، ولا يجوز فيه التفاضل.
وإن هذه المسألة صدر فيها قرار من مجمع الفقه الإسلامي في دورته السابعة، ونصه:
" الحطيطة من الدين المؤجل، لأجل تعجيله، سواء أكانت بطلب الدائن أو المدين (ضع وتعجل) جائزة شرعًا، لا تدخل في الربا المحرم إذا لم تكن بناء على اتفاق مسبق، وما دامت العلاقة بين الدائن والمدين ثنائية، فإذا دخل بينهما طرف ثالث لم تجز، لأنها تأخذ عندئذ حكم حسم الأوراق التجارية " (٥) .
حكم الكمبيالة على أساس الحوالة:
ثم إن ما ذكرناه من حكم الكمبيالة مبني على أساس كونه بيعًا للدين. والذي يظهر لي أن حسم الكمبيالة ليس بيعًا في الحقيقة، وإنما هو إقراض وحوالة. فالذي يحسم الكمبيالة يقرض إلى حاملها مبلغًا ثم يحيل الحامل المقترض إياه على مصدر الكمبيالة. والدليل على ذلك أن في قوانين معظم البلاد لا يتحمل الحاسم خطر عدم التسديد، بل يحق له أن يرجع على حامل الكمبيالة إذا لم يقع التسديد من مصدر الكمبيالة، وهذا شأن الحوالة (على مذهب الحنفية) .
وعلى هذا، فما يعطيه حاسم الكمبيالة قرض أقرضه إلى حاملها بشرط أن يحيله على مديونه بمبلغ أكثر منه، وهو ربا صراح، لأن الحوالة من صحة شرطها تساوي الدينين، وقد تحقق هنا بين مبلغ القرض والمبلغ المستوفى فيما بعد زيادة في مقابل الأجل، وهو من ربا النسيئة.
стр. 17543
البدائل الممكنة لبيع الدين
تبين بما تقدم أن الأوراق المالية التي تمثل ديونًا في ذمة مصدرها، مثل السندات والكمبيالات، لا يجوز تداولها إلا بمبلغ مساو لقيمتها الاسمية. ثم هذا التداول بقيمتها الاسمية يمكن أن تكون على طريق البيع عند المالكية وبعض الشافعية بشروط مر ذكرها، ولا يجوز على طريق البيع عند الحنفية والحنابلة.
ولكن يجوز بطريق الحوالة عند الجميع، ومعنى ذلك أن حامل السند أو الكمبيالة يقترض من طرف ثالث مبلغًا يساوي مبلغ السند أو الكمبيالة، ثم يحيل هذا الطرف الثالث إلى مصدر السند أو الكمبيالة. فتجري على هذا التداول أحكام الحوالة.
ولا يخفى أن تداول هذه الأوراق بمبلغ مساو لقيمتها الاسمية لا يؤدي الغرض المطلوب من السوق الثانوية. فهل هناك من طريق يمكن به إنشاء سوق ثانوية للأوراق المالية على الوجه المقبول شرعًا؟ وبعبارة أخرى، هل هناك من بديل لتداول السندات والكمبيالات على الوجه المقبول شرعًا؟ والجواب: نعم، وفيما يلي نذكر هذه البدائل باختصار، والله سبحانه هو الموفق للصواب.
بديل حسم الكمبيالات:
أما حسم الكمبيالات، فيمكن تحصيل غرضه بطرق ثلاثة:
١- إن حسم الكمبيالات يحتاج إليه تاجر يبيع بضاعته بيعًا مؤجلاً، فيريد أن يحصل على مبلغ الثمن (أو ما يقاربه) معجلاً قبل حلول الأجل ليمكن له الوفاء بالتزاماته تجاه التجار الذين اشترى منهم البضاعة المصدرة، أو الصناع الذين صنعوها له، وأكثر ما يحتاج إليه التجار في تصدير بضاعاتهم إلى خارج البلد عن طريق اعتماد مستندي، فيذهبون بالكمبيالات إلى بنك ليحسمه ويؤدي إليهم مبلغ الكمبيالة ناقصًا منه نسبة الحسم.
والطريق المشروع للحصول على هذا الغرض بالوجه الذي لا غبار عليه من الناحية الشرعية أن يعقد التجار المشاركة مع البنك قبل تصديرهم للبضاعة، وبما أن عندهم طلبًا معينًا من خارج البلاد، والسعر معلوم متفق عليه بين الفريقين والتكلفة معلومة، فلا يصعب على البنك الدخول في المشاركة في هذه العملية بخصوصها، لأن الربح المتوقع من العملية شبه المتيقن، فيمكن للبنك أن يعطي العميل المبلغ المطلوب على أساس المشاركة، ويتقاضى نسبة من الربح الحاصل من العملية، فيحصل العميل على السيولة ويتمكن بها الوفاء بالتزاماته التي يتحملها لإعداد البضاعة المصدرة، ويحصل للبنك الربح بنسبة معلومة.
стр. 17544
٢- الطريق الثاني: أن يبيع البنك إلى حامل الكمبيالة بضاعة حقيقية مقابل الكمبيالة على مذهب المالكية وبعض الشافعية، أو مقابل ثمن يساوي مبلغ الكمبيالة، ثم يقبل حوالته على مصدر الكمبيالة. وبما أن مقابل الكمبيالة بضاعة، فلا بأس أن يبيعه البنك بسعر أعلى من سعر السوق، وبهذا يحصل على ربح.
٣- الطريق الثالث: أن تكون هناك معاملتان مستقلتان بين البنك وبين حامل الكمبيالة. المعاملة الأولى: أن يوكل حامل الكمبيالة البنك بتحصيل مبلغه من مصدر الكمبيالة عند نضجها، ويعطيه أجرًا معلومًا مقابل هذه الخدمة.
والمعاملة الثانية: أن البنك يقرض العميل مبلغ الكمبيالة ناقصًا منه أجرة الوكالة قرضًا بدون فائدة.
مثاله: إن زيدًا يحمل كمبيالة مبلغها مائة ألف روبية، فيوكل زيد البنك بتحصيل هذا المبلغ من مصدر الكمبيالة بأجر ألف روبية. ثم يقرض البنك زيدًا بعقد مستقل مبلغ تسعة وتسعين ألف روبية. وحينما يحصل البنك على مائة ألف من مصدر الكمبيالة فإنه تقع المقاصة، فيمسك منها تسعة وتسعين استردادًا لمبلغ قرضه ويمسك ألفًا كأجرة له على تحصيل المبلغ.
وإن هذا الطريق يشترط لجوازه أمور:
الأول: أن يكون كل واحد من العقدين منفصلاً عن الآخر، فلا تشترط الوكالة في القرض، ولا القرض في الوكالة.
الثاني: أن لا تكون أجرة الوكالة مرتبطة بمدة نضج الكمبيالة، بحيث تكون الأجرة زائدة إن كانت المدة طويلة وتكون أقل إن كانت قصيرة.
الثالث: أن لا يزاد في أجرة الوكالة بسبب القرض الذي أقرضه البنك، فإنه يكون حينئذ قرضًا جر منفعة.
стр. 17545
بديل سندات تصدرها الشركات:
أما السندات التي تصدرها الشركات التجارية للحصول على القروض من الجمهور للزيادة في طاقتها المالية، فإن بديل هذه السندات صكوك يمكن أن تصدرها الشركة على أساس المشاركة أو المضاربة، بحيث يكون حملة الصكوك يشاركون الشركة في نشاطها التجاري، وتوزع عليهم نسبة من الأرباح المكتسبة من خلال هذا النشاط. وبما أن هذه الصكوك تمثل ملكية شائعة في موجودات الشركة (وينبغي أن تكون هذه الموجودات في صورة الأعيان بنسبة (٥١ %) على الأقل على ما أفتى به مجمع الفقه الإسلامي) فإنه يجوز تداول هذه الصكوك في السوق الثانوية بأي سعر يتفق عليه البائع والمشتري، لأن الممنوع الاتجار في الأوراق التي لا تمثل إلا النقود والديون القابلة للتحصيل، أما إذا كانت الأوراق تمثل حصة شائعة من الأعيان كالأسهم، فإنه يجوز فيه المتاجرة، ويتعين سعرها على أساس العرض والطلب، شأن سائر البضائع.
وقد سبق أن درس مجمع الفقه الإسلامي هذا الموضوع في دورته الرابعة، وأصدر فيه قرارًا مبسوطًا ذكر فيه الضوابط التي تحكم هذه الصكوك (١) وقد تحدثت عن مسائلها في بحث قدم في هذه الدورة (٢) ، فلا حاجة إلى تفصيل هذه المسائل والضوابط في هذا البحث.
بديل سندات تصدرها الحكومة:
أما سندات القروض التي تصدرها الحكومة لتمويل عجز ميزانيتها فيمكن الاستعاضة عنها بالصكوك الشرعية، ولكن لا يمكن في الطرق الشرعية لتمويل هذا العجز أن تحصل الحكومة على قروض تصرفها كيفما شاءت، وإنما يجب في أدوات التمويل الشرعية أن يكون التمويل مرتبطًا بمشاريع معينة، وتكون هذه الأدوات متنوعة حسب طبيعة المشروع الذي يراد تمويله. وعلى هذا، فيمكن أن تختار إحدى الطرق الآتية في مجالات مختلفة تحتاج إلى تمويل:
١ ـ صكوك المشاركة أو المضاربة:
إن كثيرًا من الحكومات تكون لديها مشاريع تجارية تدر ربحًا، مثل توزيع الماء والكهرباء، وخدمات الهاتف والبريد، أو خدمات المواصلات من القطار والشحن والخطوط الجوية، فإن احتاجت هذه المشاريع إلى تمويل، فإن ذلك يمكن عن طريق إصدار صكوك المشاركة أو المضاربة، فكل مؤسسة من هذه المؤسسات يمكن لها أن تعرض هذه الصكوك على الجمهور، وكل من يحصل على هذا الصك بدفع مبلغ من المال فإنه يشارك المؤسسة في نشاطها التجاري، ويستحق الربح بنسبة شائعة، وبما أن هذه الصكوك تمثل حصة شائعة في موجودات المؤسسة، فإنها يجوز تداولها في السوق الثانوية، ويتعين سعرها حسب العرض والطلب، شأن أسهم الشركات المساهمة.
стр. 17546
٢ - صكوك التأجير:
قد تحتاج الحكومة إلى بناء مشاريع يمكن تأجيرها، ويمكن تمويل هذه المشاريع عن طريق إصدار صكوك التأجير، مثلاً: تريد الحكومة أن تبني جسرًا وإنه يمكن أن تتقاضى رسومًا ممن يستخدم هذا الجسر، ويمكن أيضًا أن يؤجر هذا الجسر إلى جهة تجارية، وإن هذه الجهة تتقاضى الرسوم ممن يستخدمه.
فيمكن أن تصدر الحكومة صكوكًا تحصل عليها العامة بدفع مبالغ معلومة، فيشتركون في ملكية هذا الجسر بنسب شائعة، ويستحقون بذلك حصة من الأجرة أو الرسوم التي تحصل من الجهة المستأجرة أو من المستخدمين للجسر.
ويمكن في النهاية أن يباع هذا الجسر إلى الحكومة أو إلى جهة أخرى، ويقسم الثمن على حملة الصكوك بنسبة مساهماتهم.
وبما أن هذه الصكوك تمثل حصة شائعة من ملكية الجسر، فإنه يجوز تداولها في السوق الثانوية حسب العرض والطلب.
٣ - صندوق تمويل الحكومة:
قد تكون لدى الحكومة مشاريع لا تدر ربحًا، أو تدر ربحًا بسيطًا لا يكفي لتشويق الناس إلى المساهمة فيه. مثل دعم القوات المسلحة، وإنشاء المعاهد الدراسية، أو المستشفيات العامة، أو إنشاء المباني التي لا تدر ربحًا. وإن تمويل هذه المشاريع لا يمكن على أساس المشاركة أو المضاربة.
ويمكن تمويل هذه المشاريع بإنشاء صندوق خاص لتمويل الحكومة. وإن هذا الصندوق يتكون بمساهمات عامة الناس، ويصدر لهم صكوك تشهد بمساهمتهم فيه. ثم إن الصندوق يمول مثل هذه المشاريع الحكومية على أساس المرابحة، أو التأجير، أو الاستصناع، حسب طبيعة المشروع. فمثلًا: إذا احتاجت الحكومة إلى شراء أسلحة، فإن هذا الصندوق يشتريها من المصدرين، ويبيعها إلى الحكومة مرابحة مؤجلة، وإن احتاجت الحكومة إلى ماكينة أو معدات أخرى، فإن هذا الصندوق يشتريها ثم يؤجرها إلى الحكومة إما إجارة عادية، أو إجارة منتهية بالتمليك. وإن احتاجت الحكومة إلى بناء عمارة، فإن الحكومة تعقد الاستصناع مع هذا الصندوق، وإن الصندوق يبني العمارة عن طريق مقاول من الباطن، ويسلمها إلى الحكومة، وتدفع الحكومة الثمن إلى الصندوق في أقساط معلومة، ويراعى في تعيين ثمن الاستصناع أن يحصل الصندوق على ربح مناسب. وإن الربح الذي يتكون من خلال هذه العمليات المختلفة، يوزع على حملة صكوك الصندوق.
стр. 17547
ومما ينبغي أن يراعى في عمليات هذا الصندوق أن لا تزيد نسبة عمليات المرابحة على (٤٩ %) من مجموع العمليات، حتى يكون معظم ممتلكات الصندوق أعيانًا. وحينئذ تكون صكوك هذا الصندوق تمثل حصة شائعة في وعاء معظم موجوداته أعيان، فيجوز تداولها في السوق الثانوية، ويتعين سعرها حسب العرض والطلب.
٤ - سندات القروض بدون فائدة:
الطرق الثلاث المذكورة فيما سبق تستطيع أن تلبي أكثر الحاجات التي من أجلها تحتاج الحكومة إلى التمويل من مواطنها وبما أن هذه الطرق للتمويل مرتبطة بمشاريع معينة، فإنها تضمن أن تستخدم الأموال المحصلة في مشاريع حقيقية يرجع نفعها إلى المجتمع. أما القروض التي لا ترتبط بمشاريع معينة فإنها مظنة أن تصرف في سرف وترف.
ولئن بقيت بعد استنفاد هذه الطرق بعض المجالات الحقيقية التي لا يمكن للحكومة أن تختار فيها إحدى الطرق الثلاث، فيمكن أن تطلب من مواطنيها قروضًا بلا فائدة. ولئن علم عامة الناس أن الحكومة قد بذلت كل ما في وسعها من الطرق المشروعة للحصول على التمويل، وأنها في حاجة حقيقية لزيادة من التمويل لأغراض يرجع نفعها إلى المجتمع، وليس لمجرد الترف والتنعم، فإنهم يستعدون لإقراض الحكومة بدون فائدة، ولاسيما إذا أحدثت الحكومة جوًّا دينيًا عن طريق التعليم والإعلام. إن هؤلاء المقرضين يعطون سندًا لقروضهم. وإن هذه السندات لا يجوز بيعها في السوق بثمن أكثر أو أقل لما قدمنا من منع بيع الدين بالتفاضل، ولكن يمكن أن تسيل هذه السندات بمثل قيمتها على أساس الحوالة.
ويمكن للحكومة أن تعفي حملة هذه السندات من بعض الضرائب أو تخفض نسبتها لهم، والظاهر أن ذلك لا يكون من قبيل القرض الذي جر نفعًا، وذلك لأن القرض إنما يدخل في القرض الربوي إذا تضمن إعطاء زيادة على رأس المال أو إعفاء المقرض عن دين كان يجب عليه. أما الضرائب فإنها ليست من قبيل الديون الواجبة على المواطنين، وإنما يجوز للحكومة فرض الضرائب عليهم للوفاء بحاجات الحكومة بقدر الحاجة، ولذلك للحكومة معايير مختلفة في فرضها على بعض المواطنين دون بعض، وتعيين نسب مختلفة لأصناف مختلفة منهم. ولما تقدم هؤلاء المقرضون بقروض وفت بعض حاجات الحكومة، فللحكومة أن تعفيهم عن بعض الضرائب أو تخفض عنهم بعضها، لأنهم أدوا بعض دورهم في سد حاجات الحكومة، فلا يطالب منهم قدر ما يطالب من الآخرين الذين لم يؤدوا هذا الدور إطلاقًا. والله أعلم، وله الحمد أولًا وآخرًا.
القاضي محمد تقي العثماني.
стр. 17548
أحكام التصرف في الديون
دراسة فقهية مقارنة
إعداد الدكتور
علي محيي الدين القره داغي
أستاذ الفقه والأصول بجامعة قطر
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين محمد، وعلى آله وصحبه، ومن تبع هداه إلى يوم الدين.
وبعد؛
فإن من أسباب خلود الشرعية الإسلامية وصلاحيتها لكل زمان ومكان أن أودع فيها منزلها الحكيم الخبير كل ما تحتاج إليه البشرية من حلول لمشاكلهم الفكرية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية، فقال الله تعالى: ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك: ١٤] .
لذلك لم تحتج هذه الشريعة طوال أكثر من أربعة عشر قرنًا إلى أن تنقل قاعدة قانونية، أو مبدءًا قانونيًّا من غيرها، بل استطاع الفقهاء المسلمون في كل عصر أن يستنبطوا من الشريعة نفسها الحلول الناجحة لكل مشكلة جدت على الرغم من اختلاف الحضارات وتعدد الشعوب والأقوام.
ولذلك نجد أمامنا تراثًا ضخمًا من فقه النوازل لا يوجد أبدًا لأية أمة أخرى، وهو تراث غني مليء بالتجارب والحلول الناجحة، صالح للاستفادة منه لجيلنا الحاضر، وللأجيال اللاحقة من خلال التنقية والاجتهاد الانتقائي للوصول إلى ما هو الراجح الذي يدعمه الدليل من الكتاب والسنة ومقاصد الشريعة الغراء، ثم الاعتماد على الاجتهاد الإنشائي فيما لا يوجد فيه قول من أقوال فقهائنا الكرام ﵃.
ولذلك لا نجد قضية من قضايا عصرنا إلا ونجد لها حكم الله تعالى إما نصًّا أو دلالة، أو استنباطًا من المبادئ الكلية والقواعد العامة لهذه الشريعة.
ومن هذا المنطلق كان بحثنا حول التصرف في الديون بالبيع، ونحوه حيث وجدنا أن النصوص الشرعية قد تناولت أحكامها، وأن فقهاءنا قد فصلوا القول فيها، وأن ما استجد منها من أمور يمكن معرفة حكمه بوضوح من خلال المنهج السابق.
ومن هنا كان بحثنا حول التعريف بالدين لغة واصطلاحًا؛ وما ذكره الفقهاء حول الدين والعين بإيجاز، وما يقابلهما في القانون، ثم تطرقنا إلى تقسيمات الدين، وخطورة الدين وآثاره السلبية وأسبابه؛ ثم ركزنا على أحكام التصرف في الديون، سائلاً الله تعالى أن يجعل أعمالي خالصة لوجهه الكريم، وأن يعصمني من الخطأ والزلل في العقيدة والقول والعمل، وأن أكون قد وفقت فيما أصبو إليه؛ إنه مولاي، فنعم المولى ونعم النصير.
стр. 17549
أولاً – التعريف بالدين لغة واصطلاحًا:
الدَّين – بفتح الدال – لغة يطلق على ما له أجل، وأما الذي لا أجل له فيسمى بالقرض، وقد يطلق عليهما أيضًا، ويقال دنته وأدنته أي أعطيته إلى أجل وأقرضته، وداينته أي أقرضته. وجمعه ديون، وأدين، واسم فاعله دائن، واسم مفعوله: مدين، ومديون عند التميم وأصل اشتقاقه ينبئ عن الذل والخضوع، فهو من دان بمعنى خضع واستكان (١) .
وقد ورد لفظ الدين – بفتح الدال – في القرآن الكريم أكثر من مرة، بل إن أطول آية فيه هي آية الدَّين، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ [البقرة: ٢٨٢] ، وقد فسره المفسرون بعدة تفسيرات:
قال الشافعي: " يحتمل كل دين، ويحتمل السلف " (٢) .
وقال الطبري: "إذا تبايعتم أو اشتريتم به، أو تعاطيتم، أو أخذتم به إلى أجل مسمى ... وقد يدخل في ذلك القرض والسلم، كل ما جاز فيه السلم مسمى أجل بيعه من الأملاك بالأثمان المؤجلة، كل ذلك من الديون المؤجلة إلى أجل مسمى إذا كانت آجالها معلومة" (٣) .
وقال الجصاص: " ينتظم سائر عقود المداينات التي تصح فيها الآجال"، لكنه ذكر أن القرض وإن كان يسمى دينًا إلا أنه لا يدخل في منطوق هذه الآية، لأنه في الديون المؤجلة.
فعلى هذا فالدين في الآية هو: " كل دين ثابت مؤجل سواء كان بدله عينًا أو دينًا" (٤) ؛ وقد ذكروا أيضًا أن ابن عباس قال: "نزلت هذه الآية في السلم خاصة"، لكنها تتناول جميع المداينات إجماعًا، ولأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب (٥) .
стр. 17550
وورد لفظ (الدين) في السنة المشرفة بمعنى الدين الشامل لحقوق الله تعالى وحقوق العباد المتعلقة بالذمة، فقد قال النبي ﷺ في جواب الرجل الذي سأله عن قضاء صوم شهر عن أمه المتوفاة: ((نعم، فدين الله أحق أن يقضى)) (١) ؛ وورد مثله في الحج حيث قال: ((نعم حجي عنها، أرأيت لو كان على أمك دين أكنت قاضيته؟ اقضوا الله، فالله أحق بالوفاء)) (٢) ؛ وورد فيه بمعنى الدين الخاص بالمال الذي ثبت في ذمة شخص لشخص آخر مثل قوله ﷺ حينما أتي بجنازة: ((هل عليه من دين)) ؟ قالوا: نعم (٣) ، وفي رواية قالوا: ثلاثة دنانير، فقال أبو قتادة: وعلي دينه (٤) .
وأما الفقهاء فقد أطلقوا الدين على معنيين: معنى عام، ومعنى خاص.
أحدهما: إطلاق عام على كل ما يجب في ذمة الإنسان بأي سبب من الأسباب، سواء كان من حقوق الله تعالى، أو من حقوق العباد؛ وقد رأينا أنه بهذا المعنى قد ورد في السنة المشرفة أيضًا، ذكر الحافظ ابن حجر أن لفظ الدين يشمل كل حق ثبت في ذمة الشخص من حج وكفارة ونذر، وزكاة ونحوها (٥) . فعلى هذا يمكن تقسيم الدين إلى نوعين: دين الله تعالى، ودين الآدمي.
والثاني: إطلاقه على ما يثبت في ذمة الإنسان بسبب عقد، أو استهلاك، أو استقراض، أو تحمل التزام، أو قرابة ومصاهرة (٦) .
ولا يخفى أن هذا المعنى أخص من المعنى الأول؛ إذ هو خاص بما ثبت من حقوق العباد في ذمة المدين، ومقابله العين، والعمل، والنفس، قال الكاساني: "إن المكفول به أربعة أنواع: عين، ودين، ونفس، وفعل ليس بدين ولا عين ولا نفس " (٧) ، فعلى ضوء هذا يقسم محل الالتزامات إلى هذه الأنواع الأربعة، ولكننا لو دققنا النظر فيه لأمكن إرجاع الجميع إلى الدين والعين، إذًا الفعل الملتزم به داخل في الدين ما دمنا نحن فسرناه بما ثبت في الذمة، لا بالمال فقط، وكذلك الالتزام بإحضار نفس راجع إلى الحق المتعلق بالعين (٨) .
ويقابل هذين المصطلحين الشرعيين مصطلحان في القانون المدني هما: الحق الشخصي، والحق العيني؛ فالحق الشخصي – ويسمى الالتزام أيضًا -: هو رابطة بين شخصين دائن ومدين، بمقتضاها يطالب الدائن المدين بإعطاء شيء، أي بنقل ملكية شيءٍ أو القيام بعمل، أو بالامتناع عن عمل. وأما الحق العيني: فهو سلطة يمنحها القانون لشخص على عين بالذات (٩) ، ونحن لسنا بصدد الخوض في تفاصيل هذه المسألة، إذ أن بحثنا معقود لبيان الديون المالية (١٠) .
стр. 17551
تقسيمات الدين:
يقسم الدين باعتبار الزمن إلى: حال، ومؤجل، فالدين الحال: هو ما يجب أداؤه عند طلب الدائن، ويقال له الدين المعجل أيضًا.
والدين المؤجل: هو ما لا يجب أداؤه قبل حلول الأجل، لكن لو أدي قبله يصح ويسقط عن ذمته (١) ؛ وقد ذكر الزركشي أن الدين المؤجل يحل بموت المدين إلا في ثلاث صور:
الأولى: المسلم إذا لزمته الدية ولا مال له ولا عصبة، تحمل عنه بيت المال، فلو مات أخذ من بيت المال مؤجلاً.
الثانية: إذا لزمت الدية في الخطأ وشبه العمد الجاني كما لو اعترف وأنكرت العاقلة فإنها تؤخذ من الجاني مؤجلة، فلو مات هل تحل الدية؟ وجهان: أصحهما نعم.
الثالثة: ضمن دينًا مؤجلاً ومات الضامن، يحل عليه الدين على الأصح ولو مات الأصلي حل عليه الدين، ولم يحل على الضامن على الصحيح (٢) .
وكذلك تحل الديون المؤجلة بالفلس عند جماعة من العلماء (٣) .
قال الزركشي: " ليس في الشريعة دين لا يكون مؤجلاً إلا الكتابة والدية، وليس فيها دين لا يكون إلا حالاً إلا في القرض (٤) ، ورأس مال السلم، وعقد الصرف، والربا في الذمة ... " (٥) .
وأما الدين الحال، فقد قال الإمام المتولي والإمام الروياني: إنه لا يتأجل إلا في مسألتين: إحداهما: إذا قال صاحب الدين عند حلوله: لله علي أن لا أطالبه إلا بعد شهر؛ لزم (٦) .
الثانية إذا أوصى من له الدين الحال أن لا يطالب إلا بعد شهر فإنه تنفذ وصيته، وقيدها ابن الرفعة في المطلب بأن يكون في حدود الثلث.
стр. 17552
وقد قسم التهانوي الدين إلى: دين صحيح وهو الدين الثابت الذي لا يسقط إلا بالأداء أو الإبراء كدين القرض ونحوه. وإلى دين غير صحيح وهو ما يسقط بغيرهما بسبب آخر مطلقًا مثل دين الكتابة فإنه يسقط بتعجيز العبد المكاتب نفسه (١) .
ثانيًا – خطورة الدين وآثاره السلبية:
للديون آثار سلبية لا تقف عند الجانب الاقتصادي فقط، بل يتعداه إلى الجوانب السياسية والاجتماعية، وإلى نطاق العقيدة، والأخلاق، والحرية الشخصية.
فقد أشار رسولنا الكريم ﷺ إلى ذلك حيث كان يستعيذ من الدين مع استعاذته من الكفر والإثم، والبخل، والهم والحزن والعجز والكسل وغلبة الرجال.
فقد روى أحمد في مسنده أن النبي ﷺ كان يقول: ((أعوذ بالله من الكفر والدين)) (٢) ، فلا شك أن في جمعهما معًا في استعاذة واحدة إشارة إلى وجود نوع من الترابط والتلازم – وإن كان تلازمًا عاديًّا – بينهما فيما بين عامة الناس الذين لم يتزودوا بزاد التقوى؛ إذ الديون في الغالب دليل على الفقر، وهو إن وجد في الإنسان قد يؤدي به إلى الزلات إن لم يكن قد ربي على الإيمان والقناعة والرضا.
وقد روى البخاري وغيره بسنده أن رسول الله ﷺ كان يقول في دعائه: ((اللهم إني أعوذ بك من اللهم والحزن، والعجز والكسل، والجبن والبخل، وضلع الدين وغلبة الرجال)) (٣) ، فقد استعاذ من ثمانية أشياء بينهما ترابط وثيق، فالهم والحزن يؤديان إلى العجز والكسل.
وهذا ما أثبته الطب الحديث، فقد أثبت أن نسبة كبيرة من أسباب الأمراض الخطيرة ترجع إلى القلق النفسي والهموم، والعكس أيضًا صحيح، حيث إن العجز والكسل يؤديان إلى الأحزان، فالعلم خير وسيلة لطرد الهموم، وأن البطالة مكان خصب للمشاكل والغموم، ثم إن الجبن والبخل يترتب عليهما الهم والحزن، فالجبان خائف مترقب لا يهدأ باله ولا تسكن نفسه، لأنه يخاف من نفسه وماله، ويعيش في الخوف الذي يصبح له كابوسًا يطارده، فيحدث له الهم والحزن، وكذلك الأمر في البخيل فهو ممسك ماله لخوفه عليه من الضياع والهلاك، فإذا أنفق شيئًا أو أجبر عليه فقد لزمته الهموم ويتراكم عليه الخوف، فقد قيل: فالناس لخوف الفقر فقراء.
ثم أشار ﷺ إلى الترابط بين ضلع الدين – أي شدته – وبين غلبة الرجال، وحقًا إنهما متلازمان في الغالب، ويترتب الثاني على الأول، كما أن الدين يأتي في الغالب نتيجة للعجز والكسل والهم والحزن.
ثم إن نفس المؤمن المدين معلقة بدينه في يوم القيامة حتى يقضى عنه، بل إن ((القتال في سبيل الله يكفر كل شيء إلا الدين)) (٤) .
стр. 17553
وبالإضافة إلى ذلك فإن للدين آثارًا سلبية في نطاق الأخلاق والاجتماع والسياسة، فقد أشار الرسول الكريم ﷺ إلى خطورة الدين على الأخلاق والسلوك، فقد روى الشيخان وغيرهما بسندهم عن عائشة قالت: كان رسول الله ﷺ يدعو في الصلاة فيقول: ((اللهم إني أعوذ بك من المأثم والمغرم)) قالت: فقال له قائل: ما أكثر ما تستعيذ من المغرم! قال: ((إن الرجل إذا غرم حدث فكذب، ووعد فأخلف)) (١) ، بالإضافة إلى أنه قد يسلك سبلاً ملتوية في سبيل الحصول على المال، ولا سيما إذا رأى بجنبه الأغنياء المترفين، وقد قيل قديمًا: إن صوت المعدة لا تنكر قوته (٢) .
وفي نطاق السياسة كان للديون آثارها الكبيرة في تبرير المستعمر احتلاله لبعض البلدان، أو كان من خلالها يعبر نحوها عبر شركاتها الاحتكارية، فقد كانت الشركات الشرقية البريطانية هي التي مهدت لاحتلالها الهند، كما أن للديون المتراكمة على الخلافة العثمانية آثارًا خطيرة في إسقاطها (٣) ، ولا تزال كثرة الديون وتراكمها على بعض الدول الإسلامية لها آثارها الخطيرة على قراراتها السياسية، حيث غلت يداها عما تريده حقًا.
ثالثًا – أسباب الديون وتفاقمها:
توجد للديون أسباب مباشرة، وغير مباشرة، فالأولى هي ما يسميه الفقه الإسلامي بالسبب الشرعي، حيث سمى العقد مثلاً سببًا لترتب آثاره، ويسميه الفقه الوضعي بمصادر الالتزام، والثانية هي التي تكون وراء العقد، أو الضمان، فمثلاً إن السبب غير المباشر للقرض هو الحاجة إلى المال التي تدفع صاحبها إلى الاستقراض وهكذا.
إذًا فالأسباب المباشرة للديون هي:
١- العقود التي تترتب عليها التزامات مالية في ذمة الإنسان، وهي تشمل عقد البيع، والقرض، والنكاح، وغيرها؛ ولا شك أن القرض هو أهم أسباب الديون.
٢- التصرف الانفرادي كالنذر ونحوه.
٣- الضمان حيث هو سبب لثبوت ما ضمن به من المتلفات، والديات في ذمة المتلف.
٤- تحمل الحمالة والالتزامات عن الناس.
٥- القرابة والمصاهرة حيث جعلهما الشرع سببين لثبوت النفقة على تفصيل فيها.
وأسباب الديون غير المباشرة (٤) .
إذا كانت تلك الأمور السابقة أسبابًا مباشرة للديون فإن وراء هذه الأسباب أسبابًا أخرى غير مباشرة، فإذا كان القرض هو السبب الشرعي للدين ومصدره، فإن الحاجة هي السبب للاستقراض، وكذلك الأمر بالنسبة للضمان، فالإتلاف هو السبب للضمان الذي يترتب عليه دين في الذمة وهكذا.
فلما كان السبب الرئيسي في الديون هو القرض، فإن الحاجة هي السبب الرئيسي له، ولذلك سنلقي بصيصًا من الضوء على الحاجة وأسبابها.
فحاجة الفرد إلى النقود أو الأعيان لأي غرض من الأغراض تدفعه إلى الاستقراض أو تجعله غير قادر على أداء ما عليه، بحيث لا يتوفر عنده مال أو عنده ولكنه لا يكفي لتلبية متطلباته المشروعة أو غير المشروعة، فقد يكون الشخص له مال ولكنه لجشعه يستدين ليأكل أموال الناس بالباطل، وهذا الصنف الأخير لا يمثل الشريحة العريضة للمجتمع.
إذن فالسبب الغالب هو الحاجة إلى المال، ويعود سببها بإيجاز إلى الأمور الآتية:
١- الكسل حتى تأكل نفقاته أمواله فيحتاج إلى الاستدانة.
٢- عدم الاكتساب، أو يكتسب لكنه بشكل لا يفي بحاجاته أو متطلباته وذلك بأن يعمل في نطاق عمل لا يستطيع الإجادة فيه فيخسر أو لا يربح، وبعبارة أخرى لا يشتغل بعمل يناسب طاقاته الخاصة ومهاراته البدنية أو الفكرية أو لا يقوم بالتثمير والاستثمار في أمواله، أو يقوم به ولكن مع عدم وضع خطة دقيقة وإسناد الأمر إلى غير أهله لا ينجح المشروع.
стр. 17554
٣- الإسراف حتى وإن كان في المباحات، والقاعدة الفقهية الحاكمة في هذه المسألة هي البدء بالضروريات، ثم الحاجيات، ثم المحسنات مع عدم الإسراف فيها.
٤- عدم العدالة في توزيع الثروات، أي وجود ظلم اجتماعي، وطفح نظام الطبقات كما هو الحال في النظام الرأسمالي، أو كبت الحرية الشخصية، وإزالة الملكية الفردية، وعدم وجود المنافسة المشروعة فيما بين الأفراد كما هو الحال في النظام الاشتراكي، أو سوء التخطيط والإدارة والتنظيم كما هو الحال في دول العالم الثالث.
٥- تكاليف المعيشة الباهظة لأي سبب كان. وهذا السبب ناتج من السببين السابقين.
٦- كارثة تلحق به فتحوجه إلى الاستدانة. وهذا استثناء، كما أن على الدولة أن تقوم بواجبها نحو هؤلاء.
ويمكن أن نوجز هذه الأسباب كلها في عدم التزام الفرد والمجتمع بمنهج الله سواء من حيث الاكتساب والإنفاق، أو من حيث طريقة التثمير والاستثمار، أو من حيث توزيع الثروة والتوازن المطلوب، أو من حيث الغاية والهدف من المال.
وأما أسباب تفاقم الديون وتضخمها وتضاعفها فتعود إلى الربا – أي الفوائد التي توضع على الدين نظير الأجل – (١) فالديون الاستهلاكية تتضاعف عليها الفوائد الربوية دون حصول على ربح للمدين حتى تصل إلى حالة قد يعجز عن أدائها، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً﴾ [آل عمران: ١٣٠] .
وأما الديون التجارية فيعود سبب تفاقمها إلى شيئين، أولهما: الربا، والثاني: عدم قيامه باستثمارها على الوجه المطلوب حتى يؤدي إلى أرباح تستغرق الفائدة الربوية ومتطلبات المعيشة، وفي نظر المسلم أن السبب الأول هو الأساس وأنه وحده يكفي حيث لا توجد البركة في المال المرابى قال تعالى: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾ [البقرة: ٢٧٦] ، والواقع أيضًا يؤيد ذلك، حيث ثبت للعالم اليوم أن النظام الربوي لا يخدم سوى حفنة من المرابين الذين يعيشون على سحق البشرية لصالحهم، فإلى هؤلاء يرجع جهد البشرية كلها، وكدها وعرق جبينها فهم الرابحون والذين لهم الضمان الكامل لأموالهم مع فوائدها في حين يكون الشخص المدين معرضًا للربح والخسارة، فعلى ضوء نظرية الاحتمال تتجمع الأموال في النهاية في يد من يربح دائمًا (٢) .
ومن هنا أجمعت الشرائع جميعًا (٣) وأصحاب العقول السليمة على حرمة الربا، وإن كان اليهود قد حرفوا التوراة في هذه المسألة أيضًا وحصروا حرمته بالنسبة لليهودي فقط، وهذا مبني على نظرتهم العنصرية بأنهم شعب الله المختار (٤) .
стр. 17555
أحكام التصرف في الديون
يمكن أن ترد على الديون تصرفات كثيرة، نذكر هنا أهمها:
بيع الدين بالدين إذا لم يكونا نسيئين:
فالتحقيق (١) أن الممنوع منه هو بيع الدين النسيء بالدين النسيء، لأن الإجماع على منع (الكالئ بالكالئ) وهو كما فسره علماء اللغة وغريب الأحاديث بيع النسيئة بالنسيئة، وهي التأخير (٢) ؛ قال البيهقي: قال أبو عبيدة: " هو النسيئة بالنسيئة" (٣) .
وأما الفقهاء فقد اختلفوا في تفسيره اختلافًا كبيرًا أثر في وجهات نظرهم في حكمه، لكن المجمع عليه هو ما ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية، حيث قال: قال أحمد: لم يصح منه – أي في النهي عن بيع الكالئ بالكالئ – حديث، ولكن هو إجماع، وهذا مثل أن يسلف إليه شيء مؤجل، فهذا الذي لا يجوز بالإجماع " (٤) ، ثم قال ابن تيمية: " وإذا كان العمدة في هذا الإجماع، والإجماع إنما هو في الدين الواجب بالدين الواجب كالسلف المؤجل من الطرفين" (٥) .
لذلك أخرج ابن تيمية: بيع ما هو ثابت في الذمة ليسقط بما هو في الذمة عن صور الكالئ بالكالئ، فقال: "ليس في تحريمه نص ولا إجماع ولا قياس، فإن كلاً منهما اشترى ما في ذمته وهو مقبول بما في ذمة الآخر " (٦) .
ولكن في حصر صور بيع الكالئ بالكالئ على هذه الصورة نظر (٧) ، غير أنها تنحصر عند التحقيق في بيع الدين النسيء بالدين النسيء، ويمكن الاستفادة من بيع الدين بالدين في سوق المال ما داما غير نسيئين فيما يأتي:
بيع الديون لمن هو عليه:
جاء في المذهب: " وأما الديون فينظر فيها، فإن كان الملك عليه مستقرًا كغرامة المكلف، وبدل العرض جاز بيعه ممن عليه قبل القبض، لأن ملكه مستقر عليه فجاز بيعه كالمبيع بعد القبض" (٨) .
стр. 17556
والمراد باستقرار الدين أن سببه قد تحقق فعلاً، وأمن من الفسخ كتسليم المبيع، أو يحقق الوطء في المهر، أو نحو ذلك كغرامة المتلف، وبدل العرض، وقيمة المغصوب، وعوض الخلع، وثمن المبيع، والأجرة بعد استيفاء المنفعة، والمهر بعد الدخول (١) .
ويسمى هذا النوع أيضًا بالاستبدال، والاعتياض، وهو جائز في جميع الديون المستقرة بالاتفاق، والثانية ما عدا دين السلم عند الجمهور – كما سبق – (٢) .
ولكن يشترط في بيع الدين بالدين لمن هو عليه ملاحظة قواعد الصرف بحيث لو باع دينه الذي كان نقودًا بالنقود يشترط فيه التقابض في المجلس، ويدل على ذلك حديث ابن عمر في هذا الباب – ولكن إذا لم يكن من باب الصرف فيجوز البيع بتأجيل وغيره كبيع الدين بالعين، أو بالعكس (٣) .
وهذا الحل يفيد كثيرًا في تصفية الديون بين الناس، وفي المصارفة في الذمة دون الحاجة إلى القبض الفعلي، وذلك بأن يكون لرجل دنانير في ذمة رجل آخر، وللآخر عليه ريالان فاصطرفا بما في ذمتهما جاز عند الأكثر منهم المالكية، والحنفية؛ أما اقتضاء أحد النقدين من الآخر ويكون صرفًا بعين، وذمة فهو جائز في قول أكثر أهل العلم، لحديث ابن عمر (٤) . وذكر ابن القيم أن مسألة التقاص فيها غرض صحيح ومنفعة مطلوبة، لأن ذمتهما تبرأ من أسرها، وهي مطلوبة للشرع والعاقدين (٥) .
جعل الدين الحال رأس مال في السلم:
وهذه المسألة نقل فيها الإجماع على عدم جوازه بناء على أنه داخل في بيع الكالئ بالكالئ (٦) .
غير أن شيخ الإسلام ابن تيمية، والعلامة ابن القيم بينا أنه لا إجماع فيها، بل هي جائزة، قال ابن القيم: "وأما بيع الواجب بالساقط فكما لو أسلم عليه في كر حنطة بعشرة دراهم في ذمته فقد وجب له عليه دين، وسقط له عنه دين غيره، وقد حكى الإجماع على امتناع هذا، ولا إجماع فيه، قاله شيخنا واختار جوازه، وهو الصواب، إذ لا محذور فيه، وليس بيع كالئ بكالئ فيتناوله النهي بلفظه، ولا في معناه فيتناوله بعموم المعنى، فإن المنهي عنه قد اشتغلت فيه الذمتان بغير فائدة، فإنه لم يتعجل أحدهما ما يأخذه فينتفع بتعجيله، وينتفع صاحب المؤخر بربحه، بل كلاهما اشتغلت ذمته بغير فائدة، وأما ما عداه من الصور الثلاث فلكل منها غرض صحيح ومنفعة مطلوبة " (٧) .
стр. 17557
بيع الساقط بالواجب:
هذا مصطلح استعمله ابن القيم في تقسيم بيع الدين بالدين وأجازه، فقال: " والساقط بالواجب كما لو باعه دينًا له في ذمته بدين آخر من غير جنسه فسقط الدين المبيع ووجب عوضه، وهي بيع الدين ممن هو في ذمته ".
ثم بين فائدة هذا النوع للطرفين (١) .
لكن الفقهاء الذين أجازوا هذا النوع – وهم الحنفية، والحنابلة، ووجه للشافعية – اشترطوا لصحة بيع الدين ممن هو عليه بشيء موصوف في الذمة أن يقبض الدائن العوض قبل التفرق في المجلس حتى لا يقع في المنهي عنه من بيع الكالئ بالكالئ (٢) .
هذا كله في الديون المستقرة، أما الديون التي لم يستقر ملك الدائن عليها لعدم قبض المدين العوض المقابل لها كالأجرة قبل استيفاء المنفعة، أو مضى زمانها، وكالمهر قبل الدخول، فهذه الديون اختلف الفقهاء في جواز تمليكها ممن هي عليه بعوض، والذي يظهر رجحانه هو جواز ذلك كما سبق في السلم.
تمليك الدين لغير المدين:
لخص الإمام الرافعي والنووي هذا الموضوع تلخيصًا طيبًا نذكره ثم نذكر آراء الفقهاء فيه وهو:
الدين في الذمة ثلاثة أضرب: مثمن، وثمن، ولا مثمن ولا ثمن (٣) .
الضرب الأول – المثمن: وهو المسلم فيه فلا يجوز بيعه، ولا الاستبدال عنه، وهل تجوز الحوالة به أو عليه فيه ثلاثة أوجه.
الضرب الثاني – الثمن: فإذا باع بدراهم أو دنانير في الذمة، ففي الاستبدال عنها طريقان: أحدهما القطع بالجواز قاله القاضي أبو حامد وابن قطان، وأشهرهما على قولين: أصحهما وهو الجديد جوازه، والقديم منعه.
ولو باع في الذمة بغير الدراهم والدنانير فإن قلنا: الثمن ما ألصقت به الباء صح الاستبدال عنه كالنقدين، وادعى البغوي أنه المذهب وإلا فلا؛ لأن ما ثبت في الذمة مثمنًا لم يجز الاستبدال عنه.
وأما الأجرة فكالثمن، وأما الصداق وبدل الخلع فكذلك إن قلنا: إنهما مضمونان ضمان العقد، وإلا فهما كبدل الإتلاف.
стр. 17558
الضرب الثالث – ما ليس ثمنًا ولا مثمنًا: كدين القرض، والإتلاف فيجوز الاستبدال عنه بلا خلاف كما لو كان له في يد غيره مال بغصب، أو عارية فإنه يجوز بيعه له (١) .
وقد اختلف الفقهاء في هذه المسألة على أربعة آراء:
الرأي الأول: جواز تمليك الدين بعوض وبغير عوض.
وهذا وجه للشافعية، ورواية للحنابلة (٢) .
الرأي الثاني: عدم جواز تمليك الدين لغير من هو عليه بعوض أو بغير عوض.
وهذا رأي الحنفية، والشافعية في قول، والحنابلة في رواية، والظاهرية (٣) غير أن الحنفية استثنوا بعض الحالات منها الوصية (٤) .
الرأي الثالث: جواز بيع سائر الديون ما عدا دين السلم لغير من عليه الدين، وهذا قول للشافعية صححه جماعة من أئمتهم منهم الشيرازي، والنووي واختاره السبكي، والقاضي زكريا الأنصارى (٥) ، قال النووي: " أما بيعه لغيره كمن له على إنسان مائة فاشترى من آخر عبدًا بتلك المائة فلا يصح على الأظهر. . وعلى الثاني: يصح.. قلت: الأظهر الصحة والله أعلم " (٦) .
الرأي الرابع: جواز بيع الدين لغير المدين إذا لم يكن فيه غرر، أو محظور شرعي آخر، جاء في شرح الخرشي: " والمعنى أن الدين ولو حالاً لا يجوز بيعه بدين، قال المؤلف: ولا بد من تقدم عمارة الذمتين، أو إحداهما، ويتصور في ثلاثة كمن له دين على شخص فيبيعه من ثالث بدين، وفي أربعة كمن له دين على إنسان، ولثالث دين على رابع فيبيع كل ما يملك من الدين بمال صاحبه من الدين. . . ولا يتصور بيع الدين بالدين في أقل من ثلاثة ".
ثم قال: " وفهم من قوله (بدين) عدم منع بيع الدين بمعين يتأخر قبضه، أو بمنافع معين. . . ولا يجوز للشخص بيع ما له على الغير من دين سواء كان حيًّا أو ميتًا ولو علم المشتري تركته، لأن المشتري لا يدري ما يحصل له بتقدير دين آخر إلا أن يكون من هو عليه حاضرًا بالبلد مقرًا، والدين مما يباع قبل قبضه لا طعامًا من بيع، وبيع من غير جنسه، وليس ذهبًا بفضة، ولا عكسه، وأن لا يكون بين المشتري والمدين عداوة، وأن لا يقصد المشتري إعنات المدين، وأما إن لم يقر فلا يجوز لأنه من شراء ما فيه خصومة" (٧) .
والذي يظهر لنا رجحانه هو أن بيع الدين لمن هو عليه ولغيره جائز مع ملاحظة قواعد الصرف، وكون الدين ثابتًا مقدورًا عليه يمكن تسليمه بالفعل، أو عن طريق المصارفة في الذمة، وأن لا يكون فيه محظور شرعي آخر من جهالة فاحشة، وغرر ونحو ذلك. والله أعلم.
стр. 17559
الصلح عن دين بدين:
هذا له عدة صور:
منها أن يتصالح الدائن مع مدينه بأن يكون للمدين أيضًا دين آخر عليه من نفس جنسه، فيتصالحان بما في ذمتيهما سواء كان ما في ذمتيهما متساويين أم لا، وهذا بمثابة إسقاط من الطرفين، وإبراء، وتخارج.
ومنها: أن يتصالح الدائن مع مدينه في الذمة، وذلك بأن يصالحه على موصوف في الذمة من غير جنسه، (كأن يصالحه عن دينار في ذمته بأردب من قمح، أو نحوه في الذمة) (١) ، فهذا الصلح صحيح عند جمهور الفقهاء – الحنفية والمالكية، والحنابلة – إذا تم قبض البدل في المجلس قبل التفرق (٢) .
وذهب الشافعية إلى أنه يشترط تعيين بدل الصلح في المجلس، ولا يشترط القبض في المجلس على أصح الوجهين (٣) .
أما إذا كان بدل الصلح ليس في الذمة فيجوز مع تفصيل، ذكره النووي حيث قال:
" أما إذا كان صالح الدائن على دينه عن بعض الأموال التي يقع فيها الربا على ما يوافقه في العلة، فلا بد من قبض العوض في المجلس، فإن لم يكن العوضان ربويين، فإن كان العوض عينًا صح الصلح ولا يشترط قبضه في المجلس " (٤) .
المقاصة:
حيث فصل الفقهاء فيها ولا سيما المالكية، وقالوا: إنها " إسقاط مالك من دين على غريمك في نظير ماله عليك بشروطه " (٥) . أي بشروط الإسقاط.
والمقاصة قد تكون جائزة، وقد تكون واجبة، والغالب عليها الجواز، ووجوبها في ثلاث أحوال وهي: "إذا حل الدينان، أو اتفقا أجلاً، أو طلبها من حل دينه فإن المذهب وجوب الحكم بها " (٦) .
وقد فصل علماء المالكية تفصيلاً للحالات التي يمكن أن تقع فيها المقاصة فبلغت ثماني وأربعين حالة، لخصها الدردير فقال: " واعلم أن الدينين إما من بيع، أو من قرض، أو مختلفين، وفي كل إما أن يكونا عينًا، أو طعامًا، أو عرضًا " قال الدسوقي: " فهذه تسعة أحوال، وفي كل إما أن يكون الدينان حالين، أو أحدهما حالاً، والآخر مؤجلاً، أو يكونا مؤجلين متفقين في الأجل، أو مختلفين فيه، فالجملة ست وثلاثون حالة " وعلق الشيخ محمد عليش على ذلك، فقال: " بل ثمانية وأربعون حالة، أسقط المحشي منها اثنتي عشرة صورة اختلافهما قدرًا وصفة، وحكمها حكم صور اختلاف القدر فقط " (٧) .
стр. 17560
التصرف في دين السلم:
السلم كما هو معروف بيع شيء موصوف في الذمة إلى أجل معلوم بثمن معجل، أو أنه عقد على موصوف في الذمة، ويجوز أن يكون الثمن نقودًا أو غيرها، والمسلم فيه أي شيء يمكن ضبطه عن طريق الوصف، ويشترط فيه تعجيل الثمن في مجلس العقد عند الجمهور، وعدم تأخيره أكثر من ثلاثة أيام عند المالكية (١) ، وأن يكون الأجل معلومًا إما تحديدًا، أو حسب العرف كالحصاد والجذاذ، والمقدار محددًا وزنًا أو كيلاً، أو عددًا، أو ذرعًا، وأن يكون المسلم فيه مما ينضبط بالصفات التي يختلف الثمن باختلافها، وأن يكون مقدور التسليم عليه عند الحلول.
والسلم يمكن أن يكون في جميع السلع والمعادن، والحيوان والبضائع، وحتى في المنافع عند جماعة من الفقهاء، كما أنه يمكن تجزئة تسليم المسلم فيه على أوقات متفرقة معلومة، وأيضًا يمكن أن يكون سلمًا حالاً، أو مؤجلاً، وكذلك يمكن أن يكون رأس مال السلم نقدًا، أو سلعة، أو طعامًا، أو حيوانًا، أو نحو ذلك (٢) .
والمقصود أن دائرة عقد السلم واسعة تسع كثيرًا من الأمور، ولذلك يمكن الإفادة منه في سوق المال الإسلامية إفادة كبيرة، باعتباره عقدًا فيه مرونة كبيرة، ويحقق كثيرًا من مصالح المجتمع، ومنافع للعاقدين، ولاسيما لمن لم يكن لديه السيولة، أو لديه الأعيان في المستقبل، أو هو قادر على توفيرها في الوقت المحدد، كما أن تداول عقود السلم يؤدي إلى نوع من الضمان، والتشجيع على الإنتاج المستقبلي في الزراعة والصناعة ونحوهما.
ففيه فائدة للمسلم (البائع) ، حيث يستفيد من السيولة المتحققة لديه للإنتاج الزراعي، أو الصناعي، أو التجارة، كما أن المسلم إليه (المشتري) يستفيد من تصريف نقوده وتدويرها واستثمار فائق أمواله من خلال رخص الثمن، وتحقيق الأرباح.
وإدارة سوق المال يمكن الإفادة منها من خلال تداول عقود السلم، وصكوكه، والسمسرة فيها، ونحو ذلك.
التصرفات في المسلم فيه:
تصرفات المسلم إليه في المسلم فيه إما أن تكون بعد القبض، أو قبله، ولذلك تنقسم إلى نوعين:
النوع الأول – التصرف في المسلم فيه بعد القبض:
فللمسلم إليه (المشتري) بعد قبض المسلم فيه (حسب العرف) (٣) جميع التصرفات المشروعة من بيع عاجل، وآجل، ومرابحة، ومشاركة، وتولية، وتأجير، ورهن ونحو ذلك بدون خلاف، لأنه دخل في ملكه التام.
стр. 17561
النوع الثاني – التصرف في المسلم فيه قبل القبض:
هذه المسألة تحتاج إلى تفصيل لأنها تحتمل عدة احتمالات:
الاحتمال الأول: التصرف فيه عن طريق الاعتياض عنه ممن عليه السلم.
الاحتمال الثاني: بيع المسلم فيه لشخص آخر.
الاحتمال الثالث: التصرف في المسلم فيه بالمشاركة، والحوالة، والتولية، ونحو ذلك.
الاحتمال الرابع: أن ينفسخ عقد السلم بالإقالة أو نحوها، فهل يجوز أن يصرف الثمن في عوض آخر غير المسلم فيه؟
ومجمع الفقه الإسلامي تحدث في قراره في دورته السابعة عن حالة واحدة وهي: "عدم جواز بيع السلعة المشتراة قبل قبضها"؛ لذلك أرى إعادة الموضوع بكامله وطرحه على بساط البحث والمناقشة للوصول إلى رؤية شاملة واضحة.
وهأنذا أعرض هذا الموضوع بجميع جوانبه واحتمالاته وما ثار فيه من خلاف، وما نراه راجحًا على ضوء ما يأتي:
الاحتمال الأول: الاعتياض عن المسلم فيه من المسلم نفسه عند حلول الأجل:
وقد فصل شيخ الإسلام ابن تيمية، وتلميذه ابن القيم (رحمهما الله) في هذه المسألة؛ ننقل منهما بعض النصوص (١) :
جاء في مجموع الفتاوى: "سئل – ﵀ – عن رجل أسلف خمسين درهمًا في رطل من حرير إلى أجل معلوم، ثم جاء الأجل فتعذر الحرير، فهل يجوز أن يأخذ قيمة الحرير؟ أو يأخذ عوضه أي شيء كان؟
فأجاب: " هذه المسألة فيها روايتان عن الإمام أحمد: إحداهما: لا يجوز الاعتياض عن دين السلم بغيره كقول الشافي.
والقول الثاني: يجوز ذلك، كما يجوز في غير دين السلم وفي المبيع من الأعيان وهو مذهب مالك، وقد نص على هذا في غير موضع، وجعل دين السلم كغيره من المبيعات، فإذا أخذ عوضًا غير مكيل، ولا موزون يقدر دين السلم حين الاعتياض لا بزيادة على ذلك، أو أخذ نوعه يقدره مثل أن يسلم في حنطة فيأخذ شعيرًا بقدر الحنطة، فإنه يجوز، وقد ذكر ذلك طائفة من الأصحاب، لكن في بعض الصور. .. روايتان ".
ثم قال: " وأما المطلعون على نصوص أحمد فذكروا ما هو أعم من ذلك، وأنه يجوز الاعتياض عن دين السلم بغير المكيل والموزون مطلقًا. . . وكذلك إن أخذ قيمته مما لا يكال، ولا يوزن كيف شاء. . . ".
ثم ذكر أن بعض الروايات قيدت بأن لا يأخذ مكان المسلم فيه إلا بقيمته أو أنقص منها، وهذا هو قول ابن عباس ﵄ (٢) . وجاء في المجموع أن السلم إذا فسخ لانقطاع المسلم فيه كان لصاحب رأس المال بيعه قبل استرداده (٣) .
وقد استدل المانعون بعدة أدلة أهمها ما يأتي:
١- ما روي عن النبي ﷺ أنه قال: ((من أسلف في شيء فلا يصرفه إلى غيره)) (٤) .
стр. 17562
٢- أن هذا يدخل في بيع الشيء قبل قبضه، وهذا لا يجوز، لأنه يدخل ضمن النهي عن ربح ما لم يضمن.
يقول ابن تيمية: " فإن علته في منع بيع دين السلم كونه مبيعًا فلا يباع قبل القبض" (١) ثم بين بأن مبنى ذلك على ما رواه ابن عباس أن النبي ﷺ ((نهى عن بيع الطعام قبل قبضه)) ، وقال: ((ولا أحسب كل شيء إلا بمنزلة الطعام)) (٢) .
٣- الإجماع حيث ذكر صاحب المغني الإجماع على ذلك فقال: " أما بيع المسلم فيه قبل قبضه فلا نعلم في تحريمه خلافًا" (٣) .
وهذه الأدلة كلها مجال للنقاش والرد والبدل على ضوء ما يأتي:
١- فبالنسبة للدليل الأول (الحديث) فهو:
أولاً: ضعيف لا ينهض حجة في مثل هذه القضايا، حيث في سنده عطية بن سعد وهو كما قال عبد الحق في أحكامه: لا يحتج به، وقد ضعفه أحمد، وغيره، وقال ابن عدي: وهو مع ضعفه يكتب حديثه، وقال مسلم بن الحجاج: قال أحمد: وذكر عطية العوفي فقال: هو ضعيف، ثم قال: بلغني أن عطية كان يأتي الكلبي ويسأله عن التفسير وكان يكنيه بأبي سعيد فيقول: قال أبو سعيد وكان هشيم يضعف حديث عطية، وقال أبو حاتم: ضعيف يكتب حديثه، وقال النسائي: هو ضعيف، وذكر ابن عدي: أن عطية مع أهل البدعة، وذكره ابن حبان في الضعفاء، وذكر أنه كان يسمع أحاديث من الكلبي ويرويها فإذا قيل: من حدثك بهذا؟ فيقول: حدثني أبو سعيد، فيتوهمون أنه يريد أبا سعيد الخدري، وإنما أراد الكلبي، قال ابن حبان: لا يحل كتب حديثه إلا على التعجب" (٤) .
فرجل هذا حاله كيف يؤخذ منه أحاديث الأحكام؟ لذلك فالحديث ضعيف لا ينهض حجة، لأن مداره على رجل (مجمع على ضعفه) (٥) .
ثانيًا: أن الحديث – على فرض ثبوته – ليس نصًا على الدعوى، حيث يحتمل أكثر من معنى فقد قال الطيبي: " يجوز أن يرجع الضمير في (غيره) إلى (من) في قوله " من أسلف" يعني لا يبيعه من غيره قبل القبض، أو إلى شيء أي لا يبدل المبيع قبل القبض بشئ آخر " (٦) .
وقد أجاب شيخ الإسلام ابن تيمية عن هذا الحديث بجوابين أحدهما أنه ضعيف، ثم قال: " والثاني: المراد به أن لا يجعل السلف سلمًا في شيء آخر فيكون معناه النهي عن بيعه بشيء معين إلى أجل وهو من جنس بيع الدين بالدين، ولهذا قال: " لا يصرفه إلى غيره " أي لا يصرف المسلم فيه إلى مسلم فيه آخر، ومن اعتاض عنه بغيره قابضًا للعوض لم يكن قد جعله سلمًا في غيره" (٧) .
стр. 17563
ثالثًا: أن الحديث رواه الدارقطني بلفظ آخر ليس فيه ما يدل عليه اللفظ السابق، وهو " من أسلف في شيء فلا يأخذ إلا ما أسلم فيه، أو رأس ماله " (١) ، فهذا اللفظ ليس فيه النهي عن صرفه إلى غيره، لكن الحديث ضعيف جدًا، ومضطرب ومعلول كما قال الحافظ ابن حجر وغيره (٢) ، فلا ينهض حجة.
٢- وأما البيع قبل القبض – كقاعدة عامة – ستأتي مناقشته فيما بعد عند كلامنا عن بيع المسلم فيه لغير المسلم.
٣- وأما الإجماع الذي ادعاه صاحب المغني ابن قدامة، فقد رد عليه شيخ الإسلام ابن تيمية فقال: " وأما ما ذكره الشيخ أبو محمد في (مغنيه) ، قال: "بيع المسلم فيه قبل قبضه لا نعلم في تحريمه خلافًا" فقال: ﵀، بحسب ما علمه، وإلا فمذهب مالك أنه يجوز بيعه من غير المستسلف، كما يجوز عنده بيع سائل الديون من غير من هو عليه، وهذا أيضًا إحدى الروايتين عن أحمد نص عليه في مواضع بيع الدين من غير من هو عليه، كما نص على بيع دين السلم ممن هو عليه، وكلاهما منصوص عن أحمد في أجوبة كثيرة من أجوبته، وإن كان ذلك ليس في كتب كثير من متأخري أصحابه، وهذا القول أصح، وهو قياس أصول أحمد " (٣) .
وإذا كان هذا هو القول الأصح للإمام أحمد، فلنذكر رأي المالكية في هذه المسألة: جاء في المدونة: " قلت: فإن كنت أسلفت في شعير، فلما حل الأجل أخذت سمراء، أو محمولة؟ قال: لا بأس بذلك وهو قول مالك، قلت: ولا ترى هذا بيع الطعام قبل أن يستوفى؟ قال: لا إذا حل الأجل فأخذت بعض هذا من بعض مثل الذي ذكرت لي، أخذت مثل كيله، فإنما هذا بدل، وليس هذا بيع الطعام قبل أن يستوفى " (٤) .
ثم ذكر أن هذا " إنما يجوز بعد محل الأجل، أن يبيعه من صاحبه الذي عليه السلف، ولا يجوز أن يبيعه من غير صاحبه الذي عليه السلم. . . حتى يقبضه من الذي عليه السلف، لأنه إن باعه من غير الذي عليه ذلك بمثل كيله وصفته صار حوالة، والحوالة عند مالك بيع من البيوع فلذلك لا يجوز أن يحتال بمثل ذلك الطعام الذي سلف فيه على غير الذي عليه السلف، لأنه يصير دينًا بدين وبيع الطعام قبل أن يستوفى " (٥) .
هذا في السلم في الطعام حيث يجوز الاعتياض عنه إلا ممن عليه السلم، ويكون بعد حلول الأجل، أما قبل حلول الأجل فتجوز الإقالة، وحينئذ يكون له الحق أن يأخذ رأس ماله، أو الطعام الذي أسلم فيه (٦) .
стр. 17564
فالاعتياض عن الطعام يجوز عند مالك ممن عليه السلم، ولكنه لا يجوز بيعه قبل القبض (١) .
أما غير الطعام فيجوز بيعه لغير المسلم مطلقًا أما ممن له فلا يجوز قبل حلول الأجل بأكثر، جاء في المدونة في كتاب السلم: "قلت أرأيت إن أسلمت في طعام معلوم. . . أيجوز لي أن أبيع ذلك الطعام. . . قبل أن أقبضه؟ قال: لا يجوز ذلك في قول مالك. قلت: وما سوى الطعام والشراب مما سلفت فيه كيلاً أو وزنًا فلا بأس أن أبيعه قبل أن أقبضه من الذي باعني، أو من غيره؟ قال: قال مالك: " لا بأس أن تبيع ما سلفت فيه إذا كان من غير ما يؤكل ويشرب من غير الذي عليه ذلك السلف بأقل أو بأكثر، أو بمثل ذلك إذا انتقدت، وأما الذي عليه ذلك السلف فلا تبعه منه قبل الأجل بأكثر، ولا تبعه منه إلا بمثل الثمن، أو بأقل، ويقبض ذلك " (٢) .
وجاء في الشرح الكبير: " وجاز بلا جبر قبل زمانه أي أجل المسلم فيه قبول صفته – أي موصوفها فقط لا أوفى ولا أجود، ولا أقل ولا أكثر. . . قبل محله إلا الموضع الذي اشترط فيه القبض أو موضع العقد عند عدم الشرط فيجوز في العرض مطلقًا حل الأجل أم لا، وفي الطعام إن حل ".
وعلق الدسوقي على ذلك بأن في العرض والطعام قولين " أحدهما لابن القاسم، وأصبح الجواز قبل محله بشرك الحلول فيهما. والثاني لسحنون واختاره ابن زرقون: الجواز قبل محله وإن لم يحل فيهما " (٣) .
وجاء فيه أيضًا: " وجاز قضاؤه ولو قبل الأجل بغير جنسه، أي المسلم فيه بشروط أربعة" وهي: إن جاز بيعه قبل قبضه كسلم ثوب في حيوان فأخذ عنه دراهم، إذ يجوز بيع الحيوان قبل قبضه، وثانيها: قوله: وجاز بيعه أي المأخوذ عن المسلم فيه بالمسلم فيه مناجزة كدراهم في ثوب أخذ عنه طشت نحاس، إذ يجوز بيع الطشت بالثوب يدًا بيد. . . والثالث قوله: وأن يسلم فيه – أي في المأخوذ- رأس المال، كالمثال المتقدم، إذ يجوز سلم الدراهم في طشت نحاس، والرابع أن يعجل المأخوذ ليسلم من نسخ الدين في دين " (٤) .
وجاء في بداية المجتهد: "اختلف العلماء في بيع المسلم فيه إذا حان الأجل من المسلم إليه فمن العلماء من لم يجز ذلك أصلاً، وهم القائلون بأن كل شيء لا يجوز بيعه قبل قبضه. . . وأما مالك فإنه منع شراء المسلم فيه قبل قبضه في موضعين:
أحدهما: إذا كان المسلم فيه طعامًا. . .
والثاني: إذا لم يكن المسلم فيه طعامًا فأخذ عوضه المسلم ما لا يجوز أن يسلم فيه رأس ماله. . . ".
ثم قال: " وأما بيع السلم من غير المسلم إليه فيجوز بكل شيء يجوز التبايع به ما لم يكن طعامًا، لأنه لا يدخله بيع الطعام قبل قبضه (٥) .
الخلاصة: أن مالكًا أجاز الاعتياض عن المسلم فيه ممن هو عليه السلم إلا الطعام حيث لا يجوز فيه بيعه قبل قبضه، وهذا رواية عن أحمد، وفي رواية أخرى أجاز بيع المكيل والموزون بغير المكيل والموزون، وكذلك الاعتياض عن المكيل والموزون أو بالعكس، إذا كان يقدره (٦) .
стр. 17565
وأما الدليل على جواز الاعتياض عن المسلم فيه ممن عليه السلم فهو ما يأتي:
١- الاستدلال بالحديث الثابت الذي يرويه ابن عمر – ﵄ – قال: " كنت أبيع الإبل بالنقيع – بالنون سوق المدينة وبالباء مقبرتها – فأتيت رسول الله ﷺ وهو في بيت حفصة، فقلت يا رسول الله: رويدك، أسألك إني أبيع الإبل بالنقيع فأبيع بالدنانير وآخذ الدراهم، وأبيع بالدراهم وآخذ الدنانير، آخذ هذه من هذه. فقال رسول الله ﷺ : ((لا بأس أن تأخذها بسعر يومها ما لم تتفرقا وبينكما شيء)) " (١) .
وقد اعتبر شيخ الإسلام هذا الحديث دليلاً على جواز الاعتياض عن المسلم فيه فقال: "والدليل على ذلك أن الثمن يجوز الاعتياض عنه قبل قبضه بالسنة الثابتة عن النبي ﷺ . . . فقد جوز النبي ﷺ أن يعتاضوا عن الدين الذي هو الثمن بغيره مع أن الثمن مضمون على المشتري لم ينتقل إلى ضمان البائع، فكذلك المبيع الذي هو دين السلم يجوز بيعه وإن كان مضمونًا على البائع لم ينتقل إلى ضمان المشتري، والنبي ﷺ إنما يجوز الاعتياض عنه إذا كان بسعر يومه لئلا يربح فيما لم يضمن" (٢) ، ثم ختم كلامه بقوله: " والصواب الذي عليه جمهور العلماء. . . أنه يجوز بيع الدين ممن هو عليه، لأن ما في الذمة مقبوض للمدين، لكن إن باعه بما لا يباع به نسيئة اشترط فيه الحلول والقبض لئلا يكون ربا، وكذلك إذا باعه بموصوف في الذمة، وإن باعه بغيرهما ففيه وجهان:
أحدهما: لا يشترط، كالاشتراط في غيرهما.
والثاني يشترط، لأن تأخير القبض نسيئة كبيع الدين بالدين، ومالك لم يجوز بيع دين السلم إذا كان طعامًا، لأنه بيع، وأحمد جوز بيعه وإن كان طعامًا أو مكيلاً، أو موزونًا من بائعه إذا باعه بغير مكيل، أو موزون، لأن النهي عن بيع الطعام قبل قبضه هو في الطعام المعين، وأما في الذمة فالاعتياض عنه من جنس الاستيفاء، وفائدته سقوط ما في ذمته عنه، لا حدوث ملك له، فلا يقاس هذا بهذا، فإن البيع المعروف هو أن يملك المشتري ما اشتراه، وهنا لم يملك شيئًا، بل سقط الدين من ذمته، وهذا لو وفَّاه ما في ذمته لم يقل: إنه باعه دراهم بدراهم، بل يقال أوفاه حقه، بخلاف ما لو باعه دراهم معينة بدراهم معينة فإنه بيع، فلما كان في الأعيان إذا باعها بجنسها لم يكن بيعًا، فكذلك إذا وفاها من غير جنسها لم يكن بيعًا بل هو إيفاء فيه معنى المعاوضة " (٣) .
стр. 17566
ومما يدل على تسامح أكثر في بيع اعتياض دين السلم من المسلم إليه أن ابن عباس الذي لم يجوز بيع المبيع قبل قبضه مطلقًا (١) أجاز بيع دين السلم ممن هو عليه إذا لم يربح، حتى أنه لم يفرق بين الطعام وغيره، ولا بين المكيل والموزون وغيرهما، قال ابن تيمية: " لأن البيع هنا من البائع الذي هو عليه، وهو الذي يقبضه من نفسه لنفسه، بل ليس هنا قبض، لكن يسقط عنه ما في ذمته فلا فائدة في أخذه منه، ثم إعادته إليه، وهذا من فقه ابن عباس" (٢) .
٢- بل إن شيخ الإسلام ذكر في توضيح الرأي القائل بجواز الاعتياض عنه سواء تعذر المسلم فيه أم لا (٣) : أن قول ابن عباس في جواز ذلك لا يعرف له في الصحابة مخالف، وذلك لأن السلم دين ثابت فجاز الاعتياض عنه كبدل القرض، وكالثمن في المبيع، ولأنه أحد العوضين في البيع فجاز الاعتياض عنه كالعوض الآخر ما دام بسعر يوم الاعتياض (٤) .
قال ابن القيم: " قال ابن المنذر: ثبت عن ابن عباس أنه قال: " إذا أسلفت في شيء إلى أجل، فإن أخذت ما أسلفت فيه، وإلا فخذ عوضًا أنقص منه لا تربح مرتين" رواه شعبة، فهذا صحابي، وهو حجة ما لم يخالف ".
ثم قال: " والذين منعوا جواز بيعه لمن هو في ذمته قاسوه على السلم، وقالوا: لأنه دين فلا يجوز بيعه كدين السلم، وهذا ضعيف من وجهين:
أحدهما: أنه قد ثبت في حديث ابن عمر جوازه، (حيث يدل على جواز بيع للثمن ممن هو في ذمته قبل قبضه، فما الفرق بينه وبين الاعتياض عن دين أسلم بغيره) ؟
стр. 17567
والثاني: أن دين السلم غير مجمع على منع بيعه – كما سبق -.
والذين فرقوا بين دين السلم وغيره لم يفرقوا بفرق مؤثر، والقياس التسوية بينهما (١) . بحيث ينقطع طعمه في الفسخ، ولا يتمكن من الامتناع من الإقباض إذا رأى المشتري قد ربح فيه لم يطرد النهي في بيعه من بائعه قبل قبضه لانتفاء هذه العلة في حقه. وهذه العلة أظهر وتوالي الضمانين ليس بعلة مؤثرة ولا تنافي بين كون العين الواحدة مضمونة له من وجه وعليه من وجه آخر، فهي مضمونة له وعليه باعتبارين. وأي محذور في هذا؟ كـ منافع الإجارة. فإن المستأجر له أن يؤجر ما استأجره، فتكون المنفعة مضمونة له وعليه، وكالثمار بعد بدو صلاحها له أن يبيعها على الشجر، وإن أصابتها جائحة رجع على البائع فهي مضمونة له وعليه ونظائره كبيرة.
وأيضًا فبيعه من بائعة شبيه بالإقالة وهي جائزة قبل القبض على الصحة.
وأيضًا فدين السلم تجوز الإقالة فيه بلا نزاع، وبيع المبيع لبائعه قبل قبضه غير جائز في أحد القولين.
فعلم أن الأمر في دين السلم أسهل منه في بيع الأعيان. فإذا جاز في الأعيان أن تباع لبائعها قبل القبض فدين السلم أولى بالجواز، فكما جازت الإقالة فيه قبل القبض اتفاقًا بخلاف الإقالة في الأعيان.
ومما يوضح ذلك: أن ابن عباس لا يجوز بيع المبيع قبل قبضه، واحتج عليه بنهي النبي ﷺ عن بيع الطعام قبل قبضه وقال: ((أحسب كل شيء بمنزلة الطعام)) ، ومع هذا فلقد ثبت عنه أنه جوز بيع دين السلم ممن هو عليه إذا لم يربح فيه. ولم يفرق بين الطعام وغيره، ولا بين المكيل والموزون وغيرهما؛ لأن البيع هنا من البائع الذي هو في ذمته. فهو يقبضه من نفسه لنفسه، بل في الحقيقة ليس هنا قبض، بل يسقط عنه ما في ذمته فتبرأ ذمته وبراءة الذمم مطلوبة في نظر الشرع، لما في شغلها من المفسدة، فكيف يصح قياس هذا على بيع شيء غير مقبوض لأجنبي لم يتحصل بعد، ولم تنقطع علق بائعه عنه؟
وأيضًا: فإنه لو سلم المسلم فيه، ثم أعاده إليه جاز. أي فائدة في أخذه منه. ثم إعادته إليه، وهل ذلك إلا مجرد كلفة ومشقة لم تحصل بها فائدة؟
ومن هنا يعرف فضل علم الصحابة وفقههم على كل من بعدهم.
стр. 17568
قالوا: وأما استدلالكم بنهي النبي ﷺ عن ربح ما لم يضمن: فنحن نقول بموجبه، وأنه لا يربح فيه، كما قال ابن عباس: (خذ عرضًا بأنقص منه، ولا تربح مرتين) .
فنحن إنما نجوز له أن يعاوض عنه بسعر يومه، كما قال النبي ﷺ لعبد الله بن عمر في بيع النقود في الذمة: ((لا بأس إذا أخذتها بسعر يومها)) فالنبي ﷺ إنما جوز الاعتياض عن الثمن بسعر يومه لئلا يربح فيما لم يضمن.
وقد نص أحمد على هذا الأصل في بدل العوض وغيره من الديون أنه إنما يعتاض عنه بسعر يومه لئلا يربح فيما لم يضمن.
وكذلك قال مالك: يجوز الاعتياض عنه بسعر يومه كما قال ابن عباس لكنَّ مالكًا يستثني الطعام خاصة، لأن من أصله أن بيع الطعام قبل قبضه لا يجوز بخلاف غيره.
وأما أحمد: فإنه فرق بين أن يعتاض عنه بعرض أو حيوان أو نحوه، دون أن يعتاض بمكيل أو موزون. فإن كان بعرض ونحوه جوزه بسعر يومه، كما قال ابن عباس ومالك، وإن اعتاض عن المكيل بمكيل، أو عن الموزون بموزون، فإنه منعه لئلا يشبه بيع المكيل بالمكيل من غير تقابض، إذ كأن لم توجد حقيقة التقابض من الطرفين. ولكن جوزه إذا أخذ بقدره مما هو دونه، كالشعير عن الحنطة، نظرًا منه إلى أن هذا استيفاء لا معاوضة، كما يستوفى الجيد عن الرديء. ففي العرض جوز المعاوضة، إذ لا يشترط هناك تقابض. وفي المكيل والموزون: منع المعاوضة، لأجل التقابض، وجوز أخذ قدر حقه أو دونه. لأنه استيفاء. وهذا من دقيق فقهه – ﵁.
قالوا: وأما قولكم: إن هذا الدين مضمون له، فلو جوزنا بيعه لزم توالي الضمانين فهو دليل باطل من وجهين.
أحدهما: أنه لا توالي ضمانين هنا أصلاً، فإن الدين كان مضمونًا له في ذمة المسلم إليه، فإذا باعه إيَّاه لم يصر مضمونًا عليه بحال. لأنه مقبوض في ذمة المسلم إليه، فمن أي وجه يكون مضمونًا على البائع؟ بل لو باعه لغيره لكان مضمونًا له على المسلم إليه ومضمونًا عليه للمشتري وحينئذ فيتوالى ضمانان.
стр. 17569
الجواب الثاني: أنه لا محذور في توالي الضمانين، وليس بوصف مستلزم لمفسدة يحرم العقد لأجلها. وأين الشاهد من أصول الشرع لتأثير هذا الوصف؟ وأي حكم علق الشارع فساده على توالي الضمانين؟ وما كان من الأوصاف هكذا فهو طردي لا تأثير له.
وقد قدمنا ذكر الصور التي فيها توالي الضمانين. وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه جوز المعاوضة عن ثمن المبيع في الذمة ولا فرق بينه وبين دين السلم.
قالوا: وأيضًا فالمبيع إذا تلف قبل التمكن من قبضه كان على البائع أداء الثمن الذي قبضه من المشتري، فإذا كان هذا المشتري قد باعه فعليه أداء الثمن الذي قبضه من المشتري الثاني، فالواجب بضمان هذا غير الواجب بضمان الآخر. فلا محذور في ذلك.
وشاهده: المنافع في الإجارة والثمرة قبل القطع. فإنه قد ثبت بالسنة الصحيحة التي لا معارض لها: وضع الثمن عن المشتري إذا أصابتها جائحة، ومع هذا يجوز التصرف فيها، ولو تلفت لصارت مضمونة عليه بالثمن الذي أخذه، كما هي مضمونة له بالثمن الذي دفعه.
قالوا: وأما قولكم: إن المنع منه إجماع، فكيف يصح دعوى الإجماع مع مخالفة حبر الأمة ابن عباس، وعالم المدينة مالك بن أنس؟
فثبت أنه لا نص في التحريم، ولا إجماع ولا قياس، وأن النص والقياس يقتضيان الإباحة كما تقدم والواجب عند التنازع: الرد إلى الله وإلى رسوله ﷺ ".
٣- أن الأصل في العقود أنها تنعقد بمجرد الإيجاب والقبول – مع توافر الشروط المطلوبة – فإذا انعقد العقد تحققت التزامات الطرفين، ويجب الوفاء بها تنفيذًا لقوه تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: ١] .
стр. 17570
الاحتمال الثاني: بيع المسلم فيه لشخص آخر قبل القبض:
لقد ثار خلاف كبير في بيع المبيع قبل القبض يمكن إرجاعه إلى ثلاثة اتجاهات وهي:
الاتجاه الأول: يرى عدم جواز بيع المبيع قبل قبضه مطلقًا سواء كان المعقود عليه طعامًا أم غيره وسواء أكان مكيلاً أم موزونًا، عقارًا أو منقولاً.
وهذا مذهب الشافعي وأكثر أصحابه (١) وأحمد في رواية (٢) ومحمد بن عبد الحق وزفر من الحنفية (٣) ، والظاهرية (٤) ، والزيدية (٥) ، ورواية للإمامية (٦) ، والإباضية في المشهور عنهم (٧) ، وروي ذلك عن ابن عباس، وجابر بن عبد الله وسعيد بن المسيب في رواية عنه، وسفيان الثوري (٨) .
الاتجاه الثاني: يرى جواز بيع المبيع، وكل تصرف فيه مطلقًا، وهذا رأي عطاء بن أبي رباح، وعثمان البتي (٩) ، ورأي للإمامية (١٠) .
الاتجاه الثالث: يرى التوسط والتفصيل، وأصحاب هذا الاتجاه مختلفون على خمسة آراء حيث ذهب أكثرهم إلى عدم جواز بيع الطعام قبل قبضه، وإلى جواز ما عداه، وهذا رأي مالك في المشهور عنه (١١) وأحمد في رواية عنه (١٢) واختيار أبي ثور وابن المنذر (١٣) وإليه أشار البخاري في صحيحه (١٤) .
وهذا الرأي هو الذي يدعمه الدليل (١٥) ، وقد قال الحافظ ابن المنذر: " هو أصح المذاهب. . . " (١٦) .
هذا هو الخلاف في بيع الشيء قبل قبضه بصورة عامة، وهل هذا الخلاف يجري في بيع المسلم فيه قبل قبضه؟
إنه من الثابت في كتب المالكية والحنابلة أن مذهب مالك على جوازه فيما عدا الطعام (١٧) ، وكذلك نص عليه أحمد (١٨) ، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: " فمذهب مالك أنه يجوز بيعه من غير المستسلف، كما يجوز عنده بيع سائر الديون من غير من هو عليه، وهذا أيضًا إحدى الروايتين عن أحمد، نص عليه في مواضع بيع الدين من غير من هو عليه، كما نص على بيع دين السلم ممن هو عليه، وكلاهما منصوص عن أحمد في أجوبة كثيرة من أجوبته. . . وهذا القول أصح، وهو قياس أصول أحمد (١٩) ثم قال: " والمقصود أن أصل أحمد ومالك جواز التصرف، وأنه يوسع في البيع قبل انتقال الضمان إلى المشتري، بخلاف أبي حنيفة والشافعي، والرواية الأخرى عن أحمد " (٢٠) .
وأصل الخلاف يعود إلى مسألة الضمان هل هو من ضمان البائع، أم من ضمان المشتري، وهل ذلك الضمان يمنع المشتري من التصرف فيه؟
فمالك وأحمد في المشهور عنه ومن معهم قالوا: إن ما تمكن المشتري من قبضه فهو من ضمانه، وأن المشتري يستطيع أن يتصرف في المبيع قبل التمكن من قبضه، لأن ضمان البائع له لا يمنع تصرف المشتري الذي انتقلت إليه ملكية المبيع والمسلم فيه بمجرد العقد، قال ابن تيمية: "فظاهر مذهب أحمد أن جواز التصرف فيه ليس ملازمًا للضمان ولا مبنيًّا عليه، بل قد يجوز التصرف فيه حيث يكون من ضمان البائع كما ذكر في الثمرة، وصنائع الإجارة، وبالعكس كما في الصبرة المعينة" (٢١) .
стр. 17571
بينما ربط أبو حنيفة والشافعي جواز التصرف بالضمان فإذا لم ينتقل الضمان إلى المشتري لا يجوز له التصرف فيه حتى لا يتوالى الضمانان.
لكن شيخ الإسلام رد على هذا الأصل بأنه مأخذ ضعيف، وأنه لا محذور في وجود ضمانين، لأن الواجب بضمان هذا غير الواجب بضمان ذاك (١) ، فلو تلف المبيع قبل التمكن من القبض فإن المشتري الثاني يعود إلى المشتري الأول وهو على البائع، وكل يرجع على الآخر بما دفعه.
ويدل على أن ضمان البائع لا يمنع من تصرف المشتري في المبيع حديث ابن عمر الثابت السابق في البيع بالذهب والأداء بالفضة، أو بالعكس، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "فقد جوز النبي ﷺ أن يعتاضوا عن الدين الذي هو الثمن بغيره، مع أن الثمن مضمون على المشتري لم ينتقل إلى ضمان البائع، فكذلك المبيع الذي هو دين السلم يجوز بيعه وإن كان مضمونًا على البائع لم ينتقل إلى ضمان المشتري، والنبي ﷺ إنما جوز الاعتياض عنه بسعر يومه لئلا يربح فيما لم يضمن، وهكذا قد نص أحمد على ذلك في بدل القرض وغيره من الديون، إنما يعتاض عنه بسعر يومه " (٢) .
ومن ناحية أخرى أن ما في ذمة المدين البائع مقبوض للدائن فحينما يبيعه للآخر فكأنه سلمه إليه، وحل محله. يقول ابن تيمية: "إن ما في الذمة مقبوض للمدين " (٣) ، كما أن الموجود في الذمة فكأنه موجود في الواقع والخارج.
الاحتمال الثالث: التصرف في المسلم فيه بالتولية، والشركة، والحطيطة، والمصالحة، والحوالة، والوكالة ونحوها:
فعقد الوكالة والسمسرة في السلم جائز، لأن القاعدة فيها هي أن كل من صح تصرفه في شيء بنفسه وكان مما تدخله النيابة صح أن يوكل فيه رجلاً أو امرأة، مسلمًا كان أو كافرًا، وكل ما يصح أن يستوفيه بنفسه وتدخله النيابة صح أن يتوكل لغيره فيه " (٤) .
وأما التولية، والشركة في المسلم فيه قبل قبضه فمحل خلاف بين الفقهاء:
فذهب مالك إلى جوازهما سواء كان المسلم فيه طعامًا، أم غيره، جاء في المدونة: "قلت: أرأيت إن اشتريت سلعة من السع فأشركت فيها رجلاً قبل أن أنقده، أو بعد ما نقدته أيصلح ذلك في قول مالك أم لا؟
قال: لا بأس بذلك عند مالك.
قال: ولقد سألت مالكًا عن رجل اشترى من رجل طعامًا بثمن إلى أجل فأتاه رجل، فقال: أشركني في هذا الطعام، وذلك قبل أن يكتال طعامه الذي اشترى.
قال مالك: لا بأس بذلك إن أشركه على أن لا ينتقد إلا إلى الأجل الذي اشترى إليه الطعام، فإن انتقد فلا خير في ذلك (٥) .
стр. 17572
وكذلك الأمر في التولية، جاء في المدونة: " قلت: أرأيت إن اشتريت سلعة من رجل بنقد، فلم أقبضها حتى أشركت فيها رجلاً، أو وليتها رجلاً أيجوز ذلك؟ "
قال: لا بأس بذلك عند مالك.
قلت: وإن كان طعامًا اشتريته كيلاً، وفقدت الثمن فوليته رجلاً أو أشركته فيه قبل أن أكتاله من الذي اشتريته.
قال مالك: لا بأس بذلك، وذلك الحلال إذا انتقد مثل ما نقد.
قلت: لِمَ جوزه مالك وقد جاء في الحديث الذي يذكره مالك أن النبي ﷺ نهى عن بيع الطعام قبل أن يستوفى؟
قال: قد جاء هذا، وقد جاء عن النبي ﷺ أنه نهى عن بيع الطعام قبل أن يستوفى إلا ما كان من شرك، أو إقالة، أو تولية.
قال سحنون: وأخبرني ابن القاسم عن سليمان بن بلال عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن عن سعيد بن المسيب أن رسول الله ﷺ قال: ((من ابتاع طعامًا فلا يبعه حتى يستوفيه إلا ما كان من شرك، أو إقالة، أو تولية)) .
قال مالك: " اجتمع أهل العلم على أنه لا بأس بالشرك والإقالة والتولية في الطعام قبل أن يستوفى إذا انتقد الثمن ممن يشركه، أو يقيله، أو يوليه" (١)
وهذا الحديث الذي رواه الإمام سحنون بسنده، رواه أيضًا عبد الرزاق في مصنفه عن معمر، عن ربيعة عن ابن المسيب أن النبي ﷺ قال: ((التولية، والإقالة، والشركة سواء لا بأس به)) . وأما ابن جريج فقال: أخبرني ربيعة بن أبي عبد الرحمن عن النبي ﷺ حديثًا مستفاضًا بالمدينة، قال: ((من ابتاع طعامًا فلا يبعه حتى يقبضه ويستوفيه إلا أن يشرك فيه، أو يوليه، أو يقيله)) (٢) .
والحديث الذي رواه سحنون، وعبد الرزاق مرسل لكنه مرسل سعيد بن المسيب، وهو يحتج به عند جمهور العلماء (٣) .
وأما سند الحديث فـ الحافظ عبد الرزاق معروف بأنه ثقة حافظ (٤) وهو قد روى عن معمر وغيره، ومعمر أيضًا ثقة ثبت، بل عده علي بن المديني، وأبو حاتم فيمن دار الإسناد عليهم، بل اعتبره النقاد من أثبت الناس (٥) ، وأما ربيعة المعروف بربيعة الرأي فهو أيضًا ثقة ثبت من التابعين الفقهاء المفتين، حتى قال مالك: " ذهبت حلاوة الفقه منذ مات ربيعة" (٦) .
стр. 17573
إذن فالحديث مرسل صحيح الإسناد، أو أنه لا تقل درجته عن الحسن الذي ينهض حجة، وكذلك فهو نص في الدعوى حيث يدل بنصه على جواز الشرك، والإقالة، والتولية في الطعام قبل القبض والاستيفاء، ويقاس عليه بطريق أولى غير الطعام.
وذهب جماعة آخرون منهم الحنفية (١) ، والشافعية (٢) ، والحنابلة (٣) إلى عدم جواز الشركة، والتولية في المسلم فيه قبل قبضه. واستدلوا بأن هذه التصرفات معاوضة في المسلم فيه قبل القبض فلم يجز، كما لو كانت بلفظ البيع، ولأنهما نوعا بيع، فلم يجوزا في المسلم قبل قبضه كالنوع الآخر (٤) .
ويمكن أن يرد على هذا الاستدلال بأنه لا نسلم أن التولية والشركة بيع، ولو سلم فالبيع نفسه محل خلاف، فلا يكون الدليل ملزمًا، لأنه أيضًا محل خلاف.
ويكاد الخلاف السابق ينسحب على الصلح في المسلم فيه قبل قبضه (٥) .
والذي يظهر رجحانه رأي مالك لقوة دليله، ومنطقه، وموافقة رأيه للأصل القاضي بأن الأصل في العقود والشروط الإباحة إلا ما دل على حرمته، فليس هناك نص من الكتاب ولا من السنة يمنع التصرف في المسلم فيه قبل القبض عن طريق الشرك، أو التولية، أو الحطيطة، أو الصلح لكنه بشرط واحد، وهو أن ينقد الثمن حتى لا يكون بيع دين نسيء بدين نسيء.
وأما الحوالة بالمسلم فيه (دين السلم) ، أو عليه فمحل خلاف كبير.
стр. 17574
فذهب جماعة من الفقهاء منهم الحنفية (١) ، ووجه للشافعية (٢) ، والمالكية (٣) . .. في غير ما إذا كان البدلان: المحال به، وعليه طعامًا من بيع، إلى جواز الحوالة بدين السلم وعليه.
وذهب الحنابلة (٤) ، ووجه للشافعية – رجحه النووي (٥) إلى أنه لا تجوز الحوالة بدين السلم، ولا عليه.
وهؤلاء المانعون استدلوا على ما يأتي:
أولاً: أنهم اعتمدوا في منعهم هذا على أن دين الحوالة يجب أن يكون مستقرًّا، وأن السلم بعرض الفسخ (٦) .
ويمكن الجواب عنه بأن هذا الشرط نفسه محل خلاف وليس عليه دليل من الكتاب والسنة، والإجماع؛ فالنص النبوي الشريف في الحوالة لم يشترط كون الدين مستقرًّا أم غير مستقر، بل قال: ((فإذا أتبع – أو أحيل – على مليء فليتبع)) (٧) ، فالنص لم يشترط سوى كون المحال عليه مليئًا قادرًا على أداء الدين، ولذلك قال الشوكاني معلقًا على اشتراط استقرار الدين لدى البعض: " فلا أدري لهذا الاشتراط وجهًا، لأن من عليه الدين إذا أطال على رجل يمتثل حوالته، ويسلم ما أحال به كان ذلك هو المطلوب، لأن به يحصل المطلوب بدين الحال ولو لم يكن في ذمة المحال عليه شيء من الدين (٨) ، ولذلك أجاز الحانبلة أنفسهم استعمال لفظ الحوالة في صورتين ليستا بحوالة، وإنما هي وكالة وقرض (٩) .
ثانيًا: واستدل المانعون كذلك بأن الحوالة إما بيع وهو لا يجوز قبل قبض المبيع، أو هو كالبيع، أي يقاس عليه فيكون حكمه مثل حكمه.
والجواب عن ذلك من وجوه:
الوجه الأول: " أن هذا الكلام مبني على أن الحوالة بيع، وهذا بناء ضعيف؛ لأن الحوالة عقد مستقل له شروطه ومواصفاته، وأن اسمها ومسماها قد أثبتهما الشرع، فلا يقبل أن تدخل في عقد آخر، ومن هنا فاختلاف الاسم والمسمى لغة وشرعًا يدل على اختصاص هذا العقد بأحكامه الخاصة به دون غيره، ولذلك لا يشترط في عقد الحوالة التقابض حتى ولو كان الدينان من النقود، أو الطعام، ولا يدخل في بيع الدين بالدين الذي منعه الفقهاء، وجاز فيه كون أحد الدينين أكثر من الآخر وغير ذلك. (١٠)
стр. 17575
الوجه الثاني: أن قياس الحوالة على البيع قياس مع الفارق، لما ذكرنا في الوجه الأول.
الوجه الثالث: أن المقيس عليه نفسه مختلف فيه فلا يصلح أن يكون أصلا ملزمًا للطرفين، فبيع المبيع قبل قبضه – بما فيه المسلم فيه – محل خلاف كما سبق.
ثالثًا: استدلوا بما روي: " من أسلف في شيء فلا يصرفه إلى غيره " (١) .
والجواب عنه – كما سبق – أنه ضعيف جدًا لا ينهض حجة ولو فرضنا ثبوته فلا يدل على منع الحوالة، لأن معناها النهي عن عدم صرف المسلم فيه إلى شيء آخر، ولا يدل الحديث على منع الحوالة به أو عليه.
ويتبين من خلال هذه المناقشة الموجزة ضعف الحجج التي بنى عليها المانعون، حيث لم تصمد أمام المناقشة.
أما المجيزون للحوالة بـ دين السلم، أو عليه فحجتهم قوية – كما سبق.
وقد يرد تساؤل حول حق المحال في الحفاظ على حقه إذا لاحظنا أن المحيل تبرأ ذمته بمجرد الحوالة، وأن المحال عليه (المسلم) يمكن أن ينفسخ سلمه للأسباب المقبولة شرعًا في الفسخ أو الإقالة، وحينئذ ماذا يفعل المحال في الحفاظ على حقه؟
للجواب عن ذلك نقول: إن هذه المسألة تحتاج إلى تفصيل؛ لأن لها شقين:
الشق الأول: هل تبرأ ذمة المحيل إذا تمت الحوالة بشروطها؟
للجواب عن ذلك نقول: إن فيها اختلافًا كبيرًا بين الفقهاء:
١- حيث ذهب الحسن في رواية، وشريح، وزفر إلى أن الحوالة لا يترتب عليها براءة ذمة المحيل مطلقًا، بل تبقى ذمته مع ذمة المحال عليه مشغولة كالكفالة (٢) .
٢- وذهب أبو حنيفة إلى أن المحتال لا يرجع إلى المحيل إلا بالتوى (٣) وهو بأحد أمرين: أن يجحد المحال عليه الحوالة، ويحلف ولا بينة للمحتال والمحيل، أو يموت مفلسًا بغير دين، ولا عين، ولا كفيل.
٣- وأضاف صاحباه إليهما حالة ثالثة وهي: أن يحكم بإفلاسه الحاكم في حياته (٤) .
٤- وذهب الثوري إلى أنه يرجع على المحيل في حالة الموت فقط (٥) .
٥- وذهب الحسن في رواية، وقتادة إلى أنه إذا كان يوم أحال عليه مليئًا لم يكن له حق الرجوع على المحيل (٦) .
٦- وذهب مالك إلى أن المحال لا يرجع على المحيل وإن أفلس المحال عليه، أو جحد بعد الحوالة، غير أن مالكًا استثنى حالتين هما:
الحالة الأولى: أن يعلم المحيل بإفلاسه فقط دون الحال، فحينئذ له الرجوع عليه، لأنه غره، قال الدردير: " والظاهر أن الظن القوي كالعلم، ومثل علمه بإفلاسه علمه بلدده، أو عدمه – أي فقره " (٧) .
وهناك رواية عن أحمد بمثل هذا القول (٨) .